← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

٦٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (وَفِي اَلرِّكَازِ: اَلْخُمُسُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ٦٢٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ - فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبَةٍ- (إِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ، فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي اَلرِّكَازِ: اَلْخُمُسُ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَن. === • ما صحة حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؟ الحديث سنده حسن، وسلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من قسم الحسن، والحديث لم يروه ابن ماجه، وهِمَ الحافظ في ذلك، وإنما رواه الشافعي. • عرف الركاز؟ الركاز: ما وجد في دِفن الجاهلية، ويعرف أنه من الجاهلية إما باسم ملِك من ملوكهم، أو ذكر تاريخ يدل على السنة أو نحو ذلك من العلامات. • كم الواجب فيه؟ الواجب فيه الخمس. لحديث الباب. • لمن الركاز؟ لواجده. أ-لأنه أحق به. ب- ولفعل عمر وعلي، فإنهما دفعا باقي الركاز لواجده. • هل للركاز نصاب؟ ليس له نصاب، فيزكى قليله وكثيره. ففي حديث الباب (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) فظاهره: عدم اشتراط النصاب وهو مذهب الجمهور، واختاره: ابن المنذر، والصنعاني والشوكاني. • متى وقت إخراج زكاته؟ من حين العثور عليه، فلا ينتظر دوران الحول عليه. • أين يكون مصرفه؟ يكون مصرفه يكون لمصالح المسلمين العامة [بيت المال] ولا يخص به الأقسام الثمانية. • ما الفرق بين الركاز، واللقطة؟ الركاز لواجده، واللقطة تعرف، فإن جاء صاحبها فهي له وإلا فهي لواجدها.

стр. 1087

٦٢٣ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ اَلْحَارِثِ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَخَذَ مِنَ اَلْمَعَادِنِ اَلْقَبَلِيَّةِ اَلصَّدَقَةَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. === (المعادن) سمي معدن لإقامته الطويلة، يقال: عدن بالمكان، إذا لزمه، ومنه سميت جنات عدن. والمعدن: هو ما كان في الأرض من غير جنسها كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس. الفرق بين المعدن والركاز: الركاز ما كان بفعل آدمي، والمعدن: نبات أنبته الله في الأرض وليس بوضع آدمي. (القَبَلية): على وزن عربية، والقبل هو النشز من الأرض يقابلك، والقبلية: هو موضع بناحية ساحل البحر الأحمر من منطقة الفُرع، والفُرْع: اسم قرية ذات نخيل ومياه بينه وبين المدينة ثمانية برد. • ما صحة حديث الباب؟ الحديث ضعيف. • هل تجب الزكاة في المعادن؟ القول الأول: تجب فيها الزكاة. أ-لحديث الباب. ب- ويؤيده قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ). القول الثاني: لا تجب الزكاة في المعادن إلا في الذهب والفضة. قال ابن قدامة: وقال مالك والشافعي: لا تتعلق الزكاة إلا بالذهب والفضة. لقول النبي ﷺ (لا زكاة في حَجَر). ولأنه مال يقوم بالذهب والفضة مستفاد من الأرض، أشبه الطين الأحمر. القول الثالث: تجب الزكاة في المعادن التي تذوب وتنطبع بالنار. وهذا قول أبي حنيفة. والراجح القول الأول. • ما نصاب المعدن؟ إذا كان ذهباً فنصابه: ٢٠ مثقالاً، وإن كان فضة فنصابه: ٢٠٠ درهم، وإن كان من غيرهما فنصابه فقيمة الذهب أو قيمة الفضة. • ما المقدار الواجب في المعدن؟ مقدار الواجب فيه ربع العشر. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة. قياساً على الواجب في النقدين. • هل يشترط في نصاب المعدن أن يستخرجه دفعة واحدة؟ لا، لا يشترط في نصاب المعدن أن يستخرج دفعة واحدة. لأن الغالب في المعادن أن تستخرج شيئاً فشيئاً.

стр. 1088

بَابُ صَدَقَةِ اَلْفِطْرِ ٦٢٤ - عَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (فَرَضَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَكَاةَ اَلْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى اَلْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ اَلنَّاسِ إِلَى اَلصَّلَاةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ٦٢٥ - وَلِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَاَلدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: (اغْنُوهُمْ عَنِ اَلطَّوَافِ فِي هَذَا اَلْيَوْمِ). ٦٢٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ اَلنَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَفِي رِوَايَةٍ: (أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ (أَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اَللَّهِ). وَلِأَبِي دَاوُدَ: (لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا). === (فرض) أي أوجب. (صاعاً) الصاع مكيال يسع أربع أمداد، والمد: ما يملأ كفيّ الرجل المعتدل في الخِلقة. (أن تؤدى) أن توصل. (زبيب) العنب الجاف. (أَقِط) هو لبن الغنم المطبوخ المجفف. • ما صحة رواية (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم)؟ إسنادها ضعيف، لأن في الإسناد أبو مَعْشَر، وهو نَجِيح السندي المدني، قال البخاري: منكر الحديث. • ما حكم زكاة الفطر؟ واجبة. لقوله (فرض رسول الله ﷺ … ). • على من تجب؟ تجب على المسلم، الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير. أ-لقوله ( .. من المسلمين). قال الحافظ: وهو أمر متفق عليه. ب-ولأنها طهرة والكافر ليس مكاناً للطهرة. فلو أن رجلاً تزوج يهودية، فإنه لا يخرج عنها زكاة الفطر، لأنها كافرة.

стр. 1089

• لماذا أضيفت إلى الفطر؟ قيل: أضيف إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان. وقيل: المراد صدقة النفوس. قال الحافظ: والأول أظهر، ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث: زكاة الفطر من رمضان. • كم مقدار زكاة الفطر؟ صاع سواء من البر أو غيره. لقوله ﷺ (صاعاً … ). • هل تجب على الصغير؟ نعم، واجبة على الصغير والكبير، والجمهور تجب فطرة الصغير في ماله، والمخاطب بإخراجها وليه، وإن كان للصغير مال وإلا وجبت على من تلزمه نفقته. • هل تجب زكاة الفطر على المسلم ولو لم يصم رمضان لمرض أو عذر؟ نعم، واجبة حتى ولو لم يصم لمرض أو عذر. وذهب سعيد بن المسيب، والحسن البصري أنها لا تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث ابن عباس الآتي بلفظ (صدقة الفطر طهرة للصائم). قال في الفتح: وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب، كما أنها تجب على من لا يذنب، كمتحقق الصلاح، أو من أسلم قبل الغروب بلحظة. أن من حكم هذه الزكاة اغتناء الفقراء في يوم العيد، لئلا يبتذلوا أنفسهم بالسؤال. • ما حكم إخراج الزكاة من غير هذه الأصناف المنصوص عليها؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يجزئ إخراج غير هذه الأصناف المنصوص عليها. وهذا قول الحنابلة. أ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَجْنَاسًا مَعْدُودَةً، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَجْنَاسِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْفَرْضَ تَفْسِيرٌ لِلْمَفْرُوضِ، فَمَا أُضِيفَ إلَى الْمُفَسَّرِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ مَفْرُوضَةً فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا. (المغني). ب- وَلِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ غَيْرَهَا عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجْزِ، كَإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَكَمَا لَوْ أَخْرَجَ عَنْ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. القول الثاني: أنه يجوز إخراج زكاة الفطر من غير الأصناف المنصوصة مما هو من قوت البلد ولو مع توفر الأجناس المنصوصة. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختيار ابن تيمية. أ- قياس الأصناف غير المنصوصة مما هو من قوت البلد على المنصوصة، وذلك لأنه لا يوجد في الأصناف المنصوصة معنى يخصها ويمنع من قياس غيرها عليها. ب- أن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المساواة للفقراء، وزكاة الفطر لا تخرج عن هذا الباب، فجاز إخراجها من غالب قوت البلد، ويؤيده أن الأصناف المنصوصة كانت هي غالب قوت أهل المدينة وقتها، ولو كانوا يقتاتون غيرها لأمروا بالإخراج مما يقتاتون. وهذا القول هو الراجح.

стр. 1090

• هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقداً؟ لا يجوز إخراجها نقداً. وهذا مذهب جماهير العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة. أ-لقول ابن عمر ﵁ (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من تمر وصاعا من شعير). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فرض الصدقة من تلك الأنواع، فمن عدل إلى القيمة فقد ترك المفروض. ب-عن أبي سعيد ﵁ قال (كنا نخرجها على عهد رسول الله ﷺ صاعا من طعام، وكان طعامنا التمر والشعير والزبيب والأقط). وجه الدلالة: أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يخرجونها من غير الطعام، وتتابعهم على ذلك دليل على أن المشروع إخراجها طعاماً. ج-أن إخراج زكاة الفطر من الشعائر، فاستبدال المنصوص بالقيمة يؤدي إلى إخفائها وعدم ظهورها (فتنقلب من شعيرة ظاهرة إلى صدقة خفية). د-قال ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). هـ- أن ذلك مخالف لعمل الصحابة، فقد كانوا يخرجونها من الطعام. • هل إذا لم يستطع دفع صاع، هل يدفع ما قدر عليه منه؟ قيل: يدفع ما قدر عليه. أ-لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم). ب-ولأن بعض الصاع ينفع الفقير. وقيل: لا يدفع. لأن هذه عبادة مقدرة في تقدير معين، إذا عجز عن هذا القدر سقطت عنه. والراجح الأول. هل تجب زكاة الفطر على الجنين؟ لا تجب، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك. وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه. وكان عثمان يخرجها عنه. فائدة: ظاهر الأحاديث عدم الفرق بين أهل البادية وغيرهم، وإليه ذهب الجمهور. وقال الزهري وربيعة والليث: إن زكاة الفطر تختص بالحاضرة، ولا تجب على أهل البادية.

стр. 1091

٦٢٧ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (فَرَضَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَكَاةَ اَلْفِطْرِ; طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اَللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ اَلصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ اَلصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ اَلصَّدَقَاتِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم. === (طهرة للصائم) أي تطهيراً لنفس من صام رمضان من اللغو. (اللغو) هو الكلام الذي لا فائدة فيه. (الرفث) قال ابن الأثير: الرفث هنا الفحش من الكلام. • ما صحة حديث الباب؟ الحديث سنده حسن كما قال النووي، ورجاله ثقات. • ما الحكمة من زكاة الفطر؟ أولاً: طهرة للصائم. ثانياً: إغناء الفقراء وكفهم عن السؤال يوم العيد. ثالثاً: طعمة للمساكين. رابعاً: يلحق بركب الكرماء. • اذكر أوقات إخراج زكاة الفطر؟ زكاة الفطر لها أوقات: أولاً: الاستحباب: وهو يوم العيد قبل الصلاة. لحديث ابن عمر السابق ( … وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ اَلنَّاسِ إِلَى اَلصَّلَاةِ) ولحديث الباب. ثانياً: وقت جواز. قبل العيد بيوم أو يومين. لقول نافع (كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) رواه البخاري. ثالثاً: وقت وجوب. تجب بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان. أمثلة: مات بعد الغروب ـ تجب عليه. ملك رقيقاً قبل الغروب ـ يجب أن يخرج عنه. رابعاً: وقت تحريم. بعد صلاة العيد لغير عذر. لحديث الباب. (المذهب وقت الكراهة سائر يوم العيد إلى الغروب، والتحريم بعد غروب الشمس من يوم العيد).

стр. 1092

• هل يجوز أن يخرج الجماعة فطرتهم لشخص واحد وكذا العكس؟ نعم، يجوز أن يخرج الجماعة فطرتهم ويعطوها لواحد، ويجوز للواحد أن يوزع فطرته على واحد أو اثنين. • ما مصرف زكاة الفطر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن صدقة الفطر تجري مجرى زكاة المال، فيجوز دفعها للمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب كسائر الأصناف. وهذا قول الشافعية والحنابلة. أ- لقوله تعالى (إنما الصدقات للفقر) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). وجه الدلالة: أن صدقة الفطر تدخل في عموم الصدقات، وقد بينت الآية مصارفها ومن يستحقها، ومنهم المؤلفة قلوبهم وفي الرقاب. ب- أن صدقة الفطر زكاة، فأشبهت زكاة المال، وقد تقرر أن زكاة المال تدفع إلى جميع الأصناف. القول الثاني: أن صدقة الفطر تجري مجرى الكفارات، فلا يجوز دفعها إلا لمن لهم أخذ الكفارات، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم، فلا يدخل فيها الغارمون ولا المؤلفة قلوبهم وفي الرقاب. وهذا قول الحنفية، والمالكية وهو اختيار ابن تيمية. أ- لحديث الباب ( … وطعمة للمساكين). وجه الدلالة: قوله (طعمة للمساكين) يدل على أن ذلك حق للمساكين مختص بهم، كما اختص بهم الإطعام في الكفارة في قوله تعالى في آية الظهار (فإطعام ستين مسكيناً)، فإذا لم تجز أن تصرف هذه للأصناف الثمانية، فكذلك زكاة الفطر. ب- أنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه الراشدين أنه كان يدفع صدقة الفطر إلى سائر الأصناف الثمانية، بل كان يدفعها إلى المساكين وحسب. قال ابن القيم: وكان من هديه ﵇ تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة، وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية بَابُ صَدَقَةِ اَلتَّطَوُّعِ التطوع لغة: فعل الطاعة. وشرعاً: كل طاعة ليست بواجبة. والصدقة: دفع مال لفقير تقرباً إلى الله.

стр. 1093

٦٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اَللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ … - فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ وَفِيهِ: (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٦٢٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّ اِمْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ اَلنَّاسِ). رَوَاهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. === • اذكر لفظ لحديث أبي هريرة كاملاً؟ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاه) متفق عليه. • اذكر فضائل الصدقة؟ الصدقة فضلها عظيم، وأجربها كبير، وجاءت النصوص الكثيرة في فضلها: أولاً: أنها برهان على صدق إيمان صاحبها. لحديث أبي مالك الأشعري. قال: قال ﷺ (والصدقة برهان) رواه مسلم. قال ابن رجب: وأما الصدقة فهي برهان، … فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان. ثانياً: أنها تطهير للنفس. كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ). ثالثاً: أنها تزيد المال. قال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم. رابعاً: أنها تظلل صاحبها يوم القيامة. كما في حديث الباب (العبد في ظل صدقته يوم القيامة) رواه ابن حبان. خامساً: مغفرة الذنوب: وفي الحديث (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي. سادساً: يكون في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله. كما في حديث الباب (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ). سابعاً: سبب للنجاة من النار. كما قال ﷺ للنساء (تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار) متفق عليه. وقال ﷺ (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه. ثامناً: أن الله يضاعفها ولو كانت قليلة. كما قال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ). وقال ﷺ (إن الله يربي الصدقة كما يربي أحدكم فلوه) متفق عليه. عن أبي هُرَيْرَةَ قال. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) متفق عليه.

стр. 1094

تاسعاً: درجة البر (الجنة) تنال بالإنفاق: كما قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ). وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به. عاشراً: صاحب الصدقة موعود بالخلف. كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب. الحادي عشر: سبب لدعاء الملائكة. قال ﷺ (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه. الثاني عشر: أن فيها انشراح الصدر، وراحة القلب وطمأنينته. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدَيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تُغَشِّىَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا». قَالَ فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَوَسَّع) متفق عليه. الثالث عشر: الفضل الكبير. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ. لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لاِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالي ثُلُثاً وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَه) رواه مسلم. • متى أفضل وقت للصدقة؟ وقت الصحة والقوة. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَان) متفق عليه. قال النووي ﵀: قَالَ الخطابي: فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشُّحّ غَالِب فِي حَال الصِّحَّة، فَإِذَا شَحّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّته وَأَعْظَم لأَجْرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت وَآيَسَ مِنْ الْحَيَاة وَرَأَى مَصِير الْمَال لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَته حِينَئِذٍ نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الصِّحَّة، وَالشُّحّ رَجَاء الْبَقَاء وَخَوْف الْفَقْر .. فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَفِي الْحَدِيث أَنَّ تَنْجِيز وَفَاء الدَّيْن وَالتَّصَدُّق فِي الْحَيَاة وَفِي الصِّحَّة أَفْضَل مِنْهُ بَعْد الْمَوْت وَفِي الْمَرَض، وَأَشَارَ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " وَأَنْتَ صَحِيح حَرِيص تَأْمُل الْغِنَى الخ " لأَنَّهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصْعُب عَلَيْهِ إِخْرَاج الْمَال غَالِبًا لِمَا يُخَوِّفهُ بِهِ الشَّيْطَان وَيُزَيِّن لَهُ مِنْ إِمْكَان طُول الْعُمْر وَالْحَاجَة إِلَى الْمَال كَمَا قَالَ تَعَالَى (الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر) الآيَة. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا قَالَ: مَثَل الَّذِي يُعْتِق وَيَتَصَدَّق عِنْد مَوْته مِثْل الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ "، وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى حَدِيث الْبَاب. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا " لأَنْ يَتَصَدَّق الرَّجُل فِي حَيَاته وَصِحَّته بِدِرْهَمٍ خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوْته بِمِائَة.

стр. 1095

فائدة: قال السمرقندي: عليك بالصدقة بما قلّ أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال محمودة خمس في الدنيا وخمس في الآخرة. أما التي في الدنيا: فأولها: تطهير المال كما قال النبي ﷺ (ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة). والثاني: أن فيها تطهير البدن من الذنوب، كما قال الله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ … ). والثالث: أن فيها دفع البلاء والأمراض، كما قال النبي ﷺ (داووا مرضاكم بالصدقة). والرابع: أن فيها إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين. والخامس: أن فيها بركة في المال وسعة في الرزق، كما قال تعالى (ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ). وأما الخمس التي في الآخرة: فأولها: أن تكون الصدقة ظلاً لصاحبها في شدة الحر. والثاني: أن فيها خفة الحساب. والثالث: أنها تثقل الميزان. والرابع: جواز على الصراط. والخامس: زيادة الدرجات في الجنة. • ما الأفضل في صدقة التطوع أن تكون سراً أم علانية؟ الأفضل أن تكون سراً. أ- لحديث الباب (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). ب- ولقوله تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). فقوله تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) قال السعدي: أي: فتظهروها وتكون علانية حيث كان القصد بها وجه الله (فنعما هي) أي: فنعم الشيء (هي) لحصول المقصود بها. قال ابن القيم: قوله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) أي فنعم شيء هي وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه فيمنعه ذلك من إخراجها وينتظر بها الإخفاء فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه أو بينه وبين إخراجها فلا يؤخر صدقة العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر وهذه كانت حال الصحابة. (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: وإن تسروها وتدفعوها للفقراء فهو أفضل لكم لأنه أبعد عن الرياء. قال ابن الجوزي: وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين: أحدهما: يرجع إلى المعطي وهو بُعْدُه عن الرياء، وقربه من الإخلاص، والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية. والثاني: يرجع إلى المعطَى، وهو دفع الذل عنه بإخفاء الحال، لأن في العلانية ينكر. ثم قال: واتفق العلماء على إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها. قال السعدي: … وإن أخفاها وسلمها للفقير كان أفضل، لأن الإخفاء على الفقير إحسان آخر، وأيضاً فإنه يدل على قوة الإخلاص، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله (من تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).

стр. 1096

وقال ابن القيم: … وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد: الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيراً من إظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبي ﷺ صدقة السر وأثنى على فاعلها وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة ولهذا جعله سبحانه خيرا للمنفق وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته ولا يخفى عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم فإنه بما تعملون خبير. قال ابن كثير: فيه دلالة على إن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية. فالأصل أن الإسرار أفضل، لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). وجاء في الحديث (صدقة السر تطفئ غضب الرب). قال القرطبي: قوله تعالى (فَنِعِمَّا هِيَ) ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك. ولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطُنع إليك فانشره. وقال العباس بن عبد المطلب ﵁: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيلُه وتصغيرُه وسترهُ؛ فإذا أعجلته هنيّته، وإذا صغّرته عظّمته، وإذا سترته أتْمَمْته. وقال بعض الشعراء فأحسن: زاد معروفُك عندي عِظَماً … أنه عندك مستورٌ حقِيرْ تَتَناساه كأَنْ لَمْ تأتِه … وهو عند الناس مشهور خطِيرْ وقال ﵀: ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوّع؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاءُ أفضل في تطوّعها لانتفاء الرياء عنها. قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوّع تفضُل علانيتها يقال بسبعين ضِعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سِرِّها يقال بخمسة وعشرين ضِعفاً. قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف؛ وفي صحيح مسلم عن النبيّ ﷺ أنه قال (أفضل صلاة المرء في بيته إِلا المكتوبة) وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عُرضة لذلك وروى النَّسائيّ عن عُقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال (إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يُسِرّ بالقرآن كالذي يُسِرّ بالصدقة وفي الحديث: صدقة السرّ تُطْفِئ غضب الرب ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور ﵀ في فوائد الآية السابقة في سورة البقرة - فيها: تفضيل لصدقة السرّ؛ لأنّ فيها إبْقاء على ماءِ وجه الفقير، حيث لم يطّلع عليه غير المعطي. • وأما الزكاة المفروضة فالأفضل إظهارها. لأجل أن يقتدي به غيره، ولئلا يُساء الظن به، فيظن بعض الناس أنه لا يخرج زكاة.

стр. 1097

قال النووي ﵀: الأفضل في الزكاة إظهار إخراجها; ليراه غيره فيعمل عمله، ولئلا يساء الظن به، وهذا كما أن الصلاة المفروضة يستحب إظهارها، وإنما يستحب الإخفاء في نوافل الصلاة والصوم. (المجموع). وقال المرداوي في (الإنصاف) يستحب إظهار إخراج الزكاة مطلقاً على الصحيح من المذهب " انتهى. وقال ابن بطال في شرحه (لصحيح البخاري) ولا خلاف بين أئمة العلم أن إعلان صدقة الفريضة أفضل من إسرارها، وأن إسرار صدقة النافلة أفضل من إعلانها .... وكذلك جميع الفرائض، والنوافل في الأشياء كلها وقال سفيان (إن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) قال: سوى الزكاة، وهذا قول كالإجماع. وجاء في (الموسوعة الفقهية) فيما ينبغي مراعاته حال الإخراج: إظهار إخراج الزكاة وإعلانه … قال الطبري: أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل " انتهى. • هل يجوز إعطاء الكافر من الصدقة؟ يجوز إعطاء الصدقة - غير المفروضة - للفقراء من غير المسلمين وخصوصا إذا كانوا من الأقارب، بشرط أن لا يكونوا من المحاربين لنا، وأن لا يكون وقع منهم اعتداء يمنع الإحسان إليهم. لقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون). ولحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت (قَدِمَتْ عَلَيّ أمي وهي مشركة - في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ومُدَّتِهم - مع أبيها، فاستفتت رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبةٌ - تطلب العون - أفأصلها؟ قال: نعم صِلِيْها) رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ (أن امرأة يهودية سألتها فأعطتها، فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر، فأنكرت عائشة ذلك، فلما رأت النبي ﷺ قالت له، فقال: لا، قالت عائشة: ثم قال لنا رسول الله ﷺ بعد ذلك " إنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم) مسند أحمد. فدل هذان الحديثان على جواز إعطاء الكافر من الصدقة. ولا يجوز إعطاء فقراء الكفار من الزكاة، لأن الزكاة لا تعطى إلا للمسلمين في مصرف الفقراء والمساكين المذكورين في آية الزكاة. قال الإمام الشافعي: ولا بأس أن يتصدق على المشرك من النافلة، وليس له في الفريضة من الصدقة حق، وقد حمد الله تعالى قوماً فقال (ويطعمون الطعام). • ما المقصود بقوله (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)؟ المقصود المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث أن شماله مع قربها من يمينه وتلازمهما لو تصور أنها تعلم بما عملت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها. • اذكر وقت صدقة التطوع؟ صدقة التطوع لها وقتان: - وقت استحباب: وهو في كل وقت. - وقت تأكد الاستحباب: وله أوقات مثل: وقت الحاجة والشدة والمجاعة والنكبات. في العشر الأواخر من رمضان (لأن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان). في عشر ذي الحجة لحديث (ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه العشر- يعني عشر ذي الحجة - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله .. الحديث) رواه البخاري. ومن الصدقات المؤكدة: على الجار: لحديث (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه. الصدقة عند الكسوف: لقول النبي ﷺ لما كسفت الشمس (صلوا وادعوا وتصدقوا) رواه البخاري.

стр. 1098

• ما حكم أن ينوي الإنسان بصدقته أو زكاته نماء ماله فقط؟ لا بأس بذلك. وقد نبه الله على مثل ذلك في قول نوح ﵇ لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مُدْرَاراً)، وقال النبي ﷺ (ما نقصت صدقة من مال). وقال ﷺ (من أحب أن يُنسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه)، ولم يجعل الله هذه الفوائد الدنيوية إلا ترغيباً للناس، وإذا كانوا يرغبون فيها فسوف يقصدونها، لكن من قصد الآخرة حصلت له الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)، يعني نعطيه الدنيا والآخرة، أما الاقتصار في أداء العبادة على رجاء الفوائد الدنيوية فقط فلا شك أن هذا قصور في النية سببه تعظيم الدنيا ومحبتها في قلب من يفعل ذلك .... (لقاءات الباب المفتوح). • اشرح معاني الكلمات في الحديثين؟ قوله (سبعة) هذا لا يدل على الحصر، بدليل أنه جاءت أحاديث فيها بعض الأعمال (غير المذكورة في الحديث) فيها هذا الفضل. كحديث: (من نظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) رواه مسلم. قوله (يظلهم في ظله) اختلف العلماء في المراد في هذا الظل: قيل: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكل ظل فهو ملكه. وقيل: المراد: أنه بظله كرامته وحمايته، كما يقال: فلان في ظل الملك. وقيل: المراد في ظل عرشه، وبه جزم القرطبي. قوله (إمام عادل) فيه فضل الإمام إذا كان عادلاً. والمراد به صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين فعدل فيه. قال الحافظ: وأحن ما فسر به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط. - قدمه في الذكر لعموم النفع به. قوله (وشاب نشأ في طاعة الله) خص الشاب لأنه مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى. قوله (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال) المراد بالمنصب الأصل والشرف. وصفها بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه وهو المنصب الذي يستلزمه الجاه والمال مع الجمال. قوله (دعته) قيل: دعته إلى الفاحشة. وقيل: دعته إلى التزوج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها. والأول أصح، ويؤيده وجود الكناية في قوله (إلى نفسها) ولو كان المراد التزويج لصرح به. ففي هذا فضل الخوف من الله، وفضل العفاف. وقد قال يوسف: (مَعَاذَ اللَّهِ). وقال: (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).

стр. 1099

• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - فضل ذكر الله خالياً. (خالياً: أي من الخلو، لأنه حينئذٍ أبعد من الرياء). - أن المرأة كالرجل في هذا الحديث إلا إذا كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى فلا تدخل. - عظم فضل الله. - أن الله لا يضيع عمل المحسنين. - فضل الإخلاص. - ذم الرياء. - فضل البكاء من خشية الله. وقال ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: وذكر منهما: عين بكت من خشية الله). وقال ﷺ : (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع). فائدة: قال ابن رجب: … ومن هاهنا عظم ثواب من أطاع الله سراً بينه وبينه، ومن ترك المحرمات التي يقدر عليها سراً. فأما الأول: فمثل قوله تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) إلى قوله (فلا تعلم نفس .. ). قال بعض السلف: أخفوا لله العمل فأخفى لهم الجزاء. وفي حديث السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ( .. ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). وأما الثاني: فمثل قوله ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).

стр. 1100

٦٣٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا] مُسْلِمًا [ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اَللَّهُ مِنْ خُضْرِ اَلْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اَللَّهُ مِنْ ثِمَارِ اَلْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اَللَّهُ مِنْ اَلرَّحِيقِ اَلْمَخْتُومِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ لِينٌ. === • ما صحة حديث الباب؟ حديث ضعيف. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: فضل من كسا مسلماً على عري، وفضل إطعام مسلم على جوع، وفضل سقي مسلم على ظمأ • ماذا نستفيد من قوله (كَسَا] مُسْلِمًا [ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اَللَّهُ) وقوله (وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اَللَّهُ)؟ نستفيد أن الجزاء من جنس العمل، وهذه قاعدة جليلة عظيمة، أدلتها من الكتاب والسنة كثيرة قال تعالى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ). وقال تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ). وقال تعالى (َأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). وقال ﷺ (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) رواه مسلم. وقال ﷺ (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه مسلم. وقال ﷺ (احفظ الله يحفظك). وقال ﷺ (والشاة إن رحمتها رحمك الله) رواه أحمد. وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) متفق عليه. وقال ﷺ (من وصل صفاً وصله الله) رواه أبو داود. وقال ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود. وقال ﷺ (من كان له وجهان في الدنيا، كان له لسانان من نار يوم القيامة) رواه أبو داود. • ماذا نستفيد من قوله ( … على عري، … على جوع، … على ظمأ)؟ نستفيد: أن أفضل الصدقة ما وافق حاجة في المتصدق عليه، فالصدقة وقت الحاجة والشدة أفضل. كما قال تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ).

стр. 1101

٦٣١ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اَلْيَدُ اَلْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اَلْيَدِ اَلسُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ اَلصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اَللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اَللَّهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. ٦٣٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (قِيلَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ: أَيُّ اَلصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ اَلْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. === وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول) أي: في الإعطاء والإنفاق أبداً. • ما المراد باليد العليا واليد السفلي؟ المراد باليد العليا: هي المنفقة. والسفلى: هي السائلة. كما جاء في حديث آخر: (يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي). وقال ﷺ (الأيد ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى). • اذكر بعض ما ورد في فضل الإنفاق؟ أولاً: أن الإنفاق استجابة لأمر ربنا تعالى. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ). وقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). ثانياً: مضاعفة الحسنات. قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). ثالثاً: أن درجة البر تنال بالإنفاق. قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ). رابعاً: أنها من صفات المتقين. كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقوله تعالى (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) دليل على الإنفاق ملازم لهم في جميع أحوالهم. خامساً: الأمان من الخوف يوم الفزع الأكبر. قال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). سادساً: أن صاحب الإنفاق موعود بالخير الجزيل. قال تعالى (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ). وقال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ). سابعاً: أن الله يخلف المنفِق. قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). ثامناً: أن الإنفاق دليل على صحة الإيمان. قال ﷺ (والصدقة برهان) رواه مسلم، فالصدقة برهان على صحة الإيمان.

стр. 1102

تاسعاً: ينال دعاء الملائكة. كما قال ﷺ (ما من صباح إلا وينزل ملكان: يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه. عاشراً: فضل من سبق بالإنفاق والجهاد. قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى). الحادي عشر: أنها ارغام للشيطان وحسن ظن بالله. قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). الثاني عشر: لا حسد إلا لمن أنفق في وجوه الخير. قال ﷺ (لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا). الثالث عشر: أن المنفق خير من الآخذ. قال ﷺ (اليد العليا خير من اليد السفلى). • ما معنى قوله (وابدأ بمن تعول)؟ أي: أنه أول ما يجب على الإنسان الإنفاق على من يعولهم، لقوله ﷺ : (ابدأ بمن تعول). ولقوله: (تصدق على ولدك). • ما معنى قوله ﷺ (وَخَيْرُ اَلصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى)؟ قَالَ الْخَطَّابِيّ: الْمَعْنَى أَفْضَل الصَّدَقَة مَا أَخْرَجَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ مِنْهُ قَدْرَ الْكِفَايَة. وقال الحافظ ابن حجر: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَل الصَّدَقَة مَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُه. وَقِيلَ: الْمُرَادُ خَيْر الصَّدَقَةِ مَا أَغْنَيْت بِهِ مَنْ أَعْطَيْتَهُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ. وَقِيلَ: (عَنْ) لِلسَّبَبِيَّةِ وَالظَّهْر زَائِد، أَيْ: خَيْر الصَّدَقَةِ مَا كَانَ سَبَبهَا غِنًى فِي الْمُتَصَدِّق. والأول هو الراجح.

стр. 1103

• ما الجمع بين قوله (وَخَيْرُ اَلصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) وبين قوله (أَفْضَلُ الصدقة جُهْدُ اَلْمُقِلِّ)؟ قال الصنعاني: ووجه الجمع بين هذا الحديث والذي قبله ما قاله البيهقي ولفظه: والجمع بين ﷺ : "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وقوله: "أفضل الصدقة جهد المقل" أنه يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية وساق أحاديث تدل على ذلك. وقال البغوي: والاختيار للرجل أن يتصدق بالفضل من ماله، ويستبقي لنفسه قوتاً لما يخاف عليه من فتنة الفقر، وربما يلحقه الندم على ما فعل، فيبطل به أجره، ويبقى كلاً على النّاس، ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر خروجه من ماله أجمع، لَّما علم من قوة يقينه وصحة توكله، فلم يخف عليه الفتنة، كما خافها على غيره، أمّا من تصدق وأهله محتاجون إليه أو عليه دين فليس له ذلك، وأداء الدين والإنفاق على الأهل أولى، إلا أن يكون معروفاً بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، فأثنى الله عليهم بقوله (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وهي الحاجة والفقر. وقال القرطبي: وَالْمُخْتَار أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَفْضَلُ الصَّدَقَة مَا وَقَعَ بَعْدَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ النَّفْسِ وَالْعِيَال بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ الْمُتَصَدِّق مُحْتَاجًا بَعْدَ صَدَقَتِهِ إِلَى أَحَد، فَمَعْنَى الْغِنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُصُول مَا تُدْفَعُ بِهِ الْحَاجَة الضَّرُورِيَّة كَالْأَكْلِ عِنْدَ الْجُوعِ الْمُشَوِّشِ الَّذِي لَا صَبْرَ عَلَيْهِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْحَاجَة إِلَى مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْأَذَى، وَمَا هَذَا سَبِيله فَلَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ أَدَّى إِلَى إِهْلَاكِ نَفْسِهِ أَوْ الْإِضْرَارِ بِهَا أَوْ كَشْف عَوْرَتِهِ، فَمُرَاعَاة حَقِّهِ أَوْلَى عَلَى كُلِّ حَال، فَإِذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الْوَاجِبَاتُ صَحَّ الْإِيثَارُ وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ هِيَ الْأَفْضَل لِأَجْلِ مَا يَتَحَمَّلُ مِنْ مَضَضِ الْفَقْر وَشِدَّةِ مَشَقَّتِهِ، فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُض بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 1104

• ما معنى (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اَللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اَللَّهُ)؟ (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) أي: من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياه، والاستعفاف: هو الكف عن الحرام، والسؤال من الناس (يُعِفهُ اللهُ) أي: يرزقه الله العفة، قال القرطبي: أي يجازه على استعفافه بصيانه وجهه ورفع قاقته. (وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أي: من يستغن بالله عمن سواه، أو يُظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس (يُغْنِهِ اللهُ) يرزقه الله غنى القلب. ففي هذا الحديث دليل على فضل الاستعفاف عن الناس والاستغناء عنهم. قال السعدي: هذا الحديث اشتمل على أربع جمل جامعة نافعة. إحداها: قوله (ومن يستعفف يعفه الله). والثانية: قوله (ومن يستغن يغنه الله). وهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقاً به دون المخلوقين. فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبداً لله حقاً، حراً من رق المخلوقين، وذلك بأن يجاهد نفسه على أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله، ولهذا قال ﷺ لعمر (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) فقطع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففاً وترفعاً عن منن الخلق، وعن تعلق القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة. وتمام ذلك: أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا، فإن من استعف عما في أيدي الناس وعما يناله منهم، أوجب له ذلك أن يقوى تعلقه بالله، ورجاؤه وطمعه في فضل الله وإحسانه، ويحسن ظنه وثقته بربه، والله تعالى عند حسن ظن عبده به، إن ظن خيراً فله، وإن ظن غيره فله، وكل واحد من الأمرين يمد الآخر فيقويه، فكلما قوي تعلقه بالله ضعف تعلقه بالمخلوقين وبالعكس. ومن دعاء النبي ﷺ (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى) فجمع الخير كله في هذا الدعاء، فالهدى: هو العلم النافع، والتقى: هو العمل الصالح، وترك المحرمات كلها، هذا صلاح الدين. وتمام ذلك بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله، ومن كان غنياً بالله فهو الغني حقاً، وإن قلت حواصله، فليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى القلب، وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله. وقال ابن تيمية: سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه. وقال ابن القيم: يستعين الإنسان على التجرد من الطمع والفزع؟ بالتوحيد والتوكل والثقة بالله، وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله، ليس لأحد مع الله شيء وقال ابن رجب ﵀: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه، لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك.

стр. 1105

وقال ﵀: وفي النَّهي عن مسألة المخلوقين أحاديثُ كثيرة صحيحة، وقد بايع النبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابه على أنْ لا يسألوا النَّاسَ شيئاً، منهم: أبو بكر الصدِّيق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطُه أو خِطام ناقته، فلا يسأل أحداً أنْ يُناوله إياه. واعلم أنَّ سؤالَ اللهِ تعالى دونَ خلقه هوَ المتعين؛ لأنَّ السؤال فيهِ إظهار الذلِّ من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعترافُ بقدرةِ المسؤول على دفع هذا الضَّرر، ونيل المطلوب، وجلبِ المنافع، ودرء المضارِّ، ولا يصلح الذلُّ والافتقار إلاَّ لله وحدَه؛ لأنَّه حقيقة العبادة، وكان الإمامُ أحمد يدعو ويقول: اللهمَّ كما صُنتَ وجهي عَنِ السُّجود لغيرك فصُنْه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضرِّ وجلب النفع سواه. كما قال (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) وقال (مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ). وقال ابن تيمية: سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك. والثانية: مفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق. والثالثة: فيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة .... • اذكر بعض فضائل العفة؟ أولاً: أنّها من خصال أهل الإيمان. قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. والَذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين). ثانياً: أنّها من أسباب الفوز بظلّ الله يوم القيامة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال (سبعةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاه) متفق عليه. ثالثاً: أنّ أهل العفّة ينالون عون الله. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي. رابعاً: أن النبي ﷺ كان يدعو بها. عن ابن مسعود قال (كان النبي ﷺ يدعو: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم. خامساً: أنّها من أسباب سعادة المرء. كما قال بعض السّلف: والله للذّة العفّة أعظم من لذّة الذّنب. وقال الغزالي: ولا معيشة أهنأ من العفّة، ولا عبادة أحسن من الخشوع، ولا زهد خير من القنوع، ولا حارس أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت. وقال في موضع آخر: وأمّا خلق العفّة فيصدر منه السّخاء والحياء والصبر والمسامحة والقناعة والورع واللطافة والمساعدة والظرف وقلةّ الطمع. وكلّ ذلك لوعد الله تعالى على لسان نبيّه ﷺ فيما رواه الإمام أحمد عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، فَكَانَ فِيمَا حَفِظْتُ عَنْهُ أَنْ قَالَ: (إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ ﵎ إِلَّا آتَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْه). قال حكيم: إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وأكساه العفاف. وعن وهب بن منبه أنّه قال: " الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفّة.

стр. 1106

• كيف السبيل إلى التعلق بالله والتعفف عن الناس؟ أولاً: بالصبر ومجاهدة النفس. لحديث الباب (ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغن يغنِه الله، ومن يصبر يُصَبِّرْه الله، وما أعطي أحدٌ من عطاءٍ خيرٌ وأوسعُ من الصبر). ثانياً: بالدعاء. فقد كان النبي ﷺ يقول (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم. قال ابن تيمية: وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه له، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرا لهم مدبرا لهم متصرفا بهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيرا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها. وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، لا سيما إذا دَرَت بفقره إليها وعشقه لها وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم؛ فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب -الذي هو الملك- رقيقا مستعبدا متيما لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب. وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك، وأما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس. وقال ابن القيم: أعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت. وقال: الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه، فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس لما شكا إليهم. ورأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك، وفي ذلك قيل: وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم. وقال أيوب السَّختياني: لا يَنْبُلُ الرجلُ حتى تكونَ فيه خصلتان: العفَّةُ عمَّا في أيدي الناس، والتجاوزُ عمّا يكون منهم. وقال أعرابيٌّ لأهل البصرة: من سيِّدُ أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن. قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاجَ الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.

стр. 1107

٦٣٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (تَصَدَّقُوا " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: " تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ " قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ " قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ " قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْتَ أَبْصَرُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. === • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ - أَوْ قَالَ: زَوْجِكَ -، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ) هذا لفظ أبي داود. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن الإنسان يجب عليه أن ينفق على نفسه وولده وزوجه وخادمه ومن يمونهم، وأن هذه النفقة بمثابة الصدقة، وأن صاحبها مأجور. وقد جاءت أحاديث تدل على ما دل عليه حديث الباب؟ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) رواه مسلم. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِى رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْراً الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) رواه مسلم. عَنْ جَابِرٍ قَالَ (أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى عُذْرَةَ عَبْداً لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ «أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ». فَقَالَ لَا. فَقَالَ «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى». فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِىُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَىْءٌ فَلأَهْلِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَىْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَىْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا». يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ) متفق عليه. وجاء عند ابن حبان (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، ثم على أبويك، ثم على قرابتك، ثم هكذا، ثم هكذا) ففي هذه الأحاديث: أولاً: وجوب النفقة على الأولاد والأهل وممن يمونهم الرجل. ثانياً: الِابْتِدَاء فِي النَّفَقَة بِالْمَذْكُورِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيب (اِبْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا؛ فَإِنْ فَضَلَ شَيْء فَلِأَهْلِك، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِك شَيْء فَلِذِي قَرَابَتك … ). فالزوجة ثم الأبناء ثم الوالدين وهكذا.

стр. 1108

قال الْخَطَّابِيُّ: هَذَا التَّرْتِيب إِذَا تَأَمَّلْته عَلِمْت أَنَّهُ ﷺ قَدَّمَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ". نقله عنه في " عون المعبود". وقال النووي: " إذا اجتمع على الشخص الواحد محتاجون ممن تلزمه نفقتهم، نظرَ: إن وفَّى ماله أو كسبه بنفقتهم فعليه نفقة الجميع قريبهم وبعيدهم، وإن لم يفضل عن كفاية نفسه إلا نفقة واحد، قدَّم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب … لأن نفقتها آكد، فإنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بالإعسار. انتهى "روضة الطالبين". قال المرداوي: " الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا بِالْمَعْرُوفِ … إذَا فَضَلَ عَنْ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ. قال الشوكاني: وقد انعقد الإجماع على وجوب نفقة الزوجة، ثم إذا فضل عن ذلك شيء فعلى ذوي قرابته. فلم يختلف العلماء في تقديم الزوجة على الوالدين في النفقة، وإنما اختلفوا في الزوجة والولد أيهما يقدم؟ قال الشيخ ابن عثيمين: فالصواب أنه يبدأ بنفسه، ثم بالزوجة، ثم بالولد، ثم بالوالدين، ثم بقية الأقارب. وجاء في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته: إذا تعدد مستحقو النفقة ولم يكن لهم إلا قريب واحد، فإن استطاع أن ينفق عليهم جميعاً وجب عليه الإنفاق، وإن لم يستطع بدأ بنفسه ثم بولده الصغير أو الأنثى أو العاجز، ثم بزوجته، وقال الحنابلة: تقدم الزوجة على الولد. وبناء على ما سبق فالواجب على الزوج أن يبدأ بكفاية زوجته وأولاده من النفقة الواجبة عليه بالمعروف، فإن بقي معه بعد ذلك شيء من المال فالواجب عليه أن ينفقه على والديه. ثالثاً: أَنَّ الْحُقُوق وَالْفَضَائِل إِذَا تَزَاحَمَتْ قُدِّمَ الْأَوْكَد فَالْأَوْكَد. رابعاً: أَنَّ الْأَفْضَل فِي صَدَقَة التَّطَوُّع أَنْ يُنَوِّعهَا فِي جِهَات الْخَيْر وَوُجُوه الْبِرّ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَة، وَلَا يَنْحَصِر فِي جِهَة بِعَيْنِهَا. خامساً: الحكمة من وتسمية النبي ﷺ النفقة على الأهل صدقة مع أنها واجبة. قَالَ الْمُهَلَّب: النَّفَقَة عَلَى الْأَهْل وَاجِبَة بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا الشَّارِع صَدَقَة خَشْيَة أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِيَامهمْ بِالْوَاجِبِ لَا أَجْر لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ عَرَفُوا مَا فِي الصَّدَقَة مِنْ الْأَجْر فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ صَدَقَة، حَتَّى لَا يُخْرِجُوهَا إِلَى غَيْر الْأَهْل إِلَّا بَعْد أَنْ يَكْفُوهُمْ; تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي تَقْدِيم الصَّدَقَة الْوَاجِبَة قَبْل صَدَقَة التَّطَوُّع. نقله عنه في " فتح الباري.

стр. 1109

٦٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (إِذَا أَنْفَقَتِ اَلْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اِكْتَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (إِذَا أَنْفَقَتِ اَلْمَرْأَةُ) أي: تصدقت كما في رواية الترمذي (إذا تصدقت المرأة)، والمراد بالمرأة هنا الزوجة بدليل الرواية الأخرى ( … من طعام زوجها). (مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا) أي: من طعام زوجها الذي في بيتها المتصرفة هي فيه، وإنما خص الطعام بالذكر، لغلبة المسامحة به عادة، وإلا فغيره مثله. (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) أي: غير مسرفة في التصدق بأن لا تتعدى إلى الكثرة المؤذية إلى النقص الظاهر. • من المعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك غيره إلا بإذنه، فما الجواب عن حديث الباب؟ اختلف العلماء في الجواب عن هذا الحديث: أ-فمن العلماء من أجازه في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان. قال النووي: اعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة، فإن زاد على المتعارف لم يجز. وقال أيضاً: الإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصّريح في النّفقة والصّدقة. والثّاني: الإذن المفهوم من اطّراد العرف والعادة، كإعطاء السّائل كسرة ونحوها ممّا جرت العادة به، واطّرد العرف فيه، وعلم بالعرف رضا الزّوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلّم … واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة، فان زاد على المتعارف لم يجز، وهذا معنى قوله: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة) فأشار إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به في العادة. (شرح مسلم). مثل: الرغيف، وزائد الطعام المطهي، وبقية الفاكهة ونحو ذلك مما يتسامح فيه الناس، وجرى العرف برضا الزوج في مثله. ب-ومن العلماء من حمل ذلك على ما إذا أذن الزوج فيه ولو بطريق الإجمال سواء كان الإذن صريحاً أو عرفياً. ج-ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بنفقة المرأة النفقة على صاحب المال، وليس لها أن تفتئت على رب البيت بالإنفاق على الفقراء. د-ومنهم من أطلق لها حق التصرف، وإن لم يأذن الزوج، لكن بشرط عدم الإفساد، وفيما تعارف عليه الناس فيما بينهم. وهذا هو الصحيح. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - يشترط في حصول هذا الأجر للزوجة عدم الإسراف لقوله (غير مفسدة). - قوله (من طعام بيتها) قال النووي: ونبه بالطعام أيضاً على ذلك، لأنه يُسمح به في العادة بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس وفي كثير من الأحوال. - أن للزوجة أجر إذا أنفقت من مال زوجها من غير إسراف ولا تبذير كما أن للزوج أجر. - أنه إذا عُلم أن الزوج فيه شح، وأنه لا يرضى أبداً التصدق من ماله، لم يجز للزوجة التصدق إلا بإذنه صريحاً.

стр. 1110

٦٣٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (جَاءَتْ زَيْنَبُ اِمْرَأَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اَلْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ اِبْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدُهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ صَدَقَ اِبْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَىَ الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا». فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ». ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ «أَىُّ الزَّيَانِبِ». فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَال «نَعَمِ ائْذَنُوا لَهَا». فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِم). وفي رواية للبخاري (وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَالَ فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزِى عَنِّى أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِى فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِى أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ولفظ مسلم: عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ: فَقُلْتُ إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِى عَنِّى وَإِلاَّ صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ. قَالَتْ فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَتِي حَاجَتُهَا - قَالَتْ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ - قَالَتْ - فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ أَتَجْزِى الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ - قَالَتْ - فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ هُمَا». فَقَالَ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّ الزَّيَانِبِ». قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَهُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ). (إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ) كناية عن الفقر وقلة المال. (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِى عَنِّي) جواب الشرط محذوف عليه ما بعده: أي: صرفتها إليكم، والضمير لعبد الله بن مسعود ولأيتام لها، كما في رواية البخاري. (وَإِلاَّ) لم يجز. (صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ) أي: إلى من يجوز لي صرفه له. (قَالَتْ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ) قيل: سبب امتناع ابن مسعود عن السؤال لما بُيّن بعد هذا بقولها: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة.

стр. 1111

• ما حكم دفع الزوجة زكاتها لزوجها؟ اختلف العلماء في دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها على قولين: القول الأول: أنه يجوز ذلك. قال الصنعاني: هو قول الجمهور. قال الحافظ - في حديث الباب -: وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الْمَرْأَةِ زَكَاتهَا إِلَى زَوْجِهَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ. وقال ابن حزم في المحلى: وتعطي المرأة زوجها من زكاتها إن كان من أهل السهام، صح عن رسول الله ﷺ أنه أفتى زينب امرأة ابن مسعود. وساق الحديث. أ-عموم الأدلة (إنما الصدقات للفقراء … ). ب-ولعدم الدليل الذي يمنع من ذلك. ج- قال ابن قدامة: ولأنه - أي الزوج - لا تجب نفقته عليها فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي، ويفارق الزوجة فإن نفقتها واجبة عليه؛ ولأن الأصل جواز الدفع؛ لدخول الزوج في عموم الأصناف المسمين في الزكاة، وليس في المنع نص ولا إجماع، وقياسه على من ثبت المنع في حقه غير صحيح لوضوح الفرق بينهما، فيبقى جواز الدفع ثابتًا). انتهى د-ولحديث الباب، فإن المراد به صدقة الفرض ويدل لذلك: أولاً: قولها: (أيُجْزئ عني أن أنفق علي زوجي وأيتام لي … ). ثانياً: ترك استفصاله ﷺ لها، ينزل منزلة العموم، فلم يستفصل عن الصدقة، هل هي تطوع، أو واجب؟ فكأنه قال: يجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً. قال الشوكاني: والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى زوجها أما: أولاً: فلعدم المانع من ذلك ومن قال أنه لا يجوز فعليه الدليل. وأما ثانياً: فلأن ترك استفصاله ﷺ لها ينزل منزلة العموم فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب فكأنه قال يجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً. القول الثاني: لا يجوز. وهذا مذهب أبي حنيفة. أ-لأن الرجل من امرأته كالمرأة من الرجل، وقد منعنا إعطاء الرجل للزوجة كذلك إعطاء المرأة لزوجها. ب- ولأنها ستنتفع بدفعها إليه. وقالوا: إن حديث الباب ليس المراد صدقة الفرض، وإنما المراد به صدقة التطوع ويدل لذلك: قوله ﷺ : ( … ولو من حليكن … ) فهذا يدل على التطوع. قالوا: وأما قولها: (أيجزئ عني … ) أي في الوقاية من النار، كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا يحصل لها المقصود. وأجيب عن ذلك: إنه لا يستقيم ذلك، لأنه لا يستحق النار إلا من منع الصدقة الواجبة، أما صدقة التطوع فلا يعاقب على تركها، وفي قولها: أيجزئ عني؟ أي أيجزئ عني في الزكاة الواجبة؟ أما صدقة التطوع فلا يقال: أتجزئ عني؛ لأن الغرض منها قصد الأجر والثواب، والثواب يحصل بأي مقدار من المال دُفع ولأي دفع. والراجح القول الأول.

стр. 1112

• هل يجوز للزوج أن يدفع زكاته لزوجته الفقيرة؟ لا يجوز. قال ابن المنذر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لا يُعْطِي زَوْجَتَهُ مِنْ الزَّكَاةِ لأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَة عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ الزَّكَاةِ • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن الصدقة [واجبة أو تطوعاً] على القريب فيها أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة. - فضل الصدقة على الأقارب. - ينبغي على المسلم أن يحرص على دفع زكاته لأقاربه الذين لا يتفق عليهم، كالأخوة، والأخوات، والأعمام والعمات وغيرهم. - أن الصدقة من أسباب النجاة من النار، وقد تقدم فضائل الصدقة. - زهد الصحابة في الدنيا وفقرهم. - استجابة الصحابة للرسول ﷺ . - مشروعية التثبت في العلم. - أنه يجوز للمرأة أن تتصدق وتتصرف في مالها ولو بدون إذن زوجها.

стр. 1113

٦٣٦ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (مَا يَزَالُ اَلرَّجُلُ يَسْأَلُ اَلنَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٦٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ سَأَلَ اَلنَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٦٣٨ - وَعَنِ اَلزُّبَيْرِ بْنِ اَلْعَوَّامِ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِي بِحُزْمَةِ اَلْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اَللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ اَلنَّاسَ أَعْطَوهُ أَوْ مَنَعُوهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. ٦٣٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمَسْأَلَةُ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا اَلرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ اَلرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. === (مَا يَزَالُ اَلرَّجُلُ يَسْأَلُ اَلنَّاسَ) أي: المال تكثراً من غير حاجة ولا ضرورة. (مُزْعَةُ لَحْمٍ) المُزعَة بضم الميم القطعة. (مَنْ سَأَلَ اَلنَّاسَ أَمْوَالَهُمْ) أي: شيئاً من أموالهم. (تَكَثُّرًا) أي: لأجل أن يكثر به ماله، لا لاحتياجه إليه. (فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا) أي: قطعة من نار جهنم. (فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) أي: فليستقل الجمر أو ليستكثره، فيكون تهديداً على سبيل التهكم. • ما حكم سؤال الناس من غير حاجة ولا ضرورة؟ حرام، وهذه الأحاديث تدل على أنه من كبائر الذنوب. • اذكر خطورة سؤال الناس؟ أولاً: يأتي يوم القيامة منزوع اللحم. لحديث الباب. ثانياً: من سأل الناس فإنه يسأل جمراً. لحديث الباب (مَنْ سَأَلَ اَلنَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا … ). ثالثاً: عدم سؤال الناس من أسباب دخول الجنة. قال ﷺ (من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة) رواه أبو داود. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يسترقون وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فَمَدَحَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ لَا يسترقون أَيْ لَا يَطْلُبُونَ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يَرْقِيَهُمْ، وَالرُّقْيَةُ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ فَلَا يَطْلُبُونَ مِنْ أَحَدٍ ذَلِك. رابعاً: سؤال الناس لا خير فيه للمقتدر. لحديث الباب (لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِي بِحُزْمَةِ اَلْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اَللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ … )؟

стр. 1114

• اذكر مفاسد سؤال المخلوقين؟ قال شيخ الإسلام: إن سؤال المخلوقين فيه ثلاثة مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك. ومفسدة إيذاء المسؤول، وهي من نوع ظلم الخلق. وفيه ذل لغير الله، وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة. وقال: وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به بخلاف سؤال العلم. وقال: وأما المخلوق فكما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضِل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. وقال ﵀ مبيناً سبب النهي عن سؤال المخلوقين قال: فَأَعْظَمُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ قَدْرًا وَحُرْمَةً عِنْدَ الْخَلْقِ: إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِمْ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ إلَيْهِمْ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ: كُنْتَ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ عِنْدَهُمْ، وَمَتَى احْتَجْتَ إلَيْهِمْ - وَلَوْ فِي شَرْبَةِ مَاءٍ - نَقَصَ قَدْرُكَ عِنْدَهُمْ بِقَدْرِ حَاجَتِكَ إلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَلَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ. (مجموع الفتاوى). وقال: فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ: أَكْرَمُ مَا تَكُونُ عَلَيْهِ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إلَيْهِ. وَأَفْقَرُ مَا تَكُونُ إلَيْهِ، وَالْخَلْقُ: أَهْوَنُ مَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إلَيْهِم. وقال: وَلِهَذَا كَانَتْ (مَسْأَلَةُ الْمَخْلُوقِ) مُحَرَّمَةً فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ وَفِي النَّهْيِ عَنْهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيد، … ثم ذكر حديث الباب وقال: وَفِي الْمُسْنَدِ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدِ نَاوِلْنِي إيَّاهُ؛ وَيَقُولُ: إنَّ خَلِيلِي أَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَايَعَهُ فِي طَائِفَةٍ وَأَسَرَّ إلَيْهِمْ كَلِمَةً خَفِيَّةً: أَنْ لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا فَكَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمْ؛ وَلَا يَقُولُ لِأَحَدِ نَاوِلْنِي إيَّاهُ). وقال ابن رجب: وفي النَّهي عن مسألة المخلوقين أحاديثُ كثيرة صحيحة، وقد بايع النبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابه على أنْ لا يسألوا النَّاسَ شيئاً، منهم: أبو بكر الصدِّيق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطُه أو خِطام ناقته، فلا يسأل أحداً أنْ يُناوله إياه. وقال ﵀ مبيناً سبب النهي عن سؤال المخلوق قال: واعلم أنَّ سؤالَ اللهِ تعالى دونَ خلقه هوَ المتعين؛ لأنَّ السؤال فيهِ إظهار الذلِّ من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعترافُ بقدرةِ المسؤول على دفع هذا الضَّرر، ونيل المطلوب، وجلبِ المنافع، ودرء المضارِّ، ولا يصلح الذلُّ والافتقار إلاَّ لله وحدَه؛ لأنَّه حقيقة العبادة، وكان الإمامُ أحمد يدعو ويقول: اللهمَّ كما صُنتَ وجهي عَنِ السُّجود لغيرك فصُنْه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضرِّ وجلب النفع سواه. كما قال (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ)، وقال (مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ). والله سبحانه يحبّ أنْ يُسأل ويُرْغَبَ إليه في الحوائج، ويُلَحَّ في سؤاله ودُعائه، ويَغْضَبُ على من لا يسأله، ويستدعي مِنْ عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه كُلِّهم سُؤْلَهم من غير أنْ يَنْقُصَ من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله: يكره أنْ يُسأل، ويُحبُّ أنْ لا يُسألَ، لعجزه وفقره وحاجته. ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يُغلِقُ عنك بابَه، ويُظهِرُ لك فقرَه، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتحُ لك بابه بنصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك؟ وقال طاووس لعطاء: إياك أنْ تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أنْ تسأله، ووعدك أنْ يُجيبك • اذكر بعض الأدلة على أن الواجب سؤال الخالق؟ دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَسْأَلَةِ الْخَالِقِ وَالنَّهْيِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمَخْلُوقِ؛ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ). وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ). وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ (إذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ؛ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ). وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَلِيلِ (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ) وَلَمْ يَقُلْ فَابْتَغُوا الرِّزْقَ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ يُشْعِرُ بِالِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ لَا تَبْتَغُوا الرِّزْقَ إلَّا عِنْدَ اللَّهِ.

стр. 1115

وقد ثبت في "الصحيحين"عن النَّبيِّ ﷺ (أنَّ الله يقولُ: هل من دَاعٍ، فأستجيبَ له؟ هل من سائل فأُعْطِيَه؟ هل من مُستغفرٍ فأغْفِرَ له؟). وقال ﷺ (من لم يسأل الله يغضب عليه) رواه ابن ماجه. استحق الغضب لأمرين: الأول: لأنه ترك محبوباً لله، فإن الله يحب أن يسأل (ذكر ذلك المناوي). والثاني: لأن ترك الدعاء دليل على الكبر والاستغناء عن الله. (ذكر ذلك المباركفوري). • هل سؤال العلم داخل في النهي؟ لا. قال ابن تيمية: فَأَمَّا سُؤَالُ مَا يَسُوغُ مِثْلُهُ مِنْ الْعِلْمِ: فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ لَا يُنْقِصُ الْجَوَابُ مِنْ عِلْمِهِ بَلْ يَزْدَادُ بِالْجَوَابِ وَالسَّائِلُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ قَالَ ﷺ (هَلَّا سَأَلُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّ شِفَاءَ الْعَيِّ السُّؤَالُ). • اختلف العلماء في المراد بقوله (يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم): فقيل: يأتي ساقطاً لا قدر له ولا جاه. وقيل: يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه. وقيل: يبعث ووجهه عظم كله، فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به. • ماذا يستثنى من ذم السؤال؟ استثنى العلماء من السؤال حالتين: الحالة الأولى: أن يطلب من السلطان. لأن طلبه من السلطان له وجه، لأنه قد يكون له حق من بيت المال. الحالة الثانية: السؤال للحاجة. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن سؤال الناس من حاجة لا بأس بها، وقد قال تعالى (وأما السائل فلا تنهر). - أن الجزاء من جنس العمل، فحيث كان وجهه هو الذي يسأل ويقابل الناس عند السؤال، صار العذاب - يوم القيامة منصباً عليه، والجزاء من جنس العمل جاءت أدلة كثيرة تدل عليه، (وقد تقدمت). - إثبات البعث والحساب. باب قسْمُ الصدقات في هذا الباب بيان مصارف الزكاة، ومن يعطى ومن لا يعطى. وقد بيّن تعالى المستحقين للزكاة بنفسه ولم يكلها إلى أحد سواه. فقال تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

стр. 1116

٦٤٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَحِلُّ اَلصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اِشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ. === (لَا تَحِلُّ) نفي الحل يستلزم الحرمة. (الصَّدَقَةُ) المراد بالصدقة هنا الصدقة الواجبة وهي الزكاة. • ما صحة حديث الباب؟ الحديث رواه أبو داود موصولاً … عن عطاء عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ . ورويَ مرسلاً، رواه مالك عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ مرسلاً. واختلف أيهما أرجح الموصول أم المرسل؟ الدارقطني، وأبو حاتم، وأبو زرعة رجحوا المرسل، وابن خزيمة، والحاكم، والذهبي، والبيهقي، والألباني رجحوا الموصول. • ما حكم دفع الزكاة لغني؟ لا يجوز، وقد تقدمت الأدلة على ذلك. • متى يجوز دفع الزكاة لغني؟ الغني - كما تقدم ليس من أهل الزكاة - لكن قد تحل له بطرق شرعية كما جاء في هذا الحديث؟ الأول: العامل على الصدقة. وهم جباتها، فإنهم يعطون لحاجتنا إليهم، وهذا من أهل الزكاة. ثانياً: أو رجل اشتراها بماله. أي اشترى الزكاة من الفقير. وهذه لها صورتان: الأولى: أن يشتري زكاة غيره، وهذه جائزة. الثانية: أن يشتري الإنسان زكاة نفسه. اختلف العلماء في هذه الصورة على قولين: القول الأول: أنه مكروه. وهو قول لجمهور. أ-لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال (حملت على فرس عتيق في سبيل الله فأضاعه صاحبه، فظننتُ أنه بائعه برخصٍ، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال (لا تبتعه ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) متفق عليه. قال النووي: هَذَا نَهْي تَنْزِيه لَا تَحْرِيم فَيُكْرَه لِمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ أَوْ أَخْرَجَهُ فِي زَكَاة أَوْ كَفَّارَة أَوْ نَذْر وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَات أَنْ يَشْتَرِيه مِمَّنْ دَفَعَهُ هُوَ إِلَيْهِ أَوْ يَهَبهُ، أَوْ يَتَمَلَّكهُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْهُ، فَأَمَّا إِذَا وَرِثَهُ مِنْهُ فَلَا كَرَاهَة فِيهِ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور.

стр. 1117

القول الثاني: أنه حرام. قال النووي: وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء: النَّهْي عَنْ شِرَاء صَدَقَته لِلتَّحْرِيمِ. أ-لحديث عمر السابق. ب- ولأن الفقير (قابض الزكاة) قد يحابي هذا المشتري، وحينئذ تعود بعض منفعة زكاته إليه. وهذا هو القول الصحيح. قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (أنه منع المتصدق من شراء صدقته ولو وجدها تباع في السوق، سداً لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه؛ فإن المتصدق إذا منع من تملك صدقته بعوضها فتملكه إياها بغير عوض أشد منعاً وأفطم للنفوس عن تعلقها بما خرجت عنه لله، والصواب ما حكم به النبي ﷺ من المنع من شرائها مطلقاً والعلة كما ذكرها ابن القيم في ذلك " ولا ريب أن في تجويز ذلك ذريعة إلى التحيل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها، ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء - مع حاجته - فتسمح نفسه بالبيع، والله عالم بالأسرار، فمن محاسن هذه الشريعة الكاملة سد الذريعة ومنع المتصدق من شراء صدقته، وبالله التوفيق.) ثالثاً: الغارم. أي المديون، وهو على نوعين: أولاً: الغارم لإصلاح ذات البين: وذلك بأن يكون بين طائفتين من الناس شر وفتنة، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم، ويلزم في ذمته مالاً لإطفاء الفتنة. الثاني: الغارم الذي ركبته الديون بسبب من الأسباب: وهذا من أهل الزكاة. رابعاً: الغازي في سبيل الله. وهذا من أهل الزكاة الثمانية، كما قال تعالى: (وابن السبيل). خامساً: المسكين الذي تصدق عليه منها فأهدى منها لغني. • هؤلاء الخمسة: الثلاثة الذين هم: الغارمون لإصلاح ذات البين، والعاملون عليها، والغزاة المجاهدون في سبيل الله، هؤلاء من أهل الزكاة الثمانية. وأما المشتري لها، والمهدي إليه منها، فليس من أهلها، وإنما ملكها من الفقير الذي استحقها وأعطى منها.

стр. 1118

٦٤١ - وَعَنْ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ اَلْخِيَارِ (أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَسْأَلَانِهِ مِنَ اَلصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا اَلْبَصَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَوَّاهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ === (فَقَلَّبَ فِيهِمَا اَلْبَصَرَ) أي: صعّد بصره فيهما. (جَلْدَيْنِ) أي: قويين شديدين. ما صحة حديث الباب؟ الحديث صححه النووي وابن عبد الهادي، ونقل الحافظ في التلخيص عن الإمام أحمد قوله: ما أجوده • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن الغني لا تحل له الزكاة، وقد تقدمت الأدلة. • من هو الغني؟ والغني: هو من يجد كفاف عيشه وعيش من يعولهم طول العام. • هل تدفع الزكاة للقوي المكتسب؟ لا تدفع للقوي المكتسب، أي القادر على الكسب، لأنه غني بقوة كسبه. لحديث الباب. • ما مفهوم قوله (لقوي مكتسب)؟ مفهومه: إن كان قوياً لكنه غير عارف بالعمل، أو قوياً قادراً عارفاً لكن ليس في البلاد عمل لتفشي البطالة فيها، فإن هذا يعطى من الزكاة. • ماذا نستفيد من قول الصحابي (فقلب فيهما البصر)؟ نستفيد: أنه يجب على المزكي أن يتحرى بزكاته من يستحقها. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أنه لا بأس للإنسان إذا أراد أن يعطي زكاته لشخص لكن غير متأكد من فقره، أن يعطيه ويذكره بالله وأنها لا تحل لغني، كما فعل النبي ﷺ . - أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب. - جواز المسألة لحاجة. - فيه دليل على قبول قول الإنسان فيما يُخبِر عن نفسه من إعسار أو يسار.

стр. 1119

٦٤٢ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ اَلْهِلَالِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَلْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ اَلْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، اِجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ اَلْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَومِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ; فَحَلَّتْ لَهُ اَلْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ اَلْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا [صَاحِبُهَا] سُحْتًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. === (وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ اَلْهِلَالِي) صحابي سكن البصرة. (إِنَّ اَلْمَسْأَلَةَ) وعند النسائي (إن الصدقة) وأول الحديث (عن قبيصة قال: تحملتُ حمالةً فأتيتُ رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة إن المسألة .... ). (حَتَّى يُصِيبَهَا) أي: ينال من المال ما يقضي به تلك الحمالة. (ثُمَّ يُمْسِكَ) أي: يترك مسألة الناس، لانقضاء سبب حل مسألتهم. (وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) الجائحة: هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال، وتستأصلها، كالغرق والحرْق والبرد المفسد للزروع والثمار. (حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) أي: ما يقوم بحاجته الضرورية. (وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) أي: رجل كان غنياً ثم افتقر، وأصابته حاجة ولم يعرف حاله. (حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ) وفي رواية النسائي (حتى يشهد ثلاثة). (مِنْ ذَوِي الْحِجَى) أي العقل. (مِنْ قَومِهِ) لأنهم أعلم بحاله. (فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ اَلْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) السحت: كل مال حرام، وسمي به لأنه يسحت ويمحق المال. • ما معنى قوله (تحملتُ حمالةً)؟ أي: تكلفت ديْناً. قال الخطابي: تفسير الحَمَالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويحدث بسببهما العداوة والشحناء، ويُخاف من ذلك الفتق العظيم، فيتوسط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين، ويتضمن مالاً لأصحاب الطوائل، يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة، وتعود بينهم الألفة. وقال النووي: الحَمالة: هِيَ بِفَتْحِ الْحَاء، وَهِيَ الْمَال الَّذِي يَتَحَمَّلهُ الْإِنْسَان أَيْ يَسْتَدِينُهُ وَيَدْفَعهُ فِي إِصْلَاح ذَات الْبَيْن كَالْإِصْلَاحِ بَيْن قَبِيلَتَيْنِ وَنَحْو ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَحِلّ لَهُ الْمَسْأَلَة، وَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاة بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَدِينَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ. • اذكر أحوال تجوز فيها المسألة؟ الحالة الأول: رجل تحمل حمالة. الحالة الثانية: الرجل إذا أصابت ماله جائحة أو آفة سماوية أهلكت تجارته وزرعه. لأن هذا مما ينبغي فيها التعاون بين المسلمين. الحالة الثالثة: رجل ادعى أنه أصابته فاقة وفقر بعد الغنى.

стр. 1120

• اذكر شروط إعطاء من ادعى فاقة بعد غنى؟ الشرط الأول: أن يشهد ثلاثة رجال. الشرط الثاني: من ذوي العقول. الشرط الثالث: أن يكونوا من قومه. • لماذا اشترط النبي ﷺ أن يكون من ذوي العقول؟ قال النووي: وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحِجَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَط فِي الشَّاهِد التَّيَقُّظ فَلَا تُقْبَل مِنْ مُغَفَّلٍ. وقال الشوكاني: وإنما جعل العقل معتبراً، لأنه من لا عقل له لا تحصل الثقة بقوله. • لماذا اشترط النبي ﷺ أن يكونوا من قومه؟ قال النووي: وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ (مِنْ قَوْمه) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْخِبْرَة بِبَاطِنِهِ، وَالْمَال مِمَّا يَخْفَى فِي الْعَادَة فَلَا يَعْلَمهُ إِلَّا مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِصَاحِبِهِ. • لماذا لم يشترط في الجائحة هذه الشروط (لم يحتج إلى بيّنة)؟ قال القرطبي: ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا، لظهور أمر الجائحة، وأما أمر الفاقة فقد تخفى • المال المحرّم لا بركة فيه، اذكر بعض الأدلة على ذلك؟ أ-قوله تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات). ب- حديث الباب (فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ اَلْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا). ج- حديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِي قال (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ! إِلاَّ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا … الحديث وفيه: فَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَع) متفق عليه. وفي لفظ (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ). قال ابن حجر ﵀: وفيه أن المكتسب للمال من غير حله لا يُبارك له فيه لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع، وفيه ذم الإسراف، وكثرة الأكل والنهم فيه، وأن اكتساب المال من غير حله، وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه فيصير غير مبارك، كما قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات. د- حديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال (يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَع) متفق عليه. هـ-عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) متفق عليه. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - تحريم السؤال إلا في هذه الحالات الثلاثة. - جواز المسألة لمن وجدت فيه إحدى القرائن المذكورة. - من جازت له المسألة لا يسأل أكثر مما يسد حاجته. - يعتبر ثلاثة شهود على الإعسار، وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة وجماعة، وذهب الجمهور على أنه تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات، وحملوا حديث الباب على الاستحباب.

стр. 1121

٦٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ اَلْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَلصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ اَلنَّاسِ). وَفِي رِوَايَةٍ: (وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا آلِ مُحَمَّدٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (إِنَّ اَلصَّدَقَةَ) المراد الزكاة الواجبة. (إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ اَلنَّاسِ) المراد بالناس هنا المزكون. (فهو عام اريد به الخصوص). (من خُمُس خيبر) الخمس ما يؤخذ من الغنيمة قبل قسمتها، وهو سهم لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. • ما حكم دفع الزكاة للنبي ﷺ وآله؟ حرام. قال في الشرح: لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة. لحديث الباب. • هل يعطون من الزكاة إذا كانوا عامليها عليها؟ لا يعطون ولو كانوا عاملين عليها. وهذا قول جمهور العلماء. قال النووي: فيه دَلِيل عَلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَة سَوَاء كَانَتْ بِسَبَبِ الْعَمَل أَوْ بِسَبَبِ الْفَقْر وَالْمَسْكَنَة وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَسْبَاب الثَّمَانِيَة، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا، وَجَوَّزَ بَعْض أَصْحَابنَا لِبَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب الْعَمَل عَلَيْهَا بِسَهْمِ الْعَامِل؛ لِأَنَّهُ إِجَارَة، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي رَدِّهِ. وقال القرطبي: ومساق الحديث والتعليل يقتضي أنها لا تحل لأحد من آل النبي ﷺ على ما قدمناه، وإن كانوا عاملين عليها، وهو رأي الجمهور وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها؛ أبو يوسف والطحاوي، والحديث ردّ عليهم. • من هم آل النبي ﷺ -؟ هم بنو هاشم وهم: آل العباس بن عبد المطلب، وآل أبي طالب بن عبد المطلب، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب بن عبد المطلب. (هؤلاء كلهم أعمام النبي ﷺ . • ما الحكمة من عدم أخذهم من الزكاة؟ الحكمة بيّنها النبي ﷺ بقوله (إنما هي أوساخ الناس). قال النووي: ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) فهي كغسالة الأوساخ. وقال القرطبي: إنما كانت الصدقة كذلك؛ لأنها تطهرهم من البخل، وأموالهم من إثم الكنز، فصارت كأنها الغسالة التي تعاب.

стр. 1122

• هل هذا التحريم يعم صدقة التطوع أم فقط الصدقة الواجبة؟ هذا التحريم في الحديث خاص بالصدقة الواجبة، وأما صدقة التطوع فإنها تحل لهم. وهذا قول جماهير العلماء. لأنهم إنما منعوا الزكاة لأنها تطهير لأموال الأغنياء ونفوسهم، وصدقة التطوع ليس كذلك. قال ابن قدامة: أما صدقة التطوع فتحل لهم لأنها ليست من أوساخ الناس. وقيل: تحرم عليهم حتى صدقة التطوع، وإلى هذا ذهب الشوكاني وجماعة. لعموم الحديث. • هل تحل صدقة التطوع للنبي ﷺ -؟ يستثنى النبي ﷺ فإنه لا تحل له صدقة التطوع أيضاً. قال في المغني: فَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّدَقَةَ جَمِيعَهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلَامَاتِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لِيُخِلَّ بِذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ إسْلَامِ سَلْمَانِ الْفَارِسِيِّ، أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَوَصَفَهُ، قَالَ (إنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ). وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ؟ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي لَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ). وَقَالَ ﵇ (إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فِي بَيْتِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ (إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ). وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَشْرَفَ الْخَلْقِ، وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمْسُ الْخُمْسِ وَالصَّفِيُّ، فَحُرِمَ نَوْعَيْ الصَّدَقَةِ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا، وَآلُهُ دُونَهُ فِي الشَّرَفِ، وَلَهُمْ خُمْسُ الْخُمْسِ وَحْدَهُ، فَحُرِمُوا أَحَدَ نَوْعَيْهَا، وَهُوَ الْفَرْضُ • اختلف العلماء في أخذ بني هاشم من الزكاة إذا لم يعطوا حقهم من الخمس على قولين، اذكرهما؟ القول الأول: أنه لا يجوز أخذ بني هاشم من الزكاة مطلقاً، منعوا حقهم من الخمس أو أعطوه. وهذا قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة. لحديث الباب. وجه الدلالة: أن التعليل بعدم حل الزكاة لبني هاشم من أجل كون الصدقات أوساخ الناس، ولشرفهم ومكانتهم، وهذا الوصف فيهم وفي الصدقات باق أعطوا الخمس أو حرموه.

стр. 1123

القول الثاني: جواز أخذ بني هاشم للزكاة إذا منعوا حقهم من الخمس. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. أن الخمس عوض عن الزكاة، فإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض، وهو الزكاة، لإهمال الناس أمر الغنائم وإيصالها إلى مستحقيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وبنو هاشم إذا منعوا من خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا وقاله أبو يوسف والإصطخري من الشافعية لأنه محل حاجة وضرورة. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإذا مُنعوا أو لم يوجد خمس كما هو الشأن في وقتنا هذا: فإنهم يُعطَون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح. فائدة: قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: والخمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً: الأول: لله ورسوله ﷺ يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء أو بيت المال. الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول ﷺ وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس. الثالث: لليتامى. الرابع: للمساكين. الخامس: لابن السبيل. فإذا منعوا أو لم يوجد خمس، كما هو في الشأن في وقتنا هذا، فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح. • اذكر فوائد قرن الحكم بالعلة. - قوله (إنما هي أوساخ الناس) تعليل لمنع الزكاة على بني هاشم - ذكر علة الحكم يفيد أمور: أولاً: بيان سمو الشريعة، حيث أنها لا تحكم إلا بما له علة. ثانياً: اطمئنان النفس إلى الحكم. ثالثاً: أن أحكام الله جاءت وفق المصلحة. رابعاً: إمكان القياس على الحكم لغيره. خامساً: ظهور مقتضى اسم الحكيم لله، وأنه لا يحكم إلا لحكمة. سادساً: التنشيط على الامتثال. (الشيخ الصقير).

стр. 1124

٦٤٣ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ (مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي اَلْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ ": إِنَّمَا بَنُو اَلْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (أَعْطَيْتَ بَنِي اَلْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا) الخمس: ما يؤخذ من الغنية قبل قسمتها. • هل بني المطلب تحل لهم الزكاة أم لا؟ استدل بحديث الباب من قال: إن بني المطلب لا تحل لهم الزكاة، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا تحل لهم الزكاة. وهذا قول الشافعي وجماعة. أ-لحديث الباب (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد). ب- ولأن لهم نصيباً من الخمس. القول الثاني: أن بني المطلب يعطون من الزكاة. وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك. أ- لعموم الأدلة (إنما الصدقات للفقراء … ). ب-وأما تشريكهم في الخُمُس، فإنه مبني على المناصرة والمؤازرة بخلاف الزكاة، فإنهم لما آزروا بني هاشم وناصروهم أعطوا جزاءً لفضلهم من الخمس. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - جواز الاستعانة بالغير. - جواز سؤال الإنسان عما يعتقده حقاً له من المال. - مشروعية مكافأة أهل المعروف على معروفهم، وفي الحديث (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه).

стр. 1125

٦٤٥ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى اَلصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اِصْحَبْنِي، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِيَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ. فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " مَوْلَى اَلْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا اَلصَّدَقَةُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. === وَعَنْ أَبِي رَافِع) مولى رسول الله ﷺ . (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى اَلصَّدَقَةِ) هذا الرجل هو الأرقم بن أبي الأرقم كما جاء في رواية لأحمد. (فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا) أي: من الصدقة. (مَوْلَى اَلْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: حكمه كحكمهم. (وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا اَلصَّدَقَةُ) يعني نفسه، وأهل بيته. • هل تدفع لموالي بني هاشم؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا تدفع الزكاة لهم. وهو مذهب أبي حنيفة. لحديث الباب، وهو نص في ذلك، وأن حكمهم حكم أسيادهم في المنع من الزكاة. القول الثاني: يجوز دفعها إليهم. وهو قول مالك. لأن علة التحريم مفقودة وهي الشرف. والصحيح الأول، لحديث الباب. قال الشوكاني: ونصب هذه العلة مقابل هذا الدليل الصحيح من الغرائب التي يعتبر بها المتيقظ. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - بعث السعادة - شدة ورع الصحابة. - سؤال عما استشكل.
следующие страницы →