← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

• اذكر بعض المواضع التي يشرع فيها التسمية؟ أن هذا أحد المواضع التي يسن فيها قول: (بسم الله)، ومن المواضع: منها: عند الوضوء. لقوله ﷺ (لا صلاة لمن لا وضوء له) رواه أبو داود. ومنها: عند الركوب. قال الله تعالى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ). وفي حديث علي ( … وأُتيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله .... الحديث وفي آخره قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت) رواه أبو داود. ومنها: عند الذبح والصيد. لقوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ). وعن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل) متفق عليه. ومنها: عند الأكل. لحديث عمرو بن سلمة. قال (كنت غلاماً في حجر النبي ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: يا غلام سم الله، وكل بيمينك … ) متفق عليه. ومنها: عند دخول المنزل. لحديث جابر. أن رسول الله ﷺ قال (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء) رواه مسلم. ومنها: عند الجماع. لحديث ابن عباس. عن النبي ﷺ أنه قال (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا … ) متفق عليه. ومنها: عند الخروج من البيت. لحديث أنس. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذ: هديت وكفيت .... ) رواه أبو داود. ومنها: في المساء والصباح. لحديث عثمان. قال: قال رسول الله ﷺ (من قال: بسم الله، الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح … ) رواه أبو داود. ومنها: إذا عثر المرء أو عثرت دابته. لحديث رجل قال (كنت رديف النبي ﷺ فعُثِر بالنبي ﷺ فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ : لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب) رواه أبو داود. ومنها: عند وضع الميت في قبره. لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله) رواه أبو داود.

стр. 1017

٥٧١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم. ٥٧٢ - وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: (فِي الْإِثْمِ). === • ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث صحيح، رواته كلهم ثقات. وقوله (من الإثم) ضعيفة. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم الاعتداء على الميت. • هل الاعتداء على الميت كالاعتداء على الحي؟ نعم، فالاعتداء على الميت بكسر عظم منه أو غير ذلك، كالاعتداء على الحي في الإثم دون القصاص. • ما حكم تشريح جثة الميت؟ نستفيد من الحديث أنه لا يجوز تشريح جثة الميت، لأن ذلك اعتداء عليه. لكن إذا كان الغرض صحيح، كقضية جنائية، فلا بأس. • وقد اختلف العلماء في حكم تشريح جثة الميت لقصد التعليم: القول الأول: لا يجوز ذلك. وهو قول لبعض العلماء، واستدلوا: بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). قالوا: وتشريح جثث الموتى فيه إهانة لهم. واستدلوا: بحديث الباب. فهو دال على حرمة كسر عظام المؤمن الميت، والتشريح مشتمل على ذلك، فلا يجوز فعله. قالوا: ودلت الأحاديث على أنه لا يجوز الجلوس على القبر، وأن صاحبه يتأذى بذلك، مع أن الجلوس عليه ليس فيه مساس بجسد صاحبه، فلأن لا يجوز تقطيع أجزائه وبقر بطنه الذي هون أشد انتهاكاً لحرمته من باب أولى وأحرى. القول الثاني: الجواز. قالوا: لأن في ذلك مصلحة أعظم وأكبر. وقالوا: إن من قواعد الشريعة الكلية، ومقاصدها العامة، أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفادياً لأشدهما. وجه تطبيق هذه القاعدة: أن المصلحة المترتبة على تشريح جثث الموتى لغرض التعليم، تعتبر مصلحة عامة راجعة إلى الجماعة، وذلك لما يترتب عليها من تعلم التداوي الذي يمكن بواسطته دفع ضرر الأسقام والأمراض عن المجتمع. والراجح جواز تشريح جثة الكافر دون المسلم. لأن الحاجة على التشريح يمكن سدها بجثث الكفار، فلا يجوز العدول عنها إلى جثث المسلمين، لعظم حرمة المسلم عند الله حياً وميتاً. أما التشريح لمعرفة أسباب الوفاة خشية أن تكون أمراضاً وبائية، أو التشريح الجنائي، فلا بأس به.

стр. 1018

٥٧٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: (أَلْحَدُو ا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبِنِ نُصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِم. ٥٧٤ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: (وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان. === (اللبن) ما ضرب من الطين يبنى به. • عرف اللحد والشق؟ قال البهوتي: اللحد أن يحفر في أسفل حائط القبر مما يلي القبلة مكاناً يوضع فيه الميت. والشق: أن يحفر في وسط القبر كالنهر ويبنى جانباه باللبن أو غيره. • ما الأفضل في القبر اللحد أم الشق؟ اللحد أفضل، وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن قدامة: السُّنَّةُ أَنْ يُلْحَدَ قَبْرُ الْمَيِّتِ، كَمَا صُنِعَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ . أ- لحديث الباب ب- وعن أنس قال: (لما توفي رسول الله ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا النبي ﷺ رواه ابن ماجه. وجه الدلالة من الحديثين: أنه اللحد هو الذي فُعل بالنبي ﷺ ، ولم يكن ليختار الله لنبيه إلا الأفضل. قال النووي في شرح حديث سعد: فيه استحباب اللحد ونصب اللبن، وأنه فعل ذلك برسول الله ﷺ باتفاق الصحابة ﵃، وقد نقلوا أن عدد لبناته ﷺ تسع. ج-ولحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (اللحد لنا والشق لغيرنا) رواه أبو داود وهو حديث مختلف في صحته. د - حديث جابر - وقد سبق - قال (كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين في قتلى أحد ثم يقول (أيهم أكثر أخذاً للقرآن) فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد) رواه البخاري. ففي هذا الحديث بيان فضيلة اللحد، لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه، مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فلولا مزيد فضيلة ما عانوه. • ما معنى قوله ﷺ (اللحد لنا والشق لغيرنا)؟ اختلف العلماء في معنى قوله (لنا) و (غيرنا)؟ فقيل: (لنا) أي: هو الذي نؤثره - أيها المسلمون - ونعرفه، لأن العرب لم تكن تعرف غيره، و (لغيرنا) أي: من الأمم السابقة ويؤيد ذلك رواية (والشق لغيرنا من أهل الكتاب). وقيل: اللحد لنا معشر الأنبياء، والشق جائز لغيرنا. وقيل: يمكن أنه ﷺ عنى بضمير الجمع نفسه، أي: أوثر لي اللحد، وهو إخبار عن الكائن فيكون معجزة والصحيح الأول. • متى يكون الشق أفضل؟ يكون أفضل إذا كانت الأرض رخوة، فهنا فالشق أفضل. قال النووي: أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد والشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل، لما سبق من الأدلة، وإن كانت رخوة تنهار، فالشق أفضل. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، فعند هؤلاء الشق أفضل إذا كان الأرض رخوة. قال ابن عثيمين ﵀: ولكن إذا احتيج إلى الشق، فإنه لا بأس به، والحاجة إلى الشق إذا كانت الأرض رملية، فإن اللحد فيها لا يمكن؛ لأن الرمل إذا لحدت فيه انهدم، فتحفر حفرة، ثم يحفر في وسطها ثم يوضع لبن على جانبي الحفرة التي بها الميت؛ من أجل ألا ينهد الرمل، ثم يوضع الميت بين هذه اللبنات. (الشرح الممتع).

стр. 1019

• ما المستحب في رفع القبر؟ المستحب أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر. وهذا مذهب جماهير العلماء. لحديث جابر: (أن النبي ﷺ ألحد ونصب عليه … ورفع قبره من الأرض نحواً من شبر). وجاء في ذلك بعض الآثار عن بعض السلف. ولأن القبر يرفع عن الأرض ليعلم أنه قبر فيتوقى ويصان ولا يهان، ويترحم على صاحبه. قال في (زاد المستقنع) ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه (الشرح الممتع) أي السنة أن يرفع القبر عن الأرض، وكما أنه سنة، فإن الواقع يقتضيه؛ لأن تراب القبر سوف يعاد إلى القبر، ومعلوم أن الأرض قبل حرثها أشد التئاماً مما إذا حرثت، فلا بد أن يربو التراب، وأيضاً فإن مكان الميت كان بالأول تراباً، والآن صار فضاء، فهذا التراب الذي كان في مكان الميت في الأول سوف يكون فوقه … واستثنى العلماء من هذه المسألة: إذا مات الإنسان في دار حرب، أي: في دار الكفار المحاربين، فإنه لا ينبغي أن يُرفع قبره، بل يسوى بالأرض خوفا عليه من الأعداء أن ينبشوه، ويمثلوا به، وما أشبه ذلك. وقوله (مسنما) أي: يجعل كالسنام بحيث يكون وسطه بارزاً على أطرافه، وضد المسنم: المسطح الذي يجعل أعلاه كالسطح. والدليل على هذا: أن هذا هو صفة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه .... (الشرح الممتع). وقد روى البخاري عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. أما ما رواه مسلم (٩٦٩) عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ). فالمقصود بالتسوية هنا، أي تسويته بسائر القبور، وقد تقدم أنها تكون في حدود الشبر. قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنَّ الْقَبْر لَا يُرْفَع عَلَى الْأَرْض رَفْعًا كَثِيرًا، وَلَا يُسَنَّم، بَلْ يُرْفَع نَحْو شِبْر وَيُسَطَّح، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْأَفْضَل عِنْدهمْ تَسْنِيمهَا وَهُوَ مَذْهَب مَالِك " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "القول المفيد شرح كتاب التوحيد: " قوله: (ولا قبرا مشرفا): عالياً. قوله: (إلا سويته). له معنيان: الأول: أي سويته بما حوله من القبور. الثاني: جعلته حسنا على ما تقتضيه الشريعة، قال تعالى: (الذي خلق فسوى) أي: سوى خلقه أحسن ما يكون، وهذا أحسن، والمعنيان متقاربان.

стр. 1020

والإشراف له وجوه: الأول: أن يكون مشرفا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عند الناس (نصائل) أو (نصائب)، ونصائب أصح لغة من نصائل. الثاني: أن يبنى عليه، هذا من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ (لعن المتخذين عليه المساجد والسرج). الثالث: أن تشرف بالتلوين، وذلك بأن توضع على أعلامها ألوان مزخرفة. الرابع: أن يرفع تراب القبر عما حوله ليكون ظاهراً. فكل شي مشرف، ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره، لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك. • ما حكم أن يزاد على تراب القبر أكثر مما خرج منه؟ كره العلماء أن يزاد على تراب القبر أكثر مما خرج منه. واستدلوا على الكراهة بحديث جابر قال (نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبر أو يزاد عليه … ) رواه مسلم دون قوله (أو يزاد عليه) فهي عند أبي داود والنسائي. والمراد بقوله (أو يزاد عليه) الزيادة على ترابه، بأمن يزاد على التراب الذي خرج منه. ولهذا بوب البيهقي على هذا اللفظ من هذا الحديث، فقال: باب لا يزاد في القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع جداً. وقالوا: إن زيادة التراب على القبر يجري مجرى البناء، فلا يزاد عليه تراب من غيره، لئلا يرتفع القبر ارتفاعاً كثيراً. وذهب ابن حزم إلى أن الزيادة على تراب القبر حرام.

стр. 1021

٥٧٥ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ: (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ). === (أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ) يخصص القبر بناره بالجص، أو طلاؤه بالجص. • ما حكم تجصيص القبر؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه مكروه. وهذا قول بعض الفقهاء. لحديث الباب. القول الثاني: أنه حرام. لحديث الباب، ففيه النهي عن ذلك، والأصل في النهي التحريم. وهذا القول هو الصحيح. • ما الحكمة من النهي: أولاً: سد ذريعة الشرك. ثانياً: لما في ذلك من تعظيم القبور والمباهاة فيها، وهذا باب قد يصل بصاحبه إلى الإخلال بالتوحيد. ثالثاً: أن التجصيص في الأبنية إنما هو للزينة ولإحكام البناء، ولا حاجة للميت في قبره للزينة. رابعاً: أن في ذلك خيلاء وإسراف. خامساً: أن في ذلك تضييعاً للمال وإسرافاً بلا فائدة. (كتاب أحكام المقابر). ويلحق بالتجصيص كل ما شابهه من تلوين القبر أو تزويق أو تخليق أو جعل الرخام عليه. • ما حكم القعود على القبر؟ حرام. أ- لحديث الباب. ب- ولحديث أَبِى مَرْثَدٍ الْغَنَوِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) رواه مسلم. ومما يدل على تحريمه وأنه من الكبائر: ج- حديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) رواه مسلم. فما ذهب إليه جماعة من العلماء أن القعود على القبر مكروه، قول ضعيف.

стр. 1022

• ما حكم البناء على القبور؟ حرام. أ- لحديث الباب ( … وأن يبنَى عليه). ب-ولحديث أبي سعيد (أن النبي ﷺ نهى أن يبنى إلى القبر) رواه ابن ماجه. ج- ومما يدل على التحريم: حديث علي وسبق: ( … أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته). قال الشوكاني: ومن رفْع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً، القبب والمشاهد المعمورة على القبور. • اذكر مفاسد البناء على القبور؟ أولاً: أن ذلك وسيلة إلى عبادتها. ثانياً: أن هذا من فعل عباد القبور والروافض. ثالثاً: سد باب الشرك. رابعاً: أن ذلك إسرافاً وتضييعاً للمال. • ما حكم الكتابة على القبر؟ جاء في حديث الباب زيادة (وأن يكتب عليها) وهذه زيادة مختلف في صحتها. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: جواز الكتابة. وهذا قول لبعض العلماء. القول الثاني: تحريم الكتابة. لحديث الباب، وفيه (وأن يكتب عليه). ولأن الكتابة على القبر لم تكن معهودة عند السلف الصالح. ولأن الكتابة على القبر قد تكون طريقاً للمباهاة والفخر والخيلاء. وهذا هو الصحيح، وفي ذلك سداً للذرائع الشرك. والنهي عن الكتابة يشمل الكتابة التي فيها ذكر اسم صاحب القبر، أو تاريخ وفاته، أو كتابة شيء من القرآن، أو أسماء الله تعالى. قال الشيخ ابن باز: لا يجوز البناء على القبور لا بصبة ولا بغيرها ولا تجوز الكتابة عليها؛ لما ثبت عن النبي ﷺ من النهي عن البناء عليها والكتابة عليها، فقد روى مسلم ﵀ من حديث جابر ﵁ قال (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه) وخرجه الترمذي وغيره بإسناد صحيح وزاد (وأن يكتب عليه) ولأن ذلك نوع من أنواع الغلو فوجب منعه. ولأن الكتابة ربما أفضت إلى عواقب وخيمة من الغلو وغيره من المحظورات الشرعية، وإنما يعاد تراب القبر عليه ويرفع قدر شبر تقريبا حتى يعرف أنه قبر، هذه هي السنة في القبور التي درج عليها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.

стр. 1023

٥٧٦ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَأَتَى الْقَبْرَ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَهُوَ قَائِمٌ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيّ. === (عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) أحد السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وأول من دفن بالبقيع. (فَحَثَى) أهاله بيده. • ما صحة حديث الباب؟ حديث الباب ضعيف جداً، لأن في إسناده القاسم بن عبد الله العُمَري. قال أحمد: ليس بشيء، وأيضاً في إسناد عاصم بن عبيد الله، قال ابن معين: ضعيف. فالحديث لا يصح. • ماذا يفعل بالقبر بعد وضع الميت في اللحد ووضع اللبن عليه؟ إذا فرغ من دفن الميت ومن وضع اللبن أو غيره على اللحد، فإنهم يهيلون التراب عليه، وهذا من تمام الدفن وفي الحديث عن أنس قال (لما فن النبي ﷺ قالت فاطمة: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب). رواه البخاري وهذا يدل على أن الحاضرين لدفن الميت يردون تراب القبر على القبر بالمساحي والأيدي. • هل يستحب لكل من حضر دفن الميت أن يحثو التراب على قبره؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن الحثو على الغير جائز وليس بمستحب. القول الثاني: يستحب لكل من حضر دفن الميت أن يحثو على قبره ثلاث حثيات بيديه جميعاً. وهذا مذهب الحنفية وأكثر العلماء. أ-لحديث الباب. [وسبق أنه ضعيف] ب-ولحديث أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قِبل رأسه ثلاثاً) وهذا مختلف فيه: صححه النووي، وابن القطان، والبوصيري، والألباني، وضعفه أبو حاتم، وأبو زرعة. ج- حديث جعفر بن محمد عن أبيه (أن النبي ﷺ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعاً) رواه الشافعي وهو ضعيف. د-وجاء عن ابن عباس: (أنه لما دفن زيد بن ثابت حثا عليه التراب ثم قال: هكذا يذهب العلم) أخرجه البيهقي. وهذا القول هو الراجح. (فالأحاديث الواردة كلها فيها نظر لكن لعل بعضها يقوي بعض). • هل هناك ذكر يقال عند حثي التراب؟ استحب البعض عند حثُ التراب على الميت أن يقول في الحثية الأولى (منها خلقناكم) وفي الثانية (ومنها نعيدكم) وفي الثالثة (ومنها نخرجكم تارة أخرى) والحديث الوارد في ذلك لا يصح. وهو حديث أبي أمامة قال (لما وضعت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ في القبر، قال ﷺ (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) رواه أحمد والبيهقي. قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف، وضعفه المصنف ابن حجر ﵀.

стр. 1024

٥٧٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اِسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم. === • ما صحة حديث الباب؟ الحديث إسناده حسن، في إسناده هانئ مولى عثمان وهو صدوق، فالحديث حسن، وقد صححه النووي وابن حجر. • ماذا نستفيد من حديث الباب؟ نستفيد: استحباب الدعاء للميت بعد دفنه بهذا الدعاء الوارد. • ما حكم الموعظة عند القبر؟ لا تشرع الموعظة عند القبر. حيث أن النبي ﷺ لم يرد عنه ذلك ولم يفعل، وإنما الوارد هو الدعاء له بالثبات والاستغفار. وهذا هو الصحيح، فلم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة الوعظ عند القبر. وقد ورد حديث البراء قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمّا يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر … ) رواه أبو داود. فهذا يدل على جواز الموعظة عند القبر في بعض الأحيان وليس ذلك سنة راتبة، بل إن قول البراء في الحديث (ولمّا يلحد) دليلاً على أن الوعظ كان لعارض وهو تأخر دفن الميت، لأن القبر لم يجهز، فأراد النبي ﷺ موعظة أصحابه إلى أن يُنتهى من تجهيز القبر. • ما أفضل ما يقدم للميت؟ الدعاء هو أفضل ما يقدم للميت. قال النووي: أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه. قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ). وقال ﷺ : (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد). وقال ﷺ : (اللهم اغفر لحينا وميتنا). وقال ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له … ) رواه مسلم. • هل العبد يسأل في قبره؟ نعم، من عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات سؤال القبر، وأن العبد إذا وضع في قبره يسأل، والأدلة على ذلك كثيرة: أ- عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ». قَالَ «يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ». قَالَ «فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». قَالَ «فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ». قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ «فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً». قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً وَيُمْلأُ عَلَيْهِ خَضِراً إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) متفق عليه.

стр. 1025

ب- وعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ (أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِىَ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ. قُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا، أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلاَّ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَأُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ - أَوْ قَرِيباً لَا أَدْرِى أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوِ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِى بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ. ثَلَاثاً، فَيُقَالُ نَمْ صَالِحاً، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِناً بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِى أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ لَا أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ) متفق عليه. ج- وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) قَالَ «نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ فَيُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّىَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَة) متفق عليه. د- ولحديث الباب. هـ- وعن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر … ) متفق عليه و- وعن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (فبي تفتنون وعني تسألون) رواه أحمد. • الذين لا يفتنون: أ- الأنبياء. لأن الأنبياء يُسأل عنهم، فيقال للميت: من نبيك؟. ب- الشهداء. عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال (يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي. ج- الصديق. قيل: لا يسأل. إذا كان الشهيد لا يفتن، فالصديق أجل خطراً وأعظم أجراً أن لا يفتن. لأنه مقدم ذكره في التنزيل على الشهداء. وقد صح في المرابط الذي هو دون الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى رتبة منه ومن الشهيد. وقيل: يسأل. قال ابن القيم: الأحاديث الصحيحة ترد هذا القول وتبين أن الصديق يسأل في قبره كما يسأل غيره. والله أعلم. وهذا القول هو الراجح. د- المرابط. قال ﷺ : (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان). رواه مسلم عن سلمان هـ- الأطفال والمجانين. اختلف هل يفتنون: فقال بعضهم: إنهم لا يفتنون لدخولهم في العموم. وقال بعضهم: إن المجانين والصغار لا يسألون، لأنهم غير مكلفين.

стр. 1026

٥٧٨ - وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ (كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْرُهُ، وَانْصَرَفَ اَلنَّاسُ عَنْهُ، أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ! قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ. ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ! قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّ مُحَمَّدٌ ﷺ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا. ٥٧٩ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلاً. === • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث ضمرة مقطوع، ومعنى مقطوع: أي أنه من قول التابعي، وقول التابعي ليس بحجة. وحديث أبي أمامة رواه الطبراني، حيث قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيبه، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً … ). هذا الحديث لا يصح. قال النووي: إسناده ضعيف، قال ابن الصلاح: ليس إسناده بالقائم. • ما حكم تلقين الميت بعد دفنه؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يستحب ذلك. وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة. لحديث الباب (أبي أمامة). قال النووي: فهذا الحديث وان كان ضعيفاً فيستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم علي المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد أعتضد بشواهد من الأحاديث كحديث (واسألوا له التثبيت) ووصية عمرو بن العاص وهما صحيحان سبق بيانهما قريباً، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدى به وإلى الآن، وهذا التلقين إنما هو في حق المكلف الميت أما الصبي فلا يلقن. القول الثاني: أن تلقين الميت في قبره جائز وليس بمستحب. واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، ووصفه بأنه أعدل الأقوال. ولعل مستند هذا القول، أن حديث التلقين بعد الدفن لم يثبت، ولم يرد النهي عنه، فيكون مباحاً لدخوله في عموم الدعاء بالثبات المأمور به. القول الثالث: أنه مكروه وبدعة. وهو اختيار ابن القيم في الهدي. قال ابن القيم: ولم يكن [أي النبي] يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم. ولأن النبي ﷺ علمنا بعد الدفن أن ندعو له بالمغفرة والثبات، ولم يعلمنا التلقين. ولا يعرف عن أحد من الصحابة فعل التلقين. • ما الجواب عن أدلة أصحاب القول الأول؟ أولاً: أن الحديث الوارد حديث ضعيف، فهو لا يصح، وإذا كان كذلك فلا يصح الاعتماد عليه أو العمل به مطلقاً، فقول النووي أو غيره بأن الحديث الضعيف يستأنس به، وذلك في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، مردود بأن هذا الحديث ضعيف، وضعفه شديد، بل هو موضوع في نظر بعض الأئمة. ثانياً: وأما جعل حديث (واسألوا له التثبيت) شاهداً لحديث التلقين، فهذا غير صحيح، لأن حديث (اسألوا له التثبيت) ليس فيه إلا الدعاء للميت، وكذلك أثر عمرو بن العاص وأمره بالوقوف عند قبره مقدار ما ينحر الجزور لا شهادة فيه على التلقين. ثالثاً: وأما قولهم: إن هذا العمل عليه الناس أو عليه عمل أهل الشام، فهذا لا حجة فيه، بل قول الإمام أحمد: ما رأيت أحداً يفعله إلا أهل الشام، دليل على أن المسألة مبتدعة، وأنها لم تكن في القرون المفضلة. [كتاب أحكام المقابر - اختيارات ابن تيمية الفقهية]. [١٦/ ٥/ ١٤٣٣ هـ].

стр. 1027

٥٨٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كنت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) رَوَاهُ مُسْلِم. زَادَ اَلتِّرْمِذِيُّ: (فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ). ٥٨١ - زَادَ ابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا). === • ما حكم زيارة القبور للرجال؟ مستحبة. وهذا مذهب جماهير العلماء، بل نقل بعضهم الإجماع كالنووي. قال النووي ﵀: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، وهو قول العلماء كافة; نقل العبدري فيه إجماع المسلمين، ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة، وكانت زيارتها منهيا عنها أولاً ثم نسخ. (المجموع). وقال ابن عبد البر ﵀: في هذا الحديث من الفقه: إباحة الخروج إلى المقابر وزيارة القبور وهذا أمر مجتمع عليه للرجال، ومختلف فيه للنساء وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا فإنها تذكر الآخرة). (التمهيد). أ-لحديث الباب. ب-ولحديث أبي هريرة قال (زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) رواه مسلم. فهذا دليل على استحباب زيارة القبور من فعل النبي ﷺ ومن أمره. وهناك خلاف لبعض السلف، فكره زيارة القبور ابن سيرين، والنخعي، والشعبي. وقيل: مستحبة وهي فرض ولو مرة - يعني في العمر - وهذا قول ابن حزم. • ما سبب النهي عن الزيارة في أول الأمر؟ قال النووي: وكان النهي أولاً لقرب عهدهم من الجاهلية، فربما كانا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام، وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه، أبيح لهم الزيارة، واحتاط ﷺ بقوله: ولا تقولوا هجراً. وقال ابن القيم: وكان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله فإن زيارته غير مأذون فيها، ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولاً وفعلاً. • اذكر صفة الزيارة الشرعية: قال ابن القيم: زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة الثاني: الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك فالميت أولى، لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعاء أو صدقة أو أهدى قربة ازداد بذلك سروره وفرحه كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له، ولهذا شرع النبي ﷺ للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم ولا أن يدعوا بهم ولا يصلي عندهم الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.

стр. 1028

• ما الحكمة من زيارة القبور: بين الحديث الحكمة من زيارة القبور، وهي: العبرة والاتعاظ، لقوله: (تذكر الآخرة) (تذكر الموت) (وتزهد في الدنيا). وانتفاع الميت بالدعاء والاستغفار له. • هل لزيارة القبور وقت معين؟ ليس لزيارة القبور وقت معين. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأفضل في زيارة القبور أن يكون يوم الجمعة. واستدل هؤلاء بحديث (من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر له وكتب باراً). وهو حديث ضعيف. وقالوا: إن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة. لكن الصحيح أن زيارة القبور ليس لها وقت معين لا يوم ولا وقت، بل ظاهر الحديث التي فيها الأمر بزيارة القبور، لم تحدد زمناً ولا قوتاً. وأما الحديث فضعيف لا يصح، ومثل هذا الحديث لا يصلح الاعتماد عليه ولا العمل به مطلقاً. وأما قولهم إن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة، فهذا القول لا دليل عليه سوى بعض الأخبار والمنامات، ومن المقرر عند أهل العلم أن الاحتجاج بالمنامات لا يصح لإثبات الأحكام الشرعية. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - إثبات النسخ في الأحكام الشرعية. - على المسلم أن يعمل بالأسباب التي تذكره بالآخرة ولقاء الله. - التحذير من نسيان الموت، فإن ذلك يؤدي إلى الإهمال وعدم الاستعداد للآخرة. - فضل الزهد في الدنيا. - فضل رقة القلب. - فضل البكاء من خشية الله.

стр. 1029

٥٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. === (لَعَنَ) اللعن الطرد والإبعاد، والمراد دعاء الرسول ﷺ باللعنة. (زَائِرَاتِ الْقُبُورِ) جاء بلفظ: (زوارات القبور) وقد ضبطت بالفتح (زَوّارات) وضبطت بالضم (زُوّرات)، بالضم: جمع زائرة، وبالفتح: (زَوّرات) يحتمل أنها صيغة مبالغة، والمعنى يكون: المكثرات من زيارة القبور، فاللعن يقع على من تكثر الزيارة. وقيل المعنى: إنها صيغة نسب، يعني ذوات الزيارة، لكن رواية (زائرات) توضح المقصود، وتبين أنه ليس المقصود الإكثار من الزيارة، لأننا لو أخذنا بأنها صيغة مبالغة، فإن هذا يكون إهداراً للرواية الأخرى. • ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث رواه الترمذي من طريق أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة. وما ذكر المؤلف هو لفظ ابن حبان، وأما لفظ الترمذي (زوارات القبور). والحديث سنده حسن، من أجل عمر بن أبي سلمة فإنه مختلف فيه، وحديثه من قبيل الحسن، وله شواهد. • اذكر الخلاف في حكم زيارة النساء للقبور؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها حرام. وهذا اختيار ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم. أ- لحديث أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور) رواه الترمذي. ب-ولحديث ابن عباس قال (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور) رواه الترمذي. ج-ولحديث حسان بن ثابت قال (لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور) رواه ابن ماجه. د- وعن عبد الله بن عمرو قال (بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذ بصر بامرأة لا نظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله ﷺ قال لها: ما أخرجكِ من بيتك يا فاطمة؟ قالت: أتيت أهل هذا البيت فترحمت إليهم وعزيتهم بميتهم، فقال: لعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر؟ فقال: لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك) رواه أبو داود، والكدى هي القبور هكذا فسرها بعض الرواة. وهذا الحديث يدل دلالة صريحة على أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج إلى القبور، وقد كان ذلك مستقراً عند الصحابة، يدل عليه قول فاطمة:: معاذ الله أن أكون بلغتها وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، تعني من النهي عن ذلك.

стр. 1030

القول الثاني: إباحة زيارة النساء للقبور. وهذا مذهب الجمهور. قال النووي: بالجواز قطع الجمهور. أ- لحديث أنس قال: (أتى النبي ﷺ على امرأة تبكي عند قبر، فقال لها: اتقي الله واصبري … ). قال الحافظ: وموضع الدلالة من الحديث أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة. ب- ولحديث بريدة السابق (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها). وجه الدلالة: أن الخطاب عام، فيدخل فيه النساء. قال الحافظ: هو قول الأكثر، ومحله إذا أمنت الفتنة. ج-وبحديث عائشة الطويل، وفيه (قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين … ) رواه مسلم. قالوا: وتعليم النبي ﷺ لعائشة هذا الدعاء يدل على جواز زيارة المقابر للنساء. د- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: (أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْمَقَابِرِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ قَدْ نَهَى، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا) رواه الحاكم. القول الثالث: أنه مكروه. وهذا مذهب الحنابلة. لحديث أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا). قالوا: والزيارة من جنس الاتباع، فيكون كلاهما مكروهاً غير محرم. والراجح القول الأول. وأما الإجابة عن أدلة من قال بالإباحة: أ-أما حديث أنس أن النبي ﷺ مرّ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري … ) فيجاب عنه: • أن النبي ﷺ لم يقرّ المرأة على فعلها، بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن زيارة القبور، ففي هذا إنكار قعودها عند القبر، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. قال ابن ابن القيم: احتج به على جواز زيارة النساء للقبور، فإنه ﷺ لم ينكر عليها الزيارة وإنما أمرها بالصبر، ولو كانت حراماً لبيّن لها حكمها، وأجيب عن هذا بأنه ﷺ قد أمرها بتقوى الله والصبر، وهذا إنكار منه لحالها من الزيارة والبكاء.

стр. 1031

• أن هذه القضية لا يعلم هل كانت قبل أحاديث المنع من زيارة النساء للقبور أو لا؟ وهي إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع، أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها، وعلى الجواز على التقديرين لا تعارض أحاديث المنع، ولا يمكن دعوى نسخها بها. ب- أما قول النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) فيجاب عنه: أنه خطاب للرجال دون النساء، فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور بأصل الوضع فلا يدخل فيه النساء، وهذا هو المذهب الصحيح المختار في الأصول. وعلى هذا فالإذن لا يتناول النساء فلا يدخلن في الحكم الناسخ. ج- أما حديث عائشة: (قولي: السلام على أهل الديار … ) فيجاب عنه: • بأن الحديث لا دلالة فيه على جواز زيارة القبور للنساء، لأن الحديث إنما سيق لتعليم السلام على أهل القبور دون إباحة الزيارة للنساء، وقد تمر المرأة على أهل القبور في مسير لها من غير قصد الزيارة فتحتاج إلى التسليم عليهم، فلا يلزم من تعليمه لهن إباحة الزيارة قصداً. • أن هذا التعليم من النبي ﷺ لعائشة يحتمل أن يكون قبل النهي الأكيد والوعيد الشديد لزوّارات القبور. د- وأما حديث عائشة في زيارة قبر أخيها، فيجاب عنه: أنها لم تخرج إليه للزيارة، وإنما خرجت للحج فمرت بقبره فوقفت عليه للدعاء له. • ومنها أنه على فرض أنها قصدت الزيارة، فهو اجتهاد منها ﵂ لا يعارض الأخبار الثابتة التي وردت في نهي النساء عن زيارة القبور. • ومنها أن قولها: (كَانَ قَدْ نَهَى، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا) خبر عام، لم تتعرض فيه لحكم زيارة النساء خاصة، فهو كقوله ﷺ : (كنت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) رواه مسلم. قال ابن القيم ﵀: … وَعَائِشَة إِنَّمَا قَدِمَتْ مَكَّة لِلْحَجِّ، فَمَرَّتْ عَلَى قَبْر أَخِيهَا فِي طَرِيقهَا، فَوَقَفَتْ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ، إِنَّمَا الْكَلَام فِي قَصْدهنَّ الْخُرُوج لِزِيَارَةِ الْقُبُور، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهَا عَدَلَتْ إِلَيْهِ وَقَصَدَتْ زِيَارَته، فَهِيَ قَدْ قَالَتْ " لَوْ شَهِدْتُك لَمَا زُرْتُك "، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمُسْتَقَرّ الْمَعْلُوم عِنْدهَا: أَنَّ النِّسَاء لَا يُشْرَع لَهُنَّ زِيَارَة الْقُبُور، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلهَا ذَلِكَ مَعْنًى. وَأَمَّا رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ، وَقَوْلهَا " نَهَى عَنْهَا ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا ": … لَوْ صَحَّ؛ فَهِيَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ غَيْرهَا مِنْ دُخُول النِّسَاء، وَالْحُجَّة فِي قَوْل الْمَعْصُوم، لَا فِي تَأْوِيل الرَّاوِي، وَتَأْوِيله إِنَّمَا يَكُون مَقْبُولًا، حَيْثُ لَا يُعَارِضهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذَا قَدْ عَارَضَهُ أَحَادِيث الْمَنْع. (تهذيب السنن).

стр. 1032

• بما أجاب بعض العلماء (القائلون بعدم التحريم) عن حديث (لعن زائرات القبور)؟ أن اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة بدلالة قوله (زوّارات)، وهذا لا يتناول الزائرة من غير إكثار للزيارة. قال القرطبي: هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج، وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك. وقال الشوكاني بعد سياق كلام القرطبي: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر. لكن يجاب عن هذا: أولاً: أنه قد ورد في حديث ابن عباس لفظ (زائرات)، وفي هذا اللفظ زيادة علم، حيث إنه يصدق على الزائرة مرة واحدة فيؤخذ به. ثانياً: أن لفظ (الزوّارات) قد يكون لتعددهن، كما يقال: فتحت الأبواب، إذا لك باب فتح يخصه. وأجابوا أيضاً: أن هذه الأحاديث التي فيها لعن زوارات القبور محمولة على ما إذا كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح، وأما إذا كانت الزيارة للاعتبار من غير نوح ولا تعديد فلا يحرم عليهن ذلك. لكن يجاب عن هذا: أولاً: أن هذا التأويل أو الحمل للحديث لا دليل عليه. ثانياً: أن زيارة النساء إذا كانت مظنة وسبباً للأمور المحرمة - والحكمة هنا غير مضبوطة - فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة، أن الحكمة إذا كانت خفية، أو غير منتشرة، علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب سداً للذريعة. وأجابوا أيضاً: بأن هذه الأحاديث ضعيفة الإسناد. ويجاب عن هذا: أولاً: أن كل من تُكلّم فيه من رجال الإسناد قد عدّله طائفة من العلماء، وإذا كان الجارح والمعدل من الأئمة، لم يقبل الجرح إلا مفسراً، فيكون التعديل مقدماً على الجرح المطلق. ثانياً: أن حَدِيثَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُ فِي الْحَسَنِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا صَحَّحَهُ مَنْ صَحَّحَهُ كَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْجَرْحِ إلَّا مَا ذُكِرَ كَانَ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَسَنِ. ثالثاً: أَنْ يُقَالَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِجَالُ هَذَا لَيْسَ رِجَالَ هَذَا فَلَمْ يَأْخُذْهُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَيْسَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ وَإِنَّمَا التَّضْعِيفُ مِنْ جِهَةِ سُوءِ الْحِفْظِ وَمِثْلُ هَذَا حُجَّةٌ بِلَا رَيْبٍ • اذكر بعض الفوائد من العامة؟ - أنه لا فرق في التحريم بين زيارة قبره ﷺ أو قبر غيره على الصحيح من أقوال أهل العلم. - حكمة الشرع في التفريق في بعض الأحكام بين النساء والرجال. - أن زيارة النساء للقبور من كبائر الذنوب، لأن فيها اللعن.

стр. 1033

٥٨٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اَلنَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ٥٨٤ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: (أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٥٨٥ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اَلْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ - مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ٥٨٦ - وَلَهُمَا: نَحْوُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةٍ. === (المستمعة) أي التي تقصد سماع النياحة. • ما صحة حديث أبي سعيد؟ حديث أبي سعيد جاء من طريق محمد بن الحسن بن عطية عن أبيه عن جده عن أبي سعيد. ومحمد بن الحسن ضعيف كما قال أحمد وابن معين، وأبوه الحسن بن عطية ضعيف أيضاً، وكذلك جده عطية ضعفه أحمد والنسائي. • عرف النياحة؟ النياحة: رفع الصوت بتعداد مآثر الميت، وهو من خصال أهل الجاهلية. والندب: رفع الصوت بتعداد محاسن الميت ويقترن بواو (واكسياه، وامطعماه). • ما حكم النياحة؟ حرام وهي من كبائر الذنوب. أ- لحديث الباب (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اَلنَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ). ب- وعن أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِي. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ». وَقَالَ «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ) رواه مسلم. ج-وعن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) متفق عليه. د- وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: (أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. هـ- وعن أَبي بُرْدَةَ بْنُ أَبِى مُوسَى قَالَ (وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعاً فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّة) رواه مسلم. (الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة). • لماذا حرمت النياحة؟ أولاً: ينافي الصبر. ثانياً: فيه اعتراض على قدر الله. ثالثاً: لا يقدم شيئاً ولا يؤخره. رابعاً: أنه جزع وتسخط بقضاء الله. خامساً: أنه يهيج الحاضرين. • هل النياحة حرام فقط على النساء؟ النياحة حرام على الرجال والنساء، وإنما خصت النساء لأن أكثر ما تفعله هو المرأة. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ أ-أن مستمعة للنياحة راضية بذلك، فهي آثمة، فلا يجوز الجلوس مع أهل المنكر إلا بالإنكار عليهم أو القيام عنهم. قال تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ). ب-ضعف النساء. ج-ينبغي التركيز في الدعوة للناس على الشيء المهم الخطير الذي يكثر وقوعه من النساء. د- وجوب الصبر على المصائب، لأن النياحة تنافي الصبر. (١٧/ ٥/ ١٤٣٣ هـ).

стр. 1034

٥٨٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اَلْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ٥٨٨ - وَلَهُمَا: نَحْوُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَة. === • ما المراد بالبكاء في الحديث؟ المراد النياحة. قال النووي: وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت لا مجرد دمع العين. • ما الجمع بين هذا الحديث، وبين قوله تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). اختلف العلماء في الجواب على هذا الحديث على أقوال كثيرة: القول الأول: حمل الأحاديث الواردة في المسألة على ظاهرها وتأويل الآية. وهذا قول ابن عمر، واختاره الشواكاني، والشيخ ابن باز. قالوا: بأن الله تعالى له أن يتصرف في خلقه كما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل سبحانه وقالوا عن الآية: بأنها عامة، والحديث مخصص لعمومها. قال الشوكاني: وأنت خبير بأن الآية عامة لأن الوزر المذكور فيها واقع في سياق النفي والأحاديث المذكورة في الباب مشتملة على وزر خاص، وتخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الأحادية هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور، فلا وجه لما وقع من رد الأحاديث بهذا العموم، ولا ملجئ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المستبعدة باعتبار الآية. وقال الشيخ ابن باز ﵀: ليس هناك تعارض بين الأحاديث والآية التي ذكرتها عائشة ﵂ فقد ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث ابن عمر ومن حديث المغيرة وغيرهما في الصحيحين وليس في البخاري وحده أن النبي ﷺ قال: «إن الميت يعذب بما يناح عليه) وفي رواية_للبخاري: ببكاء أهله عليه، والمراد بالبكاء النياحة وهي رفع الصوت، أما البكاء الذي هو دمع العين فهذا لا يضر، وإنما الذي يضر هو رفع الصوت بالبكاء وهو المسمى بالنياحة. والرسول ﷺ قصد بهذا منع الناس من النياحة على موتاهم وأن يتحلوا بالصبر ويكفوا عن النوح، ولا بأس بدمع العين وحزن القلب، كما قال ﵇ (لما مات ابنه إبراهيم: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فالميت يعذب بالنياحة عليه من أهله والله أعلم بكيفية العذاب الذي يحصل له بهذه النياحة وهذا مستثنى من قوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فإن القرآن والسنة لا يتعارضان، بل يصدق أحدهما الآخر ويفسر أحدهما الآخر، فالآية عامة والحديث خاص، والسنة تفسر القرآن وتبين معناه، فيكون تعذيب الميت بنياحة أهله عليه مستثنى من الآية الكريمة ولا تعارض بينها وبين الأحاديث. القول الثاني: أن اللام في قوله ﷺ (إن الميت) هي لمعهود معين، وهي يهودية مر بها النبي ﷺ فقال الحديث، والراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه الآخر. وهذا هو الظاهر من رواية عمرة وعروة عن عائشة. عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِى عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا) متفق عليه.

стр. 1035

وعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ، فَقَالَتْ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآن) متفق عليه. القول الثالث: أن التعذيب المذكور في الحديث مختص بالكافر. وهذا قول عائشة في رواه ابن عباس عنها. الحديث وفيه ( … قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَاباً بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) متفق عليه. القول الرابع: أن الحديث محمول على ما إذا كان النوح من سنة الميت وسنة أهله، ولم ينه أهله عنه في حياته، فإنه يعذب من أجل ذلك. وهذا مذهب البخاري، وقد ترجم له في صحيحه بقوله: (باب قول النبي ﷺ : يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه) إذا كان النوح من سنته. القول الخامس: إن هذا محمول على من أوصى بأن يبكى عليه، ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم، لأنه بسببه ومنسوب إليه. ونسبه النووي للجمهور. وهو اختيار الطحاوي، والخطابي، والبغوي، وأبي عبد الله القرطبي، والنووي، والذهبي، والشاطبي، والسندي، والآلوسي، والألباني. القول السادس: إنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا يقولون: يا مؤيد النسوان، ومؤتم الولدان، ومخرب العمران. القول السابع: أن الحديث محمول على ما إذا أهمل الميت نهي أهله عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه، لأن إهماله لهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى (قوا أنفسكم). القول الثامن: معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم. وذهب إلى هذا محمد بن جرير، واختاره ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين. قال الشيخ ابن عثيمين: معناه أن الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يعلم بذلك ويتألم، وليس المعنى أن الله يعاقبه بذلك لأن الله تعالى يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) والعذاب لا يلزم أن يكون عقوبة ألم تر إلى قول النبي ﷺ : (إن السفر قطعة من العذاب) والسفر ليس بعقوبة، لكن يتأذى به الإنسان ويتعب، وهكذا الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يتألم ويتعب من ذلك، وإن كان هذا ليس بعقوبة من الله له، وهذا التفسير للحديث تفسير واضح صريح، ولا يرد عليه إشكال، ولا يحتاج أن يقال: هذا فيمن أوصى بالنياحة، أو فيمن كان عادة أهله النياحة ولم ينههم عند موته، بل نقول: إن الإنسان يعذب بالشيء ولا يتضرر به " انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٧/ ٤٠٨ • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - تحريم النياحة. - إثبات الأسباب.

стр. 1036

٥٨٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (شَهِدْتُ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تُدْفَنُ، وَرَسُولُ اَللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ اَلْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيِّ. === (بنتاً) هي أم كلثوم. • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ شَهِدْنَا بِنْتاً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ - قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ - فَقَالَ «هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ «فَانْزِلْ». قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا) رواه البخاري. قوله (لم يقارف): أي لم يجامع، ويؤيد هذا المعنى أنه جاء في رواية (لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة) وقيل: لم يذنب، والصحيح الأول. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: جواز البكاء على الميت من غير نياحة ولا شق ولا ضرب، وقد جاءت الأدلة الكثيرة على جواز ذلك: أ- فقد بكى ﷺ لما ماتت ابنته، كما في حديث الباب. ب- وبكى ﷺ لما مات ابن ابنته، كما في حديث أُسَامَة بنِ زيدِ. قَالَ (أرْسَلَتْ بنْتُ النَّبيِّ ﷺ إنَّ ابْني قَدْ احْتُضِرَ فَاشْهَدنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرئُ السَّلامَ، ويقُولُ: ((إنَّ لله مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعطَى وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأجَلٍ مُسَمًّى فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)) فَأَرسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيهِ لَيَأتِينَّهَا. فقامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرجَالٌ ﵃، فَرُفعَ إِلَى رَسُول الله ﷺ الصَّبيُّ، فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَينَاهُ فَقالَ سَعدٌ: يَا رسولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقالَ: ((هذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَها اللهُ تَعَالَى في قُلُوبِ عِبَاده)) متفق عليه. قال النووي: مَعْنَاهُ أَنَّ سَعْدًا ظَنَّ أَنَّ جَمِيع أَنْوَاع الْبُكَاء حَرَام، وَأَنَّ دَمْع الْعَيْن حَرَام، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ نَسِيَ فَذَكَرَهُ، فَأَعْلَمَهُ النَّبِيّ ﷺ أَنَّ مُجَرَّد الْبُكَاء وَدَمع العَيْنٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلا مَكْرُوه بَلْ هُوَ رَحْمَة وَفَضِيلَة وَإِنَّمَا الْمُحَرَّم النَّوْح وَالنَّدْب وَالْبُكَاء الْمَقْرُون بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا كَمَا قال النبي ﷺ : (إنَّ اللَّه لا يُعَذِّب بِدَمْعِ الْعَيْن وَلا بِحُزْنِ الْقَلْب وَلَكِنْ يُعَذِّب بِهَذَا أَوْ يَرْحَم وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه). ا. هـ ج- وبكى لما زار سعد بن عبادة، كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ (اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ فَقَالَ «أَقَدْ قَضَى». قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَوْا فَقَالَ «أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ) متفق عليه. د- وبكى لما مات ابنه إبراهيم، كما في حديث أَنَس بْنِ مَالِك. قَالَ (دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِى سَيْفٍ الْقَيْنِ - وَكَانَ ظِئْراً لإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ». ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ﷺ (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُون) رواه البخاري.

стр. 1037

هـ- بكاؤه ﷺ لما نعى جعفر وأصحابه. متفق عليه. بل ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى استحباب البكاء على الميت إذا كان رحمة له. قال ﵀: … لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، وذلك لا ينافي الرضا بخلاف البكاء عليه لفوات حظ فيه، وبهذا يعرف معنى قول النبي ﷺ لما بكى على الميت وقال (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) فإن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت. • هل يجوز أن ينزل المرأة قبرها من ليس محرماً لها؟ نعم يجوز. ففي هذه القصة نزل أبو طلحة، مع أن أبوها وهو الرسول ﷺ كان موجوداً، وكذلك زوجها عثمان. لكن الأولى أن يكون من محارمها إن وجِد. قال ابن قدامة ﵀: لا خلاف بين أهل العلم في أن أولى الناس بإدخال المرأة قبرها محرمها، وهو من كان يحل له النظر إليها في حياتها، ولها السفر معه، وقد روى الخلال بإسناده عن عمر ﵁ أنه قام عند منبر رسول الله ﷺ حين توفيت زينب بنت جحش فقال: ألا إني أرسلت إلى النسوة: من يدخلها قبرها؟ فأرسلن من كان يحل له الدخول عليها في حياتها. فرأيت أن قد صدقن. (المغني). قال الشيخ الألباني أخرجه ـ أثر عمر ﵁ ـ الطحاوي (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥) والبيهقي (٣/ ٥٣) بسند صحيح. ينظر كتاب الجنائز (١/ ١٤٨). فإن لم يكن لها محارم أو وجدوا إلا أن بهم مانعاً جاز أن ينزلها الأجنبي لحديث الباب. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: العلماء فيما أعلم لم يقل أحد منهم: إن المرأة يحرم أن يدخلها في قبرها من جامع تلك الليلة، لكنهم قالوا: من بعد عهده بالجماع فهو أولى … وبعض الناس يظنون أنه لا ينزل المرأة في قبرها إلا من كان من محارمها، وهذا غير صحيح، ينزلها من كان أعرف بطريقة الدفن، سواء كان من محارمها أو من غير محارمها (لقاء الباب المفتوح). وقال ﵀ أيضاً: المرأة يضعها في قبرها أي رجل من الرجال، سواء كان من محارمها أو من غير محارمها؛ لكن الأفضل من محارمها، إلا إذا علمنا أن أحداً من الناس لم يجامع تلك الليلة كرجل نعلم أنه ليس له زوجة، أو نعلم أنه قد تجاوز سن الشهوة، فقد قال العلماء ﵏: إن من بَعُدَ عهده بالجماع أولى ممن قَرُب. (لقاء الباب المفتوح). • من الذي يتولى إنزال المرأة لقبرها، الرجال أم النساء؟ الرجال لا النساء. أ-لحديث الباب. ب-ولأن تولي الرجال للجنائز في الدفن هو سنة النبي ﷺ ، وهو الذي جرى عليه عمل المسلمين. ج-ولأن الدفن يحتاج إلى بطش وقوة، والرجال أقوى وأشد بطشاً، فهم بذلك أعرف وعليه أقدر. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - رقة قلب النبي ﷺ . - جواز الجلوس عند القبر.

стр. 1038

٥٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه. وَأَصْلُهُ فِي "مُسْلِمٍ"، لَكِنْ قَالَ (زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ اَلرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ). === • ما صحة حديث الباب؟ الحديث رواه ابن ماجه من طريق إبراهيم بن يزيد المكي عن أبي الزبير عن جابر به. وإبراهيم بن يزيد الخُوزِي، قال أحمد: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة. • اذكر أصل الحديث كما في صحيح مسلم؟ عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْماً فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلاً فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَه). • ما حكم دفن الميت ليلاً؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز إلا لضرورة. وهذا مذهب ابن حزم. لحديث الباب. القول الثاني: أنه يجوز من غير كراهة. وهذا مذهب الجمهور. قال النووي: وهذا هو قول جماهير العلماء من السلف والخلف. أ- لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً فَقَالَ «مَتَى دُفِنَ هَذَا». قَالُوا الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي، قَالُوا دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْه) رواه البخاري. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينكر على الصحابة دفنهم إياه بالليل، وإنما أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره. ب-ولحديث أبي هريرة ﵁ قال (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد - وفي رواية: كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد - ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها فقالوا: ماتت، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها، وفي رواية: قالوا: ماتت من الليل ودفنت فكرهنا أن نوقظك، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه فصلى عليها ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) متفق عليه، والرواية التي فيها وجد الشاهد عند البيهقي. قال ابن عبد البر: في الحديث دليل واضح على جواز الدفن بالليل. ووجه الدلالة كسابقه من حيث إقرار النبي ﷺ وعدم إنكاره على الصحابة الدفن بالليل. ج-أن النبي ﷺ دفن ليلاً. عن عائشة قالت: (ما علمنا بدفن النبي ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء … ) رواه أحمد. قال الطحاوي: … وهذا بحضرة أصحاب النبي ﷺ لا ينكره أحد منهم. د-أن أبا بكر ﵁ دفن ليلاً.

стр. 1039

هـ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلْتُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالَتْ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ إِنَّ هَذَا خَلَقٌ. قَالَ إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِح) رواه البخاري. و- أن فاطمة دُفنت بالليل. عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِى بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ، وَمَا بَقِىَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا الْمَالِ». وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئاً فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ فِي ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ، دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِىٌّ لَيْلاً) متفق عليه. و - (أن ابن مسعود ﵁ دفن ليلاً) أخرجه ابن أبي شيبة. قال ابن قدامة: وَمِمَّنْ دُفِنَ لَيْلًا: عُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ. • ما الجواب عن حديث الباب (الذي فيه الزجر عن الدفن ليلاً)؟ قيل: إن النهي الوارد في الحديث إنما هو عن دفن الميت قبل الصلاة عليه ويدل عليه ( .. فزجر النبي … حتى يصلى عليه). وقيل: إن النهي في الحديث عن الدفن ليلاً ليس لذات الدفن، وإنما لما يترتب عليه من قلة المصلين، فإن الدفن بالنهار يحضره كثير من الناس ويصلون عليه، ولا يحضره في الليل إلا أفراد. وقيل: إن النهي عن الدفن في الليل إنما كان لما يترتب عليه من إساءة الكفن، لأن الدفن ليلاً مظنة إساءة الكفن ورداءته. قال ابن قدامة: وَحَدِيثُ الزَّجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالتَّأْدِيبِ؛ فَإِنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى مُتَّبِعِهَا، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا، وَأَمْكَنُ لِإِتْبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ وَإِلْحَادِهِ. • هل ورد عن عائشة أنها طلبت أن تدفن ليلاً؟ نعم، ورد أن عائشة طلبت أن تدفن ليلاً، هكذا ذكره محمد بن عمر الواقدي كما أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٦ - ٧ وابن سعد في طبقاته ٨/ ٧٦ - ٧٧، وسير أعلام النبلاء ٢/ ١٩٢ وغيرها من المصادر. والظاهر والله أعلم إما لئلا يؤخر دفنها لأنها كما ورد أنها ماتت ليلة السابع عشر من رمضان بعد الوتر، أو لأنّ ذلك أستر لها أو لعله ظهر في زمنها لا سيما في أواخر عمرها من يكره الدفن ليلا فأرادت أن تبيّن الحكم .. أو لغير ذلك. وعموما فإن الدفن بالليل جائز للحاجة والله تعالى أعلم .... (الإسلام سؤال وجواب). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - يجب مراعاة تجهيز الميت بإحسان تكفينه وغسله ودفنه. - وجوب دفن الميت. - وجوب الصلاة عليه.

стр. 1040

٥٩١ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: - لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ -حِينَ قُتِلَ- قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ) أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، إِلَّا النَّسَائِيِّ. === (نَعْيُ) أي خبر وفاته. (جَعْفَرٍ) هو ابن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب، مات في غزوة مؤتة عام ٨ هـ. (اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا) خطاب منه ﷺ لأهله أن يصنعوا لآل جعفر طعاماً، والمراد بآل جعفر: زوجته أسماء بنت عُمَيْس وأولاده. • ما صحة حديث الباب؟ الحديث حسنه الترمذي والذهبي والشوكاني والألباني، لأن في إسناده خالد بن سَارَّة، قال الحافظ: صدوق. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: استحباب صنع الطعام لأهل الميت في يوم مصيبتهم. قال الإمام الشافعي: وَأُحِبُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ، أَوْ ذِي قَرَابَتِهِ: أَنْ يَعْمَلُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِ يَمُوتُ وَلَيْلَتِهِ: طَعَامًا يُشْبِعُهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَذِكْرٌ كَرِيمٌ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَنَا وَبَعْدَنَا. (الأم). وقال الشوكاني ﵀: فِيه مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ بِمُؤْنَةِ أَهْلِ الْمَيِّتِ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ؛ لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِمَا دَهَمَهُمْ مِنْ الْمُصِيبَة. (نيل الأوطار). • ما الحكمة من هذا الأمر؟ أن أهل الميت مشغولون بمصيبتهم فلا يقدرون على صنع طعامهم. قال ابن قدامة: يُسْتَحَبُّ إصْلَاحُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ، إعَانَةً لَهُمْ، وَجَبْرًا لِقُلُوبِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا اشْتَغَلُوا بِمُصِيبَتِهِمْ، وَبِمَنْ يَأْتِي إلَيْهِمْ، عَنْ إصْلَاحِ طَعَامٍ لَأَنْفُسِهِم. وقال العيني: يستفاد من الحديث استحباب صنعة الطعام لأهل الميت، سواء كان الميت حاضراً، أو جاء خبر موته، وذلك لاشتغال أهله بخبره، أو بحاله، ولذلك علل ﵇ بقوله: (فإنه قد أتاهم أمرٌ يَشغَلُهم) أي: فإن الشأن: قد أتاهم أمر، أي: شأن وحالة، شَغلهم عن صنعة الطعام وغيره. (شرح سنن أبي داود). • ما حكم صنع أهل الميت الطعام للناس؟ بدعة، بل عده بعض العلماء من النياحة. قال الشيخ ابن باز: الأفضل أن يصنع الجيران والأقارب الطعام في بيوتهم ثم يهدوه إلى أهل الميت؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه لما بلغه موت ابن عمه جعفر بن أبي طالب ﵁ في غزوة مؤتة أمر أهله أن يصنعوا لأهل جعفر طعاماً وقال: (لأنهم قد أتاهم ما يشغلهم) وأما كون أهل الميت يصنعون طعاماً للناس من أجل الميت فهذا لا يجوز وهو من عمل الجاهلية سواء كان ذلك يوم الموت أو في اليوم الرابع أو العاشر أو على رأس السنة، كل ذلك لا يجوز لما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي - أحد أصحاب النبي ﷺ أنه قال (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصناعة الطعام بعد الدفن من النياحة) أما إن نزل بأهل الميت ضيوف زمن العزاء فلا بأس أن يصنعوا لهم الطعام من أجل الضيافة، كما أنه لا حرج على أهل الميت أن يدعوا من شاؤا من الجيران والأقارب ليتناولوا معهم ما أهدي لهم من الطعام، والله ولي التوفيق. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن هذا من حقوق الأخوة الإيمانية. - مشاركة المسلم لأخيه في مصيبته وحزنه. - حسن تعاليم الإسلام. - الحث على التعاون والتكاتف.

стр. 1041

٥٩٢ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى اَلمَقَابِرِ: - اَلسَّلَامُ عَلَى أَهْلِ اَلدِّيَارِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اَللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) رَوَاهُ مُسْلِم. ٥٩٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (مَرَّ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ اَلْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: اَلسَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ اَلْقُبُورِ، يَغْفِرُ اَللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَن. === (السلام) الدعاء لهم بالسلامة. (لنا ولكم العافية) العافية للأحياء من أمراض الجسد ومن أمراض القلب، وللأموات: من عذاب القبر وعذاب النار. • ما صحة حديث ابن عباس؟ حديث ابن عباس سنده ضعيف، لأن في إسناده قَابوس بن أبي ظَبْتان، ضعفه أحمد، وأبو حاتم، والنسائي، فالحديث ضعيف. • ماذا نستفيد من حديث الباب؟ نستفيد: مشروعية الدعاء عند زيارة المقابر بالدعاء الوارد، والدعاء الوارد: أ- حديث الباب (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين … ) رواه مسلم. جاء في رواية: (أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم. ب- حديث عائشة في حديث لها طويل قالت (قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون). رواه مسلم ج-وعنها قالت: (كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد). رواه مسلم د-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ). رواه مسلم • هل يشرع السلام أو الدعاء عند المرور بالمقابر إذا كانت مسورة بحيث لا نشاهد القبور؟ لا بأس بذلك، لأن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، كما أنه لا يشترط رفع الصوت عند السلام بحيث يسمع كل من في المقبرة ويسلم على أهلها وهو لم يشاهد كل قبر. • ما كيفية السلام على أهل المقبرة؟ المستحب حال زيارة المقابر والسلام على أهلها: أن يقبل الزائر على أهل المقبرة بوجهه فيسلم عليهم ويدعو بما ورد. ففي حديث أبي هريرة - وهو ثاني حديث الباب وإن كان ضعيفاً - قال (مرّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه … ). قال القاري تعليقاً على هذا الحديث: فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت، وأن يستمر كذلك حال الدعاء أيضاً، وعليه عمل عامة المسلمين.

стр. 1042

• هل يشرع الوضوء لزيارة القبور؟ ذكر بعض الشافعية استحباب الوضوء لزيارة المقابر أو كون الزائر على طهارة، ولم يذكروا على ذلك دليلاً، ومعلوم أن الأصل في العبادات الحظر والمنع ما لم يوجد دليل عليها ولا دليل هنا. • عند زيارة القبور هل يشرع للزائر أن يصل إلى القبر الذي يقصد زيارته؟ يكفي عند أول القبور، وإن أحب أن يصل إلى قبر من يقصد زيارته ويسلم عليه فلا بأس. (الشيخ ابن باز). • هل الموتى يسمعون أم لا؟ استدل بعض العلماء بقوله (السلام عليكم … ) على أن الموتى يسمعون، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: أن الموتى لا يسمعون. أ- لقوله تعالى (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ). ب-قوله تعالى (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِين). ج-قوله تعالى (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ). د-قوله ﷺ (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلّغوني من أمتي السلام) رواه أحمد. وجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ لا يسمع سلام المسلّمين عليه، إذ لو كان يسمعه بنفسه، لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه، وإذا الأمر كذلك فبالأولى أنه ﷺ لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيره من الموتى أولى وأحرى. القول الثاني: أن الموتى يسمعون مطلقاً وهذا اختيار جمع من المحققين، كابن حزم، والقاضي عياض، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير. أ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثاً ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّى حَقًّا». فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا). ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ) متفق عليه. ب- عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ». قَالَ «يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ … ) متفق عليه. ج- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ). رواه مسلم وجه الدلالة: هذا الحديث فيه مخاطبة النبي ﷺ لأهل القبور بقوله (السلام عليكم) وهذا يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه، لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم، ولا شك في أن ذلك ليس من شأن العقلاء. د-عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ما من رجل يمر على قبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا عرفه ورد ﵇ رواه ابن حبان في المجروحين وهو ضعيف. هـ- عن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇. رواه أبو داود

стр. 1043

٥٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ. ٥٩٥ - وَرَوَى اَلتِّرْمِذِيُّ عَنِ اَلمُغِيرَةِ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ (فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ). === (لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ) السب هو الشتم واللعن. (أَفْضَوْا) أي: وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم سب الأموات. • هل هذا الحكم عام للمسلم والكافر أو فقط للمسلم؟ قال بعض العلماء: يشمل هذا الميت المسلم والكافر. وقال بعضهم: هذا خاص بأموات المسلمين. والراجح أن الكافر إذا كان مؤذياً للمسلمين ولا يتأذى قريبه الحي المسلم فإن ذلك لا بأس. والمسلم إن كان فاسقاً أو مبتدعاً فإنه يسب للتحذير من شره، ولكن دون وجود أقاربه. • لماذا نهيَ عن سب الأموات؟ نهي عن سب الأموات لحكم، منها: أولاً: لأنهم أفضوا وقدموا إلى ما عملوا. ثانياً: أن في ذلك إيذاء لأقاربهم الأحياء. ثالثاً: أن ذلك غيبة. • ما الجمع بين ما جاء في الصحيحين من حديث أنس قال: (مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شراً، فقال النبي ﷺ : وجبت وجبت وجبت … فلما سئل الرسول -صلى الله عليه وس لم- عن ذلك قال: من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار) وحديث الباب؟ الجمع: أ-أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شراً كان مشهورً بنفاق أو نحوه. [قاله النووي] وقيل: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. وقيل: يكون النهي العام متأخراً فيكون ناسخاً، وهذا ضعيف. الاثنين: ٢٤/ ٥/ ١٤٣٣ هـ

стр. 1044

كِتَابُ اَلزَّكَاةُ مقدمة: تعريفها لغة: النماء والزيادة. وشرعاً: هي نصيب مقدر شرعاً في مال معين يصرف لطائفة مخصوصة. وسميت زكاة: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، وتطهر نفس الغني من الشح والبخل، وتطهر نفس الفقير من الحسد والضغينة، وتسد حاجة الإسلام والمسلمين. كما قال تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). وقال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم. ومن حِكمِها: تطهير أصحاب الأموال من الشح والبخل، تقوية روابط المجتمع، تزيد المحبة والمودة بين أفراد المجتمع، وأيضاً فيها امتحان للنفس، لأن المال محبوب للنفس، والنفس تبخل به، إعانة الضعفاء وكفاية أصحاب الحاجة، وتكفر الخطايا وتدفع البلاء، ومجلبة للمحبة. • قال ابن قدامة: اعلم أن على مريد الآخرة في زكاته وظائف: الأولى: أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء: ابتلاء مدعي محبة الله بإخراج محبوبه، والتنزه عن صفة البخل، وشكر نعمة المال. الوظيفة الثانية: الإسرار بإخراجها لكونه أبعد من الرياء والسمعة. الوظيفة الثالثة: أن لا يفسدها بالمن والأذى. الوظيفة الرابعة: أن يستصغر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به. الوظيفة الخامسة: أن ينتقي من ماله أجله وأجوده وأحبه إليه. الوظيفة السادسة: أن يطلب لصدقته من تزكو به. • مناسبة كتاب الزكاة بعد كتاب الصلاة لأربعة أسباب: أولاً: لأن الزكاة قرينة الصلاة في كثير من المواضع. ثانياً: لأنها تأتي بعد الصلاة في الأهمية. ثالثاً: شدة حاجة المكلف إليها. رابعاً: اقتداء بحديث ابن عمر (بني الإسلام على خمس … وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة … ). • وقد اختلف العلماء متى فرضت؟ فقيل: قبل الهجرة. لقوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) وهذه في سورة الأنعام وهي مكية. وقيل: بعد الهجرة. قال النووي: إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة. قال ابن حجر: وهو قول الأكثر. وهذا هو الراجح. قال ابن حجر: وإنما الذي وقع في السنة التاسعة بعث العمال. • عقوبة تارك الزكاة: عقوبة أخروية، وعقوبة دنيوية: العقوبة الأخروية: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - ثم يقول: أنا كنزك، أنا مالك) متفق عليه. [الشجاع] الحية الذكر. [الأقرع] الذي لا شعر له لكثرة سمه وطول عمره. [الزبيبتان] نقطتان سوداوان فوق العينين وهو أخبث الحيات. العقوبة الدنيوية: عن ابن عمر قال: قال رسول ﷺ ( … وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء) رواه ابن ماجه.

стр. 1045

٥٩٦ - عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى اَلْيَمَنِ … - فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ، وَفِيهِ: (أَنَّ اَللَّهَ قَدِ اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيّ. === • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذاً قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّكَ تَأْتِى قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَاب). (بعث معاذاً) قال الحافظ: كان بعثه سنة عشر قبل حج النبي ﷺ كما ذكره البخاري في أواخر المغازي، واتفقوا على أنه لم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها، (كرائم أموالهم) جمع كريمة، وهي خيار المال وأنفسه وأكثره ثمناً. • ما حكم الزكاة؟ واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). وقال تعالى (وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). وقال تعالى (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة … ) متفق عليه. ولحديث الباب (وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم) متفق عليه. وأجمع المسلمون على وجوبها، فمن جحد وجوبها وهو ممن عاش بين المسلمين فإنه كافر، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين. قال في المغني: وهي واجبة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أمته. • ما حكم تارك الزكاة؟ تارك الزكاة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يتركها جاحداً لوجوبها. فهذا كفر مخرج من الملة، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين. القسم الثاني: أن يتركها كسلاً وتهاوناً. فهذا فيه خلاف. والأرجح أنه لا يكفر، وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ لما ذكر عقوبة مانع الزكاة قال: ( … فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) رواه مسلم، فلو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة. (هل تؤخذ منه قهراً، سيأتي بحثها إن شاء الله).

стр. 1046

• هل يجوز صرف الزكاة لصنف واحد من أصناف الزكاة الثمانية؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يجوز ذلك. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ- لقوله تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). ب- ولحديث الباب ( … فترد على فقرائهم) والفقراء صنف واحد من الأصناف الثمانية. ج-ولأن النبي ﷺ (أمر بني زُرَيْق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر) رواه ابن خزيمة. د-وقال ﷺ لقَبِيصة (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها) رواه مسلم. القول الثاني: أنه يجب التعميم. وهذا مذهب الشافعي. لقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ … ). والصحيح القول الأول. • ما المراد بقوله (إِنَّ اَللَّهَ قَدِ اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ)؟ صدقة: أي زكاة. كقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء .. ) أي: الزكاة. • هل يجوز دفع الزكاة للغني؟ لا، لا يجوز دفع الزكاة لغني بكسب أو مال. قال ابن قدامة: ولا خلاف في هذا. أ-لقوله ﷺ (إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرةٍ سوي) رواه مسلم. ب-وعن عبيد بن عدي (أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر ورآهما جلْدَيْن فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) رواه أحمد. ج-وأيضاً لآية الصدقة (إنما الصدقات للفقراء .. ) فمفهومه أنها لا تحل لغني. د-ولأن أخذ الغني منها يمنع وصولها إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها وهو إغناء الفقراء بها. فائدة: ضابط الغنى: هو من يكون له كفاية على الدوام، إما بصناعة أو بكسب أو أجرة من عقار. • هل يجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر؟ - لا خلاف في مشروعية تفريق الزكاة في بلد المال الذي وجبت فيه الزكاة. - أيضاً لا خلاف في جواز نقلها إذا استغنى أهل بلد المال. واختلفوا في نقلها إذا لم يستغن أهل بلد المال؟ القول الأول: لا يجوز نقلها من بلد المال مطلقاً. وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية. أ- لحديث الباب (صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم). وجه الدلالة: أنه قيد الصرف بأن يكون في فقرائهم، وهو أمر يشعر باختصاص فقراء بلد المال به دون غيرهم، أي فقراء أهل اليمن. ب- وقالوا: إن زياد بن أبيه لما بعث عمران بن حصين ساعياً في الزكاة، فلما قدم عليه عمران، قال له: أين المال، قال عمران: أللمال بعثتني؟ ثم قال: أخذناها من حيث كنا نأخذها في عهد رسول الله ﷺ ووضعناه فيما كنا نضعه في عهد رسول الله ﷺ ، أي أنه صرفها في أهلها.

стр. 1047

القول الثاني: يجوز النقل للمصلحة الشرعية [كقرابة محتاجين، أو من هم أشد حاجة من أهل بلد المال] وهذا قول الحنفية، واختاره ابن تيمية. أ-واستدلوا بالعمومات (إنما الصدقات للفقراء … ) قالوا: إن الله لم يفرق بين فقراء وفقراء. ب-وبحديث معاذ ( … فترد في فقرائهم) قالوا المراد بالفقراء هنا فقراء المسلمين. ج-وبقوله ﷺ لقَبِيصة بن المخارق - وقد تحمل حمالة وقدم على النبي ﷺ يريد منه العون على هذه الحمالة - قاله له (أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) فدل على أن الصدقات تأتي إلى النبي ﷺ [هذا من أقوى الأدلة]. وهذا القول هو الصحيح. • لماذا الأفضل أن يفرقها في فقراء بلده؟ لأن في ذك فوائد: أنه أيسر، وأقل خوفاً، وأن أهل بلده أقرب الناس إليه والقريب له حق، وأيضاً أن فقراء بلده تتعلق أطماعهم به وبما عنده من المال، وأيضاً أنه إذا أعطى أهل بلده صار بينه وبينهم مودة ورحمة. • ما الأفضل أن يفرق زكاته بنفسه أو يوكل من يقوم بها؟ والأفضل أن يفرقها بنفسه. لينال أجر القيام بتفريقها، وليبرئ ذمته بيقين، ويدفع عن نفسه المذمة ولا سيما إذا كان غنياً مشهوراً، وربما ينال دعوة صادقة من فقير، وربما يعطيها للفقير وهو في وقت كربة فيتذكرها الفقير ويدعو له كل ما تذكره، لكن يجوز أن يوكل من يدفعها عنه. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - مشروعية بعث السعاة. - فضيلة معاذ، حيث بعثه رسول الله ﷺ قاضياً ومعلماً، وفضائل معاذ كثيرة: قال له الرسول ﷺ (إني أحبك في الله) رواه أبو داود. وقال الرسول ﷺ (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ) رواه الترمذي. أن الرسول ﷺ خصه ببعض العلم دون بقية الصحابة، كحديث (هل تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله … أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً). - أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة. - أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها، إما بنفسه، وإما بنائبه. - يحرم على العامل في الزكاة أخذ كرائم المال، ويحرم على صاحب المال إخراج شرار المال، بل يخرج الوسط، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز. - يحرم دفع الزكاة لكافر إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم.

стр. 1048

٥٩٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اَلصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَه (هَذِهِ فَرِيضَةُ اَلصَّدَقَةِ اَلَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى اَلْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّتِي أَمَرَ اَللَّهُ بِهَا رَسُولَهِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ اَلْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا اَلْغَنَمِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَر، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُون أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ اَلْجَمَل فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَة فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا اَلْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ اَلْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي صَدَقَةِ اَلْغَنَمِ سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاة شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاه فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ اَلرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاة شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ اَلصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي اَلصَّدَقَةِ هَرِمَة وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اَلْمُصَّدِّقُ، وَفِي اَلرِّقَة رُبُعُ اَلْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ اَلْإِبِلِ صَدَقَةُ اَلْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ اَلْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اِسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ اَلْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ اَلْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ اَلْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ اَلْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ اَلْمُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ - رَوَاهُ اَلْبُخَارِيِّ. === (بِنْتُ مَخَاضٍ) هي التي أكملت السنة الأولى ودخلت في الثانية، وهي أقل سن يجزاء في زكاة الإبل. (بِنْتُ لَبُون) هي التي استكملت الثانية ودخلت في السنة الثالثة. (حِقَّةٌ) هي التي استكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل. (جَذَعَة) هي التي استكملت أربع سنين ودخلت في الخامسة. (اَلْمُصَّدِّقُ) قيل: بلفظ: المُصِّدّق، وقيل: بلفظ: المُصَدِّق. [وسيأتي بحث أيهما أرجح] • ما حكم الزكاة في بهيمة الأنعام؟ واجبة. أ-عن أَبَي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالإِبِلُ قَالَ «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنَهَا فَصِيلاً وَاحِداً تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَ «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئاً لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّار) رواه مسلم.

стр. 1049

قال النووي: هو أصح حديث في زكاة البقر. قال ابن قدامة: فلا أعلم خلافاً في وجوب الزكاة في البقر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما لم يذكر زكاة البقر في كتاب أبي بكر، لقلة البقر في الحجاز، فلما بعث معاذاً إلى اليمن ذكر له حكم البقر لوجودها عندهم. ب-وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اَلْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً) رواه أهل السنن. ب- ولحديث الباب. • اذكر شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام؟ تجب الزكاة في بهيمة بشروط: الأول: أن تكون سائمة. (ترعى أكثر الحول). أ- لحديث الباب وفيه (وَفِي صَدَقَةِ اَلْغَنَمِ سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) ب-ولحديث بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا … ) رواه أبو داود. فذكْر السوم في الحديث يدل بمفهومه على أن المعلوفة لا زكاة فيها، لأن ذكْر السوم لا بد له من فائدة يعتد بها، صيانة لكلام الشارع عن اللغو. فلا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام إلا إذا كانت سائمة أكثر الحول ترعى الكلأ المباح، بأن ترعى سبعة أشهر - مثلاً - ويعلفها خمسة أشهر، واعتبر الأكثر، لأن له حكم الكل، وهذا بخلاف المعلوفة فلا زكاة فيها، لأنها تكثر مؤنتها، فيشق على النفوس إخراج الزكاة منها، بخلاف السائمة. وقد ذكر العلماء أنها إذا كانت ترعى أكثر الحول فهي سائمة. مثال: شخص عنده أغنام، ثمانية أشهر لا يعلفها [في البر] وأربعة أشهر يعلفها، فهذه زكاتها زكاة بهيمة الأنعام. الثاني: أن تبلغ نصاباً. لحديث الباب. الثالث: مضي عام كامل. • متى تجب الزكاة في الإبل؟ تجب إذا بلغت خمساً، فمن عنده أقل من خمس لا زكاة فيها. أ-لحديث الباب. ب-ولقوله ﷺ (وليس فيما دون خمس ذوْدِ صدقة) متفق عليه.

стр. 1050

• اذكر جدول نصاب الإبل من ٥ - ١٢٠؟ نصاب الإبل من ٥ - ١٢٠ كالتالي: ٥ - ٩: شاة واحدة. ١٠ - ١٤: شاتين. ١٥ - ١٩: ٣ شياه. ٢٠ - ٢٤: ٤ شياه. ٢٥ - ٣٥: بنت مخاض. (تم لها سنة ودخلت في الثانية). ٣٦ - ٤٥ بنت لبون. ٤٦ - ٦٠ حِقة. ٦١ - ٧٥ جذعة. [٧٦ - ٩٠] ٢ بنتا لبون. [٩١ - ١٢٠] حقتان. • كم يكون النصاب من بعد ١٢٠؟ بعد: ١٢٠، في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون. ١٣٠: فيها حقة واحدة وبنتا لبون. ١٥٠: فيها ٣ حقاق. بنت اللبون: هي أنثى الإبل تمت لها سنتان وسميت بذلك لأن أمها قد ولدت وأصبحت ذات لبن غالباً. بنت مخاض: أنثى الإبل ولها سنة واحدة، وسميت بذلك لأن الغالب أن أمها حامل. حقة: الأنثى لها ثلاث سنوات سميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل. جذعة: أنثى الإبل وتمت لها: ٤ سنوات. • متى يبدأ نصاب الغنم؟ نصاب الغنم يبدأ من أربعين، فمن عنده أقل من [٤٠] لا زكاة فيها إلا أن يشاء ربها. ففي حديث الباب (وَفِي صَدَقَةِ اَلْغَنَمِ سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ). • لماذا قال في الغنم (وَفِي صَدَقَةِ اَلْغَنَمِ سَائِمَتِهَا .... ) ولم يذكر السوم في الإبل؟ الجواب من وجوه: أولاً: أنه ذكر في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده كما تقدم (فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ … ). ثانياً: أن عدم الذكر ليس ذِكراً للعدم. ثالثاً: قياساً على الغنم. رابعاً: ولأن الإبل غالباً لا تكون إلا سائمة.

стр. 1051

• اذكر نصاب الغنم؟ ٤٠ - ١٢٠: شاة. (الوقص: ٨٠). ١٢١ - ٢٠٠: شاتان. (الوقص: ٨٠). ٢٠١ - ٣٩٩: ثلاث شياه. (الوقص: ١٩٨، وهذا أعلى وقص بالنسبة للغنم). ثم في كل (١٠٠) شاة، فمثلاً: ٤٠٠ - ٤٩٩ أربع شياه، ٥٠٠ - ٥٩٩ خمس شياه. • اذكر بعض الأحكام التي تختلف فيها سائمة بهيمة الأنعام عن بقية الأموال الزكوية؟ الأول: أن أنصابها مقدرة ابتداء وانتهاء. الثاني: أنه لا شيء في الوقص. (الوقص هو ما بين الفرضين). الثالث: أنه إذا فرّقها مسافة قصر فأكثر - لا فراراً من الزكاة - فلكل مكانٍ حكم منفرد. رابعاً: أن الخلطة تؤثر فيها بخلاف غيرها. • عرف الحيلة؟ الحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة. • ما حكم الحيل؟ حرام. أ- قوله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فقد مسخ الله تلك القرية قردة لما تحايلوا على ارتكاب المحرم. ب- أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم بما بلاهم به في سورة (القلم) وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفاً وهو نائمون فأصبحت كالصريم، وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين، بأن يصرموها مصبحين، قبل مجيء المساكين، فكان في ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده. ج-لقوله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل). د-ولأن المتحيل فيه نوع استهزاء بالله تعالى. • كم مفسدة ارتكب المتحايل؟ كل من تحيل لارتكاب محرم [إما بإسقاط واجب أو فعل محرم] فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: مفسدة التحايل. الثانية: مفسدة فعل المحرم. • اذكر الحيلة التي تؤدي إلى إسقاط الزكاة؟ في حديث الباب (وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ اَلصَّدَقَةِ). مثال: شخص عنده [٤٠] شاة، فلما علم بقدوم المصدق فرقها، جعل [٢٠] في جهة، و [٢٠] في جهة، فهذا أمر محرم، لأنه فرق من أجل الهروب من الزكاة. مثال آخر: ثلاث أشخاص عند كل واحد [٤٠] شاة، تجب على كل واحد شاة، فلما علموا بقدوم المصدق، جمعوها في مكان واحد، من أجل أن يكون فيها شاة واحدة، لأنه يصير مجموعها [١٢٠]، فعلوا ذلك حيلة للتخلص من الزكاة، فهذا أمر محرم. مثال آخر: رجل عنده (٤٠) شاة في مكة وهذه فيها شاة، و (٤٠) في المدينة وهذه فيها شاة، فقام هذا الرجل وجمعهما في مكان واحد، ليكون فيهما شاة واحدة، فهذا لا يجوز.

стр. 1052

• ما الحكم لو كان مال الرجل نفسه متفرق:، مثال: شخص عنده (٢٠) شاة في رفحاء، و (٢٠) شاة في الرياض؟ الصحيح أن عليه الزكاة. لأن المالك واحد. • هل الخلطة مؤثرة في بهيمة الأنعام؟ نعم. لقوله (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّة). أي: أن الخلطة مؤثرة وتجعل المالين مال واحد. مثال: عندي غنم، وأنت عندك غنم، والثالث عنده غنم، والرابع عنده غنم، وخلطناها جميعاً، فتجعل المالين كالمال الواحد، لكن تكون الخلطة مؤثرة بشروط: الشرط الأول: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة (بأن يكونا مسلمين حرين، فلو كان أحدهما مسلم والآخر ذمي، فإنه لا أثر لخلطة غير المسلم، لأن الزكاة غير واجبة على الذمي أصلاً). الشرط الثاني: أن يختلطا في نصاب، بأن يكون مجموع ماليهما يبلغ نصاباً (كأربعين من الغنم). الشرط الثالث: أن تكون الخلطة في السائمة (وهذا المشهور من مذهب الحنابلة) فلو اختلطا في زرع أو في عروض أو أثمان فإنه لا أثر لهذه الخلطة. الشرط الرابع: أن يختلطا في الأوصاف التي ذكرها العلماء، وهي: الاشتراك في الفحل: أي فحل المالين واحد، فلو كان مال زيد له فحل ومال عمرو له فحل فالخلطة غير مؤثرة. الاتفاق في المسرح: أي يسرحن جميعاً ويرجعن جميعاً. المحلب: أي المكان الذي تحلب فيه يكون واحداً. المرعى: أي يكون المرعى لها جميعاً فليس غنم هذا في شعبة الوادي الشرقية، والثاني في الشعبة الغربية. المراح: أي يكون المراح جميعاً، فلا يكون غنمي لها مراح وحدها، وغنمك لها مراح وحدها. فهذه إذا اشتركت في هذه الأشياء الخمسة، فإن الخلطة هنا تصير المالين كالمال الواحد، وأما إذا تميز مال كل منهما عن الآخر في شيء من هذه الأوصاف فإنه لا يحصل تمام الارتفاق، وإذا لم يحصل تمام الارتفاق فإنه لا يكون مالهما كالمال الواحد. الشرط الخامس: أن يختلطا في جميع الحول - وهذا الشرط بالإجماع - فلو اختلطا في بعض الحول أو افترقا في بعض الحول فإنه لا أثر لهذه الخُلطة، لأن إيجاب الزكاة معلقة بالخلطة، فإذا عدمت الخلطة عدِم وجوب الزكاة، وإذا عدم في بعض الحول سقطت الزكاة. • هل الخلطة مؤثرة في غير بهيمة الأنعام؟ جمهور العلماء أن الخلطة مؤثرة في بهيمة الأنعام فقط، فلا تأثير للخلطة في غيرها من الأموال. وذهب بعض العلماء إلى أن الخلطة تؤثر في جميع الأموال الزكوية، فلو خلط شخصان ماليهما - ومال كل واحد منهما لا يبلغ نصاباً - لكنهما يبلغان نصاباً إذا اجتمعا، فإن الخلطة تكون مؤثرة وتجب الزكاة على هذا القول، قياساً على السائمة بجامع الارتفاق. وقيل: إن الخلطة مؤثرة في الأموال الظاهرة (كالحبوب والثمار والماشية) لأن السعاة كانوا يخرصون الثمر والحبوب دون استفصال. والصحيح قول الجمهور. • ما معنى قوله (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ)؟ أن المصدق (الساعي) إذا أخذ الصدقة من أحد الخليطين فإنه يرجع على صاحبه بالقدر الذي وجب عليه.

стр. 1053

• ما حكم إخراج الهرمِة في الزكاة وذات العَوار؟ لا يجوز إخراج الهرمة (وهي المسنة التي سقطت أسنانها من الكبَر). ولا ذات العَوَار، وهي المريضة المعيبة. جاء في رواية [ولا تيْس إلا أن يشاء ربها]. الذكر من المعز. • اذكر بعض المواضع التي يخرج فيها في سائمة بهية الأنعام الذَّكَر؟ الأصل في الواجب الذي يخرج من بهيمة الأنعام أن يكون أنثى، لكن يخرج الذكر في مواضع: الأول: التيس (تيس الضراب) إذا رضي ربه. الثاني: التبيع في الثلاثين من البقر. الثالث: ابن اللبون عن بنت المخاض إذا لم تكن عنده. الرابع: إذا كان النصاب كله ذكوراً. • ما المراد بالمصدق في قوله (إلا أن يشاء المصدق)؟ وعلى ماذا تعود هذه الجملة؟ هذه الجملة (إلا أن يشاء المصدق) عائدة على الجملة الأخيرة وهي قوله (ولا تيس). وأما قوله (المصدق) فقد اختلف العلماء في ضبطها: الأكثر على أن اللفظ الأول: بتشديد الصاد وتشديد الدال. والمراد به: المُزَكِّي، (مالك الماشية). يكون المعنى: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلاً، ولا يؤخذ تيس إلا برضا المالك. وعلى اللفظ الثاني: تخفيف الصاد وتشديد الدال، المصَدّق (هو آخذ الصدقة: الساعي والعامل). ويكون المعنى: لا تخرج الهرمة ولا ذات العوار إلا إذا رأى الساعي أن هذا فيه مصلحة للفقراء. الأقرب المعنى الثاني: المراد: المصَدّق (العامل) لأنه هو المناسب أن يجعل الأمر إليه، لأنه لو جعل الأمر موكول إلى صاحب المال ربما يجحف بالفقراء. • ما هو الجُبران؟ الجبران: هو دفع ما نقص أو رد ما زاد، وهو من خصائص زكاة الإبل. • لكل نوع من أنواع بهيمة الأنعام خصيصة اذكرها؟ زكاة الإبل: تختص بالجبران. زكاة البقرة: تختص بإجزاء الذكَر، في الثلاثين وما تكرر منها. (في الثلاثين: تبيع، وفي الستين: تبيعان). زكاة الغنم: تختص بإجزاء الصغار إذا كان النصاب كله صغاراً. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - وجوب الزكاة في الفضة لقوله (وفي الرِقَة ربع العشر). - الحديث دليل على أن من وجب عليه سن معين وعَدِمَه، فهو مخير، بين أن يرقى ويعطى جُبراناً، أو ينزل ويدفع هو جُبراناً. الجُبران كما ورد في الحديث: شاتان إن استيسرتا أو عشرين درهماً. إن نزل: وجبت عليه حِقة، فقال ليس عندي حقة لكن عندي بنت لبون، فله أن يدفع بنت لبون ويدفع الجبران، يعطي الساعي: شاتين أو عشرين درهماً. - حكمة الشرع في التقدير والإيجاب، حيث لم يوجب فيما دون خمس من الإبل شيئاً. - تحريم الحيل المفضية إلى إسقاط الزكاة أو تنقيصها.

стр. 1054

٥٩٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اَلْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مُعَافِرَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَأَشَارَ إِلَى اِخْتِلَافٍ فِي وَصْلِهِ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. === النبي ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اَلْيَمَن) أي: أرسله عاملاً على الزكاة وغيرها. (تَبِيعًا) وهو الذي أتم الحول الأول ودخل في الثاني، والأنثى تبيعة، وسمي تبيعاً لأنه لا يزال يتبع أمه. (مُسِنَّةً) وهي التي أتمت السنة الثانية ودخلت في الثالثة. (حَالِمٍ) فسره أبو داود بالمحتلم، والمراد به أخذ الجزية ممن لم يسلم. (دينار) يقدر بوزن: ٧٢ حبة شعير. (أو عَدْلَه) ما يقابل الشيء ويوازنه. (مَعافِر) على وزن مساجد، المراد من الثياب المعافرية كما فسره أبو داود بذلك، نسبة إلى حي بن همدان والمعنى الذي لم يسلم يدفع ديناراً، أو ما يقابل الدينار من ثياب اليمن. • ما صحة حديث الباب؟ الحديث جاء من طريق الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ … ، والحديث مختلف فيه فرجح بعض العلماء إرساله كالترمذي والدارقطني، وقد أخرجه مرسلاً ابن أبي شيبة، ورجح الوصل جماعة من العلماء، لأنها رواية جماعة من الحفاظ ووقع خلاف في سماع مسروق من معاذ، والراجح إثبات سماعه. والحديث صححه الألباني. • على ماذا يدل حديث الباب؟ يدل على وجوب الزكاة في البقر، وهذا ثابت بالسنة والإجماع. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها … ). قال النووي: هو أصح حديث في زكاة البقر. قال ابن قدامة: فلا أعلم خلافاً في وجوب الزكاة في البقر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما لم يذكر زكاة البقر في كتاب أبي بكر، لقلة البقر في الحجاز، فلما بعث معاذاً إلى اليمن ذكر له حكم البقر لوجودها عندهم. • متى يبدأ نصاب البقر؟ الحديث يدل على أن نصاب البقر يبدأ من ثلاثين بقرة، فلا زكاة فيما أقل من ذلك. قال ابن قدامة: ولا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر، وهو قول جمهور الفقهاء. • اذكر جدول نصاب البقرة؟ أن في كل ثلاثين بقرة: تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين: مسنة. مثال: ٣٠: تبيع أو تبيعة … ٤٠: مسنة ٦٠: تبيعان … ٧٠: مسنة وتبيعة ٨٠: مسنتان … وهكذا ..... • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - إثبات الجزية، وهي: مال يؤخذ من الكفار على وجه الصغار كل عام بدلاً عن قتلهم وإقامتهم في دارنا. - أن من دون البلوغ لا جزية عليه لقوله (من كل حالم) لأنه ليس أهلاً للقتال. - اختلف العلماء ممن تؤخذ الجزية، فقيل: تؤخذ من كل كافر، وقيل: لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب أو من لهم شبهة كتاب كالمجوس. (وستأتي المسألة إن شاء الله). - اختلف العلماء في مقدار الجزية، فقيل: غير مقدرة وإنما يرجع لاجتهاد الإمام، وهذا هو الصحيح، وقيل: إنها مقدرة لا يزاد عليه، لحديث الباب، وقيل: إنها أقلها مقدر (لا تنقص عن دينار) وأكثرها غير مقدر.

стр. 1055

٥٩٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ اَلْمُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ) رَوَاهُ أَحْمَد. ٦٠٠ - وَلِأَبِي دَاوُدَ: (وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ). === (تُؤْخَذُ) والآخذ هو الساعي. (عَلَى مِيَاهِهِمْ) المياه جمع ماء، والمراد به مواردهم التي ينزلون عليها. (دُورِهِمْ) منازلهم التي يسكنون بها. • ما صحة حديث الباب؟ - الحديث حسن، في إسناده إسامة بن زيد الليثي متكلم فيه، لكنه حسن الحديث، وأما سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [عبد الله بن عمرو] فهي من قبيل الحسن على القول الصحيح - وأما حديث أبي داود فقد أخرجه من طريق ابن إسحق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهذا سند حسن، لوجود محمد بن إسحاق، وأيضاً صرح بالتحديث عند أحمد. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن المصدق [العامل على الزكاة] هو الذي يأتي للصدقات ويأخذها على مياه أهلها، لأن ذلك أسهل لهم. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - مراعاة التيسير على أهل الزكاة. - مشروعية بعث السعاة. - أن صاحب المال لا يكلف أن يأتي بصدقته لبيت المال.
следующие страницы →