Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
٦٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ اَلْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَلصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ اَلنَّاسِ).
وَفِي رِوَايَةٍ: (وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا آلِ مُحَمَّدٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(إِنَّ اَلصَّدَقَةَ) المراد الزكاة الواجبة.
(إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ اَلنَّاسِ) المراد بالناس هنا المزكون. (فهو عام اريد به الخصوص).
(من خُمُس خيبر) الخمس ما يؤخذ من الغنيمة قبل قسمتها، وهو سهم لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
• ما حكم دفع الزكاة للنبي ﷺ وآله؟
حرام.
قال في الشرح: لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة.
لحديث الباب.
• هل يعطون من الزكاة إذا كانوا عامليها عليها؟
لا يعطون ولو كانوا عاملين عليها.
وهذا قول جمهور العلماء.
قال النووي: فيه دَلِيل عَلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَة سَوَاء كَانَتْ بِسَبَبِ الْعَمَل أَوْ بِسَبَبِ الْفَقْر وَالْمَسْكَنَة وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَسْبَاب الثَّمَانِيَة، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا، وَجَوَّزَ بَعْض أَصْحَابنَا لِبَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب الْعَمَل عَلَيْهَا بِسَهْمِ الْعَامِل؛ لِأَنَّهُ إِجَارَة، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي رَدِّهِ.
وقال القرطبي: ومساق الحديث والتعليل يقتضي أنها لا تحل لأحد من آل النبي ﷺ على ما قدمناه، وإن كانوا عاملين عليها، وهو رأي الجمهور وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها؛ أبو يوسف والطحاوي، والحديث ردّ عليهم.
• من هم آل النبي ﷺ -؟
هم بنو هاشم وهم: آل العباس بن عبد المطلب، وآل أبي طالب بن عبد المطلب، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب بن عبد المطلب. (هؤلاء كلهم أعمام النبي ﷺ .
• ما الحكمة من عدم أخذهم من الزكاة؟
الحكمة بيّنها النبي ﷺ بقوله (إنما هي أوساخ الناس).
قال النووي: ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) فهي كغسالة الأوساخ.
وقال القرطبي: إنما كانت الصدقة كذلك؛ لأنها تطهرهم من البخل، وأموالهم من إثم الكنز، فصارت كأنها الغسالة التي تعاب.
стр. 1122
• هل هذا التحريم يعم صدقة التطوع أم فقط الصدقة الواجبة؟
هذا التحريم في الحديث خاص بالصدقة الواجبة، وأما صدقة التطوع فإنها تحل لهم.
وهذا قول جماهير العلماء.
لأنهم إنما منعوا الزكاة لأنها تطهير لأموال الأغنياء ونفوسهم، وصدقة التطوع ليس كذلك.
قال ابن قدامة: أما صدقة التطوع فتحل لهم لأنها ليست من أوساخ الناس.
وقيل: تحرم عليهم حتى صدقة التطوع، وإلى هذا ذهب الشوكاني وجماعة.
لعموم الحديث.
• هل تحل صدقة التطوع للنبي ﷺ -؟
يستثنى النبي ﷺ فإنه لا تحل له صدقة التطوع أيضاً.
قال في المغني: فَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّدَقَةَ جَمِيعَهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلَامَاتِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لِيُخِلَّ بِذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ إسْلَامِ سَلْمَانِ الْفَارِسِيِّ، أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَوَصَفَهُ، قَالَ (إنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ).
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ؟ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي لَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ).
وَقَالَ ﵇ (إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فِي بَيْتِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ (إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ).
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَشْرَفَ الْخَلْقِ، وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمْسُ الْخُمْسِ وَالصَّفِيُّ، فَحُرِمَ نَوْعَيْ الصَّدَقَةِ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا، وَآلُهُ دُونَهُ فِي الشَّرَفِ، وَلَهُمْ خُمْسُ الْخُمْسِ وَحْدَهُ، فَحُرِمُوا أَحَدَ نَوْعَيْهَا، وَهُوَ الْفَرْضُ
• اختلف العلماء في أخذ بني هاشم من الزكاة إذا لم يعطوا حقهم من الخمس على قولين، اذكرهما؟
القول الأول: أنه لا يجوز أخذ بني هاشم من الزكاة مطلقاً، منعوا حقهم من الخمس أو أعطوه.
وهذا قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
لحديث الباب.
وجه الدلالة: أن التعليل بعدم حل الزكاة لبني هاشم من أجل كون الصدقات أوساخ الناس، ولشرفهم ومكانتهم، وهذا الوصف فيهم وفي الصدقات باق أعطوا الخمس أو حرموه.
стр. 1123
القول الثاني: جواز أخذ بني هاشم للزكاة إذا منعوا حقهم من الخمس.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
أن الخمس عوض عن الزكاة، فإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض، وهو الزكاة، لإهمال الناس أمر الغنائم وإيصالها إلى مستحقيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وبنو هاشم إذا منعوا من خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا وقاله أبو يوسف والإصطخري من الشافعية لأنه محل حاجة وضرورة.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإذا مُنعوا أو لم يوجد خمس كما هو الشأن في وقتنا هذا: فإنهم يُعطَون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح.
فائدة: قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: والخمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً:
الأول: لله ورسوله ﷺ يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء أو بيت المال.
الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول ﷺ وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس.
الثالث: لليتامى.
الرابع: للمساكين.
الخامس: لابن السبيل.
فإذا منعوا أو لم يوجد خمس، كما هو في الشأن في وقتنا هذا، فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
• اذكر فوائد قرن الحكم بالعلة.
- قوله (إنما هي أوساخ الناس) تعليل لمنع الزكاة على بني هاشم
- ذكر علة الحكم يفيد أمور:
أولاً: بيان سمو الشريعة، حيث أنها لا تحكم إلا بما له علة.
ثانياً: اطمئنان النفس إلى الحكم.
ثالثاً: أن أحكام الله جاءت وفق المصلحة.
رابعاً: إمكان القياس على الحكم لغيره.
خامساً: ظهور مقتضى اسم الحكيم لله، وأنه لا يحكم إلا لحكمة.
سادساً: التنشيط على الامتثال. (الشيخ الصقير).
стр. 1124
٦٤٣ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ (مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي اَلْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ ": إِنَّمَا بَنُو اَلْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(أَعْطَيْتَ بَنِي اَلْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا) الخمس: ما يؤخذ من الغنية قبل قسمتها.
• هل بني المطلب تحل لهم الزكاة أم لا؟
استدل بحديث الباب من قال: إن بني المطلب لا تحل لهم الزكاة، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا تحل لهم الزكاة.
وهذا قول الشافعي وجماعة.
أ-لحديث الباب (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد).
ب- ولأن لهم نصيباً من الخمس.
القول الثاني: أن بني المطلب يعطون من الزكاة.
وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك.
أ- لعموم الأدلة (إنما الصدقات للفقراء … ).
ب-وأما تشريكهم في الخُمُس، فإنه مبني على المناصرة والمؤازرة بخلاف الزكاة، فإنهم لما آزروا بني هاشم وناصروهم أعطوا جزاءً لفضلهم من الخمس.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز الاستعانة بالغير.
- جواز سؤال الإنسان عما يعتقده حقاً له من المال.
- مشروعية مكافأة أهل المعروف على معروفهم، وفي الحديث (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه).
стр. 1125
٦٤٥ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى اَلصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اِصْحَبْنِي، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِيَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ. فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " مَوْلَى اَلْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا اَلصَّدَقَةُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
===
وَعَنْ أَبِي رَافِع) مولى رسول الله ﷺ .
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى اَلصَّدَقَةِ) هذا الرجل هو الأرقم بن أبي الأرقم كما جاء في رواية لأحمد.
(فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا) أي: من الصدقة.
(مَوْلَى اَلْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: حكمه كحكمهم.
(وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا اَلصَّدَقَةُ) يعني نفسه، وأهل بيته.
• هل تدفع لموالي بني هاشم؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا تدفع الزكاة لهم.
وهو مذهب أبي حنيفة.
لحديث الباب، وهو نص في ذلك، وأن حكمهم حكم أسيادهم في المنع من الزكاة.
القول الثاني: يجوز دفعها إليهم.
وهو قول مالك.
لأن علة التحريم مفقودة وهي الشرف.
والصحيح الأول، لحديث الباب.
قال الشوكاني: ونصب هذه العلة مقابل هذا الدليل الصحيح من الغرائب التي يعتبر بها المتيقظ.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- بعث السعادة
- شدة ورع الصحابة.
- سؤال عما استشكل.
стр. 1126
٦٤٦ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ; (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ اَلْعَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَيَقُولُ: "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا اَلْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي) أي: شخصاً أحوج إليه مني.
(خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ) أي: اتخذه مالاً لك وإن لم تكن في حاجة إلى إنفاقه.
(وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) الإشراف التعرض للشيء والحرص عليه، من قولهم: أشرف على كذا إذا تطاول له، قال أبو داود: وسألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب.
قال القرطبي: إشراف النفس: تطلعها وتشوّفها، وشَرهُهَا لأخذ المال.
(وَلَا سَائِلٍ) أي بلسانك.
(وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) أي: وما لم يؤتك الله بالشرط المذكور، فلا تجعل نفسك تابعة له ناظرة إليه.
• ما المراد بهذا العطاء الذي يعطيه النبي ﷺ لعمر؟
المراد به: العمالة على الصدقة كما جاء الرواية الأخرى (قال عمر: فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعمّلني، فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله ﷺ : إذا أُعْطيتَ شيئاً من غير أن تسأل فكل، وتصدق).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: ذم السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس.
وقد تقدم ما يتعلق بهذه المسألة كاملة في شرح حديث (ومن يستعفف يعفه الله).
قال شيخ الإسلام: فَالْعَبْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ رِزْقٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ فَإِذَا طَلَبَ رِزْقَهُ مِنْ اللَّهِ صَارَ عَبْدًا لِلَّهِ فَقِيرًا إلَيْهِ، وَإِنْ طَلَبَهُ مِنْ مَخْلُوقٍ صَارَ عَبْدًا لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ فَقِيرًا إلَيْهِ.
وَلِهَذَا كَانَتْ " مَسْأَلَةُ الْمَخْلُوقِ " مُحَرَّمَةً فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ وَفِي النَّهْيِ عَنْهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ كَقَوْلِهِ ﷺ (لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِزْعَةُ لَحْمٍ).
وَقَوْلِهِ (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ).
وَقَوْلِهِ (لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ دَمْعٍ مُوجِعٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ) هَذَا الْمَعْنَى فِي الصَّحِيحِ. وَفِيهِ أَيْضًا (لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَذْهَبَ فَيَحْتَطِبَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ) وَقَالَ (مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ. وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ﴾ فَكَرِهَ أَخْذَهُ مِنْ سُؤَالِ اللِّسَانِ وَاسْتِشْرَافِ الْقَلْب.
وقال ﵀: وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ).
فَالْمُشْرِفُ الَّذِي يَسْتَشْرِفُ بِقَلْبِهِ وَالسَّائِلُ الَّذِي يَسْأَلُ بِلِسَانِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري (قَالَ: أَصَابَتْنَا فَاقَةٌ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأَسْأَلَهُ فَوَجَدْتُهُ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ وَاَللَّهِ مَهْمَا يَكُنْ عِنْدَنَا مَنْ خَيْرٍ فَلَنْ نَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ).
وَ (الِاسْتِغْنَاءُ) أَنْ لَا يَرْجُوَ بِقَلْبِهِ أَحَدًا فَيَتَشَرَّفَ إلَيْهِ.
وَ (الِاسْتِعْفَافُ) أَلَّا يَسْأَلَ بِلِسَانِهِ أَحَدًا.
وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ التَّوَكُّلِ فَقَالَ: قَطْعُ الِاسْتِشْرَافِ إلَى الْخَلْقِ؛ أَيْ لَا يَكُونُ فِي قَلْبِكَ أَنَّ أَحَدًا يَأْتِيكَ بِشَيْءِ، فَهَذَا وَمَا يُشْبِهُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَبْدَ فِي طَلَبِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ لَا يُوَجِّهُ قَلْبَهُ إلَّا إلَى اللَّهِ؛ فَلِهَذَا قَالَ الْمَكْرُوبُ: (لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ). وَمِثْلُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ يَقُولُ: عِنْدَ الْكَرْبِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ) فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِيهَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَتَأَلُّهُ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَتَعَلُّقُ رَجَائِهِ بِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَهِيَ لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ الطَّلَبَ.
وَالنَّاسُ وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَوْلُ الْعَبْدِ لَهَا مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ لَهُ حَقِيقَةٌ أُخْرَى وَبِحَسَبِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ تَكْمُلُ طَاعَةُ اللَّهِ.
стр. 1127
وقال ﵀: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالْغِنَى فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ:
مِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ). وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ وَرَجُلٌ غَنِيٌّ عَفِيفٌ مُتَصَدِّقٌ).
وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْخَيْلِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ (وَرَجُلٌ ارْتَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا. وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهَ فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ).
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ (مَنْ طَلَبَ الْمَالَ اسْتِغْنَاءً عَنْ النَّاسِ وَاسْتِعْفَافًا عَنْ الْمَسْأَلَةِ لَقِيَ اللَّهَ وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ).
وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ (مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ) فَالسَّائِلُ بِلِسَانِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْمُتَعَفِّفِ وَالْمُشْرِفُ بِقَلْبِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْغِنَى.
وقَالَ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) أَيْ عَنْ السُّؤَالِ لِلنَّاسِ.
وَقَالَ (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) فَغِنَى النَّفْسِ الَّذِي لَا يَسْتَشْرِفُ إلَى الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ الْحُرَّ عَبْدٌ مَا طَمِعَ وَالْعَبْدُ حُرٌّ مَا قَنِعَ. وَقَدْ قِيلَ: أَطَعْت مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْنِي. فَكَرِهَ أَنْ يَتَّبِعَ نَفْسَهُ مَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ لِئَلَّا يَبْقَى فِي الْقَلْبِ فَقْرٌ وَطَمَعٌ إلَى الْمَخْلُوقِ؛ فَإِنَّهُ خِلَافَ التَّوَكُّلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَخِلَافَ غِنَى النَّفْسِ.
• هل يلزم الإنسان أن يقبل الزكاة أو غيرها إذا كان محتاجاً لها؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه يجب.
لقوله ﷺ لعمر (فخذه .. ) وهذا أمر والأمر للوجوب.
القول الثاني: أنه للاستحباب.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال النووي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ جَاءَهُ مَال هَلْ يَجِب قَبُوله أَمْ يُنْدَب؟ عَلَى ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيُّ، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهُ يُسْتَحَبّ فِي غَيْر عَطِيَّة السُّلْطَان.
قال ابن تيمية: في الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، فِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ثُمَّ قَالَ (يَا حَكِيمُ: إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى. قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَك شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ إنَّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ. فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ وَفِي رِوَايَةٍ إنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَى حَكِيمٍ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
فَفِيهِ أَنَّ حَكِيمًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ. وَهَذَا حُجَّةٌ فِي جَوَازِ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافٍ. وَقَوْلُهُ (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى) تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى أَنَّ يَدَ الْآخِذِ سُفْلَى.
وسئل ابن تيمية: عَنْ رَجُلٍ أَعْطَاهُ أَخٌ لَهُ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا أَيَقْبَلُهُ؟ أَمْ يَرُدُّهُ؟
فَأَجَابَ:
قَدْ ثَبَتَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرِ (مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك) وَثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ مَا أَكْثَرَ مَسْأَلَتِك إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ فَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ فَقَالَ لَهُ حَكِيمٌ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ بَعْدَك مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا). فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُعْطَيَانِهِ فَلَا يَأْخُذُ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ سَائِلًا بِلِسَانِهِ، أَوْ مُشْرِفًا إلَى مَا يُعْطَاهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَهُ إلَّا حَيْثُ تُبَاحُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَالِاسْتِشْرَافُ.
وَأَمَّا إذَا أَتَاهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ؛ وَلَا إشْرَافٍ فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَعْطَاهُ حَقَّهُ كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ عَمِلَ فَأَعْطَاهُ عِمَالَتَهُ وَلَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ كَمَا فَعَلَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ قَبِلَهُ وَكَانَ مِنْ غَيْرِ إشْرَافٍ لَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ أَحْسَنَ.
стр. 1128
• اذكر ما ذكره الحافظ ابن حجر في قبول عطية السلطان؟
قال ﵀: والتحقيق في المسألة: أن من علم كون ماله حلالاً فلا ترد عطيته، ومن عُلم كون ماله حراماً فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده، وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل.
• بما يجب أن يعلق الإنسان قلبه؟
أن الإنسان يجب أن يعلق تطلعه ورجاؤه بالله تعالى.
قال تعالى: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ).
وقال تعالى: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ).
وقال ﷺ لابن عباس (إذا سألت فاسأل الله).
إذا قوي طمع الإنسان بالمخلوق قلّت عبوديته ورجاؤه وتعلقه بالله وبالعكس.
قال ابن تيمية: وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.
وقال: وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لهم متصرفاً بهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيراً لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها، وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذٍ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز أخذ المال إذا جاء من غير إشراف ولا سؤال.
- فضل عمر وزهده في الدنيا، حيث آثر غيره على نفسه.
- وجوب التعلق بالله تعالى في كل شيء.
- تحريم الاعتماد على غير الله.
الجمعة: ٦/ ٦/ ١٤٣٣ هـ عصراً.
стр. 1129
كتاب الصيام
• تعريفه: لغة الإمساك.
وشرعاً: هو التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وقال في الفتح: والصوم والصيام في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة.
وقال النووي: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه.
• حكمة مشروعية الصيام:
قال ابن رجب: في التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:
منها: كسر النفس، فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشَر والبطر والغفلة.
ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب وتُعميه.
ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيراً من الفقراء.
ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان.
• وقال الزرقاني: شُرِع الصيام لفوائد:
أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان، فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
ومنها: أن الغنيّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثيراً من الفقراء، من فضول الطعام والشراب والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك وقت مخصوص، وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من مُنع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك.
• قال الحافظ ابن حجر: وذكر بعض الصوفية أن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوماً فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوماً وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك وهيهات وجدان ذلك.
• فرض في السنة الثانية من الهجرة.
قال ابن القيم: وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسع رمضانات.
• حكمُ صومه: فرض.
أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
(كتب) أي فرض (كما كتب على الذين من قبلكم) تسلية للمؤمنين وإشعار لهم بأن الله قد فرض هذا الأمر على من قبلهم من الأمم (لعلكم تتقون) فيه بيان الحكمة من مشروعية الصيام وهي تقوى الله.
ب-عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ) متفق عليه.
ج-وعن طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يقال (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ «لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ «لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ «لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) متفق عليه.
وأجمع المسلمون على وجوب صيام رمضان. (قاله ابن قدامة).
(من أنكر وجوبه كفر لأنه أنكر أمراً معلوماً بالضرورة من الدين، وأما من تركه تهاوناً وكسلاً فالصحيح أنه لا يكفر وهذا مذهب الجمهور).
стр. 1130
• مراحل فرضية رمضان:
صيام رمضان فرض على ثلاث مراحل:
أولاً: صيام عاشوراء.
لحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر) رواه البخار ي.
ثانياً: مرحلة التخيير بين الصيام والفدية.
قال تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ).
ثالثاً: فرض الصيام على التعيين.
قال تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
• فضائل الصيام:
أولاً: الصوم جُنّة من النار.
قال ﷺ (الصيام جُنة يستجن بها العبد من النار) رواه أحمد.
وقال ﷺ (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك وجهه عن النار سبعين خريفاً). متفق عليه
• اختلف في معنى ( … جنة يستجن بها العبد):
فقيل: جنة ووقاية من النار، ورجحه ابن عبد البر.
وقيل: من الآثام.
وقيل: من الشهوات.
وقيل: من جميع ذلك، وبذلك جزم النووي.
ثانياً: الصيام طريق إلى الجنة.
عن أبي أمامة قال (قلت: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة؟ قال: عليك بالصوم فإنه لا مِثل له) رواه النسائي.
ثالثاً: الصوم فضله عظيم اختص الله به.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به). متفق عليه معنى قوله ﷺ [قال تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به] مع أن الأعمال كلها لله وهو الذي يجزي عليها؟
اختلف العلماء في معناه على أقوال:
أحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره.
ثانيها: أن المراد بقوله [وأنا أجزي به] أي أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس.
ثالثها: معنى قوله [الصوم لي] أي أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي.
رابعها: الإضافة إضافة تشريف وتعظيم كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله.
وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني. (فتح الباري).
стр. 1131
• لكن اعلم: أن هذا الصيام الذي شرفه الله فأضافه إلى نفسه، المراد صيام من سلِم صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً.
فائدة: معنى قوله ﷺ (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان وغلقت أبواب النيران):
ذكر بعض العلماء أن المراد بتفتيح أبواب الجنة: هو عبارة عن تكثير الطاعات، وعن تغليق أبواب النيران: هو عبارة عن قلة المعاصي الموجبة لتغليق النيران، وقد ذكر نحو هذا المعنى - احتمالاً - القاضي عياض ومال إليه.
والاحتمال الثاني أن تكون هذه الأحاديث على حقيقتها فيقع في رمضان تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار، ورجح هذا القول ابن المنَيّر المالكي في حاشيته على البخاري، وهذا القول هو الذي تحتمله هذه الأحاديث وتعرفه العرب من لسانها.
فائدة: قوله ﷺ (وصفدت الشياطين) هل التصفيد يعم جميع الشياطين أم يخص بعضها؟ قولان للعلماء رحمهم الله تعالى.
قيل: إن التصفيد يعم جميع الشياطين.
وهذا هو المتبادر من ألفاظ الأحاديث عن الرسول ﷺ .
وقيل: أن التصفيد يختص ببعض الشياطين دون بعض.
وقد اختلف هؤلاء على قولين:
أحدهما: أن الشياطين التي تصفد هي مسترقة السمع، وقد نص على هذا الحُليْمي في المنهاج في شعب الإيمان.
وثانيهما: أن الشياطين التي تصفد هي المردة العاتية منها.
وقد مال إلى هذا ابن خزيمة في صحيحه.
والصحيح الأول أن الشياطين جميعاً تصفّد.
لكن ينبغي أن يعلم أن هذه الشياطين هي الشياطين المنفصلة الخارجة عن الإنسان - أما القرين الملازم للإنسان فإنه لا يصفّد بحال.
فائدة: عن ابن عباس (كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل) متفق عليه.
قال ابن رجب: في تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه.
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعاتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم.
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله به على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها. (لطائف المعارف).
فائدة: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال ﷺ (إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْماً صَائِماً فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) متفق عليه.
اختلف العلماء هل يشرع أن يقولها في كل صيام أو يختص بالفرض دون النفل؟
في ذلك قولان، وأصح القولين: أنه يقولها العبد في الحالين جميعاً واختاره ابن تيمية وابن عثيمين.
• الوارد أن يقول هذه الجملة مرتين (إني صائم، إني صائم).
• أن المحفوظ في الألفاظ المروية عن النبي ﷺ دون ذكر (اللهم) فلا يشرع أن يقول: اللهم إني صائم.
• لا يشرع للعبد أن يقول غير هذا القول إذا سب أو خوصم في صيامه، وأما ما ورد - كما عند ابن خزيمة وغيره - أن النبي ﷺ قال (وإن كنت قائماً فاجلس) فهذه اللفظة لا تثبت عن النبي ﷺ .
стр. 1132
٦٤٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَا تَقَدَّمُوا) أي: لا تسبقوا.
(رَمَضَانَ) أي: شهر رمضان.
(بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ) (أو) للتنويع وليست للشك، ولهذا جاء في مسلم (بصوم يوم ولا يومين).
• ما معنى حديث الباب؟
النهي عن تقدم صيام رمضان بصوم يوم أو يومين ما لم يكن ذلك عادة له.
قال ابن حجر: قال العلماء: معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذي لما أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان.
• هل النهي في الحديث للتحريم أم للكراهة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه للتحريم.
قالوا لأن الأصل في النهي التحريم.
القول الثاني: أنه للكراهة.
قالوا: لأن الرسول ﷺ استثنى [إلا رجل كان له صوم فليصمه]، والأول هو الراجح.
وقال الشيخ ابن عثيمين في شرحه لحديث (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم وَلا يَوْمَيْنِ … ): واختلف العلماء ﵏ في هذا النهي هل هو نهي تحريم أو نهي كراهة؟ والصحيح أنه نهي تحريم، لاسيما اليوم الذي يشك فيه. (شرح رياض الصالحين)
• ما العلة في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين؟
اختلف في علة النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين.
فقيل: التقوي بالفطر لرمضان.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا فيه نظر، لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربع لجاز.
وقيل: خشية اختلاط النفل بالفرض.
قال ابن حجر: وفيه نظر أيضاً، لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث.
وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم.
قال ابن حجر: وهذا هو المعتمد.
стр. 1133
- وقال ابن رجب: لكراهة التقدم ثلاثة معان:
أحدها: أنه على وجه الاحتياط لرمضان، فيُنهى عن التقدم قبله لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه.
والمعنى الثاني: الفصْل بين صيام الفرض والنفل.
والمعنى الثالث: أنه أمر بذلك، للتقوي على صيام رمضان، فإن مواصلة الصيام قد تُضعف على صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوي على صيام رمضان، وفي هذا التعليل نظر، فإنه لا يكره التقدم بأكثر من ذلك، ولا لمن صام الشهر كله.
• ما معنى قوله ﷺ (إلا رجل كان يصوم … )؟
معنى الاستثناء: أن من كان له ورد فقد أذن له فيه، لأنه اعتاده وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما.
• متى يجوز تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين؟
في حالتين:
الأولى: من كان له عادة بصوم يوم معين، كيوم الاثنين أو الخميس، فلا بأس بذلك لزوال المحذور، والثانية: من يصوم واجباً كصوم نذر أو كفارة أو صيام قضاء رمضان السابق، فكل هذا جائز، لأن ذلك ليس من استقبال رمضان.
• ما صحة حديث (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)؟
استدل بعض العلماء بحديث الباب على ضعف حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا). رواه أبو داود
قال أحمد وابن معين: إنه منكر. (الفتح).
قال ابن حجر: وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال: الرخصة في ذلك فيما هو أصح من حديث العلاء، وكذلك صنع قبله الطحاوي.
وحديث (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا … ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والطحاوي وابن حبان وعبد الرزاق والنسائي.
وهذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه (وسيأتي بحثه في حديث قادم إن شاء الله).
وقد قال ابن رجب: اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، فصححه غير واحد، منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر.
وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم، وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثاً أنكر منه، وردّه بحديث: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين)، فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين. (لطائف المعارف)، ويدل على ضعفه:
أ-حديث الباب.
ب-وحديث (أن النبي ﷺ كان يصوم أكثر شعبان).
ج-جواز تقدم الصوم قبل رمضان بأكثر من يومين.
فإن قال قائل: ما الجواب عن حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لرجل: (هل صمت من سَرَرِ هذا الشهر شيئاً)؟
فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه). متفق عليه
أولاً/ سرر الشهر آخر الشهر، ويؤيد ذلك رواية أحمد: (من سرار الشهر) قال البخاري: [باب الصوم من آخر الشهر] ثم ذكر حديث عمران.
ثانياً/ لا معارضة بين هذا الحديث وحديث الباب، فإن حديث عمران محمول على أن هذا الرجل كان معتاداً لصيام آخر الشهر، فتركه خوفاً من الدخول في النهي عن تقدم رمضان ولم يبلغه الاستثناء، فبين له النبي ﷺ أن الصوم المعتاد لا يدخل في النهي، وأمره بقضائه لتستمر محافظته على ما وظف نفسه من العبادة، لأن أحب العمل إلى الله أدومه.
стр. 1134
- اختلف في تسمية هذا الشهر رمضان:
فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب، أي تحرق، لأن الرمضاء شدة الحر.
وقيل: لما نقلت أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر شدة الحر.
وقيل: لأن وجوب صومه صادف شدة الحر.
قال ابن حجر: واختلف في تسمية هذا الشهر رمضان فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب، أي تحرق لأن الرمضاء شدة الحر، وقيل وافق ابتداء الصوم فيه زمناً حاراً.
- قول ﷺ (لا تقدموا رمضان) دليل على أنه يجوز أن يقال رمضان من غير ذكر الشهر فلا كراهة.
ومن الأدلة على هذا الجواز:
أ- حديث الباب (لا تقدموا رمضان .. ).
ب-قوله ﷺ : (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة … ).
ج-وقوله ﷺ (من صام رمضان إيماناً واحتساباً .... ).
د-وقوله ﷺ (من قام رمضان ..... ).
هـ-وقوله ﷺ (شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذي الحجة) متفق عليه.
و-وقوله ﷺ (عمرة في رمضان .... ).
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يقال رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال شهر رمضان.
وهذا قول أصحاب مالك.
واستدلوا بحديث (لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان).
قال النووي: قولهم إنه اسم من أسماء الله ليس بصحيح، ولم يصح فيه شيء، وإن كان قد جاء به أثر ضعيف.
وقال ابن حجر: أخرجه ابن عدي في الكامل وضعفه بأبي معشر.
стр. 1135
٦٤٨ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ (مَنْ صَامَ اَلْيَوْمَ اَلَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا اَلْقَاسِمِ ﷺ وَذَكَرَهُ اَلْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صحيح، وقد صححه الترمذي، وقال الدارقطني: إسناده صحيح.
• ما هو يوم الشك؟
هو الذي لا يعلم أيكون من رمضان أو يكون آخر يوم من شعبان.
يوم الشك: يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت ليلته صحواً ولم يرى الهلال، لاحتمال أن الشهر قد هلّ ولم ير.
وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
وقيل: يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر مما يعلم الرؤية، وهذا أصح.
• ما حكم صوم يوم الشك؟
القول الأول: أنه حرام.
ونسبه النووي لجمهور العلماء.
أ-لحديث عمار.
ب -ولحديث ابن عمر الآتي ( .... فإن غم عليكم فاقدروا له)، وفي رواية: (فأكملوا شعبان ثلاثين يوماً) وهذه مفسرة رواية (فاقدروا له) أن معنى اقدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً.
قال ابن حجر: ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله: (فأكملوا العدة ثلاثين) ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.
ج-قال ابن عثيمين: ولأن الصائم في يوم الشك متعدٍّ لحدود الله لأن حدود الله ألا يصام رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، ولهذا قال النبي ﷺ (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه).
القول الثاني: أنه واجب.
وهذا مذهب الحنابلة.
لقوله ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له).
قالوا: ومعنى: (اقدروا له) أي ضيقوا، من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله)، والتضييق أن يجعل شعبان (تسـ ٢٩ ـعة وعشرون) يوماً.
والراجح القول الأول.
قال ابن القيم: كان من هديه ﷺ أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو شهادة شاهد واحد، وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو قتر أو سحاب أكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صامه، ولم يكن يصوم يوم الغيم ولا أمر به بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً إذا غم، وكان يفعل ذلك، فهذا فعله وهذا أمره.
стр. 1136
٦٤٩ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ (فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ).
وَلِلْبُخَارِيِّ (فَأَكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ).
٦٥٠ - وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ).
===
(إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) الرؤية هنا بصرية، أي: أبصرتموه أي: هلال رمضان.
(فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) أي: غُطيَ عليكم، قال النووي: معناه حال بينكم وبينه غيم.
• ما معنى (فَاقْدُرُوا لَهُ)؟
معناه: أكملوا شعبان ثلاثين يوماً.
فقد جاء في الرواية الأخرى (فأكملوا شعبان ثلاثين يوماً) وهذه مفسرة رواية (فاقدروا له) أن معنى اقدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً.
قال ابن حجر: ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله (فأكملوا العدة ثلاثين) ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.
وقال القرطبي: وقوله (فاقدروا له) أي: قدِّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يومًا. يقال: قدَّرت الشيء أقدُرُه وأقدِره- بالتخفيف - بمعنى: قدَّرته - بالتشديد - كما تقدَّم في أول كتاب الإيمان. وهذا مذهب الجمهور في معنى هذا الحديث، وقد دلَّ على صحته ما رواه أبو هريرة مكان: فاقدروا له (فأكملوا العدة ثلاثين).
وقال النووي: وَفِي رِوَايَة (فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ) وَفِي رِوَايَة (إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَال فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) وَفِي رِوَايَة (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا) وَفِي رِوَايَة (فَإِنْ غُمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَد) وَفِي رِوَايَة (فَإِنْ عَمِيَ عَلَيْكُمْ الشَّهْر فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) وَفِي رِوَايَة (فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ).
هَذِهِ الرِّوَايَات كُلّهَا فِي الْكِتَاب عَلَى هَذَا التَّرْتِيب، وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ: (فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان ثَلَاثِينَ).
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى (فَاقْدُرُوا لَهُ) فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ ضَيِّقُوا لَهُ وَقَدِّرُوهُ تَحْت السَّحَاب، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمَد بْن حَنْبَل وَغَيْره مِمَّنْ يُجَوِّز صَوْم يَوْمِ لَيْلَةِ الْغَيْمِ عَنْ رَمَضَان.
وَذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَجُمْهُور السَّلَف وَالْخَلَف إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: قَدِّرُوا لَهُ تَمَام الْعَدَد ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِالرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَة، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة ثَلَاثِينَ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِـ (اقْدُرُوا لَهُ) وَلِهَذَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي رِوَايَةٍ، بَلْ تَارَة يَذْكُر هَذَا، وَتَارَة يَذْكُر هَذَا، وَيُؤَكِّدهُ الرِّوَايَة السَّابِقَة (فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ).
وقيل: إن معنى (اقدروا له) أي ضيقوا، من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله)، والتضييق أن يجعل شعبان (تسـ ٢٩ ـعة وعشرون) يوماً.
• بما يجب صوم رمضان؟
صوم شهر رمضان يجب بأمرين:
الأول: برؤية هلال رمضان.
لحديث الباب: (صوموا لرؤيته … ).
الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً.
قال في المغني: لأنه يتيقن به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه خلافاً.
стр. 1137
• ماذا نستفيد من قوله (إذا رأيتموه)؟
نستفيد: أن الرؤية هي المستند الشرعي في أحكام الصيام والإفطار، وأنه لا عبرة بالحساب ولا يصح الاعتماد عليه بحال من الأحوال.
• قال ابن تيمية: ولا ريب أنه ثبت في السنة الصحيحة واتفاق الصحابة، أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل، وعلم الحساب، فإن العلماء في الهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي.
• ما حكم من رأى هلال رمضان لوحده، أو رآه ورد قوله؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه يصوم وحده ويفطر سراً.
وهذا قول الشافعية والظاهرية.
أ- لقوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
ب- ولحديث الباب (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا).
ج- أنه يلزم على غير هذا القول، أن يفطر في يوم يعتقد أنه من رمضان، وأن يصوم يوماً يعتقد أنه العيد.
القول الثاني: يصوم وحده ويفطر مع الناس.
وهذا قول الحنفية والمالكية والمشهور عند الحنابلة.
قالوا: يصوم وحده للأدلة السابقة، وأما الفطر، فلا يفطر إلا مع الناس، لأن دخول شوال يكون بشاهدين.
القول الثالث: أنه يصوم مع الناس ويفطر معهم.
وهذا اختيار ابن تيمية.
أ- لحديث أبي هريرة قال: قال ﷺ (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون). رواه أبو داود
ب- ولحديث أبي هريرة الآخر قال: قال ﷺ (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون). رواه الترمذي
وقد ذكر الخلاف شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، فقال:
إذا رأى هلال الصوم وحده أو هلال الفطر وحده؛ فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه؟ أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد:
أحدها: أن عليه أن يصوم وأن يفطر سراً وهو مذهب الشافعي.
والثاني: يصوم ولا يفطر إلا مع الناس، وهو المشهور من مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة.
والثالث: يصوم مع الناس ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال، لقول النبي ﷺ : (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون). رواه الترمذي. (الفتاوى: ٢٥).
• هل يلزم إذا رؤي الهلال في بلد أن يصوم جميع المسلمين أم لكل بلد رؤيته؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: إذا ثبتت الرؤية في بلد إسلامي وجب الصوم على جميع المسلمين في أقطار الأرض، سواء اختلفت المطالع أو اتفقت، وسواء قربت الأماكن أو بعدت.
وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول أبي حنيفة ﵀ أيضاً، وهو ما ذهب إليه كثير من المعاصرين.
أ-لحديث الباب (صوموا لرؤيته).
وجه الدلالة: أن الخطاب عام للأمة بمجموعها، فإذا ثبت الهلال بأي بلد وجب الصوم على الجميع.
ب-هذا أولى لاجتماع كلمة المسلمين.
ج-ولحديث (الصومُ يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس).
стр. 1138
القول الثاني: أن لكل بلد رؤيتهم.
حكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه. (الفتح).
عَنْ كُرَيْبٍ (أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَىَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِى آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ. فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ فَقَالَ: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه مسلم
القول الثالث: أنه إذا اتفقت المطالع لزمهم الصوم، وإلا فلا.
وهذا المشهور عند فقهاء الشافعية واختاره ابن تيمية.
أ- لقوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فمفهوم هذه الآية: من لم يشهد فلا صيام عليه.
ب-ولقوله ﷺ (إذا رأيتموه فصوموا … ) وإذا اختلفت المطالع فلا يمكن أن يروه.
ج- ولحديث كريب السابق، فابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام، وكان حاكم المسلمين واحداً ولا ذكر عن أحد من الصحابة مخالف لابن عباس.
القول الرابع: أن الناس تبع للإمام.
وهذا القول هو الذي عليه العمل اليوم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
أ-وجوب صوم رمضان برؤية الهلال.
ب-أنه لا يثبت كون اليوم من رمضان بغير رؤية.
ج-قوله (إذا رأيتموه) قال النووي: المراد رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان.
стр. 1139
٦٥١ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (تَرَاءَى اَلنَّاسُ اَلْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ اَلنَّاسَ بِصِيَامِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
٦٥٢ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اَلْهِلَالَ، فَقَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اَللَّهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَأَذِّنْ فِي اَلنَّاسِ يَا بِلَالُ أَنْ يَصُومُوا غَداً) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ.
===
(إِنِّي رَأَيْتُ اَلْهِلَالَ) أي: هلال رمضان.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث ابن عمر صححه ابن حزم، والنووي، والألباني.
وحديث ابن عباس الصحيح أنه مرسل كما رجحه النسائي وغيره.
• كم شاهد يقبل في دخول رمضان؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يكفي شاهد واحد.
وهذا قول الشافعي وأحمد.
قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
قال النووي: وهو الأصح، لأنه خبر ديني لا تهمة فيه وأحوط للعبادة.
وقال في المجموع: ذكرنا أن مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف وفى ثبوته بعدل خلاف، الصحيح ثبوته وسواء أصحت السماء أو غيمت، وممن قال يثبت بشاهد واحد عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وآخرون.
أ- لحديث الباب - حديث ابن عمر -.
قال الخطابي في حديث ابن عمر: فيه بيان أنّ شهادة الواحد العدل في رؤية هلال شهر رمضان مقبولة.
ب-ولحديث ابن عباس - حديث الباب الثاني -.
قال الصنعاني: فيه دليلٌ على قبول خبر الواحد في الصوم.
وقال الشوكاني: والحديثان المذكوران في الباب - يعني حديث ابن عمر وحديث ابن عباس - يدلان على أنها تُقبَل شهادة الواحد في دخول رمضان.
القول الثاني: أنه لا يقبل إلا اثنان.
قال النووي: وممن قال يشترط عدلان عطاء وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والليث والماجشون وإسحق بن راهويه.
ب-لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه، فقال: إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) رواه النسائي
وجه الدلالة: مفهوم الحديث يدل أنه لا يكفي الواحد، حيث أنه علق حكم الشهادة بعدلين، فعلم أنّ حكم الواحد مخالف لحكمهما.
ب-قالوا: لأن هذه شهادة على رؤية هلال الصيام، فأشبهت الشهادة على هلال شوال.
والقول الأول هو الصواب:
أولاً: حديث ابن عمر نص صريح يجب العمل بمقتضاه لأنه أشهر منه ومنطوق.
ثانياً: هلال شوال خروج من العبادة وهذا دخول فيها والمطلوب فيه الاحتياط، ومن الاحتياط قبول الواحد.
стр. 1140
• كم شاهد يكفي لدخول بقية الشهور؟
لا بد من رجلين عدلين.
قال النووي: لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل.
لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب - السابق - ( .... فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) رواه النسائي.
• ما شروط الشاهد؟
يشترط في الشاهد شروطاً:
أولاً: أن يكون مسلماً: فلا تقبل شهادة الكافر لأمور:
أ- لحديث الأعرابي السابق: (أتشهد أن لا إله إلا الله ..... ).
ب- أن الله رد شهادة الفاسق من المسلمين، ومن باب أولى رد شهادة الكافر.
ج- لأن الغالب فيه الكذب، والمتهم لا تقبل شهادته.
د- قوله تعالى (ممنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والكافر ليس بمرضي.
ثانياً: أن يكون بالغاً عاقلاً:
عاقل: فالمجنون لا تقبل.
بالغ: الصبي لا يخلو من حالين:
الأول: أن يكون غير مميز (لا يقبل قوله).
الثاني: أن يكون مميز (وهذا محل خلاف)، والأكثر على أنه لا يقبل قوله، لأنه لا يوثق بخبره، فلا بد من البلوغ.
ثالثاً: أن يكون عدلاً.
والعدل: من استقام في دينه ومروءته، والمعني: أن يكون موثوقاً بخبره لأمانته وبصره، أما من لا يوثق بخبره لكونه معروفاً بالكذب أو بالتسرع أو كان ضعيف البصر بحيث لا يمكن أن يراه فلا يثبت الشهر بشهادته.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أنه لا يشترط قبول الشهادة بلفظ الإشهاد، بل بمجرد إخباره إذا كان مستقيماً مسلماً يقبل قوله.
- أنه لا يقبل بالشهادة إلا مسلم، لقوله ﷺ : (أتشهد أن لا إله إلا الله؟).
- أنه يكتفى بصلاح الظاهر.
- أنه يتعين على إمام المسلمين أن يعلن دخول شهر رمضان، لأن النبي ﷺ أمر بلالاً أن ينادي بأن يصوموا غداً.
стр. 1141
٦٥٣ - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ اَلْمُؤْمِنِينَ ﵂، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قال (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: - لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اَللَّيْلِ -.
===
• ما صحة حديث حفصة؟
الصحيح أنه موقوف كما رجحه النسائي والترمذي وأبو حاتم وابن عبد البر، وهو الصحيح.
وقد جاء وقفه عن ابن عمر عند مالك في الموطأ وإسناده صحيح.
• ما حكم النية للصوم الواجب؟
شرط، فمن لم يبيت النية من الليل فلا صيام له، وهذا في الصيام الواجب، كصيام رمضان وقضاء رمضان والنذر والكفارة.
أ- لحديث (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه.
قالوا: والصيام عمل فلا صحة له إلا بالنية، لأن صحة العبادات مربوط بالنية.
ب- حديث الباب - حديث حفصة - فالنبي ﷺ نفى الصيام إذا خلا عن النية، فدل ذلك على اشتراطها ولزومها لصحته. - اختلف العلماء هل يلزم لكل يوم نية أو يكفي نية واحدة من أول يوم من رمضان؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجزئ صوم رمضان نية واحدة من أول الشهر ما لم يقطعه بعذر فيستأنف النية.
وهذا مذهب المالكية.
لأنه من المعلوم عند جميع المسلمين أنه إذا دخل رمضان لا يمكن أن يتخلله يوم بدون صيام.
القول الثاني: يجب أن ينوي كل يوم بيومه من ليلته.
وهذا هو المشهور من المذهب، وهو مذهب الجمهور.
أ- قالوا: لأن كل يوم عبادة مستقلة.
قال ابن قدامة: ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها، فأشبهت القضاء.
ب- ولأنه صوم واجب، فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته، كالقضاء. (المغني).
والراجح القول الأول.
ويظهر أثر الخلاف: لو نام مكلف قبل الغروب، ولم يفق إلا من الغد بعد الفجر، فعلى المذهب لا يصح صومه، وعلى القول الراجح يصح صومه.
• ما الحكم لو قال: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يصح.
وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.
أ- لحديث الباب، قالوا: إن الحديث صريح في تبييت النية من الليل، فيكون نصاً في المسألة.
ب- ولأن هذا تردد في النية، والنية لا بد فيها من الجزم
القول الثاني: أنه يصح.
وهذا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
لأن هذا الرجل علق النية لأنه لا يعلم هل غداً من رمضان أم لا؟ فتردده مبني على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد هل يصوم أم لا؟
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن تيمية: وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. فَإِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَدَاء الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي عَلِمَ وُجُوبَهُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ الْوَاجِبَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَهُنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَمَنْ أَوْجَبَ التَّعْيِينَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ فَقَدْ أَوْجَبَ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. فَإِذَا قِيلَ إنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ وَصَامَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ أَوْ مُعَلَّقَةٍ أَجْزَأَهُ.
فائدة: وهذه المسألة تحدث في رجل نام مبكراً ليلة الثلاثين من شعبان، وفيه احتمال أن تكون هذه الليلة من رمضان.
стр. 1142
٦٥٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: " هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " قُلْنَا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ " ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: "أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا" فَأَكَلَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ) بفتح الحاء، هو شيء يُتخذ من تمر وسمن وأقط.
• ماذا نستفيد من حديث عائشة؟
نستفيد: أن صوم النافلة يجوز من النهار.
لقوله (قَالَ: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ).
قال النووي: الحديث دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل الزوال. [قاله النووي]
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصح صوم التطوع بنية من النهار.
قال النووي: ويتأوله الآخرون على أن سؤاله ﷺ : هل عندكم شيء؟ لكونه ضعف عن الصوم وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد.
• ماذا يشترط لمن نوى الصيام من النهار في صوم النفل؟
يشترط: أن لا يكون قد أكل شيئاً من بعد الفجر.
• وهل يشترط أن تكون النية قبل الزوال؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشترط أن يكون قبل الزوال.
وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي.
قالوا: لأن معظم النهار مضى من غير نية، بخلاف الناوي قبل الزوال، فإنه قد أدرك معظم العبادة.
القول الثاني: يجوز ولو بعد الزوال.
وهذا مذهب الحنابلة.
أ- لحديث الباب (فإني إذاً صائم).
وجه الاستدلال: أنّ حديث عائشة ﵂ مطلق من غير فصل بين ما قبل الزوال وبعده، فدلَّ على أنّ النبي ﷺ قد صام بنية من النهار، ولا فرق بين أوَّله وآخره.
ب- قالوا، إنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة ﵃ ما يخالفه صريحاً.
قال ابن تيمية: واختلف قولهما - أي الشافعي وأحمد - هل يجزئ التطوُّع بنية بعد الزوال؟ والأظهر صحته، كما نقل عن الصحابة.
ج- ولأنّ النّيّة وجدت في جزء النّهار، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظة.
د- قال الزركشي: لأنّ ما صحَّت النية في أوله صحَّت في آخره، كالليل.
وهذا الصحيح.
стр. 1143
• إن نوى الصوم أثناء النهار، هل يكتب له أجر الصوم يوماً كاملاً أو يكتب له من نيته؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يكتب له أجر اليوم الكامل.
قالوا: لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار.
القول الثاني: لا يثاب إلا من وقت النية فقط.
فإذا نوى عند الزوال فأجره على هذا القول نصف يوم.
لحديث (إنما الأعمال بالنيات) وهذا أول النهار لم ينو الصوم فلا يكتب له الأجر كاملاً.
واختار هذا الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقال:
إذا نوى الصيام أثناء النهار وهو نفل ولم يأت قبله بما ينافي الصوم من أكل أو شرب أو غيرهما فصومه صحيح، سواء كان قبل الزوال أم بعد الزوال، ولكن هل يثاب من أول النهار، أو يثاب من النية؟ الصحيح: أنه يثاب من النية فقط؛ لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، والفائدة: أنه يكتب له أجر الصيام منذ نوى إلى غروب الشمس. (لقاء الباب المفتوح). والله أعلم بالراجح.
• هل يجوز قطع صوم النفل؟
نعم يجوز قطعه ولو من غير عذر. (باستثناء الحج والعمرة).
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
أ-لحديث الباب ( … ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: " أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا " فَأَكَلَ).
ب- عَنْ أَبِى جُحَيْفة. قَالَ (آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِى الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً. فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِى الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً. فَقَالَ كُلْ. قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ. قَالَ: نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ. فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ. فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ سَلْمَانُ). رواه البخاري
ج- وعن أبي سعيد الخدري أنه قال (صنعت لرسول الله ﷺ طعاماً فأتاني هو وأصحابه فلما وضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : دعاكم أخوكم وتكلف لكم ثم قال له أفطر وصم مكانه يوماً إن شئت) رواه البيهقي.
د- وعن أم هانئ قال رسول الله ﷺ : (الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر). رواه الحاكم وحسنه العراقي
ج- ولأنه نفل فهو إلى خيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام. [قاله النووي]
فائدة: لكن هؤلاء اتفقوا على استحباب إتمامه.
القول الثاني: أنه لا يجوز قطعه.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
أ-لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).
ب- ولحديث عائشة قالت: (كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء رسول الله ﷺ فبدرتني إليه حفصة وكانت ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله! إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، قال اقضيا يوماً آخر مكانه) رواه الترمذي.
стр. 1144
والراجح القول الأول، وأما الجواب عن أدلة القول الثاني:
أما الآية (ولا تبطلوا أعمالكم) فيجاب عنها؛ بأن الخروج من صيام التطوع ليس إبطالاً للعمل، لأن إبطال العمل يكون بالردة، وقد يكون بالرياء والسمعة.
وأما حديث عائشة وحفصة؛ فهو حديث ضعيف لا يصح.
• هل يجوز قطع الفرض من صلاة أو صيام؟
لا يجوز، إلا في مسألتين:
الأولى: للضرورة، كما لو كان في ذلك إنقاذ نفس معصومة من الهلاك.
كمن شرع في صلاة فريضة، ورأى طفلاً يريد أن يقع في هلكة، فهنا يجب أن يقطعها لينقذه.
الثانية: إذا قطع الفرض ليفعله على وجه أكمل.
مثال: إنسان دخل في الصلاة لوحده، وفي أثناء صلاته دخل جماعة وشرعوا في الفريضة، فهنا يجوز أن يقطع الفريضة ليدخل معهم. (فهو قطعها ليفعلها على وجه أكمل).
والدليل على هذه المسألة: حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (أَنَّ رَجُلاً، قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَأْنُكَ إِذَنْ) رواه أبو داود.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- بيان ما كان عليه النبي ﷺ من التقشف.
- مشروعية الهدية وقبولها، وكان من هدي النبي ﷺ قبول الهدية وإثابته عليها.
- جواز أكل النبي ﷺ من الهدية.
- جواز إخبار الإنسان عن عمله الصالح للمصلحة.
стр. 1145
٦٥٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَزَالُ اَلنَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا اَلْفِطْرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٦٥٦ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (قَالَ اَللَّهُ أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا).
===
• ما صحة حديث أبي هريرة (أحب عبادي إليّ .... )؟
ضعيف، لأن في إسناده قرة بن عبد الرحمن والجمهور على تضعيفه.
• ماذا نستفيد من هذه الأحاديث؟
نستفيد: أدب من آداب الإفطار، وهو تعجيله والمبادرة به حين حلول وقته.
ومعنى التعجيل: أنه بمجرد غياب قرص الشمس من الأفق يفطر.
• اذكر ثمرات تعجيل الفطر؟
- في تعجيل الإفطار اتباع هدي النبي ﷺ ، فقد كان يعجل الإفطار.
عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كنا مع رسول الله في سفر وهو صائم، فلما غابت الشمس قال لبعض القوم: يا فلان، قم فاجدح لنا [أي اخلط السويق بالماء] فقال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: انزل فاجدح لنا، قال: إن عليك نهاراً، قال: انزل فاجدح لنا، فنزل فجدح لهم، فشرب النبي ﷺ ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا أفطر الصائم). متفق عليه
- تعجيل الفطر من أخلاق الأنبياء.
قال أبو الدرداء: ثلاث من أخلاق الأنبياء: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة. رواه الطبراني
- أن في تعجيل الفطور علامة أن الناس بخير.
لحديث الباب.
- في تعجيل الفطور مخالفة لليهود والنصارى.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى
يؤخرون). رواه أبو داود
- في تعجيل الفطور تيسير على الناس، وبعد عن التنطع، وقد امتثل هذا الأدب الصحابة.
قال البخاري: أفطر أبو سعيد حين غاب قرص الشمس.
وقال عمرو بن ميمون: (كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطاراً، وأبطأهم سحوراً). رواه عبد الرزاق
• يفطر الصائم أول ما تغرب الشمس.
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم).
• قوله (فقد أفطر الصائم) قال ابن حجر: أي دخل في وقت الفطر.
ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطراً في الحكم لكون الليل ليس ظرفاً للصيام الشرعي، وقد رد ابن خزيمة هذا الاحتمال، وأومأ إلى ترجيح الأول.
قال ابن حجر: ولا شك أن الأول أرجح.
- أن تعجيل الفطور فيه مخالفة لليهود والنصارى، لأنهم يؤخرون الإفطار كما سبق.
قال ابن حجر: وتأخير أهل الكتاب له أمد، وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضاً بلفظ: (لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم) وفيه بيان العلة في ذلك.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الخير كل الخير بالتقيد بالحدود الشرعية.
- أن تعجيل الفطر سبب لاستمرار الخير في الناس.
- تيسير الله على عباده.
- أن المشروع تقديم الفطر على الصلاة.
- إثبات المحبة لله.
стр. 1146
٦٥٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي اَلسَّحُورِ بَرَكَةً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(تَسَحَّرُوا) السحور: بالفتح، ما يتسحر به، اسم للطعام.
(بَرَكَةً) البركة كثرة الخير، ومن معانيها النماء والزيادة، أي: خيراً كثيراً ثابتاً.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب السحور.
قال في المغني: ولا نعلم فيه خلافاً. (أي في استحبابه).
وقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن السحور مندوب إليه.
• لماذا لم نقل بوجوبه لقوله (تسحروا)؟
لم نقل بوجوبه لوجود الصارف عن ذلك، وهو وصال النبي ﷺ بأصحابه.
قال البخاري: باب بركة السحور من غير إيجاب، لأن النبي ﷺ وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور.
ويشير البخاري إلى حديث أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: وأيكم مثلي؟ إني يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا).
• قوله ﷺ (بركة) اذكر بعض هذه البركة الموجودة في السحور؟
أولاً: اتباع السنة.
ثانياً: مخالفة أهل الكتاب.
ففي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر).
ثالثاً: أن السحور يعطي الصائم قوة لا يمل معها الصيام.
رابعاً: أنه يكون سبباً للانتباه من النوم في وقت السحر الذي هو وقت الاستغفار والدعاء، وفيه ينزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا.
خامساً: مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع.
سادساً: الزيادة في النشاط.
• بما يحصل السحور؟
يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب.
فقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ (السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين).
ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة (تسحروا ولو بلقمة).
وعند أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (نعم سحور المؤمن التمر).
стр. 1147
• ما الأفضل تقديم السحور أو تأخيره؟
الأفضل تأخير السحور.
لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر). متفق عليه
زاد أحمد (وأخروا السحور).
وعن أنس عن زيد بن ثابت أنه قال (تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية). متفق عليه
فهذا الحديث يدل على أنه يستحب تأخير السحور إلى قبيل الفجر، فقد كان بين فراغ النبي ﷺ ومعه زيد من سحورهما، ودخولهما في الصلاة، قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية من القرآن، قراءة متوسطة لا سريعة ولا بطيئة، وهذا يدل على أن وقت الصلاة قريب من وقت الإمساك.
والمراد بالأذان الإقامة، سميت أذاناً لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- قرن الحكم بعلته.
- استحباب التقوي على طاعة الله.
- حرمان أولئك الذين لا يتسحرون.
- ينبغي على المسلم أن يستشعر وهو يتسحر أنه متبع لأمر النبي ﷺ ، قال تعالى (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).
стр. 1148
٦٦٠ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ اَلضَّبِّيِّ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
وقد جاء في مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي من حديث أنس قال (كان رسول ﷺ يفطر على رطبات، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسَوات من ماء).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
ففي هذا الحديث استحباب الفطر على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء. (فالمراحل ثلاث).
• هل هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب؟
هذا الأمر بالحديث للاستحباب.
ويدل لذلك حديث ابن أبي أوفى قال: (سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم، فلما غربت الشمس قال: انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله، لو أمسيت … ).
قوله (فاجدح) بالجيم ثم بالحاء، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له المجدح.
قال ابن حجر: وشذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء.
• ما الحكمة من الفطر على التمر:
قال ابن القيم ﵀: وكان يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، … وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان أولى بالظمآن الجائع، أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده ".
وقال الشوكاني: وإنما شرع الإفطار بالتمر لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة.
стр. 1149
٦٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنِ اَلْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: " وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ". فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ اَلْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا اَلْهِلَالَ، فَقَالَ: " لَوْ تَأَخَّرَ اَلْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ " كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(نَهَى) النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء.
• عرف الوصال؟
الوصال هو: صوم يومين فصاعداً من غير أكل وشرب بينهما. [قاله النووي].
وقال ابن قدامة: وهو أن لا يفطر بين اليومين بأكل ولا شرب.
وقال القاضي عياض: هو متابعة الصوم دون الإفطار بالليل.
وقال ابن الأثير: هو أن لا يُفْطِرَ يَوْمَيْن أو أيَّاماً.
• ما حكم الوصال؟
اختلف العلماء في حكم الوصال على أقوال:
القول الأول: أنه محرم.
وهو مذهب الجمهور.
قال ابن حجر: وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال.
أ-لنهي النبي ﷺ عنه كما جاء في حديث الباب (نهى عن الوصال).
ب-وفي رواية: (لا تواصلوا … ).
ج-ولابن خزيمة: (إياكم والوصال).
د-ومن الأدلة قوله ﷺ : (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم).
قال الحافظ ابن حجر: إذ لم يجعل الليل محلاً لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر.
القول الثاني: أنه جائز.
قال الحافظ ابن حجر: وقد ذهب إلى جوازه مع عدم المشقة، عبد الله بن الزبير، وروي أن أبى شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً.
أ-مواصلة النبي ﷺ بأصحابه ولو كان حراماً ما أقرهم على فعله.
ب-إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي، فدل هذا على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لما أقدموا عليه.
ج-ومن الأدلة حديث عائشة قالت: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم).
قال ابن حجر: ويدل على أنه ليس بمحرم ما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة قال (نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه) وإسناده صحيح، فإن الصحابي قد صرح بأنه ﷺ لم يحرم الوصال.
القول الثالث: أنه جائز إلى السحر والمبادرة بالفطر أفضل.
وهذا قول أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة.
لحديث أبي سعيد عند البخاري قال: قال رسول الله ﷺ (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر).
ورجح هذا القول ابن القيم، وقال: وهذا القول أعدل الأقوال، أن الوصال يجوز من سحر إلى سحر، وهو أعدل الوصال وأسهله على الصائم.
стр. 1150
• ما الحكمة من النهي عن الوصال؟
أولاً: رحمة بهم، وإبقاء عليهم.
وفي التنزيل (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
وفي حديث عائشة ﵂ قالت (نَهَى رسول الله ﷺ عن الوصال رَحمة لهم) رواه البخاري ومسلم.
ثانياً: النهي عن التعمّق والتكلّف.
قال الإمام البخاري: باب الوصال. ومَن قال ليس في الليل صيام لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، ونهى النبي ﷺ عنه رحمة لهم وإبقاء عليهم، وما يُكْرَه مِنْ التَّعَمُّق.
وفي حديث أنس ﵁: قال (وَاصَل النبي ﷺ آخر الشهر، وواصَل أناس مِنْ الناس، فبلغ النبي ﷺ فقال: لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ) رواه البخاري ومسلم.
ثالثاً: لِمَا فيه مِنْ ضعف القوة، وإنهاك الأبدان. قاله القرطبي.
رابعاً: دَفْع الْملل.
وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ). رواه البخاري ومسلم
ولَما نَهى عن الوصال ﷺ قال (فَاكْلَفُوا مِنْ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) متفق عليه.
خامساً: يُنهَى عن الوصال مِنْ أجل مُخالفة أهل الكتاب.
ولذلك كانت أكلة السَّحَر مِما يُخالَف به أهل الكتاب.
سادساً: لِمَا في الوصال مِنْ تضييع الحقوق والتقصير فيها.
وكان أبو الدرداء ﵁ يصوم النهار ويقوم الليل، فلمّا زاره سلمان ﵁ قال له سلمان: إن لربك عليك حقّا، ولنفسك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، فأعطِ كل ذي حق حقّه، فأتى أبو الدرداء النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له. فقال النبي ﷺ : صدق سلمان. رواه البخاري.
• ما المراد من قول الصحابي (إنك تُواصِل)؟
ليس فيه اعتراض، وإنما هو سؤال واستفسار عن شأنه ﷺ ، أنه يُواصِل وَيَنْهَى عن الوصال. لأنه ﷺ كان قدوة لأصحابه، وكان إذا أمرهم بأمر فَعَله، وكان إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمْرَه.
• ما معنى قول النبي ﷺ (يطعمني ربي ويسقيني)؟
اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ (يطعمني ربي ويسقيني):
فقيل: هو على حقيقته.
وضعفه النووي، فقال: لو كان حقيقة لم يكن مواصلاً.
стр. 1151
وضعفه ابن القيم، فقال: إنه غَلِطَ من قال: إنه كان يأكل ويشرب طعاماً وشراباً يتغذى به بدنه لوجوه:
أحدهما: أنه قال (أظل عند ربي يطعمني ويسقيني) ولو كان أكلاً وشراباً لم يكن وصالاً ولا صوماً.
الثاني: أن النبي ﷺ أخبرهم أنهم ليس كهيئتهم في الوصال، فإنهم إذا واصلوا تضرروا بذلك، وأما هو ﷺ فإنه إذا واصل لا يتضرر بالوصال، فلوا كان يأكل ويشرب لكان الجواب: وأنا أيضاً لا أواصل، بل آكل وأشرب، كما تأكلون وتشربون فلما قررهم: إنك تواصل، ولم ينكر عليهم، دلّ على أنه كان مواصلاً وأنه لم يكن أكلاً وشراباً يفطر الصائم.
الثالث: أنه لو كان أكلاً وشراباً يفطر الصائم لم يصح الجواب بالفارق بينهم وبينه، فإنه حينئذٍ ﷺ هو وهم مشتركون في عدم الوصال، فكيف يصح الجواب بقوله: لست كهيئتكم.
وقيل: يجعل الله فيه قوة الطاعم الشارب.
ونسبه ابن حجر للجمهور.
وقيل: أن المراد ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح.
ورجح هذا القول ابن القيم، وقال: وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان، ومن له أدنى تجربة وشوق، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه، والرضى عنه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الوصال من خصائص النبي ﷺ .
- أن ما ثبت في حق النبي ﷺ فهو ثابت في حق أمته إلا ما خصه الدليل، ووجه ذلك من الحديث قول الصحابة (فإنك تواصل) لما نهاهم عن الوصال.
- فيه الاستكشاف عن حكمة النهي.
- وفيه أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته، ويبادرون إلى الإنشاء به إلا فيما نهاهم عنه.
стр. 1152
٦٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ اَلزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ.
===
(مَنْ لَمْ يَدَعْ) لم يترك.
(قَوْلَ اَلزُّورِ) الكذب.
(وَالْجَهْلَ) السفه.
• ما معنى قوله ﷺ (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه)؟
قال ابن حجر: فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن المقصود من شرعية الصيام تقوى الله، وتهذيب النفوس والأخلاق.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
فبين الله تعالى أن الحكمة من الصيام تقوى الله، وهي فعل الأوامر وترك النواهي.
ولهذا قال ابن القيم: ففي الحديث الصحيح (من لم يدع قول الزور … ) وفي الحديث (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم.
• فعل المحرمات والمنكرات في الصيام هل تبطله؟
لا، لا تبطل الصيام، وإنما تنقص ثواب الصوم، ومثلها الغيبة والنميمة وغيرها.
قال ابن حجر: وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلاً أو قولاً.
أ- لعموم قوله ﷺ (فلا يرفث ولا يجهل).
ب- ولحديث الباب.
وجمهور العلماء على أنها لا تفطر الصائم.
• ما الفوائد من ترك الشهوات من الأكل والشرب والمنكح في رمضان؟
في التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:
منها: كسر النفس، فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشَر والبطر والغفلة.
ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب وتُعميه.
ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيراً من الفقراء.
ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان. (ابن رجب)
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحكمة من الشرائع، وأن فيها تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، واستقامة الطبائع.
- صحة الصيام مع هذه الأمور المحرمة.
стр. 1153
٦٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: - فِي رَمَضَانَ -.
===
(وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ) المباشرة: التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع سواء أولج أو لم يولج، وليس الجماع مراداً هنا، وإنما المراد: الجماع فيما دون الفرج من تقبيل ولمس وضم وغيرها.
(وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) قال النووي: أكثر الروايات بكسر الهمزة مع إسكان الراء، ومعناه: عُضوه الذي يستمتع به، أي: الفرج، ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه: حاجته، وهي شهوة الجماع.
• جاء في رواية (كان يقبل وهو صائم، ثم تضحك) ما سبب ضحكها؟
يحتمل ضحكها من التعجب ممن خالف في هذا.
وقيل: تعجب من نفسها إذ تحدث بمثل هذا مما يستحي من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك.
وقد يكون الضحك خجلاً لإخبارها عن نفسها بذلك.
أو تنبيهاً على أنها صاحبة القصة لتكون أبلغ في الثقة بها.
أو سروراً بمكانها من النبي ﷺ وبمنزلتها منه ومحبته لها.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز تقبيل الرجل زوجته وهو صائم في رمضان.
وقد سئلت عائشة عما يحل للصائم من امرأته؟ فقالت: (اتق الفرج). رواه الطحاوي وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح
وهو دليل على أن الصائم لا يمتنع عن زوجته إلا ما يمتنع منها وهي حائض.
وقد اختلف العلماء في القبلة للصائم:
فكرهها قوم.
وهو المشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة لمباشرته.
ونقل عن قوم تحريمها.
لقوله تعالى (فالآن باشروهن) فمنع المباشرة في هذه الآية نهاراً.
والجواب عن ذلك أن النبي ﷺ هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهاراً، فدل ذلك على أن المباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها.
وفرق قوم بين الشاب والشيخ فكرهها للشاب دون الشيخ.
لحديث عبد الله بن عمرو قال: (كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ قال: لا، فجاءه شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله ﷺ : إن الشيخ يملك نفسه). رواه أبو داود
وهذا الحديث ضعفه الحافظ ابن حجر وابن القيم، وقال: لا يصح التفريق بين الشاب والشيخ، ولم يجيء من وجه يثبت.
والصحيح أن القبلة لمن تحرك شهوته لكنه يأمن فساد الصوم ليست مكروهة، لفعل الرسول ﷺ .
لكن إذا كانت القبلة تلذذاً ويخشى فساد الصوم بحيث لا يأمن نفسه من الإنزال، فتحرم، لأنه يعرض صومه للفساد.
وقال ابن قدامة في المغني: القبلة لا تخلو من أمور:
- أن لا ينزل فلا يفسد صومه.
قال: لا نعلم فيه خلافاً، وذكر حديث الباب.
- أن يمني فيفطر بغير خلاف.
- أن يمذي ففيه خلاف.
стр. 1154
• هل المذي إذا خرج من الصائم بسبب تقبيل أو لمس يفسد الصيام؟
اختلف العلماء في المذي هل يفطر إذا خرج من الصائم أم لا على قولين:
القول الأول: أنه يفطر بذلك. (إذا كان نزوله بسبب المباشرة كاللمس والتقبيل وما أشبه ذلك).
وهذا قول المالكية والحنابلة.
قالوا: إن المذي خارج تخلله الشهوة، خرج بالمباشرة، فأفسد الصوم كالمني. (المغني).
القول الثاني: عدم الفطر به.
وهذا قول الحنفية، والشافعية، واختيار ابن تيمية.
أ - قالوا: بأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول.
ب - أنه لم يوجد الجماع لا صورة ولا معنى.
قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: بعد أن ذكر مذهب الحنابلة في المسألة: ولا دليل له صحيح، لأن المذي دون المني لا بالنسبة للشهوة ولا بالنسبة لانحلال البدن، فلا يمكن أن يلحق به.
والصواب: أنه إذا باشر فأمذى، أو استمنى فأمذى أنه لا يفسد صومه، وأن صومه صحيح، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والحجة فيه عدم الحجة (أي عدم الحجة على أن نزول المذي مفسد للصيام)، لأن هذا الصوم عبادة شرع فيها الإنسان على وجه شرعي فلا يمكن أن نفسد هذه العبادة إلا بدليل. (الشرح الممتع).
ومعنى: (استمنى فأمذى) أنه حاول إنزال المني ولكنه لم يُنزل وإنما أنزل مذياً.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: خروج المذي لا يبطل الصوم في أصح قولي العلماء؛ سواء كان ذلك بسبب تقبيل الزوجة، أو مشاهدة بعض الأفلام، أو غير ذلك مما يثير الشهوة.
• ما الحكم إذا كرر النظر فأمنى، هل يفسد صومه أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه يفسد صومه.
وهذا مذهب مالك وأحمد.
القول الثاني: أنه لا يفسد صومه.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر.
قالوا: لأنه يشبه التفكير.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز التحدث عما يستحيى منه للمصلحة.
- جواز المباشرة للصائم إذا كان يملك نفسه ويأمن فساد الصوم.
- أنه لا فرق في هذا الحكم بين الشيخ والشاب، والحديث الوارد في التفريق بينهما ضعيف.
- فضل عائشة، في نقلها للأحكام التي يفعلها النبي ﷺ في بيته.
стр. 1155
٦٦٤ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٦٦٥ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ
٦٦٦ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ اَلْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ; أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَفْطَرَ هَذَانِ "، ثُمَّ رَخَّصَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي اَلْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ - رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ.
===
(اِحْتَجَمَ) أي: طلب من يحجمه، والحجامة: إخراج الدم من البدن بطرق معرفة.
• ما صحة حديث الباب؟
- حديث أفطر الحاجم والمحجوم، جاء عن عدة من الصحابة: عن رافع بن خديج، وعن شداد، وعن ثوبان، وعن علي.
- وحديث شداد أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان وصححاه، وصححه ابن المديني، وابن عبد البر، وابن حزم.
قال العقيلي في الضعفاء: أصح الأحاديث في هذا الباب حديث شداد بن أوس.
وقال أيضاً: حديث شداد بن أوس صحيح في هذا الباب.
وقال إسحق بن راهويه: (هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة) ذكره الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى.
ونقل في الفتح تصحيحه عن أحمد وابن خزيمة، وصححه ابن حبان أيضاً.
وقال النووي في المجموع: إسناده صحيح.
قال شيخ الإسلام: الأحاديث الواردة كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ.
وقال في المغني: حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه عن النبي ﷺ أحد عشر نفساً.
وقال ابن كثير: فأما حديث (افطر الحاجم والمحجوم) فقد رواه جماعة من الصحابة نحو بضعة عشر صحابياً من طرق متعددة يشدُّ بعضها بعضاً، بل هي مفيدةٌ للقطع عند جماعةٍ من المحدِّثين ومتواترة عند آخرين، وإن كان قد تكلم في بعض تلك الطرق.
• هل الحجامة تفطر الصائم أم لا؟
اختلف العلماء هل الحجامة تفطر أم لا؟
القول الأول: أنها تفطر.
وهو قول علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان [ذكر ذلك في الفتح].
وعلق الشافعي القول به على صحة الحديث.
أ- لحديث الباب (أفطر الحاجم والمحجوم).
ب- أن أحاديث الفطر بالحجامة للصائم أشهر وأكثر وأقوى من الترخيص بها.
ج-أن أحاديث الفطر بالحجامة قولية وحديث احتجام النبي ﷺ فعل والقول مقدم على الفعل.
القول الثاني: أنها لا تفطر.
وهو مذهب الجمهور.
أ-لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم). رواه البخاري
ب-ما رواه أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال (نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه) قال الحافظ: إسناده صحيح.
ج-وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال (رخص للصائم بالحجامة والقبلة) رواه ابن خزيمة، وسنده صحيح إلى أبي سعيد وله حكم الرفع.
стр. 1156
• بماذا أجاب هؤلاء عن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)؟
أجابوا:
أ- أنه منسوخ.
قال ابن حجر في الفتح: (قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق ذلك الشافعي.
وقال ابن حزم: صح حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد (رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً.
ب- لأنهما كانا يغتابان.
لما أخرجه الطحاوي والدارمي عن ثوبان أنه ﷺ إنما قال (أفطر الحاجم والمحجوم) لأنهما كانا يغتابان.
ورد هذا: بأن في إسناده يزيد ابن معاوية وهو متروك، وحكم ابن المديني بأنه حديث باطل.
ج-وأجاب بعضهم بأن المراد (أفطر الحاجم والمحجوم) سيفطران باعتبار ما يؤول إليه الأمر.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلف هذا التأويل.
وقال البغوي: معنى (أفطر الحاجم والمحجوم) أي تعرضا للإفطار.
قال الشوكاني: وهذا أيضاً جواب متكلف.
ومن أحسن ما يستدل به على أن الحجامة لا تفطر: حديث ابن عباس السابق.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز حلق المحرِم لشيء من رأسه.
- أن المحرم إذا احتجم وأزال شعراً من رأسه فإنه لا فدية عليه.
- أن الفدية إنما تجب على المحرِم إذا أزال من شعره ما تحصل به إماطة الأذى.
стр. 1157
٦٦٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
قَالَ اَلتِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ.
===
حديث الباب ضعيف ولا يصح.
قال ابن القيم: روي عنه أنه اكتحل وهو صائم ولا يصح.
• ما حكم الكحل للصائم؟
وردت أحاديث تجيز الاكتحال للصائم، وأحاديث تمنع ذلك وكلها لا تصح.
الأحاديث التي تثبت ذلك:
أ-حديث الباب ولا يصح.
ب-حديث ابن عمر (أنه ﷺ خرج عليهم في رمضان وعيناه مملوءتان من الإثمد). رواه الترمذي.
ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
والأحاديث التي تمنع الكحل:
حديث (أن النبي ﷺ أمر بالإثمد عند النوم وقال: ليتقه الصائم). رواه أبو داود
قال أحمد: حديث منكر.
وقال ابن القيم: لا يصح.
فذهب بعض العلماء إلى أن الكحل يفسد الصوم.
لحديث (ليتقه الصائم).
ونسبه الشوكاني لابن شبرمة وابن أبي ليلى.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يفطر.
أ-أن أحاديث المنع ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها.
ب-البراءة الأصلية، ولا تنتقل عنها إلا بدليل، وليس في الباب ما يصلح للنقل [قاله الشوكاني].
ج-أن العين ليست منفذاً للأكل كالأنف.
وهذا القول هو الراجح، وهو قول عامة التابعين، فقد روى أبو داود في سننه عن الأعمش ـ وهو أحد أئمة التابعين ـ أنه قال (ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم).
стр. 1158
٦٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
٦٦٩ - وَلِلْحَاكِمِ (مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) وَهُوَ صَحِيحٌ.
===
(مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ) وجاء عند البخاري (من أكل ناسياً وهو صائم)، ولأبي داود عن أبي هريرة ﵁: (جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم) وهذا الرجل هو أبو هريرة راوي الحديث. أخرجه الدار قطني
(فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) وفي رواية (فلا يفطر).
(فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ) في رواية الترمذي (فإنما هو رزق رزقه الله)، وللدار قطني (فإنما هو رزق ساقه الله إليه).
• ما حكم من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم؟
حديث الباب يدل على أن من شرب أو أكل ناسياً لا يفسد صومه ولا كفارة.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.
أ-لحديث الباب.
ب-ولرواية الحاكم (فلا قضاء عليه ولا كفارة).
ج-وهو الموافِقُ لقوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) وقوله تعالى (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنا) وقد ثَبَتَ في الصحيح أنَّ الله أجاب هذا الدعاء.
د-وقال ﷺ (إِنَّ الله وَضَعَ عن أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه).
وذهب بعض العلماء إلى أنه يفسد الصوم ويجب القضاء.
وهو مذهب المالكية.
واعتذروا عن العمل بحديث الباب بأمور:
أ-لم يرد في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع، ويرد هذا:
قوله (وهو صائم) نكرةٌ في سياق الشرط فَتَعُمّ كُلَّ صائم.
ولرواية الحاكم (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء ولا كفارة).
ب-ورده بعضهم بكونه خبر واحد خالف القاعدة.
قال الشوكاني: وهو اعتذار باطل والحديث قاعدة مستقلة في الصيام، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل، ولرد ما شاء ما شاء.
• هل هناك فرق بين كثير الأكل وقليله؟
أنه لا فرق بين قليل الأكل وكثيره.
لما أخرجه أحمد عن أم إسحاق: (أنها كانت عند النبي ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعتِ؟ فقال لها النبي ﷺ : أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك).
قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره.
стр. 1159
• ماذا نستفيد من قوله (ناسياً)؟
نستفيد: أن الأكل والشرب من المتعمد الذاكر يفطر الصائم.
قال ابن قدامة: الأكل والشرب، وهذا لا خلاف أن من تعمده يفطر ويجب عليه الإمساك والقضاء، لقوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ).
ولقوله ﷺ (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي).
وأجمع العلماء على أن الفطر بالأكل والشرب. (المغني).
• هل يجب على من رأى من يأكل ويشرب في نهار رمضان أن يذكره أم لا؟ قولان للعلماء:
القول الأول: أنه يجب تذكيره.
واختار هذا القول الشيخ ابن باز وابن عثيمين.
لقوله ﷺ (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). رواه مسلم
القول الثاني: أنه لا يجب تذكيره.
لأنك تعلم علم اليقين أنه أكل أو شرب نسياناً ولم يرتكب حينئذٍ منكراً، وإنما أطعمه الله وسقاه.
والأول أرجح.
• ما حكم من جامع في نهار رمضان ناسياً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يفسد صومه.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية.
قال النووي: وأما المجامع ناسياً فلا يفطر ولا كفارة عليه، هذا هو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، ودليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه.
واختار هذا القول ابن تيمية.
أ- لرواية (من أفطر في رمضان ناسياً … ) لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع، وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في حديث الباب لكونهما الأغلب وقوعاً.
قال ابن دقيق العيد: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب، لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي عموماً.
ب-ولعموم قوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
ج - ولقوله (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
د- قال النووي: ودليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه.
стр. 1160
القول الثاني: أن عليه القضاء والكفارة.
وهو قول الحنابلة.
أ- لحديث المجامع في نهار رمضان - وسيأتي الحديث إن شاء الله - حيث أن النبي ﷺ لم يستفصل منه، هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول.
والراجح القول الأول.
والجواب عن دليل القول الثاني:
أن المجامع الذي جاء للنبي ﷺ كان متعمداً، ويدل لذلك الروايات، فقد جاء في بعضها (هلكت) وفي بعضها (احترقت).
قال ابن حجر: فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- في الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم.
- أن عمل الناسي لا ينسب إليه شرعاً.
فائدة: قال ابن حجر: ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: (أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحت صائماً فنسيت فطعمت، قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت، قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام).
следующие страницы →