. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحسنه قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها (١) صيرها لشدة جدالها كأنها تجادل عن غيرها. وبقى من أنواع التجريد أن يقصد التشبيه ويكون بمن أو فى نحو: رأيت من فلان أو فيه البحر أو لا يقصد التشبيه ويكون بالباء أو فى نحو: لى به أو فيه صديق حميم فكون المصنف جعل القسم الأول يكون بالباء فقط، والثانى بمن لا يظهر لى وجهه، واعلم أن فى انطباق بعض هذه الأقسام (على حد التجريد السابق) نظرا لأنك فى نحو: لا خيل عندك لم تجرد شيئا مثل نفسك فى صفة، بل جردت ذاتا من ذات لا باعتبار صفة إلا بأن نؤول على الصفة، واعلم أيضا أن حد التجريد يقتضى أن يكون المذكور هو المجرد، والذى يظهر فى نحو: رأيت منك صديقا ذلك، فيكون الصديق مجردا، والمخاطب مجردا منه، وفى نحو: رأيت بفلان البحر، أنك جردت من البحر حقيقة أخرى، وجعلتها الإنسان، إن كانت الباء للسببية، أى بسبب رؤية فلان، وإن كانت ظرفية فتكون جردت من البحر بحرا آخر جعلته فى الإنسان، ويحتمل أنك جردت الأوصاف الجسمية عن الإنسان، فإذا قلت:" سألت بفلان البحر" كأنك جردت عنه أوصافا جسمية وغيرها، فيكون البحر مجردا عنه لا مجردا، كأن البحر كان فى ضمنه، فلما أزيلت أوصاف الإنسان غير كونه بحرا لم يبق إلا البحر، فكان هو المسئول.
(تنبيه): يؤخذ من كلامهم أن فى" الباء" التجريدية قولين: أحدهما، أنها سببية، وأشار إليه فى الكشاف حيث قال فى قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٢) أى: فاسأله بسؤاله خبيرا، كقولك: رأيت به أسدا، أى: برؤيته انتهى، ونقل مثله عن أبى البقاء. والثانى: أنها ظرفية، واقتضى كلام الطيبى على الكشاف نقله، وأن قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ لا حاجة فيه إلى تقدير سؤاله، بل هى تجريدية من غير هذا التقدير، وأما من التجريدية، فكلام الزمخشرى يقتضى أنها بيانية حيث قال فى قوله تعالى: هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ. (٣) يحتمل أن تكون بيانية، كأنه قيل: هب لنا قرة أعين ثم بين القرة بقوله: مِنْ أَزْواجِنا وهو من قولهم: رأيت منك أسدا أى أنت أسدا انتهى، وفيه نظر، لأن من البيانية عند المثبت لها شرطها، أن يتقدم عليها المبين، والظاهر أن من التجريدية ابتدائية، أو ظرفية.
стр. 877
المبالغة
ومنه: المبالغة المقبولة، والمبالغة: أن يدّعى لوصف بلوغه فى الشدّة أو الضعف حدّا مستحيلا أو مستبعدا؛ لئلا يظنّ أنه غير متناه فيه (١).
وتنحصر فى: التبليغ، والإغراق، والغلوّ؛ لأن المدّعى: إن كان ممكنا عقلا وعادة:
فتبليغ؛ كقوله [من الطويل]:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا فلم ينضح بماء فيغسل
ــ
المبالغة: ص: (ومنه المبالغة المقبولة إلخ).
(ش): اختلفوا فى المبالغة، فمنهم من لا يرى لها فضلا محتجان (٢) بأن خير الكلام ما خرج مخرج الحق، وكان على نهج الصدق، ولأنها لا تكون إلا من ضعيف عجز عن الاختراع، والتوكيد يعمد إليها لسد خلله، ومنهم من يقصر الفضل عليها وينسب المحاسن كلها إليها، محتجا بأن أحسن الشعر أكذبه. حكاهما فى المصباح، ومقتضى تعليله أن المبالغة كذب. وليس كذلك، ولو كانت كذبا لما وردت فى القرآن، ولا السنة، وقسم فى المصباح المبالغة إلى ما كان باستعمال فى غير موضوع كالاستعارة، وما كان بتكرار مثل: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ (٣) أو تقسيم مثل: ونكرم جارنا البيت الآتى، وأما المصنف فقد جعل من البديع المعنوى المبالغة المقبولة وقدم المصنف عليها المبالغة مطلقا، وهو أن يدعى لوصف بلوغه فى الشدة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا، لئلا يظن أنه غير متناه فى ذلك الوصف، والضمير فى قوله: فيه مفرد، لأنه عائد لأحد المتعاطفين بأو وتنحصر المبالغة فى التبليغ والإغراق والغلو، ووجه الحصر أن المدعى للوصف من الشدة أو الضعف، إما أن يكون ممكنا عقلا وعادة، أو لا، فإن كان فيسمى تبليغا كقوله أى: امرئ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل (٤)
стр. 878
وإن كان ممكنا عقلا لا عادة: فإغراق؛ كقوله [من الوافر]:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
وهما مقبولان؛ وإلا (١) فغلوّ؛ كقوله [من الكامل]:
وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق
والمقبول منه أصناف؛ منها: ما أدخل عليه ما يقرّبه إلى الصحة؛ نحو: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (٢).
ــ
وصف الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيين فى مضمار واحد ولم يعرق والعداء (بالكسر) الموالاة بين الصيدين بصرع أحدهما فى أثر الآخر وفيه نظر، لأن هذا إخبار بالواقع بغير مبالغة، وإن كان ممكنا عقلا لا عادة سمى إغراقا كقوله:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا (٣)
فإن كون جاره لا يميل إلى جهة إلا تبعته كرامته مستحيل عادة ممكن عقلا، كذا قيل.
وفيه نظر لإمكان حمل ذلك على تزويده بما يصاحبه فى كل جهة يميل إليها، كما هى عادة الكرام، وهذا البيت أنشده عبد اللطيف البغدادى: ونكرم ضيفنا، وعزاه إلى عمرو بن الأيهم، وهما أى التبليغ والإغراق، مقبولان قوله (وإلا) أى وإن لم يكن القدر المدعى من شدة الوصف أو ضعفه ممكنا عقلا، فالمبالغة تسمى غلوا كقول أبى نواس:
وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق (٤)
ثم أخذ المصنف فى بيان المقبول من هذه الأقسام، فالقسمان الأولان وهما: التبليغ، والإغراق، مقبولان لأنهما من البديع (و) الثالث وهو الغلو المقبول منه أصناف، منها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظ: يكاد فى قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ولك أن تقول المستحيل كيف يقرب من الصحة بكاد أو غيرها، وكقول الشاعر، وقيل: هو ابن حميد الصقلى:
ويكاد يخرج سرعة عن ظلّه ... لو كان يرغب فى فراق رفيق (٥)
стр. 879
ومنها: ما تضمّن نوعا حسنا من التخييل؛ كقوله [من الكامل]:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا
وقد اجتمعا فى قوله [من الطويل]:
يخيّل لى أن سمّر الشّهب فى الدّجى ... وشدّت بأهدابى إليهنّ أجفانى
ومنها: ما خرّج مخرج الهزل والخلاعة؛ كقوله [من المنسرح]:
أسكر بالأمس إن عزمت على الش ... شرب غدا إنّ ذا من العجب
ــ
ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل، كقوله يعنى: أبا الطيب:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا (١)
وفى جميع هذه الأمثلة وكونها من المستحيل عقلا، نظر، إذ العقل لا يمنع أن يضئ الزيت، وأن يخرج الفرس عن ظله، وأن تعقد حوافر الخيل غبارا ويتكاثف حتى يمكن السير عليه، ولا استحالة فى انعقاد الغبار، وقد اجتمعا فى قوله، أى قول الأرّجانى يصف الليل بالطول:
يخيّل لى أن سمر الشهب فى الدّجى ... وشدّت بأهدابى إليهنّ أجفانى (٢)
فإن لفظة يخيل لى تقربه إلى الصحة؛ وفيه نظر، لأنها تجعله صحيحا لأن قوله: يخيل لى ممكن بأن يكون خيالا فاسدا، وفيه تخييل بليغ، وهو تسمير الشهب فى الدجى، ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة، كقوله:
أسكر بالأمس إن عزمت على الش ... شرب غدا إن ذا من العجب (٣)
عنه إنه كثير الرحمة لم تبالغ، وكما أنك إذا قلت: عندى ألف ليس فيه مبالغة بالنسبة إلى من قال: عندى واحد، ولا بد فى المبالغة من تجوز، نعم تحسن المبالغة إذا قلت: زيد رحيم خ خ، ولم يكن كثير الرحمة، بل أردت أن تبالغ فى الرحمة اليسيرة الواقعة منه لغرض من الأغراض، فهذه حينئذ مبالغة، وكذلك إذا قلت: عندى ألف رجل وأردت مائة تعظيما لهم فقد تبين بذلك أن هذه الألفاظ ليست موضوعة للمبالغة البديعية، وأن من يطلق عليه المبالغة، فذلك بحسب اصطلاح النحاة واللغويين،
стр. 880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نظرا إلى ما دل عليه بالنسبة إلى ما دل عليه مطلق اسم الفاعل، فليتأمل. ثم قال الرمانى:
من المبالغة التعبير بالصفة العامة فى موضع الخاصة، كقوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (١) قال: وكقول القائل: أتانى الناس ولعله لا يكون أتاه إلا خمسة، فاستكثرهم وبالغ فى العبارة عنهم. قلت: هذا صحيح، إلا أن التقييد بالخمسة لا أدرى مستنده فيه، وقد أطلق الناس على واحد، كقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ (٢) وأريد نعيم بن مسعود على ما ذكره جماعة على أن الشافعى رضى الله عنه نص على أن اسم الناس يقع على ثلاثة فما فوقها، وأن المراد بالناس فى قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ «٢» أربعة ثم جعل الرمانى من المبالغة إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم للمبالغة كقوله تعالى:
وَجاءَ رَبُّكَ (٣)، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ (٤) وإن كان المراد جاء أمره، وجعل من المبالغة إخراج الممكن إلى الممتنع مثل قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (٥) وجعل من المبالغة إخراج الكلام مخرج الشك، ومثله بقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦) ونحو قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ (٧) وجعل منه حذف الأجوبة للمبالغة نحو: وَلَوْ تَرى (٨) وهذا كله عرف مما سبق من علم المعانى والبيان. قال عبد اللطيف البغدادى: ومتى وقعت المبالغة فى قافية سميت إيغالا وهو أن يأتى البيت تاما من دون القافية، ثم تأتى القافية لحاجة البيت إلى الوزن فيزداد المعنى جودة وأنشد:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب (٩)
وقد تقدم هذا فى باب الإيجاز والإطناب.
(تنبيه): سمعت بعض المشايخ يقول: إن صفات الله - تعالى - التى هى على صيغة المبالغة كغفار، ورحيم وغفور، ومنان، كلها مجازات، وهى موضوعة للمبالغة ولا مبالغة
стр. 881
المذهب الكلامى
ومنه: المذهب الكلامى؛ وهو إيراد حجة للمطلوب على طريق أهل الكلام؛ نحو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١)،
ــ
فيها؛ لأن المبالغة أن يثبت للشئ أكثر مما له، وصفات الله - تعالى - متناهية فى الكمال لا تمكن المبالغة فيها، والمبالغة - أيضا - تكون فى صفات تقبل الزيادة والنقص، وصفات الله - تعالى - منزهة عن ذلك، وعرضب (٢) هذا الكلام على الوالد فاستحسنه، ولا شك أن هذا إنما يأتى تفريعا على أن هذه الأسماء صفات، فإن قلنا: علام؟ فلا يراد السؤال لأن العلم لا يقصد مدلوله الأصلى من مبالغة ولا غيرها، وسمعت بعض أهل العلم يقول: إنما لم يوجد لكثير من الشعراء المسلمين كثير من الشعر يمدحون به رسول الله ﷺ لأن الشعر إنما يحسن بالمبالغة، وهى متعذرة فى حقه ﷺ لأن المادحين - وإن بذلوا جهدهم - لا يصلون إلى قطرة من بحره، عليه أفضل الصلاة والسّلام.
المذهب الكلامى: ص: (ومنه المذهب الكلامى إلخ).
(ش): من البديع ما يسمى المذهب الكلامى، والجاحظ أول من ذكره، وأنكر وجوده فى القرآن (وهو أن يورد المتكلم حجة للمطلوب لما يدعيه على طريقة أهل الكلام) وينقسم إلى: قياس اقترانى، واستثنائى، واستقراء، وتمثيل وهو القياس المذكور فى الأصول وإنما لم يسموه المنطقى؛ لأن هذا المذهب أصله، كما ذكره ابن مالك عبارة عن نصب حجة صحيحة ما قطعية الاستلزام، فهو منطقى. أو ظنية فهى جدلية، غير أنه قد يقال - أيضا - أهل الكلام مطالبهم قطعية فكيف تسمى الحجة الظنية كلامية؟
وجوابه أنهم ربما يذكرون الحجة الظنية ليحصل من مجموعها القطع كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ
لَفَسَدَتا
فإن هذه مقدمة استثنائية ذكر فيها المقدمة الشرطية، وتقديره: لكنهما لم يفسدا، فلم يكن فيهما آلهة فالمقدمة الثانية استثناء نقيض التالى، فلازمه نقيض المقدم، (ومنه قوله) أى قول النابغة يعتذر إلى النعمان:
стр. 882
وقوله [من الطويل]:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بلّغت عنّى جناية ... لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب
ولكنّنى كنت امرأ لى جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكّم فى أموالهم وأقرّب
كفعلك فى قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا
ــ
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بلّغت عنّى خيانة ... لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب
ولكننى كنت امرأ لى جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكّم فى أموالهم وأقرّب
كفعلك فى قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا (١)
يقول: أنت أحسنت لقوم فمدحوك، وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم، فقوله: كفعلك، هو الإلزام وهذه الحجة تسمى تمثيلا، وهو القياس المذكور فى الأصول، وهو غاية إلزام فى القياس بوصف جامع وهو ظنى، وهو يرجع إلى الاقترانى، أو الاستثنائى إلا أن بعض مقدماته ظنية، وإن كان الاستلزام قطعيا، وفى هذه الأبيات إشكال على النابغة الناظم من وجهين: الأول، أنه ادعى أنه مدح أقواما فأحسنوا إليه، كما أن أقواما أحسن إليهم فمدحوه، وهذا عكس ما فعله هو وإنما يحصل الإلزام أن لو قال: ملوك حكمونى فى أموالهم فمدحتهم، وإلا فهو قد جعل مدحه لهؤلاء الملوك سابقا على إحسانهم، فلا يحصل الإلزام إذ لم يكن له داع إلى الابتداء بمدحهم. الثانى، فى قوله:
стр. 883
حسن التعليل
ومنه: حسن التعليل؛ وهو أن يدّعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقى، وهو أربعة أضرب؛ لأنّ الصفة إمّا ثابتة قصد بيان علّتها، أو غيّر ثابتة أريد إثباتها:
ــ
فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا وهل أحد يرى أن مادحه مذنب، وإنما كان ينبغى أن يقول: فلم يرهم غيرك مذنبين بمدحهم لك فلأى شئ ترانى أنت مذنبا بمدحى لغيرك؟ وقد يكون المذهب الكلامى بقياس اقترانى، كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (١) أى الإعادة أهون من الابتداء، والأهون أدخل فى الإمكان وهو المطلوب: قوله: أغش وأكذب معناه: غاش وكاذب، إذ ليس فيه تفضيل، ولك أن تقول: هذا النوع كله ليس من البديع، لأنه ليس فى هذا تحسين لمعنى الكلام والمقصود، بل المعنى المقصود هو منطوق اللفظ، فالإتيان بهذا الدليل هو المقصود، فهو تطبيق على مقتضى الحال، فيكون من المعانى لا من البديع، وأنشد ابن رشيق فى المذهب الكلامى:
فيك خلاف لخلاف الذى ... فيه خلاف لخلاف الجميل
وقال عبد اللطيف البغدادى: إن المذهب الكلامى كل ما فيه محيى العلوم العقلية كقوله:
محاسنه هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال
حسن التعليل: ص: (ومنه حسن التعليل، وهو أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقى).
(ش): إنما قال: مناسبة له - وإن كان كل علة مناسبة - ليبين أنها ليست علة بل فيها مناسبة ما باعتبار لطيف معناه بأمر لطيف عند البلغاء، وغير حقيقى أى خيالى، وليس حقيقيا؛ بل بالادعاء، ولذلك بدأ بقوله:
أن يدعى وهو أربعة أضرب؛ لأن الصفة التى تريد أن تثبت لها علة، إما ثابتة أى لها تحقق وقصد بيان علتها، أو غير ثابتة أريد إثباتها بإثبات علتها، والأولى أى الصفة الثابتة، إما أن لا يظهر لها فى العادة
стр. 884
والأولى: إما ألّا يظهر لها فى العادة علة؛ كقوله [من الكامل]:
لم يحك نائلك السّحاب وإنّما ... حمّت به فصبيبها الرّحضاء
أو يظهر لها علة غير المذكورة؛ كقوله [من الرمل]:
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتّقى إخلاف ما ترجو الذّئاب
فإنّ قتل الأعداء فى العادة لدفع مضرّتهم، لا لما ذكره.
والثانية: إما ممكنة؛ كقوله [من البسيط]:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك إنسانى من الغرق
ــ
علة أو يظهر الأول أن تكون صفة ثابتة لا يظهر لها فى العادة علة كقوله يعنى:
أبا الطيب:
لم يحك نائلك السّحاب وإنّما ... حمّت به فصبيبها الرّحضاء (١)
فالوصف الثابت المعلل هو نزول المطر ولا يظهر له فى العادة علة فأثبت له علة، وهى أن السحاب حمت بنائله حسدا له، وغيرة منه فصبيبها أى مطرها الرحضاء وهو العرق عقيب الحمى، وفيه نظر، لأن المطر فى العادة يكون لمصالح العباد ومنافعهم. والثانى، وهو أن تكون الصفة ثابتة ويظهر أن لها علة غير المذكورة، كقول أبى الطيب:
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتّقى إخلاف ما ترجو الذّئاب (٢)
فإن قتل الملوك أعداءهم فى العادة للانتقام منهم ودفع مضرتهم، لا لما ذكره، وفيه مبالغة فى الشجاعة والجود وتحقيق الرجاء وإنجاز الوعد وأنه ليس ممن يسرف فى القتل طاعة للغيظ والحنق على الأعداء، واعلم أن هذه القصيدة للمتنبى جميعها خارجة عن قواعد العروض؛ لأنها من بحر الرمل وهو استعمل عروضه كاملا على" فاعلاتن" وهو لا يجوز إلا شاذا، بل يجب فى مثلها الحذف، قوله: (والثانية) إشارة إلى الصفة المعللة غير الثابتة، إما ممكنة، وهى الضرب الثالث كقوله أى: قول مسلم بن الوليد:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك إنسانى من الغرق (٣)
стр. 885
فإنّ استحسان إساءة الواشى ممكن؛ لكن لمّا خالف الناس فيه، عقّبه بأنّ حذاره منه نجّى إنسانه من الغرق فى الدموع.
أو غير ممكنة؛ كقوله [من البسيط]:
لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق
وألحق به ما يبنى على الشك؛ كقوله [من الطويل]:
كأنّ السّحاب الغرّ غيّبن تحتها ... حبيبا فما ترقأ لهنّ مدامع
التفريع
ومنه: التفريع؛ وهو أن يثبت لمتعلّق أمر حكم بعد إثباته لمتعلّق له آخر؛
ــ
فإن استحسان إساءة الواشى ممكن، لكنه لما خالف الناس، أى ادعى وقوع هذا الاستحسان عقبه بعلته ليكون مقربا لتصديقه، فعلله بأن حذاره منه نجى إنسانه من الغرق فى الدموع قوله: (أو غير ممكنة) إشارة إلى الضرب الرابع، وهو ما كانت الصفة المعللة فيه غير ممكنة، كقوله: أى كمعنى بيت فارسى ترجمته:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق (١)
فإن نية الجوزاء خدمته صفة غير ثابتة، وهى ممتنعة فلذلك علله بقوله: لما رأيت عليها عقد منتطق قوله: (وألحق به) أى ألحق بحسن التعليل ما بنى على الشك، وليس منه لبنائه على الشك، كقوله أى قول أبى تمام:
كأنّ السّحاب الغرّ غيّبن تحتها ... حبيبا فما ترقأ لهنّ مدامع (٢)
أى تحت الربى، والسحاب هنا جمع، لأنه يستعمل مفردا أو جمعا، وفى بعض النسخ حييا بالياء وفى بعضها حنينا بالنون، واعلم أن قول المصنف: وليس به لبناء الأمر فيه على الشك فيه نظر، أما أولا، فلأنه ليس فى الكلام شك، وأما ثانيا فلأن كأن ليست للشك على الصحيح، بل ترد حيث وقعت إلى التشبيه.
التفريع: ص: (ومنه التفريع إلخ).
(ش): التفريع أن يثبت لمتعلق أمر، أى لمتعلق لأمر حكم بعد إثباته لمتعلق له آخر، كقوله أى الكميت:
стр. 886
كقوله [من البسيط]:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفى من الكلب
تأكيد المدح بما يشبه الذم
ومنه: تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ، وهو ضربان:
ــ
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفى من الكلب (١)
فإنه أثبت لدمائهم أنها تشفى من الكلب بعد أن أثبت لأحلامهم أنها تشفى من سقام الجهل، وقد يقال: ليس هذا بمثال مطابق؛ لأن الحكم المثبت ثانيا ليس هو المثبت أولا فإن الشفاء من الكلب غير الشفاء من الجهل، وإنما المصنف نظر إلى أن مطلق الشفاء شئ واحد، وإنما قال: تشفى من الكلب، لأنه يقال: من عضه كلب كلب فلا دواء له أنجع من دم شريف، يشرط الإصبع اليسرى من رجله اليسرى، ويؤخذ من دمه قطرة على تمرة وتطعم المعضوض منه فيبرأ، وسمى هذا تفريعا لتفريع المتكلم الثانى فيه على الأول، هذا ما ذكره المصنف، وقال فى المصباح: التفريع ضربان: الأول أن يأتى بالاسم منفيا بما ويتبعه بتعظيم أوصافه ثم يخبر بأفعل التفضيل، كقول أبى تمام:
ما ربع ميّة معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب (٢)
الثانى أن يأتى بصفة يقرن بها أبلغ منها فى معناها، كقوله:
أحلامكم لسقام الجهل (٣)
البيت انتهى، ولم ينظر ابن مالك فى البيت، لاتحاد الوصف بالشفاء، بل أسند مع البيت السابق قول ابن المعتز:
كلامه أخدع من لحظه ... ووعده أكذب من طبعه (٤)
تأكيد المدح بما يشبه الذم: ص: (ومنه تأكيد المدح إلخ).
(ش): من البديع المعنوى تأكيد المدح بما يشبه الذم، بأن يبالغ فى المدح إلى أن يأتى بعبارة يتوهم السامع فى بادئ الأمر أنه ذم وهو ضربان: أفضلهما، أى أبلغهما
стр. 887
أفضلهما: أن يستثنى من صفة ذمّ منفية عن الشئ صفة مدح بتقدير دخولها فيها؛ كقوله [من الطويل]:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (١)
أى: إن كان فلول السيف عيبا، فأثبت شيئا منه على تقدير كونه منه، وهو محال، فهو فى المعنى تعليق بالمحال، فالتأكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشئ ببيّنة، وأنّ الأصل فى الاستثناء هو الاتصال؛ فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شئ مما قبلها، فإذا وليها صفة مدح، جاء التأكيد.
ــ
أن ينفى عن الممدوح صفة ذم، ويستثنى من صفة الذم المنفية صفة مدح مقدر دخول تلك الصفة الحميدة فى صفة الذم، ولا بد فى تلك الصفة الحميدة أن يكون بينها وبين الصفة الذميمة علاقة مصححة بدخولها فى الصفة المذمومة المنفية، ومنه قول النابغة الذبيانى:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
ونظيره:
ولا عيب فيهم غير أنّ ضيوفهم ... تعاب بنسيان الأحبّة والوطن (٢)
فتخيل فى البيت السابق أولا أن فلول السيوف عيب، فدخل فى عموم العيب المنفى، ثم أخرجه بالاستثناء، فثبت بالإخراج شئ من العيب على تقدير كون فلول السيوف من العيب، وهو محال فهو فى المعنى تعليق وجدان شئ من العيب فيهم على المحال، والمعلق على المحال محال، فالتأكيد فى المدح فيه من وجهين: الأول، أنه كدعوى الشئ ببينة، كأنه استدل على أنه لا عيب فيهم بأن ثبوت عيب فيهم معلق بكون فلول السيوف عيبا، وهو محال والثانى: أن الأصل فى الاستثناء الاتصال، فذكر أداة الاستثناء، قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شئ مما قبلها، وأنه إثبات عيب، فإذا جاء المدح بعدها تأكد المدح، لإثبات مدح بعد مدح، وقول المصنف: يوهم إخراج شئ مما قبلها فيه نظر؛ لأنه قرر أن الاستثناء متصل، وإذا كان متصلا فذكره لا يوجب للسامع أن يعتقد ويجزم بإخراج شئ مما قبلها، لا أنه يتوهم
стр. 888
والثانى: أن يثبت لشئ صفة مدح، ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له؛ نحو: أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش وأصل الاستثناء فيه - أيضا - أن يكون متصلا كالضّرب الأوّل؛ لكنّه لم يقدّر متصلا؛ فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثانى؛ ولهذا كان الأول أفضل.
ومنه ضرب آخر؛ وهو نحو: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا (١) والاستدراك فى هذا الباب كالاستثناء؛
ــ
(الثانى، أن يثبت لشئ صفة مدح وتعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له، كقوله ﷺ : (أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أنى من قريش) (٢) وأصل الاستثناء فيه) أى فى هذا الضرب (أن يكون منقطعا) لكنه لا يقدر متصلا كما قررناه فى الضرب قبله، فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثانى، وهو أن سامعه يتوهم أولا ثبوت صفة ذم ثم يزول ذلك، ويتأكد المدح بتكرره بخلاف الأول فإنه يفيده بالوجهين السابقين؛ فلذلك قلنا:
الأول أفضل قال فى الإيضاح: وأما قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (٣) فيحتمل الوجهين وأما قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً (٤) فيحتملهما، ويحتمل وجها ثالثا، وهو أن يكون الاستثناء من أصله متصلا؛ لأن معنى السّلام هو الدعاء بالسلامة، وأهل الجنة عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من قبيل اللغو، لولا ما فيه من فائدة الإكرام، ثم قال المصنف: (ومنه) أى من تأكيد المدح بما يشبه الذم (ضرب آخر) أى ثالث وهو نحو قوله تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا أى ما تعيب منا إلا أصل المفاخر وهو الإيمان، وإنما جعل هذا ضربا ثالثا؛ لأن الاستثناء فيه مفرغ وفى الأولين تام، والاستثناء فيه متصل حقيقة، وفى الأولين منقطع، واتصاله فى أحدهما بالفرض لا حقيقة. قلت: لم يظهر لى أن هذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأنهم لم يستثنوا الإيمان من العيب، وإنما استثنوه مما لا يعيب، ولا يلزم من كونه يعيب الإيمان بكفره وأن يكون عيبا معناه
стр. 889
كما فى قوله [من الطويل]:
هو البدر إلّا أنّه البحر زاخرا ... سوى أنّه الضّرغام لكنّه الوبل
تأكيد الذم بما يشبه المدح
ومنه: تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهو ضربان:
أحدهما: أن يستثنى من صفة مدح منفيّة عن الشئ صفة ذمّ له، بتقدير دخولها فيها؛ كقولك: فلان لا خير فيه إلا أنه يسئ إلى من أحسن إليه.
ــ
ليس فينا ما تجعله أنت عيبا إلا الإيمان، ثم قال المصنف: إن الاستدراك فى هذا الباب كالاستثناء، كما فى قوله أى قول البديع الهمذانى:
هو البدر إلّا أنّه البحر زاخرا ... سوى أنّه الضرغام لكنّه الوبل (١)
وسبب ذلك أن الاستثناء فى اللغة أعم منه فى الاصطلاح، وقد وقع الاستثناء فى القرآن، والمراد به الشرط فى قوله تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ (٢) أى لا يقولون: إن شاء الله، وكيف لا يكون الاستدراك فى هذا الباب كالاستثناء، والاستثناء فى ضربيه فى الأصل منقطع والمنقطع مقدر بلكن؟ بل قد يعترض على المصنف، فيقال: ليس هنا غير استدراك. ويجاب بأن القسم الأول فرضناه متصلا، والثالث متصل حقيقة، والثانى صورته استثناء.
تأكيد الذم بما يشبه المدح: ص: (ومنه تأكيد الذم إلخ).
(ش): هذا القسم على العكس مما قبله، وهو تأكيد الذم بما يشبه المدح (وهو ضربان: أحدهما، أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشئ صفة ذم بتقدير دخولها فيها) ومثله المصنف بقوله: فلان لا خير فيه إلا أنه يسئ إلى من أحسن إليه، وفى المثال نظر؛ لأن هذا الاستثناء يقدر فيه الاتصال ولا بد أن يكون فيه مناسبة بين الخصلة المستثناة، والخصال المحمودة، كما تقدم فى عكسه والإساءة لمن أحسن إليه ليس فيها شئ يشبه الخير، وعلاقة المضادة هنا بعيدة الاعتبار، فينبغى أن يمثل بما صورته صورة الإحسان، كقولك: فلان لا خير فيه إلا أنه يتصدق بما يسرقه خ خ، وهذا كالأول فى
стр. 890
وثانيهما: أن يثبت لشئ صفة ذمّ، ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة ذمّ أخرى له؛ كقوله: فلان فاسق إلا أنه جاهل.
وتحقيقهما على قياس ما مرّ.
الاستتباع
ومنه: الاستتباع؛ وهو المدح بشئ على وجه يستتبع المدح بشئ آخر؛ كقوله [من الطويل]:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدّنيا بأنّك خالد (١)
مدحه بالنهاية فى الشجاعة على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، وفيه أنه نهب الأعمار دون الأموال، وأنه لم يكن ظالما فى قتلهم.
ــ
إفادة تأكيد الذم بوجهين، وفى تقدير اتصاله وغير ذلك (وثانيهما: أن يثبت للشئ صفة ذم، وتعقب بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى، كقولك: فلان فاسق إلا أنه جاهل) قوله: (وتحقيقهما على قياس ما مر) أى فى جميع الأحكام من أن حكم الاستدراك حكم الاستثناء وغيره.
الاستتباع: ص: (ومنه الاستتباع إلخ).
(ش): من البديع المعنوى الاستتباع، وهو المدح بشئ على وجه يستتبع المدح لذلك الشئ بشئ آخر أى بصفة أخرى، وقيل: الاستتباع الوصف بشئ على وجه يستتبع وصفا آخر؛ ليعم المدح والذم، وفيه نظر، لأنه يتحد حينئذ بالقسم بعده، ومثله المصنف بقول أبى الطيب:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدّنيا بأنّك خالد
فإنه مدحه بالنهاية فى الشجاعة على وجه وهو نهب أعمار هذا الجم الغفير، فاستتبع ذلك مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، فإن ذلك مفهوم من تهنئة الدنيا بخلوده.
قوله: (وفيه) إشارة إلى وجهين من المدح فى البيت ذكرهما على بن عيسى الربعى:
أحدهما، (أنه نهب الأعمار دون الأموال) والثانى، (أنه لم يكن ظالما فى قتل أحد من المقتولين). قلت: لا أدرى من أين له دلالة هذا البيت على أنه لم ينهب الأموال، وعلى أنه
стр. 891
الإدماج
ومنه: الإدماج؛ وهو أن يضمّن كلام سيق لمعنى معنى آخر؛ فهو أعمّ من الاستتباع؛ كقوله [من الوافر]:
أقلّب فيه أجفانى كأنّى ... أعدّ بها على الدّهر الذّنوبا
فإنه ضمّن وصف الليل بالطّول الشكاية من الدهر.
التوجيه
ومنه: التوجيه؛ وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين؛ كقول من قال لأعور [من مجزوء الرمل]:
ليت عينيه سواء
ــ
لم يكن ظالما، ولا يخفى أن قوله: لهنئت الدنيا بأنك خالد فيه مبالغة، فإن أعمار المقتولين - وإن تكاثرت - متناهية. والتناهى لا يجامع الخلود الذى لا نهاية له، إلا أن يريد بالخلود المكث الطويل، على حد قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (١) وكان المصنف فى غنية عن ذكر هذا القسم بذكر الذى يليه.
الإدماج: وهو فى الأصل لف الشئ فى ثوب، والمراد هنا أن يضمن كلام سيق لمعنى معنى آخر، فهو أعم من الاستتباع؛ لأن ذلك فى المدح، وهذا مطلق، وعلى التفسير الآخر يكونان واحدا ومثاله قول أبى الطيب يصف طول الليل عليه:
أقلّب فيه أجفانى كأنّى ... أعدّ بها على الدّهر الذّنوبا (٢)
فإنه ضمن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر، وكثرة ذنوبه.
التوجيه: وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين، كقول من قال لأعور:
خاط لى عمرو قباء ... ليت عينيه سواء (٣)
стр. 892
السكاكى: ومنه متشابهات القرآن باعتبار.
الهزل يراد به الجد
ومنه: الهزل الذى يراد به الجدّ؛ كقوله [من الطويل]:
إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا فقل ... عدّ عن ذا، كيف أكلك للضّبّ؟!
تجاهل العارف
ومنه: تجاهل العارف؛ وهو - كما سماه السكاكى -: سوق المعلوم مساق غيره لنكتة: كالتوبيخ فى قول الخارجيّة [من الطويل]:
أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف
ــ
كذا أطلقه المصنف، ويجب تقييده بالاحتمالين المتساويين، فإنه إن كان أحدهما ظاهرا، والثانى خفيا، والمراد هو الخفى، كان تورية قال السكاكى: ومنه متشابهات القرآن باعتبار. ونقله المصنف عنه ولم يعترض، وفيه نظر؛ لأن متشابهات القرآن تقدم أنها من التورية؛ لأن أحد احتماليها - وهو ظاهر اللفظ - غير مراد وقوله: باعتبار يريد باعتبار مطلق الاحتمالين، لا باعتبار استواء الاحتمالين، فإنه لا استواء فى احتمال المتشابهات. قلنا: فهذا القدر ينفى أن يكون مما نحن فيه.
ومنه الهزل الذى يراد به الجد كقوله:
إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّبّ؟ (١)
فإنه أورده على سبيل الهزل، والمراد به الجد. قيل: لأن تميما تكثر أكل الضب، وفى هذا نظر لا يخفى، والذى يظهر أن قوله: كيف أكلك للضب؟ هزل لأن ظاهره السؤال عن أكل الضب، وهو أمر لا معنى لإرادة معناه عند طلب المفاخرة إلا الهزل، لكن المراد به الجد، وهو الإشارة إلى أن التميمى حقير عن أن يفاخر، وإنما شأنه الاشتغال بأكل الضب ونحوه من الهمم النازلة.
تجاهل العارف: ومنه تجاهل العارف، وسماه السكاكى سوق المعلوم مساق غيره، وسماه ابن المعتز الإعنات لنكتة أى لا يفعل ذلك إلا لاعتبار مقصود، كالتوبيخ فى قول: الخارجية.
قيل: هى ليلى بنت طريف ترثى أخاها حين قتله يزيد بن مزيد الشيبانى:
أيا شجر الخابور ما لك مورقا؟ ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف (٢)
стр. 893
والمبالغة فى المدح؛ كقوله [من البسيط]:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضّاحى
أو فى الذم؛ كقوله [من الوافر]:
وما أدرى ولست إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء؟!
ــ
فالاستفهام فى قولها: ما لك للتوبيخ، وهو تجاهل مع معرفتها أن الشجر لا يتأثر بموت من مات، ولقائل أن يقول: ليست النكتة هنا إرادة توبيخ الشجر؛ بل النكتة إرادة إيهام أن الحزن على المذكور من الأمور العامة، حتى لا يختص بها إنسان عن شجر فهو تجاهل، فأتى فى ظاهر اللفظ بالتوبيخ لنكتة المبالغة فى المدح على جهة الغلو بالوجه المستحيل، كقوله:
وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق (١)
وإنما أفردت ضمير الشجر رعاية للفظه، لا لمعناه، وإلا لأنثت، وإما أن يكون ذلك لإرادة المبالغة فى المدح فى قول البحترى:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضّاحى (٢)
فإنه تجاهل ادعى أنه لشدة مشابهة ابتسامتها لهذه الأمور، صار يشك فى أنها الواقع، وإن كان غير شاك، وهو - أيضا - من تناسى التشبيه، أو لقصد المبالغة فى الذم، كقول زهير:
وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء؟ (٣)
стр. 894
والتدلّه فى الحبّ فى قوله [من البسيط]:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
ــ
فإنه ادعى أنهم لشدة شبههم بالنساء فى الأوصاف الرذيلة، يشك الناظر فيهم أهم قوم، أى رجال، أم نساء، وفيه أن القوم يختص به الرجال على حد قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ (١) وقال الزمخشرى: واختصاص القوم بالرجال صريح فى الآية وفى البيت المذكور وفى قوله: اختصاص القوم بالرجال نظر، وصواب العبارة أن يقال: اختصاص الرجال بالقوم؛ لما يظهر بأدنى تأمل، وأما قوم عاد وثمود ونحو ذلك فقيل: يشمل الإناث - أيضا - تغليبا، وقال الزمخشرى: ليس بمتناول للفريقين، بل قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث؛ لأنهن توابع لرجالهن. قال: وهو فى الأصل جمع" قائم" كصوم وزور، ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر، قال بعض العرب:" إذا أكلت أحببت قوما وأبغضت قوما" أى قياما.
انتهى. ومراده أنه نقل بعد المصدرية إلى اسم الجمع، لكن قوله: إنه فى الأصل جمع فيه نظر، لأن فعل ليس من أبنية الجموع، إلا على مذهب أبى الحسن (أو التدله فى الحب) أى يتجاهل العارف للتدله فى الحب (فى قوله) وهو الحسين بن عبد الله الغريبى، ونسبه ابن منقذ إلى ذى الرمة:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر (٢)
كذا قال المصنف والذى يظهر أن هذا من المبالغة فى مدح ليلى وأنه من القسم السابق وزاد فى الإيضاح قسما لا أستحسن ذكر مثاله (٣)، وقد عدوا من تجاهل العارف ما ينبغى أن يسمى: تجهيل العارف، كقول الكفار لإخوانهم الكفار: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ (٤) فقد جهلوهم مع كونهم عارفين بالنبى ﷺ لغرض فاسد لهم لعنهم الله.
стр. 895
القول بالموجب
ومنه: القول بالموجب؛ وهو ضربان:
أحدهما: أن تقع صفة فى كلام الغير كناية عن شئ أثبت له حكم، فتثبتها لغيره من غير تعرّض لثبوته له أو انتفائه عنه؛ نحو: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (١).
ــ
القول بالموجب: ص: (ومنه القول بالموجب إلخ).
(ش): من البديع المعنوى ما يسمى القول بالموجب وهو قريب من القول بالموجب المذكور فى الأصول والجدل، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع، ومن أحسنه قوله تعالى:
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ (٢) ويمكن أن يجعل منه قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا (٣) وقد جعل المصنف القول بالموجب ضربين: أحدهما، أن تقع صفة فى كلام الغير، ولا يحسن دخول الألف واللام على غير، وتكون تلك الصفة كناية عن شئ أثبت له حكم، فتثبت فى كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشئ، من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له، أو انتفائه عنه، نحو قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فإنهم ذكروا صفة، وهى العزة والذلة، باعتبار أن ذكر الأعز والأذل ذكر للعزة والذلة؛ لأنهما يتضمنانهما وكنوا بالصفة عن شئ؛ لأنهم عنوا بالأعز، فريقهم، وبالأذل فريق المؤمنين، وأثبتوا لذلك الشئ حكما، فإنهم أثبتوا لفريقهم أن يخرجوا، ولفريق المؤمنين أن يخرجوا، فأثبت الله - تعالى - تلك الصفة، وهى العزة للمؤمنين، وينبغى أن يقال: وأثبت الصفة الأخرى، وهى الذلة للكفار، المدلول عليها بتقديم الخبر فى قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ فإنه يدل على أن لا عزة لغيره، ومن لا عزة له ذليل من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم، وهو صفة الإخراج أو انتفائه عنه، أى عن الفريق الموصوف بتلك الصفة، ولا شك أن عدم ذكر الحكم أبلغ؛ لأنه إذا ثبت للمؤمنين أنهم الأعز كان الإخبار بإخراجهم للكفار مستغنى عنه باعتراف الكفار به، واعترافهم أن من هذه صفته يخرج وهو معنى بديع، وبه يتضح أن هذا نوع من
стр. 896
والثانى: حمل لفظ وقع فى كلام الغير على خلاف مراده، ممّا يحتمله بذكر متعلّقه؛ كقوله [من الخفيف]:
قلت: ثقّلت إذ أتيت مرارا ... قال: ثقّلت كاهلى بالأيادى
ــ
المذهب الكلامى السابق، لأنه إلزام بالحجة، فإنهم قالوا: الأعز يخرج الأذل، وفريق المؤمنين هو الأعز، فيلزم من ذلك أن المؤمنين يخرجون الكفار بقياس اقترانى. والثانى من القول بالموجب حمل لفظ وقع فى كلام غير الشخص على خلاف مراده، مما يحتمله بذكر متعلقه، وينبغى أن يشترط فى الاحتمال الذى حمل عليه الكلام أن يكون موجودا، كقوله:
قلت ثقّلت إذ أتيت مرارا ... قال: ثقّلت كاهلى بالأيادى
قلت: طوّلت قال لا بل تطوّل ... ت، وأبرمت قال: حبل ودادى (١)
فإنه قال: بموجب قوله: فى" ثقلت" وفى" أبرمت" ولكنه صرفه إلى غير مقصود المتكلم، وحمله على غير مراده، ولا شك أنه - أيضا - نوع من تجاهل العارف، وفيه لطف باعتبار الرد على المتكلم على وجه بلغ الغاية فى التأدب وعدم المواجهة بالرد وليس فى قوله: قلت: طولت، قال:" لا بل تطولت" قول بالموجب، فإنه رد عليه بقوله: لا، وأثبت شيئا آخر، فإن التطويل غير التطول واعلم أن هذا الضرب الثانى من القول بالموجب، هو الأسلوب الحكيم المذكور فى علم المعانى، والذى يظهر أن من القول بالموجب، قوله:
قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لى جبّة وقميصا (٢)
لأنه قال بموجب قولهم، فأجاب بتعيين المطبوخ، كما سألوه وحمل اللفظ الواقع منهم على غير مرادهم، فإنهم أرادوا حقيقة الطبخ، فحمله على مطلق الصنع الذى هو أعم من الطبخ والخياطة، فطلب فردا من أفراد ذلك النوع، وهو الخياطة وسماها طبخا مجازا، كما سبق. قال فى الإيضاح: وقريب من هذا قول الآخر:
стр. 897
الاطراد
ومنه: الاطّراد؛ وهو أن تأتى بأسماء الممدوح أو غيره وأسماء آبائه، على ترتيب الولادة، من غير تكلّف؛ كقوله [من الكامل]:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
ــ
وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادى
وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن فى فؤادى
وقالوا: قد صفت منّا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادى (١)
قال: والمراد البيتان الأولان ولك أن تجعل نحوهما ضربا ثالثا. قلت: لم يظهر لى ما يتميز به هذا عن الضرب السابق، حتى يجعل ثالثا ولم يظهر الفرق بين البيت الثالث والأولين.
الاطراد: ومنه الاطراد، وهو أن تأتى بأسماء المذكور وآبائه ممدوحا كان أو غيره على ترتيب الولادة الابن، ثم الأب، ثم الجد، كقول الشاعر:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب (٢)
وبهذا المثال تعلم أن إطلاق الآباء فيه تجوز، لأنه ليس فى البيت إلا أبوان، وكقول دريد بن الصمة:
قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذئاب بن أسماء بن زيد بن قارب (٣)
стр. 898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنه قوله ﵊: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ابن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم (١) صلّى الله عليهم أجمعين ولك أن تقول: قد عد المصنف مثل هذا فى أول الكتاب مستهجنا، ومثله بقوله:
يا علىّ بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة فى خياره (٢)
وما ذكره المصنف من حد الاطراد هو المشهور، ومنهم من يسمى الاطراد ذكر الأسماء مطلقا وكذلك صنع ابن رشيق فى العمدة، فإنه جعل الاطراد فى قول المتنبى:
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد (٣)
واعلم أن ابن رشيق قال عن المتنبى: إنه جاء بالتعسف كله فى قوله لسيف الدولة:
فأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا بنه ... تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد (٤)
قال: وجعله أنياب الخلافة بقوله:
أولئك أنياب الخلافة كلّها ... وسائر أملاك البلاد الزّوائد (٥)
قالوا: هم سبعة بالممدوح والأنياب فى المتعارف أربعة، إلا أن تكون الخلافة تسامحا، أو كلب بحر، فإن أنياب كل واحد منهما ثمانية، اللهم إلا أن يريد أن كل واحد ناب للخلافة فى زمانه فقط، فيصح (وفيه من الزيادة على ما قبله) أنه زاد فى العدد واحدا وأنه جعل كل ابن هو أبوه فى الخلافة، وكرر كل اسم مرتين فى بيت واحد، فهم أربعة أسماء انتهى.
стр. 899
المحسنات اللفظية
وأما اللفظىّ:
[الجناس]
فمنه:
الجناس بين اللفظين، وهو تشابههما فى اللفظ:
ــ
ورد عليه الصقلى فى العدة: أن هذا ليس من الاطراد وأن هذا ليس تعسفا؛ لأن مقصوده لا يصح إلا بهذا التكرير، قال: وقوله:" إنهم سبعة" ليس بصحيح، بل ستة، والحيوان - وإن كان له أربعة أنياب - فإنما المعول عليه منهن اثنان، فللخلافة فى كل عصر نابان الأب والابن انتهى. قلت: قوله:" ليس هذا المراد" بناء على رأى المتأخرين وابن رشيق لعله لا يخصه بذلك، وقوله:" إنهم ستة" غلط بل سبعة، كما قال ابن رشيق، فإن منهم ابن سيف الدولة المذكور فى البيت الأول.
المحسنات اللفظية: ص: (وأما اللفظى فمنه الجناس إلخ).
(ش): لما انقضى ما ذكره من أنواع البديع المعنوية شرع فى أنواعه اللفظية أى التى يحصل بها تحسين اللفظ فقط، فقال: فمنه الجناس بين اللفظين، ويسمى التجنيس، وهو حسن ما لم يكرر كما سيأتى، قال فى كنز البلاغة: ولم أر من ذكر فائدته. وخطر لى أنها الميل إلى الإصغاء إليه، فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها؛ ولأن اللفظ المشترك إذا حمل على معنى ثم جاء، والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوف إليه اه.
والعبارة الثانية قاصرة على بعض أنواع الجناس، وكفى التجنيس فخرا قوله ﷺ :
" غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله وعصية عصت الله" (١) وهو مشتق من حروف الجنس، لأن كلا من اللفظين المتجانسين من جنس الآخر، وهو استعمال اصطلاحى يدل عليه أن ابن سيدة قال فى المحكم: الجنس الضرب من كل شئ، وجمعه أجناس، وجنوس، وكان الأصمعى يدفع قول العامة: هذا مجانس لهذا، إذا كان من شكله، ويقول: ليس عربيا صحيحا، وقول المتكلمين: تجانس الشيئان ليس بعربى - أيضا - إنما هو توسع، ثم فسر المصنف جناس اللفظين بأنه تشابههما فى اللفظ، والمراد
стр. 900
والتامّ منه: أن يتفقا فى أنواع الحروف، وفى أعدادها، وفى هيئاتها، وفى ترتيبها:
ــ
باللفظين ما لفظ به أعم من أن يكون كل منهما كلمة واحدة أو أكثر، ليدخل الجناس المركب، كما سيأتى، وقد يقال: إن هذا الرسم يدخل نحو: قام زيد قام زيد وغيره من التأكيد اللفظى، فإن ادعى أن هذا فى الحقيقة لفظ واحد لاتحاد معناه، فيرد نحو قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (١) لأن الخشية الثانية غير الأولى، فإن قال: هما متحدان فى جنس الخشية، فيرد عليه نحو: زيد بن عمرو وزيد بن بكر فإن معناهما مختلف، فليكن جناسا، وليس كذلك، ثم يرد عليه أنه غير جامع لخروج نحو: يحيى يحيا أحدهما الاسم، والآخر فعل فإنهما فى اللفظ متحدان لا متشابهان، بل شئ واحد فإن ادعى أنهما متشابهان، فإن حقيقتهما مختلفة فى المعنى، وإنما يتشابهان فى النطق، فيدخل فى الجناس نحو:" زيد بن عمرو وزيد بن بكر" كما سبق، ويرد عليه - أيضا - نحو:" قام زيد وقام عمرو" وليس بجناس، ثم إن مطلق المشابهة فى اللفظ تصدق بما ليس بجناس، كما إذا كانا متفقين فى لام الكلمة فقط، أو عينها، أو فائها. وقوله:" تشابه اللفظين" أى الملفوظين، وقوله:" فى اللفظ" أى النطق، فالأول للمفعول، والثانى للمصدر قوله: (والتام منه) إشارة إلى أن الجناس أنواع: منها التام وهو (أن يتفقا) اللفظان (فى أنواع الحروف) بأن يكون كل حرف فى أحدهما هو فى الآخر، وأما الاتفاق بأشخاص الحروف فمستحيل، إذ يلزم أن يكون لفظا واحدا، لا لفظين (وأعدادها) أن يكون عدد حروفهما واحدا فخرج نحو: سلا، وسلاسل، فإن أنواع حروفهما واحدة، وليس تاما، ولو قال: عددها لكان أدل وأخصر، والمراد بالعدد: ما عدا الحرف المشدد، فإنه - وإن كان حرفين - فإنما يعد فى هذا الباب حرفا واحدا كما سيأتى (وهيئاتها) أى فى الحركات والسكنات، فخرج نحو: بل وبلى والمراد غير هيئة الحرف الأخير، وأما الحركة الإعرابية، فاختلافها لا يدفع تمام الجناس، لما سيأتى. والمراد - أيضا - غير الساكن من أول حرفى المشدد فلا نظر إليه، بل وجوده كعدمه كما سيأتى (وترتيبها) خرج به نحو: حفر وفرح ووجه حسن هذا القسم أن فيه صورة الإعادة وحسن الإفادة (فإن كانا) أى اللفظان المتفقان فى ذلك كله
стр. 901
فإن كانا من نوع؛ كاسمين، سمى مماثلا؛ نحو: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ (١)
وإن كانا من نوعين، سمى مستوفى؛ كقوله [من الكامل]:
ما مات من كرم الزّمان فإنّه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله
ــ
(من نوع واحد كاسمين سمى مماثلا نحو قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ) ومن هنا نعلم أن الحركة الإعرابية لا يكون اختلافها مانعا من كون الجناس تاما، لأن ساعة والساعة مختلفا حركة الآخر، وكذلك الألف واللام التعريفية، لا تخل بالتمام لأنها زائدة عن الكلمة، ويقال: ليس فى القرآن جناس تام غيرها.
قيل: ومنه ما روى عنه ﷺ خلوا بين جرير والجرير أى دعوا له زمانه، ومنه قول الشاعر:
حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتّال (٢)
الأول جمع أجل (بالكسر)، وهو القطيع من بقر الوحش. والثانى، جمع أجل وهو منتهى العمر، ولم يمثلوا للفظين من نوعى فعل، وهو كثير مثل: تربت يمين المسلم وتربت يمين الكافر، أى استغنت الأولى وافتقرت الثانية، وكذلك من نوعى حرف، كقولك: ما منهم من قائم (وإن كانا) أى اللفظان اللذان بينهما جناس تام (من نوعين سمى) الجناس (مستوفى كقوله) أى أبى تمام:
ما مات من كرم الزّمان فإنّه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله (٣)
واعلم أن تسمية الأول مماثلا، والثانى مستوفى قد يقال: عكسه أولى؛ لأن الأول وقع فيه استيفاء التشابه بين اللفظين، بخلاف الثانى، ولعل جوابه أنهم لاحظوا فى التماثل حصول الاستواء من كل وجه، لأن التمثيل كالتشابه، لا يكون إلا عند التساوى من كل وجه، إلا ما به الاختلاف - كما سبق - وهذا مثال لأحد الأقسام، ولم يمثلوا لغيره، فمنه أن يختلفا اسما وحرفا، كقولك:" ما ما فعلت قبيح"، ومنه أن يختلفا فعلا وحرفا، كقوله: إنّ أن الأنين يسلى الكئيبا.
стр. 902
وأيضا: إن كان أحد لفظيه مركّبا، سمى جناس التركيب، فإن اتفقا فى الخطّ، خصّ باسم المتشابه؛ كقوله [من المتقارب]:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه
وإلا خصّ باسم المفروق؛ كقوله [من المديد]:
كلّكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا
ما الّذى ضرّ مدير ال ... جام لو جاملنا
ــ
ثم للتام تقسيم آخر أشار إليه بقوله: (وأيضا إن كان أحد لفظيه مركبا) أى سواء كان الآخر مركبا فيكونان مركبين، أم لا، ويسمى جناس التركيب. قال فى الإيضاح: ثم إن كان المركب منهما مركبا من كلمة وبعض كلمة، سمى مرفوا كقول الحريرى:
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكى الوبل حال مصابه
ومثّل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه (١)
يعنى أن المصاب فى الأول مفرد، والثانى مركب من صاب خ خ، وميم مطعم، ولا نظر إلى الضمير المضاف إليه فيهما، فالأول مفرد، والثانى مركب من كلمة وبعض أخرى. قال: (وإلا) أى وإن لم يكن المركب منهما مركبا من كلمة وبعض أخرى، وهذا القسم هو الذى اقتصر عليه فى التلخيص، وقسمه إلى قسمين، فقال: (فإن اتفقا فى الخط خص باسم المتشابه كقوله) أى قول أبى الفتح البستى:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه (٢)
ذاهبه الأول مضاف ومضاف إليه، والثانى اسم فاعل (وإلا) أى وإن اختلفا فى الخط (خص باسم المفروق كقوله) أى قول أبى الفتح البستى:
كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا (٣)
ما الذى ضر مدير ال ... جام لو جاملنا (٤)
стр. 903
وإن اختلفا فى هيئات الحروف فقط، يسمّى محرّفا، كقولهم: (جبّة البرد جنّة البرد)، ونحوه: (الجاهل إمّا مفرط أو مفرّط)، والحرف المشدّد فى حكم المخفّف؛ كقولهم: (البدعة شرك الشّرك).
ــ
فقوله: جام لنا الأول اسم لا وخبرها وقوله: جاملنا ثانية فعل، أى عاملنا بالجميل، وقد علم بما ذكرناه انقسام الجناس التام والمركب إلى ستة أقسام: متماثل، ومستوفى، وكل منهما إما مركب مرفو، أو متشابه، أو مفروق. واعلم أن قول المصنف:
المركب منهما يدخل فيه ما إذا كانا مركبين من كلمتين مثل: جام لنا وجاملنا وبعضهم فهم أن المراد أن يكون أحدهما مركبا والآخر مفردا، وجعل الذى كلمتاه المتجانستان مركبتان نوعا آخر، سماه جناس التلفيق، ومثله بقول البستى:
إلى حتفى سعى قدمى ... أرى قدمى أراق دمى (١)
ثم القسم الثانى من الأصل، أن يختلف اللفظان فى هيئات الحروف فقط، أى مع الاستواء فى نوعها وعددها وترتيبها، فسمى الجناس محرفا، كقولهم: جبة البرد جنة البرد فالبرد والبرد متفقان فيما عدا الهيئة بضم أول أولهما، وفتح أول ثانيهما، ومثلوه أيضا بقولهم: منع البرد البرد والظاهر أنه تصحيف، - وإن كان صحيحا فى المعنى -، فإن المنقول البرد البرد - بفتح الباءين، والمراد بالبرد الثانى النوم، كقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢) ومنه قول الشاعر:
وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا (٣)
ومنه قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٤) ونحوه الجاهل إما مفرط، أو مفرط، نقله فى الإيضاح عن السكاكى ثم استشعر المصنف سؤالا، وهو أن مفرط فيه حرف مشدد فحروفه أربعة، فلا يكون الاختلاف بينه وبين مفرط بالهيئات فقط، بل بالحروف - أيضا - فأجاب بأن المشدد فى هذا الباب فى حكم المخفف نظرا إلى الصورة، وهذا اصطلاح لا مشاحة فيه، وإلا فأى معنى للنظر إلى الصورة والجناس أمر لفظى؟ ثم إن الاختلاف فى الحركة
стр. 904
وإن اختلفا فى أعدادها، يسمّى ناقصا؛ وذلك إمّا بحرف فى الأول؛ مثل: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (١)، أو فى الوسط؛ نحو: جدّى جهدى خ خ،
ــ
والسكون لا وجود له فى الصورة كما أن الاختلاف بالتشديد والتخفيف لا وجود له فى الصورة، وبما قلناه صرح المطرزى فقال: فى أول شرح المقامات: وربما وقع الاختلاف بالحركة والسكون أو بالتشديد والتخفيف، كقولهم: البدعة شرك الشرك وقولهم: الجاهل مفرط أو مفرط (٢) ينبغى أن ينظر فيه إلى اللفظ، وهو مختلف بالضرورة، واعلم أن المصنف قسم فى الإيضاح المحرف إلى: ما كان الاختلاف فيه فى الحركة فقط، ومثله بمفرط، ومفرط نقلا عن السكاكى، ولا يصح ذلك، فإنهما مختلفان بالسكون لا بالحركة، فإن الفاء فى مفرط ساكنة، وفى مفرط متحركة، كما سيأتى فى الشرك والشرك، وهذا لا يرد على المصنف فى التلخيص؛ لأنه أطلق أن مفرط ومفرط نحو: البرد والبرد، وهو صحيح؛ لأنه مثله فى مطلق اختلاف الهيئة، ثم نقله عن السكاكى ليس بصحيح، فإن السكاكى مثل به لمطلق اختلاف الهيئة، ولم يمثل به لاختلاف الهيئة بالحركة. قوله:
(وكقولهم) أى قول الناس: البدعة شرك الشرك هو مثال للقسم الثانى، وهو ما كان اختلافه بهيئة الحركة والسكون، أى بأن يكون الحرف الواحد فى إحداهما متحركا وفى الأخرى ساكنا، كالراء فى شرك وشرك، والاختلاف بالسكون فقط لا يمكن، إذ هو لا يختلف كالحركة. قوله: (وإن اختلفا فى أعدادها) إشارة إلى القسم الثانى من أقسام الاختلاف، وهو القسم الثالث من الأصل، أى فإن اختلف اللفظان المتجانسان فى عدد الحروف (سمى الجناس ناقصا) لأن اختلافهما فى عدد الحروف يلزم منه نقصان أحدهما لا محالة (وذلك) النقصان إما بحرف واحد أو لا، والذى بحرف واحد، إما أن يكون الحرف الناقص هو الأول، وإليه أشار بقوله: (إما بحرف فى الأول) ولو قال: أول صفة لحرف لكان أحسن كقوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ فهو جناس نقص عن التمام الحرف الأول وهو الميم (أو) بحرف (فى الوسط نحو: جدى جهدى) أى حظى، ولم ينظروا هنا إلى كون الحرف المشدد بحرفين،
стр. 905
أو فى الآخر؛ كقوله [من الطويل]:
يمدّون من أيد عواص عواصم
وربّما سمّى هذا مطرّفا.
وإمّا بأكثر؛ كقولها [من الكامل]:
إنّ البكاء هو الشّفا ... ء من الجوى بين الجوانح
وربّما سمى هذا مذيّلا.
وإن اختلفا فى أنواعها، فيشترط ألّا يقع بأكثر من حرف:
ــ
فيكون فى كل من الكلمتين حرف ليس فى الآخر؛ بل جعلوا المشدد كالمخفف كما تقدم فى المحرف (أو) بنقص حرف (فى الآخر كقوله) أى أبى تمام:
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب (١)
(وربما سمى هذا) أى القسم الأخير الناقص (مطرفا) ووجه حسنه أنك تتوهم قبل ورود آخر كلمة أنها هى التى مضت وأتى بها للتأكيد، وفى ذلك تحصيل فائدة جديدة بعد اليأس منها (وإما) أن يكون النقص (بأكثر) من حرف واحد (كقولها) أى الخنساء:
إنّ البكاء هو الشّفاء ... من الجوى بين الجوانح (٢)
فقد نقص فى الأول عن الثانى حرفان، وربما سمى ما نقص عن مجانسه بأكثر من حرف مذيلا، وتسمية هذا مذيلا أظهر فى المثال المذكور، وهو ما إذا كان فى الأول نقص عن الثانى بحرفين، فإنه وقع تذييل الثانى منه، بخلاف ما إذا قيل فى الجوانح الجوا فإن الكلمة الأخيرة فيه غير مذيلة، والتذييل إنما يكون فى الأخير. قوله:
(وإن اختلفا فى أنواعها) إشارة إلى القسم الثالث من أقسام الاختلاف، وهو أن تختلف أنواع الحروف، فمن شرطه أن لا يقع الاختلاف بأكثر من حرف، فإن كان بأكثر خرج عن كونه جناسا. وقوله: (فيشترط) لم يكن به حاجة إلى هذه الفاء الداخلة على
стр. 906
ثمّ الحرفان: إن كانا متقاربين سمّى مضارعا، وهو إمّا فى الأوّل؛ نحو:
بينى وبين كنّى (١) ليل دامس وطريق طامس، أو فى الوسط؛ نحو: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ (٢)، أو فى الآخر؛ نحو: الخيل معقود بنواصيها الخير (٣).
وإلا سمّى لاحقا، وهو - أيضا - إمّا فى الأوّل؛ نحو: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (٤)، أو فى الوسط؛ نحو: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٥)، أو فى الآخر؛ نحو: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ (٦)
ــ
المضارع فى جواب الشرط، ثم الحرفان اللذان وقع الاختلاف بهما، إن كانا متقاربين سمى الجناس مضارعا، وهو أى اختلاف الحرفين بالنوع إما فى الأول، كقول الحريرى: بينى وبين كنى ليل دامس وطريق طامس فالاختلاف بالطاء والدال، وهما حرفان متقاربان، كلاهما من الحروف الشديدة أو فى الوسط، كقوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ فوقع الاختلاف بالهمزة والهاء، وهما حرفان حلقيان. أو فى الحرف الأخير نحو قوله ﷺ : الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٧) فإن الاختلاف بالراء واللام، وهما من حروف الذلاقة قوله: (وإلا) أى إن لم يكن الحرفان اللذان وقع الاختلاف بينهما متقاربين، (سمى) الجناس (لاحقا) واللاحق أيضا إما باختلاف الحرفين فى الأول، كقوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ أو يقع الاختلاف فى الوسط نحو: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ فوقع الاختلاف فى الوسط بالفاء والميم، وهذا فيه إشكال؛ لأن الفاء والميم متقاربان؛ لكونهما من حروف الذلاقة، ومن حروف الشفة، فكيف يكونان متباعدين؟ أو فى الأخير نحو قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ فوقع الاختلاف بالنون والراء، وفيه نظر - أيضا - لأنهما من
стр. 907
وإن اختلفا فى ترتيبها، سمى تجنيس القلب؛ نحو: حسامه فتح لأوليائه حتف لأعدائه خ خ، ويسمّى قلب كلّ، ونحو: اللهمّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا (١)، ويسمى قلب بعض.
وإذا وقع أحدهما (٢) فى أوّل البيت،
ــ
حروف الذلاقة. قوله: (وإن اختلفا فى ترتيبها) إشارة إلى النوع الرابع من الاختلاف، وهو أن يختلفا فى ترتيب الحروف فيسمى تجنيس القلب، وهو قسمان: أحدهما، نحو قولهم:
حسامه فتح لأوليائه حتف لأعدائه. قال: (ويسمى هذا قلب كل) وهذا أحسن من قوله فى الإيضاح: يسمى قلب الكل؛ لأن كل لا يدخل عليها الألف واللام فى القياس، والثانى نحو ما روى فى بعض الأخبار:" اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" (٣) وكذلك قول بعضهم: رحم الله امرأ أمسك ما بين فكيه وأطلق ما بين كفيه. وكذلك قول أبى الطيب:
ممنّعة منعّمة رداح ... يكلّف لفظها الطّير الوقوعا (٤)
ويسمى هذا قلب بعض؛ لأن عورة وروعة اتفقا فى الحرف الأخير وهو التاء فلا قلب فيها وانقلب ما سواها، كانقلاب فتح وحتف، وفى كفيه وفكيه، كذلك لم يقع القلب فى الحرف الأخير. وفى ممنعة ومنعمة كذلك، فإن القلب لم يقع فى الحرف الأول والأخير، بل فيما بينهما، ولم يقع فيما بينهما على الترتيب، كما يظهر بالتأمل، ولك أن تقول: ينبغى أن يسمى القسم الأول - أيضا - قلب بعض، فإن الحرف المتوسط وهو التاء فى حتف وفتح، لم ينقلب كما لم ينقلب الأخير فى عورة وروعة وإلا فما الذى أوجب تسمية أحدهما بقلب بعض والآخر بقلب كل؟ إنما يكون بجعل الأول فى أحدهما ثانيا مثلا، والثانى ثالثا، والثالث أولا، ثم أشار المصنف إلى فرع من ذلك، وهو أنه (إذا وقع أحد المتجانسين جناس القلب فى أول البيت)
стр. 908
والآخر فى آخره، سمّى مقلوبا مجنّحا. وإذا ولى أحد المتجانسين (١) الآخر، سمّى مزدوجا ومكرّرا ومردّدا؛ نحو: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢).
ويلحق بالجناس شيئان:
أحدهما: أن يجمع اللفظين الاشتقاق؛ نحو: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ (٣)
ــ
وينبغى أن يقول: أو أول الفقرة ليعم النظم والنثر، إلا أن مثله فى النثر سيأتى فى رد العجز على الصدر. (والآخر فى آخره سمى مقلوبا مجنحا) كقول الشاعر:
لاح أنوار الهدى من ... كفّه فى كلّ حال (٤)
ولقائل أن يقول: إذا سمى هذا مقلوبا مجنحا، فتسميته مقلوبا لكونه جناس قلب، وتسميته مجنحا لكون كلمتى الجناس فيه واقعتين فى جناحى البيت، فلا بدع أن يسمى الجناس التام وغيره من الأقسام السابقة تاما مجنحا، وكذلك الجميع، إلا أن يكونوا لاحظوا مناسبة بين الجناح والقلب لسرعة تقلب الجناح، ثم قال: (وإذا ولى أحد المتجانسين الآخر) أى سواء كانا من جناس القلب أم لا (سمى مزدوجا ومكررا ومرددا، كقوله تعالى: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) واعلم أن المصنف أهمل أن يقع الاختلاف فى أمرين من الأمور السابقة. قوله: (ويلحق بالجناس) إشارة إلى ما يلحق بالجناس، وإن لم يكن منه فى الحقيقة، وهو شيئان: أحدهما، أن يجمع اللفظين الاشتقاق - أى الصغير - بأن يتفقا فى ترتيب الحروف والهيئات، مثل:" فرح زيد من المرح" فقد وقع الاختلاف بترتيب الحروف وبالهيئات معا، كقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ وقوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ (٥) وقوله ﷺ :" الظلم ظلمات يوم القيامة" (٦) وقول الشافعى رضى الله عنه فى النبيذ: أجمع أهل الحرمين على تحريمه، وقول أبى تمام:
فيا دمع أنجدنى على ساكنى نجد
стр. 909
والثانى: أن يجمعهما المشابهة؛ وهى ما يشبه الاشتقاق؛ نحو: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١)
ــ
وفى جعل بعض هذه الأمثلة من الاشتقاق الأصغر نظر (والثانى: أن يجمعهما المشابهة) يشير إلى ما إذا لم يكن بينهما اشتقاق أصغر بل كان بينهما ما يشبهه، وهو اشتقاق أكبر أى اتفاق فى الحروف فقط من غير اشتراط الترتيب، نحو قوله تعالى:
إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ وقوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٢) فإن قال: والقالين يشبهان المشتقين بالاشتقاق الأصغر، وليس منه لأن القالين من القلى، وقال: من القول ومعناهما أيضا مختلف.
(تنبيه): ذكر غير المصنف أنواعا من التجنيس، منها: التجنيس المعتل، وهو ما تقابل فى لفظيه حرفا مدّ ولين متغايران أصليان أو زائدان، مثل: نار ونور، وشمال وشمول، ومنها التجنيس المقصور، نحو: سنا وسناء، ومثل: جنا وجناح، ومنها تجنيس التنوين إما مقصور، نحو: شجى وشجن، أو منقوص، نحو: مطاعن ومطاع، فى قافية نونية ذكر ذلك كله حازم، ومنها تجنيس الإشارة، وسماه حازم تجنيس الرسالة، وهو أن يكنى عن إحدى الكلمتين، كقوله:
إنى أحبك حبا لو تضمنه ... سلمى سميك زل الشاهق الراسى (٣)
أراد بسميها سلمى أحد جبلى طيئ، وجعل منه الزنجانى وعبد اللطيف البغدادى قوله:
حلقت لحية موسى باسمه ... وبهرون إذا ما قلبا (٤)
وكذلك قول الشماخ:
وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفة حرون (٥)
стр. 910
رد العجز على الصدر
ومنه: ردّ العجز على الصّدر:
وهو فى النّثر: أن يجعل أحد اللفظين المكرّرين أو المتجانسين أو الملحقين بهما فى أوّل الفقرة، والآخر فى آخرها؛
ــ
يشير إلى الأروى التى فى الجبال. قال حازم: ومنها تجنيس الإضافة مثل: بدر تمام وليل تمام وكقول البحترى:
أيا قمر التمام أعنت ظلما ... علىّ تطاول الليل التمام
(تنبيه): قال فى كنز البلاغة: جناس التصحيف أن يتغير الشكل والنقط، مثل:
يحسنون ويحسبون وجناس التحريف أن يتغير الشكل فقط، مثل: مسلم ومسلم واللها واللهى، وجناس التصريف أن تنفرد إحدى الكلمتين عن الأخرى بحرف واحد، مثل:
تفرحون وتمرحون، وجناس الترجيع أن يرجع الكلمة بذاتها غير أنها تزيد حرفا واحدا أو حرفين، مثل: ربهم بهم.
(تنبيه): الصنف الواحد من التجنيس فى الصفة الواحدة، لا ينبغى أن يقع بين أكثر من لفظين وأن لا يعززا بثالث إلا حيث يكون المعنى يقتضى اقتران أشياء يصدق عليها لفظ متفق باشتراك وتواطؤ، فيكون فى اقتران تلك الأشياء على وجوه من التعلق، تحسين للمعنى، فيعبر عن تلك الأشياء على جهة تجنيس أو تصدير أو ترديد ونحوه، فأما ما فوق ذلك فمكروه عندهم نقله حازم، قال: وأما مقدار ما يستعمل فى القصيدة من أصناف التجنيس، فيجب أن لا يعنى بكثرته كل العناية، فإن ذلك شاغل عن النظر فى المعانى قال: وأحق التجنيس أن يحتمل تكراره المشتق والملحق به، وأحقها بالإقلال المركب، والمصحف، وقال التنوخى: كل ما يستحسن من البديع إذا كثر سمج كالتجنيس والمطابقة
رد العجز على الصدر: ص: (ومنه رد العجز على الصدر إلخ).
(ش): أى من أنواع التحسين اللفظية، لا من الجناس، كما توهمه الخطيبى لتصريح السكاكى، وكل من تكلم فى هذا
العلم بعده بما قلناه رد العجز على الصدر، ويسمى التصدير، وهو تارة يكون فى النظم، وتارة يكون فى النثر ففى النثر هو عبارة عن جعلك أحد اللفظين المتكررين، أو المتجانسين، أو الملحقين بهما، أى بالمتجانسين فى أول الفقرة والآخر فى آخرها، فخرج العكس، نحو: عادات السادات سادات
стр. 911
نحو: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (١)، ونحو: (سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل)، ونحو: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (٢). ونحو: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (٣)
وفى النّظم: أن يكون أحدهما فى آخر البيت، والآخر فى صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو آخره، أو صدر المصراع الثانى؛
ــ
العادات. فإنه إنما وقع فيه أحد اللفظين فى أول سجعة، والآخر فى آخر الأخرى، نحو قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فأحد اللفظين المكررين فى أول الآية، ولا يخدش فى ذلك تقدم الواو، لأنه يصدق على الفعل بعدها أنه فى أول الفقرة، وإن لم يكن أولها - والآخر وهو تخشاه فى آخرها، وهذا مثال المتكررين، وبه يعلم أن من شرط التجانس اختلاف المعنى، ومثال المتجانسين، قولهم:" سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل" لأن الأول من السؤال، والثانى من السيلان، ومثال ما ألحق بالمتجانسين من المشتقين اشتقاقا أصغر قوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً فإن غفارا واستغفروا يرجعان لمادة واحدة، وإنما جعل استغفروا أول الفقرة، وإن كان أولها" فقلت" لأن المراد بالفقرة فى كلام نوح ﵇ المحكى، لا فى الحكاية، ومثال الملحق بالمتجانسين من الضرب الثانى الراجع إلى الاشتقاق الأكبر نحو قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ وهذا على العكس مما قبله، لأنه اعتبر رد العجز على الصدر فى الحكاية، لأنه وقع بين قال والقالين، وفى الذى قبله اعتبره فى المحكى.
هذا ما يتعلق برد العجز على الصدر فى النثر، وأما فى النظم فهو أن يكون أحدهما فى آخر البيت، والآخر فى صدر المصراع الأول أى فى أول البيت، أو فى حشوه أى حشو المصراع الأول، أو آخره أو صدر المصراع الثانى، فالأقسام حينئذ أربعة كل منها: إما أن يكون بالمتكررين، أو بالمتجانسين أو بالملحقين بالوجه الأول، أو بالوجه الثانى، فتكون الأقسام بالضرب ستة عشر، ولم يبق إلا أن يكون أحد الطرفين فى حشو الثانى، والآخر فى آخره، ولم يذكره المصنف، وهو جدير بالطرح، لأنه إن عدم الفاصل بينهما ففى إطلاق الرد عليه بعد - وإن وجد -، فالمسافة بينهما حينئذ قصيرة، وقد يتعذر ذلك كما فى المنهوك، أو المشطور، أو المجزوء، ويوجد فى بعض نسخ التلخيص،
стр. 912
كقوله [من الطويل]:
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعى النّدى بسريع
وقوله [من الوافر]:
تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
وقوله [من الطويل]:
من كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما (١)
ــ
أو حشو الثانى، وهو بعيد لأنه لو أراد ذلك لاستغنى عن التعداد، وقال: أحدهما فى آخره، والآخر فى شئ من البيت، لكن السكاكى ذكر هذا القسم، وجعل الأقسام الخمسة ثم أخذ المصنف فى الأمثلة، فمثال ما كان الصدر فيه فى أول المصراع الأول، وهما متكرران قوله:
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعى الندى بسريع (٢)
ومثال ما كان الصدر منه فى حشو المصراع الأول وهما متكرران قول الحماسى:
تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار (٣)
ومثال ما الصدر منه فى آخر المصراع الأول، وهما متكرران، قول أبى تمام:
من كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما (٤)
стр. 913
وقوله [من الطويل]:
وإن لم يكن إلّا معرّج ساعة ... قليلا فإنّى نافع لى قليلها
وقوله [من الوافر]:
دعانى من ملامكما سفاها ... فداعى الشّوق قبلكما دعانى (١)
وقوله [من الكامل]:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل (٢)
ــ
ومثال ما كان الصدر منه فى أول المصراع الثانى، وهما متكرران قول الحماسى:
وإن لم يكن إلا معرّج ساعة ... قليلا فإنى نافع لى قليلها (٣)
ومثال الخامس، وهو ما كان الرد فيه بالجناس، والصدر فى أول المصراع الأول، قول الأرجانى:
دعانى من ملامكما سفاها ... فداعى الشوق قبلكما دعانى
فإن" دعانى" الأول من الوداع بمعنى الترك، ودعانى الثانى من الدعاء بمعنى الطلب، ومثال السادس، وهو ما كان الصدر فيه فى حشو المصراع الأول، وهما متجانسان، قول الشاعر:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل (٤)
فإن البلابل فى المصراع الأول جمع" بلبل" وهو الطائر، وفى آخر البيت جمع" بلبلة، وهى ظرف الخمر، والمراد بها هنا الخمر مجازا، كذا قاله بعض الشارحين، ولا أدرى من أين له ذلك، ويمكن أن يقال: إنه جمع بلبلة الإبريق، فسمى إبريق الخمر بلبلة من إطلاق اسم الجزء على الكل، ومثال السابع، وهو ما كان الصدر منه فى آخر المصراع الأول، وهما متجانسان قول الحريرى:
стр. 914
وقوله [من الوافر]:
فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى (١)
وقوله [من السريع]:
أمّلتهم ثم تأمّلتهم ... فلاح لى أن ليس فيهم فلاح (٢)
وقوله [من المتقارب]:
ضرائب أبدعتها فى السّماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا (٣)
وقوله [من الطويل]:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شئ سواه بخزّان
ــ
فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى (٤)
المثانى الأول القرآن والآخر جمع مثنى وهو آلة من آلات اللهو، ومثال الثامن وهو ما كان الصدر منه فى أول المصراع الثانى قول الأرجانى:
أملتهم ثم تأملتهم ... فلاح لى أن ليس فيهم فلاح
ومثال التاسع وهو ما إذا كانا ملحقين بالجناس بالاشتقاق الأصغر والصدر فى أول المصراع الأول قوله أى البحترى:
ضرائب أبدعتها فى السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا
فإن الضرائب الأشكال، والضريب الشكل والشبيه ومثال العاشر، وهو ما كان كذلك والصدر فى حشو المصراع الأول، قوله أى امرئ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شئ سواه بخزّان (٥)
стр. 915
وقوله [من البسيط]:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط فى الخصر
وقوله [من الكامل]:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائرى ... أطنين أجنحة الذّباب يضير؟!
وقوله [من الطويل]:
وقد كانت البيض القواضب فى الوغى ... بواتر فهى الآن من بعده بتر
ــ
ونظيره قوله، أى قول المعرى:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط فى الخصر (١)
ولعله إنما ذكر هذا المثال مع الأول، وإن كان الأول كافيا؛ ليبين أن" لو" - وإن كانت حرفا - فتقديمها على اختصرتم ينفى أن يكون اختصرتم واقعا فى أول البيت، بخلاف" الواو" فيما سبق، فإن الواو إنما جئ بها للوصل، وليست من حروف المعانى المستقلة، غير أنه قد يمنع كون الخصر اسما مشتقا من الاختصار؛ لأن معناه فيه غير ملاحظ، ولولا أن المصنف أدخله فى أقسام الاشتقاق؛ لكان يحسن التمثيل به للقسم الثانى، وهو الملحق بالجناس؛ لإيهام الاشتقاق لكن المصنف طرح أمثلة ذلك النوع كلها، ومثال الحادى عشر، وهو ما كان كذلك والصدر فى آخر المصراع الأول قوله:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائرى ... أطنين أجنحة الذّباب يضير (٢)
ومثال الثانى عشر، وهو ما كان ملحقا بالجناس بحسب الاشتقاق الأصغر، والصدر فى أول المصراع الثانى، قول أبى تمام:
وقد كانت البيض القواضب فى الوغى ... بواتر وهى الآن من بعده بتر (٣)
فإنهما مشتقان من البتر، وهو القطع، وقد سكت المصنف عن مثل الأقسام الأربعة الملحقة بالتجانس بحسب الاشتقاق الأكبر؛ لقلة استعمالها.