Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
• بماذا أجاب هؤلاء عن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)؟
أجابوا:
أ- أنه منسوخ.
قال ابن حجر في الفتح: (قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق ذلك الشافعي.
وقال ابن حزم: صح حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد (رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً.
ب- لأنهما كانا يغتابان.
لما أخرجه الطحاوي والدارمي عن ثوبان أنه ﷺ إنما قال (أفطر الحاجم والمحجوم) لأنهما كانا يغتابان.
ورد هذا: بأن في إسناده يزيد ابن معاوية وهو متروك، وحكم ابن المديني بأنه حديث باطل.
ج-وأجاب بعضهم بأن المراد (أفطر الحاجم والمحجوم) سيفطران باعتبار ما يؤول إليه الأمر.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلف هذا التأويل.
وقال البغوي: معنى (أفطر الحاجم والمحجوم) أي تعرضا للإفطار.
قال الشوكاني: وهذا أيضاً جواب متكلف.
ومن أحسن ما يستدل به على أن الحجامة لا تفطر: حديث ابن عباس السابق.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز حلق المحرِم لشيء من رأسه.
- أن المحرم إذا احتجم وأزال شعراً من رأسه فإنه لا فدية عليه.
- أن الفدية إنما تجب على المحرِم إذا أزال من شعره ما تحصل به إماطة الأذى.
стр. 1157
٦٦٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
قَالَ اَلتِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ.
===
حديث الباب ضعيف ولا يصح.
قال ابن القيم: روي عنه أنه اكتحل وهو صائم ولا يصح.
• ما حكم الكحل للصائم؟
وردت أحاديث تجيز الاكتحال للصائم، وأحاديث تمنع ذلك وكلها لا تصح.
الأحاديث التي تثبت ذلك:
أ-حديث الباب ولا يصح.
ب-حديث ابن عمر (أنه ﷺ خرج عليهم في رمضان وعيناه مملوءتان من الإثمد). رواه الترمذي.
ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
والأحاديث التي تمنع الكحل:
حديث (أن النبي ﷺ أمر بالإثمد عند النوم وقال: ليتقه الصائم). رواه أبو داود
قال أحمد: حديث منكر.
وقال ابن القيم: لا يصح.
فذهب بعض العلماء إلى أن الكحل يفسد الصوم.
لحديث (ليتقه الصائم).
ونسبه الشوكاني لابن شبرمة وابن أبي ليلى.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يفطر.
أ-أن أحاديث المنع ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها.
ب-البراءة الأصلية، ولا تنتقل عنها إلا بدليل، وليس في الباب ما يصلح للنقل [قاله الشوكاني].
ج-أن العين ليست منفذاً للأكل كالأنف.
وهذا القول هو الراجح، وهو قول عامة التابعين، فقد روى أبو داود في سننه عن الأعمش ـ وهو أحد أئمة التابعين ـ أنه قال (ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم).
стр. 1158
٦٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
٦٦٩ - وَلِلْحَاكِمِ (مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) وَهُوَ صَحِيحٌ.
===
(مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ) وجاء عند البخاري (من أكل ناسياً وهو صائم)، ولأبي داود عن أبي هريرة ﵁: (جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم) وهذا الرجل هو أبو هريرة راوي الحديث. أخرجه الدار قطني
(فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) وفي رواية (فلا يفطر).
(فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ) في رواية الترمذي (فإنما هو رزق رزقه الله)، وللدار قطني (فإنما هو رزق ساقه الله إليه).
• ما حكم من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم؟
حديث الباب يدل على أن من شرب أو أكل ناسياً لا يفسد صومه ولا كفارة.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.
أ-لحديث الباب.
ب-ولرواية الحاكم (فلا قضاء عليه ولا كفارة).
ج-وهو الموافِقُ لقوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) وقوله تعالى (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنا) وقد ثَبَتَ في الصحيح أنَّ الله أجاب هذا الدعاء.
د-وقال ﷺ (إِنَّ الله وَضَعَ عن أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه).
وذهب بعض العلماء إلى أنه يفسد الصوم ويجب القضاء.
وهو مذهب المالكية.
واعتذروا عن العمل بحديث الباب بأمور:
أ-لم يرد في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع، ويرد هذا:
قوله (وهو صائم) نكرةٌ في سياق الشرط فَتَعُمّ كُلَّ صائم.
ولرواية الحاكم (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء ولا كفارة).
ب-ورده بعضهم بكونه خبر واحد خالف القاعدة.
قال الشوكاني: وهو اعتذار باطل والحديث قاعدة مستقلة في الصيام، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل، ولرد ما شاء ما شاء.
• هل هناك فرق بين كثير الأكل وقليله؟
أنه لا فرق بين قليل الأكل وكثيره.
لما أخرجه أحمد عن أم إسحاق: (أنها كانت عند النبي ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعتِ؟ فقال لها النبي ﷺ : أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك).
قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره.
стр. 1159
• ماذا نستفيد من قوله (ناسياً)؟
نستفيد: أن الأكل والشرب من المتعمد الذاكر يفطر الصائم.
قال ابن قدامة: الأكل والشرب، وهذا لا خلاف أن من تعمده يفطر ويجب عليه الإمساك والقضاء، لقوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ).
ولقوله ﷺ (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي).
وأجمع العلماء على أن الفطر بالأكل والشرب. (المغني).
• هل يجب على من رأى من يأكل ويشرب في نهار رمضان أن يذكره أم لا؟ قولان للعلماء:
القول الأول: أنه يجب تذكيره.
واختار هذا القول الشيخ ابن باز وابن عثيمين.
لقوله ﷺ (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). رواه مسلم
القول الثاني: أنه لا يجب تذكيره.
لأنك تعلم علم اليقين أنه أكل أو شرب نسياناً ولم يرتكب حينئذٍ منكراً، وإنما أطعمه الله وسقاه.
والأول أرجح.
• ما حكم من جامع في نهار رمضان ناسياً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يفسد صومه.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية.
قال النووي: وأما المجامع ناسياً فلا يفطر ولا كفارة عليه، هذا هو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، ودليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه.
واختار هذا القول ابن تيمية.
أ- لرواية (من أفطر في رمضان ناسياً … ) لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع، وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في حديث الباب لكونهما الأغلب وقوعاً.
قال ابن دقيق العيد: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب، لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي عموماً.
ب-ولعموم قوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
ج - ولقوله (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
د- قال النووي: ودليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه.
стр. 1160
القول الثاني: أن عليه القضاء والكفارة.
وهو قول الحنابلة.
أ- لحديث المجامع في نهار رمضان - وسيأتي الحديث إن شاء الله - حيث أن النبي ﷺ لم يستفصل منه، هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول.
والراجح القول الأول.
والجواب عن دليل القول الثاني:
أن المجامع الذي جاء للنبي ﷺ كان متعمداً، ويدل لذلك الروايات، فقد جاء في بعضها (هلكت) وفي بعضها (احترقت).
قال ابن حجر: فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- في الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم.
- أن عمل الناسي لا ينسب إليه شرعاً.
فائدة: قال ابن حجر: ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: (أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحت صائماً فنسيت فطعمت، قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت، قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام).
стр. 1161
٦٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ ذَرَعَهُ اَلْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاءُ). رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ
وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ.
وَقَوَّاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ.
===
(مَنْ ذَرَعَهُ) أي: غلبه.
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث اختلف فيه العلماء:
أنكره أحمد، وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء، وضعفه البخاري في صحيحه بما رواه معلقاً بسند صحيح عن أبي هريرة موقوفاً أنه قال: (من قاء فلا فطر عليه وإنما يخرج ولا يولج).
وصحح الحديث الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان، وصححه الألباني.
• ما هو القيء؟
التقيؤ: هو خروج الطعام ونحوه من الجوف إلى ظاهر البدن، قال في لسان العرب: هو استِخْراجُ ما في الجَوْفِ عامداً.
• ما معنى (وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاء)؟
أي: استدعى القيء وطلب خروجه تعمداً.
واستدعاء القيء له طرق: النظر، والشم، والعصر، والجذب، وربما نقول السمع ـ أيضاً.
أما النظر: فكأن ينظر الإنسان إلى شيءٍ كريهٍ فتتقزز نفسه ثم يقيء.
وأما الشم: فكأن يشم رائحة كريهة فيقيء.
وأما العصر: فكأن يعصر بطنه عصراً شديداً إلى فوق ثم يقيء.
وأما الجذب: بأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يقيء. (الشرح الممتع).
• ما حكم القيء عمداً في نهار رمضان.
استدل بالحديث من قال إن القيء عمداً يفسد الصوم وعليه القضاء إذا كان الصوم واجباً.
وقد حكاه ابن المنذر بالإجماع.
وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والقاسم: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالباً أو مستخرجاً ما لم يرجع فيه القيء باختياره. (نقله الشوكاني عنهم).
واستدلوا:
أ-أن الحديث لا يصح، ولم يثبت دليل أن القيء مفطر، ولو كان مفطراً لبينه النبي ﷺ بياناً عاماً.
ب-واستدلوا بحديث (ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام). وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وغيره
• هل هناك فرق بين القيء القليل والكثير؟
لا فرق في القيء بين القليل والكثير على الصحيح، فلو تعمد القيء، وخرج شيء قليل أفطر، قال في الفروع: وإن استقاء فقاء أي شيء كان أفطر.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- رحمة الله بعباده حيث رفع المؤاخذة عما غلب عليهم.
- أن الإكراه على الفطر لا يحصل به الفطر.
стр. 1162
٦٧١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ اَلْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ اَلنَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ. قَالَ: أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ).
وَفِي لَفْظٍ: (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ اَلصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ اَلْعَصْرِ، فَشَرِبَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٦٧٢ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى اَلصِّيَامِ فِي اَلسَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اَللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٦٧٣ - وَأَصْلُهُ فِي " اَلْمُتَّفَقِ " مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَلَ -
===
(خَرَجَ عَامَ اَلْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ) أي: سنة غزوة الفتح.
(حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) بضم الكاف، وهو اسم واد أمام عسفان، قال ابن الأثير: كُراع الغميم: هو اسم موضع بين مكة والمدينة.
جاء في رواية: (حتى بلغ الكديد) بفتح الكاف وكسر الدال، مكان معروف، وهو بين عسفان وقُديْد، يعني بضم القاف على التصغير.
(فَصَامَ اَلنَّاسُ) أي: اقتداءً به ﷺ حيث صام.
(ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ) جاء في رواية عن ابن عباس (ثم دعا بماء فشرب نهاراً ليراه الناس).
(فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد أن أفطر.
(إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ) ظناً منهم أن الفطر رخصة، ورأوا أن لهم قوة على الصوم.
• لماذا قال النبي ﷺ في حق من لم يفطر حين أفطر ﷺ (أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ)؟
قال الإمام ابن حبان: إنما أطلق عليهم هذه اللفظة بتركهم الأمر الذي أمرهم به، وهو الإفطار، لا أنهم صاروا عُصاة بصومهم في السفر.
وقال النووي: وَهَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ، أَوْ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْفِطْرِ أَمْرًا جَازِمًا لِمَصْلَحَةِ بَيَان جَوَازه، فَخَالَفُوا الْوَاجِب، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَكُون الصَّائِم الْيَوْم فِي السَّفَر عَاصِيًا إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ، وَيُؤَيِّد التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: (إِنَّ النَّاس قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ).
• ما فائدة رواية (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ اَلصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا .... )؟
فائدتها: بيان سبب فطر النبي ﷺ ، وأنه إنما أفطر من أجل مشقة الصوم على الناس الذين معه.
• لماذا ذكر المصنف ﵀ حديث حمزة بن عمرو؟
ذكره ليستدل به على جواز الصوم في السفر.
وأصرح منه ما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال: (يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر ـ يعني رمضان ـ وأنا أجد القوة، وأجدني أهون علي من أن أخره فيكون ديناً علي، فقال: أي ذلك شئت يا حمزة).
• ما حكم الفطر في رمضان للمسافر؟
جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).
ومن السنة أحاديث كثيرة، ومنها:
أ-حديث الباب - حديث جابر -.
стр. 1163
• ما حكم الصوم للمسافر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: جائز.
قال ابن قدامة: وهذا قول أكثر العلماء.
وقال النووي: وهو قول جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى لأحاديث الباب وغيرها كثيرة.
أ-لحديث أنس قال (كنا نسافر فلا يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) متفق عليه.
ب- ولحديث أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ. وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلاَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) متفق عليه.
ج - ولحديث عائشة قالت (سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسولَ الله ﷺ عن الصيام في السفر، فقال: إن شئتَ فصُم، وإن شئت فأفطر) متفق عليه.
القول الثاني: أن صيام المسافر لا يصح ولا يجزئه.
قال ابن حجر: فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، وهذا قول بعض أهل الظاهر ومنهم ابن حزم.
أ- لقوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).
قالوا: ظاهره أن عليه عدة، أي فالواجب عدة.
ب-واستدلوا بحديث الباب (فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ. قَالَ: "أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ).
ج- ولحديث جَابِر قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ. فَرَأَى زِحَاماً وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ. قَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) متفق عليه.
قالوا: ومقابل البر الإثم، وإذا كان آثماً بصومه لم يجزئه.
والصحيح مذهب الجمهور وهو جواز الصوم للمسافر في نهار رمضان.
• ما الجواب عن أدلة الظاهرية؟
أولاً: بالنسبة للآية، يقال: بأن هذا الفهم غير صحيح، إذ أن الإفطار مضمر في الآية، وعليه إجماع أهل التفسير، وتقديره:
فمن كان منكم مريضاً أو على سفر (فأفطر) فعدة من أيام أخر. واستدلوا:
ب-وحديث أنس قال (كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم). متفق عليه
ثانياً: وأما قوله ﷺ (أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ).
بأن هذا الاستدلال واقع في غير محله، إذ أن النبي ﷺ قال ذلك في حق من شق عليه الصوم، ولا شك أن الإفطار مع المشقة الزائدة أفضل.
ثالثاً: وأما حديث جابر (ليس من البر الصيام في السفر) فالجواب عنه: أنه خرج على سبب، فيقتصر عليه، وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري حيث ترجم [باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر: ليس من البر الصوم في السفر].
قال ابن دقيق العيد: أخذ من هذا: أنه كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات ويكون قوله (ليس من البر الصيام في السفر) منزلاً على مثل هذه الحالة.
стр. 1164
• اختلف الجمهور القائلون بجواز الصوم في السفر أيهما أفضل الصوم أم الفطر؟ اذكر الخلاف؟
القول الأول: الفطر أفضل.
وهو قول أحمد وإسحاق.
أ-عملاً بالرخصة، ففي الحديث (إن الله يحب أن تؤتى رخصه). رواه ابن خزيمة.
ب-ولحديث جَابِر قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ. فَرَأَى زِحَاماً وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ. قَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) متفق عليه.
ج-ولحديث الباب (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه).
القول الثاني: الصوم أفضل لمن قوي عليه من غير مشقة.
ونسبه ابن حجر إلى الجمهور. واستدلوا:
أ- لحديث أبي الدرداء قال (خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة). متفق عليه
ب-لأنه فعل الرسول ﷺ .
ج-أسرع في إبراء الذمة.
د-أسهل على المكلف.
هـ-يدرك الزمن الفاضل وهو رمضان.
القول الثالث: هو مخير مطلقاً.
القول الرابع: أفضلهما أيسرهما، واختاره ابن المنذر.
لقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ).
والراجح قول الجمهور.
لكن إذا كان هناك مشقة محتملة فالأفضل الفطر.
لحديث جَابِر قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ. فَرَأَى زِحَاماً وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ. قَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ).
وإذا كان الصوم يشق عليه مشقة غير محتملة فهنا يجب الفطر.
لقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).
وأما إذا كان لا يشق عليه فالأفضل الصوم كما سبق من مذهب الجمهور.
الخلاصة: حالات صوم المسافر (٣) وهي كما يلي:
الحالة الأولى: إذا كان يشق عليه مشقة محتملة فالأفضل الفطر. (يكره صومه).
لأن في ذلك عدولاً عن رخصة الله تعالى، والله يحب أن تؤتى رخصه.
الحالة الثانية: إذا كان يشق عليه مشقة غير محتملة فهذا يجب عليه الفطر (يحرم صومه).
لحديث جابر - السابق - (ليس من البر الصيام في السفر).
الحالة الثالثة: إذا لم يكن عليه مشقة فالأفضل الصوم كما سبق.
стр. 1165
• ما حكم من نوى الصوم وهو مسافر، ثم أراد أن يفطر، فهل يجوز له ذلك؟
نعم يجوز له ذلك.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
لحديث جابر (حديث الباب).
عَنِ ابْنِ عَبَّاس. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِى رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّبِعُونَ الأَحْدَثَ فَالأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ) رواه مسلم.
• ما حكم لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار، فهل له الفطر في ذلك النهار أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يفطر ذلك اليوم.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي.
القول الثاني: له أن يفطر.
وهذا قول أحمد وإسحاق.
أ- لحديث الباب.
ب- عن ابن عباس (أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَديد أفطر، فأفطر الناس) متفق عليه.
وجه الاستدلال من الحديثين السابقين: أنه ﷺ أفطر في اليوم الذي سافر فيه.
قال القرطبي في تفسيره: وهذا نص في الباب، فسقط ما خالفه.
واستدلَّ الشوكاني على ذلك بحديث جابر بن عبد الله ﵄.
ج- بالقياس: أنّ من أصبح صائمًا ثم مرض فإنه يباح له الفطر، فكذلك السفر.
قال الخطابي: وشبَّهوه بمن أصبح صائمًا ثم مرض في يوم فله أن يفطر من أجل المرض، قالوا: وكذلك من أصبح صائمًا ثم سافر، لأنّ كلَّ واحد من الأمرين سبب للرخصة حدث بعد مُضِيِّ شيء من النهار.
• بماذا أجاب الجمهور عن هذه الأحاديث؟
قال النووي: وقد غلط بعض العلماء في فهم هذا الحديث، فتوهَّم أنّ الكَديد وكُراع الغميم قريب من المدينة، وأنّ قوله (فصام حتى بلغ الكديد .. ) و ( .. كراع الغميم) كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائمًا فلما بلغ كراع الغميم في يومه أفطر في نهاره، واستدلّ به هذا القائل على أنه إذا سافر بعد طلوع الفجر صائمًا له أن يُفطِر في يومه، ومذهب الشافعي والجمهور أنه لا يجوز الفطر ذلك اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السَّفر، واستدلال هذا القائل بهذا الحديث من العجائب الغريبة؛ لأنّ الكديد وكراع الغميم على سبع مراحل أو أكثر من المدينة.
• متى يجوز للمسافر أن يفطر؟
المسافر لا يجوز له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره، فلا يجوز له الفطر قبل خروجه لأنه مقيم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز الخروج للقتال في رمضان.
- يسر الشريعة الإسلامية.
- أنه ينبغي للإمام والعالم والقدوة أن يراعي أحوال الناس.
- توكيد القول بالفعل.
- الإنكار على من خالف السنة ولو كان مجتهداً.
стр. 1166
٦٧٤ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: - رُخِّصَ لِلشَّيْخِ اَلْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ - رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ.
===
• ما صحة هذا الأثر؟
هذا الأثر رواه الدارقطني من طريق خالد الحَذَّاء عن عكرمة عن ابن عباس.
قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري.
• ماذا نستفيد من هذا الأثر؟
أن الشيخ الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه.
وقد سئل الشيخ ابن باز عن امرأة كبيرة السن ولا تطيق الصوم فماذا تفعل؟
عليها أن تطعم مسكيناً عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد من تمر أو أرز أو غيرهما، ومقداره بالوزن كيلو ونصف على سبيل التقريب. كما أفتى بذلك جماعة من أصحاب النبي ﷺ ومنهم ابن عباس ﵁ وعنهم فإن كانت فقيرة لا تستطيع الإطعام فلا شيء عليها وهذه الكفارة يجوز دفعها لواحد أو أكثر في أول الشهر أو وسطه أو آخره، وبالله التوفيق اهـ.
وقال ابن كثير: فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر، ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء:
أحدهما: لا يجب عليه إطعام، لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي - وهو قول مالك وأيده ابن حزم.
والثاني: وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء، أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف، على قراءة من قرأ: (وعلى الذين يطيقونه) - لعلها يطوقونه - أي يتجشمونه. كما قاله ابن مسعود وغيره وهو اختيار البخاري.
وقال ابن قدامة: الشَّيْخُ الْكَبِير وَالْعَجُوز إذَا كَانَ يُجْهِدُهُمَا الصَّوْمُ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا … فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الإِطْعَامِ أَيْضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَ (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا) … وَالْمَرِيضُ الَّذِي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، يُفْطِرُ، وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا; لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّيْخ.
وفي الموسوعة الفقهية: اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُصَارُ إلَى الْفِدْيَةِ فِي الصِّيَامِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ إمْكَانِ قَضَاءِ الأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا لِشَيْخُوخَةٍ لا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) وَالْمُرَادُ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِم الصِّيَامُ.
• ما الدليل على أنه إذا تعذر الصوم عُدل إلى الإطعام؟
الدليل: أن الله تعالى لما فرض الصيام أولاً جعل الإنسان مخير بين الصوم أو الإطعام، كما قال تعالى ( … أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) فدل على أن الإطعام معادل للصوم، فإذا تعذر الصوم رجع إلى معادله وهو الإطعام.
ومثله المريض الذي لا يرجى برؤه.
• ما كيفية الإطعام؟
أ-أن يدعو مساكين بعدد الأيام في آخر الشهر للغداء إن كان بعد رمضان أو على العشاء فيعشيهم.
ب-أو أن يوزع طعاماً ويعتني بطبخه ويجعل معه أدم.
ويجب أن يطعم عن كل يوم مسكيناً لا أن يطعم طعام ثلاثين مسكيناً.
فلو قال: سأخرج طعاماً يكفي ثلاثين مسكيناً لستة فقراء، لا يجزئ.
• ما حكم الشيخ الكبير الهرم الذي سقط تمييزه؟
ليس عليه صيام ولا قضاء، لسقوط التكليف عنه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الصوم لا يجب إلا على القادر.
- يلحق بالشيخ الكبير كل من كان عجزه مستمراً لا يرجى زواله كالمريض مرضاً لا يرجى برؤه، لاشتراكهما في العلة (وهي عدم الإطاقة على الصوم).
стр. 1167
٦٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. قَالَ: " وَمَا أَهْلَكَكَ؟ " قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: " هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي اَلنَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: " تَصَدَّقْ بِهَذَا "، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) رَوَاهُ اَلسَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ
===
(جَاءَ رَجُلٌ) قيل: هو سلمة بن صخر. قال الحافظ: ولا يصح ذلك.
(هلكت) وفي حديث عائشة: (احترقت)، والمعنى: وقعت في الإثم الذي هو سبب في هلاكي، وهذا يدل على أن هذا الرجل كان عالماً عامداً.
(وقعت على امرأتي) وفي حديث عائشة: (وطئت امرأتي) وفي رواية للبخاري (وقعت على امرأتي وأنا صائم).
(تعتق رقبة) العتق: الخلوص، وهو تخليص الرقبة من الرق، وقوله (رقبة) المراد بها النفس كاملة.
(أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟) أي: متواليين.
(ثُمَّ جَلَسَ) أي: الرجل، وفي رواية البخاري (فمكث عند النبي ﷺ .
(بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) بفتح العين والراء هو الزِّنْبيل.
(فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا) وفي رواية البخاري (خذ هذا فتصدق به).
(فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) أي وسط لا بتيها، والمدينة يحيط بها لابتان، أي حرتان [الحرة الشرقية والحرّة الغربية] والحرة: أرض تعلوها أرض سود.
(حَتَّى بَدَتْ) أي: ظهرت.
(أَنْيَابُهُ) هي السن التي خلف الرباعية.
• ما حكم من جامع في الفرج وهو صائم؟
من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامداً.
قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافاً.
• هل الوطء للصائم في نهار رمضان وهو صائم يعتبر كبيرة أم صغيرة؟
يعتبر من الكبائر.
لقوله (هلكت) فأقره النبي ﷺ على أن فعله هذا مهلك.
• اذكر ما الذي يترتب على من جامع في نهار رمضان وهو صائم؟
يترتب عليه عدة أمور:
أولاً: الإثم.
ثانياً: فساد الصوم.
ثالثاً: وجوب الإمساك بقية يومه.
رابعاً: وجوب قضاء هذا اليوم. (وهذا مذهب جماهير العلماء).
خامساً: وجوب الكفارة المغلظة.
стр. 1168
• ما هي كفارة من جامع في نهار رمضان وهو صائم، وهل هي على الترتيب أم التخيير؟
كفارة الجماع في نهار رمضان: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
وهي على الترتيب، وهذا مذهب جمهور العلماء.
• هل تجب الكفارة لو جامع وهو صائم في قضاء رمضان؟
لا تجب الكفارة في القضاء، وإنما تجب الكفارة إذا جامع في نهار رمضان فقط.
فلو أن رجلاً جامع زوجته وهو يصوم رمضان قضاءً، فلا كفارة عليه، وذلك لأن وجوب الكفارة من أجل انتهاك الصوم في زمن محترم، وهو شهر رمضان.
قال ابن قدامة: ولا تجب الكفارة في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء.
هو حرام الجماع في قضاء رمضان لكن لا يوجب الكفارة.
• ما الحكم لو جامع زوجته في نهار رمضان لكن الصوم غير واجب عليه؟
ليس عليه كفارة.
مثل: أن يكون هو وزوجته مسافرين وصائمين في السفر، ثم جامعها في نهار رمضان، فليس عليه كفارة، لأنه يباح له الفطر.
• ما الجماع الموجب للكفارة؟
الجماع الموجب للكفارة هو إيلاج الذكر في الفرج قبلاً كان أو دبراً، فأما الإنزال بالمباشرة دون الفرج فإنه يفطر الصائم ويلحقه الإثم، ولكنه لا يوجب الكفارة.
الخلاصة: فتجب الكفارة بشروط:
أولاً: أن يكون هناك جماع، وهو الإيلاج، فإن حصل مباشرة أو تقبيل أو ضم ولو مع الإنزال فلا تجب الكفارة.
ثانياً: أن يكون الجماع في صيام رمضان، فإن جامع في غير صيام رمضان فلا تجب الكفارة (وقد تقدم).
ثالثاً: أن يكون الصوم أداءً، فلو جامع في صيام رمضان قضاء، فلا تجب الكفارة.
رابعاً: أن يكون الصوم واجباً عليه، فلو كان مسافراً وهو صائم في نهار رمضان وجامع فلا تجب عليه الكفارة، لأن المسافر يحل له الفطر.
• هل على المرأة كفارة أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ليس عليها كفارة.
وهو قول الشافعية.
أ-قال ابن حجر: واستدلوا بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة.
ب-وكذا قوله في المراجعة (هل تستطيع) و (هل تجد) وغير ذلك … ).
ج- واستدل الشافعية بسكوته ﷺ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة. (الفتح).
стр. 1169
قال الماوردي: والدليل في هذا الخبر من وجهين:
أحدهما: أنّ الأعرابي إنما سأله عن فعل شارك فيه زوجته مع جهلها بحكمه، فاقتضى أن يكون جوابه حكمًا لجميع الحادثة.
والثاني: أنه لَمَّا كان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولم يُنقَل عنه أنه أمر المرأة بالكفارة ولا راسلها بإخراجها مع جهلها بالحكم فيها دلَّ على أنّ الكفارة لا تلزمها.
وقال ابن دقيق العيد: إنّ النبي ﷺ لم يعلم المرأة بوجوب الكفارة عليها مع الحاجة إلى الإعلام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
القول الثاني: عليها الكفارة.
وهو مذهب الجمهور.
لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خص بدليل.
قال ابن حجر: ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين.
وهذا القول هو الصحيح أن على المرأة الكفارة إلا إذا كانت مكرهة فلا شيء عليها.
وأما الجواب عن قول أصحاب القول الأول (وقت الحاجة):
قال الحافظ ابن حجر: وأجيب ممتنع الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف.
• هل تجب الكفارة على من جامع ناسياً؟
اختلف العلماء في المجامع ناسياً: [وقد سبقت المسألة في الحديث الماضي].
وقد استدل من أوجبها على الناسي:
(أن النبي ﷺ ترك استفساره عن جماعه، هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزله منزلة العموم في القول).
والجواب عن هذا:
أنه تبين حاله أنه كان متعمداً، لأنه قال (هلكت، واحترقت) فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم.
فالراجح كما سبق أن المجامع ناسياً لا شيء عليه.
• هل يجب على المجامع قضاء اليوم أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجب عليه القضاء.
وهذا اختيار ابن تيمية ﵀.
لأن النبي ﷺ لم يأمره بالقضاء.
القول الثاني: يجب عليه قضاء هذا اليوم.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ- عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء).
وجه الاستدلال: أن من استقاء عامداً وجب عليه القضاء بنص هذا الحديث، فيكون حكم المجامع في وجوب القضاء مثل حكمه.
ب- واستدلوا أنه جاء عند أبي داود أن النبي ﷺ أمر المجامع بالقضاء فقال له (صم يوماً مكانه) وهذه الزيادة مختلف فيها، فقد ضعفها ابن تيمية، وممن أثبتها الحافظ ابن حجر، وبين أن لها أصلاً كما في الفتح.
ج-واستدلوا: أن الصوم إذا شغلت به الذمة لم تبرأ إلا بالأداء، فإذا فات وقته وجب القضاء.
د-واستدلوا بحديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال (فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء) رواه البخاري.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1170
• هل تسقط الكفارة بالعجز والإعسار أم لا؟
اختلف العلماء: هل تسقط الكفارة بالعجز والإعسار أم لا؟ على قولين:
القول الأول: تسقط بالعجز والإعسار.
وهو أحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح من المذهب، وقول الأوزاعي.
أ-لحديث الباب. حيث قال ﷺ (أطعمه أهلك).
وجه الاستدلال: قال ابن قدامة - في الاستدلال لهذا القول: بدليل أنّ الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر وأخبره بحاجته إليه قال (أطعمه أهلك)، ولم يأمر بكفارة أخرى.
وقال النووي: واحتج لهذا القول بأنّ حديث هذا المجامع ظاهر بأنه لم يستقرَّ في ذمته شيء؛ لأنه أخبر بعجزه ولم يقل له رسول الله ﷺ إنّ الكفارة ثابتة في ذمته، بل أذن له في إطعام عياله.
ب-القياس على زكاة الفطر، فإنه إذا عُدِمَهَا وقت الوجوب ثم وجدها فيما بعد؛ فإنه لا تجب عليه، لتعلقها بطهرة الصوم.
قال ابن حجر: ويتأيد ذلك - يعني الاستدلال بحديث الأعرابي السابق - بصدقة الفطر، حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها، وهو هلال الفطر.
ج - لعموم قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
القول الثاني: لا تسقط بالعجز بل تبقى في ذمته.
والظاهر من المذهب، والمالكية، والقول الثاني للشافعي، وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وهو اختيار الخطابي.
أ- لحديث الباب.
ووجه الاستدلال: أنّ الأعرابي لما أخبر رسول الله ﷺ بعجزه عن أجناس الكفارة لم يبيِّن له سقوطها عنه، بل أمر له بما يكفر به من التمر، فدلَّ على ثبوتها في ذمته وإن عجز عنها.
قال ابن تيمية - عند ذكره لأدلة هذا القول -: ولأنّ الأعرابي لو سقطت الكفارة عنه لما أمره النبي ﷺ بالتكفير بعد أن أُتِىَ بالعَرَق، فإنه حين وجوب الكفارة كان عاجزاً.
وقال النووي: وأمّا الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة، بل فيه دليل لاستقرارها؛ لأنه أخبر النبي ﷺ بأنه عاجز عن الخصال الثلاث ثم أُتِيَ النبي ﷺ بعرق التمر فأمره بإخراجه في الكفارة، فلو كانت تسقط بالعجز لم يكن عليه شيء ولم يأمره بإخراجه، فدلَّ على ثبوتها في ذمته، وإنما أذن له في إطعام عياله لأنه كان محتاجًا ومضطرًّا إلى الإنفاق على عياله في الحال، والكفارة على التراخي فأذن له في أكله وإطعام عياله، وبقيت الكفارة في ذمته.
ب- قياسًا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات.
وتُعُقب: بما قاله ابن قدامة: لا يصح القياس على سائر الكفارات؛ لأنه اطِّراح للنص بالقياس، والنص أولى.
والراجح القول الأول.
стр. 1171
• اذكر الحكم فيمن كرر الجماع في نهار رمضان؟
إن كرر الجماع فله أحوال:
أ-إن كرر الجماع في يوم واحد، ولم يكفر، فكفارة واحدة، لأن الفعل واحد واليوم واحد.
قال ابن قدامة: إذا جامع ثانياً قبل التكفير عن الأول، فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه بغير خلاف بين أهل العلم.
ب-وإن جامع في يوم واحد مرتين، وقد كان كفّر عن الجماع الأول:
فقيل: يلزمه كفارة ثانية.
قالوا: لأن حرمة الزمن لا تزال باقية في حقه، لأنه يجب عليه الإمساك، فانتهكها بهذا الجماع.
وقيل: لا شيء عليه.
قال ابن قدامة: وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا شيء عليه بذلك الجماع.
لأن الوطء في الثانية لم يصادفه صائماً، لأن صومه فسد في الجماع الأول.
ج-إذا جامع في يومين أو أكثر، بأن جامع في: ١ رمضان، وفي: ٢ رمضان، وفي ٣ رمضان، فكم كفارة يلزمه؟
إن كان جامع في يومين وكان قد كفر عن اليوم الأول، فإنه يلزمه أن يكفر عن اليوم الثاني.
قال ابن قدامة: بغير خلاف نعلمه.
وإن كان لم يكفّر:
قيل: يلزمه ٣ كفارات.
قال ابن قدامة: وهو قول مالك، والليث والشافعي، وابن المنذر.
قالوا: لأن كل يوم عبادة منفردة.
وقيل: لا يلزمه إلا كفارة واحدة إذا لم يكفر عن الأول.
لأنها كفارات من جنس واحد، فاكتفي فيها بكفارة واحدة، كما لو أحدث بأحداث متنوعة، فإنه يجزئه وضوء واحد.
والراجح القول الأول.
• قوله (فضحك النبي ﷺ … ) ما سبب ضحك النبي ﷺ -؟
قيل: إن سبب ضحكه ﷺ كان من تباين حال الرجل، حيث جاء خائفاً على نفسه، راغباً في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة.
وقيل: ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه، وحسن تأتيه وتلطفه في الخطاب، وحسن توسله في توصله إلى مقصوده. [الفتح: ٤/ ٢٠٢]
• هل العلم بالعقوبة شرط في إسقاط الكفارة؟
لا، لا يشترط العلم بالعقوبة لإسقاط العقوبة، بل يكفي أن يعلم أنها حرام.
فهذا الرجل لم يدر ما ذا يجب عليه، لكن يدري أن الجماع حرام، وعلمنا ذلك من قوله (هلكت).
ويقاس على ذلك ما لو زنى رجل وهو يعلم أن الزنى حرام، ولكنه يجهل الحد الواجب فيه، لأن العلم بالعقوبة ليس بشرط.
стр. 1172
• اذكر مباحث عتق الرقبة؟
- يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-حملاً للمطلق هنا على المقيد في آية القتل (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ).
ب-ولحديث الجارية (قال لها رسول الله: أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أنه علل جواز إعتاقها عن الرقبة بأنها مؤمنة فدل على أنه لا يجزئ عن الرقبة التي عليه إلا مؤمنة.
- لا يكون مستطيعاً: بأن لا يكون هناك عبيد، أو لا يملك ثمنها.
• اذكر مباحث صيام الشهرين المتتابعين؟
- يجب التتابع في صيامهما، فلو أفطر بينهما يوماً واحداً من غير عذر استأنف من جديد.
- فإن تخلل هذا القضاء شهر رمضان، فإنه يصوم رمضان ثم يكمل من اليوم الثاني من شوال.
- إن تخلله فطر واجب كعيد الفطر أو الأضحى أو أيام التشريق لم ينقطع.
- إن أفطر بعذر يبيح الفطر فإن التتابع لا ينقطع، أما إذا تحيل بالسفر على الفطر فإن التتابع ينقطع.
فالخلاصة: أن التتابع في الصيام لا ينقطع في ثلاث مسائل:
إذا انقطع التتابع بصوم واجب كرمضان.
وإذا انقطع لفطر واجب كالعيدين وأيام التشريق.
وإذا انقطع التتابع لعذر يبيح الفطر في رمضان.
- إن أفطر لصوم مستحب انقطع التتابع.
المذهب: المعتبر بالشهرين الأهلة إذا ابتدأ من أول الشهر سواء كان ٣٠ يوماً أو كان ٢٩ يوماً.
- وإن ابتدأ من أثناء الشهر فالمعتبر العدد.
مثال: رجل صام من (١) محرم، وكان محرم (٢٩) يوماً ينتهي الشهر، وكان مثلاً صفر (٢٩) يوماً فإنه يجزي ويكون صام (٥٨) يوماً.
لكن إن صام من أثناء الشهر فالمعتبر العدد، فلو صام من اليوم (١١) من محرم، فإنه ينقضي الشهر الأول (١١) من صفر، ثم يشرع في (١٢) صفر وينقضي الشهر ب (١٢) من ربيع الأول. فيكون قد صام (٦٠) يوماً.
والصحيح أن المعتبر بالشهرين الأهلة مطلقاً سواء صام من أول الشهر أو من أثنائه.
• اذكر مباحث الإطعام؟
- لا يجوز أن يطعم إلا إذا كان عاجزاً عن الصيام لمرض لا يرجى برؤه.
- يجزاء كل شيء يكون قوتاً للبلد، لأن الله تعالى قال (إطعام ستين مسكيناً) ولم يخصص من أي نوع، فيرجع ذلك إلى ما جرى به العرف. وهذا اختيار ابن تيمية.
- الواجب إطعام ستين مسكيناً لا يجزاء أقل من ذلك، فمن أطعم واحداً [٦٠] يوماً لم يكن أطعم إلا واحداً فلم يتمثل الأمر.
стр. 1173
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الإنسان مؤتمن على عبادته البدنية والمالية، فإن النبي ﷺ أقره على عجزه عن الكفارة بأنواعها.
- فضيلة العتق، لأنه بدأ به أولاً، ولأنه كفارة عن الذنب العظيم.
- اشتراط التتابع في صيام الشهرين، لقوله (متتابعين).
- أنه لا بد من إطعام ستين مسكيناً كما تقدم.
- جواز ذكر الإنسان حاله من غنىً أو فقر أو مرض أو حاجة، لا على وجه الشكاية إلى الخلق.
- الرفق بالمتعلم والتلطف في التعليم، والتألف على الدين والندم على المعصية واستشعار الخوف.
- جواز الضحك عند وجود سببه.
- التعاون على العبادة، والسعي في إخلاص المسلم.
- التكنية عما يستحيى من ذكره.
стр. 1174
٦٧٦ - ٦٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: ولَا يَقْضِي.
===
(يُصْبِحُ) أي: يطلع عليه الفجر، وفي رواية (كان يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم).
(جُنُبًا) الجنب من أصابته جنابة، والجنابة كل ما أوجب غسلاً من إنزال أو جماع.
(مِنْ جِمَاعٍ) أي: بسبب الجماع، وهذا بيان للواقع.
• اذكر لفظ الحديث في الصحيحين؟
لفظ البخاري: عن عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ).
وأما لفظ مسلم: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُباً مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ).
• ما صحة صوم من طلع عليه الفجر وعليه جنابة؟
صومه صحيح.
لحديث الباب، فهو يدل على أن من أصبح جنباً فصومه صحيح ولا قضاء عليه، من غير فرق بين أن تكون الجنابة عن جماع أو غيره.
وإليه ذهب الجمهور.
وجزم النووي بأنه استقر الإجماع على ذلك، فقال: أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب سواء كان من احتلام، أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين.
ثم قال ﵀: وحكي عن الحسن بن صالح إبطاله، وكان عليه أبو هريرة، والصحيح أنه رجع عنه كما صرح به هنا في رواية مسلم، وقيل: لم يرجع عنه وليس بشيء.
وحكي عن الحسن البصري والنخعي أنه يجزئه في صوم التطوع دون الفرض.
وحكي عن سالم بن عبد الله، والحسن البصري والحسن بن صالح، يصومه ويقضيه، ثم ارتفع هذا الخلاف، وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته.
• هل مثل الجنب الحائض والنفساء؟
نعم، مثل الجنب الحائض والنفساء إذا طهرتا قبل الفجر، ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما، فإنه يصح صومهما ويجب عليهما إتمامه، سواء تركت الغسل عمداً أو سهواً، بعذر أو بغير عذر كالجنب.
قال النووي: وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض السلف مما لا نعلم صح عنه أم لا.
• ما الحكم من طلع عليه الفجر وهو يجامع؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن عليه الكفارة والقضاء.
وهذا مذهب الحنابلة.
قالوا: إن النزع جماع، ولأنه يتلذذ بالنزع، فيأخذ حكمه، والمجامع العامد يجب عليه القضاء والكفارة.
стр. 1175
القول الثاني: أن صومه صحيح.
وهذا قول الجمهور من الحنفية، والشافعية وهو اختيار ابن تيمية.
أ- قالوا: إن النزع ترك للجماع، وترك الشيء لا يكون محصلاً له، بل يكون اشتغالاً بضده، وعليه فلا يعتبر النزع جماعاً أصلاً.
ب- بالقياس على ما لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب وهو عليه، فبدأ بنزعه لم يحنث.
ج- وبالقياس أيضاً على الغاصب إذا تاب وقد توسط الأرض المغصوبة، فهذا خروجه بنية تخليه المكان وتسليمه إلى مستحقه ليس منهياً عنه ولا محرماً.
وهذا القول هو الراجح.
• هل كان النبي ﷺ يحتلم؟
قيل: إن النبي ﷺ لا يحتلم.
لحديث الباب.
ولأن الاحتلام من الشيطان، وقد جاء في بعض طرق الحديث: (يصبح جنباً من غير احتلام) وهذا مذهب ابن عباس.
قال القرطبي في قول أم سلمة (كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً مني، فيصوم) في هذا فائدتان:
إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بياناً للجواز.
والثاني: أن ذلك كان من جماع، لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه.
وقال غيره: في قولها (من غير احتلام) إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان للاستثناء معنى.
والراجح الأول.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز الجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر.
- جواز تأخير الغسل من الجنابة، وأنه لا يجب المبادرة به إلا إذا حانت الصلاة.
- جواز التصريح بما يستحيا منه للمصلحة.
- فضل نساء النبي ﷺ ونشرهن للعلم.
- أن الأصل التأسي بالنبي ﷺ .
стр. 1176
٦٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(مَنْ مَاتَ) أي: من مات من المكلفين بقرينة ما بعده.
(وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) أي: قضاء صيام.
(صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) سيأتي ما المراد به إن شاء الله.
• هل يشرع الصيام عن الميت؟
حديث الباب يدل مشروعية ذلك، لكن اختلف العلماء هل يشرع القضاء عن الميت على أقوال؟
القول الأول: أنه يقضى عنه النذر فقط.
وهو قول أحمد وإسحاق.
قال الحافظ: وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر، وأما رمضان فيطعم عنه.
حملاً للعموم الذي في حديث عائشة (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) على المقيد في حديث ابن عباس.
فقد جاء في حديث ابن عباس أن امرأة قالت (يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيتِ لو كان على أمك دين … ) متفق عليه.
القول الثاني: يصام عن الميت النذر والواجب بأصل الشرع.
وهذا مذهب أبي ثور، وأهل الحديث، ونصره ابن حزم، واختاره ابن تيمية والشيخ السعدي.
ورجحه النووي، وقال: وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي نَعْتَقِدُهُ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ مُحَقِّقُو أَصْحَابنَا الْجَامِعُونَ بَيْن الْفِقْه وَالْحَدِيث لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة.
أ- لحديث الباب. (من مات .... ).
ب- ولحديث بريدة قال (بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أن عموم حديث عائشة يتناول رمضان وغيره، وفي حديث بريدة لم يستفصل من السائل عن هذا الشهر: هل هو رمضان أو غيره، ولو كان هناك فرق في الحكم لوجب الاستفسار أو بينه، فلما سكت عنه ﷺ دل على اتحاد الحكم.
قال البيهقي عن حديث بريدة: فهذا الحديث قد صحَّ، وهو صريح في جواز الصوم عن الميت بعيدٌ من التأويل.
وقال الشوكاني عن حديث (من مات وعليه صوم): فيه دليل على أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات وعليه صوم، أيّ صوم كان.
ج- ما ذكره ابن تيمية: أنه إذا جاز الإطعام عنه وهو ليس من جنس الصيام، فالصيام من باب أولى، لأنه أقرب إلى المماثلة.
القول الثالث: لا يصام عن الميت مطلقاً.
وهذا مذهب الجمهور.
стр. 1177
قال النووي: وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَام عَنْ مَيِّت لَا نَذْر وَلَا غَيْره، حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، وَرِوَايَة عَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره: هُوَ قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء.
وقال الحافظ ابن حجر: وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت.
أ- لحديث ابن عمر. أن رسول الله ﷺ قال (من مات وعليه صوم رمضان، فليطعم عن كل يوم مسكيناً) رواه الترمذي (حديث ضعيف).
ب-لقول ابن عباس (لا يصلِّ أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد). أخرجه النسائي
ج-ولقول عائشة (لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم). أخرجه عبد الرزاق. قالوا:
فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه، دلّ ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه.
قال ابن حجر: وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن الآثار المذكورة عن عائشة وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جداً، والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه.
والراجح القول الثاني، وأنه يصام عنه الواجب بأصل الشرع والنذر.
• بماذا أجاب الجمهور عن حديث عائشة (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)؟
قالوا المراد بقوله (صام عنه وليه) أي يفعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام.
قال النووي: وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، بَلْ بَاطِلٌ، وَأَيُّ ضَرُورَةٍ إِلَيْهِ وَأَيُّ مَانِع يَمْنَع مِنْ الْعَمَل بِظَاهِرِهِ مَعَ تَظَاهُرِ الْأَحَادِيثِ، مَعَ عَدَم الْمُعَارِض لَهَا، قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابنَا: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ صَلَاةٌ فَائِتَة، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُصَام عَنْ أَحَد فِي حَيَاته، وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي الْمَيِّت.
وقال الشوكاني: وهو عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة.
• ما الجواب عن حديث ابن عمر (من مات وعليه صوم رمضان، فليطعم عن … )؟
الجواب عنه: أنه حديث لا يصح.
قال الترمذي: لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله.
وقال ابن حجر: قال الدارقطني: المحفوظ وقفه على ابن عمر.
وقال البيهقي: هذا خطأ من وجهين؛ أحدهما: رفعه الحديث إلى النبي ﷺ وإنما هو قول ابن عمر.
وقال النووي: ليس بثابت.
• متى يكون على الميت صيام؟
ويكون عليه صيام إذا تمكن منه فلم يفعل، أما إذا لم يتمكن فليس عليه صيام.
مثال: إنسان نذر أن يصوم [٣] أيام، ثم مات من يومه، فهذا ليس عليه شيء لأنه لم يتمكن منه.
مثال آخر: إنسان مرض في: ٢٠ رمضان فأفطر، وتواصل به المرض شهر شوال وشهر ذي القعدة، ثم مات، فهذا ليس عليه صوم، فلا يقضى عنه، لأنه لم يمر عليه أيام يتمكن منها القضاء. (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 1178
• هل الأمر بالحديث للوجوب أم للاستحباب؟
الأمر بالحديث (فليصم عنه وليه) ليس للوجوب عند جمهور العلماء، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادّعوا الإجماع على ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتد بكلامهم على قاعدته.
الدليل على أنه غير واجب:
أ- أننا لو قلنا بالوجوب للزم أن يأثم الولي إذا لم يصم، والله يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
ب- أن النبي ﷺ شبهه بالديْن، كما قال ﷺ للمرأة (أرأيتِ لو كان على أمكِ ديْنٌ أكنتِ قاضيَتَه؟ .... فقال: صومي) ومن المعلوم أن الوارث لا يجب عليه قضاء ديْن مورثه.
• ما المراد بالولي في قوله (صام عنه وليه)؟
اختلف في المراد بالولي:
فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبه، والأول أرجح.
قال النووي: وَالْمُرَاد بِالْوَلِيِّ الْقَرِيب، سَوَاء كَانَ عَصَبَةً أَوْ وَارِثًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَقِيلَ: الْمُرَاد الْوَارِث، وَقِيلَ: الْعَصَبَة، وَالصَّحِيح الْأَوَّل.
وقال في الفتح: واختلف في المراد بقوله (وليه) فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبته، والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها.
• هل يجوز أن يقضيه عن الميت أجنبي؟
نعم يجوز.
قال النووي: ولا فرق بين أن يقضيه عنه وارث أو غيره، فيبرأ به بلا خلاف.
• هل يشترط التتابع في القضاء؟
لا يشترط التتابع، فيجوز متتابعاً ويجوز متفرقاً.
• هل يجوز إذا كان للميت عدد من الأولياء أن يتقاسموا أيام الصيام التي على مورثهم، ويصوم كل واحد منهم قسماً منها سواء كانوا رجالاً أو نساءً أو من الصنفين؟
نعم يجوز، (هذا ما لم يشترط فيه التتابع كالكفارة، فإنه لا يجوز أن يصوموا جميعاً).
стр. 1179
بَابُ صَوْمُ اَلتَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ
٦٧٩ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ " وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ " وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ اَلِاثْنَيْنِ، قَالَ: " ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(يَوْمِ عَرَفَةَ) هو اليوم التاسع من ذي الحجة.
• ما حكم صوم يوم عرفة لغير الحاج؟
سنة.
لحديث الباب (يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ).
• ما حكم صومه للحاج؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يستحب فطره.
وهذا قول مالك والشافعي وأحمد.
أ-عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ (أَنَّ نَاساً تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِى صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ) متفق عليه.
ب- وعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ (إِنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِى صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ بِحِلَابِ اللَّبَنِ وَهُوَ وَاقِفٌ فِى الْمَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْه) متفق عليه.
وجه الاستدلال: يُستفاد من الحديثين استحبابُ فطر يوم عرفة للحجاج تأسِّيًا برسول الله ﷺ .
قال الخطابي - شارحًا لحديث ميمونة ﵂ وفيه: الاستحباب للإفطار بعرفة لمن شهدها، وإنما جاء الترغيب لمن غاب عنها.
وقال ابن القيم - بعد أن أورد حديث أم الفضل في فطر رسول الله ﷺ يوم عرفة بعرفة وغيره من الآثار في ذلك -: وصحَّ عنه: صيامه يكفر سنتين، فالصواب أنّ الأفضل لأهل الآفاق - أي الذين لم يَحُجُّوا - صومه، ولأهل عرفة فطره، لاختياره ﷺ ذلك لنفسه، وعمل خلفائه بعده بالفطر.
تنبيه: في الحديث الأول أنّ أم الفضل هي التي أرسلت إلى النبي ﷺ بقدح اللبن، وفي هذا الحديث أنّ ميمونة هي التي أرسلته!!
والجواب على ذلك - كما قال ابن القيم في تهذيب السنن، فقيل: يحتمل أن تكون ميمونة أرسلت، وأم الفضل أرسلت، كلٌّ منهما بقدَح، ويحتمل أن يكون مجتمعتين فإنها أختها، فاتفقتا على الإرسال بقدح واحد، فينسب إلى هذه وإلى هذه.
ج-وقال ابن عمر: (حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه - يعني يوم عرفة - ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه). رواه الترمذي
وجه الاستدلال: في الحديث بيان هدي النبي ﷺ والخلفاء الراشدين في تركهم صيام يوم عرفة بعرفة.
د-أنّ يوم عرفة يوم عبادة وتضرُّع ودعاء، فيستحب للحاج أن يفطر ذلك اليوم ليقوى على التعبُّد والذكر والدعاء.
قال ابن قدامة: لأنّ الصوم يُضعفه ويمنعه الدعاء في هذا اليوم المعظَّم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف الذي يُقصَد من كل فجٍّ عميق، رجاء فضل الله فيه، وإجابة دعائه به؛ فكان تركه أفضل.
стр. 1180
القول الثاني: يكره صومه.
وهذا ذهب إليه بعض العلماء.
لحديث أبي هريرة. (نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة) رواه أبو داود.
لكنه حديث ضعيف، قال العقيلي: لا يصحّ عنه أنه نهى عن صومه.
وقال النووي: ضعيف.
القول الثالث: يستحب صومه.
وهذا قول ابن حزم.
لحديث الباب (يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ).
لكن هذا الحديث ورد في حق غير الحاج، أمّا الحاج فلا يصومه اقتداء وتأسيًا بالنبي ﷺ وخلفائه من بعده، وفيه قوة على الدُّعاء والذكر والعبادة، والدعاء فيه مستجاب، وأنّ يوم عرفة هو يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه كما في الحديث الذي تقدَّم ذكره.
والراجح القول الأول وهو استحباب فطره.
• ما الحكمة من استحباب فطره للحاج؟
قيل: ليتقوى على الدعاء.
وقيل: لأنه عيد لأهل عرفة.
قال ابن القيم: قالت طائفة: ليتقوى على الدعاء، وهذا قول الخرقي وغيره.
وقال غيرهم - منهم شيخ الإسلام ابن تيمية - الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يستحب صومه لهم، قال: والدليل عليه الحديث الذي في السنن عنه ﷺ أنه قال: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام) قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيداً في حق أهل عرفة لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم.
• هل تكفير الذنوب في صوم عرفة يشمل الصغائر والكبائر أم فقط الصغائر؟
التكفير يقع للصغائر دون الكبائر، وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ-لقوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).
ب-ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر). رواه مسلم
فإذا كانت الصلوات الخمس لا تقوى على تكفير الكبائر، فمن باب أولى صيام عرفة.
• أيهما أفضل يوم عرفة أم يوم عاشوراء؟
قال ابن حجر: روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعاً: إن صوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين.
وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇، ويوم عرفة منسوب إلى النبي ﷺ ؛ فلذلك كان أفضل.
وقال ابن القيم: فإن قيل: لم كان عاشوراء يكفر سنة، ويوم عرفة يكفر سنتين؟ قيل: فيه وجهان:
أحدهما/ أن يوم عرفة في شهر حرام، وقبله شهر حرام، وبعده شهر حرام، بخلاف عاشوراء.
الثاني/ أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا، بخلاف عاشوراء، فضوعف ببركات المصطفى.
стр. 1181
• ما هو يوم عاشوراء؟
هو اليوم العاشر من محرم، وهذا مذهب جمهور العلماء.
• ما فضل صوم يوم عاشوراء؟
أنه يكفر سنة كاملة.
لحديث الباب (وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ).
• هل كان صوم يوم عاشوراء واجباً أم تطوعاً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لم يكن واجباً قبل فرض رمضان، بل كان سنة باق على سنيته.
وهذا قول الشافعية والحنابلة.
قال ابن حجر: ذهب الجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - إلى أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان.
أ- لحديث مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَان أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِر) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن قوله (لم يكتب عليكم صيامه) يدل على أنه لم يكن واجباً قط، لأن لم لنفي الماضي.
القول الثاني: أنه كان واجباً فنسخ وجوبه بفرض صيام رمضان.
وهذا قول الحنفية والمالكية واختيار ابن تيمية.
أ- عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ (كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَه). متفق عليه
قال ابن بطال: دلّ حديث عائشة على أن صومه كان واجباً قبل أن يُفْرَض رمضان، ودل أيضاً أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضاً.
• هل يكره إفراد صوم عاشوراء؟
لا، لا يكره.
لأن النبي ﷺ صام العاشر وأمر به، ويحصل بصيامه الأجر المترتب على ذلك من التكفير.
• ما الأفضل أن يصوم يوماً قبله أم بعده؟
الأفضل أن يصوم يوماً قبله، وعلى هذا جاءت أكثر الأحاديث.
فقد قال رسول الله ﷺ (لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع). رواه مسلم
وقد روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال (صوموا التاسع مع العاشر).
وأما حديث: صوموا يوماً قبله وبعده - وكذلك حديث: صوموا يوماً قبله أو بعده، ضعيفة لا تصح.
стр. 1182
• ما الحكمة من استحباب صوم اليوم التاسع مع العاشر؟
قال النووي: وذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً:
أحدها: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر وهو مروى عن ابن عباس فى حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال. قال رسول الله ﷺ صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا قبله يوماً وبعده يوماً.
الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم كما نهى أن يصام يوم الجمعة وحده ذكرهما الخطابى وآخرون.
الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلط فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: نهى ﷺ عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة مثل قوله في عاشوراء: لئن عشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع.
وقال ابن حجر ﵀ في تعليقه على حديث (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع): ما همّ به من صوم التاسع يحتمل معناه ألا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطاً له، وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يُشعر بعض روايات مسلم.
• ما سبب صيام عاشوراء:
ما جاء في حديث ابن عباس قال: (قدم النبي ﷺ فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم نجى الله نبيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقال: أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه). متفق عليه
• من لم يصم يوم عرفة أو عاشوراء هل يقضيه أم لا؟
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: النوافل نوعان: نوع له سبب، ونوع لا سبب له.
فالذي له سبب يفوت بفوات السبب ولا يُقضى.
مثال ذلك: تحية المسجد، لو جاء الرجل وجلس ثم طال جلوسه ثم أراد أن يأتي بتحية المسجد، لم تكن تحية للمسجد، لأنها صلاة ذات سبب، مربوطة بسبب، فإذا فات فاتت المشروعية، ومثل ذلك فيما يظهر يوم عرفة ويوم عاشوراء، فإذا أخر الإنسان صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء بلا عذر فلا شك أنه لا يقضي، ولا ينتفع به لو قضاه، أي لا ينتفع به على أنه يوم عرفة ويوم عاشوراء.
وأما إذا مر على الإنسان وهو معذور كالمرأة الحائض والنفساء أو المريض، فالظاهر أيضاً أنه لا يقضي، لأن هذا خص بيوم معين يفوت حكمه بفوات هذا اليوم.
• ما حكم صيام يوم الاثنين؟
سنة.
لحديث الباب (وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ اَلِاثْنَيْنِ، قَالَ: " ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ).
فيستحب صيام يوم الاثنين لأن في ذلك اليوم امتن الله على المسلمين بثلاث منن عظام، وهي:
ولادة النبي ﷺ ـ وبعثته ﷺ رسولاً ـ إنزال القرآن الكريم في هذا اليوم.
• هل هناك علة أخرى لاستحباب صيامه؟
نعم، وهي ما جاءت في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم). رواه الترمذي وأحمد
стр. 1183
٦٨٠ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ اَلدَّهْرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
• ما حكم صيام ست من شوال؟
مستحب.
لحديث الباب.
وبالاستحباب قال الجمهور، وهو مذهب السلف والخلف.
وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك، حتى لا يظن وجوبها.
قال مالك: ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها.
قال النووي رداً عليهم: وَدَلِيل الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح الصَّرِيح، وَإِذَا ثَبَتَتْ السُّنَّة لَا تُتْرَكُ لِتَرْكِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَوْ كُلِّهِمْ لَهَا، وَقَوْلهمْ: قَدْ يُظَنّ وُجُوبهَا، يُنْتَقَض بِصَوْمِ عَرَفَة وَعَاشُورَاء وَغَيْرهمَا مِنْ الصَّوْم الْمَنْدُوب.
وقال الشوكاني رداً عليهم: وهو باطل لا يليق بعاقل، فضلاً عن عالماً نصب مثله في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، وأيضاً يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها، ولا قائل بها.
وأحسن ما اعتذر به عن مالك:
ما قاله شارح موطئه أبو عمر بن عبد البر: إن هذا الحديث لم يبلغ مالكاً، ولو بلغه لقال به ..
• هل يصح صوم ست من شوال لمن عليه قضاء من رمضان؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يصح صيامها لمن عليه قضاء من رمضان.
وهذا اختيار الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحم الله الجميع.
لقوله (من صام رمضان) أي كاملاً، فلا يصح صيام ست من شوال إلا باستكمال رمضان، وأما الذي عليه بقية من رمضان فلا يصدق في حقه أنه صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال.
القول الثاني: أنه يجوز.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة اختارها ابن قدامة وغيره.
أ-لفعل عائشة، وإقرار النبي ﷺ لها.
ب-ولأن قوله ﷺ (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) خرج مخرج الغالب.
ج-ولو أخذ قوله ﷺ (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) على ظاهره لم يدخل في هذه الفضيلة الكثير من النساء؛ لأن المرأة يأتيها العذر أثناء رمضان فيكون عليها قضاء.
د-ومن المعلوم أن الفرض إذا كان موسعاً فإنه لا حرج أن يتنفل صاحبه، بدليل ما لو أذن الظهر مثلاً فإن الإنسان يصلي الراتبة القبلية مع أنه مخاطب بالفرض، لأن الوقت واسع، وكذلك بالنسبة لرمضان فإن وقت قضائه واسع كما ثبت ذلك من حديث عائشة ﵂ (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ فِى شَعْبَانَ الشُّغُلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ متفق عليه.
وهذا أرجح.
стр. 1184
• هل يجوز صوم هذه الأيام متفرقة؟
نعم، هذه الأيام تجوز متفرقة ومتتابعة.
قال في سبل السلام: واعلم أن أجر صومها يحصل لمن صامها متفرقة أو متوالية، ومن صامها عقيب العيد أو في أثناء الشهر.
لكن الأفضل عقيب العيد مباشرة لعدة اعتبارات:
- المسارعة في فعل الخير.
- المسارعة إليها دليل على الرغبة في الصيام والطاعة.
- أن لا يعرض له من الأمور ما يمنعه من صيامها إذا أخرها.
- أن صيام ستة أيام بعد رمضان كالراتبة بعد فريضة الصلاة، فتكون بعدها.
• ما معنى (كصيام الدهر)؟
المراد بالدهر العام.
قال النووي: قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء في هذا حديث مرفوع في كتاب النسائي.
• هل يجوز صوم التطوع لمن عليه قضاء من رمضان؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يجوز.
وهذا مذهب الأئمة الثلاثة.
أ- لقول الله تعالى: (ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) ولم يقيد الله تعالى القضاء بالاتصال برمضان ولا بالتتابع ..
ب-وقد روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) متفق عليه.
ج-وقاسوه على صلاة التطوع قبل صلاة الفرض في وقتها.
القول الثاني: يحرم.
وهذا المشهور من المذهب.
والصحيح الأول وهو الجواز.
• ما الحكم إن أخر صيام الست من شوال حتى خرج شوال بلا عذر؟
إن أخرها بلا عذر، فإنه لا يقضيها لأنه تركها بلا عذر.
• ما الحكم إن أخرها بعذر كمرض أو حيض؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
قيل: يقضيها، واختاره السعدي.
قال السعدي: أما إن كان له عذر من مرض أو حيض أو نفاس أو نحو ذلك من الأعذار التي بسببها أخر صيام قضائه أو أخر صيام الست فلا شك في إدراك الأجر الخاص، وقد نصوا على ذلك.
وأما إذا لم يكن له عذر أصلاً بل أخر صيامها إلى ذي القعدة أو غيره فظاهر النص على أنه لا يدرك الفضل الخاص، وأنه سنة في وقت فات محله، كما إذا فاته صيام عشر ذي الحجة أو غيرها حتى فات وقتها، فقد زال ذلك المعنى الخاص وبقي الصيام المطلق.
وقيل: لا يقضيها، وهذا أرجح.
لأنها مؤقتة بوقت وقد مضى هذا الوقت.
стр. 1185
٦٨١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اَللَّهُ بِذَلِكَ اَلْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ اَلنَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
(بِذَلِكَ اَلْيَوْمِ) أي: بسبب صيام ذلك اليوم.
(عَنْ وَجْهِهِ) أي ذاته، وإنما عبر به، لأن الإنسان أول ما يواجه الشيء يكون بوجهه.
(سَبْعِينَ خَرِيفًا) أي: سبعين عاماً.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: فضل الصيام في سبيل الله، وأن صيام يوم واحد في سبيل الله يباعد الله به صاحبه عن النار سبعين خريفاً.
• ما المراد في قوله (في سبيل الله) في الحديث؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: المراد الجهاد والغزو.
وهذا اختيار ابن الجوزي.
لأن العرف الأكثر استعماله في الجهاد.
ثم قال: فإن حُمِل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين.
القول الثاني: المراد (في سبيل الله) أي في مرضاة الله.
وقد استظهر الحافظ ابن حجر في فتح الباري بأن الحديث أعم من هذا كله، فيشمل الجهاد وغيره.
وهذا هو الصحيح.
• متى يكون مندوباً الصوم في الجهاد؟
هذا محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقاً، ولا يختل به قتاله، ولا غيره من مهمات غزوه. [قاله النووي]
• اذكر بعض الأدلة على أن الصوم من أسباب النجاة من النار.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصيام جنة) متفق عليه، زاد سعيد بن منصور (جنة من النار). ولأحمد (جنة وحصن حصين من النار).
والجنة: بضم الجيم، الوقاية والستر، أي وقاية وستر من النار.
وروى النسائي بسند صحيح عن أبي أمامة قال: (قلت: يا رسول الله، مرني بعمل آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له). وفي رواية: (لا عدل له).
• لماذا خص الخريف من بين الفصول؟
المراد بالخريف هنا العام، وإنما خص بالذكر من دون بقية الفصول لأن فيه تنضج الثمار، وتحصل سعة العيش.
• اذكر بعض أسباب النجاة من النار؟
قال ﷺ (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (من ابتلي بشيء من هذه البنات، فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار) رواه مسلم.
وقال ﷺ (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتبت له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق). رواه الترمذي.
وقال ﷺ (من كان سهلاً ليناً حرمه الله على النار) رواه الحاكم.
وقال ﷺ (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) رواه مسلم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فضل الجهاد في سبيل الله.
- أن الأعمال الصالحة تتفاوت فضلاً وثواباً.
- سعة رحمة الله تعالى.
- ينبغي معرفة الأعمال التي تباعد عن النار.
стр. 1186
٦٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ اِسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
(كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَصُومُ) أي: صوم النفل متتابعاً.
(فِي شَعْبَانَ) سمي شعبان لتشعبهم في طلب المياه، أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب الإكثار من الصيام في شعبان.
• ما معنى حديث أم سلمة عند أبي داود (أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان)؟
اختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال:
قيل: أي أنه كان يصوم معظمه، فالمراد بالكل أكثره.
ويدل ذلك حديث الباب (وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ).
وجاء عند مسلم (كان يصوم شعبان إلا قليلاً).
قال الحافظ: وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود: (أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان) أي كان يصوم معظمه، فالمراد بالكل الأكثر.
وقيل: يحتمل أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان.
وقيل: المراد بقولها (كله) أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طوراً، فلا يخلي شيئاً منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض.
وقيل: قال ابن المنير: إما يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنه كان يصومه كله.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم ولفظه (ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان).
• ما الحكمة من إكثاره ﷺ من صوم شعبان؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان.
وهذا فيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط.
وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان.
وهذا فيه حديث آخر أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال (سئل رسول الله ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان) قال الترمذي: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي.
والأولى في ذلك: ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: (قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).
стр. 1187
• هل يستحب عمارة أوقات الغفلة؟
قال ابن رجب ﵀: وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب عند الله .
وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد:
منها: أنه يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل.
ومنها: أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة، لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطاعة، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم، لقلة من يقتدون بهم فيها.
ومنها: أن المنفرد بالطاعة بين أهل المعاصي والغفلة قد يُدْفَعُ به البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم ويدافع عنهم. [لطائف المعارف ٢٥١ ـ ٢٥٤]
• ما معنى قولها (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ)؟
قال القرطبي: معنى هذا: أنه كان يصوم متطوِّعًا، فيكثر، ويوالي حتى تتحدَّث نساؤه وخاصته بصومه، ويفطر كذلك. ومثل هذا: حديث ابن عبَّاس: كان يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم، وبمثل هذا أخبر ﷺ عن نفسه، فقال (بل أصوم وأفطر، وأقوم، وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
• ما الأفضل صوم شعبان أم صوم محرم؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: صوم محرم.
لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم). رواه مسلم
فهذا تصريح بأنه أفضل الشهور.
قالوا: وأما إكثار النبي ﷺ من صوم شعبان دون محرم، فلعله إنما علم فضله في آخر حياته.
أو لعلة كان يعرض عليه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما. [قاله النووي]
القول الثاني: صوم شعبان أفضل.
ورجح هذا ابن رجب ﵀، وقال: ويكون قوله (أفضل الصيام بعد رمضان المحرم) محمولاً على التطوع المطلق بالصيام، فأما ما قبل رمضان وبعده فإنه يلتحق به في الفضل، كما أن قوله في تمام الحديث: (وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل) إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب عند جمهور العلماء.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- عبودية النبي ﷺ لربه.
- في الحديث الإشارة إلى ضعف حديث (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا).
- مراعاة المصالح فيما يقوم به من أعمال.
стр. 1188
٦٨٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: (أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنْ اَلشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) هذه تسمى الأيام البيض، وسميت بذلك لأن لياليها بيضاً لوضوح القمر فيها.
• اذكر بعض الأدلة العامة على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر؟
أ- عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله). متفق عليه
ب- وقد أوصى بذلك بعض الصحابة:
- منهم أبو هريرة ﵁ فقد قال (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام). متفق عليه
- ومنهم أبو الدرداء فقد قال (أوصاني خليلي بثلاث لن أدعهن ما عشت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى وبأن لا أنام حتى أوتر). رواه مسلم
- ومنهم أبو ذر كما عند الترمذي.
ج-وعن مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ (أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِى مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُوم) رواه مسلم.
• على ماذا يدل حديث عائشة السابق (لَمْ يَكُنْ يُبَالِى مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُوم)؟
يدل على أنه إذا صامها من أي الشهر أجزأ (أوله، أو أوسطه، أو آخره).
• ما الأفضل أن تكون هذه الأيام؟
استحب أكثر أهل العلم أن تكون الأيام البيض [١٣، ١٤، ١٥]، لورود أحاديث في الأمر بها:
أ-كحديث الباب.
ب-وحديث جرير عن النبي ﷺ قال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، أيام البيض صبيحة ثلاث عشر، وأربع عشر، وخمس عشر). رواه النسائي، قال المنذري: إسناده جيد. وقال الحافظ: إسناده صحيح.
ج-وحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ له: (إذا صمت من الشهر ثلاثاً، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة). رواه النسائي والترمذي
أما ما جاء عنه ﷺ أنه صام غير أيام البيض:
كما في حديث ابن مسعود: (أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر). رواه أبو داود ورجحه ابن خزيمة
وكذلك في حديث حفصة قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم كل شهر ثلاثة أيام، الاثنين، والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى).
فلعله ﷺ كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل.
ويترجح صيام أيام البيض على غيرها لأنها وسط الشهر، ووسط الشيء أعدله، ولأن الكسوف غالباً يقع فيها، وقد ورد بمزيد العبادة إذا وقع.
стр. 1189
٦٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: - غَيْرَ رَمَضَانَ -.
===
(لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ) أي: يحرم.
(أَنْ تَصُومَ) نفلاً.
(وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ) أي: حاضر في البلد.
• ما حكم صوم الزوجة نفلاً وزوجها حاضر بغير إذنه؟
يحرم عليها ذلك حتى تستأذنه.
أ-لحديث الباب.
ب- لأن حق الزوج فرض فلا يجوز تركه بنفل.
• ما الحكمة من المنع؟
لأن حق الزوج واجب، وصيام غير الفرض مستحب، ومن الفقه تقديم الواجبات، ومن ذلك تقديم طاعة الزوج على المستحبات.
• هل صوم الفرض يحتاج إلى إذن الزوج؟
صوم الفرض كرمضان لا يحتاج إذن الزوج.
لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
• هل يجب على الزوجة أن تستأذن زوجها في قضاء رمضان أم لا؟
هذه المسألة لا تحلو من حالين:
الحال الأولى: أن يضيق الوقت، بأن لم يبق من شعبان إلا بمقدار ما عليها من رمضان.
فهنا لا يجب أن تستأذنه.
الحال الثانية: إذا لم يضق الوقت، (الوقت موسع للقضاء) فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب أن تستأذنه.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
أ- لحديث عائشة قالت (كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) متفق عليه.
ب- أنه ليس لها أن تمنع الزوج حقه الذي هو على الفور بما ليس على الفور.
стр. 1190
القول الثاني: أنه لا يجب أن تستأذنه.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا تصومن امرأة تطوعاً وبعلها شاهد إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وهذا لفظه.
فمفهوم المخالفة من هذا الحديث يدل على أن لها أن تصوم بغير إذنه إذا لم يكن تطوعاً.
ب- أنه ليس للزوج منع الزوجة من المبادرة إلى قضاء رمضان إلا باختيارها، لأن لها حقاً في إبراء ذمتها من الفرض الذي لزمها.
وهذا القول هو الصحيح.
• ماذا نستفيد من قوله ﷺ (وزوجها شاهد)؟
نستفيد: أن الزوج إذا كان غائباً فيجوز لها أن تصوم ولا تحتاج إلى إذنه.
أ- لمفهوم حديث الباب.
ب- ولأن صيامها لا يضيع عليه حقاً من حقوقه.
ج- ولأن المعنى المراد من المنع لا يوجد.
• قوله (إلا بإذنه) هل يشترط أن يكون الإذن صريحاً؟
لا يشترط، سواء كان الإذن صريحاً، أو ما يقوم مقامه من احتفاف قرائن تدل على رضاه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- عظم حق الزوج على الزوجة، وقد قال النبي ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها).
- وجوب تقديم الواجبات على المستحبات.
- جواز صيام الفرض بدون إذن الزوج.
стр. 1191
٦٨٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ اَلْفِطْرِ وَيَوْمِ اَلنَّحْرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ما حكم صيام يومي العيد؟
حرام.
قال النووي: أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة.
وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم أن صوم يومي العيد منهي عنه، محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة.
• ما الحكم لو نذر صيامهما، فهل يصح نذره؟
لا يصح نذره، ولا ينعقد، ولا يجوز الوفاء به.
لأنه نذر معصية، وقد قال النبي ﷺ (من نذر أن يعص الله فلا يعصه). متفق عليه
• ما الحكمة من النهي عن صيامهما؟
قال الشوكاني: والحكمة في النهي عن صوم العيدين: أن فيه إعراضاً عن ضيافة الله تعالى لعباده، كما صرح بذلك أهل الأصول.
стр. 1192
٦٨٦ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ اَلْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيَّامُ اَلتَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٦٨٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا: (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ اَلْهَدْيَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(لَمْ يُرَخَّصْ) هذه الصيغة لها حكم الرفع عند العلماء، (كقول الصحابي: رخص لنا في كذا، أو أذن لنا في كذا، أو نهينا عن كذا). فهذا له حكم الرفع.
• ما هي أيام التشريق؟
هي الأيام التي بعد يوم النحر، وهي [١١، ١٢، ١٣] من ذي الحجة.
• لماذا سميت بذلك؟
سميت بذلك: لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تنشر في الشمس.
وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس.
• ما حكم صوم أيام التشريق؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: المنع مطلقاً.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد وابن حزم.
قال في الفتح: وعن علي وعبد الله بن عمرو المنع مطلقاً، وهو المشهور عن الشافعي.
أ-لحديث الباب (حديث نبيشة).
قال الخطابي: فيه دليلٌ على أنّ صوم أيام التشريق غير جائز؛ لأنه قد وسمها بالأكل والشرب كما وسم يوم العيد بالفطر ثم لم يجز صيامه، فكذلك أيام التشريق، وسواء كان تطوعًا من الصائم أو نذرًا أو صامها الحاج عن التمتع.
ب-وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيام منى أيام أكل وشرب). رواه مسلم
ج-عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) رواه أحمد.
قال الخطابي: وهذا كالتعليل في وجوب الإفطار فيها وأنها مستحقة لهذا المعنى، فلا يجوز صيامها ابتداءً تطوعًا ولا نذرًا، ولا عن صوم التمتع إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر.
القول الثاني: لا يصح صومها إلا للمتمتع والقارن إذا لم يجدا الهدي.
وهو قول مالك والشافعي في القديم.
ونسبه ابن حجر لابن عمر، وعائشة، وعبيد بن عمير.
أ-لحديث الباب (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ اَلْهَدْي).
وقد أخرجه الدار قطني والطحاوي بلفظ (رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق).
فهذا الحديث صريح في الترخيص للمتمتع الذي لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق، وهو مقيِّد لما جاء من النهي عن صوم هذه الأيام مطلقاً.
ورجحه الشوكاني وقال: وهو أقوى المذاهب.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1193
• بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن دليل أصحاب القول الثاني (لم يرخص)؟
قالوا: هو موقوف على أم المؤمنين عائشة وابن عمر.
• ما الرد عليهم؟
الرد عليهم: بأنّ قول الصحابي «نهينا عن كذا» و «رخص لنا في كذا» - وشبهه - في حكم الرفع، بمنزلة قوله: قال رسول الله ﷺ ، هذا الذي عليه جماهير أهل العلم.
• ما الجواب عن أدلة أصحاب القول الأول (أيام التشريق أيام أكل … )؟
الجواب: بأنّ أحاديث النهي عن صوم أيام التشريق عامّة يُخَصّصُ منها المتمتع بما ثبت في «صحيح البخاري»: أنّ عائشة وابن عمر قالا (لم يرخّص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي) وحمل المطلق على المقيد واجب، وكذلك بناء العام على الخاص، ولأنه رخّص فيها للمتمتع ضرورة.
• أيام التشريق حكمها واحد، وضح ذلك؟
أيام التشريق حكمها واحد.
أ-هي أيام أكل وشرب وذكر لله.
ب-وهي أيام منى.
ج-وهي أيام رمي الجمار.
د-صيامها حرام إلا لمن لم يجد الهدي.
هـ-كلها أيام ذبح.
• قول النبي ﷺ (أيام التشريق أيام أكل .... وذكر لله) إشارة إلى ماذا؟
قال ابن رجب: في قول النبي ﷺ (إنها أيام أكل وشرب وذكر الله إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعات وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله وبدلها كفراً وهو جدير أن يسلبها، كما قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها … فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله … فشكر الإله يزيل النقم
و خصوصاً نعمة الأكل من لحوم بهيمة الأنعام كما في أيام التشريق فإن هذه البهائم مطيعة وهي مسبحة له قانتة كما قال تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وإنها تسجد له كما أخبر بذلك في سورة النحل وسورة الحج وربما كانت أكثر ذكراً لله من بعض بني آدم. (لطائف المعارف).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- مشروعية الهدي في الحج.
- أن من لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
قال تعالى (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ).
стр. 1194
٦٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ اَلْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اَللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اَلْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٦٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• اذكر ما ورد في فضل يوم الجمعة؟
يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع.
لما في الصحيحين من قوله ﷺ (أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة).
ولقوله ﷺ : (ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله له وضلَّ الناس عنه).
وعند أبي داود قال رسول الله ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا فيه من الصلاة علي … ).
• ماذا نستفيد من أحاديث الباب؟
نستفيد: النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام.
• متى يزول النهي؟
الحديث يدل على أن النهي يزول بأمرين:
الأول: أن يوافق يوم الجمعة صيام معتاد، كأن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة.
الثاني: إذا لم يفرده بالصيام، بل جمع معه غيره.
• هل النهي في قوله (لا يصومن … ) للتحريم أم للكراهة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه للكراهة.
وهذا قول الشافعية والحنابلة.
لحديث الباب (لا يصومن … ) والصارف عن النهي أن النبي ﷺ أجاز صيامه إذا صيم يوماً قبله أو بعده.
القول الثاني: أنه للتحريم.
وهذا قول الظاهرية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ-لأحاديث الباب، قالوا: والأصل في النهي التحريم.
ب- ولحديث جابر (فقد سُئل أنهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم) رواه البخاري.
والراجح الأول.
стр. 1195
• ما رأيك بقول مالك في الموطأ: " لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن به يقتدى، نهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن؟
قال النووي: فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به، ومالك معذور فإنه لم يبلغه.
وقال الداوودي - من أصحاب مالك -: لم يبلغ مالكاً حديث النهي، ولو بلغه لم يخالفه.
• ما السبب في النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام؟
اختلف في سبب ذلك:
فقيل: لئلا يضعف عن العبادة، ورجحه النووي.
قال في الفتح: وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه.
وقال ابن القيم: ولكن يشكل عليه زوال الكراهة بضم يوم قبله أو بعده إليه.
وقيل: سداً للذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس منه، ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد من الأعمال الدنيوية. [قاله ابن القيم]
وقيل: لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، ورجحه الحافظ ابن حجر، وقال: ورد فيه صريحاً حديثان:
أحدهما: رواه الحاكم وغيره عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا يوماً قبله أو بعده).
والثاني: رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: (من كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر.
• ما حكم صوم يوم الجمعة مفرداً إذا صادف عرفة؟
صوم يوم الجمعة مكروه، لكن ليس على إطلاقه، فصوم يوم الجمعة مكروه لمن قصده وأفرده بالصوم، لقول النبي ﷺ (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام).
وأما إذا صام الإنسان يوم الجمعة من أجل أنه صادف صوماً كان يعتاده فإنه لا حرج عليه في ذلك، وكذلك إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فلا حرج عليه في ذلك، ولا كراهة.
مثال الأول: إذا كان من عادة الإنسان أن يصوم يوماً ويفطر يوماً فصادف يوم صومه الجمعة فلا بأس، وكذلك لو كان من عادته أن يصوم يوم عرفة فصادف يوم عرفة يوم الجمعة فإنه لا حرج عليه أن يصوم يوم الجمعة ويقتصر عليه؛ لأنه إنما أفرد هذا اليوم لا من أجل أنه يوم الجمعة، ولكن من أجل أنه يوم عرفة، وكذلك لو صادف هذا اليوم يوم عاشوراء واقتصر عليه، فإنه لا حرج عليه في ذلك، وإن كان الأفضل في يوم عاشوراء أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده.
ومثال الثاني: أن يصوم مع الجمعة يوم الخميس، أو يوم السبت، أما من صام يوم الجمعة لا من أجل سبب خارج عن كونه يوم جمعة فإننا نقول له: إن كنت تريد أن تصوم السبت فاستمر في صيامك، وإن كنت لا تريد أن تصوم السبت ولم تصم يوم الخميس فأفطر كما أمر النبي ﷺ بذلك، والله الموفق. (الشيخ ابن عثيمين).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: إذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة فصامه المسلم وحده فلا بأس بذلك، لأن هذا الرجل صامه لأنه يوم عرفة لا لأنه يوم جمعة.
فائدة: لم يصح في فضل صوم رجب حديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل ما ورد في فضل الصلاة والصيام في رجب فكله كذب.
ولذلك ذهب أكثر العلماء إلى كراهة إفراد رجب بالصوم، ولعل الحكمة هو أن إفراده بالصيام إحياء لشعار الجاهلية.
следующие страницы →