"لا اله" نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ. "إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه ليس له شريك في ملكه.
ــ
التقدير لا إله حق أو لا إله معبود بحق. "إلا الله" ، "وإلا" حصر، ولفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر؛ لأن خبر "لا" إذا قلنا: لا إله معبود بحق، أو قلنا: لا إله حق، فيه ضمير مستتر فيكون لفظ الجلالة بدلاً من هذا الضمير، هذا هو إعراب كلمة الإخلاص، وإنما ذكرت إعرابها لأنه قد يمر على الطالب في بعض كتب النحو تقدير الخبر بكلمة "موجود" وقد تبين فساده١.
قوله: " [لا اله] نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ. "إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه ليس له شريك في ملكه"، أي: أن هذه الكلمة العظيمة اشتملت على نفي وإثبات، فإن معناها: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، مع قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣، ففيها إثبات الألوهية الحقة لله تعالى، وترك عبادة ما سواه، وأن ما سوى الله ليس بإله وأن إلهية ما سواه من أبطل الباطل، قال
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
فـ"لا إله إلا الله" اشتملت على أمرين هما ركناها: النفي "لا إله"، والإثبات "إلا الله"، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات المحض، فلا بد من الجمع بينهما.
يقول الحافظ ابن رجب ﵀:
"والإله هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالاً، ومحبة وخوفاً، ورجاءً وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله ، فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قول: "لا إله إلا الله"، ونقصاً في توحيده، وكان فيه من عبوديته المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. وهذا كله من فروع الشرك ... "٢.
وكما أن الله تعالى هو المتفرد في ملكه، فهو المتفرد بالعبادة؛ لأن من أظلم الظلم أن يجعل المخلوق الذي ليس شريكاً لله في الملك شريكاً معه في العبادة تعالى وتقدس. ولهذا يحتج تعالى على من أنكر ألوهيته بما أقر به من ربوبيته، فإن توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الإلهية، وقد تقدم ذكر ذلك.
стр. 108
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
ــ
قوله: "وتفسيرها الذي يوضحها"، أي: من القرآن الكريم ولم يكل في بيان معناها إلى أحد سواه "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١" فهذا إبراهيم خليل الرحمن يتبرأ من الآلهة التي عليها قومه، ويلزم من هذا أن يتبرأ منهم أيضاً، فإبراهيم ﵊ تبرأ من الشرك وأهله مع أنهم أقرب الناس إليه: أبوه، وقومه –أهل بابل وملكهم نمرود- وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء﴾ ، أي: إنني بريء ﴿مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ، يعني: من الأصنام والأوثان. وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ يقابل قوله: "لا إله"، فمعنى: "لا إله" هو معنى ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وهذا نفي. ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ معنى فطرني، أي: برأني وابتدأ خلقي. وهذا فيه معنى "إلا الله"، ثم قال مؤكداً هذه العقيدة السليمة ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ، السين هنا للتوكيد، ومعنى يهدين: أي: يرشدني ويوفقني إلى سلوك الصراط المستقيم. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ الضمير يعود إلى كلمة التوحيد المأخوذ من قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فهذه الكلمة العظيمة وهي كلمة التوحيد جعلها إبراهيم ﵊ باقية في عقبه، والدليل على أنه جعلها باقية في عقبه قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا
стр. 109
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
ــ
إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، يعني: لعلهم يرجعون من الشرك إلى تحقيق هذه الكلمة، فإن من لم يأت بهذه الكلمة عارفاً معناها عاملاً بمقتضاها وقع في الشرك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذه الآية من الآيات العظيمة في العقيدة، وقد دلت على دلت على فوائد نذكر منها:
أولاً: أن الآية دليل على وجوب البراءة من الشرك والمشركين، فيصلح أن نستدل بالآية على الجزئية الثالثة التي ذكرها الشيخ قبل قليل وهي البراءة من الشرك وأهله.
ثانياً: الآية دليل على فضيلة من يورث أولاده هدى وصلاحاً وأن الإنسان ينشئ أولاده ويربيهم ويورثهم الهدى والصلاح فإن إبراهيم ﵊ جعل هذه الكلمة باقية في عقبه وفي ذريته.
الفائدة الثالثة: أن الآية فيها دليل على أن من الكمال العقلي والإدراك السليم أن يتبع المرء الهدى ولو خالف أهله وقومه وأهل بلاده.
قوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٢" هذه الآية تدلنا على
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تفسير الشهادة ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ ، قال المفسرون: الكلمة السواء هي الكلمة العادلة، فكل كلمة عادلة يطلق عليها كلمة سواء ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ، أي: نحن وأنتم سواء في هذه الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ هذا نفي أي: "لا إله"، وقوله "إلا الله" هذا إثبات ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ هذا لبيان أن العبادة لا تتم إلا بالتخلي عن الشرك؛ لأن من عبد الله وأشرك معه غيره لم يحقق المعنى المطلوب من العبادة؛ لأن المعنى المطلوب من العبادة هو إفراد الله تعالى بالعبادة كما تدل عليه كلمة الإخلاص، وقوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذا من مقتضيات كلمة الإخلاص، والمعنى: لا يتخذ بعضنا البعض الآخر رباً مطاعاً من دون الله فيفرض طاعته على غيره، فإن هذا يخل بمعنى العبادة. وقد ورد عن عدي ﵁ وأرضاه أنه لما تلا عليه الرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١، قال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. قال: "أليسوا يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه، قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم" ٢، فدل على أن من مقتضيات كلمة الإخلاص ألا يتخذ رباً ومشرعاً إلا الله ، فمن اتخذ غير الله مشرعاً فقد عبده مع الله، وقد عطف قوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً
стр. 111
وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ــ
أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ على الجملة السابقة؛ لأن من مستلزمات الشهادة أن نفرد الله تعالى بالتشريع فلا حكم إلا ما شرع الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ١، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ، أي: امتنعوا وأبوا أن ينقادوا لهذه الكلمة العظيمة ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ، يعني: صرحوا لهم بأنكم مسلمون وأنكم بريئون منهم وما هم عليه.
قوله: "وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢" هذه الآية دليل على شهادة أن محمداً رسول الله، وفيها بيان أن الله جل وعلا امتن على هذه الأمة ببعثة هذا الرسول الكريم ووصف هذا الرسول بأنه "من أنفسهم" فهم يعرفون صدقه ونسبه ويمكنهم الجلوس معه وسماع خطابه وكلامه؛ لأنه ليس بغريب عليهم، وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أصل العنت بمعنى المشقة، ومعنى ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ ، أي: شديد عليه كل ما فيه مشقة عليكم من آصار وأغلال؛ لأنه ﷺ بعث بالحنيفية السمحة٣، ولما تلا الرسول ﷺ على
стр. 112
وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
ــ
الصحابة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ١ قال الأقرع بن حابس: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت الرسول ﷺ ، وسكوته رحمة لهذه الأمة؛ لأنه قال: "لو قلت نعم لوجبت"٢. فيكون الحج واجباً كل سنة على من استطاع إليه سبيلاً، وهذا فيه من المشقة والضرر ما لا يحتمله العباد، لكن من رحمة الله تعالى بعباده أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمر. وقوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: على هدايتكم وإنقاذكم من النار، فالرسول ﷺ حريص أشد الحرص على هداية أمته. وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، يعني: أن الرأفة والرحمة خاصة بالمؤمنين، وأما هدايته فهي عامة لجميع الناس، فمن شاء الله تعالى هدايته اهتدى ومن شاء الله إضلاله ضل، وقد حرص الرسول ﷺ على هداية عمه أبي طالب، ولكن الله تعالى لم يشأ هدايته. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
قوله: "وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" هذه أربعة أمور لا تتم شهادة أن محمداً رسول الله إلا بها. فما أمر
стр. 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به رسول الله ﷺ لابد من طاعته فيه، وقد يكون الأمر أمر وجوب أو أمر استحباب. وقد دلت النصوص على أن الأمر الواجب لابد من طاعته فيه وأن الأمر المستحب الذي تدل القرائن على أنه مستحب ليس على وجه الإلزام وهي الحكمة من بعثة الرسول ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١، وإنما يطاع الرسول ﷺ لأنه يأمر بأمر الله، فشرعه ﷺ هو شرع الله تعالى. قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ٢، وكثير من الناس يخل بهذا الجزء من الشهادة فهو ينطق بها في صلاته وفي سماعه للأذان يشهد أن محمداً رسول الله، لكنه يخل بتحقيق هذه الشهادة في مجال العمل والتطبيق، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣.
قوله: "وتصديقه فيما أخبر"، أي: فلابد من تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به، ومن كذب الرسول ﷺ فهو لم يحقق شهادة أن محمداً رسول الله، وإنما وجب تصديقه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فخبره صدق قطعاً.
قوله: "واجتناب ما عنه نهى وزجر" هذا الأساس الثالث، وقد أخل به كثير من الناس أيضاً؛ فارتكبوا ما نهى عنه رسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال في العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك. وهذا دليل على
стр. 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضعف على الإيمان نسأل الله السلامة. وقد فرق الإسلام بين الأوامر والنواهي، فالأوامر حسب قدرة المكلف، وأما النواهي فلم تقيد بالقدرة مما يدل على وجوب الانتهاء، وقد دل على ذلك قوله ﷺ : "ما نهيتكم عنه فاجتنبوا وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ... " ١.
قوله: "وألا يعبد الله إلا ما شرع" هذا الأمر الرابع، وهو يدل على ركن أساسي من أركان العبادة والدين، وهو: أن العبادة ليست بالأهواء ولا بالبدع ولا بالاجتهاد الذي لم يبن على دليل صحيح، وإنما العبادة مبنية على الاتباع وما جاء به الشرع، إضافة إلى أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي، وهو: ألا نعبد إلا بما شرع، إضافة إلى الأصل الأول العظيم، وهو: ألا نعبد إلا الله، فهذا هو الإخلاص، والأول هو المتابعة. فلا يجوز لأحد أن يعبد الله تعالى إلا بما شرع، وليس لأحد أن يقول إن هذا مشروع أو مستحب إلا بدليل شرعي. ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب٢.
وقد جاءت النصوص الشرعية تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ... ﴾ ٣، وقال تعالى:
стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ٤.
وفي حديث العرباض بن سارية: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"٥.
وطريق النجاة أن يلتزم المسلم سنة المصطفى ﷺ ويقتفي أثره. فما فعله الرسول ﷺ على وجه التعبد والطاعة فهو عبادة نتأسى به فيها؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٦، وما صح من أقواله وتقريراته فهو سنة يعمل بها قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٧. وقال في الحج: "لتأخذوا عني مناسككم" ٨.
стр. 116
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .
ــ
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأما متابعة الرسول فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال.. فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله فما وافق منها قبل، وما خالف رد على فاعله كائناً من كان، فإن شهادة أن محمداً رسول الله تتضمن تصديقه فيما أخبر وطاعته ومتابعته في كل ما أمر به. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" ... ١
قوله: "وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٢" هذه الآية الكريمة كما ذكر المصنف فيها دلالة على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: على وجوب الصلاة، وذلك من قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ .
стр. 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمر الثاني: ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ ؛ لأن الفعل "يقيموا" معطوف على الفعل "ليعبدوا" الذي دخلت عليه لام الأمر، فالآية فيها أمر بإقامة الصلاة وأمر بإيتاء الزكاة.
الأمر الثالث: وهو تفسير التوحيد فهو من قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فهم مأمورون بإفراد الله بالعبادة وهو مستفاد من طريق القصر وهو الاستثناء بعد النفي في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ، ويضاف إلى هذا الإخلاص هو ألا يشرك مع الله غيره فيكون قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هو معنى "لا إله إلا الله"، أي: لا معبود بحق إلا الله، ولا يتم هذا إلا بإفراد الله تعالى بالعبادة. والضمير في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ يعود إلى الذين كفروا في الآيات التي قبل هذه، وهي قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١، وهذه الآية فيها دليل كما يقول الأصوليون على أن الكفار مخاطبون بالإيمان وبأركان الإسلام؛ لأن الله جل وعلا أمرهم بإفراده بالعبادة وأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنهم وقت الأمر كفار مما يدل على أن الكافر مأمور بالإيمان كما أن الإنسان إذا دخل عليه وقت الظهر –مثلاً- وهو محدث مأمور بالصلاة حال
стр. 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحدث ولو لم يتوضأ ولا تصح الصلاة إلا بالوضوء وهكذا الكافر مأمور بالصلاة والصيام والزكاة والحج حال كفره ولكنها لا تصح منه إلا بالإيمان١. وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ القيمة وصف لمقدر، والتقدير –والله أعلم-: وذلك دلين الملة القيمة، ومعنى "القيمة": المستقيمة.
والصلاة هي التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال على هيئة مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم. وفي الآية السابقة جاء لفظ بقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ، وإقامة الصلاة هو التعبد لله تعالى بفعلها على وجه الاستقامة والتمام في أوقاتها وهيئاتها. فيأتي بها وافية الأركان والواجبات حريصاً على سننها القولية والفعلية. هذا هو معنى إقامة الصلاة، ولهذا نلاحظ أن الله جل وعلا لم يذكر الصلاة في القرآن إلا بإقامتها أو بالمداومة عليها أو بالمحافظة عليها، ولم يقل: يا أيها الذين آمنوا صلوا أو إن الذين يصلون أو المصلين بل قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ ٣، ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ٤، ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ٥، وهذا يدل على أن هناك أمراً مقصوداً غير مجرد الصلاة ألا وهو إقامة الصلاة.
стр. 119
َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
ــ
ومن ثمرات إقام الصلاة أنها صلة بين العبد وربه، فيها انشراح الصدر، وقرة العين، والهداية إلى فعل الخير، والانزجار عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ١. وقال النبي ﷺ : "جعلت قرة عيني في الصلاة" ٢.
وأما الزكاة فهي جزء واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة أو جهة مخصوصة. فالطائفة مثل: "الفقراء"، والجهل مثل: "في سبيل الله".
ومن ثمرات إخراج الزكاة تطهير نفس الغني من الشح والبخل وتطهير نفس البخيل من الحسد والضغينة على الأغنياء، وسد حاجة الإسلام والمسلمين وطهرة المال، وحصول الآثار الطيبة على البلاد والعباد.
قوله: "َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣" الصيام هو الإمساك عن المفطرات تعبداً لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقلنا: "تعبداً"؛ لأن الإنسان قد يمسك عن الأكل والشرب لمرض أو لحمية أو نحو هذا.
وفي الصيام فوائد عظيمة وفضائل جسيمة من التعبد لله: بترك شهوات
стр. 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النفس وتربية الإرادة، وجهاد النفس وتعويدها على الصبر والتحمل، وإشعار الصائم بنعم الله عليه، وفي الصوم فوائد صحية، وهو أكبر عون على تقوى الله ، وفيه من جزيل الأجر ما لو تصورته نفس صائمة لطارت فرحاً وتمنت أن تكون السنة كلها رمضان، وقد شبه الله جل وعلا كتابة الصيام علينا بأنها كتابة الصيام على من قبلنا فقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهذا تشبيه فرض لا تشبيه مفروض بمفروض بمعنى أنه كما وجب عليهم الصيام، فالصيام واجب علينا وليس الذي فرض علينا كالصيام الذي فرض عليهم ولهذا كان هذا الصيام في أول الإسلام له كيفية خاصة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ١. وقد دلت السنة على المعنى الذي أشرت إليه٢.
والمقصود أن صيامهم يختلف عن صيامنا، فصيام شهر بتمامه بالصفة المعروفة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من خصائص هذه الأمة، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعل هنا للتعليل بمعنى: لأجل أن يكون هذا الصيام وقاية لكم من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ولا ريب أن الصيام من أعظم دواعي التقوى لو كان الإنسان يصوم الصيام الشرعي المطلوب. فإذا أخل بشيء من واجبات الصوم وآدابه فقد لا يورثه تقوى وصلاحاً.
стр. 121
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
ــ
وقوله: "َودَلِيلُ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ١" الحج هو: قصد مكة لأداء مناسك الحج في زمن مخصوص. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ على: للوجوب، والمراد بالناس: بنو آدم، مؤمنهم وكافرهم؛ لأن الله قال: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ فالحج يجب على المؤمن والكافر. وهذا من الأدلة التي تدل على أن الكفار مخاطبون بالأوامر كما تقدم. ومعنى ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ، أي: قصد الكعبة لأداء مناسك الحج. ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ، يعني: من أطاق الوصول إليه، والمراد بالسبيل: الطريق، فإذا استطاع الإنسان الطريق الذي يوصله إلى البيت وجب عليه الحج.
فإن الله جل وعلا "غني" عن العالمين، أي: كثير الخير لا يحتاج إلى أحد من الخلق . فمن ترك الحج ممن يجب عليه كفر. لكن إن كان تركه له إنكاراً لوجوبه فهذا كفر أكبر مخرج من الملة، وإن كان تركه للحج غير منكر لوجوبه فقد نص العلماء على أن هذا كفر أصغر لا يخرج عن الملة٢. وإطلاق كلمة "كفر" على بعض الأعمال التي لا
стр. 122
" الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ":
الإِيمَانُ . وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإيمان.
ــ
تخرج من الملة وارد في لسان الشرع. فقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، النياحة على الميت" ١، أي: هما من أعمال الكفر وأخلاق الجاهلية٢.
قول المصنف ﵀ "المرتبة الثانية"، يعني: من مراتب الدين "الإيمان" والإيمان هو التصديق الجازم بجميع ما أمر الله ورسوله بالتصديق به المتضمن للعمل الذي هو الإسلام. فالإيمان يجمع التصديق لجميع ما أمر الله به إضافة إلى الأعمال التي هي أركان الإسلام. سأذكر –إن شاء الله- الفرق بين الإسلام والإيمان عند الكلام على حديث جبريل ﵇ لما سأل النبي ﷺ .
قوله: "وهو بضع وسبعون شعبة" البضع بكسر الباء اسم من أسماء العدد، يطلق على العدد من الثلاثة إلى التسعة.
وقوله: "وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" هذا لفظ
стр. 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه"، ورواه البخاري بلفظ: "بضع وستون" وقد ورد عند مسلم برواية أخرى بالشك: "بضع وستون أو بضع وسبعون"١. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "إن المعول على المتيقن وهو الأقل وهو بضع وستون" ا. هـ٢. فإن قيل: بضع وسبعون زيادة ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، قيل: لكنه لم يجزم بها، فنقول: إن رواية "بضع وستون" أرجح لكن قد يشكل على هذا أن مسلماً روى الحديث على روايتين، مرة ليس فيها شك "بضع وسبعون"، ومرة فيها شك "بضع وستون أو بضع وسبعون"؛ ولهذا رجح القاضي عياض والإمام أبو عبد الله الحليمي والنووي رواية: "بضع وسبعون"، وقوله "شعبة"، أي: خصلة، وأصله من الشُّعبة، بمعنى: القطعة.
وهذا الحديث يدل على أن شعب الإيمان متفاوتة؛ لأن الرسول ﷺ ذكر أعلاها وذكر أدناها، وترك ما بين ذلك، ولم يرد في السنة نص يحدد هذه الشعب، وقد اجتهد جمع من أهل العلم في عدها وفي حصرها. فمنهم من وصل إلى هذا العدد؛ فجمع أوامر الشريعة ومكارم الأخلاق وكل ما هو من باب البر؛ فوصل إلى هذا العدد. ومنهم من قارب هذا العدد. ويكفي أن نعلم أن كل خصلة من خصال الخير فهي من شعب الإيمان٣.
стр. 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: "فأعلاها قول لا إله إلا الله" هذه أعلى الشعب، وهي كلمة الإخلاص، وكلمة الإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي أساس الملة، وفي هذا دليل لمن قال: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقاً، وإنها أفضل من كلمة "الحمد لله رب العالمين"، وفي المسألة خلاف بسطه وذكر أدلته الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد"١. وقوله "أدناها"، يعني: أقل شعبة من شعب الإيمان "إماطة الأذى عن الطريق"، أي: تنحية الأذى عن الطريق من شعب الإيمان؛ فعدم وضع الأذى في الطريق –أيضاًَ- من شعب الإيمان. فلا يخرج الإنسان من بيته أشياء تؤذي المارة من رائحة أو حجر أو شوك يجرح أقدامهم إذا مشوا عليها أو تكون سبباً في أذيتهم أو نحو ذلك.
وقوله: "والحياء شعبة من الإيمان" الحياء -بالمد-: هو خلق رفيع يبعث على فعل الخير واجتناب القبيح، وهو أفضل الأخلاق وأعظمها
стр. 125
وأركانه ستة: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخر وبالقدر خيره وشره.
ــ
قدراً، وإنما كان الحياء بعضاًَ من الإيمان؛ لأن الإيمان ائتمار وانتهاء، والمستحيي ينقطع بحياته عن المعاصي.
وقد دل على ذلك قول المصطفى ﷺ : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأول إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" ١. وهذا أمر تهديد، ومعناه: الخبر، أي: من لم يستح صنع ما شاء، وقيل: إنه أمر إباحة، أي: انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله، فإن كان مما لا يستحى منه فافعله، والأول أصح وهو قول الأكثرين٢.
قوله: "وأركانه ستة" لا منافاة بين أركان الإيمان وشعب الإيمان؛ لأن المقصود أن الإيمان إذا كان بمعنى الاعتقاد فهو الأركان الستة؛ لأن كل الأركان الستة اعتقاد، وأما إذا قلنا: إن الإيمان يشتمل على الأعمال وأنواعها وأجناسها فهو بضع وسبعون. فحديث الأركان مراد به الأمور الاعتقادية، وهي الأساسيات في الإيمان، وأما حديث: "بضع وسبعون" فهذا مراد به: بيان خصال الخير التي هي الأعمال.
стр. 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "أن تؤمن بالله" فهذا الركن الأول. والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الإيمان بوجود الله تعالى، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، وقد تقدم ذلك.
والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته، ومعناه: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو سنة رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
قوله: "وملائكته" هذا الركن الثاني، وهو الإيمان بالملائكة. والملائكة: عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، عابدون لله تعالى، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولا يعلم عددهم إلا الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ٢، ومما يدل على كثرة عددهم وأنه لا يحصيهم إلا الله ، وما ورد في الحديث الذي صح إسناده فيما يتعلق بالبيت المعمور أن الرسول ﷺ قال: "إن البيت المعمور في السماء السابعة حيال الكعبة يزوره كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه" ٣. وهذا دليل على أن عدد الملائكة لا يحصيهم إلا الله.
والإيمان بالملائكة لا يتم إلا إذا تحقق فيه أمور:
стр. 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: الإيمان بوجودهم وأنهم مخلوقون عابدون لله قائمون بما أمروا به.
والأمر الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه باسمه ومن لم يعلم اسمه فالإيمان به إجمالاً، وقد علم من النصوص في الكتاب والسنة أسماء بعض الملائكة كجبريل: الموكل بالوحي، وميكائيل: الموكل بالقطر والنبات، وإسرافيل: الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت: الموكل بقبض الأرواح، فهؤلاء الملائكة نعرف أسماءهم فنؤمن بهم. أما بقية الذين لا نعرف أسماءهم فهؤلاء نؤمن بهم إجمالاً. وملك الموت يرد في بعض الآثار أنه "عزرائيل" وهذا لم يثبت، فاسمه الصحيح ملك الموت كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ١.
الثالث: نؤمن بما علمنا من صفاتهم وهيئاتهم، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن عبد الله بن مسعود قال: "رأى رسول الله ﷺ جبرئيل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم"٢. والمراد بالتهاويل: الأشياء المختلفة الألوان.
فهذا يدل على قدرة الخالق جل وعلا ويدل على صفة جبرئيل ﵇ وأن له ستمائة جناح، الجناح الواحد يسد الأفق. ولا يقال إن الرسول ﷺ
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كيف يرى ستمائة جناح؟ وكيف عد الرسول ﷺ الستمائة مع أن الجناح الواحد قد سد الأفق؟ قلنا: ما دام أنه قد ورد الحديث وصحح العلماء إسناده فلا نبحث في الكيفية؛ لأن الله جل وعلا قادر على أن يري نبيه ﷺ ما لا نتصوره نحن ولا تتحمله عقولنا.
الأمر الرابع: الذي لابد منه في موضوع الإيمان الملائكة الإيمان بما علمنا من أعمالهم ووظائفهم التي دلت عليها النصوص. فجبريل ﵇ موكل بالوحي، وملك الموت موكل بوظيفة قبض الأرواح، وهناك ملك موكل بالجنين في بطن أمه، يكتب رزقه وأجله، وهناك ملائكة موكلون ببني آدم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ١، وهناك ملائكة موكلون بكتب أسماء الناس يوم الجمعة قبل دخول الخطيب٢ إلى غير ذلك مما تدل عليه النصوص.
قول المصنف ﵀: "وكتبه" هذا الركن الثالث، وهو الإيمان بالكتب، والمراد بالكتب هي: الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى على رسله هداية للبشرية ورحمة بهم ليصلوا إلى سعادة الدارين.
والإيمان بالكتب لا يتم إلا بأربعة أمور:
أولاً: الإيمان بأنها منزلة من عند الله حقاً.
والثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها كالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وأما ما لا نعرفه منها فنؤمن به إجمالاً.
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأمر الثالث: التصديق بما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يحرف وما لم يبدل من أخبار الكتب السابقة، مثل الرجم فإنه من الأخبار التي لم تحرف فيما حرف من التوراة.
الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ، وهذا بالنسبة لكتابنا وهو القرآن، وما لم ينسخ من أخبار الكتب السماوية السابقة مثل الرجم فإن الرجم ثبت في شريعتنا وهذا دليل على أنه لم ينسخ.
والكتب السابقة كلها نسخت بالقرآن العظيم الذي تكفل الله بحفظه؛ لأنه سيبقى حجة على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة. ويترتب على ذلك أنه لا يجوز التحاكم إلى شيء منها بحال من الأحوال كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١.
قوله: "ورسله" هذا الركن الرابع، وهو الإيمان بالرسل, والرسل جمع رسول، وهو: من بعثه الله إلى قوم وأنزل عليه كتاباً، أو لم ينزل عليه كتاباً لكن أوحى إليه بحكم لم يكن في شريعة من قبله. وأما النبي ﷺ فهو: من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتاباً، أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك فكل رسول نبي وليس كل العكس، وقيل هما مترادفان، والأول أصح٢. بدليل قول الله
стр. 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ١ فذكر الله تعالى أن أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة مع أن التوراة أنزلت على أول نبي منهم، وهو موسى ﵊. والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من عند الله تعالى، وأنهم لا يأتون بشيء من عند أنفسهم كما قال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٢.
الثاني: الإيمان بن علمنا اسمه منهم، وأن هناك رسلاً نؤمن بهم إجمالاً ولا نعرف أسمائهم؛ إلا القليل.
الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم٣.
قوله: "واليوم الآخر" هذا الركن الخامس، وهو الإيمان باليوم الآخر، والمراد به يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلق للحساب والجزاء وسمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. والإيمان باليوم الآخر لا يتم إلا بثلاثة أمور:
стр. 131
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية.
ــ
الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء.
الثالث: الإيمان بالجنة والنار.
وسيأتي الكلام على البعث –إن شاء الله-.
قوله: "وبالقدر خيره وشره" هذا الركن السادس، والمراد بالقدر: تقدير الله تعالى لما سيكون حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته . والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور:
الأول: الإيمان بعلم الله تعالى وأنه عالم بما كان وما يكون وكيف يكون.
الثاني: الإيمان بالكتابة وأن الله كتب ما علم أنه كائن إلى يوم القيامة.
والثالث: الإيمان بأنه لا يحصل في هذا الكون إلا ما شاء الله.
والرابع: الإيمان بأن الله جل وعلا خلق الخلق وأعمالهم وأفعالهم. قال الناظم في هذه الأمور:
علم كتابة مولانا مشيئته
وخلقه وهو إيجاد وتكوين
قوله: "وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١" فهذه الآية اشتملت على خمسة من
стр. 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أركان الإيمان. قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يعني: ليس البر في التوجه إلى جهة المشرق أو المغرب، ولكن البر الحقيقي في الإيمان وتوابع الإيمان من الأعمال الصالحة، أما مجرد الاتجاه فهذا لا يدل على المقصود وإلا فقد ذكر العلماء أن اليهود يتجهون إلى المغرب والنصارى يتجهون إلى المشرق. ولكن الله نفى أن يكون هذا هو البر؛ لأنهم لم يحققوا الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين ... إلخ؛ فلهذا نفى الله تعالى عن عملهم هذا وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ ، و"البر" بالنصب خبر مقدم لـ"ليس"، و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسمها مؤخر، والتقدير: "ليس البر تولية وجوهكم"، والبر: اسم جامع لكل عمل من أعمال الخير من العقائد والأعمال. وقد نقل ابن كثير في "تفسيره" عن سفيان الثوري أنه قال: "هذه أنواع البر كلها". وقال ابن كثير: "من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها وأخذ بمجامع الخير كله"١.
стр. 133
ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ .
ــ
قوله: "ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١"، أي: إنا خلقنا كل شيء من المخلوقات العلوية والسفلية بتقدير سابق لخلقنا له. وذلك بكتابته في اللوح المحفوظ فهو يقع كما كتب بوقته وقدره، وجميع ما اشتمل عليه من الصفات. قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٢.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" ٣.
وعن طاووس ﵀ قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز" ٤.
قال ابن كثير ﵀: "يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من
стр. 134
" المرتبة الثالثة":
الإحسان ركن واحد.
ــ
الأحاديث الثابتة على الفرقة القدرية١ الذين نبغوا في آواخر عصر الصحابة ﵃ ... "٢.
قوله: "المرتبة الثالثة: الإحسان ركن واحد".
الإحسان في الأصل نوعان: إحسان في عبادة الخالق وهو المراد هنا، وإحسان في حقوق الخلق، وهو نوعان: إحسان واجب، وهو أن تقوم بحقوقهم الواجبة على أكمل وجه كبر الوالدين وصلة الأرحام والإنصاف في جميع المعاملات، يدخل في هذا النوع الإحسان إلى البهائم ثم الإحسان في القتل لما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" ٣.
النوع الثاني: "الإحسان المستحب وهو ما زاد على الواجب من بذل نفع بدني أو مالي أو علمي، فيساعد الإنسان من احتاج إلى مساعدته ببدنه أو
стр. 135
وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ــ
بماله أو بعلمه، فهذا كله داخل في باب الإحسان، وأجل أنواع الإحسان: الإحسان إلى من أساء إليك كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١.
قوله: "ركن واحد وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
معنى قوله: "أن تعبد الله"، أي: تقوم بعبادة ربك من عبادة بدنية: من صلاة وصيام، أو عبادة مالية: كذبح الأضاحي والهدايا أو الصدقة. تقوم بهذه العبادة على هذه الحال "كأنك تراه"، أي: كأنك ترى معبودك وتشاهده؛ فيبعث هذا على أمرين:
الأمر الأول: الإخلاص لله بعبادته، فلا يعبده رياء ولا سمعة ولا مدحاً وهو يعتقد أن الله يراه.
الثاني: أن يتقن العبادة ويحسن أداءها. فيصلي صلاة من يشاهده ربه وهو يرى ربه. ولا ريب أن المسلم لو تحقق هذا المعنى؛ لكان من أكبر الدواعي على إخلاص العباد وإتقانها؛ ولكان من أكبر الدواعي على عدم شرود ذهن الإنسان في صلاته وانشغاله بأفكاره أو بهواجس ترد عليه أثناء الصلاة.
стр. 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذه الدرجة الأولى من درجات الإحسان، وهي درجة العظمى، وهي دراجة المراقبة، تليها درجة أخرى وهي قوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، أي: إذا لم تعبده كأنك تراه وتشاهده فاعبده على مرأى منه فإنه يرى ما تفعل ويسمع ما تقول. فهما درجتان، والدرجة الأولى هي العظمى؛ لأن الدرجة الثانية درجة عامة؛ لأن الله جل وعلا يرى جميع الخلق، لكن الدرجة الأولى لا تكون إلا لصاحب الإحسان الذي يعبد ربه كأنه يراه.
والمصنف ﵀ أخر المرتبة الثالثة وهي مرتبة الإحسان؛ لأنها أضيق المراتب الثلاث؛ لأن أصحابها هم الخلص من عباد الله الصالحين. ولهذا يقول العلماء: إذا تحقق الإحسان تحقق الإيمان والإسلام. وكل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً محسناً١. وقد صور بعض العلماء هذه المراتب الثلاث بثلاث دوائر كل واحد داخل الأخرى. الدائرة الأولى: هي الدائرة الواسعة، دائرة الإسلام؛ لأن أهل الإسلام أكثر من أهل الإيمان، فقد يكون مسلماً في الظاهر ولا يكون مؤمناً. كما سنذكر بعد قليل –إن شاء الله- فأوسع دائرة هي دائرة الإسلام وفي داخلها دائرة الإيمان، وأضيق منها دائرة الإحسان، فمن وجد داخل الدوائر الثلاث فهو مسلم مؤمن محسن. وإن خرج من الدائرة الصغرى ونعني بها دائرة الإحسان فهو مؤمن مسلم. وإن خرج من الدائرة الثانية فهو مسلم في
стр. 137
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
ــ
الظاهر وليس بمؤمن، ومن باب أولى لن يكون محسناً. فأهل الإحسان هم الصفوة وهم الخلص من عبادة المؤمنين. ولهذا ورد في حقهم في القرآن ما لم يرد في حقهم في غيرهم.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ١"، فهذه الآية فيها دليل على فضل المحسنين الذين اتقوا الله جل وعلا فلم يتركوا فرائضه ولم ينتهكوا محارمه وهذه المعية معية خاصة، معية نصر وتأييد وتسديد زيادة على المعية العامة. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ، أي: في طاعة ربهم وعبادته إخلاصاً في النية والقصد، وأداء على ما شرع الله وبين رسوله ﷺ .
قوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢هذه الآيات أيضاً فيها دليل على الإحسان، وهو قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ فالله جل وعلا يأمر نبيه ﷺ أن يتوكل على ربه في جميع أموره؛ لأنه "عزيز"، أي: قوي لا يغلب، "رحيم"، أي: بالمؤمنين من عباده ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ، أي: تقوم إلى الصلاة
стр. 138
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية.
والدليل من السنة حديث جبريل المشهور ...
ــ
فتصلي متهجداً من الليل وحدك. ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ الواو حرف عطف. "وتقلب" معطوف على الكاف، والتقدير: الذي يراك ويرى تقلبك، ومعنى "يرى تقلبك في الساجدين"، أي: يرى تقلبك مع المصلين، والمراد بالتقلب: الركوع والسجود والقيام، فهو معك يسمع ويرى، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فيه تقرير للأمر بالتوكل؛ لأن السميع لكل صوت، والعليم بكل حركة وسكون يحق للعبد أن يتوكل عليه وأن يفوض أموره إليه.
وقوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ١" هذه الآية أيضاً فيها دليل على الإحسان والخطاب للرسول ﷺ . ومعنى "في شأن"، أي: وما تكون في عمل من الأعمال يا محمد وما تتلو من كتاب الله تعالى "ولا تعملون"، أي: أنت وأمتك من عمل "إلا كنا عليكم شهوداً"، أي: مشاهدين لكم مراقبين لأعمالكم سامعين لأقوالكم "إذ تفيضون فيه"، أي: تأخذون في ذلك العمل.
قوله: "والدليل من السنة حديث جبريل المشهور" هذا دليل على ما تقدم من الإسلام والإيمان والإحسان، وهذا الحديث هو حديث يرويه
стр. 139
عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عن النبي ﷺ
ــ
عمر بن الخطاب ﵁ وهو مشهور على ألسنة بعض العلماء والوعاظ بحديث جبرائيل ﵇؛ لأنه يقوم على أسئلة وجهها جبرائيل ﵇ إلى النبي ﷺ عندما جاءه على صورة رجل، وهو حديث عظيم جليل القدر بروايات متعددة وألفاظ مختلفة مع أن القصة واحدة١.
يقول ابن دقيق العيد ﵀ في "شرحه على الأربعين النووية": "هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه لما تضمنه ن جمعه علم السنة فهو كالأم للسنة كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من جمعها معاني القرآن"٢.
قوله: "عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: بينما نحن جلوس عن النبي ﷺ قوله: "بينما"، "بين": ظرف زمان متضمن معنى الشرط، له ثلاث استعمالات، فيستعمل بدون ألف فيقال: "بين" بباء وياء ونون، تقول: جلست بين زيد وعمرو، ويستعمل بالألف بعد النون "بينا"، والاستعمال الثالث بالألف بعد النون بزيادة ما "بينما"، و"ما" هذه زائدة كافة عن الجر؛ لأن "بين" تجر ما بعدها؛ لأنها تضاف إليه، فإذا دخلت عليها "ما" كفتها عن العمل. ولهذا وقع بعدها الضمير "نحن" وهو لا يكون في محل جر.
стр. 140
إذا طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: "أَنْ تَشْهَدَ أن لا اله إلا الله وأن محمدا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا"، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره"، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قَالَ: أخبرني عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ:"أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ"، قَالَ: فَمَضَى فَلَبِثْنَا مَلِيَّا فَقَالَ: "يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ"؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يعلمكم أمر دينكم".
ــ
قوله: "إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب" قال العلماء: يستفاد من هذا استحباب تحسين الهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك.
قوله: "شديد سواد الشعر" عند ابن حبان: "شديد سواد اللحية"١.
стр. 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ منا أحد" هذا متضمن معنى التعجب، فهو غريب عليهم، لكن لا يرى عليه أثر السفر. وقد نفى عمر ﵁ أن يعرفه أحد الحاضرين، وهذا قد يشكل في ظاهره، لكن ورد رواية: "فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا ... " فأفادت أن عمر حكم بذلك استناداً لما قاله الحاضرون.
قوله: "حتى جلس إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ ركبتيه إلى ركبتيه" الضمير المجرور في قوله: "فأسند ركبتيه" يعود إلى الرجل. والضمير في قوله: "إلى ركبتيه" يعود إلى الرسول ﷺ ، والمعنى: أنه جلس بين يدي النبي ﷺ كما يجلس الإنسان في الصلاة في التشهد أو في الجلوس بين السجدتين، فجلس قريباً من النبي ﷺ .
قوله: "ووضع كفيه على فخذيه" في قوله: "على فخذيه" احتمال. فإما أن المراد: فخذا نفسه، والمعنى: وضع كفيه على فخذي نفسه، وإما أن المراد: وضع كفيه على فخذي النبي ﷺ وكأنه أراد بهذا أن يكون منتبهاً ومصغياً إلى النبي ﷺ . وقال بعض العلماء: بل يحتمل أنه أراد زيادة التعمية في أمره، وأنه أعرابي وصل إلى هذا الحد من الجفاء فوضع يديه على ركبتي النبي ﷺ . وكثير من الشراح يرجحون أن الضمير يعود إلى النبي ﷺ لما ورد في بعض الروايات كما عند النسائي قال: "ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ "١. وهذه تزيل الإشكال. ولو كانت هي الرواية
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوحيد لما صار هناك إشكال فلا مانع من أن يرد اللفظ المشكل إلى لفظ يزيل الإشكال هذا هو الظاهر إن شاء الله تعالى.
قوله: "وقال: يا محمد" ناداه باسمه مع أن نداءه ﷺ باسمه مخالف لقول الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ ١، أي: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه إنما قولوا له: يا رسول الله أو نبي الله. ولهذا كان الصحابة ﵃ يمتثلون هذا الأمر وهذا التعليم من الله فما كان الواحد منهم يقول: يا محمد إلا إن كان أعرابياً قدم من البادية، فلعله قال ذلك مبالغة في التعمية، أو أن الملائكة غير داخلين في هذا النهي كما قال ابن علان في "شرحه على رياض الصالحين"٢. وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "يا رسول الله"٣.
ثم إن الرواية التي معنا لم يذكر فيها أنه سلم وقد ورد في بعض الروايات كما عند النسائي٤ "أنه سلم" فإما أن يكون بعض الرواة لم ينقله قال الحافظ: وهذا هو المعتمد أو أنه لم يسلم وقصد بذلك التعمية وصنع صنيع الأعراب لكن من ذكر السلام مقدم على من سكت عن ذكر السلام لأن هذه زيادة فتقبل.
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "قال: أخبرني عن الإسلام" في لفظ الترمذي: "قال: أخبرني عن الإيمان"، وورد أيضاً في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة أنه بدأ بالإيمان، وفي بعض الروايات أنه سأل عن الإحسان بين الإسلام والإيمان مع أن الحديث الذي معنا وهو لفظ مسلم ورد فيه الإحسان آخر شيء وقد أجاب الحافظ ﵀ عن هذا فقال: "إن القصة واحدة والرواة اختلفوا في تأديتها فبعضهم يقدم وبعضهم يؤخر وليس في السياق ترتيب"١.
قوله: "وقال: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً" تقدم الكلام على هذه الأركان.
قوله: "فقال: صدقت فعجبنا له" معنى عجبنا له، أي: عجبنا منه أو لأجله.
قوله: "يسأله ويصدقه"، أي: تعجب الصحابة ﵃ من حاله؛ لأن السؤال يدل على عدم علم السائل، والتصديق يدل على علمه.
قوله: "قال: فأخبرني عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشره. قال: صدقت" ولم يقل عمر ﵁: "فعجبنا له يسأله ويصدقه" اكتفاءً بما تقدم. وقد أجابه الرسول ﷺ عن الإيمان بأنه: "أن تؤمن بالله"، مع أنه ورد في "الصحيحين" من حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس أن النبي ﷺ
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس" ١.
ووجه الإشكال أنه في حديث جبريل فسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفي هذا الحديث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام. والجواب: أن نقول إن حديث عمر الذي معنا دليل واضح على التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح، وأما الإيمان فإنه يفسر بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها. قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٢. وفي قصة قوم لوط قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣، فإنه فرق بن المؤمنين والمسلمين؛ لأن البيت الذي كان هذه القرية بيت إسلامي في ظاهره؛ لأنه يشمل امرأة لوط التي خانته في دينها لأنها كافرة. والإخراج لم يكن لهذا البيت بأكمله وإنما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، أي: ما نجا من هذا البيت المسلم إلا أهل الإيمان، فهذا يدل على أن هناك فرقاً بين الإيمان وبين الإسلام، وإلا فإن البيت
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتحدث عنه بيت واحد لكن وصف بأنه بيت إسلامي باعتبار، وبأنه بيت مؤمنين باعتبار آخر.
أما في حديث ابن عباس فإنه لم يذكر إلا قسماً واحداً وهو الإسلام ولا ريب أن الإسلام عند الإطلاق يشمل الدين كله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ١، فيدخل فيه الإيمان. وكذا إذا ذكر الإيمان مجرداً دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة كقوله في حديث "الشعب": "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذى عن الطريق" ٢.
قوله: "قال: فأخبرني عن الساعة، قال: مالمسؤول عنها بأعلم من السائل" الساعة بمعنى الوقت أو الزمن الحاضر، والمراد بالساعة هنا: القيامة، والمعنى: فأخبرني عن زمن الساعة. فقال النبي ﷺ : "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، أي: ليس المسئول عن وقتها بأعلم من السائل، والمعنى: أنت لا تعلمها وأنا لا أعلمها، ويكون المراد بقوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" إثبات التساوي في نفي العلم بوقتها، أي: أن العلم بها منتفٍ عني وعنك على حد سواء، وليس المراد التساوي في العلم بوقتها. والباء في قوله: "بأعلم" زائدة لإفادة التوكيد؛ لأن علم الساعة من الخمس التي استأثر بعلمها كما في قوله