← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

• بما أجاب من منع عن أدلة من أجاز؟ أجاب عن الحنفية حديث (لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ): أولاً: أنه محمول على الغسل تسبباً، فمعنى قوله (غسلتك) أي: قمت بأسباب غسلك كما يقال بني الأمير داراً. ثانياً: أنه يحتمل أنه كان مخصوصاً بأنه لا ينقطع نكاحه بعد الموت. وأجابوا عن أثر علي في تغسيله فاطمة: بأنه خاص بعلي، لأن فاطمة زوجته في الدنيا والآخرة فجاز له غسلها دون غيره. وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه لو بقيت الزوجية لما تزوج بنت أختها أمامة بنت زينب بعد موتها. • ما حكم تغسيل الزوجة لزوجها بعد وفاته؟ جائز في قول عامة أهل العلم. وقد نقل ابن المنذر الإجماع، أن الأمة أجمعت أن للمرأة غسل زوجها. أ- لحديث عائشة (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه) رواه أبو داود. قال البيهقي: فتلهفت على ذلك، ولا يتلهف إلا على ما يجوز. ب- وأوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس. فقد روى الإمام مالك في الموطأ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ (أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حِينَ تُوُفِّيَ ثُمَّ خَرَجَتْ فَسَأَلَتْ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَتْ إِنِّي صَائِمَةٌ وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ فَقَالُوا لا). قال صاحب المنتقى على شرح الموطَّأ في هذا الحديث: يدل على جواز غسل المرأة زوجها بعد وفاته، لأن هذا كان بحضرة جماعة من الصحابة … لا سيما أن أبا بكر أوصى بذلك ولم يعلم له مخالف من الصحابة فثبت أنه إجماع. فائدة: إذا توفيت الزوجة في أثناء عدة الطلاق، فإن كان الطلاق رجعياً جاز للزوج أن يغسلها، وكذا لو مات الزوج بعد أن طلقها طلاقاً رجعياً فلها أن تغسله؛ لأن المطلقة طلاقاً رجعياً في حكم الزوجات، فلها ما للزوجات وعليها ما على الزوجات. قال ابن قدامة ﵀: "فإن طلق امرأته، ثم مات أحدهما في العدة، وكان الطلاق رجعياً، فحكمهما حكم الزوجين قبل الطلاق; لأنها زوجة تعتد للوفاة، وترثه ويرثها، ويباح له وطؤها. (المغني). فإن كان الطلاق على عوض أو استكملت الطلقات الثلاث، لم يجز لأحدهما غسل الآخر؛ لانقطاع علائق الزوجية. قال ابن قدامة ﵀: "وإن كان بائناً لم يجز؛ لأن اللمس والنظر محرم حال الحياة، فبعد الموت أولى. (المغني). قال ابن عبد البر ﵀: وأجمعوا على أن المطلقة المبتوتة لا تغسل زوجها إن مات في عدتها. وقال النووي ﵀: واتفقوا على أنه لا يُغسل البائن.

стр. 982

٥٤٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ اَلَّتِي أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي اَلزِّنَا- قَالَ (ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عَنْ أبريدة. قَالَ ( … فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي. وَإِنَّهُ رَدَّهَا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى. قَالَ «إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي». فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ. قَالَ «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ». فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ. فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ «مَهْلاً يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ». ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ). وهذا الحديث رواه مسلم وفي إسناده بُشيْر بن المهاجر، وهو لين الحديث، وخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول، وقد خولف في هذا الخبر، فروي الخبر من طريق آخر من غير ذكر قصة الصلاة عليها، وهذا هو المحفوظ. وفي الباب: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَي فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَىَّ فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا فَقَالَ «أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا». فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ تُصَلِّى عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى) رواه مسلم. • هل يصلى صلاة الجنازة على من أقيم الحد؟ نعم، يصلى عليه كغيره من المسلمين، لأنه مسلم. • هل الإمام يصلي عليه أم لا؟ قد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يصلي عليه الإمام. وهذا قول الجمهور، الشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. لحديث الباب (حديث عمران بن حصين). القول الثاني: لا يصلى على المرجوم. وهو قول مالك. لما رواه أبو داود من أبي برزة الأسلمي: (أن رسول الله ﷺ لم يصلّ على ماعزاً ولم ينه عن الصلاة) والراجح الأول.

стр. 983

قال النووي: وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَرْجُوم: فَكَرِهَهَا مَالِك وَأَحْمَد لِلْإِمَامِ وَلِأَهْلِ الْفَضْل دُون بَاقِي النَّاس، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْر الْإِمَام وَأَهْل الْفَضْل. وقَالَ الشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَام وَأَهْل الْفَضْل وَغَيْرهمْ، وَالْخِلَاف بَيْن الشَّافِعِيّ وَمَالِك إِنَّمَا هُوَ فِي الْإِمَام وَأَهْل الْفَضْل، وَأَمَّا غَيْرهمْ فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء، قَالُوا: فَيُصَلَّى عَلَى الْفُسَّاق وَالْمَقْتُولِينَ فِي الْحُدُود وَالْمُحَارَبَة وَغَيْرهمْ، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَا يُصَلِّي أَحَد عَلَى الْمَرْجُوم وَقَاتِل نَفْسه، وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يُصَلَّى عَلَى وَلَد الزِّنَا، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِهَذَا الْحَدِيث. وَفِيهِ دَلَالَة لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِمَام وَأَهْل الْفَضْل يُصَلُّونَ عَلَى الْمَرْجُوم كَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرهمْ، وَأَجَابَ أَصْحَاب مَالِك عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّهُمْ ضَعَّفُوا رِوَايَة الصَّلَاة لِكَوْنِ أَكْثَر الرُّوَاة لَمْ يَذْكُرُوهَا. وَالثَّانِي: تَأَوَّلُوهَا عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ أَوْ دَعَا فَسَمَّى صَلَاة عَلَى مُقْتَضَاهَا فِي اللُّغَة. وَهَذَانِ الْجَوَابَانِ فَاسِدَانِ؛ أَمَّا الْأَوَّل فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة ثَابِتَة فِي الصَّحِيح، وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة. وَأَمَّا الثَّانِي فَهَذَا التَّأْوِيل مَرْدُود لِأَنَّ التَّأْوِيل إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِذَا اِضْطَرَبَتْ الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة إِلَى اِرْتِكَابه، وَلَيْسَ هُنَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِره. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - مشروعية الرجم. [وسيأتي في كتاب الحدود إن شاء الله أدلته ومباحثه]. - وجوب إقامة الحدود. - عدم كفر الزانية. - الرد على الخوارج الذين يكفرون بكبائر الذنوب. - أن التوبة تجب ما قبلها. - فضل التوبة إلى الله. - أن الإقرار يعتبر دليلاً لإقامة الحد. - سعة رحمة الله.

стр. 984

٥٥٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ (أُتِيَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ === (بِمَشَاقِصَ) المشاقص سهام عراض. (فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) وعند النسائي بلفظ (أما أنا فلا أصلي عليه). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن قاتل نفسه لا يصلي عليه الإمام. لعصيانه بهذا الفعل. وليكون ردعاً بغيره. قيل: يحرم. وقيل: يكره. ومثل الإمام من هو قدوة للناس، أو من أهل العلم، فإنهم لا يصلون عليه ردعاً لغيره. قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي. وقال الحسن، والنخعى، وقتادة، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي وجماهير العلماء يصلى عليه. وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي ﷺ الصلاة في أول الأمر على من عليه ديْن زجراً لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال ﷺ : صلوا على صاحبكم. • ما رأيك بقول القرطبي (لعل هذا القاتل لنفسه كان مستحلاً لقتل نفسه، فمات كافراً فلم يصل عليه لذلك)؟ هذا قول مردود، لقوله ﷺ في رواية النسائي (أما أنا فلا أصلي عليه) والتقدير: وأما أنتم فصلوا عليه، لأن (أما) للتفصيل، فيكون المراد تفصيل حال المصلين عليه بين من لا يصلي، وهو النبي ﷺ ، وبين من يصلي، وهم الصحابة، فدل على أنه مسلم ليس بكافر، وأما تركه ﷺ الصلاة عليه مع كونه مسلماً، زجراً لغيره لئلا يتجاسروا بقتل أنفسهم. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن فاعل الكبيرة غير كافر. - الرد على الخوارج الذين يكفرون بكبائر الذنوب.

стр. 985

٥٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ اَلْمَرْأَةِ اَلَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ اَلْمَسْجِدَ- قَالَ: فَسَأَلَ عَنْهَا اَلنَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: (أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي" فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا"، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ قَالَ (إِنَّ هَذِهِ اَلْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اَللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ). === • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - أَوْ شَابًّا - فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا - أَوْ عَنْهُ - فَقَالُوا مَاتَ. قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي، قَالَ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا - أَوْ أَمْرَهُ - فَقَالَ «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ». فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ (إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِم). (أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) وجاء عند البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن بريدة عن أبيه فسماها: (أم محجن) وجاء في رواية (أن رجلاً أسود، أو امرأة سوداء) والراجح أنها امرأة سوداء، لرواية البخاري: (أن امرأة أو رجلاً كانت تقم المسجد، ولا أُرَاه إلا امرأة) فقد ترجح عند الراوي أنه امرأة. (تَقُمُّ الْمَسْجِدَ) جاء عند ابن خزيمة (كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد). (أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) أي: أعلمتموني بموتها حتى أصلي عليه. (فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا) جاء عند ابن خزيمة (قالوا: مات من الليل، فكرهنا أن نوقظك). (فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ) عند البخاري (أو قال: قبرها). (فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا) وللبخاري (فأتى قبرها فصلي عليها). • ما حكم الصلاة على الميت بعد دفنه (أي على القبر)؟ استدل بالحديث من قال بجواز الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت. وهذا مذهب جماهير العلماء. لورود ذلك في أحاديث، منها: - تعظيم خطر قتل النفس. - عدم كفر قاتل نفسه. أ- حديث الباب. ب-وعن ابن عباس (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعاً) متفق عليه. ج- وعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ) رواه مسلم. د- وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلا، فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَفَلا آذَنْتُمُونِي!؟ قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ) رواه البخاري. هـ- وعن يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: (أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى قَبْرًا جَدِيدًا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ فُلانَةُ، مَوْلاةُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَاتَتْ ظُهْرًا وَأَنْتَ نَائِمٌ قَائِلٌ (أي: في القيلولة) فَلَمْ نُحِبَّ أَنْ نُوقِظَكَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: لا يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلا آذَنْتُمُونِي بِهِ؛ فَإِنَّ صَلاتِي لَهُ رَحْمَةٌ) رواه النسائي وحسنه ابن عبد البر في التمهيد، وصححه الألباني في صحيح النسائي. د-عن سعيد بن المسيب (أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر) رواه الترمذي وهو مرسل. وقد روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣/ ٢٣٩) مجموعة من الآثار عن الصحابة والتابعين ممن صلوا على القبور بعد الدفن: منهم عائشة ﵂ حين صلت على قبر أخيها عبد الرحمن، وابن عمر صلى على قبر أخيه عاصم، وسليمان بن ربيعة وابن سيرين وغيرهم. وكذلك ذكره ابن حزم في "المحلى" (٣/ ٣٦٦) عن أنس وعلي وابن مسعود ﵃ جميعا. قال الإمام أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر، يروى عن النبي ﷺ من ستة وجوه كلها حسان.

стр. 986

• اذكر خلاف العلماء في المدة التي إليها يصلى على القبر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: يصلى عليها على شهر، ولا يصلى عليها بعد شهر. وهذا مذهب الحنابلة. قال أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبي ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. أ-واستدلوا بمرسل سعيد بن المسيب السابق. قال أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبي ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. ب-قالوا: ولأن الشهر مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها، فجاز الصلاة عليه فيها. القول الثاني: أنه يصلى على الميت في القبر ما لم يبل جسده ويتحقق تمزقه وذهابه. ودليل هؤلاء: القياس على ما لو كان الميت خارج القبر على وجه الأرض. القول الثالث: أن يصلى على الميت في القبر إلى ثلاثة أيام. وهذا مذهب أبي حنيفة. واستدل هؤلاء بأن الصحابة كانوا يصلون على النبي ﷺ إلى ثلاثة أيام. القول الرابع: أن الصلاة على القبر تكون لكل من كان من أهل فرض الصلاة على الميت عند موته. وهذا هو الأرجح عند جمهور الشافعية. القول الخامس: أن الصلاة على القبر جائزة أبداً. وهذا وجه عند الشافعية، وإليه ذهب ابن عقيل من الحنابلة والظاهرية. واستدل هؤلاء بحديث عقبة بن عامر قال (صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحُد بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات … ) متفق عليه. وبوب أبو داود على هذا الحديث فقال: باب الميت يصلى على قبره بعد حين. قال ابن القيم: وتبويب أبي داود، وذكره هذا الحديث يدل على أن ذلك لا يتقيد عنده بوقت لا شهر ولا غيره ..... وهذا هو الصحيح، فالصلاة على القبر ليس لها مدة معينة أو حد معين لا تصح الصلاة بعده، وذلك لأنه لا يصح في الدلالة على التحديد شيء من النصوص. قال ابن حزم: أما أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام فخطأ لا يشكل، لأنه تحديد بلا دليل. (انتهى). لكن القبور القديمة التي لها سنين عديدة لا يُصلى عليها، وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على ذلك، بل إن ما قدم عهده من القبور تكره الصلاة عليه، لأنه لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم صلوا على القبر إلا بحدثان ذلك.

стр. 987

* قال الشيخ ابن عثيمين: والصحيح أنه نصلي على القبر ولو بعد شهر، إلا أن بعض العلماء قيده بقيد حسن، قال: بشرط أن يكون هذا المدفون مات في زمن يكون فيه هذا المصلي أهلا للصلاة. مثال ذلك: رجل مات قبل عشرين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله ثلاثون سنة، فيصح؛ لأنه عندما مات كان للمصلي عشر سنوات، فهو من أهل الصلاة على الميت. مثال آخر: رجل مات قبل ثلاثين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله عشرون سنة ليصلي عليه، فلا يصح؛ لأن المصلي كان معدوما عندما مات الرجل، فليس من أهل الصلاة عليه. ومن ثَمَّ لا يشرع لنا نحن أن نصلي على قبر النبي ﷺ ، وما علمنا أن أحداً من الناس قال: إنه يشرع أن يصلي الإنسان على قبر النبي ﷺ أو على قبور الصحابة، لكن يقف ويدعو. • ما الجواب عن أدلة الأقوال الأخرى؟ أما دليل من حدد ذلك بشهر: فالجواب: بأن ما وقع من النبي ﷺ من صلاته على أم سعد بعد شهر إنما وقع اتفاقاً من غير قصد التحديد. قال ابن القيم: وَصَلَاته عَلَى أُمّ سَعْد بَعْد شَهْر لَا يَنْفِي الصَّلَاة بَعْد أَزْيَد مِنْهُ، وَكَوْن الْمَيِّت فِي الْغَالِب لَا يَبْقَى أَكْثَر مِنْ شَهْر لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ هَذَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَرْض، وَالْعِظَام تَبْقَى مُدَّة طَوِيلَة، وَلَا تَأْثِير لِتَمَزُّقِ اللُّحُوم. وأما الجواب عن دليل من حدد ما لم يبلى جسده ويتحقق تمزقه. فالجواب: بأن التحديد ببلى الميت لا يصح، بدليل أن النبي ﷺ لا يبلى ولا يصلى على قبره. ولأن بلى الميت يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وهو أمر لا يعلم ولا ينضبط، فلا بد أن يكون التقدير على أمر معلوم لا مجهول. وأما الجواب على من حدد ذلك بثلاثة أيام، وأن الصحابة كانوا يصلون على النبي ﷺ إلى ثلاثة أيام. فيقال: إن هذا الأثر لا يعلم صحته. وأيضاً قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قد صلى على القبر بعد شهر، وهذا يرد دعواهم. وأما ما استدل به أصحاب القول الأخير من صلاته ﷺ على شهداء أحد بعد ثماني سنوات، فالجواب: أن هذه الصلاة ليست هي الصلاة على الميت، ولو كانت هي الصلاة على الميت لم يؤخرها النبي ﷺ ثمان سنين هذا لا يصح، بل هذه الصلاة كالتوديع للأموات، وقد رجح هذا ابن القيم. قال النووي: إن هذه الصلاة لا يصح أن تكون صلاة الجنازة بالإجماع.

стр. 988

• ما حكم الصلاة على الجنازة في المقبرة؟ ذهب جمهور العلماء إلى جواز الصلاة على الجنازة في المقبرة. فهو قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية. أ- فعل النبي ﷺ . للأحاديث السابقة كحديث أبي هريرة (حديث الباب) وحديث ابن عباس وحديث أنس، فإن فيها فعل النبي ﷺ ، فإنه صلى على الميت في قبره وهو في المقبرة، وهذا الفعل من النبي ﷺ تخصيص للنهي عن الصلاة في المقبرة. قال ابن حزم - بعد أن ساق الآثار في النهي عن الصلاة في المقبرة وصلاته ﷺ على قبر المسكينة السوداء - قال: وكل هذه الآثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا، إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة. ب- فعل السلف الصالح من الصحابة والتابعين. فقد روى نافع قال (لقد صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع بين القبور، … وحضر ذلك ابن عمر) أخرجه عبد الرزاق. وقال ابن المنذر: وكان عمر بن عبد العزيز يفعل ذلك. وذهب الشافعية إلى كراهة ذلك استدلالاً بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في المقبرة. والراجح الأول. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - النهي عن احتقار المسلم، وقد قال ﷺ : (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم). رواه مسلم - استحباب كنس المساجد وتنظيفها، لأنها بيوت الله. - تفقد الإمام رعيته. - استحباب السؤال عن الخادم، لأن ذلك يدخل السرور عليه وعلى أهله. - تواضع النبي ﷺ . - أن العبرة بالإسلام هو بالإيمان والعمل الصالح لا بالأحساب والأنساب. - أن الدعاء ينفع الأموات في الصلاة وخارجها. - إثبات ظلمة القبر وتنويرها. - جواز إخبار أقرباء وأصدقاء الميت بوفاته. - الصلاة على الميت بعد ما دفن يكون لسبب، ولا يكون دائماً ولكل أحد. - جاء في حديث ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ انتهى إلى قبر فصلى عليه وصفوا خلفه … ). - فيؤخذ من هذا على جواز الصلاة على القبر ممن صلى عليها في المسجد. - أن من يصلي على القبر، يجعل القبر بينه وبين القبلة. - أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب.

стр. 989

٥٥٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ اَلنَّعْيِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. === • ما صحة حديث الباب؟ الحديث في إسناده حبيب بن سليم، وثقه ابن حبان، والحديث حسنه الحافظ ابن حجر، فالحديث لا بأس به. - الحديث له قصة: عن حذيفة قال (إذا مت فلا تؤذنوا بي إني أخاف أن يكون نعياً، سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي). • عرف النعي؟ النعي: هو الإخبار بموت الميت. قال الترمذي في جامعه ص (٢٣٩): والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته. وقال ابن الأثير في النهاية (٥/ ٨٥): نعى الميت إذا أذاع موته، وأخبر به، وإذا ندبه. وقال القليوبي في حاشيته (١/ ٣٤٥): وهو النداء بموت الشخص، وذكر مآثره ومفاخره. • ماذا نستفيد من حديث الباب؟ نستفيد: تحريم النعي، وهو الإخبار بموت الميت. لكن النعي المنهي عنه في الحديث: هو النعي الجاهلي من الإعلام بوفاة الميت على وجه التفاخر والتباهي، مثل الصياح على أبواب البيوت والأسواق. لأن النعي ينقسم إلى قسمين: الأول: نعي محرم. ودليله: حديث الباب. هو النعي الجاهلي من الإعلام بوفاة الميت على وجه التفاخر والتباهي، مثل الصياح على أبواب البيوت والأسواق. قال السندي في (حاشية ابن ماجه) كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُشْهِرُونَ الْمَوْت بِهَيْئَةِ كَرِيهَة، فَالنَّهْي مَحْمُول عَلَيْهِ، وَخَافَ حُذَيْفَة أَنْ يَكُون الْمُرَاد إِطْلاق النَّهْي، فَمَا سمِحَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ بَاب الْوَرَع، وَإِلا فَخَبَر الْمَوْت سِيَّمَا إِذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ كَتَكْثِيرِ الْجَمَاعَة جَائِز وقال الحافظ في الفتح: النَّعْي لَيْسَ مَمْنُوعًا كُلّه، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَمَّا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَصْنَعُونَهُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ مَنْ يُعْلِن بِخَبَرِ مَوْت الْمَيِّت عَلَى أَبْوَاب الدُّور وَالأَسْوَاق. وفي (تحفة الأحوذي) الظَّاهِرُ أَنَّ حُذَيْفَةَ ﵁ أَرَادَ بِالنَّعْيِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى مُطْلَقِ النَّعْيِ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّعْيِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّعْيُ الْمَعْرُوفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ: كَانَتْ الْعَرَبُ إِذَا مَاتَ فِيهَا مَيِّتٌ لَهُ قَدْرٌ رَكِبَ رَاكِبٌ فَرَسًا وَجَعَلَ يَسِيرُ فِي النَّاسِ وَيَقُولُ: نَعَاءِ فُلانٍ أَيْ أَنْعِيهِ وَأُظْهِرُ خَبَرَ وَفَاتِهِ، وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا لأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ، وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِمَوْتِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ حِينَ قُتِلُوا بِمُؤْتَةَ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ حِينَ أُخْبِرَ بِمَوْتِ السَّوْدَاءِ أَوْ الشَّابِّ الَّذِي كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ: أَلا آذَنْتُمُونِي. فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الإِعْلامِ بِالْمَوْتِ لا يَكُونُ نَعْيًا مُحَرَّمًا وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اِسْمُ النَّعْيِ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّعْيِ فِي قَوْلِهِ: (يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ) النَّعْيُ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الأَحَادِيثِ.

стр. 990

الثاني: نعي جائز. وهو الإخبار بموت الميت لحضور جنازته فهذا جائز، ويدل عليه: أ- حديث أبي هريرة الآتي (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَعَى اَلنَّجَاشِيَّ فِي اَلْيَوْمِ اَلَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ مِنَ الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا). ب- ولحديث أنس (فإن النبي ﷺ نعى الأمراء الثلاثة الذين استشهدوا وقال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب) متفق عليه. قال النووي: وفيه [أي حديث النجاشي] اِسْتِحْبَاب الإِعْلام بِالْمَيِّتِ لا عَلَى صُورَة نَعْي الْجَاهِلِيَّة، بَلْ مُجَرَّد إِعْلَام للصَّلَاة عَلَيْهِ وَتَشْيِيعه وَقَضَاء حَقّه فِي ذَلِكَ، وَاَلَّذِي جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْ النَّعْي لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ هَذَا، وَإِنَّمَا الْمُرَاد نَعْي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمِل عَلَى ذِكْر الْمَفَاخِر وَغَيْرهَا. وقال في المجموع: والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها، أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه، بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب، وإنما يكره ذكر المآثر، والمفاخر، والتطواف بين الناس يذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه، فقد صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز الغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين والله أعلم. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - النهي عن تقليد الجاهلية. قال تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى). وقال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ). وقال تعالى (يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة). وقال ﷺ ( … إنك امرؤ فيك جاهلية) متفق عليه. وقال ﷺ (أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونَهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) رواه مسلم. وقال ﷺ (إن الله أذهب عنكم عُبيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنوا آدم وآدم خلق من تراب، ليدعنّ رجال فخرهم بأقوامهم، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجعلان). رواه أبو داود وقال ﷺ (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) متفق عليه.

стр. 991

٥٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَعَى اَلنَّجَاشِيَّ فِي اَلْيَوْمِ اَلَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ مِنَ الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَعَى) النعي هو الإخبار بموت الميت. (اَلنَّجَاشِيَّ) هو أصحمه ملك الحبشة كان عبداً صالحاً. (وَخَرَجَ بِهِمْ مِنَ الْمُصَلَّى) أي: المكان الذي كان يصلي فيه على الجنازة. • متى مات النجاشي؟ في رجب سنة تسع من الهجرة. • ماذا نستفيد من قوله (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَعَى اَلنَّجَاشِيَّ)؟ جواز نعي الميت. والنعي ينقسم إلى قسمين، وقد تقدم ذلك. • ما حكم الصلاة على الميت الغائب؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها مشروعة مطلقاً. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد. قال النووي ﵀ في (المجموع) مذهبنا جواز الصلاة على الغائب عن البلد، ومنعها أبو حنيفة. دليلنا حديث النجاشي وهو صحيح لا مطعن فيه وليس لهم عنه جواب صحيح. (انتهى). لحديث الباب. قالوا: إن في صلاة النبي ﷺ على النجاشي وهو غائب دليلاً على مشروعية الصلاة على الغائب. القول الثاني: لا تشرع مطلقاً. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية. أ-قالوا: إنه توفي خلق كثير من أصحاب النبي ﷺ ومن أعز الناس عليه وهم غائبون في الأسفار، كما توفي في الحبشة، ولم يؤثر عنه ﷺ أنه صلى على أحد منهم. ب- أنه لم ينقل عن الصحابة في الأمصار أنهم صلوا على النبي ﷺ صلاة الغائب، كما توفي الخلفاء الراشدون من بعده، ولم ينقل عن المسلمين في الأمصار أنهم صلوا عليهم صلاة الغائب، وهذا دليل على عدم مشروعية الصلاة على الغائب. وأجابوا عن صلاة النبي ﷺ على النجاشي: أولاً: أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد. ثانياً: قالوا: إنه كشف له ﷺ حتى رآه، فيكون حكمه حكم الحاضرين بين يدي الإمام الذي لا يراه المؤمنون. قال ابن دقيق: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال. وقال النووي: وجوابه أنه لو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة في تلك القضية مع أنه لو كان شيء من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله. - حرص الصحابة عن الابتعاد عن كل ما نهى عنه الشرع، فهذا حذيفة قبل موته ينهى عن فعل أمور محرمة بعد موته.

стр. 992

ثالثاً: أن ذلك خاص بالنبي ﷺ . القول الثالث: إذا كان الغائب لم يصل عليه مثل النجاشي صلي عليه، وإن كان صلي عليه فقد سقط فرض الكفاية. جمعاً بين الأدلة. وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ورجحه ابن القيم وقال: لم يكن من هدي النبي وسنته الصلاة على كل ميت غائب فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيّب فلم يصل عليهم وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت. وقال الخطابي: لا يُصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس فيها من يصلي عليه. وترجم بذلك أبو داود في السنن فقال: باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر. وهذا القول هو الصحيح. فائدة: قال بعض العلماء: تشرع الصلاة على الغائب إذا كان له نفع للمسلمين، كعالم أو مجاهد أو غني نفع الناس بماله ونحو ذلك، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختارها الشيخ السعدي وبه أفتت اللجنة الدائمة. • ما كيفية الصلاة على الميت الغائب؟ كيفية الصلاة على الميت الغائب كطريقة الصلاة على الميت الحاضر. • ما الأفضل أن يصلى على الجنازة؟ أن الأفضل في الصلاة على الجنازة أن تكون في مصلى الجنائز كما كان الأمر على عهد الرسول ﷺ . أ-ففي حديث الباب ( … وَخَرَجَ بِهِمْ مِنَ الْمُصَلَّى). ب-وفي حديث ابن عمر (أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد) متفق عليه. • لكن ما حكم لو صلى على الجنازة في المسجد؟ قيل: يكره. وهذا مذهب المالكية، والحنفية. لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :) من صلى على الميت في المسجد فلا شيء له). رواه أبو داود وقيل: يجوز. لحديث عائشة قالت (ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد) رواه مسلم. وسيأتي مزيد بحث في حديث قادم إن شاء الله.

стр. 993

• ما عدد تكبيرات الجنائز؟ عدد تكبيرات الجنائز أربع تكبيرات، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء. قال الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع. قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع. واستدلوا: أ-لحديث الباب ( … وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب-وعن أبي وائل قال: (كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً، فجمع عمر أصحاب رسول الله ﷺ فأخذ كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات) رواه البيهقي وحسنه الحافظ. ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه بمرجحات: أولاً: أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عدداً ممن روى منهم الخمس. ثانياً: أنها في الصحيحين. ثالثاً: أنه أجمع على العمل بها الصحابة. رابعاً: أنها آخر ما وقع منه ﷺ كما في حديث ابن عباس بلفظ: (آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربع) لكنه ضعيف لا يصح كما قال البيهقي، والحافظ ابن حجر. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا بأس بالزيادة على ذلك. لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كبر خمساً كما في حديث زيد بن أرقم. فعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: (كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ (أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَصْلُهُ فِي "اَلْبُخَارِيِّ" وهذا القول هو الصحيح وخاصة إذا كان من أهل العلم والفضل، أو من كان له أثر كبير في الأمة، فلا مانع أن يكبر عليه خمساً أو ستاً. • هل يستحب أن تكون صلاة الجنازة صفوفاً؟ نعم. فقد جاء في حديث جابر عند البخاري (أن رسول الله ﷺ صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث). وفي رواية (قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهَلُّمَ فصلوا عليه، قال: فصففنا، فصلى النبي ﷺ عليه ونحن صفوف). قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث دلالة على أن للصفوف على الجنازة تأثيراً ولو كان الجمع كثيراً، لأن الظاهر أن الذين خرجوا معه ﷺ كانوا عددا كثيراً، وكان المصلى فضاء ولا يضيق بهم لو صفوا فيه صفا واحداً، ومع ذلك فقد صفهم، وهذا هو الذي فهمه مالك بن هبيرة الصحابي المقدم ذكره فكان يصف من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف سواء قلّوا أو كثروا.

стр. 994

• هل تصح صلاة الجنازة بغير طهارة؟ الصحيح - وهو قول أكثر العلماء - أن صلاة الجنازة لا تصح إلا بطهارة. لقوله ( … فصلوا عليه). قال النووي: وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة وهذا مذهب باطل وأجمع العلماء على خلافه. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ أ-وجوب الصلاة على الميت، وحكمها فرض كفاية. لحديث الباب، ولحديث زيد بن خالد ( … صلوا على صاحبكم). ب-فضيلة النجاشي واسمه أصحمة، وكان عبداً صالحاً، وقد مات على الإسلام، ويؤيد ذلك أن جاء النص الصريح عنه بتصديق نبوته ﷺ . قال أبو موسى (أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق إلى أرض الحبشة … وذكر القصة: ومنها: قال النجاشي: أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه) رواه أبو داود. ج-ثبوت آية للنبي ﷺ حيث أنه كشف عن موت النجاشي في نفس اليوم.

стр. 995

٥٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سَمِعْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمْ اَللَّهُ فِيهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (مَا مِنْ رَجُلٍ) خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأة مثله. (لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا) شيئاً: نكرة في سياق النفي، فيشمل الشرك الأكبر والأصغر. (إِلَّا شَفَّعَهُمْ اَللَّهُ فِيهِ) أي: قبل شفاعتهم. • ما حكم تكثير المصلين على الميت. مستحب، فكلما كثر الجمع كان أفضل وأنفع. أ- لحديث الباب. ب-وعن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) رواه مسلم. • ما الجمع بين حديث ابن عباس (فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا) وحديث عائشة (يبلغون مائة)؟ قال القرطبي: قيل: سبب هذا الاختلاف: اختلاف السؤال، وذلك أنه سئل مرَّة أخرى عمَّن صلّى عليه مائةٌ واستشفعوا له، فقال (شفعوا) وسئل مرَّة أخرى عمَّن صلّى عليه أربعون، فأجاب بذلك. ولو سئل عن أقلَّ من ذلك، لقال ذلك، والله أعلم؛ إذ قد يستجاب دعاء الواحد، ويقبل استشفاعه. وقد روي عنه ﷺ أنه قال (مَنْ صلّى عليه ثلاثة صفوف شُفِّعوا فيه)، ولعلهم يكونون أقلَّ من أربعين. وقال النووي: ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر بقبول شفاعة مائة، فأخبر به ثم بقبول شفاعة أربعين ثم ثلاث صفوف وإن قل عددهم فأخبر به، ويحتمل أيضاً أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين، فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك، وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذ كل الأحاديث معمول بها ويحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين. • ما شرط هذه الشفاعة للميت؟ يشترط عدم الشرك بالله، سواء الشرك الأكبر أو الأصغر. فالمشرك الأكبر لا تصح صلاته. والمشرك الأصغر لا تقبل شفاعته. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - فضل التوحيد بالله. - التحذير من الشرك. - أنه لو صلى على الميت أمة أكثر من الأربعين لكنهم فيهم شرك لم يحصل هذا الفضل الوارد في الحديث. - لا ينفع كثرة المصلين ما لم يكونوا متقين. - أن قلة المصلين مع التقوى والخشية وعدم الشرك أفضل. - إثبات الشفاعة للمؤمنين.

стр. 996

٥٥٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ (صَلَّيْتُ وَرَاءَ اَلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (عَلَى امْرَأَةٍ) جاء في رواية مسلم (صليت خلف النبي ﷺ ، وصلى على أُم كعْبٍ) (مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا) أي بسبب النفاس. (وَسْطَهَا) أي: قام محاذياً لوسطها. • ما السنة في وقوف الإمام من الميت؟ أن السنة إذا كان الميت امرأة أن يقف الإمام وسطها. لحديث الباب فهو نص. وأما الرجل فإنه يقف الإمام عند رأسه. لما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن نافع أبي غالب الخياط قال (شَهِدْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَلَمَّا رُفِعَ أُتِيَ بِجِنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَذِهِ جِنَازَةُ فُلَانَةَ ابْنَةِ فُلَانٍ، فَصَلِّ عَلَيْهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا فَقَامَ وَسَطَهَا، وَفِينَا الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْعَدَوِيُّ، فَلَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ قِيَامِهِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ الرَّجُلِ حَيْثُ قُمْتَ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ حَيْثُ قُمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا الْعَلَاءُ فَقَالَ: احْفَظُوا). وهناك أقوال أخرى لكنها ضعيفة: فقيل: يقف على وسط المرأة ووسط الرجل. استدلوا بحديث سمرة وقالوا: إنه نص في المرأة، ويقاس عليها الرجل. قال الشوكاني: ولم يصب من استدل بحديث سمرة على أنه يقام حذاء وسط الرجل والمرأة وقال: إنه نص في المرأة ويقاس عليها الرجل، لأن هذا قياس مصادم للنص، وهو فاسد الاعتبار. وقيل: يقف حذاء صدرهما. وقيل: حذاء الرأس منهما، هذا قول المالكية. وكل هذه الأقوال ضعيفة لا دليل عليها والحق ما سبق: أن يقوم عند وسط المرأة، وعلى رأس الرجل. قال النووي ﵀: السنة أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة بلا خلاف للحديث; ولأنه أبلغ في صيانتها عن الباقين وفي الرجل وجهان: الصحيح: باتفاق المصنفين، وقطع به كثيرون وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين أنه يقف، عند رأسه، والثاني: قاله أبو علي الطبري عند صدره … ، والصواب ما قدمته عن الجمهور، وهو عند رأسه ونقله القاضي حسين عن الأصحاب. (المجموع) وقال الشوكاني: وإلى ما يقتضيه هذان الحديثان ـ حديث سمرة، وأنس ﵄ من القيام عند رأس الرجل ووسط المرأة ذهب الشافعي وهو الحق. (نيل الأوطار).

стр. 997

• ما الحكم إذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء؟ إن كانوا نوعاً [كلهم رجال] قدم إلى الإمام أفضلهم. وإن كانوا رجالاً ونساء قدم الرجال على النساء. وهذا قول أكثر العلماء. فيجعل الرجال مما يلي الإمام ولو كانوا صغاراً. (ويجوز أن يصلي على كل واحدة من الجنائز صلاة لأنه الأصل). • كيف يوضعون للصلاة عليهم إذا كانوا رجالاً ونساءً؟ يضعون رأس الرجل بحذاء وسط المرأة. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - علل بعض العلماء حكمة وقوف الإمام وسط المرأة بأنه أستر لها من الناس [وفيه نظر]. - أن النفساء وإن حازت الشهادة كونها في نفاسها فيصلى عليها فلا تأخذ حكم شهيد المعركة، فسائر من يطلق عليهم اسم الشهيد كالمبطون، والنفساء وغيرهم فيغسلون إجماعاً ويصلى عليهم.

стр. 998

٥٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (وَاَللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى اِبْنَيْ بَيْضَاءَ فِي اَلْمَسْجِدِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (ابني البيضاء) قال النووي: قال العلماء: بنو البيضاء ثلاثة إخوة: سهل وسهيل وصفوان، وأمهم البيضاء، واسمها: دعد، والبيضاء وصف. • اذكر سبب قول عائشة هذا؟ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا تُوُفِّىَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَتِ ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّىَ عَلَيْهِ. فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ في الْمَسْجِدِ سُهَيْلٍ وَأَخِيه). • ما حكم الصلاة على الجنازة في المسجد؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: الجواز. وبه قال الشافعي، وأحمد. قال ابن قدامة: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُخَفْ تَلْوِيثُهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد. وقال النووي: فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ فِي جَوَاز الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَحْمَد وَإِسْحَاق وقال الشوكاني: وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور. أ- لحديث الباب. ب- ورد (أنه صلي على أبي بكر في المسجد) رواه سعيد بن منصور. ج- (وصلي على عمر في المسجد) رواه مالك. القول الثاني: المنع من ذلك. وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك. قال النووي: قَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب وَأَبُو حَنِيفَة وَمَالِك عَلَى الْمَشْهُور عَنْهُ: لَا تَصِحّ الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له) رواه أبو داود. وأجابوا عن حديث الباب: بأن حديث الباب محمول على أن الصلاة على ابني بيضاء وهما كانا خارج المسجد، والمصلون داخله وذلك جائز. • بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن حديث (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له)؟ أجابوا عَنْه بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدهَا: أَنَّهُ ضَعِيف لَا يَصِحّ الِاحْتِجَاج بِهِ، قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل: هَذَا حَدِيث ضَعِيف تَفَرَّدَ بِهِ صَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَة، وَهُوَ ضَعِيف. وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي فِي النُّسَخ الْمَشْهُورَة الْمُحَقَّقَة الْمَسْمُوعَة مِنْ سُنَن أَبِي دَاوُدَ " وَمَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء عَلَيْهِ " وَلَا حُجَّة لَهُمْ حِينَئِذٍ فِيهِ. الثَّالِث: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحَدِيث وَثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: " فَلَا شَيْء له" لَوَجَبَ تَأْوِيله عَلَى " فَلَا شَيْء عَلَيْهِ " لِيَجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ وَبَيْن هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث سُهَيْل بْن بَيْضَاء، وَقَدْ جَاءَ (لَهُ) بِمَعْنَى (عَلَيْهِ)، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا.

стр. 999

الرَّابِع: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى نَقْص الْأَجْر فِي حَقّ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِد وَرَجَعَ وَلَمْ يُشَيِّعهَا إِلَى الْمَقْبَرَة لِمَا فَاتَهُ مِنْ تَشْيِيعه إِلَى الْمَقْبَرَة وَحُضُور دَفْنه. وَاللَّهُ أَعْلَم .... (شرح مسلم للنووي). وقال الخطابي: صالح مولى التوأمة ضعفوه وكان قد نسي حديثه في آخر عمره، وقد ثبت أن أبا بكر وعمر ﵄ صُلي عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، ففي تركهم إنكاره دليل على جوازه. (انتهى) وكان ممن ضعفه من العلماء: الإمام أحمد - كما في مسائل ابنه عبد الله، وابن المنذر في (الأوسط)، والخطابي في (معالم السنن)، والبيهقي كما في (سننه)، وابن حزم في (المحلى)، وابن الجوزي في (العلل المتناهية). • ماذا نستفيد من إنكار الصحابة على عائشة؟ نستفيد: أن هذا الفعل (وهو الصلاة على الجنازة في المسجد) لم يكن معروفاً على الدوام، ولو كان معروفاً ما أنكر الصحابة على عائشة. ولذلك قال ابن القيم: ولم يكن من هديه الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحياناً على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد، ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته. • ماذا نستفيد من فعل عائشة وطلبها الصلاة على جنازة سعد؟ نستفيد: جواز صلاة النساء على الجنازة في المسجد مع الرجال أو منفردات. فالأصل في العبادات التي شرعها الله في كتابه أو بينها رسول الله ﷺ في سنته أنها عامة للذكور والإناث، حتى يدل دليل على التخصيص بالذكور أو الإناث، وصلاة الجنازة من العبادات التي شرعها الله تعالى ورسوله ﷺ فيعم الخطاب الرجال والنساء، إلا أن الغالب أن الذي يباشر ذلك الرجال لكثرة ملازمة النساء لبيوتهن، ولذلك إذا صادف أنه لم يحضر الجنازة إلا نساء صلين عليها، وقمن بالواجب نحوها. وقد ثبت أن عائشة ﵂ أمرت أن يؤتى بسعد بن أبي وقاص لتصلي عليه، ولم نعلم أن أحداً من الصحابة أنكر عليها، فدل ذلك على أن المرأة تشارك الرجال في الصلاة على الجنازة. وتكون صفوفهن خلف صفوف الرجال، وثبت أيضا أنهن صلين على النبي ﷺ كما صلى عليه الرجال، لكنهن لا يشيعن الجنائز للدفن لنهي النبي ﷺ عن ذلك. قال الشيخ ابن باز ﵀: الصلاة على الجنازة مشروعة للرجال والنساء، لقول النبي ﷺ (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيرا، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال: (مثل الجبلين العظيمين) يعني من الأجر، متفق على صحته، لكن ليس للنساء اتباع الجنائز إلى المقبرة، لأنهن منهيات عن ذلك، لما ثبت في الصحيحين عن أم عطية ﵂ قالت (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) رواه مسلم، أما الصلاة على الميت فلم تنه عنها المرأة سواء كانت الصلاة عليه في المسجد أو في البيت أو في المصلى، وكان النساء يصلين على الجنائز في مسجده ﷺ مع النبي ﷺ وبعده.

стр. 1000

٥٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ (كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ. ٥٥٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ (أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَأَصْلُهُ فِي "اَلْبُخَارِيِّ. === (وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاري المدني مات: ٦٨ هـ. (عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا) أي: أربع تكبيرات. (وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا) أي: خمس تكبيرات. (وَأَصْلُهُ فِي "اَلْبُخَارِيِّ) لفظه عند البخاري (إن علياً كبر على سهل بن حنَيْف فقال: إنه شهد بدراً) وليس في البخاري: عدد التكبيرات. • كم عدد التكبيرات على الجنائز؟ قد وردت عدة صيغ: فورد أربع تكبيرات، وهذا أكثر ما ورد. كما في حديث أبي هريرة: (أن النبي ﷺ نعى النجاشي … وكبر عليه أربع تكبيرات). وغيرها من الأحاديث. (وثبت أن النبي ﷺ كبر خمساً) كما في الحديث المذكور في الباب (حديث زيد بن أرقم). (وثبت عن علي أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً) كما في الأثر المذكور في الباب، وصححه ابن حزم في المحلى. عن عبد خير قال (كان علي ﵁ يكبر على أهل بدر ستاً، وعلى أصحاب رسول الله ﷺ خمساً، وعلى سائر المسلمين أربعاً) رواه الدارقطني والبيهقي. فاختلف العلماء في ذلك: فالقول الأول: أنه لا يزاد على أربع تكبيرات. وهذا مذهب جماهير العلماء. قال الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع. قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع. وقال النووي: وهذا الحديث [يعني حديث زيد بن أرقم] عند العلماء منسوخ دل الإجماع على نسخه، وقد سبق أن بن عبد البر وغيره نقلوا الإجماع على أنه لا يكبر اليوم إلا أربعاً، وهذا دليل على أنهم أجمعوا بعد زيد بن أرقم.

стр. 1001

واستدلوا: عن أبي وائل قال (كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً، فجمع عمر أصحاب رسول الله ﷺ فأخذ كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات). رواه البيهقي وحسنه الحافظ ابن حجر. ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه بمرجحات: أولاً: أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عدداً ممن روى منهم الخمس. ثانياً: أنها في الصحيحين. ثالثاً: أنه أجمع على العمل بها الصحابة. رابعاً: أنها آخر ما وقع منه ﷺ كما أخرج من حديث ابن عباس بلفظ: (آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربع) لكنه ضعيف لا يصح كما قال البيهقي والحافظ ابن حجر. القول الثاني: أنه لا بأس بالزيادة على ذلك. لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كبر خمساً كما في حديث زيد بن أرقم. وثبت عن علي أنه كان يكبر أكثر من أربع. وهذا القول هو الصحيح، وخاصة إذا كان من أهل العلم والفضل، أو من كان له أثر كبير في الأمة، فلا مانع أن يكبر عليه خمساً أو ستاً. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن السنة إذا وردت على وجوه متنوعة، فإنه يعمل بها كلها. - أن الأكثر من فعل النبي ﷺ هو التكبيرات أربعاً. - الحرص على العلم. - السؤال عما يشكل. - أن ما خرج عن الأصل، فإنه محل للسؤال.

стр. 1002

٥٥٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ اَلْكِتَابِ فِي اَلتَّكْبِيرَةِ اَلْأُولَى) رَوَاهُ اَلشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. ٥٦٠ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: (صَلَّيْتُ خَلَفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكْتِابِ فَقَالَ: "لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (فاتحة الكتاب) أي سورة الحمد لله رب العالمين. • ما صحة حديث جابر؟ حديث ضعيف، كما قال المؤلف ﵀. • ما المراد بالسنة في قول الصحابي (لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة)؟ أي سنة النبي ﷺ الثابتة، وليس مراده السنة المرادفة للمستحب. • ما حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: عدم مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. وهذا قول الحنفية، والمالكية. أ-لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبو داود. قالوا: إن النبي ﷺ أمر بإخلاص الدعاء للميت ولم يذكر قراءة الفاتحة، ولو كانت القراءة واجب لذكره. ب-ما روي عن ابن مسعود أنه قال (لم يوقّت لنا رسول الله ﷺ في الصلاة على الميت قراءة ولا قولاً) رواه الطبراني. القول الثاني: وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة وأنها ركن. وهذا قول الشافعية، والحنابلة. أ- لعموم حديث عبادة (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه. ب-وحديث أبي هريرة مرفوعاً (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج غير تمام) رواه مسلم. وصلاة الجنازة صلاة شرعية لقوله (صلوا على صاحبكم)، وإذا كانت صلاة فتدخل في عموم الأدلة القاضية بوجوب قراءة الفاتحة في كل صلاة. ج- ولحديث الباب في قول ابن عباس ( … لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة) والسنة إذا أطلقت انصرفت إلى سنة الرسول ﷺ وهديه، وقد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي). القول الثالث: مستحبة. وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية. والراجح أنها ركن. قال ابن تيمية: وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوال: قيل: لا تستحب بحال، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك، وقيل: بل يجب فيها القراءة بالفاتحة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد، وقيل: بل قراءة الفاتحة فيها سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز، وهذا هو الصواب. (الفتاوى الكبرى). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والفاتحة في صلاة الجنازة ركن؛ لقول النبي ﷺ (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وصلاة الجنازة صلاة؛ لقوله تعالى (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً) فسماها الله صلاة؛ ولأن ابن عباس ﵄ قرأ الفاتحة على جنازة، وقال (لتعلموا أنها سنة).

стр. 1003

• هل يستحب الجهر بالقراءة في صلاة الجنازة؟ لا، لا يستحب. وهذا مذهب جماهير العلماء. وابن عباس إنما جهر للتعليم. وذهب بعض العلماء إلى استحباب الجهر. فقد جاء في حديث الباب عن طلحة بلفظ (فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعنا .... ) رواه النسائي. والأول أصح. عن أبي أمامة بن سهل قال: (السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة) رواه النسائي. • هل يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة؟ قيل: يستحب. واختاره الشيخ ابن باز ﵀. للرواية السابقة (قرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة). وقد صحح بعضهم هذه الرواية كالإمام النووي، والألباني. وقيل: لا تستحب. وأنكر بعض العلماء هذه الزيادة كالبيهقي ولم يخرجها البخاري. والله أعلم. • هل يشرع دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن دعاء الاستفتاح لا يسن في صلاة الجنازة. وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال ابن المنذر: لم نجد في الأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ أنه قال بعد أن افتتح الصلاة على الجنازة، كما قال بعد أن افتتح الصلاة المكتوبة قولاً، ولا وجدنا ذلك عن أصحابه، ولا عن التابعين. قال النووي وَأَمَّا دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، واتفق الأصحاب على أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ. أ-أنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه استفتح في صلاة الجنازة. ب-قالوا: إن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف، فناسب ترك الاستفتاح فيها. ج-وقال الشيخ ابن باز ﵀: " أما الاستفتاح فلا بأس بفعله ولا بأس بتركه، وتركه أفضل أخذاً بقول النبي ﷺ (أسرعوا بالجنازة) الحديث. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يشرع دعاء الاستفتاح في الصلاة على الجنازة؟ فأجاب: ذكر العلماء أنه لا يستحب، وعللوا ذلك بأن صلاة الجنازة مبناها على التخفيف، وإذا كان مبناها على التخفيف، فإنه لا استفتاح. القول الثاني: أن دعاء الاستفتاح يسن في صلاة الجنازة. وهو قول الأحناف. عللوا: بأنها صلاة، فيستفتح لها، كما يستفتح لسائر الصلوات. واختار بعض الأحناف - كالطحاوي ﵀ أنه لا استفتاح لها. والأقرب: عدم مشروعية الاستفتاح في صلاة الجنازة؛ لعدم وروده عن النبي ﷺ ، ولأنها مبناها على التخفيف، ولهذا لا ركوع فيها ولا سجود، ولا يقرأ فيها سوى الفاتحة. والله أعلم.

стр. 1004

٥٦١ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (صلى رسول الله ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ اَلْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ اَلثَّوْبَ اَلْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ اَلْجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ اَلْقَبْرِ وَعَذَابَ اَلنَّارِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٥٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، اَللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى اَلْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى اَلْإِيمَانِ، اَللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ. ٥٦٣ - وَعَنْهُ أَنَّ اَلنَّبِي ﷺ قَالَ (إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى اَلْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ اَلدُّعَاءَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. === (اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) المغفرة الستر مع التجاوز. (وَارْحَمْهُ) صفة تقتضي الإنعام والإكرام والإحسان بالمرحوم. (وَعَافِهِ) العافية من المؤذيات في القبر ووحشته وظلمته وعذاب القبر. (وَاعْفُ عَنْهُ) أي: تجاوز بما فعله حال الدنيا. (وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) النزل ما يهيأ للضيف. (وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ) مكان الدخول وهو القبر. (وَنَقِّهِ) أي: خلصه. (وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) عوضه عن أهله أهلاً في الجنة. وقيل: تبديل أوصاف، أي زوجته تكون أحسن في الجنة بالأخلاق والجمال. • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث عوف بن مالك عند مسلم، فيه زيادة: (قال عوف: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت، لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت). وحديث أبي هريرة أعله بعض العلماء، كالدارقطني وغيره، وصححه بعضهم وله شواهد. وحديث أبي هريرة (إذا صليتم على الميت … ) في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، لكنه صرح بالتحديث عند ابن حبان، فالحديث حسن. • ما معنى قوله (فحفظت من دعائه)؟ قيل: أي علمته من الصلاة فحفظته. قال النووي: … وحينئذ يتأول هذا الحديث على أن قوله (فحفظت من دعائه) أي: علمنيه بعد الصلاة فحفظته. وقيل: إن النبي ﷺ جهر به ليعلمهم. وهذا هو الصحيح. • ماذا نستفيد من أحاديث الباب؟ استحباب الدعاء للميت في صلاة الجنازة، وهو مقصوده.

стр. 1005

• ما معنى قوله (أخلصوا له الدعاء)؟ قيل: تخصيص الميت بالدعاء، فلا يدعى لغيره على وجه الخصوص. وقيل: الدعاء له بإخلاص وحضور قلب. فإخلاص الدعاء للميت يكون بالتعيين وبالصفة: بالتعيين: بأن يخص الميت بالدعاء وحده. وبالصفة: بأن يدعو له بصدق وإخلاص وحضور قلب. • ما حكم الجهر بالدعاء؟ اختلف العلماء بالجهر بالدعاء: فقيل: يجهر. وقيل: يسر، وهذا هو الصحيح. لأن الأصل في الدعاء الإسرار، ولا يجهر إلا لقصد التعليم. • هل الدعاء يصل للميت؟ نعم، الدعاء يصل للميت، وقد تضافرت النصوص ف ذلك. قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ). وقال ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له … ) رواه مسلم. وأحاديث الباب (اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ … ) (اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا … ). وكان ﷺ يقول بعد الفراغ من دفن الميت (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت) رواه أبو داود. • ماذا يقال إذا كان الميت طفلاً؟ لم يثبت دعاء خاص للطفل. لكن ورد حديث المغيرة قال ﷺ (والطفل يدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) رواه أبو داود. قال الشوكاني: إذا كان المصلى عليه طفلاً، استحب أن يقول المصلي: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وأجراً، روي ذلك عن البيهقي من حديث أبي هريرة. • هل ترفع الأيدي في صلاة الجنازة؟ اختلف العلماء، هل يرفع يديه في تكبيرة الجنائز؟ فقيل: لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام. لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولو فعله النبي ﷺ لنقل. وقيل: يرفع يديه. لأنه ثبت عن ابن عمر أنه رفع يديه في كل تكبيرة، رواه البيهقي وهو صحيح. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - مشروعية الصلاة على الميت، وقد تقدم أنها فرض كفاية. - أنه لابد أن يخص الميت بالدعاء، فلا يكفي الدعاء العام. - أنه لا يتعين دعاء معين للميت لقوله (أخلصوا له في الدعاء) لكن الأفضل ما ورد في السنة.

стр. 1006

٥٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ) جاء عند البخاري (إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان لو سمعه لصعق). (صَالِحَةً) قائمة بحقوق الله وحقوق الناس. • ما حكم الإسراع بالجنازة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه مستحب. قال في المغني: لا نعلم فيه خلافاً بين الأئمة. وقال النووي: واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأنى. القول الثاني: أنه واجب. وهو قول ابن حزم. لأمر الرسول ﷺ بذلك (أسرعوا). • قوله ﷺ (أسرعوا .. ) هل المراد الإسراع بتجهيزها أو بحملها إلى قبرها؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: المراد الإسراع بحملها إلى قبرها. ورجحه القرطبي، والنووي. لقوله ( … فشر تضعونه عن رقابكم). ورد النووي القول الثاني الآتي وقال: والثاني باطل مردود بقوله (فشر تضعونه عن رقابكم). القول الثاني: المراد الإسراع بتجهيزها وغسلها والصلاة عليها. قال الفاكهي: ما رده النووي جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا فيحتمل حمله على المعنى، فإنه قد يُعبّر بالحمل على الظهر، أو العنق عن المعاني دون الذوات، فيقال: حمل فلان على ظهره، أو على عنقه ذنباً، أو نحو ذلك ليكون المعنى في قوله ﷺ (فشر تضعونه عن رقابكم) إنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو مجالسته ونحو ذلك، فلا يكون في الحديث دليل على رد قول هذا القائل، ويقوي هذا الاحتمال أن كل حاضري الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم، لا سيما اليوم، فإنما يحمله في الغالب من لا تعلق له به. قال الحافظ: ويؤيده - يعني كلام الفاكهي - حديث عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره) أخرجه الطبراني بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين وَحْوَح مرفوعاً (لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله … ).

стр. 1007

• ماذا يستثنى من الأمر بالإسراع بالجنازة؟ الإسراع بالجنازة مطلوب ما لم يمت فجأة لاحتمال أن يكون غشياناً [هذا كان قديماً قبل تقدم الطب]. قال الشافعي في الأم: أحب المبادرة في جميع أمور الجنازة، فان مات فجأة لم يبادر بتجهيزه لئلا تكون به سكتة ولم يمت بل يترك حتى يتحقق موته. وقال ابن قدامة ﵀: وإن شُكّ في موته انتظر به حتى يتيقن موته بانخساف صُدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إن شك في موته؛ بأن مات بحادث أو بغتة، فإنه ينتظر حتى يتيقن موته وله علامات. (شرح الكافي). وقال أيضاً ﵀: "قوله: (أسرعوا بالجنازة) قال العلماء: يسرع في تجهيزه إلا أن يموت فجأة ويشك في موته فينتظر حتى يتيقن، وإلا فيسرع في تجهيزه .... (لقاء الباب المفتوح). وأيضاً لا بأس بتأخيره إذا كان لمصلحة كأن يموت في حادث جنائي ليتحقق من قتله. • هل إذا كان للميت أقارب فهل يجوز انتظارهم؟ لا بأس بذلك لكن بشروط: أولاً: إذا قرُب الزمن. ثانياً: ألا يشق على الحاضرين. ثالثاً: ألا يخشى على الميت من التفسخ. فائدة: بعض الناس يؤخرون الميت حتى يأتي أقاربه وربما يؤخرونه يوم أو يومين، وهذا جناية على الميت [تأخيره ساعة أو ساعتين أو مات أول النهار وأخرناه إلى الظهر فلا بأس]. فإن قيل: ما الجواب عن فعل الصحابة حيث لم يدفنوا النبي ﷺ إلا يوم الأربعاء مع أنه توفي يوم الاثنين؟ الجواب: أنه أخر دفنه من أجل إقامة الخليفة بعده حتى لا يبقى الناس بلا خليفة. • ما معنى الإسراع المأمور به بالحديث؟ المراد بالإسراع: أن يكون فوق المشي المعتاد لا الركض بها وخضها؛ لأن هذا قد يضر الميت ويشق على المتبعين من الضعفاء. قال النووي ﵀: "والمراد بالإسراع فوق المشي المعتاد، ودون الخبب؛ لئلا ينقطع الضعفاء عن اتباع الجنازة، فإن خيف عليه تغير أو انفجار أو انتفاخ زيد في الإسراع. (شرح المهذب). وقال البهوتي ﵀: وسن الإسراع بالجنازة؛ لحديث: (أسرعوا بالجنازة .. ) متفق عليه. ويكون الإسراع دون الخبب ...... لأنه يمخضها ويؤذي حاملها ومتبعها. وقال الشيخ ابن باز ﵀: "يسن الإسراع بالجنازة من غير مشقة. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قالوا: لا ينبغي الإسراع الذي يشق على المشيعين، أو يخشى منه تمزق الميت، أو خروج شيء من بطنه مع الحركة. وقال الحافظ ﵀: "والحاصل أنه يستحب الإسراع، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم. وقال ابن تيمية: كان الميت في عهد النبي ﷺ يخرج به الرجال يحملونه إلى المقبرة لا يسرعون ولا يبطئون بل عليهم السكينة ولا يرفعون أصواتهم لا بقراءة ولا بغيرها وهذه هي السنة باتفاق المسلمين

стр. 1008

فائدة: المشي بالجنازة ينقسم إلى أقسام: أولاً: أن يمشي به خطوة خطوة. فهذا بدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة التشبه بأهل الكتاب. [قاله ابن القيم]. ثانياً: أن يسرع بها إسراعاً كثيراً يخشى على الجنازة أو يشق على الحاملين، فهذا لا يجوز. ثالثاً: أن يمشي بها بين السرعة والبطء، وهذا هو السنة. • ما حكم أن تتبع الجنازة بما يخالف الشريعة؟ حرام، فلا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة، كرفع الصوت بالبكاء أو بنار. قال النبي ﷺ (لا تتبع الجنازة بصوت ولا بنار). وقال عمرو بن العاص (فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار) رواه مسلم. قال النووي: واعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف من السكون حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره. • ما الحكمة من الأمر بالإسراع بالجنازة؟ الحكمة قوله ﷺ (فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ). وقد ورد في حديث آخر ذكر تعليل آخر، وهي مخالفة أهل الكتاب. فعن أبي هريرة. قال (كان رسول الله ﷺ إذا تبع جنازة قال: ابسطوا بها، ولا تدِبُّوا دَبيب اليهود بجنائزها) رواه أحمد. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين (أنه أوصى، إذا أنا مت فأسرعوا، ولا تُهوّدوا، كما تُهوّد اليهود والنصارى). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن القبر للميت الصالح خير من الدنيا. - يجب الابتعاد عن الشر وأهله. - حسن تعليم النبي ﷺ حيث يقرن الحكم ببيان حكمته. - إثبات عذاب القبر ونعيمه.

стр. 1009

٥٦٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ شَهِدَ اَلْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ". قِيلَ: وَمَا اَلْقِيرَاطَانِ قَالَ: "مِثْلُ اَلْجَبَلَيْنِ اَلْعَظِيمَيْنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: (حَتَّى تُوضَعَ فِي اَللَّحْدِ). وَلِلْبُخَارِيِّ: (مَنْ تَبِعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ). === (مَنْ شَهِدَ) أي: من حضر، وجاء في رواية (من شيع) وأخرى (من تبع). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: فضل شهود الجنازة واتباعها. وكان ابن عمر يصلي عليها ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبو هريرة قال: أكثر علينا أبو هريرة، فأرسل خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبو هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول، وقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ثم قال فرطنا في قراريط كثيرة. • اذكر بعض فوائد شهود الجنازة؟ أولاً: الحصول على هذا الأجر العظيم. ثانياً: القيام بحق هذا الميت من الصلاة عليه والدعاء له. ثالثاً: أداء حق أهل الميت وجبر خاطرهم. رابعاً: إعانة أهل الميت على تجهيزه ودفنه. خامساً: حصول العبرة والعظة والاعتبار. • اتباع الجنازة على مرتبتين اذكرهما؟ الأولى: اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها. الثانية: إتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها. وهذه المرتبة الثانية أفضل لحديث الباب حيث يحصل على قيراطين. • إذا تعددت الجنائز، وصليَ عليها صلاة واحدة، فهل يتعدد الأجر؟ وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: في الحرم تتعدد الجنائز فهل يتعدد الأجر الذي أخبر عنه الرسول ﵊؟ فأجاب: "إذا تعددت الجنائز في صلاة واحدة هل يأخذ الإنسان أجر عدد هذه الجنائز؟ الظاهر: نعم. لأنه يصدق عليه أنه صلى على جنازتين أو ثلاث أو أربع فيأخذ الأجر، لكن كيف ينوي؟ ينوي الصلاة على واحدة أو على الجميع؟ ينوي الصلاة على الجميع. (الباب المفتوح).

стр. 1010

• بما يحصل قيراط الدفن؟ قوله (من شهدها حتى تدفن) ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن. وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، لرواية عند مسلم (حتى توضع في اللحد). وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، لرواية (حتى توضع في القبر) والله أعلم. قال النووي ﵀: وفيما يحصل به قيراط الدفن وجهان .... ، قلت: والصحيح أنه لا يحصل إلا بالفراغ من الدفن لرواية البخاري ومسلم: (ومن تبعها حتى يفرغ من دفنها فله قيراطان)، وفي رواية مسلم (حتى يفرغ منها) … ثم قال ﵀: والحاصل أن الانصراف عن الجنازة مراتب: ١ ـ ينصرف عقب الصلاة. ٢ ـ ينصرف عقب وضعها في القبر، وسترها باللبن قبل إهالة التراب. ٣ ـ ينصرف بعد إهالة التراب وفراغ القبر. ٤ ـ يمكث عقب الفراغ، ويستغفر للميت ويدعو له، ويسأل له التثبيت. فالرابعة أكمل المراتب، والثالثة تحصل القيراطين، ولا تحصله الثانية على الأصح ويحصل بالأولى قيراط بلا خلاف. (شرح المهذب). وقال الحافظ في "فتح الباري" عند شرحه لحديث (٤٧):، وقد أثبتت هذه الرواية: (وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ) أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن وأن الصلاة دون الدفن يحصل بها قيراط واحد وهذا هو المعتمد .. " انتهى. فائدة: قال ابن قدامة ﵀: واتباع الجنائز على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يصلي عليها، ثم ينصرف … الثاني: أن يتبعها إلى القبر، ثم يقف حتى تدفن .. الثالث: أن يقف بعد الدفن، فيستغفر له. (المغني). • ماذا نستفيد من قوله (مَنْ شَهِدَ اَلْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ)؟ أن القيراط يحصل لمن صلى فقط ولو لم يقع اتباع. قال الحافظ في الفتح: ومقتضاه أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة وبذلك صرح المحب الطبري وغيره، والذي يظهر لي: أن القيراط يحصل أيضاً لمن صلى فقط؛ لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع مثلاً وصلى، ورواية مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ (أصغرهما مثل أحد) يدل على أن القراريط تتفاوت، ووقع أيضا في رواية أبي صالح المذكورة عند مسلم (من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط) وفي رواية نافع بن جبير عن أبي هريرة عند أحمد: (ومن صلى ولم يتبع فله قيراط) فدل على أن الصلاة تحصل القيراط، وإن لم يقع اتباع، ويمكن أن يحمل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة. (فتح الباري). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن هذا الفضل في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء، لقول أم عطية (نهينا عن أتباع الجنائز). - أنه يحصل للمصلي والمشيع حتى تدفن ثواب لا يعلم قدره إلا الله. - أن في الصلاة على الميت وتشييع جنازته إحسان إلى الميت وإلى المصلي والمشيع.

стр. 1011

٥٦٦ - وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ (أَنَّهُ رَأَى اَلنَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ وَطَائِفَةٌ بِالْإِرْسَالِ. === • ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث جاء من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً، ورواه معمر ويونس بن يزيد ومالك وغيرهم عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلاً. وقد رجح إرساله أحمد، والبخاري، وأبو حاتم، والنسائي. قال الترمذي: وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح. • اذكر الخلاف في المشي مع الجنازة؟ اختلف العلماء في المشي مع الجنازة على أقوال: القول الأول: الأفضل المشي أمامها. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور وجماعة من الصحابة. لحديث الباب. ولثبوت ذلك عن جمع من الصحابة، كابن عمر. القول الثاني: أن المشي خلفها أفضل. وهذا مذهب أبي حنيفة، وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري. لحديث (من تبع الجنازة … ) والاتباع يكون من الخلف. ولمرسل طاوس قال (ما مشى رسول الله ﷺ حتى مات، إلا خلف جنازة) وهذا مرسل وهو ضعيف. القول الثالث: يمشي حيث شاء، أمامها أو يمينها أو يسارها أو خلفها. لحديث المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : (الراكب يسير خلفها، والماشي حيث شاء). رواه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح وهذا القول هو الصحيح. - أن الراكب يسير خلف الجنازة، لحديث المغيرة السابق.

стр. 1012

٥٦٧ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: (نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === (نُهِينَا) النهي: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء. (عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) أي: عن تشييعها والمشي معاها. (وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) أي: لم يؤكد علينا النهي، وهذا من فقهها. • ما حكم اتباع النساء للجنائز؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه مكروه وليس بحرام. وهذا مذهب الجمهور. لقول أم عطية (ولم يعزم علينا). القول الثاني: أنه للتحريم. وهذا مذهب أحمد، ورجحه ابن تيمية، وابن القيم. أ-لنهي النبي ﷺ ، والأصل في النهي أنه للتحريم. وأما قول أم عطية: (ولم يعزم علينا) فهذا اجتهاد منها وتفقه، والعبرة بكلام النبي ﷺ . أو لعل المراد بقولها: (ولم يعزم علينا) لعلها تريد: ولم يؤكد النهي. قال ابن القيم: قول أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز) فهو حجة للمنع، وقولها (ولم يعزم علينا) إنما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة، وليس ذلك شرطاً في اقتضاء التحريم، بل مجرد النهي كاف والقول الثاني هو الراجح. ب- ولأن في اتباع النساء للجنائز عدة أضرار: أولاً: مخالطة الرجال. ثانياً: جزع المرأة وعدم صبرها. ثالثاً: أنها فتنة. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن اتباع المرأة للجنازة منهي عنها، سواء اتباعها من البيت للمسجد، أو من المسجد إلى المقبرة. - أن زيارة القبور للنساء حرام، لأنه إذا حرم الاتباع، فمن باب أولى الزيارة. [وستأتي المسألة بأدلتها إن شاء الله]. - حكمة الشرع في التشريع، حيث ينزل كل إنسان ما يناسبه. - أن ما نهى عنه الشرع ينقسم إلى قسمين: نهي تحريم، ونهي كراهة. - أن النهي عند الإطلاق يدل على التحريم.

стр. 1013

٥٦٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === (حتى توضع) أي على الأرض، كما جاء في رواية أخرى. • ما حكم القيام للجنازة إذا مرت؟ اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت على أقوال: القول الأول: أن القيام منسوخ. وهذا قول جمهور العلماء. قال الشوكاني: وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، أن القيام منسوخ بحديث علي. أ- لحديث علي قال: (قام رسول الله ﷺ ثم قعد) رواه مسلم. ب- ولحديث عبادة بن الصامت قال (كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل، فجلس رسول الله ﷺ وقال: اجلسوا خالفوهم) رواه أبو داود، والحديث ضعفه الترمذي والنووي وابن حجر وابن القيم. القول الثالث: أن القيام مستحب. وهذا مذهب ابن حزم، واختاره ابن تيمية، وابن القيم. وقال ابن حزم ﵀: نستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء - وإن كانت جنازة كافر - حتى توضع أو تخلفه، فإن لم يقم فلا حرج. أ- لحديث الباب (إذا رأيتم جنازة فقوموا … ). ب- عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ) رواه مسلم. ج- عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى قال (أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ فَقَامَا فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. فَقَالَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ إِنَّهُ يَهُودِيٌّ. فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْساً) متفق عليه. وهذا القول هو الصحيح: أن أحاديث الأمر تدل على الاستحباب، وأن أحاديث الترك تدل على جواز ترك القيام. وهذا القول هو الصحيح، وهو أولى من القول بالنسخ لأن فيه جمعاً بين الأدلة. قال النووي بعد أن اختار هذا القول: هذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعود بياناً للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا، لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر. وقال ابن حزم ﵀: فكان قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام مبيناً أنه أمر ندب، وليس يجوز أن يكون هذا نسخاً; لأنه لا يجوز ترك سنة متيقنة إلا بيقين نسخ، والنسخ لا يكون إلا بالنهي، أو بتركٍ معه نهي؟ وقال ابن القيم: قيل: منسوخ والقعود آخر الأمرين، وقيل: بل الأمران جائزان، وفعله بياناً للاستحباب، وتركه بياناً للجواز، وهذا أولى من ادعاء النسخ. • ما الجواب عن دليل من قال بالنسخ؟ الجواب من وجوه: أولاً: أن من شرط النسخ عدم إمكان الجمع بين الدليلين، وليس الأمر كذلك ههنا، فإن تركه ﷺ للقيام بعد أمره به دليل على أن الأمر الأول للندب وليس للوجوب، وبه تجتمع الأدلة دون حاجة للقول بالنسخ. ثانياً: أن أحاديث الأمر بالقيام لفظ صريح، وهذه الأحاديث حكاية فعل لا عموم له، وليس فيها لفظ عام يحتج به على النسخ، وغاية ما فيها أنه (قام وقعد) وهو فعل محتمل لا يقوى على تأييد دعوى النسخ. • ما الحكمة من القيام؟ جاء في رواية (إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)، فالقيام للجنازة تعظيم لله . ويدل لذلك حديث البراء الطويل: ( … جلس النبي ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير ولما يلحد … ) رواه أبو داود، وهو حديث صحيح. • إلى متى يستمر قيام الناس؟ جاء في رواية (حتى توضع على الأرض).

стр. 1014

٥٦٩ - وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ ﵁ (أَدْخَلَ الْمَيِّتَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرَ، وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. === (مِنْ قِبَلِ) أي: من جهة. • ما صحة حديث الباب؟ الحديث صحيح ورجاله كلهم ثقات. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وقد قال هذا من السنة فصار كالمسند. وصححه ابن حزم. وقال الشوكاني: رجال إسناده رجال الصحيح. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: استحباب إدخال الميت للقبر من جهة رِجْلي القبر. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أن المستحب في إنزال الميت القبر هو أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر ثم يسل سلاً إلى القبر. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة. أ- لحديث الباب، حيث قال (هذا من السنة). قالوا: وقول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم المرفوع فهو كالحديث المسند. قال ابن قدامة: وهذا يقتضي سنة النبي ﷺ ، فيؤخذ من هذا الحديث أن السنة في إنزال الميت القبر أن يكون ذلك من قِبل رِجلي القبر. ب- أنه ورد عن بعض الصحابة إنزال الميت من قِبل رجلي القبر. عن ابن سيرين قال (كنت مع أنس في جنازة، فأمر بالميت فأدخل من قبل رجل القبر) رواه أحمد. وعن عامر الشعبي عن ابن عمر (أنه أدخل ميتاً من قبل رجليه) أخرجه ابن أبي شيبة. القول الثاني: أنه يستحب أن يدخل الميت قبره من قبل القبلة، بأن يوضع من جهتها ثم يحمل فيلحد، فيكون الآخذ له مستقبل القبلة حال الأخذ. وهذا مذهب الحنفية. لحديث ابن عباس: (إن النبي ﷺ دخل قبراً ليلاً فأسرج له سراج، فأخذه من قبل القبلة، وقال: رحمك الله إن كنت لأقراها تلاءً للقرآن) رواه الترمذي وضعفه البيهقي، والنووي. القول الثالث: أن الميت يدخل القبر كيف أمكن. وهذا مذهب الظاهرية. والراجح الأول.

стр. 1015

٥٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالْوَقْف. === • ما صحة حديث الباب؟ الحديث أعله بعض العلماء بالوقف، وقد اختلف فيه على قتادة، فرفعه همام بن يحي، ورفعه شعبة، وهشام الدستوائي، وهؤلاء أوثق في قتادة من همام بن يحي. لكن هذا الموقوف له حكم الرفع لأنه لا يقال من قبل الرأي. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: استحباب قول (بسم الله وعلى ملة رسول الله) عند إنزال الميت القبر. وهذا الذكر يقال عند إدخال الميت للقبر، فما يفعله بعض الناس من قول هذا الذكر عند إهالة التراب عليه خطأ. - وهذه السنة خاصة بمن يباشر وضع الميت في قبره، أما من حضر دفنه فلا يشرع لهم هذا الذكر. قال النووي ﵀: يستحب أن يقول الذي يدخله القبر عند إدخاله القبر بسم الله وعلي ملة رسول الله أو علي سنة رسول الله ﷺ . (المجموع). وقال المرداوي ﵀: ويقول الذي يدخله بسم الله وعلى ملة رسول الله. وقال الشيخ ابن باز ﵀: " والسنة عند وضعه في اللحد أن يقول الواضع: " بسم الله وعلى ملة رسول الله. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " … فإن المشروع عند دفن الميت أن يقول من يضعه في لحده بسم الله وعلى ملة رسول الله .. " انتهى من "نور على الدرب". • ماذا يسن بعد الدفن؟ يسن بعد الفراغ من الدفن الاستغفار للميت والدعاء له بالتثبيت. لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ). رواه أبو داود. (وقف عليه) أي: على قبره. (فقال استغفروا لأخيكم) أي اطلبوا له المغفرة من الله. أي قولوا: اللهم اغفر له. (وسلوا له التثبيت) أي اطلبوا له من اللّه تعالى أن يثبت لسانه لجواب الملَكين. أي: قولوا: ثبته اللّه بالقول الثابت. (فإنه الآن يسأل) أي: أي يأتيه في تلك الحال ملكان، وهما منكر ونكير ويسألانه، فهو أحوج ما كان إلى الاستغفار والتثبيت.

стр. 1016

• اذكر بعض المواضع التي يشرع فيها التسمية؟ أن هذا أحد المواضع التي يسن فيها قول: (بسم الله)، ومن المواضع: منها: عند الوضوء. لقوله ﷺ (لا صلاة لمن لا وضوء له) رواه أبو داود. ومنها: عند الركوب. قال الله تعالى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ). وفي حديث علي ( … وأُتيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله .... الحديث وفي آخره قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت) رواه أبو داود. ومنها: عند الذبح والصيد. لقوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ). وعن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل) متفق عليه. ومنها: عند الأكل. لحديث عمرو بن سلمة. قال (كنت غلاماً في حجر النبي ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: يا غلام سم الله، وكل بيمينك … ) متفق عليه. ومنها: عند دخول المنزل. لحديث جابر. أن رسول الله ﷺ قال (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء) رواه مسلم. ومنها: عند الجماع. لحديث ابن عباس. عن النبي ﷺ أنه قال (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا … ) متفق عليه. ومنها: عند الخروج من البيت. لحديث أنس. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذ: هديت وكفيت .... ) رواه أبو داود. ومنها: في المساء والصباح. لحديث عثمان. قال: قال رسول الله ﷺ (من قال: بسم الله، الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح … ) رواه أبو داود. ومنها: إذا عثر المرء أو عثرت دابته. لحديث رجل قال (كنت رديف النبي ﷺ فعُثِر بالنبي ﷺ فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ : لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب) رواه أبو داود. ومنها: عند وضع الميت في قبره. لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله) رواه أبو داود.

стр. 1017

٥٧١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم. ٥٧٢ - وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: (فِي الْإِثْمِ). === • ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث صحيح، رواته كلهم ثقات. وقوله (من الإثم) ضعيفة. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم الاعتداء على الميت. • هل الاعتداء على الميت كالاعتداء على الحي؟ نعم، فالاعتداء على الميت بكسر عظم منه أو غير ذلك، كالاعتداء على الحي في الإثم دون القصاص. • ما حكم تشريح جثة الميت؟ نستفيد من الحديث أنه لا يجوز تشريح جثة الميت، لأن ذلك اعتداء عليه. لكن إذا كان الغرض صحيح، كقضية جنائية، فلا بأس. • وقد اختلف العلماء في حكم تشريح جثة الميت لقصد التعليم: القول الأول: لا يجوز ذلك. وهو قول لبعض العلماء، واستدلوا: بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). قالوا: وتشريح جثث الموتى فيه إهانة لهم. واستدلوا: بحديث الباب. فهو دال على حرمة كسر عظام المؤمن الميت، والتشريح مشتمل على ذلك، فلا يجوز فعله. قالوا: ودلت الأحاديث على أنه لا يجوز الجلوس على القبر، وأن صاحبه يتأذى بذلك، مع أن الجلوس عليه ليس فيه مساس بجسد صاحبه، فلأن لا يجوز تقطيع أجزائه وبقر بطنه الذي هون أشد انتهاكاً لحرمته من باب أولى وأحرى. القول الثاني: الجواز. قالوا: لأن في ذلك مصلحة أعظم وأكبر. وقالوا: إن من قواعد الشريعة الكلية، ومقاصدها العامة، أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفادياً لأشدهما. وجه تطبيق هذه القاعدة: أن المصلحة المترتبة على تشريح جثث الموتى لغرض التعليم، تعتبر مصلحة عامة راجعة إلى الجماعة، وذلك لما يترتب عليها من تعلم التداوي الذي يمكن بواسطته دفع ضرر الأسقام والأمراض عن المجتمع. والراجح جواز تشريح جثة الكافر دون المسلم. لأن الحاجة على التشريح يمكن سدها بجثث الكفار، فلا يجوز العدول عنها إلى جثث المسلمين، لعظم حرمة المسلم عند الله حياً وميتاً. أما التشريح لمعرفة أسباب الوفاة خشية أن تكون أمراضاً وبائية، أو التشريح الجنائي، فلا بأس به.

стр. 1018

٥٧٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: (أَلْحَدُو ا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبِنِ نُصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِم. ٥٧٤ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: (وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان. === (اللبن) ما ضرب من الطين يبنى به. • عرف اللحد والشق؟ قال البهوتي: اللحد أن يحفر في أسفل حائط القبر مما يلي القبلة مكاناً يوضع فيه الميت. والشق: أن يحفر في وسط القبر كالنهر ويبنى جانباه باللبن أو غيره. • ما الأفضل في القبر اللحد أم الشق؟ اللحد أفضل، وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن قدامة: السُّنَّةُ أَنْ يُلْحَدَ قَبْرُ الْمَيِّتِ، كَمَا صُنِعَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ . أ- لحديث الباب ب- وعن أنس قال: (لما توفي رسول الله ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا النبي ﷺ رواه ابن ماجه. وجه الدلالة من الحديثين: أنه اللحد هو الذي فُعل بالنبي ﷺ ، ولم يكن ليختار الله لنبيه إلا الأفضل. قال النووي في شرح حديث سعد: فيه استحباب اللحد ونصب اللبن، وأنه فعل ذلك برسول الله ﷺ باتفاق الصحابة ﵃، وقد نقلوا أن عدد لبناته ﷺ تسع. ج-ولحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (اللحد لنا والشق لغيرنا) رواه أبو داود وهو حديث مختلف في صحته. د - حديث جابر - وقد سبق - قال (كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين في قتلى أحد ثم يقول (أيهم أكثر أخذاً للقرآن) فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد) رواه البخاري. ففي هذا الحديث بيان فضيلة اللحد، لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه، مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فلولا مزيد فضيلة ما عانوه. • ما معنى قوله ﷺ (اللحد لنا والشق لغيرنا)؟ اختلف العلماء في معنى قوله (لنا) و (غيرنا)؟ فقيل: (لنا) أي: هو الذي نؤثره - أيها المسلمون - ونعرفه، لأن العرب لم تكن تعرف غيره، و (لغيرنا) أي: من الأمم السابقة ويؤيد ذلك رواية (والشق لغيرنا من أهل الكتاب). وقيل: اللحد لنا معشر الأنبياء، والشق جائز لغيرنا. وقيل: يمكن أنه ﷺ عنى بضمير الجمع نفسه، أي: أوثر لي اللحد، وهو إخبار عن الكائن فيكون معجزة والصحيح الأول. • متى يكون الشق أفضل؟ يكون أفضل إذا كانت الأرض رخوة، فهنا فالشق أفضل. قال النووي: أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد والشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل، لما سبق من الأدلة، وإن كانت رخوة تنهار، فالشق أفضل. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، فعند هؤلاء الشق أفضل إذا كان الأرض رخوة. قال ابن عثيمين ﵀: ولكن إذا احتيج إلى الشق، فإنه لا بأس به، والحاجة إلى الشق إذا كانت الأرض رملية، فإن اللحد فيها لا يمكن؛ لأن الرمل إذا لحدت فيه انهدم، فتحفر حفرة، ثم يحفر في وسطها ثم يوضع لبن على جانبي الحفرة التي بها الميت؛ من أجل ألا ينهد الرمل، ثم يوضع الميت بين هذه اللبنات. (الشرح الممتع).

стр. 1019

• ما المستحب في رفع القبر؟ المستحب أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر. وهذا مذهب جماهير العلماء. لحديث جابر: (أن النبي ﷺ ألحد ونصب عليه … ورفع قبره من الأرض نحواً من شبر). وجاء في ذلك بعض الآثار عن بعض السلف. ولأن القبر يرفع عن الأرض ليعلم أنه قبر فيتوقى ويصان ولا يهان، ويترحم على صاحبه. قال في (زاد المستقنع) ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه (الشرح الممتع) أي السنة أن يرفع القبر عن الأرض، وكما أنه سنة، فإن الواقع يقتضيه؛ لأن تراب القبر سوف يعاد إلى القبر، ومعلوم أن الأرض قبل حرثها أشد التئاماً مما إذا حرثت، فلا بد أن يربو التراب، وأيضاً فإن مكان الميت كان بالأول تراباً، والآن صار فضاء، فهذا التراب الذي كان في مكان الميت في الأول سوف يكون فوقه … واستثنى العلماء من هذه المسألة: إذا مات الإنسان في دار حرب، أي: في دار الكفار المحاربين، فإنه لا ينبغي أن يُرفع قبره، بل يسوى بالأرض خوفا عليه من الأعداء أن ينبشوه، ويمثلوا به، وما أشبه ذلك. وقوله (مسنما) أي: يجعل كالسنام بحيث يكون وسطه بارزاً على أطرافه، وضد المسنم: المسطح الذي يجعل أعلاه كالسطح. والدليل على هذا: أن هذا هو صفة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه .... (الشرح الممتع). وقد روى البخاري عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. أما ما رواه مسلم (٩٦٩) عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ). فالمقصود بالتسوية هنا، أي تسويته بسائر القبور، وقد تقدم أنها تكون في حدود الشبر. قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنَّ الْقَبْر لَا يُرْفَع عَلَى الْأَرْض رَفْعًا كَثِيرًا، وَلَا يُسَنَّم، بَلْ يُرْفَع نَحْو شِبْر وَيُسَطَّح، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْأَفْضَل عِنْدهمْ تَسْنِيمهَا وَهُوَ مَذْهَب مَالِك " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "القول المفيد شرح كتاب التوحيد: " قوله: (ولا قبرا مشرفا): عالياً. قوله: (إلا سويته). له معنيان: الأول: أي سويته بما حوله من القبور. الثاني: جعلته حسنا على ما تقتضيه الشريعة، قال تعالى: (الذي خلق فسوى) أي: سوى خلقه أحسن ما يكون، وهذا أحسن، والمعنيان متقاربان.

стр. 1020

والإشراف له وجوه: الأول: أن يكون مشرفا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عند الناس (نصائل) أو (نصائب)، ونصائب أصح لغة من نصائل. الثاني: أن يبنى عليه، هذا من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ (لعن المتخذين عليه المساجد والسرج). الثالث: أن تشرف بالتلوين، وذلك بأن توضع على أعلامها ألوان مزخرفة. الرابع: أن يرفع تراب القبر عما حوله ليكون ظاهراً. فكل شي مشرف، ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره، لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك. • ما حكم أن يزاد على تراب القبر أكثر مما خرج منه؟ كره العلماء أن يزاد على تراب القبر أكثر مما خرج منه. واستدلوا على الكراهة بحديث جابر قال (نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبر أو يزاد عليه … ) رواه مسلم دون قوله (أو يزاد عليه) فهي عند أبي داود والنسائي. والمراد بقوله (أو يزاد عليه) الزيادة على ترابه، بأمن يزاد على التراب الذي خرج منه. ولهذا بوب البيهقي على هذا اللفظ من هذا الحديث، فقال: باب لا يزاد في القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع جداً. وقالوا: إن زيادة التراب على القبر يجري مجرى البناء، فلا يزاد عليه تراب من غيره، لئلا يرتفع القبر ارتفاعاً كثيراً. وذهب ابن حزم إلى أن الزيادة على تراب القبر حرام.
следующие страницы →