← История

История · id 11156

حركة التجديد والإصلاح في نجد

عبد الله العجلان

Полный текст (244 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقد تولى الإمام محمد بن عبد الوهاب بنفسه إيضاح مبررات قتالهم لأعدائهم في الرسالة القيمة التي بعث بها ﵀ إلى عالم العراق عبد الرحمن بن عبد الله السويدي الذي كان قد سأله عما يقول الناس فيه فكان في آخر جوابه حيثيات قتال أهل الدرعية لخصومهم فقال: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام١ ويوضح مدى صبر الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على الأذى الذي أصابهم في سبيل الدعوة الإصلاحية في نجد ما سجله المؤرخون عن المعارك التي قامت بين أنصار الدعوة وخصومها وما قدم فيها من التضحية بخيرة الرجال ونفائس الأموال دون أن يثني ذلك من عزيمتهم أو يفت في سواعدهم بل ظلوا على ذلك صامدين حتى أظهرهم الله على خصومهم وأعز الله بهم الدين. ومع أن الحملة المدمرة التي قادها إبراهيم باشا القائد التركي والجيوش الهائلة التي جرها على هذه المنطقة وسكانها مع ما حملته معها من وسائل الدمار والغدر والظلم والقسوة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا قد حققت نصرا سياسيا على هذه الدولة ما لبثت الدعوة الإصلاحية في نجد بعد عودة الجيوش العثمانية أن استعادت مكانتها وقامت بما أوجب الله عليها وأعادت لنفسها قوتها السياسية والروحية والجهادية، وظل أثر الخير في منطقة نجد باقيا إلى يومنا هذا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 107

ثانيا- المنهج: أما المنهج الذي اتخذه لتحقيق هدفه فهو المنهج التربوي النظري والعملي والتطبيقي المتساند الذي حدده برنامجا لدعوته الإصلاحية في نجد والتزم به في مراحل عمله واستقامت عليه مدرسته من بعده والذي يتضمن أربعة مبادئ: ١- العلم. ٢- والعمل به. ٣- والدعوة إليه. ٤- الصبر على الأذى فيه.

стр. 108

ثالثا: الوسائل ... ثالثا- وسائل التربية في هذا المنهج: يتطلب تحقيق أهداف المناهج التربوي لهذه الحركة الإصلاحية الأخذ بالوسائل التي تمكن من تحقيق هذه الأهداف بصور جيدة في حياة الناس ونقل حالهم مما هم

стр. 109

فيه إلى الوضع المطلوب. وبتتبع تاريخ هذه الحركة في مراحل نموها في المصادر التاريخية يتضح للباحث أن أهم الوسائل التربوية التي استخدمتها لبلوغ غايتها تتلخص فيما يلي: ١- المشافهة والخطاب المباشر في صور مختلفة ومواقف متعددة مع العلماء والأمراء والمطاوعة وعامة الناس فهو يعرض دعوته في صورة بيان الحق وإنكار المنكر تارة كما حصل منه لما رأى ما يفعله عوام الناس عند قبر النبي ﷺ إذ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب لشيخه الشيخ محمد حياة السندي المدني عندما سأله: ما تقول في هؤلاء قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ ولما انتقل من المدينة إلى البصرة في طلب العلم وأقام في جهة البصرة عند الشيخ محمد المجموعي بدأ أيضا ينكر على الناس ما يفعلونه من الشركيات والبدع. ولما عاد من رحلته العلمية إلى بلده حريملاء"أخذ يتعلم على والده وينكر ما يفعله الجهال من البدع والشرك في الأقوال والأفعال وكثر منه الإنكار لذلك ولجميع المحظورات حتى وقع بينه وبين أبيه كلام وكذلك وقع بينه وبين الناس في البلد"٢ ثم أعلن دعوته بين الناس ابتداء من عام ١١٥٣هـ وكانت وسيلته الأولى المشافهة والخطاب المباشر إذ هي الوسيلة الأولى التي يملكها كل داعية للإصلاح في كل عصر. وتأتي المشافهة تارة في صورة عرض الدعوة وأهدافها وبيان الحاجة إليها والغاية من ورائها وطلب مؤازرتها من الأمراء وهذا ما حصل من الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أمير العيينة عثمان بن معمر ومن بعده مع الأمير محمد بن سعود في الدرعية وقد ذكرت هذه المواقف في كل المصادر التاريخية لهذه الدعوة ونقلت بعد نصوصها في

стр. 110

أكثر من موضوع من هذه الدارسة تأتي أيضا في صورة الدعوة إلى الله وطلب التأييد من العلماء في المنطقة إذ هم يمثلون الريادة العلمية والفكرية في المجتمع وكسبهم في صف الدعوة أمر له أهميته ولا يكون إلا بعرض من صاحب الدعوة. وتأتي المشافهة كذلك في صورة تعليم ومدارسة مع طلاب العلم الذين وفدوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتلقي العلم عليه مباشرة والأخذ عنه شفاها. وقد قرر عليهم أصول الدين وبين لهم معنى التوحيد ومقتضى لا إله إلا الله وحذرهم من الشرك وبين لهم صورة. وأقام الدليل الشرعي على كل مسألة من المسائل التي قررها في مبادئ دعوته وبين لهم ما أراده الله من خلقه وما يجري في حياة الناس من مخالفات وما حدث في حياة المسلمين من انحراف عما كان عليه السلف الصالح وما قام عليه الدليل الشرعي مع بيان خطأ من يخالف في الرأي في هذه المسائل من علماء عصره كما استعمل هذه الوسيلة في شرح عقيدته أهداف دعوته وحقيقة ما يدعو إليه لمن يفد إليه من البعوث وعلماء وعامة وأمراء وغيرهم. فكانت هذه الوسيلة من أهم وسائل تحقيق أهداف منهاج هذه الدعوة الإصلاحية وأولها استخداما وأبعدها أثرا. واستمر في استثمارها طيلة حياته ﵀ حتى التحق بالرفيق الأعلى ثم استعملها شيوخ مدرسة وأنصار دعوته من بعد. وبقيت وسيلة مستخدمة في خدمة هذه الحركة الإصلاحية عبر تاريخها الممتد. ٢- الرسائل الشخصية والعامة: إلى جانب الوسيلة الأولى المتمثلة في المشافهة والخطاب المباشر استخدم الأمام محمد بن عبد الوهاب في دعوته الإصلاحية وسيلة ثانية هي المكاتبات التي كتبها إلى العلماء والأمراء والمطاوعة في داخل جزيرة العرب وارجها في شكل رسائل خاصة أو عامة لشرح حقيقة عقيدته وما يدعو الناس إليه وما يختلف مع معاصريه فيه سواء كانوا من العلماء أو الأمراء أو العامة في الداخل أو الخارج على السواء. وبعض هذه السائل كتبها مبادرة منه للدعوة وطلب التأييد والنصرة ممن لم تبلغهم دعوته أو بلغته ولم يتحدد موقفه منها أو لمؤيديه خارج مقر إقامته ممن لا يتيسر له مقابلتهم من أنصاره

стр. 111

ومحبيه لشرح دعوته أو لإزالة ما يثار عليهم من شبهة أو لتفقيههم في أسلوب الدعوة وطريقة إنكار المنكر وبعضها كتبها للتوجيه العام. ومن النمط الأول الرسالة التي بعث بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الشيخ فاضل آل مزيد رئس بادية الشام١ومن النوع الثاني رسالته إلى إخوانه من أهل سدير بسبب أمر جرى بين أهل الحوطة من بلدان سدير.٢ ومن الرسائل التي بعث بها بمبادرة منه ابتداء للتوجيه العام الرسالة التي بعث بها إلى عامة السلمين.٣والرسالة التي بعث بها إلى أهل المغرب.٤ومن الرسائل التي كتبها جوابا على سؤال عن حقيقة دعوته وحقيقة اعقتاده رسالته إلى أهل القصيم.٥ وإلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي في العراق.٦ كما كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب رسائل أيضا لرد شبه ودحض مزاعم وتصحيح فهم، وذلك وارد في كثير من رسائله مثل رسالته إلى عبد الله بن سحيم مطوع أهل المجمعة ردا على رسالة بعث بها ابن سحيم إلى أهل البصرة والاحساء وغيرهم يتهم فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتهم كثيرة فأجاب الشيخ محمد عليها "برسالة مطولة فند فيها كل التهم الموجهة إليه وبين موقفه من كل ما تضمنته.٧ ومن الرسائل التي أرسلها الإمام ما هو موجه لأتباعه ومناصريه لقصد التثبيت على الحق واستنهاض الهمم في نصر الدعوة وعدم الركون للراحة والتخاذل عن الحق أمام الضغوط العامة ويمثل هذا النمط من الرسائل رسالة الشيخ إلى أهالي شقراء.٨

стр. 112

وهم ممن بادروا بالاستجابة لدعوته ولكنهم يتعرضون لضغوط من مراكز القوى المجاورة لهم. وقد حفظت لنا مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب عددا كبيرا من الرسائل الشخصية في أغراض متعددة مما ذكرنا آنفا وغيرها من الأغراض الأخرى في مناسبات ومواقف وأزمان مختلفة تمثل كتابا متوسط الحجم عرف بين مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالقسم الخامس الرسائل الشخصية وهي تمثل ثروة علمية تعكس الصورة القائمة بين الشيخ محمد وخصومه في المنطقة ومواضع الاتفاق الاختلاف بينهما والصراع وتلاحم القوي الداخلية والخارجية في هذا الصراع وخروج هذه الدعوة من كونها دعوة محلية إلي قضية عامة ومن وصفها دعوة نظرية إلي حركة عملية جهادية. وإذا كانت الوسيلة الأولي في هذا المنهاج التربوي المتمثلة في نشر هذه الدعوة بالخطاب المباشر المشافهة أبلغ في التأثير وأدعى للقبول فإن استعمالها مقصور على المحيط المحلي والناس الذين يمكن مقابلتهم واللقاء بهم أما الوسيلة الثانية وهي الدعوة عن طريق الرسائل المكتوبة فإنها أوسع مدى وأقدر على الانتشار أبقى في الأثر وأحفظ للمضمون. ولهذا فإن لكل من الوسيلتين مجالها المؤثرة فيه وبعدها الذي تحققه ولا تغني وسيلة منهما عن الأخرى بل تتم كل منهما الأخرى وتكمل بناءها وتتساند في تحقيق أهداف الدعوة وبلوغ غايتها. ولهذا فإن هذه الحركة الإصلاحية قد استخدمت هذه الوسيلة التربوية استخداما حسنا حقق لها قدرا من النجاح في الوصول إلى غايتها وبلوغ مراميها. ٣- إرسال الوفود: ومن الوسائل التي استخدمتها هذه الحركة في منهاجها التربوي بعث الوفود إلى الأقطار الإسلامية لمقابلة العلماء والأمراء وشرح وجهة نظر الدعوة فيما تدعو إليه وما تنهي عنه وفيما يوجه إليها من التهم وما يثار حولها من الشبه والتباحث مع العلماء سعيا للوصول إلى الحق وإقناع الناس بسلامة المنهج وصدق الدعوة.

стр. 113

ومن هذا ما فعله الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود مع والي مكة عام ١١٨٤هـ الشريف أحمد بن الشريف سعيد إذ بعثنا إليه أحد علماء هذه الدعوة وهو الشيخ عبد العزيز الحصين وأرسلا معه كتابا جاء فيه بعد فقرات رقيقة: "ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر وهو واصل إليكم ويجلس في مجلس الشريف أعزه الله هو وعلماء مكة فإن اجتمعوا فالحمد لله على ذلك وإن اختلفوا أحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة والواجب على الكل منا ومنكم أنه يقصد بعلمه وجه الله ونصرة رسوله كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآية".وجاء في آخر الرسالة" وأحق الناس بذلك أولا هم أهل البيت الذين بعث الله منهم وشرفهم على أهل الأرض وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته ﷺ ."١ وفي المقابل كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب على امتداد حياته يقابل الوفود القادمة إلي الدرعية من العلماء والوجهاء وأهل الفكر والرأي المطاعين في أقوامهم بين الحين والآخر فيأخذ منهم ويسمعون منه في مجال الدعوة والإصلاح. فجاءت هذه الوسيلة من وسائل تحقيق المنهاج التربوي بعدا ثالثا له أهميته البالغة وأثره في تحقيق الغاية المرجوة. ٤- التعليم: ومن وسائل تحقيق منهاج هذه الحركة الإصلاحية التعليم، والتعليم يتم في مستويين مختلفين هما: ١- وفق المنهاج العام المعد لعموم الناس وعامتهم متعلمين وأميين وغيرهم وهو منهاج بسيط وواضح ومختصر اقتصر فيه على أصول الدين ومستلزمات أداء فريضة الصلاة وأصول العبادات وهو ما أطلق عليه في هذه الدراسة المنهاج التربوي، وبواسطة التعليم لهذه الأصول والمبادئ العامة وتعاهد الناس بها

стр. 114

تحقق بعد مهم لهذه الدعوة في أوساط الناس عامة ونشر لدعوتها وتشرب لفكرتها وإعطاء قدر عام مشترك من الثقافة الدينية الإلزامية. ب- تعليم متقدم ذو صفة تخصصية يعد طلابه للقيام بالوظائف الدينية مثل القضاء والإفتاء والتوجيه العام وغيرها. وهذا النوع المتخصص من التعليم يتم في المساجد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكبار تلاميذه كل في مجال تخصصه في دراسة منتظمة يومية على طريقة التعليم في حواضر العالم الإسلامي في زمن هذه الدعوة وما قبلها في مثل جامع الأزهر وغيره من مراكز التعليم الديني في العالم الإسلامي، وهو يتناول التفسير وعلوم القرآن والحديث الشريف والفقه وأصوله والتوحيد واللغة العربية والتاريخ والسير وغيرها من العلوم الإسلامية في الكتب المعتمدة في هذه المجالات. وهو تعليم مبرمج يتدرج الطلبة فيه من البسيط إلى المركب، ومن القليل إلى الكثير، ومن المختصرات إلى المطولات. ويتفاوت الطلبة في التحصيل فيه تبعا لاجتهادهم وقدراتهم. وهو يعتمد في دراسة أصول الدين والتوحيد على كتب السلف من أهل السنة والجماعة، ومنهم أئمة الاجتهاد في القرون المفضلة من الصحابة والتابعين والأئمة الذين اندرست مذاهبهم في الفقه مثل الأوزاعي وابن جرير الطبري وغيرهم ممن حفظت كتب الخلاف مذاهبهم أومن الأئمة الأربعة المتبوعين اليوم وهم الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد ﵏ جميعا ومن سلك طريقهم والإمامان الجليلان ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والإمام الطحاوي وابن قدامة وغيرهم من أئمة السلف. ويذمون علم الكلام ويرون أنه خلاف مذهب السلف في التوحيد. وفي مجال التفسير تم الاعتماد على مدرسة التفسير بالأثر الذي يقوم على قمته ابن جرير الطبري وابن كثير والشوكاني وغيرهم من علماء التفسير في هذه المدرسة مع انتفاعهم بمناهج التفسير الأخرى.

стр. 115

وفي تعليم فروع الدين يقتصرون على كتب الفقه عند الحنابلة ويعظمون الدليل الشرعي ويرون وجوب الأخذ به وترك المذهب إذا ظهر الدليل على خلاف ما قرره ويدعون إلى الاجتهاد في الفقه للقادر عليه ومن توافرت له آلته ولا يرون بأسا في تقليد العامة أو المتعلمين الذين لم تتوافر فيهم أهليه الاجتهاد للمفتين في بلادهم. والتعليم على مستويات للمبتدئين في كتب تناسبهم وللمتوسطين كذلك ما يناسبهم وللمهتمين دراسة في الكتب المطولة. وهذا التعليم المتخصص من أهم الوسائل التربوية التي حققت لهذه الحركة فهما أعمق. واعتنت هذه الحركة بسد حاجتها من الدعاة والقضاة والمفتين والقيام على الوظائف الدينية وأعطت لهذه الدعوة عمقا علميا راسخا امتدت آثاره في الحياة وتتابع الناس على لأخذ به وتوسيع دائرة الانتفاع به وكان لطريقة التلقي في هذا التعليم وأخلاق شيوخه ومسلك العلماء في ظله ونظرة الناس لطلابه وجعلهم في محل الاقتداء أثره في القبول عند العامة والخاصة بما جعلها محل الاقتداء. ١- الكتب والمؤلفات: لما كانت هذه الحركة الإصلاحية قد أحدثت ضجة في الأوساط العلمية داخل جزيرة العرب وخارجها كانت محتاجة إلى تأليف المؤلفات ونشر الكتب التي تخدم الدعوة في مجالات مختلفة ولأغراض متعددة، فقد كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب عدة كتب علمية في التفسير والحديث والتاريخ والتوحيد والفقه وغيرها. وكل هذه الكتب تتضافر في خدمة الهدف العام للدعوة وهو تحقيق التوحيد ونبذ الشرك ومحاربة البدع والعودة بالأمة الإسلامية إلى ما كان عليه السلف الصالح في صدر الإسلام. ومن هذه الكتب والرسائل والمؤلفات ما كتب لعموم الناس بوجه خاص مثل ثلاثة الأصول وشروط الصلاة وآداب المشي إلى الصلاة والقواعد الأربع. ومنها ما كتب للتعليم في مجال التخصص مثل كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد وكتاب السيرة النبوية ومسائل الجاهلية ومجموعة الحديث ومختصر المقنع وغيرها.

стр. 116

وقصد منها دراسة النصوص الشرعية والتاريخية وأقوال السلف في المسائل التي كانت تمارس في حياة الناس في عهده في مجالات متعددة وقضايا كثيرة وبيان مقتضى هذه الأدلة في هذه الممارسات. وبيان ما ينبغي الأخذ به في كل المواقف اعتقادا وقولا وعملا. ومنها ما كتب كرد مباشر أو غير مباشر على ما يثار حول هذه الدعوة من شبه وما ترمى به من غلو سواء ما كتبه إمام الدعوة في رسائله وبعض موضوعات مؤلفاته أو كتابات كبار تلامذته وهي موجودة في كثير من مؤلفاته. وقد قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بمناسبة انعقاد مؤتمر أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بجمع مؤلفاته الشيخ محمد ورسائله الشخصية وتحقيقها وإصدارها في مجموعة متكاملة يمكن لكل باحث الاطلاع عليها فهي تمثل ثروة علمية عظيمة ووسيلة ناجحة لشرح أهداف الدعوة وترسيخ مناهجها في أذهان الناس عامة والعلماء في الداخل والخارج وقد حققت هذه الوسيلة التربوية الهادفة بعدا مهما لبلوغ الغاية منها في خدمة هذه الحركة الإصلاحية.

стр. 117

رابعا: الخصائص ... رابعا- خصائص التربية في مناهجه: ١- أنها ربانية المصدر: فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يأت بشيء من عند نفسه وإنما دعا الناس إلى إفراد الله بالعبادة والخلوص من الشرك وتحقيق مراد الله في نصوص شرعه في أصول العقيدة ومجال العبادة ومظاهر السلوك ونظام الحكم والقضاء وغيره. وهو يعبر بقلمه عن ذلك إذ يقول في الرسالة التي وجهها إلى الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف" أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دين قيما ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي

стр. 118

وابن كثير وغيرهم بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم١" وهذا يعطي لهذه الدعوة بعدا عميقا في التأثير وقطع الحجة ووضوح الحجة. ٢- أنها تربة شاملة: لم تكن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب مقصورة على الجانب الروحي والديني والاجتماعي ولكنها دعوة إصلاحية شاملة لأصول الدين وفروعه عامة في أمور الدين والدنيا جميعا ليس في فرق بين سياسة الحكم ونظام القضاء وتصحيح العقيدة وأداء العبادة بل هي شاملة لكل جوانب الحياة وتأخذ بهما في خطوط متوازية بلا إفراط ولا تفريط. وتاريخ هذه الحركة ومبادئها المقررة ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب كلها شاهدة بذلك يقول الشيخ عثمان بن بشر في تاريخه عن الشيخ محمد:"وكفى بفضله شرفا ما حصل بسببه من إزالة البدع واجتماع المسلمين وتقويم الجماعات والجمع وتجديد الدين بعد دروسه وقطع الشرك بعد غروسه. كان رحمه الله تعالى هو الذي يجهز الجيوش ويبعث السرايا ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه الوفود إليه والضيوف عنده الداخل والخارج من عنده.٢ " ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن نفسه في رسالته التي بعث بها إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف"وليست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم" ... إلى أن قال "بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسوله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني.٣

стр. 119

ومبادئ الدعوة الإصلاحية قد تضمنت جوانب الحياة كلها والاهتمام بالفرد ذكرا كان أو أنثى فردا أو جماعة. ومؤلفات الشيخ شملت أصول الدين وفروعه ومسائل متفرقة في العبادة والمعاملات والقضاء وفض المنازعات وغيرها. والقيادة السياسية التي أقامتها هذه الدعوة عنت بجوانب الحياة كلها عقيدة وشريعة وسلوكا ونظام حياة متكاملة مراعى فيها حق الفرد والجماعة وواجب كل منهما ورعاية أمور الدين والدنيا جميعا. ٣- أنها تربية متكاملة: فهي لا تعني بتربية الروح على حساب العقل أو بتربية العقل على حساب الوجدان ولكنها تربية متكاملة تتناول جوانب الشخصية من جميع الجهات، فهي تعني بالعقل إذ تغذيه بالعلم وتحركه بدعوتها إلى التفكير والتدبير في آيات الله ومخلوقاته وعظمته، وتعني بالروح وتزودها بالطاعات وتأدية فرائض رب العالمين وتغذي الوجدان بتنمية روح المحبة والتعاون مع المؤمنين في الطاعة والكره للمعاصي وأهلها والبدع والمكبين عليها وهي تهتم بتكوين الفرد الصالح والمجتمع الفاضل والأمة القوية والقيادة الراشدة. فمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومؤلفاته وآثاره في منهاجه التربوي العام أو التعليم المتخصص عنيت عناية تامة بالنص الشرعي وفهم مراد الله منه على ضوء فهم الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، ودلالة اللسان العربي وجعله هو الأصل الذي يقاس به أفعال الناس وتصرفاتهم وتوزن به آراء الرجال وتحرير العقول من التقليد الأعمى والتعصب للمذهب والشيخ والطريقة والرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة وفي ذلك يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى إسماعيل الجراعي في اليمن فيما نسب إلى الشيخ محمد بأنه لا يعمل بكتب المتأخرين من الفقهاء فقال: "وأما المتأخرون ﵏ فكتبهم عندنا فنعمل بما وافق النص

стр. 120

منها ومالا يوافق النص لا نعمل به.١ وقال في رسالة أخرى بعث بها لعبد الله بن سحيم مطوع أهل المجمعة ما نصه: "إن أهل العلم إذا اختلفوا والجهال إذا تنازعوا ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله وأهل العلم أو الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها ولو خالفت ما ذكره العلماء".٢ وهو استفهام إنكاري لأمر يعد من بديهيات العلم الشرعي. وفي كتاب ثلاثة الأصول للشيخ محمد رحمه الله تعالى: "فإذا قيل لك بم عرفت ربك فقل بآياته ومخلوقاته ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما"٣ ثم ساق الأدلة الشرعية على ذلك. وأخذت هذه الدعوة بمبدأ الولاء والبراء ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتماد الجهاد والعلم والعمل في هذه الحركة بين كذلك صور مكونات هذا التكامل وكذلك توجيه الدعوة إلى الفرد والجماعة بل مخاطبة الذكر والأنثى في منهاج هذه الحركة الإصلاحية كلها تجسد هذا التكامل الذي يعد إحدى خصائص هذه الحركة. ٤- الربط بين العلم والعمل: فإن هذه التربية وإن كان ترى ضرورية البدء بالعلم قبل القول فإنها دعوة عملية في جوهرها وصميمها ترى أن العلم لا يسمى علما حقيقيا حتى يقترن بالعلم المطابق له وإلا كان علما غير نافع. فهي ترى ضرورة توظيفه في الحياة بما يحقق

стр. 121

صلاح الفرد وإصلاح المجتمع وجعلهما متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر ولكن العلم يكون موجها وضابطا والعمل يكون تابعا ومحركا فاعلا. ويوضح هذا الترابط بصورة جلية ما صدر به الشيخ محمد بن عبد الوهاب كتابه القيم المعروف بثلاثة أصول حيث صدر هذا المؤلف بما يتفق والمحور الأساسي للدعوة الإصلاحية وهو ما عبرنا عنه بالمناهج التربوي العام في هذا البحث قال ﵀: "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، والثانية العمل به، والثالثة الدعوة إليه، والرابعة، الصبر على الأذى فيه. والدليل قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ إن الإنسان إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١ فهذه المسائل الأربعة التي ذكرها الشيخ في صدر كتابه المعروف بثلاثة الأصول ودليلها هذه السورة التي قال الإمام الشافعي فيها:"لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم"إذ أنها تضمنت الدين كله فدل على مدى الربط الشديد بين العلم والعمل في هذه الحركة الإصلاحية وأنه لا ينفك أحدهما عن الآخر عنده وسيرة الحركة العملية تجسد هذه التلاحم بين العلم والعمل في هذه الدعوة. ٥- أنها تربية تعني بالدين والدنيا معا: فهي لا تعرف الانفصام بين أمور الدين وشئون الحياة ونظام الحكم ولا بين المصحف والسيف ولا بين ما لله وما خلقه بل أنها دعوة إصلاحية كاملة قوية التلاحم بين هذه الأمور كلها وتعني بالأمور الدينية والدنيوية وبأمور الحياة والآخرة وبالماديات والمعنويات على السواء تحقيقا لمراد الله من خلقه ورجوعا بالأمة المسلمة إلى حياة سلفها في الصدر الأول دون زيادة أو نقص وبلا تحريف أو تبديل.

стр. 122

فقد ذكر المؤرخ ابن بشر ﵀ بعض ما دار بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود عند ما قابله لأول مرة في الدرعية قال ابن بشر:"ثم أخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله ﷺ وما دعا إليه وما عليه أصحابه ﵃ من بعدهم وما أمروا به وما نهوا عنه وأن كل بدعة بعدهم ضلالة "١ ثم قال ابن بشر ﵀ "فلما تحقق محمد – الأمير – معرفة التوحيد وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لاشك فيه وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد" ٢ ثم قال ابن بشر:"ثم إن محمدا بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "٣ فهذا النص التاريخي بين أن هذه الدعوة لرد الناس إلى الله وتجديد ما أندرس من معالم دينه بشموله وكماله الذي قال الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ وقوله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . والمعروف من حياة الشيخ محمد بن عبد الو هاب وسيرته ودعوته ومؤلفاته أنها دعوة عامة شاملة للإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي وغيرها ومناهجه التربوي العام والخاص يؤكد هذه الحقيقة والواقع العملي الذي تمخض عن هذه الحركة يترجم هذه الحقيقة في صورتها الشاملة. ١- أنها تربية واقعية بصيرة: فهي تنطلق من واقع الحياة الاجتماعية والدينية في نجد تشخص أدواءها وتحدد

стр. 123

أمراض مجتمعها تشخيصا دقيقا تتبين منه مواقع الخطأ ومبعث الانحراف ودرجة الخطورة ومن ثم تصف الدواء الناجع لشفاء المجتمع من أمراضه وتعين مواضع الفساد التي يجب أن تعالج وتقدم الدواء بالقدر المناسب بعد اختبار إمكاناتها وقياس درجة قدرتها على تحقيق مرادها في الوقت والمكان المناسبين اسمع صاحب الدعوة وهو يقول: "وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: ١- أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه. ٢- أن يكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه. ٣- صابرا على ما جاءه من الأذى وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا وعمل به١ ثم بين لأتباعه في حوطة السدير خطوات إنكار المنكر وما ينبغي أن يكون عليه من التدرج فيقول في الرسالة نفسها:"الجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن ينصح برفق خفية ما يشترف أحد فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلا يقبل منه بخفية فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق واستلحق عليه ولا وافق فيرفع الأمر يمنا خفية"٢ بل قال في هذه الرسائل نفسها:" وأيضا يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسبب افتراق لم يجز إنكاره٣ وقال في الرسالة التي بعث بها إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي في العراق ما نصه:"وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع عقدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة واتباعهم إلي يوم القيامة لكني بينت للناس إخلاص الدين لله ونهيتهم عن دعوة الأحياء

стр. 124

والأموات من الصالحين وغيرهم"٠٠٠إلى أن قال: "فأنكر بعض الرؤساء لأنه خالف عادة نشأوا عليها"١

стр. 125

الفصل الخامس: المعارضون وشبهاتهم المعارضة على الدعوة ... الفصل الخامس: المعارضون وشبهاتهم أولا- المعارضة للدعوة: لما جهر الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوته أثناء رحلاته بين الحرمين الشريفين والبصرة والاحساء ونجد صار الناس أمام دعوته بين مؤيد ومعارض ولما استقر في حريملاء ثم بدأ دعوته في نجد عام ١١٥٣ استحسن بعض الناس دعوته وعارضها آخرون وبدأت المعارضة من أقرب الناس إليه من أخيه لأمه١ وأبيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب ثم بدأت المعارضة تتسع وتشتد حتى تم السطو على الإمام في بيته ليلا لقتله أملا من الخصوم في الراحة ثم رحل منها مضطرا إلى بلدة العيينة وهي يومئذ من أكبر الإمارات في وادي حنيفة فزاد اتباعه فيها وتوسعت المعارضة ضده حتى جاءت التهديدات الشديدة من قائد الاحساء إلى أمير العيينة لإيوائه الشيخ وسماحه له بالدعوة على ما بين العيينة والاحساء من بعد المسافة وصعوبة الاتصال – حتى اعتبر أن مجرد إيوائه وإبقائه في العيينة جريمة لا تغتفر تعرض نفسه وإمارته للخطر والدمار وأن عليه أن يقتله ويريح الناس منه ولا يكتفي بمجرد إخراجه من بلاده مما أضطر أمير العيينة لمصارحة الإمام وإشعاره بوجوب الخروج من بلده إلى أي جهة يريدها لأنه لا قبل له بأمير الاحساء وضغط المعارضة الشديدة عليه. ومع أن الشيخ ﵀ حاول تثبيته على الحق ووعده بالنصر إلا أن الخوف قد بلغ بأمير

стр. 126

العيينة مبلغه وضغط المعارضة عليه قد أفقده صوابه فأكد على الشيخ بالخروج من بلاده فخرج الشيخ من العيينة متجها إلى الدرعية عارضا نفسه على أميرها وأهلها. فوجد منه قبولا وتأييدا ومؤازرة وتم بينهما العهد الميمون على إيواء الدعوة الإصلاحية وتأييدها والذود عنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. فلما استقر مقام الدعوة في الدرعية واشتد ساعدها في مقامها الجديد بتوافد طلاب العلم عليها وكثرة المهاجرين إليها، أعلنت دعوتها وتصميمها على المضي غايتها بلا تردد ولا تأخير ولا مهادنة. وعرفت المعارضة ذلك منها كما عرفت خطورتها على الأوضاع السائدة في المنطقة وقت قيامها. واشتدت المعارضة ضدها وجمعت صفوفها في وجهها ونشرت قالة السوء عنها ونشطت في صد الناس عنها وتكتلوا ضده وتنادوا للقضاء عليها في مهدها حتى دخلت المعارضة مرحلة الهجوم المسلح ضد الدعوة وأنصارها في الدرعية وذلك على يد أمير الرياض وقتها دهام بن دواس وأهل الرياض ومنفوحة والخرج وغيرهم وظلت الحرب بين حركة الإصلاح والتجديد وبين المعارضة في نجد سجالا سنين طويلة. ولم تقف هذه الحرب والصراع بين الدعوة وخصومها في نجد عند قدرتها وإمكاناتها المحلية بل تعدتها إلى مراكز القوي في العالم الإسلامي في الحجاز والعراق واليمن والخليج العربي على يد الخلافة العثمانية التي أخذت على عاتقها القضاء على هذه الدعوة والإجهاز عليها وإطفاء نورها باعتبارها حركة انفصالية تهدد وجود الخلافة العثمانية في شبه جزيرة العرب وتنذر بحركات انفصالية في أجزاء أخرى من الخلافة العثمانية التي بدأ يدب إليها الضعف والوهن في عصورها المتأخرة. ولهذا فإن المعارضة بدأت محلية محدودة ثم توسعت دائرتها حتى شملت قوى خارجية ذات إمكانات هائلة ونفوذ واسع، مما يمكننا معه القول بأن المعارضة كانت على مرحلتين هما المعارضة الداخلية والمعارضة الخارجية.

стр. 127

١- المعارضة الداخلية: بدأت المعارضة الداخلية في العارض وقاعدته الرياض ومنفوحة ومعكال ثم امتدت وتوسعت دائرتها في بقية أقاليم نجد تبعا لتوسع قاعدة الدعوة حتى شملت الخرج وضرماء وحريملاء وثرمداء وأقاليم سدير والوشم والقصيم وغيرها من أقاليم نجد، وبالرغم من اشتداد المعارضة وعنف مقاومتها إلا أن ميزان القوى كان يميل في صالح الدعوة وأنصارها يوما بعد يوم والمعارضة تفقد مواقعها واحدا بعد الآخر في حرب أهلية شرسة ومستمرة. وكان يتزعم المعارضة الداخلية بعض الأمراء الظلمة وعلماء السوء في كل من الرياض ومنفوحة وأقاليم الخرج وسدير والوشم والقصيم وغيرها. وقد بدأوا الحملة الإعلامية المضادة للدعوة بما روجوه بين العامة من خروج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن جادة الحق، وبما أشاعوا عنها من أخبار كاذبة ودعايات مغرضة، وبما ألفوا ضدها من كتب، وبما أصدروا من نشرات، وبما كتب لهم بعض علماء البصرة والاحساء والحرمين الشريفين من رسائل تندد بهذه الدعوة ووصفها بكل النقائص، وتحاول تثبيت الناس على ما هم عليه وتصدهم عن قبول الدعوة الإصلاحية الجديدة، وتحثهم على المقاومة بكل الوسائل: تقرأ هذه الرسائل في المساجد بعد الصلوات، وفي المجالس العامة والخاصة. وقد آزر هؤلاء الأمراء والعلماء قائد منطقة الاحساء وكانت من أقوى الإمارات وأغنى المناطق القريبة من نجد وأوفرها خيرا ومادة. ولكن كل هذه الجهود والأعمال التي كانت تقوم بها المعارضة على ضخامتها لم تستطع القضاء على حركة الإصلاح ولم تثن عزمها عن المضي إلى غايتها بكل قوة بل ظلت تعطي من نفسها لهذه الدعوة وتقدم من البدل والتضحيات ما جعلها تتفوق على خصومها- بعد تأييد الله لها وتوفيقه للقائمين عليها- واستمرت الدعوة في مدها المستمر في كل الاتجاهات حتى وصلت سواحل الخليج العربي، وأخضعت كل أقاليم نجد بل دخلت الحرمين الشريفين فاتحة منتصرة تنشر راية التوحيد، وتعلن

стр. 128

مبادئ الدعوة الإصلاحية الجديدة في مواسم الحج وفي كل مكان من شبه جزيرة العرب حتى أدركت الخلافة العثمانية خطرها الشديد عليها وتهديد وجودها في كثير من البلاد المجاورة لها. فأخذت تدرس هذا الأمر بكل عناية وتخطط لمعالجة المستجدات في الحرمين الشريفين وشبه جزيرة العرب. والمعارضة الداخلية هذه كانت تقوم على نظرة دينية وتصور مناقض لحركة الإصلاح والتجديد وتستند في معارضها على اعتبارات متعددة منها السياسي والإقليمي والعلمي والمالي والشخصي وكلها تلتقي على رفض دعوة الإصلاح والوقوف في وجهها والعمل على إجهاضها. وتبذل كل الوسائل للحفاظ على الأوضاع القائمة وقت الدعوة وعدم المساس بها من قريب أو بعيد. وأهم الاعتبارات التي بنت عليها المعارضة الداخلية موقفها من حركة الإصلاح ما يلي: ١- اعتبار سياسي: وهو أن الدعوة لها شيخ وإمام والدعوة تقتضي من المدعوين الطاعة والامتثال لمبادئ الدعوة والدخول تحت طاعة أميرها. وهذا في حد ذاته بسط لنفوذ إمام الدعوة على الإمارات المجاورة له. وهذا يعني سلب هذه الإمارات سيادتها على أرضها وجماعتها وخضوعها لسيادة الدعوة وإمامها. ولهذا فإن بعض المطاوعة في نجد اعتذر من عدم قبول الدعوة لأن أميرها لم يقبل مثل ما ذكر الشيخ ﵀ في الرسالة التي بعث بها إلى مطوع مرات أحمد بن إبراهيم حيث قال فيها: "وأما قولك أبغي أشاور إبراهيم فلاودي تصير ثالثا لابن عباد وابن عيد، أما ابن عباد فيقول أي شيء أفعل بالعناقر – أمراء ثرمداء – وإلا فالحق واضح ونصحتهم وبينت لهم. وابن عيد أنت خابره حاول إبراهيم في الدخول في الدين وتعذر من الناس أن إبراهيم ممتنع. يا سبحان الله إذا كان أهل الوشم وأهل سدير وغيرهم يقطعون أن كل مطوع في قرية لو ينقاد شيخها ما منهم أحد يتوقف"١

стр. 129

فهذا يدل على أن الاعتبارات السياسية كانت أحد أهم العوامل التي دعت إلى الاختلاف مع دعوة الإصلاح ورفض امتدادها ومحاربتها للحد من نفوذها. ١- اعتبارات إقليمية: فإن الناس في المراكز العلمية في الحرمين الشريفين وفي الشام ومصر والعراق والبصرة والاحساء ينظرون إلى إقليم نجد بأنه إقليم متخلف ثقافيا لا يجوز أن ينقاد الناس لأهله ويتلقوا التوجيه منه ويقبلوا منه ما يخالف ما في حياتهم عبر أجيال مضت. وقد أشار الشيخ إلى هذا المعنى في الرسالة التي بعث بها إلى محمد بن سلطان فقال: "لا يخفاك أني أعرض هذا من سنين على أهل الاحساء وغيرهم وأقول كل إنسان أجادله بمذهبه فإن كان شافعيا فبكلام الشافعية وإن كان مالكيا فبكلام المالكية أو حنبليا أو حنفيا فكذلك. فإذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب لأنهم يعرفون أني على الحق وهم على الباطل وإنما يمنعهم عن الانقياد التكبر والعناد على أهل نجد" وقال في الرسالة نفسها: "وكن على حذر من أهل الاحساء أن يلبسوا عليك بأشياء لا ترد على المسألة أو يشبهوا عليك بكلام باطل"١ وهذا النص يدل على نظرة عامة عند بعض العلماء في الأمصار إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكونه من أهل نجد ذلك الإقليم الذي انعزل عن العالم الإسلامي منذ القرن الخامس للهجرة النبوية أو كاد. ٢- اعتبارات علمية: وذلك أنه لما قامت دعوة الإصلاح في نجد، ودعت إلى إبطال كثير مما كان مألوفا عند الناس في نجد، ووصفت الإصرار عليه بالكفر أو الشرك أو البدعة أو المعصية، صار موقف العلماء حرجا جدا أمام الجمهور الذي يتساءل إذا كان الشيخ على حق فلماذا لم تقولوا ذلك قبله بل تركتم الناس في هذا الضلال، وإن كان ما

стр. 130

يقوله باطلا فلماذا لا تدحضونه وتفندون أقواله. وهذا الاعتبار عبر عنه الشيخ محمد في عدة رسائل مثل الرسالة التي بعث بها جوابا للشيخ عبد الله بن سحيم في المجمعة في بيان سبب رفض الشيخ سليمان بن سحيم مطوع أهل الرياض الدعوة ومناصبتها العداء قال فيها ﵀: "وذلك أن العامة قالوا له وبأمثاله إذا كان هذا هو الحق فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة شمسان وأمثاله فتعذروا، إنكم ما سألتمونا قالوا وإن لم نسألكم كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة وأن فيه شرفا لغيره "١ ولما كان السكوت عما عليه الناس قد حصل حتى قامت الدعوة وفات أوان الأخذ به فلم يبق إلا الاعتراض على الدعوة وشيخها وتأليب الناس ضده، وتبرير جواز ما يمارسونه، ووصف الدعوة الإصلاحية بالغلو والمبالغة في وصف الواقع العملي في مقرها وما حوله. ١- اعتبارات تتعلق بعوائد مالية٢: فإن شيوخ الطرق والصوفيين الموجودين في المنطقة وسدنة القبور وكتاب الطلاسم التي يستشفى بها الناس والتمائم التي تعلق على الأولاد وغيرها لهم ربح مادي من الأفراد والأوقاف على تلك المرافق باعتبارها أعمال بر في نظر أربابها وفي إبطال هذه البدع والقضاء على هذه المظاهر تأثير مباشر على امتيازات وعوائد مالية تدر ربحا على القائمين بهذه الأعمال ليس من السهل التخلي عنها لمجرد دعوة يقوم بها شيخ حديث العهد بالحياة العلمية والاجتماعية، ولأجل هذه المصالح والخوف عليها اشتدت معارضة أصحابها للدعوة الإصلاحية في نجد ورموا صاحبها بكل داهية واتصلوا بشيوخهم في الأمصار لإعانتهم على الشيخ ودعوته بالكتابة ضده وإصدار الفتوى عليه ومحاولة إيقاف مد دعوته. وقد بذلت جهود عظيمة في هذا

стр. 131

السبيل حفاظا على الكانة الاجتماعية لأصحابها هذه البدع والعوائد المادية التي تصلهم عن طريق قيامهم على هذه الأعمال. هذه هي أهم أسباب اختلافهم الناس المعاصرين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع الدعوة ووقوف بعض الأمراء وبعض العلماء وجملة من العامة في وجه الدعوة الإصلاحية إلى جانب أسباب أخرى يجدها الباحث مثبتة في كتابات الشيخ ﵀ والمعاصرين له. أما مظاهر هذه المعارضة فيمكن تلخيصها في أمور منها: ١- الاستهزاء والسخرية وإغراء العامة بها وبأتباعها. ٢- نشر الدعايات الكاذبة المغرضة عن إمامها بين أوساط الناس. ٣- كتابة الكتب والرسائل وبعث البعوث للأمراء والعلماء في المدن والقرى والبوادي ضد هذه الدعوة وأتباعها وإمامها. ٤- التضييق عليها بقطع الإمدادات والمؤن والمساعدات وحصارها اقتصاديا ٥- حمل السلاح ضدها واستحلال دم أتباعها ٦- السعي ضدها لدى الخلافة العثمانية ودولة الأشراف في الحجاز والولاة في الشام ومصر والعراق واليمن وغيرها وإثارة الشبه حولها ودعوة الناس إلى حصارها والقضاء عليها. وقد صاحبت هذه المظاهر قيام الدعوة واستمرت معها حتى أظهرها الله:

стр. 132

١- المعارضة الخارجية: وتتمثل في الدرجة الأولى في الباب العالي للخلافة العثمانية في تركيا وفي ولايتها في مختلف الأقاليم الإسلامية وفي بعض علماء المسلمين خارج منطقة نجد، ومن المعلوم تاريخيا أن الخلافة العثمانية اكتفت ببسط نفوذها على الحرمين وعلى سواحل البحر الأحمر والخليج العربي والاحساء والعراق والشام ومصر وسواحل البحر العربي. أما وسط شبه جزيرة العرب فإنه فقد السلطة السياسية بعد القرن الخامس

стр. 133

الهجري ولم تعره الخلافة العثمانية أي اهتما يذكر لاعتبارات كثيرة منها قلة موارده المالية، وصعوبة مسالكه، وكلفة السيطرة على سكانه مع التكتلات القبلية القائمة في هذه المنطقة، واضطراب حبل الأمن فيها ونفور سكانها من العناصر الأجنبية عليها إلى جانب اتساع رقعتها وصعوبة ضبطها ولهذا تركت هذه المنطقة مهملة طيلة العهد العثماني لم تمتد إليها يد الإصلاح ولم تصلها رحمة حانية من الولاء بل تركت وشأنها ليكن النفوذ فيها للأقوى من أهلها ولهذا استقل كل أمير ببلده وكل رئيس عشيرة بقبيلته. ولما بدأت حركة الإصلاح والتجديد في نجد لم تعرها الخلافة العثمانية في بدء قيامها أي اهتمام بل تركتها تتصارع مع قوى المعارضة الداخلية دون تدخل يذكر من الخلافة العثمانية وكل ما كان من تدخل من خارج المنطقة إنما كان يتمثل في بعض الرسائل والكتب التي أصدرها وكتبها العلماء في البصرة والشام والحرمين الشريفين واليمن وغيرها ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته. وقد أعطى تأخير تدخل المعارضة الخارجية فرصة جيدة لحركة الإصلاح في نجد للامتداد والتوسع وجمع الأنصار وزيادة الأتباع. ولما وصل مد الدعوة إلى الحرمين الشريفين وسواحل الأحمر والخليج العربي وأطراف الشام والعراق وأعلنت مبادئ الدعوة في مواسم الحج وفي المناسبات الإسلامية وحصل الاحتكاك المباشر مع ولاة الخلافة العثمانية في الخليج والبصرة والحرمين الشريفين والمحمل المصري والشامي وغيرها، وبدأت الخلافة العثمانية تنظر لهذه الحركة نظرة جادة وخطيرة، وبدأت تخطط لمحاصرة هذه الدعوة وتقليص نفوذها وتأييد المعارضين لها في الداخل والخارج، ورسم سياسة إعلامية واستراتيجية وعسكرية لمواجهة هذه الدعوة والإجهاز عليها. واعتبرت هذه الحركة حركة سياسية ودينية انفصالية خطيرة تهدد وجودها في شبه جزيرة العرب وتنذر بقيام حركات انفصالية في أقطار أخرى من العالم، وأن على الخلافة العثمانية أن تحافظ على قوتها وهيبتها أمام جميع القوى المعاصرة لهذه الدعوة ولن يكون إلا بتأديب الخوارج

стр. 134

على سلطانها والرد على هذه الدعوة الوليدة بكل قوة ليتأدب يناله منه كل من تسول نفسه له الخروج وخلع طاعتها. وكانت لهذه المعارضة الخارجية دوافعها الخاصة بها ومبرراتها التي تشترك فيها مع المعارضة الداخلية، ويمكن إيجاز أهم دوافع المعارضة الخارجية في النقاط التالية: ١- اعتبار حركة الإصلاح والتجديد في نجد حركة سياسية دينية انفصالية غير مشروعة في ظل خلافة إسلامية قائمة وأنها استولت على أجزاء مهمة من الخلافة العثمانية مثل الحرمين الشريفين وبعض الثغور المهمة وأن في ذلك انتقاصا للخلافة وانتزاعا لبعض ممالكها بغير وجه حق، وهي خطر يهدد بقية أقاليم الخلافة بالانفصال والخروج، ونذير خطر، بتصدع الخلافة وتقطيع أوصالها، وبادرة خطيرة لا يمكن السكوت عليها أو السماح ببقائها. ٢- أن المعلومات التي توافرت للمعارضة الخارجية عن هذه الحركة أنها حركة غلاة متطرفين في الدين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وتصدهم عن دينهم، وأن واجب الخلافة العثمانية تطويع هذه الحركة وحفظ دماء المسلمين وأموالهم من خطرها، وتأمين رعاياها من أفكار هؤلاء الغلاة الخوارج على الدين ودولة الخلافة. ٣- أن واجب الخلافة العثمانية نصرة أتباعها في المنطقة الذين ظلوا على السمع والطاعة وتعرضوا للأذى في سبيل دينهم والسمع والطاعة لدولة الخلافة. ٤- أن الدين يقتضي القضاء على الفئات الخارجية عن الطاعة المفرقة لجماعة المسلمين وإمامهم، والمنكرة لما هم عليه من عقائد ومواضعات موروثة مما هو سائد في كثير من الأقاليم الإسلامية من غير نكير. هذا ومع أنني تتبعت رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وقرأتها أكثر من مرة كما اطلعت على معظم كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأخرى ومؤلفاته ورغبتي الشديدة في معرفة منهجه السياسي في الحكم ورده على ما أثارته المعارضة الخارجية ضد دعوته من أنها حركة انفصالية غير مشروعة عن خلافة إسلامية قائمة مع ما أعرفه من عقيدة أهل السنة والجماعة من وجوب السمع والطاعة لولاة أمر

стр. 135

المسلمين برهم وفاجرهم ووجوب ما لم يأمروا بمعصية أو يأتوا بكفر بواح ووجوب الصلاة خلفهم والجهاد معهم والصبر على مظالمهم وتحريم الخروج عليهم إلى آخر ما تضمنته عقيدة السلف في ذلك من قيود مشددة في باب الإمامة وقد سبق بيان عقيدة الشيخ محمد ﵀، هذا على سبيل الإيجاز في الفصل الثالث، مع كل ذلك لم أعثر على أي كلام للشيخ محمد ﵀ في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد يرد فيه على هذه المقولة أو يشرح فيها وجهة نظره في هذا الأمر. وأعتقد أن هذا من كمال فقهه وتمام عقله إذ أن مذهب السلف هو وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية أو يأتوا بكفر بواح عندهم فيه من الله برهان. ومذهب السلف ﵏ في الإصلاح هو تربية العلماء العاملين وتكثير عددهم وقيامهم بواجب التعليم والتربية في صفوف المسلمين وتقديم النصيحة الصادقة والخالصة الجريئة لأئمة المسلمين وعامتهم، وربط الفرد بهذا الدين وتربيته على الصراحة وقول الحق ورفض الباطل وتقديم النصيحة في كل الأحوال والمواقف. فإذا صلح الأفراد وصار الشارع مسلما وتوافر العلماء العاملون المجاهرون بالحق المقدمون للنصيحة كان ذلك أكبر ضمان لسلامة الأمة والبعد عن ظلم الحكام وتحقيق استقامة الحياة وعدم إتاحة الفرصة لأهل الأهواء بإحداث الفوضى في الخلافة الإسلامية.١ والمسلمون اليوم مع بالغ الأسف يتخبطون في منهجهم السياسي فيأخذون بمذهب الشيعة تارة وبمذهب الخوارج تارة ويجمعون بينهما تارة أخرى من حيث يشعرون أو لا يشعرون ذلك أن منهج الشيعة السياسي يقوم على المعارضة السياسية للخلافة وإمامها،

стр. 136

فلا يفترون في معارضتهم الوضع السياسي وقيامهم في وجه الخليفة على مر العصور. والخوارج يعتمدون في منهجهم السياسي على الثورات المسلحة والهجمات المضادة للخلافة. أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فلم يرد على هذه المقولة بشيء ولا نعرف سبب إعراضه عنها. وقد يقال إن هذا الإعراض غير وارد على الدعوة التي قامت في وسط شبه الجزيرة العرب، وهي بقعة من أرض الإسلام لم تمتد إليها يد الخلافة ولم تقم بواجبها نحوها بأي شكل من الإشكال بل تركتها فريسة للفوضى السياسية والاجتماعية والدينية وغيرها. فإذا قام أهلها بما يصلح حياتهم ويصحح عقيدتهم ويؤمن خائفهم ويحفظ بلادهم مما لم تجعل الخلافة العثمانية ذلك كله من مسئولياتها فهل يكون لها حق لاعتراض على أهل أرض متروكة مهملة ومتى اعتبرتهم الخلافة من رعاياها حتى تعترض على خروجهم عنها. أما ما بلغ الخلافة العثمانية عن حركة الإصلاح والتجديد من أنها حركة غلاة وخوارج على الدين يستحلون دماء المسلمين وأمولهم ويصدون عن سبيل الله، فإن هذا المنطق هو منطق المعارضة الداخلية التي رفضت قبول الدعوة لأسباب مشابهة لأسباب المعارضة الخارجية. فإن المعارضة الداخلية من أسباب رفضها للدعوة أن الدخول في الدعوة يعنى الخضوع لأميرها والسمع والطاعة له والمعارضة الخارجية ترفض استمرار قيام هذه الدعوة لأن قيامها يعني الخروج على سلطان الخلافة العثمانية. والمسألة مأخوذة على أنها سياسية وخروج على الخلافة. ولو كانت مسألة دينية لوجب مناقشة كل ما أثير حول هذه الحركة وإجراء جوار علمي يهدف إلى الوصول إلى حقيقة ما أثير حول هذه الدعوة وإمامها. فإن ظهر أنها على الحق وجب الكف عنها، وإن ظهرت أنها حركة خوارج – كما يقال – أمكن القيام ضدها وصار الواجب الرجوع في تحقيق هذه المسألة الدينية إلى نصوص الشريعة كتابا وسنة وإجماعا واجتهادا على يد علماء الشريعة لا على يد السياسيين والعسكريين فقط. ومن أجل هذا وغيره التقت مصالح المعارضة الخارجية والداخلية على الإجهاز على هذه الدعوة والقضاء على قادتها. ومن أجل ذلك أصدرت الفتاوى الشرعية،

стр. 137

وقامت بالحملات الإعلامية، وجهزت الجيوش الضاربة للقضاء على هذه الدعوة في عقر دارها. ولكن هذه الدعوة كانت قد أخذت مكانها في النفوس ومستقرها من القلوب. وإذا كان في تعدد الحملات العسكرية تحقيق النصر السياسي أحيانا فليس في مقدورها القضاء على القضاء على الدعوة كفكر وعقيدة وحق. ومظاهر هذه المعارضة شبيهة بمظاهر المعارضة المحلية التي تتلخص في الأمور التالية: ١- تسخير وسائل الدعاية والإعلام ضد هذه الدعوة وإعطاء المسلمين عنها فكرة سيئة من الوجهة الإسلامية الصرفة. ٢- إصدار الفتاوى الشرعية ضد هذه الحركة وأتباعها ورميها بما ليس فيها. ٣- محاصرتها اقتصاديا وقطع المعونات عنها. ٤- مؤازرة خصومها بالمال والسلاح. ٥- تأليف الكتب والرسائل والنشرات من كبار علماء المسلمين في بلاد كثيرة اعتمادا على ما بلغهم عن طريق الخلافة العثمانية وبما كان مجافيا للحقيقة. ٦- الحملات العسكرية التدميرية المركزة.

стр. 138

مسائل الخلاف ... ثالثا- نقاط الاختلاف بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعارضيه: ولما جهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته الإصلاحية في نجد عام ١١٥٣هـ بعد أن حدد أهدافها ووسائلها ومبادئها وبدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطرح مفاهيم هذه الأصل من الأقوال والأفعال في ممارسات الناس اليومية ورسم طريق الخلاصة بينها وبين ما ينبغي الأخذ به وما ينبغي الكف عنه ووجوب تعليم الجاهل وتذكير الناسي وبيان حقيقة التوحيد وطريق تحقيقه وتعريف ما يناقضه من أنواع الشرك الظاهر والباطن. وأنه بعد تعليم الجاهل وتذكير الناسي وتنبيه الغافل وبيانه أحكام كل

стр. 139

الممارسات القائمة في المجتمع مما يعد مخالفا للنصوص الشرعية ودعوة الناس إلى العدول عن كل مخالفة وإلا جاز أن يطلق على كل فعل من الأفعال الحكم الشرعي المناسب له حسب أدلة النصوص ومقتضياتها في ضوء فهم الصحابة ﵃ والتابعين وأتباعهم بإحسان إلى يوم دعوة الشيخ، فلما وجد إصرار من بعض العلماء والمطاوعة والأمراء وبعض العامة على معاداة الدعوة ومظاهرة أعدائها عليها، رتب على هذه الأفعال والمواقف والممارسات أحكاما شرعية وأصدر كتبه وفتاواه تنطق بهذه الأحكام فسمى الشرك باسمه والبدعة باسمها وكل قول أو فعل أو ممارسة أو موقف باسمه كذلك، وكانت هذه الأحكام في نظر المعارضين للدعوة أحكاما قاسية تصف بعض الأقوال والأفعال والتصرفات والمواقف بالشرك أو أنه ناقض من نواقض الإسلام، وتسمي بعض الأشخاص بالمشركين لما أظهروا الإصرار على دعوة غير الله مع الله ودعوة الناس إليه وتأييدهم في أفعالهم الشركية، كما وصفت بعض الأقوال والأفعال والتصرفات بالبدعة والمصرين عليها بالمبتدعة. وبدأ الاختلاف مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وخصومها في اتجاهين رأسين هما: ١- مسائل علمية تتصل بالإيمان والتوحيد والمتابعة لرسول الله ﷺ والتكفير والاجتهاد والتقليد ومناقشة الأدلة في ذلك كله. ٢- ممارسات عملية تتصل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد والعدل في الميراث وهدم البناء على القبور وغيرها. أما المسائل العلمية التي اختلف فيها خصوم الدعوة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهي كثيرة وقد حددت لنا مؤلفات الشيخ محمد ﵀ ورسائله الشخصية تارة وعلى شكل بحوث وقواعد عامة ليست موجهة لأحد بعينه ولكنها تناقش القضايا المختلف عليها بصورة غير مباشرة تارة أخرى ونود هنا قصر نقاط الاختلاف على الأمور التي صارت فيها مكاتبات شخصية في مسائل محدودة ومنها على سبيل المثال ما يلي:

стр. 140

١- الاختلاف حول أول واجب على المكلف: فيرى الشيخ محمد بن عباد مطوع ثرمدا أن أول واجب على كل ذكر وأنثى النظر في الوجود ثم معرفة العقيدة ثم علم التوحيد. ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن هذا خطأ وأن هذا من علم الكلام الذي ذمه السلف وإنما الذي أتت به الرسل أن أول واجب هو التوحيد وليس النظر في الوجود ولا معرفة العقيدة ١ ٢- الاختلاف في تعريف الإيمان: يقول محمد بن عباد: إنه التصديق الجببازم بما أتى به الرسول ﷺ . ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأنه يدخل فيه جميع المأمورات وترك جميع المنهيات وليس مجرد التصديق الجازم بما أتى به الرسول ﷺ . ﷺ فأبو طالب عمه جازم بصدقه وكذلك الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن الذين يقولون الإيمان هو التصديق الجازم هم الجهمية واشتد نكير السلف عليهم في هذه المسألة. ٣- الاختلاف في تعريف الإيمان بالقدر: يقول محمد بن عباد: إنه الإيمان لا يكون صغيره ولا كبير إلا بمشيئة الله وإرادته وأن يفعل المأمورات ويترك المنهيات. ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن هذا غلط لأن الله سبحانه له الخلق والأمر والمشيئة والإرادة وله الشرع والدين، وإذا ثبت هذا ففعل المأمورات وترك المنهيات هو الإيمان بالأمر وهو الإيمان بالشرع والدين ولا يذكر في حد الإيمان بالقدر. والإيمان بالقدر في مدرسة الشيخ هو أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وهو يتضمن أربعة أشياء هي:

стр. 141

١-الإيمان بعلم الله القديم. ب-الإيمان بأن الله كتب ما علم أنه كائن من العباد. ج- الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله. د- أن الله تعالى أوجد جميع الخلق وما في الكون بتقديره وإيجاده. ٤- الاختلاف في معنى لا إله إلا الله: فإن معاصري الشيخ يقولون أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فهم يقرون أن ذلك لله وحده لا شريك له وأن من قال لا إله إلا الله فإنه موحد ولا يجوز أن يوصف بالشرك، ويقولون إن رسول الله ﷺ دعا الناس إلى قول لا إله إلا الله ولم يطالبهم بمعناها. وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا بلاد الأعاجم وقنعوا منهم باللفظ، وأن النبي ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فمن قالها بصدق وإيمان فهو مسلم موحد لا يجوز أن يوصف بالشرك أو الكفر وهو معصوم الدم والمال "ولو هدم أركان الإسلام الخمس وكفر بأصول الإيمان الستة"١كما ذكر ذلك الشيخ عنهم فقالوا إن عامة المسلين هم السواد الأعظم ولا يجوز تكفيرهم أو نسبة الشرك إليهم لأن فعلهم صار كالإجماع والأمة لا تجمع على الضلالة ... الخ. أما الشيخ ﵀ فإنه يرى كما أسلفنا أن معظم الناس المعاصرين له لا يعرفون معنى لا إله إلا الله وأن لها ركنين النفي والإثبات نفي الألوهية الحقة عن غيره سبحانه وإثباتها لله وحده لا شريك له في الألوهية والربوبية والعبادة وأن من أشرك به في ربوبيته أو ألوهيته أو صرف شيئا من أنواع العبادة لغيره فهو مشرك كافر، وأن المقصود بالإله عنده هو الذي تؤلهه القلوب محبة وتعظيما تقصده بالمحبة والطاعة والتقرب إليه بأنواع العبادة، وأن كلمة لا إله إلا الله لها شروط سبعة سبق ذكرها فلا تنفع صاحبها إلا باجتماعها انتفاء الموانع، ولابد في قولها من الإخلاص واليقين

стр. 142

والفهم، ويرى أن تفسير معاصريه لكلمة "لا إله إلا الله" أن الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبر، وأن مجرد التلفظ بها يدخل المرء في الإسلام ويجعله معصوم الدم والمال غلط وجهل عظيم بمعنى "لا إله إلا الله" وأن التلفظ بها لا يدخل في الإسلام لأن الكفار من أولهم إلى آخرهم يقرون بتوحيد الربوبية ولم يدخلهم ذلك في الإسلام وأن الخصومة التي قامت بين الرسل وأممهم إنما كانت في توحيد الألوهية والعبادة. يقول الشيخ ﵀ "والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجردة لفظها والكفار والجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه والبراء منه فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب. فإذا عرفت أن الجهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعى الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار بل يظن أن التلفظ بحروقها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر إلا الله"١ ويرى أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يقرون بتوحيد الربوبية ويتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا ولكنهم لم يحققوا توحيد الألوهية بل جحدوا توحيد العبادة فقط، ودعاهم الرسول ﷺ إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له فلما أصروا على جعل وسائط بينهم وبين الله ليقربوهم إلى الله زلفى قاتلهم ﷺ ليكون الدين كله لله، وإفراد العبادة لله وحده عن فهم ويقين وإخلاص، وأن هذا التوحيد هو معنى قول لا إله إلا الله. ويرى الشيخ ﵀ أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر، ومن لم تتحقق فيه أنواع التوحيد الثلاثة فإنه لم يحقق التوحيد الكامل في حياته. وأن الأحاديث التي وردت في فضل لا إله إلا الله وتحريم قائلها على النار وأنه

стр. 143

معصوم الدم والمال ... الخ. أنها حق، وأن معظمها جاء مقيدا بالإخلاص ونفي الشرك وأمر بأداء حقها وأن ما جاء منها مطلقا وجب فيه حمل المطلق على المقيد بالقيود الواضحة الثقيلة. ١- الاختلاف قي إطلاق الشرك على ما يفعل عند قبور الأنبياء والأولياء والصالحين: لما أطلق الشيخ محمد الوهاب ﵀ كلمة الشرك على ما يفعله الناس عند قبور الأولياء والصالحين التي كانت موجودة في نجد وفى مصر والشام والعراق وغيرها من بعض البلاد الإسلامية الأخرى، أنكر معاصروه هذا الوصف منه، وقالوا إن زوار القبور هم أهل الإسلام وتوحيد يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويذكرون الله كثيرا، ويعتقدون أن الله هو النافع والضار وحده، وهم في زيادتهم لقبور الصالحين إنما يقصدون العظة والاعتبار وتذكر سيرة صاحب القبر وصلاحه والاعتراف بمقامة الرفيع عند الله وما يفعله بعض العامة من الذبح لهم أو النذر أو الدعاء أو طلب النفع أو الضرر هو نتيجة جهل منهم مع أنه وردت أخبار في جواز الاستسقاء بالصلحاء كما فعل عمر ﵁ مع العباس ﵁ كما كانوا يطلبون ذلك من النبي ﷺ في حياته. كما ورد جواز التوسل بالأعمال الصالحة. ومع هذا وذاك فإنه لا يجوز أن يطلق الكفر والشرك على ما يفعله العامة عند قبور الصالحين مع أن سلامهم متيقن بإعلان كلمة التوحيد وإقامة فرائض الإسلام وصدق الإيمان بالله والمحبة لرسوله ﷺ وأن قصدهم الشرك مظنون من ظاهر تصرفاتهم الخاطئة التي وردت أخبار تدل جوازهم وهم لا يطلبون بها أكثر من جاههم عند الله وشفاعتهم عنده ١

стр. 144

ولا يجوز أن يرفع اليقين بالظن كما أنه يلزم أن تحكم على أن كل الأمة على ضلالة لأنهم ما بين فاعل لذلك وما بين مقر به. ويلزم منه كذلك تكفير المسلمين كلهم منذ ستمائة سنة وهذا أمر عظيم لا يجوز للمسلم أن يقوله على نفسه ولا على غيره مع أن النهي الوارد في القرآن الكريم عن الشرك إنما جاء في عبادة الأصنام واتخاذها معبودات من دون الله وليس المقصود بها ما عليه الناس اليوم. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يرى أن ما يفعله العامة في نجد وما يفعله أمثالهم عند قبور الأولياء الصالحين في العالم الإسلامي من أنواع الشرك الأكثر لما فيه من الشرك بالله في الدعوة والعبادة وأن صرف أي نوع من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده شرك فلا يجوز صرفها إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل وذكر في أكثر من موضع من رسائله وكتبه أن النطق بكلمة لا إله إلا الله لا تنفع صاحبها إلا إذا عرف معناها وعمل بمقتضاها وحقق ما تضمنته من نفي وإثبات وعمل بشروطها، وأن الاعتقاد بأن الله هو النافع الضار الخالق الرازق المدبر وهو يعرف بتوحيد الربوبية لا يكفي للدخول في الإسلام إذ أن الكفار والذين بعثت إليهم الرسل في مختلف العصور كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولا ينكرون منها شيئا ولكنهم إنما اختصموا مع رسلهم في توحيد العبادة والقصد وهو توحيد الله بأفعال العباد وتوجههم. ومن لم يحقق توحيد الألوهية الذي بعثت به الرسل لم يدخل في الإسلام. والذين قاتلهم رسول الله ﷺ من كفار قريش وغيرهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولا ينكرون وكذلك المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر مثل مسيلمة الكذاب والأسود وغيرهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وإنما أنكروا بعض فرائض الإسلام والمعلومة من الدين بالضرورة فقاتلهم خليفة رسول الله ﷺ وخليله على ذلك. وأما قصد القبور وزيارتها للعظة والاعتبار فليس ما يفعله العامة عند قبر زيد بن الخطاب في نجد ولا عند قبر عبد القادر الجيلاني في العراق ولا عند قبر البدوي في مصر من أهل هذا القبيل بل إنها زيارة وطواف وعكوف عليها وقصد لطلب النفع والضر رفع للبلاء أو دفعه. وهم في زياراتهم ينخون ويندبون ويطلبون المدد والنصرة والعفو والمغفرة، ويسألون بجاههم ويكتبون مطالبهم التي لا يجوز طلبها إلا

стр. 145

من الله سبحانه لأنها لا يقدرون عليها إلا هو وهم مع هذا يصرحون لها أنواعا من العبادة كالذبح عندها والنذر وغير ذلك من الأعمال الشركية التي تشبه ما كان يفعله الناس في الجاهلية الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وأما أن ما يصدر من العامة عند الأضرحة والقبور من باب الخطأ والجهل ولا يجوز أن يكفروا ويحكم عليهم بالكفر والشرك مع جهلهم فإن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر في عدة رسائل أنه لا يكفر إلا بعد التعريف بدين الله وبيان الحكم الشرعي بالدليل من الكتاب والسنة فإذا عرف المدعو الحق بدليله ثم أصر على عمله المخالف أطلق عليه الوصف الذي تقتضيه النصوص الشرعية، يكفر من عرف توحيد الألوهية ومعنى لا إله إلا الله ثم أصر على دعوة الأحياء أو الأموات من دون الله أو جعلهم وسائط بينه وبين الله فقد ذكر في الرسالة التي أجاب فيها على رسالة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي من علماء العراق ما نصه: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك "١ وأما طلب الدعوة من الأحياء الصلحاء بأن يشركوا المرء في دعائهم لربهم أو يدعوا لهم أو فعل عمر مع عم النبي ﷺ فليس من قبيل ما يفعل عند قبور الأولياء والصالحين فإنك تطلب من الحي أن يدعو لك أو يشركك في دعائه بأن تطلب منه أن يدعو الله بأن يغيب عباده فأنت تدعو حيا قادرا على التوجه بدعائه إلى الله. وهذا جائز لدلالة النصوص الشرعية على جوازه وأنه ليس من باب الشرك ولا اتخاذ الوسائط بين الله وبين عباده. أما أصحاب القبور فهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم ولا يستطيعون إجابتهم، وهو عمل مشابه لأعمال المشركين في الجاهلية التي وردت النصوص الشرعية بإبطالها وبتسميتها بالشرك. وأما التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة
следующие страницы →