نحو: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (١)، ونحو: (سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل)، ونحو: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (٢). ونحو: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (٣)
وفى النّظم: أن يكون أحدهما فى آخر البيت، والآخر فى صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو آخره، أو صدر المصراع الثانى؛
ــ
العادات. فإنه إنما وقع فيه أحد اللفظين فى أول سجعة، والآخر فى آخر الأخرى، نحو قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فأحد اللفظين المكررين فى أول الآية، ولا يخدش فى ذلك تقدم الواو، لأنه يصدق على الفعل بعدها أنه فى أول الفقرة، وإن لم يكن أولها - والآخر وهو تخشاه فى آخرها، وهذا مثال المتكررين، وبه يعلم أن من شرط التجانس اختلاف المعنى، ومثال المتجانسين، قولهم:" سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل" لأن الأول من السؤال، والثانى من السيلان، ومثال ما ألحق بالمتجانسين من المشتقين اشتقاقا أصغر قوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً فإن غفارا واستغفروا يرجعان لمادة واحدة، وإنما جعل استغفروا أول الفقرة، وإن كان أولها" فقلت" لأن المراد بالفقرة فى كلام نوح ﵇ المحكى، لا فى الحكاية، ومثال الملحق بالمتجانسين من الضرب الثانى الراجع إلى الاشتقاق الأكبر نحو قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ وهذا على العكس مما قبله، لأنه اعتبر رد العجز على الصدر فى الحكاية، لأنه وقع بين قال والقالين، وفى الذى قبله اعتبره فى المحكى.
هذا ما يتعلق برد العجز على الصدر فى النثر، وأما فى النظم فهو أن يكون أحدهما فى آخر البيت، والآخر فى صدر المصراع الأول أى فى أول البيت، أو فى حشوه أى حشو المصراع الأول، أو آخره أو صدر المصراع الثانى، فالأقسام حينئذ أربعة كل منها: إما أن يكون بالمتكررين، أو بالمتجانسين أو بالملحقين بالوجه الأول، أو بالوجه الثانى، فتكون الأقسام بالضرب ستة عشر، ولم يبق إلا أن يكون أحد الطرفين فى حشو الثانى، والآخر فى آخره، ولم يذكره المصنف، وهو جدير بالطرح، لأنه إن عدم الفاصل بينهما ففى إطلاق الرد عليه بعد - وإن وجد -، فالمسافة بينهما حينئذ قصيرة، وقد يتعذر ذلك كما فى المنهوك، أو المشطور، أو المجزوء، ويوجد فى بعض نسخ التلخيص،
стр. 912
كقوله [من الطويل]:
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعى النّدى بسريع
وقوله [من الوافر]:
تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
وقوله [من الطويل]:
من كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما (١)
ــ
أو حشو الثانى، وهو بعيد لأنه لو أراد ذلك لاستغنى عن التعداد، وقال: أحدهما فى آخره، والآخر فى شئ من البيت، لكن السكاكى ذكر هذا القسم، وجعل الأقسام الخمسة ثم أخذ المصنف فى الأمثلة، فمثال ما كان الصدر فيه فى أول المصراع الأول، وهما متكرران قوله:
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعى الندى بسريع (٢)
ومثال ما كان الصدر منه فى حشو المصراع الأول وهما متكرران قول الحماسى:
تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار (٣)
ومثال ما الصدر منه فى آخر المصراع الأول، وهما متكرران، قول أبى تمام:
من كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما (٤)
стр. 913
وقوله [من الطويل]:
وإن لم يكن إلّا معرّج ساعة ... قليلا فإنّى نافع لى قليلها
وقوله [من الوافر]:
دعانى من ملامكما سفاها ... فداعى الشّوق قبلكما دعانى (١)
وقوله [من الكامل]:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل (٢)
ــ
ومثال ما كان الصدر منه فى أول المصراع الثانى، وهما متكرران قول الحماسى:
وإن لم يكن إلا معرّج ساعة ... قليلا فإنى نافع لى قليلها (٣)
ومثال الخامس، وهو ما كان الرد فيه بالجناس، والصدر فى أول المصراع الأول، قول الأرجانى:
دعانى من ملامكما سفاها ... فداعى الشوق قبلكما دعانى
فإن" دعانى" الأول من الوداع بمعنى الترك، ودعانى الثانى من الدعاء بمعنى الطلب، ومثال السادس، وهو ما كان الصدر فيه فى حشو المصراع الأول، وهما متجانسان، قول الشاعر:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل (٤)
فإن البلابل فى المصراع الأول جمع" بلبل" وهو الطائر، وفى آخر البيت جمع" بلبلة، وهى ظرف الخمر، والمراد بها هنا الخمر مجازا، كذا قاله بعض الشارحين، ولا أدرى من أين له ذلك، ويمكن أن يقال: إنه جمع بلبلة الإبريق، فسمى إبريق الخمر بلبلة من إطلاق اسم الجزء على الكل، ومثال السابع، وهو ما كان الصدر منه فى آخر المصراع الأول، وهما متجانسان قول الحريرى:
стр. 914
وقوله [من الوافر]:
فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى (١)
وقوله [من السريع]:
أمّلتهم ثم تأمّلتهم ... فلاح لى أن ليس فيهم فلاح (٢)
وقوله [من المتقارب]:
ضرائب أبدعتها فى السّماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا (٣)
وقوله [من الطويل]:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شئ سواه بخزّان
ــ
فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى (٤)
المثانى الأول القرآن والآخر جمع مثنى وهو آلة من آلات اللهو، ومثال الثامن وهو ما كان الصدر منه فى أول المصراع الثانى قول الأرجانى:
أملتهم ثم تأملتهم ... فلاح لى أن ليس فيهم فلاح
ومثال التاسع وهو ما إذا كانا ملحقين بالجناس بالاشتقاق الأصغر والصدر فى أول المصراع الأول قوله أى البحترى:
ضرائب أبدعتها فى السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا
فإن الضرائب الأشكال، والضريب الشكل والشبيه ومثال العاشر، وهو ما كان كذلك والصدر فى حشو المصراع الأول، قوله أى امرئ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شئ سواه بخزّان (٥)
стр. 915
وقوله [من البسيط]:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط فى الخصر
وقوله [من الكامل]:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائرى ... أطنين أجنحة الذّباب يضير؟!
وقوله [من الطويل]:
وقد كانت البيض القواضب فى الوغى ... بواتر فهى الآن من بعده بتر
ــ
ونظيره قوله، أى قول المعرى:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط فى الخصر (١)
ولعله إنما ذكر هذا المثال مع الأول، وإن كان الأول كافيا؛ ليبين أن" لو" - وإن كانت حرفا - فتقديمها على اختصرتم ينفى أن يكون اختصرتم واقعا فى أول البيت، بخلاف" الواو" فيما سبق، فإن الواو إنما جئ بها للوصل، وليست من حروف المعانى المستقلة، غير أنه قد يمنع كون الخصر اسما مشتقا من الاختصار؛ لأن معناه فيه غير ملاحظ، ولولا أن المصنف أدخله فى أقسام الاشتقاق؛ لكان يحسن التمثيل به للقسم الثانى، وهو الملحق بالجناس؛ لإيهام الاشتقاق لكن المصنف طرح أمثلة ذلك النوع كلها، ومثال الحادى عشر، وهو ما كان كذلك والصدر فى آخر المصراع الأول قوله:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائرى ... أطنين أجنحة الذّباب يضير (٢)
ومثال الثانى عشر، وهو ما كان ملحقا بالجناس بحسب الاشتقاق الأصغر، والصدر فى أول المصراع الثانى، قول أبى تمام:
وقد كانت البيض القواضب فى الوغى ... بواتر وهى الآن من بعده بتر (٣)
فإنهما مشتقان من البتر، وهو القطع، وقد سكت المصنف عن مثل الأقسام الأربعة الملحقة بالتجانس بحسب الاشتقاق الأكبر؛ لقلة استعمالها.
стр. 916
السجع
ومنه: السجع؛ قيل: وهو تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، وهو معنى قول السكاكى: هو فى النّثر كالقافية فى الشعر.
وهو ثلاثة أضرب: مطرّف إن اختلفا فى الوزن،
ــ
(تنبيه): زاد بعضهم من أنواع الجناس: جناس الإضمار، وهو أن يضمر ركنا الإسناد ويذكر ألفاظ مرادفة لأحدهما، فيدل المظهر على المضمر، كقول الحلى:
وكلّ سيف أتى باسم ابن ذى يزن ... فى فتكه بالمعنى أو أبى هرم (١)
فإن ابن ذى يزن اسمه سيف، واسم أبى هرم سنان، وذكر الإمام فخر الدين، وغيره جناس الإشارة، وهو أن يطوى أحد ركنى الإسناد ... (٢)
(تنبيه): قسم صاحب بديع القرآن رد العجز على الصدر إلى: لفظى، وهو ما سبق.
وإلى معنوى، وهو ما رابطه معنوى كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (٣) فإن معنى صدر الكلام مناقض مع عجزه، والفرق بين هذا الضرب وبين التسهيم، أنّ تقاضى هذا معنوى، وتقاضى التسهيم لفظى.
السجع: ص: (ومنه السجع إلخ).
(ش): من البديع اللفظى السجع مأخوذ من سجع الحمام، وهو تغريده، وهو محمود، وقال الرمانى:" السجع عيب" وكأنه يريد ما يقصد لفظه غير تابع للمعانى، ويسمى غير ذلك فواصل - كما سيأتى - عن غيره. قال الخفاجى:" السجع محمود إنما الاستمرار عليه فى الدوام لا يحمد" ولذلك لم تجئ فواصل القرآن كلها على سبيل السجع، بل
فيه ذلك تارة وغيره أخرى، (قيل: وهو تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد) يعنى الكلمتين اللتين هما آخر القرينتين (وهو معنى قول السّكّاكى: هو فى النثر كالقافية فى الشعر وهو) ثلاثة أضرب: (مطرف إن اختلفتا) أى الفاصلتان
стр. 917
نحو: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١).
وإلّا، فإن كان ما فى إحدى القرينتين أو أكثره مثل ما يقابله من الأخرى فى الوزن والتقفية:
فترصيع؛ نحو: (فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه).
وإلّا فمتواز؛ نحو: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (٢).
وقيل: وأحسن السجع ما تساوت قرائنه؛ نحو: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣)، ثمّ ما طالت قرينته الثانية؛ نحو: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٤)،
ــ
فى الوزن، نحو قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قلت: وينبغى أن يكون المعتبر هو الوزن الشعرى لا التصريفى وحينئذ" فوقارا وأطوارا" يصلحان فى بيتين من قصيدة واحدة من بحر واحد كالرجز والكامل (وإلا) أى وإن لم تكن الفاصلتان على وزن واحد (فإن كان ما فى إحدى القرينتين أو أكثره) أى ما فى إحداهما (مثل ما يقابله من الأخرى فى الوزن والتقفية فهو ترصيع) وينبغى أن يقول:" مرصع" ليوافق قوله:
" فمطرف" وقوله:" فمتواز" (نحو) قول الحريرى: (فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه) وهذا يصلح أن يكون مثالا لما حصل الترصيع فيه فى جميع القرينتين إن قدرنا أولهما" يطبع"، وإن جعلنا أولهما" فهو" كان مثالا لما حصل فى أكثرهما. قوله: (وإلا) أى وإن لم يكن بين ألفاظ القرينتين تقابل، وكانت الفاصلة موازية لأختها (فالسجع يسمى متوازيا، كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ) وشرط حسن السجع اختلاف قرينتيه فى المعنى. قوله: (قيل) أى قال جماعة من الأدباء:
(وأحسن السجع ما تساوت قرائنه)؛ ليكون شبيها بالشعر، فإن أبياته متساوية، كقوله تعالى:
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وعلته أن السمع ألف الانتهاء إلى غاية فى السجعة الأولى، فإذا زيد عليها
ثقل عليه الزائد، لأنه يكون عند وصولها إلى مقدار الأولى كمن توقع الظفر بمقصوده من فهم المراد له، ولم يجده أمامه، كذا يظهر. قوله: (ثم) أى ثم إن كانتا مختلفتين، فالأحسن من المختلفتين (ما طالت قرينته الثانية) ولا اختصاص للثانية بذلك، بل يستحسن حيث لا تستوى القرائن أن تكون كل واحدة أطول مما قبلها، كقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى قوله:
стр. 918
أو الثالثة؛ نحو: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (١). ولا يحسن أن يؤتى بقرينة أقصر منها كثيرا.
والأسجاع مبنيّة على سكون الأعجاز؛ كقولهم: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت.
قيل: ولا يقال: فى القرآن أسجاع، بل يقال: فواصل.
ــ
(أو الثالثة) أى أو طالت قرينته الثالثة على ما قبلها، نحو قوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ وكلام المصنف يقتضى أن تطويل الثانية على الثالثة حيث لا بد من طول إحداهما، وعكسه سواء، وفيه نظر، لأن إيقاع طويلة بعد قصيرتين متساويتين أولى من الفصل بين المتساويتين بطويلة: ويدخل فى قوله: أو الثالثة استحسان طول الثالثة عن غيرها، فيدخل فى هذا الإطلاق ما ذكرناه من أن الثالثة يستحسن أن تكون أطول من الثانية، وأن تكون الثانية أطول من الأولى، وعلى هذا (ولا يحسن أن يولى قرينة) قرينة (أقصر منها كثيرا) أى لا يحسن أن تأتى قرينة قصيرة بعد قرينة طويلة، لأن السجع إذا استوفى أمده من السابقة لطولها وكانت اللاحقة أقصر بكثير، كان كالشئ المبتور ويصير السامع كمن يريد الانتهاء إلى غاية، فيعثر دونها. هذا الذى ذكرناه هو المشهور، وصرح الخفاجى: بأنه لا يجوز أن تكون الثانية أقصر من الأولى، لكن رأيت فى مختصر الصناعتين للعسكرى أن الأحسن أن تكون الثانية أقصر من الأولى، فلا أدرى أهو غلط من الناسخ أم لا. قوله: (والأسجاع) يشير إلى أن الأسجاع (٢) وينبغى أن يقول:
" القرائن المسجعات" فإن السجع، وهو التواطؤ - كما سبق - لا المتواطئ (مبنية على سكون الأعجاز) أى أصلها أن تكون ساكنة الأعجاز، أى الأواخر، أى موقوفا عليها، لأن الغرض المزاوجة بين كل واحدة وأخرى، وذلك لا يطرد
إلا بالوقف، كقولهم: (ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت) لأنك لو وصلته لاقتضى حكم الإعراب مخالفة حركة إحداهما للأخرى، فيفوت المقصود من السجع، وإذا كانوا يخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج، كالغدايا والعشايا، فما ظنك بما نحن فيه. قوله: (قيل) هذا هو المشهور أنه (لا يقال: فى قرائن القرآن الكريم أسجاع بل) إنما (يقال: فواصل) أما مناسبة فواصل، فلقوله تعالى:
стр. 919
وقيل: السّجع غير مختصّ بالنثر، ومثاله فى النّظم قوله [من الطويل]:
تجلّى به رشدى وأثرت به يدى ... وفاض به ثمدى وأورى به زندى
ــ
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ (١) وأما اجتناب أسجاع، فلأن أصله من سجع الطير فيشرف القرآن الكريم عن أن يستعار لشئ فيه لفظ هو فى أصل وضعه للطائر، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث فى اسم السجع الذى يقع فى كلام آحاد الناس، ولأن القرآن صفة الله - تعالى - ولم يجز وصفها بصفة لم يرد الإذن بها، كما لا يجوز ذلك فى حقه وإن صح المعنى على أن الخفاجى قال فى سر الفصاحة: إنه لا مانع فى الشرع أن يسمى ما فى القرآن سجعا. ونحن لا نوافقه على ذلك، وليس الخفاجى ممن يرجع إليه فى الشرعيات. قال الخفاجى - أيضا -: السجع الذى يقصد فى نفسه، ثم يحمل المعنى عليه، والفواصل هى التى تتبع المعانى غير مقصودة فى نفسها. قال: ولهذا سميت رءوس الآيات فواصل ولم تسم أسجاعا، ونقل عن الرمانى:
أن الفواصل بلاغة والأسجاع عيب. قال: وليس بصحيح، ثم قال: الفواصل ضربان:
ضرب يكون سجعا، وهو ما تماثلت حروفه فى المقاطع، مثل: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) وضرب لا يكون سجعا، وهو ما تقاربت حروفه فى المقاطع ولم تتماثل.
وحكى القاضى أبو بكر فى كتاب الانتصار، خلافا فى تسمية الفواصل سجعا، ورجح أنها تسمى بذلك، وقوله: (وقيل: السجع إلخ) يريد أن ما سبق من تعريف السجع يقتضى أن السجع لا يكون إلا نثرا، وقال بعضهم: السجع قد يكون فى النظم وإليه الإشارة بقوله: (وقيل: السجع غير مختص بالنثر) وهى عبارة مقلوبة، والصواب أن يقول: (النثر غير مختص بالسجع) لأن اختصاص السجع بالنثر أن لا يكون شئ من النثر إلا مسجعا، وهذا لا يقوله أحد، واختصاص النثر بالسجع أن لا يكون السجع إلا نثرا، وهو المقصود، وقد مثل للسجع الواقع فى النظم بقوله، أى قول أبى تمام:
تجلى به رشدى وأثرت به يدى ... وفاض به ثمدى وأورى به زندى (٣)
стр. 920
ومن السجع على هذا القول ما يسمّى التشطير؛ وهو جعل كلّ من شطرى البيت سجعة مخالفة لأختها؛ كقوله [من البسيط]:
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب فى الله مرتقب
الموازنة
ومنه: الموازنة؛ وهى تساوى الفاصلتين فى الوزن دون التقفية؛ نحو: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١).
ــ
والذى يظهر أن المعنى بالسجع فى النظم، ما لم تكن كل قرينة منه بيتا كاملا، فإن القرينتين فى البيت الواحد لا يصدق عليهما بمجردهما النظم، فإنهما لو تجردا عن بقية البيت لم يكونا نظما، فلا خلاف فى المعنى. قال: (ومن السجع على هذا القول ما يسمى التشطير، وهو أن يجعل كل من شطرى البيت سجعة مخالفة لأختها) أى يجعل فى كل من شطريه سجعتان، على روى مخالف لروى سجعتى الشطر الآخر (كقوله) يعنى أبا تمام:
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب فى الله مرتقب (٢)
قال فى الإيضاح: ثم السجع ينقسم إلى قصير، وطويل، ومتوسط، ثم قال: ومنه ما يسمى التصريع، وهو جعل العروض مقفاة تقفية الضرب، ومن أحسنه قول أبى فراس:
بأطراف المثقفة العوالى ... تفردنا بأوساط المعالى
الموازنة: ص: (ومنه الموازنة إلخ).
(ش): الموازنة منهم من عدها من ضروب السجع وجعله أربعة أضرب، ومنهم من لم يعدها منه، وهو الصحيح، فقوله:" منه" يريد من التحسين اللفظى (وهى تساوى الفاصلتين) لا يريد فى القرآن فقط، بل القرينتين (فى الوزن دون التقفية، نحو قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) ثم إن كان ما فى إحدى القرينتين أو
стр. 921
وإذا تساوى الفاصلتان: فإن كان ما فى إحدى القرينتين أو أكثره مثل ما يقابله من القرينة الأخرى فى الوزن، خصّ باسم المماثلة؛ نحو: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١)، وقوله [من الطويل]:
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلّا أنّ تلك ذوابل
القلب
ومنه: القلب؛ كقوله [من الوافر]:
وهل كلّ مودّته تدوم ... مودّته تدوم لكلّ هول
ــ
أكثر مثل ما يقابله من الأخرى فى الوزن خص باسم المماثلة نحو: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وفيه نظر لجواز أن يكون:
وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ جزء الفاصلة، ويكون آخرها (وتركنا عليهما فى الآخرين) هذا هو الظاهر، فلا تكون تلك فاصلة غير مقفاة، نعم يصح التمثيل بالبيت المذكور، وهو لأبى تمام:
مها الوحش إلّا أن هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلا أن تلك ذوابل (٢)
القلب: ص: (ومنه القلب إلخ).
(ش): من وجوه التحسين القلب، وهو أن يكون الكلام إذا قلبت حروفه، لم تتغير قراءته، وهو غير القلب السابق فى التجنيس، وغير القلب السابق فى علم المعانى، ومثله المصنف بقوله، أى الأرجانى:
أحبّ المرء ظاهره جميل ... لصاحبه وباطنه سليم
مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم (٣)
فإنه يمكن أن يقرأ من آخره لأوله، كما يقرأ من أوله لآخره، ويرد عليه أمور:
أحدها، أن تشديد دال مودته، وتخفيف دال تدوم يتعذر معهما القلب، لكنه ماش
стр. 922
وفى التنزيل: كُلٌّ فِي فَلَكٍ، (١)، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٢)
ــ
على اصطلاحهم من أن المشدد كالمخفف، وقد تقدم الاعتراض عليه. الثانى أن واو الضمير فى مودته تمنع من القلب، لأنها تكون عند القلب فاصلة بين التاء والهاء من مودته. الثالث، أن الحركات واختلافها يمنع القلب، وانقلاب المحرك ساكنا وعكسه، ومثله المصنف بقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ والتمثيل به سالم من السؤال الثانى دون الأول، وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أى من غير مراعاة الواو، وهو أصح الأمثلة، لا غبار عليه، ومثله فى الإيضاح بقول العماد الكاتب للقاضى:" الفاضل سر فلا كبابك الفرس" وجواب الفاضل له بقوله:" دام علا العماد" فأما كلام العماد فلا يصح القلب فيه، لأن ألف" فلا" تسقط فى القلب للوصل، وألف الفرس الساقطة للوصل تعود فى القلب، فلا ينقلب بحاله أبدا، وفيه تغيير الحركات كما سبق، وأما جواب الفاضل، فعليه السؤالان - أيضا - لأن ألف العماد فى أحد التركيبين دون عكسه، والحركات تتغير، وأنشدوا أيضا:
عج تنم قربك دعد آمنا ... إنما دعد كبرق منتجع (٣)
وهو فاسد، فإن آمنا لا ينقلب، إنما أبدا لما لا يخفى، فإن آمنا ألف بعد الهمزة، ونون واحدة، وليس فى آخرها ألف، وليس كذلك، إنما هذا الذى ذكره المصنف هو قلب الحروف، وبقى عليه نوع آخر يقال له: قلب الكلمات كقوله:
عدلوا فما ظلمت لهم دول ... سعدوا فما زالت لهم نعم
بذلوا فما شحت لهم شيم ... رفعوا فما زلت لهم قدم (٤)
فهو دعاء لهم، فإذا انقلبت كلماته صار دعاء عليهم، وهو:
نعم لهم زالت فما سعدوا ... دول لهم ظلمت فما عدلوا
قدم لهم زلت فما رفعوا ... شيم لهم شحت فما بذلوا (٥)
стр. 923
التشريع
ومنه: التشريع؛ وهو بناء البيت على قافيتين يصحّ المعنى عند الوقوف على كلّ منهما؛ كقوله [من الكامل]:
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها ... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
ــ
التشريع: قوله: (ومنه التشريع) وهى عبارة لا يناسب ذكرها، فإن التشريع قد اشتهر استعماله فيما يتعلق بالشرع المطهر، وكان اللائق اجتنابها، وحاصله أن المراد بناء البيت على قافيتين، يصح المعنى على الوقوف عند كل منهما، والمراد أن يكون على وزنين يصح أن يكون كل منهما بيتا مستقلا، كقول الحريرى:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار (١)
الأبيات المشهورة. قال ابن النحوية: وفى عبارة صاحب المثل هو أن يبنى الشاعر شعره على بحرين، والصواب أن يقال: على ضربين، فإن ذلك لا يتأتى فى بحرين، وإنما الصواب أن يقال: على ضربين من بحر واحد. قلت: فيه نظر، فقد يكون ذلك من بحرين، إذا كان البيت من المديد على فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن أمكن الشاعر أن يجعل بعض البيت على فاعلاتن أربع مرات، فيكون من الرمل المجزوء، مثاله أن يقول:
ليتهم سموه باسم سوى ذا فإنه فاتن ... إنما التشريع دين قويم (٢)
فإنه يمكن أن يسقط منه، فيقول:
ليتهم سموه باسم ... إنما التشريع دين (٣)
فينقلب من المديد إلى الرمل، ثم اعلم أن التقييد بقافيتين لا معنى له، فقد يكون أكثر، ومن أغرب ما رأيت فيه أبيات الحريرى من أول الكامل، فإنه بناها على سبع قواف وهو:
стр. 924
لزوم ما لا يلزم
ومنه: لزوم ما لا يلزم؛ وهو أن يجئ قبل حرف الرّوىّ - أو ما فى معناه من الفاصلة - ما ليس بلازم فى السجع؛ نحو: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١) وقوله (٢) [من الطويل]:
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشّكوى إذا النّعل زلّت
رأى خلّتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
ــ
جودى على المستهتر الصب الجوى ... وتعطفى بوصاله وترحمى
ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى ... ثم اكتشفى عن حاله لا تظلمى (٣)
ص: لزوم ما لا يلزم:
(ومنه) أى من التحسين اللفظى (لزوم ما لا يلزم، وهو أن يجئ قبل حرف الروى، أو ما فى معناه من الفاصلة) أو السجعة (ما ليس لازما فى السجع) والأولى أن يقال فى التقفية: ليعم السجع والنظم، كالهاء فى قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وقوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ثم قوله تعالى: ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٤) وكقول الشاعر:
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت (٥)
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشّكوى إذا النّعل زلّت
رأى خلّتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
стр. 925
وأصل الحسن فى ذلك كلّه: أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى، دون العكس.
ــ
قوله: (وأصل الحسن فى ذلك كله) أى فى النوع اللفظى (أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى دون العكس).
(تنبيه): اعلم أن أنواع البديع كثيرة، وقد صنف فيها، وأول من اخترع ذلك عبد الله بن المعتز، وجمع منها سبعة عشر نوعا، وقال فى أول كتابه:" ما جمع قبلى فنون البديع أحد، ولا سبقنى إلى تأليفه مؤلف، وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين، فمن أحب أن يقتدى بنا ويقتصر على هذه فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن، أو غيرها شيئا إلى البديع، ورأى فيه غير رأينا فله اختياره" وعاصره قدامة الكاتب، فجمع منها عشرين نوعا تواردا منها على سبعة، فكان جملة ما زاده ثلاثة عشر، فتكامل بها ثلاثون نوعا، ثم تتبعها الناس، فجمع أبو هلال العسكرى سبعة وثلاثين، ثم جمع ابن رشيق القيروانى مثلها، وأضاف إليها خمسة وستين بابا من الشعر، وتلاهما شرف الدين الشاشى، فبلغ بها السبعين، ثم تكلم فيها ابن أبى الإصبع، وكتاب المحرر أصح كتب هذا الفن، لاشتماله على النقل والنقد، ذكر أنه لم يؤلفه، حتى وقف على أربعين كتابا فى هذا العلم أو بعضه، وعددها فأوصلها تسعين، وادعى أنه استخرج هو ثلاثين، سلم له منها عشرون، وباقيها متداخل أو مسبوق به، وصنف ابن منقذ كتاب التفريع فى البديع، جمع فيه خمسة وتسعين نوعا، ثم إن السكاكى اقتصر على سبعة وعشرين، ثم قال:" ولك أن تستخرج من هذا القبيل ما شئت، وتلقب كل من ذلك بما أحببت" ثم إن صفى الدين بن سرايا الحلى عصرينا، جمع مائة وأربعين نوعا فى قصيدة نبوية فى مدحه ﷺ ثم إن المصنف ذكر من البديع المعنوى ثلاثين نوعا، ومن البديع اللفظى سبعة أنواع، وذكر بينهما أمورا ملحقة بها، يصلح أن تعد أنواعا أخر، وها أنا أذكر شيئا مما ذكره الناس؛ ليكون مضافا لما سبق، فعليك باعتبار ما هو داخل منها فى كلام المصنف وما ليس بداخل، وباعتبار ما بينها من التداخل، وربما أنبه فى أثنائها على شئ من ذلك.
التوقيف: الثامن والثلاثون" التوقيف" وهو إثبات المتكلم معانى من المدح والوصف والتشبيه، وغيرها من الفنون التى يفتتح بها الكلام فى جملة منفصلة عن أختها بالسجع - غالبا - مع تساوى الجمل فى الزنة، أو بالجمل الطويلة، كقوله تعالى:
стр. 926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (١) الآيات: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ (٢)
التسميط: التاسع والثلاثون" التسميط" وهو تسجيع مقاطع الكلام، من نثر أو نظم على روى مخالف روى ذلك البيت، أو تلك السجعة، كقول ابن أبى حفصة:
هم القوم إن قالوا أفادوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا (٣)
ومثاله فى النثر: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٤) وهذا القسم ذكر المصنف منه ما يتعلق بالنظم، حتى تكلم على السجع، هل يدخل فى النظم أو لا؟
التغاير: الأربعون" التغاير" وهو مدح الشئ ثم ذمه، أو ذمه ثم مدحه، ونحو ذلك إما من كلام شخصين، كقوله تعالى: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٥) وإما أن يتغاير كلام الشخص الواحد فى وقتين، كقول قريش عن القرآن الكريم: ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٦) فإنه اعتراف بالعجز، ثم قالوا فى وقت آخر: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا (٧) وكان الأصل أن لا يعد هذا حسنا بل عيبا لكنه لوقوعه فى وقتين مختلفين - فى غير هذا المثال - عد من المحاسن.
القسم: الحادى والأربعون" القسم" وهو الحلف على المراد بما يكون فيه تعظيم المقسم، أو غير ذلك بما يناسبه، كقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٨) أقسم الله - تعالى - بما يتضمن عظمته.
стр. 927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السلب والإيجاب: الثانى والأربعون" السلب والإيجاب" وهو بناء الكلام على نفى الشئ من وجه، وإثباته من وجه آخر، كقوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (١) وهو يرجع إلى الطباق.
الاستدراك: الثالث والأربعون" الاستدراك" إما بعد تقدم تقرير، كقوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ (٢) أو بعد تقدم نفى، كقوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى (٣) وهذا القسم يرجع إلى الطباق، أو إلى الرجوع، وقد سبقا.
التلفيق: الرابع والأربعون" التلفيق" وهو إخراج الكلام مخرج التعليم، وهو أن يقع السؤال عن نوع من الأنواع تدعو الحاجة لبيان جميعها، فيجاب بجواب عام عن المسئول عنه، وعن غيره، ليبنى على عمومه ما بعده من الصفات المقصودة، كقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ (٤) فإنه وقع جوابا عن قولهم أنه ﷺ أبو زيد بن حارثة، فلم ينص على زيد بل عمم، ليبنى عليه خاتم النبيين، لأن كونه خاتم النبيين يناسب أنه ليس أبا لأحد، لأنه لو كان له ولد بالغ، لكان نبيا، وقد يقال: إن هذا يرجع إلى الاستطراد، وقد سبق.
جمع المختلفة والمؤتلفة: الخامس والأربعون" جمع المختلفة والمؤتلفة" وهو أن يجمع بين ممدوحين بمعان مؤتلفة فى مدحهما، ثم يريد ترجيح أحدهما على الآخر، فيأتى بمعان تخالف معانى التسوية، بحيث لا ينقص الممدوح الآخر، كقوله تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ (٥) إلى آخر الآية الكريمة.
стр. 928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التوهم: السادس والأربعون" التوهم" وهو إما أن يؤتى بكلمة، يوهم ما بعدها أن المتكلم أراد تصحيفها، أو يوهم أن فيه لحنا، أو أنه قلب عن وجهه، أو أن ظاهره فاسد المعنى، أو أراد غير معناها، ويكون الأمر بخلاف ذلك فى الجميع، ولهذه الأقسام أمثلة، ذكرها صاحب بديع القرآن، لم أر التطويل بذكرها.
الاتساع: السابع والأربعون" الاتساع" وهو كل كلام تتسع تأويلاته، فتتفاوت العقول فيها لكثرة احتمالاته لنكتة ما، كفواتح السور.
سلامة الاختراع من الابتداع: الثامن والأربعون" سلامة الاختراع من الابتداع" وهو أن يخترع الأول معنى لم يسبق إليه، ولم يتبع عليه، وأمثلته كثيرة.
التوليد: التاسع والأربعون" التوليد" وهو أن المتكلم يدرج ضربا من البديع بنوع آخر، فيتولد منهما نوع ثالث، ومثلوه بقوله تعالى: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ (١).
النوادر: تمام الخمسين" النوادر" ويسمى" الإغراب والطرفة" وهو أن يذكر الشئ المشهور على وجه غريب بزيادة، أو تغيير يصيره غريبا، وقد تقدم هذا فى أنواع التشبيه، وهو أن يكون وجه الشبه مشهورا مبتذلا، ولن يلحق به ما يصيره غريبا خاصا.
الإلجاء: الحادى والخمسون" الإلجاء" وهو ذكر اعتراض وجواب، ومثلوه بما لا طائل تحته.
التخيير: الثانى والخمسون" التخيير" وهو إثبات البيت أو الفقرة على روى يصلح لأشياء غيره، فيتخير له كلمة كقوله:
إنّ الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت (٢)
стр. 929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنه يصلح موضع قوت" مال" كسب نسب، كذا قيل، وكثير من الناس ينشده:" ما له طول" فحينئذ يكون ترجيح طول لرد العجز على الصدر.
التنظير: الثالث والخمسون" التنظير" وهو النظر بين كلامين متفقين فى المعنى أو مختلفين أيهما أفضل؟
الاستقصاء: الرابع والخمسون" الاستقصاء"، وهو ذكر جميع عوارض الشئ ولوازمه وذاتياته، وهو قريب من مراعاة النظير، ومن استيفاء الأقسام السابقين، إلا أن هذا نوع برأسه.
التشكيك: الخامس والخمسون" التشكيك" وهو أن يأتى فى الكلام بكلمة يشك السامع هل هى أصلية أو لا؟ كقوله تعالى: إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ (١) فإن بدين يشك السامع هل هى أصلية أو لا؟ حتى يحقق النظر، فيجدها أصلية، لأن الدين
له محامل، منها الجزاء مثل كما تدين تدان (٢).
البراءة: السادس والخمسون" البراءة" ومحلها الهجاء، وهو كما قال أبو عمرو بن العلاء وقد سئل عن أحسن الهجاء، فقال: هو الذى إذا أنشدته العذراء فى خدرها، لا يقبح عليها.
التسليم: السابع والخمسون" التسليم" وهو أن يفرض محالا إما منفيا، أو مشروطا بشرط بحرف الامتناع؛ ليكون ما ذكره ممتنع الوقوع، لامتناع شرطه، كقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ الآية (٣) وهذا يدخل فى المذهب الكلامى.
стр. 930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأفتنان: الثامن والخمسون" الافتنان" وهو أن يؤتى فى الكلام الواحد بفنين متضادين، أو مختلفين، كالجمع بين الغزل والحماسة، أو متفقين وهو كثير.
إثبات الشئ للشئ بنفيه عن غيره: التاسع والخمسون" إثبات الشئ للشئ بنفيه عن غيره" كقول الخنساء:
وما بلغت كفّ امرئ متناولا ... من المجد إلّا والّذى نلت أطول (١)
الترديد: الستون" الترديد" وهو تعليق الكلمة الواحدة فى المصراع الواحد، أو الفقرة الواحدة مرتين، متعلقة بشيئين، كقوله:
وهويننى وهويت الغانيات إلى ... أن شبت فانصرفت عنهن آمالى (٢)
فعلق" هويننى" و" هويت" بالغانيات فى مصراع واحد، وقد يحصل الترديد فى كل من المصراعين، كقوله:
يريك فى الروع بدرا لاح فى غسق ... فى ليث عريسة فى صورة الرّجل (٣)
فرد فى كل من المصراعين مرتين.
التعطف: الحادى والستون" التعطف" وهو كالترديد، إلا أن الكلمة مذكورة فى مصراعين، وهو أعم من المزاوجة من وجه، فإن تلك يشترط فيها الشرط والجزاء، ولا يشترط فيه التكرر فى مصراعين أو فقرتين، وهذا يشترط فيه التكرر فى مصراعين، ولا يشترط أن يكون فى الكلام شرط وجزاء، وينفصل هذا والذى قبله عن رد العجز
على الصدر، بأن ذلك يكون العجز فيه آخر الضرب أو آخر الفقرة، وهذان بكون إعادة الكلمة فيهما فيما وراء القافية.
стр. 931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التوسيع: الثانى والستون" التوسيع" وقد فسروه بأن يأتى فى آخر الكلام بشئ مفسر بمعطوف ومعطوف عليه، مثل قوله:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر (١)
وهذا فى الحقيقة أحد نوعى اللف والنشر.
التطريز: الثالث والستون" التطريز" وهو اشتمال الصدر على مخبر عنه، يتعلق به شيئان، والعجز على خبر مقيد بمثله كقوله:
كأن الكأس فى يدها وفيها ... عقيق فى عقيق فى عقيق (٢)
المؤاخاة: الرابع والستون" المؤاخاة" وهو أخص من الائتلاف، وهو أن تكون معانى الألفاظ متناسبة، كقول ذى الرمة:
لمياء فى شفتيها حوّة لعس ... وفى الثنايا وفى أنيابها شنب (٣)
احترازا عن مثل قول الكميت:
وقد رأينا بها خودا منعمة ... بيضا تكامل فيها الدّلّ والشّنب (٤)
فذكر الشنب مع الدل غير مناسب وهذا فى الحقيقة نوع من اختلاف اللفظ والمعنى.
стр. 932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاستطراد: الخامس والستون" الاستطراد" وقد قدمناه عند ذكر المزاوجة أو قريبا منها.
الإشارة: السادس والستون" الإشارة" ذكرها قدامة، وقال: دلالة اللفظ القليل على المعنى الكثير فهو حينئذ من الإيجاز، وقد سبق.
الإقحام: السابع والستون" الإقحام" وهو يعلم مما سبق.
الانفصال: الثامن والستون" الانفصال" وقد فسر بما هو فى معنى الاحتراس المتقدم فى الإيجاز والإطناب.
البسط: التاسع والستون" البسط" وفسروه بما هو فى معنى الإطناب، وكذلك الإيضاح.
التتميم: السبعون" التتميم" وقد تقدم فى الإطناب، وكذلك التكميل، والتذييل.
التوشيح: الحادى والسبعون" التوشيح" وهو أن يكون فى صدر الكلام ما يدل على القافية، كذا سماه العسكرى، وهذا هو الإرصاد إلا أن فيه قيد الدلالة بصدر الكلام، والإرصاد أعم من ذلك.
التكرار: الثانى والسبعون" التكرار" وقد تقدم فى الإطناب.
المراجعة: الثالث والسبعون" المراجعة" وهى حكاية محاورة بين المتكلم وغيره، وهو أعم من الإلجاء السابق، كقول وضاح اليمن:
стр. 933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالت: ألا لا تلجن دارنا ... إن أبانا رجل غائر
أما رأيت الباب من دوننا ... قلت: فإنى واثب ظافر
قالت: فإنى الليث عادية ... قلت: وسيفى مرهف باتر
قالت: أليس البحر من دوننا؟ ... قلت: فإنى سابح ماهر
قالت: أليس الله من فوقنا؟ ... قلت: بلى وهو لنا غافر
قالت: فإما كنت أعييتنا ... فأت إذا ما هجع السامر
واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا آمر (١)
التذييل: الرابع والسبعون" التذييل" وقد تقدم فى الإطناب.
الاعتراض: الخامس والسبعون" الاعتراض" وقد سبق فى المعانى.
المتابعة: السادس والسبعون" المتابعة" وهى إثبات الأوصاف فى اللفظ على ترتيب وقوعها، كقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ (٢) وقول زهير:
يؤخّر فيوضع فى كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم (٣)
التعريض: السابع والسبعون" التعريض" وهو الدلالة بالمفهوم بقصد المتكلم.
стр. 934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التهكم: الثامن والسبعون" التهكم" وقد سبق فى الاستعارة التهكمية.
الائتلاف: التاسع والسبعون" الائتلاف" وهو أنواع منها ائتلاف اللفظ والمعنى، وهو أن تكون الألفاظ تليق بمقصود الكلام، فللمعنى الرشيق اللفظ الرقيق، وللمعنى المفخم اللفظ الجزل، ومنها" ائتلاف اللفظ مع اللفظ"، وهو أن يختار من الألفاظ التى يعبر بها عن معنى ما بينه وبين بعض الألفاظ المذكورة ائتلاف، كقول البحترى:
كالقسىّ المعطفات (١)
البيت السابق فى مراعاة النظير، ومنها" ائتلاف المعنى" بالمعنى وهو اشتمال الكلام على معنى معه أمر ملائم له
وأمر مخالف، فتقربه بالملائم، أو يكون الأمران ملائمين، فيقرب به منهما ما هو أكثر ملاءمة له، كما فى تشابه الأطراف، ومنه قوله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (٢) فإنه لم يراع مناسبة الرى للشبع، والاستظلال للبس فى نوع المنفعة، بل روعى مناسبة اللبس للشبع، والاستظلال للرى فى كونهما تابعين للبس والشبع ومكملين لمنافعهما، إذ رعاية ذلك أدخل فى حسن الوعد، والامتنان بذكر أصول النعم، ثم توابعها، ومنها" ائتلاف اللفظ والمعنى مع الوزن" وهو نوعان: الأول: أن يأتى باللفظ من غير حاجة إلى تقديم وتأخير يمتنع مثله فى الشعر، ولا إلى زيادة ونقصان والثانى: أن يؤتى به مع الوزن من غير حاجة إلى إخراج المعنى عن وجه الصحة، ومنها" ائتلاف القافية أو الفاصلة بسائر الآية أو البيت"، كما فى تشابه الإرصاد، وقد يقال: إن هذا من الإرصاد. ومنها" الائتلاف مع الاختلاف" وهو ضربان: الأول أن تكون المؤتلفة بمعزل عن المختلفة، كما فى قول الشاعر:
أبى القلب أن يأتى السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غزير
به البق والحمى وأسد تحفه ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور (٣)
стр. 935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثانى ما كانا متداخلين، كقوله:
وصالكم هجر وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب (١)
الخطاب العام: الثمانون" الخطاب العام" وقد تقدم ذكره فى علم المعانى، والمقصود منه أن يخاطب به غير معين، إيذانا بأن الأمر لعظمته حقيق بأن لا يخاطب به أحد، دون أحد كقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (٢) وقوله ﷺ : بشر المشائين فى الظلم (٣) وربما يخاطب واحد، بالتثنية كقوله:
خليلىّ مرّا بى على أم جندب (٤)
قال الطيبى: والمراد به عموم استغراق الجنس فى المفرد، فهو كالألف واللام الداخلة على اسم الجنس. قال:
وتسميته خطابا عاما مأخوذ من قول صاحب الكشاف:" ما أصابك يا إنسان" خطاب عام.
التغليب: الحادى والثمانون" التغليب" ويسمى ترجيح أحد المعلومين على الآخر، وقد تقدم شئ من التغليب فى المعانى، وتقدم أن ابن الحاجب قال: من شرطه تغليب الأدنى على الأعلى، كالقمرين، لأن القمر أضعف نورا من الشمس، وجعل الشمس قمرا لا بدع فيه، بخلاف العكس، وكذلك" العمران" لأن جميع فضل عمر فى أبى بكر، وأبو بكر أفضل رضى الله عنهما وقد عكس الطيبى هذا فقال: هو أن تضع أدنى الشيئين موضع أعلاهما، وما قاله ابن الحاجب أسد وأسلم، وقد جعل من ترجيح أحد
стр. 936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمرين على الآخر: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١) تغليبا للمخاطبين على الغائبين، وقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢) وإن كانا إنما يخرجان من الملح.
اللغز: الثانى والثمانون" اللغز" ويسمى" الأحجية" و" المعمى" وهو قريب من التورية، وأمثلته لا تكاد تنحصر، وفيه مصنفات للناس.
الإبداع: الثالث والثمانون" الإبداع" وهو ما يبتدع عند الحوادث المتجددة، كالأمثال التى تخترع وتضرب عند الوقائع.
الكلام الجامع: الرابع والثمانون" الكلام الجامع" وهو أن يجئ المتكلم مثلا فى كلامه بشئ من الحكمة والموعظة، أو شكاية الزمان أو الأحوال، وأمثلته كثيرة.
إرسال المثل: الخامس والثمانون" إرسال المثل" وهو أن يورد المتكلم - مثلا - فى كلامه وقد عرف ذلك فى علم
البيان فى مجاز التمثيل.
الترقى: السادس والثمانون" الترقى" وهو أن يذكر معنى، ثم يردف بأبلغ منه، كقولك:
" عالم نحرير وشجاع باسل" وهذا قد يدخل فى بعض أقسام الإطناب.
الاقتباس: السابع والثمانون" الاقتباس" وسيأتى فى كلام المصنف.
المواربة: الثامن والثمانون" المواربة" بالراء المهملة من الأرب، وهو الحاجة والعقل، وقيل:
من ورب العرق إذا فسد، وهو أن يقول الإنسان كلاما يتوجه عليه فيه المؤاخذة، فإذا أنكر عليه شخص، استحضر بعقله ما يتخلص به، بتحريف كلمة أو تصحيفها أو زيادة أو نقص، أو غير ذلك، كقول أبى نواس فى خالصة جارية الرشيد:
стр. 937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لقد ضاع شعرى على بابكم ... كما ضاع عقد على خالصه (١)
فلما بلغ الرشيد وأنكر عليه قال: إنما قلت: ضاء فقال بعض الحاضرين: هذا بيت ذهبت عيناه فأبصر.
الهجاء فى المدح: التاسع والثمانون" الهجاء فى معرض المدح" وهو أن يهجو بألفاظ ظاهرها المدح وباطنها القدح وهذا يدخل فى قسم التوجيه، كقوله:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأنّ ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا (٢)
التخيير: التسعون" التخيير" وهو البيت يأتى على قافية مع كونه يسوغ أن يقفى بقواف كثيرة، كقول ديك الجن:
قولى لطيفك ينثنى ... عن مضجعى عند المنام
فعسى أنام فتنطفى ... نار تأجج فى العظام
جسد تقلبه الأكف ... على فراش من سقام
أما أنا فكما علم ... ت فهل لوصلك من دوام (٣)
فإنه يصلح مكان" منام"" رقاد" هجوع هجود وسن، ومكان" عظام"" فؤاد" ضلوع كبود بدن، ومكان" سقام""
قتاد" دموع وقود حزن، ومكان" دوام"" معاد" رجوع وجود ثمن.
حصر الجزئى فى الكلى: الحادى والتسعون" حصر الجزئى فى الكلى، وغير ذلك" المراد منه، ما يتعلق بكيفية الابتداء والتخلص والانتهاء.
стр. 938
خاتمة: فى السّرقات الشّعريّة
، وما يتّصل بها، وغير ذلك:
اتفاق القائلين إن كان فى الغرض على العموم - كالوصف بالشجاعة، والسخاء، ونحو ذلك - فلا يعدّ سرقة؛ لتقرّره فى العقول والعادات. وإن كان فى وجه الدّلالة؛ كالتشبيه، والمجاز، والكناية، وكذكر هيئات تدلّ على الصفة؛ لاختصاصها بمن هى له - كوصف الجواد بالتهلّل عند ورود العفاة، والبخيل بالعبوس مع سعة ذات اليد -:
فإن اشترك الناس فى معرفته لاستقراره فيهما (١)؛ كتشبيه الشجاع بالأسد، والجواد بالبحر، فهو كالأول؛ وإلّا جاز أن يدّعى فيه السبق والزيادة.
وهو (٢) ضربان؛ خاصّىّ فى نفسه غريب، وعامى تصرّف فيه بما أخرجه من الابتذال إلى الغرابة؛ كما مر.
ــ
خاتمة فى السرقات الشعرية وما يتصل بها وغير ذلك
أما ما يتعلق بالسرقات الشعرية وأنواعها، فلا شك أن القائلين إذا اتفقا، فإما أن يكون اتفاقهما فيما يشترك الناس فيه، وهو المراد بقوله:" فى الغرض على العموم" كالوصف بالشجاعة والسخاء والبلادة والذكاء، فذلك لا يسمى سرقة. قوله: (فلا يعد) فيه نظر، لإدخال" الفاء" على" لا" يعد سرقة، وهو جواب شرط لا يدخل على مثله" الفاء". ثم يصير معناه اتفاق القائلين لا يعد سرقة، وهو فاسد، فإن الاتفاق لا يمكن أن يكون سرقة، بل السرقة أخذ أحدهما من الآخر (لتقرره) أى مثل ذلك (فى العقول والعادات) يشترك فيها الفصيح والأعجم (وإن كان) أى الاتفاق (فى وجه الدلالة) فذلك أقسام: منها التشبيه بما توجد الصفة فيه، على الوجه البليغ، على ما سبق فى البيان، ومنها ذكر هيئات تدل على الصفة، لاختصاصها بمن هى له، هذه عبارة المصنف، وصوابه العكس، وهو أن يقال: لاختصاص من هى له (كوصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة)
عليه (والبخيل بالعبوس، مع سعة ذات اليد، فإن اشترك الناس فى معرفته لاستقراره فيها) أى فى العقول (كتشبيه الشجاع بالأسد، والجواد بالبحر) والبليد بالحمار (فهو كالأول) وإن كان مما لا ينال إلا بفكر، ولا يصل إليه كل أحد، فهذا هو الذى يجوز أن يدعى فيه سبق المتقدم المتأخر، وزيادة المتأخر على المتقدم، وهو ضربان: أحدهما - ما كان خاصيا غريبا فى أصله - والثانى - عامى تصرف فيه بما أخرجه من الابتداء والظهور والسذاجة، إلى خلاف ذلك من الغرابة، كما مرت أمثلة القسمين فى التشبيه والاستعارة، إذا عرف ذلك.
стр. 939
فالسرقة والأخذ نوعان: ظاهر، وغير ظاهر.
أما الظاهر: فهو أن يؤخذ المعنى كلّه، إمّا مع اللفظ كلّه، أو بعضه، أو وحده:
فإن أخذ اللفظ كلّه من غير تغيير لنظمه: فهو مذموم؛ لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا؛ كما حكى عن عبد الله بن الزبير أنه فعل ذلك بقول معن بن أوس (١) [من الطويل]:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حدّ السّيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السّيف مزحل
ــ
فالأخذ والسرقة نوعان: ظاهر، وغير ظاهر الأخذ الظاهر.
الأخذ الظاهر: أما الظاهر، فأن يؤخذ المعنى كله إما مع اللفظ كله أو بعضه، أو وحده. (فإن أخذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه، فهو مذموم، لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا) ومغالبة، كما حكى أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية، فأنشد قول أبى نواس:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل (٢)
ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
فقال له معاوية: لقد شعرت بعدى، ولم يفارق عبد الله المجلس، حتى دخل معن ابن أوس، فأنشده كلمته التى أولها:
لعمرك ما أدرى وإنى لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول (٣)
стр. 940
وفى معناه: أن يبدل بالكلمات كلّها أو بعضها ما يرادفها.
وإن كان مع تغيير لنظمه أو أخذ بعض اللفظ، سمّى: إغارة ومسخا.
فإن كان الثانى أبلغ؛ لاختصاصه بفضيلة: فممدوح؛ كقول بشّار [من البسيط]:
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
ــ
حتى أنشده ما أنشده عبد الله، فأقبل معاوية على عبد الله، وقال: ألم تخبرنى أنهما لك؟ فقال: المعنى لى واللفظ له، وبعد فهو أخى من الرضاعة وأنا أحق بشعره. قلت: والذى يتفق له ذلك إن ادعى أن هذا النظم له كان كاذبا، وإن لم يدع، فهذا ليس بسرقة بالكلية (وفى معناه) أى معنى ما أخذ اللفظ كله مع المعنى وكان مذموما (أن يبدل بالكلمات، أو بعضها ما يرادفها) لأن المترادفين كاللفظ الواحد، كقول امرئ القيس:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل (١)
وقول طرفة:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد (٢)
قلت: وفى تسميته سرقة نظر، فإن الظاهر أن هذا من تطابق الخواطر والتوارد، إلا أن ابن السكيت عده فى السرقات. قوله: (وإن كان) أى ذلك الأخذ (مع تغيير لنظمه أو أخذ) المعنى مع (بعض اللفظ سمى) ذلك اللفظ (إغارة ومسخا)، ومنهم من جعل المسخ إعارة الصورة الحسنة قبيحة، والمشهور الأول وإذا قلنا به (ف) ذلك قسمان:
(إن كان الثانى) أى كلام السارق (أبلغ) من الأول، أى المسروق منه (لاختصاصه) أى اختصاص الثانى (بفضيلة) كالإيضاح، أو الاختصار، أو حسن السبك أو زيادة معنى، (ف) هو (ممدوح) أى مقبول (كقول بشار) أولا:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج (٣)
стр. 941
وقول سلم [من مخلّع البسيط]:
من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللذة الجسور
وإن كان دونه: فمذموم، كقول أبى تمّام [من الكامل]:
هيهات لا يأتى الزّمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل
وقول أبى الطيب [من الكامل]:
أعدى الزّمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزّمان بخيلا
ــ
(وقول سلم) ثانيا:
من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللذّة الجسور (١)
فإن الثانى أجود سبكا، وأوجز (وإن كان) الثانى (دونه) أى دون الأول (فهو مذموم) مردود، كقول أبى تمام:
هيهات لا يأتى الزمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل (٢)
وقول أبى الطيب بعده:
أعدى الزّمان سخاءه فسخا به ... ولقد يكون به الزّمان بخيلا (٣)
أى تعلم الزمان منه السخاء، فجاد بأن أخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذى استفاد منه لبخل به الزمان على أهل الدنيا، واستبقاء لنفسه، فبيت أبى تمام أجود سبكا، لأن بيت أبى الطيب احتاج فيه إلى أن وضع" يكون" موضع" كان"، وأجيب بجواز أن يريد أن الزمان قد يكون بخيلا به، فلا يوافق على هلاكه، ورد عليه بأن الزمان بعد
أن سمح به لم يبق له فيه تصرف. وفيه نظر؛ لجواز أن يكون جاد بإبرازه
стр. 942
وإن كان مثله: فأبعد عن الذّم، والفضل للأوّل؛ كقول أبى تمام [من الكامل]:
لو حار مرتاد المنيّة لم يجد ... إلّا الفراق على النّفوس دليلا
وقول أبى الطيب [من البسيط]:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
ــ
ولم يسمح بعد ذلك بهلاكه. (وإن كان مثله) أى إن كان الثانى مثل الأول فى البلاغة والفضل (فأبعد من الذم) مما قبله، ولكن الفضل للسابق، كقول أبى تمام:
لو حار مرتاد المنيّة لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا (١)
فإنه مثل قول أبى الطيب بعده:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا (٢)
كذا قالوه، والذى يظهر أن بيت أبى الطيب أحسن، لأنه أصرح فى المراد. قال فى الإيضاح: ومن هذا الضرب ما هو قبيح جدا، وهو ما يدل على السرقة باتفاق الوزن والقافية، كقول أبى تمام:
مقيم الظن عندك والأمانى ... وإن قلقت ركابى فى البلاد
ولا سافرت فى الآفاق إلّا ... ومن جدواك راحلتى وزادى (٣)
وقول أبى الطيب:
وإنى عنك بعد غد لغاد ... وقلبى عن فنائك غير غاد
محبّك حيثما اتّجهت ركابى ... وضيفك حيث كنت من البلاد (٤)
стр. 943
وإن أخذ المعنى وحده سمى: إلماما وسلخا، وهو ثلاثة أقسام كذلك:
أولها: كقول أبى تمام [من الطويل]:
هو الصّنع إن يعجل فخير وإن يرث ... فللرّيث فى بعض المواضع أنفع
وقول أبى الطيب [من الخفيف]:
ومن الخير بطء سيبك عنّى ... أسرع السّحب فى المسير الجهام
وثانيها: كقول البحترى [من الكامل]:
وإذا تألّق فى النّدىّ كلامه ال ... مصقول خلت لسانه من عضبه (١)
ــ
قوله: (وإن أخذ المعنى وحده) أى، ولم يؤخذ شئ من اللفظ (سمى إلماما وسلخا) من الإلمام، وهو اقتراف الصغائر أو مقاربة المعصية من غير وقوعها (وهو ثلاثة أقسام كذلك: أولها) أن يكون الثانى أبلغ بالفضل (كقول أبى تمام):
هو الصنع إن يعجل فخير وإن يرث ... فللريث فى بعض المواضع أنفع (٢)
فخير منه (قول أبى الطيب:
ومن الخير بطء سيبك عنى ... أسرع السّحب فى المسير الجهام) (٣)
فإنه اشتمل على زيادة التشبيه بالسحب، وأن السحب أسرعها جهام لا ماء فيه، (وثانيها) وهو ما كان الأول فيه أحسن (كقول البحترى:
وإذا تألق فى الندى كلامه الم ... صقول خلت لسانه من عضبه) (٤)
стр. 944
وقول أبى الطيب [من البسيط]:
كأنّ ألسنهم فى النّطق قد جعلت ... على رماحهم فى الطّعن خرصانا (١)
وثالثها: كقول الأعرابي [من الوافر]:
ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
وقول أشجع [من المتقارب]:
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكن معروفه أوسع
وأما غير الظاهر: فمنه أن يتشابه المعنيان؛
ــ
فإنه خير من قول أبى الطيب:
كأنّ ألسنهم فى النّطق قد جعلت ... على رماحهم فى الطّعن خرصانا (٢)
فإن أبا الطيب فاته ما أفاده البحترى بقوله:" تألق" وقوله:" المصقول" من الترشيح (وثالثها) وهو ما كان الثانى فيه مثل الأول (كقول الأعرابى:
ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا) (٣)
فإنه مثل (قول أشجع:
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكن معروفه أوسع) (٤)
كذا قال المصنف، وقد يقال: الأول أحسن لسلامته من حذف المفضل عليه، والاستعارة للأرحب فيه، هذه أنواع الأخذ الظاهر.
الأخذ غير الظاهر: ص: (وأما غير الظاهر إلخ).
(ش): الأخذ غير الظاهر أنواع (فمنه أن يتشابه المعنيان) أى المعنى الأول، والمعنى الثانى (كقول جرير:
стр. 945
كقول جرير [من الوافر]:
فلا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار
وقول أبى الطيب [من الوافر]:
ومن فى كفّه منهم قناة ... كمن فى كفّه منهم خضاب (١)
ومنه: النقل؛ وهو: أن ينقل المعنى إلى معنى آخر؛ كقول البحترى [من الكامل]
سلبوا وأشرقت الدّماء عليهم ... محمرّة فكأنّهم لم يسلبوا
وقول أبى الطيب [من الكامل]:
يبس النّجيع عليه وهو مجرّد ... من غمده فكأنّما هو مغمد
ــ
فلا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار (٢)
وقول أبى الطيب:
ومن فى كفّه منهم قناة ... كمن فى كفّه منهم خضاب) (٣)
فكل من البيتين يدل على عدم المبالاة بالرجال، إلا أنهما مختلفان، لأن الأول دل على مساواة النساء للرجال، والثانى دل على تشبيه الرجال بالنساء، فهو معنى غير الأول والأول أبلغ منه، لما تقدم من أن التشابه وهو التساوى أبلغ من التشبيه، الذى هو إلحاق الناقص بالزائد. (ومنه أن ينقل المعنى إلى محل آخر) كقول البحترى:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا (٤)
وقول أبى الطيب:
يبس النجيع عليه وهو مجرد ... من غمده فكأنما هو مغمد (٥)
стр. 946
ومنه: أن يكون الثانى أشمل؛ كقول جرير [من الوافر]:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت النّاس كلّهم غضابا
وقول أبى نواس [من السريع]:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد
ومنه: القلب؛ وهو أن يكون معنى الثانى نقيض معنى الأوّل؛ كقول أبى الشّيص [من الكامل]:
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم
ــ
فإنه أخذ معنى بيت البحترى ونقله إلى السيف (ومنه) أى من غير الظاهر (أن يكون معنى الثانى أشمل) من الأول (كقول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت النّاس كلّهم غضابا (١)
وقول أبى نواس:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد) (٢)
فالثانى أشمل، لأن الأول دل على الاختصاص بحالة الغضب كذا قيل، وفيه نظر لأنهم إذا كانوا هم جميع الناس فى حال الغضب، كانوا جميع الناس فى كل حال.
وقيل: لأن الأول خاص ببنى تميم، والثانى شامل لهم ولغيرهم، وهو فاسد، لأن المراد بالواحد فى الثانى واحد معين خاص، والأحسن أن يقال: الثانى شامل، لأن العالم أشمل من الناس، لأنه كل موجود حادث، والذى يظهر أن يقال: الثانى أبلغ، باعتبار أنه صريح فى أن الناس كلهم ذلك الواحد، بخلاف الأول، فإنه لا يلزم من غضب الناس كلهم لغضب بنى تميم، أن يكونوا هم جميع الناس؛ لجواز أن يريد أن الناس تبع لهم، يغضبون لغضبهم، لكن التعبير عن هذا بأنه أشمل فيه تعسف.
ومنه - أيضا - القلب، هو أن يكون المعنى الثانى نقيض المعنى الأول، لقلب المعنى إلى نقيضه، فهو مأخوذ من
نقيضه، كقول أبى الشيص:
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللّوّم (٣)
стр. 947
وقول أبى الطيب [من الكامل]:
أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إنّ الملامة فيه من أعدائه
ومنه: أن يؤخذ بعض المعنى، ويضاف إليه ما يحسّنه؛ كقول الأفوه [من الرمل]:
وترى الطّير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار
وقول أبى تمام [من الطويل]:
وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير فى الدّماء نواهل
أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلّا أنّها لم تقاتل
ــ
وقول أبى الطيب:
أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إنّ الملامة فيه من أعدائه (١)
فبيت المتنبى وأبى الشيص متناقضان، لأن أبا الشيص صرح بحب الملامة، والمتنبى نفى حبها بهمزة الإنكار بقوله:" أأحبه وأحب فيه ملامة" وقد يقال: المنكر بهمزة الإنكار ما وليها، والذى وليها حبه وهو غير منكر، وجوابه أن المعنى: أأجمع بين الأمرين مثل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (٢) أو يقال: التقدير:" وأنا أحب" ويكون جملة حالية، وإنما قدرنا" أنا" لأن المضارع المثبت لا يقع حالا بالواو.
(ومنه أن يؤخذ بعض المعنى السابق، ويضاف إليه (ما) يحسنه، كقول الأفوه:
وترى الطّير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار (٣)
وقول أبى تمام (٤):
وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير فى الدماء نواهل
أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلا أنّها لم تقاتل
стр. 948
فإنّ أبا تمّام لم يلمّ بشئ من معنى قول الأفوه: رأى عين خ خ، وقوله: ثقة أن ستمار خ خ، ولكن زاد عليه بقوله: إلا أنها لم تقاتل خ خ، وبقوله: فى الدماء نواهل خ خ، وبإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش، وبها يتمّ حسن الأول.
وأكثر هذه الأنواع ونحوها مقبولة، بل منها ما يخرجه حسن التصرّف من قبيل الاتّباع إلى حيّز الابتداع، وكلّما كان أشدّ خفاء كان أقرب إلى القبول.
هذا كلّه إذا علم أن الثانى أخذ من الأوّل؛ لجواز أن يكون الاتفاق من قبيل توارد الخواطر، أى: مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد للأخذ.
فإذا لم يعلم، قيل: قال فلان كذا، وسبقه إليه فلان، فقال كذا.
وما يتصل بهذا: القول فى الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحلّ، والتلميح:
ــ
فإن أبا تمام) أسقط بعض معنى بيت الأفوه ف (لم يلم بشئ من معنى قوله: رأى عين) الدال على قربها (ولا من) معنى (قوله: ثقة أن ستمار) الدال على التأكيد (لكن زاد عليه بقوله: إلا أنها لم تقاتل) الدال على أن لها قدرة على القتال (وبقوله: فى الدماء نواهل وبإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش وبها) أى بهذه الزيادات (يتم حسن) المعنى (الأول) المأخوذ أو بها يتم حسن قوله: إلا أنها لم تقاتل، ثم قال المصنف:
(وأكثر هذه الأنواع) وهى خمسة (ونحوها) مما فيه نكتة غير ما ذكره (مقبولة) أنثه باعتبار المعنى، أو بإضافة الأكثر للجمع، ومن نحوها الاحتذاء، وهو أن يبتدئ المتكلم أسلوبا، فيعمد غيره إلى ذلك الأسلوب، من غير أن يأخذ لفظا ولا معنى، كمن يقطع من الأديم نعلا على قياس نعل صاحبه. (بل منها ما يخرجه حسن التصرف من قبيل الاتباع) أى الأخذ (إلى حيز الابتداع) أى الاختراع (وكل ما كان أشد خفاء) من واحد من هذه الأنواع، ونحوها، (كان أقرب إلى القبول هذا كله) من أقسام الأخذ والسرقة بجميع أنواعها، إنما هو (إذا علم أن الثانى أخذ من الأول)،
ولا يعلم ذلك إلا بإقراره. وقوله: (لجواز) يتعلق بمحذوف، أى ولا يجوز الحكم بذلك ابتداء لجواز، (أن يكون الاتفاق) أى اتفاق القائلين فى اللفظ أو فى المعنى (من) قبيل (توارد الخواطر) أى مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ، فإذا لم يعلم الأخذ قيل: قال فلان: كذا، وقد سبقه إليه فلان، فقال كذا.
ما يتصل بالسرقات: ص: (ومما يتصل بهذا إلخ).
(ش): أى مما يتصل بالكلام فى السرقات بمناسبة له (الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحل، والتلميح.
стр. 949
الاقتباس
أما الاقتباس: فهو أن يضمّن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه؛ كقول الحريرىّ: فلم يكن إلّا (كلمح البصر أو هو أقرب) (١)، حتى أنشد فأغرب خ خ، وقول الآخر [من السريع]:
إن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير ما جرم فصبر جميل (٢)
وإن تبدّلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل (٣)
وقول الحريرىّ: قلنا شاهت الوجوه (٤) وقبّح اللّكع ومن يرجوه خ خ،
ــ
الاقتباس: أما الاقتباس، فهو: مأخوذ من اقتباس الضوء، وهو (أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث) النبوى على قائله أفضل الصلاة والسّلام، والمراد بتضمينه أن يذكر كلاما وجد نظمه فى القرآن، أو السنة مرادا به غير القرآن فلو أخذ مرادا به القرآن، لكان ذلك من أقبح القبيح، ومن عظام المعاصى، نعوذ بالله منه، وهذا هو معنى قول المصنف: (لا على أنه منه) أى من القرآن أو الحديث، وقد مثله المصنف بقول الحريرى فلم يكن: إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ حتى أنشد فأغرب، وكقوله - أيضا: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ (٥) وأبين صحيح القول من عليه، وقول الآخر:
إن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير ما جرم فصبر جميل
وإن تبدّلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل (٦)
فإن آخر البيتين مقتبس، وكقول الحريرى:" قلنا شاهت الوجوه وقبح اللكع" أى الفاسق أو اللئيم أو العبد، ومن يرجوه،" فشاهت الوجوه" مقتبس من كلام النبى ﷺ حين رمى يوم حنين" كفا من الحصباء" وقال ذلك ومنه - أيضا - قول ابن عباد:
стр. 950
وقول ابن عباد (١) [من مجزوء الرمل]:
قال لى: إنّ رقيبى ... سيّئ الخلق فداره
قلت: دعنى وجهك الج ... نّة حفّت بالمكاره (٢)
وهو ضربان؛ ما ينقل فيه المقتبس عن معناه الأصلى كما تقدّم، وخلافه كقوله (٣) [من الهزج]:
لئن أخطأت فى مدحي ... ك ما أخطأت فى منعى
لقد أنزلت حاجاتى ... بواد غير ذى زرع
ــ
قال لى إن رقيبى ... سيّئ الخلق فداره
قلت دعنى وجهك الج ... نة حفت بالمكاره
فإنه مقتبس من قول النبى ﷺ : حفت الجنة بالمكاره (٤) قيل: وقد يكون الاقتباس بتضمين شئ من الفقه، أو الأثر، أو الحكمة. فالفقه كما روى عن الشافعى، ولم يصح عنه:
خذوا بدمى هذا الغزال فإنه ... رمانى بسهمى مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه إننى أنا عبده ... ولم أر حرا قط يقتل بالعبد
وفيه نظر، لأن هذا أولى بأن يعد من التلميح، وأما أخذ الأثر فهو من العقد، وسيأتى، وقد يقال: القسم الذى قبله - أيضا - من العقد.
(ثم الاقتباس نوعان): أحدهما (ما لم ينقل فيه المقتبس عن معناه الأصلى) قبل الاقتباس إلى معنى غيره، كالأمثلة السابقة (و) الثانى (خلافه)، وهو ما نقل عن معناه قبل الاقتباس، كقول ابن الرومى:
لئن أخطأت فى مديحك ... ما أخطأت فى منعى
لقد أنزلت حاجاتى ... بواد غير ذى زرع