← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

٦٨٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ اَلْفِطْرِ وَيَوْمِ اَلنَّحْرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === • ما حكم صيام يومي العيد؟ حرام. قال النووي: أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة. وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم أن صوم يومي العيد منهي عنه، محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة. • ما الحكم لو نذر صيامهما، فهل يصح نذره؟ لا يصح نذره، ولا ينعقد، ولا يجوز الوفاء به. لأنه نذر معصية، وقد قال النبي ﷺ (من نذر أن يعص الله فلا يعصه). متفق عليه • ما الحكمة من النهي عن صيامهما؟ قال الشوكاني: والحكمة في النهي عن صوم العيدين: أن فيه إعراضاً عن ضيافة الله تعالى لعباده، كما صرح بذلك أهل الأصول.

стр. 1192

٦٨٦ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ اَلْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيَّامُ اَلتَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٦٨٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا: (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ اَلْهَدْيَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (لَمْ يُرَخَّصْ) هذه الصيغة لها حكم الرفع عند العلماء، (كقول الصحابي: رخص لنا في كذا، أو أذن لنا في كذا، أو نهينا عن كذا). فهذا له حكم الرفع. • ما هي أيام التشريق؟ هي الأيام التي بعد يوم النحر، وهي [١١، ١٢، ١٣] من ذي الحجة. • لماذا سميت بذلك؟ سميت بذلك: لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تنشر في الشمس. وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس. • ما حكم صوم أيام التشريق؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: المنع مطلقاً. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد وابن حزم. قال في الفتح: وعن علي وعبد الله بن عمرو المنع مطلقاً، وهو المشهور عن الشافعي. أ-لحديث الباب (حديث نبيشة). قال الخطابي: فيه دليلٌ على أنّ صوم أيام التشريق غير جائز؛ لأنه قد وسمها بالأكل والشرب كما وسم يوم العيد بالفطر ثم لم يجز صيامه، فكذلك أيام التشريق، وسواء كان تطوعًا من الصائم أو نذرًا أو صامها الحاج عن التمتع. ب-وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيام منى أيام أكل وشرب). رواه مسلم ج-عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) رواه أحمد. قال الخطابي: وهذا كالتعليل في وجوب الإفطار فيها وأنها مستحقة لهذا المعنى، فلا يجوز صيامها ابتداءً تطوعًا ولا نذرًا، ولا عن صوم التمتع إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر. القول الثاني: لا يصح صومها إلا للمتمتع والقارن إذا لم يجدا الهدي. وهو قول مالك والشافعي في القديم. ونسبه ابن حجر لابن عمر، وعائشة، وعبيد بن عمير. أ-لحديث الباب (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ اَلْهَدْي). وقد أخرجه الدار قطني والطحاوي بلفظ (رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق). فهذا الحديث صريح في الترخيص للمتمتع الذي لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق، وهو مقيِّد لما جاء من النهي عن صوم هذه الأيام مطلقاً. ورجحه الشوكاني وقال: وهو أقوى المذاهب. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 1193

• بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن دليل أصحاب القول الثاني (لم يرخص)؟ قالوا: هو موقوف على أم المؤمنين عائشة وابن عمر. • ما الرد عليهم؟ الرد عليهم: بأنّ قول الصحابي «نهينا عن كذا» و «رخص لنا في كذا» - وشبهه - في حكم الرفع، بمنزلة قوله: قال رسول الله ﷺ ، هذا الذي عليه جماهير أهل العلم. • ما الجواب عن أدلة أصحاب القول الأول (أيام التشريق أيام أكل … )؟ الجواب: بأنّ أحاديث النهي عن صوم أيام التشريق عامّة يُخَصّصُ منها المتمتع بما ثبت في «صحيح البخاري»: أنّ عائشة وابن عمر قالا (لم يرخّص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي) وحمل المطلق على المقيد واجب، وكذلك بناء العام على الخاص، ولأنه رخّص فيها للمتمتع ضرورة. • أيام التشريق حكمها واحد، وضح ذلك؟ أيام التشريق حكمها واحد. أ-هي أيام أكل وشرب وذكر لله. ب-وهي أيام منى. ج-وهي أيام رمي الجمار. د-صيامها حرام إلا لمن لم يجد الهدي. هـ-كلها أيام ذبح. • قول النبي ﷺ (أيام التشريق أيام أكل .... وذكر لله) إشارة إلى ماذا؟ قال ابن رجب: في قول النبي ﷺ (إنها أيام أكل وشرب وذكر الله إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعات وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله وبدلها كفراً وهو جدير أن يسلبها، كما قيل: إذا كنت في نعمة فارعها … فإن المعاصي تزيل النعم وداوم عليها بشكر الإله … فشكر الإله يزيل النقم و خصوصاً نعمة الأكل من لحوم بهيمة الأنعام كما في أيام التشريق فإن هذه البهائم مطيعة وهي مسبحة له قانتة كما قال تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وإنها تسجد له كما أخبر بذلك في سورة النحل وسورة الحج وربما كانت أكثر ذكراً لله من بعض بني آدم. (لطائف المعارف). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - مشروعية الهدي في الحج. - أن من لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. قال تعالى (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ).

стр. 1194

٦٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ اَلْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اَللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اَلْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٦٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === • اذكر ما ورد في فضل يوم الجمعة؟ يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع. لما في الصحيحين من قوله ﷺ (أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة). ولقوله ﷺ : (ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله له وضلَّ الناس عنه). وعند أبي داود قال رسول الله ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا فيه من الصلاة علي … ). • ماذا نستفيد من أحاديث الباب؟ نستفيد: النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام. • متى يزول النهي؟ الحديث يدل على أن النهي يزول بأمرين: الأول: أن يوافق يوم الجمعة صيام معتاد، كأن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة. الثاني: إذا لم يفرده بالصيام، بل جمع معه غيره. • هل النهي في قوله (لا يصومن … ) للتحريم أم للكراهة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه للكراهة. وهذا قول الشافعية والحنابلة. لحديث الباب (لا يصومن … ) والصارف عن النهي أن النبي ﷺ أجاز صيامه إذا صيم يوماً قبله أو بعده. القول الثاني: أنه للتحريم. وهذا قول الظاهرية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. أ-لأحاديث الباب، قالوا: والأصل في النهي التحريم. ب- ولحديث جابر (فقد سُئل أنهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم) رواه البخاري. والراجح الأول.

стр. 1195

• ما رأيك بقول مالك في الموطأ: " لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن به يقتدى، نهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن؟ قال النووي: فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به، ومالك معذور فإنه لم يبلغه. وقال الداوودي - من أصحاب مالك -: لم يبلغ مالكاً حديث النهي، ولو بلغه لم يخالفه. • ما السبب في النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام؟ اختلف في سبب ذلك: فقيل: لئلا يضعف عن العبادة، ورجحه النووي. قال في الفتح: وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وقال ابن القيم: ولكن يشكل عليه زوال الكراهة بضم يوم قبله أو بعده إليه. وقيل: سداً للذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس منه، ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد من الأعمال الدنيوية. [قاله ابن القيم] وقيل: لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، ورجحه الحافظ ابن حجر، وقال: ورد فيه صريحاً حديثان: أحدهما: رواه الحاكم وغيره عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا يوماً قبله أو بعده). والثاني: رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: (من كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر. • ما حكم صوم يوم الجمعة مفرداً إذا صادف عرفة؟ صوم يوم الجمعة مكروه، لكن ليس على إطلاقه، فصوم يوم الجمعة مكروه لمن قصده وأفرده بالصوم، لقول النبي ﷺ (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام). وأما إذا صام الإنسان يوم الجمعة من أجل أنه صادف صوماً كان يعتاده فإنه لا حرج عليه في ذلك، وكذلك إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فلا حرج عليه في ذلك، ولا كراهة. مثال الأول: إذا كان من عادة الإنسان أن يصوم يوماً ويفطر يوماً فصادف يوم صومه الجمعة فلا بأس، وكذلك لو كان من عادته أن يصوم يوم عرفة فصادف يوم عرفة يوم الجمعة فإنه لا حرج عليه أن يصوم يوم الجمعة ويقتصر عليه؛ لأنه إنما أفرد هذا اليوم لا من أجل أنه يوم الجمعة، ولكن من أجل أنه يوم عرفة، وكذلك لو صادف هذا اليوم يوم عاشوراء واقتصر عليه، فإنه لا حرج عليه في ذلك، وإن كان الأفضل في يوم عاشوراء أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده. ومثال الثاني: أن يصوم مع الجمعة يوم الخميس، أو يوم السبت، أما من صام يوم الجمعة لا من أجل سبب خارج عن كونه يوم جمعة فإننا نقول له: إن كنت تريد أن تصوم السبت فاستمر في صيامك، وإن كنت لا تريد أن تصوم السبت ولم تصم يوم الخميس فأفطر كما أمر النبي ﷺ بذلك، والله الموفق. (الشيخ ابن عثيمين). وقال الشيخ ابن باز ﵀: إذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة فصامه المسلم وحده فلا بأس بذلك، لأن هذا الرجل صامه لأنه يوم عرفة لا لأنه يوم جمعة. فائدة: لم يصح في فضل صوم رجب حديث. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل ما ورد في فضل الصلاة والصيام في رجب فكله كذب. ولذلك ذهب أكثر العلماء إلى كراهة إفراد رجب بالصوم، ولعل الحكمة هو أن إفراده بالصيام إحياء لشعار الجاهلية.

стр. 1196

٦٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا اِنْتَصَفَ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ. === • ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والطحاوي وعبد الرزاق وابن حبان وابن أبي شيبة والدارمي كلهم جميعاً عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة .... وقد اختلف العلماء في هذا الحديث: فضعفه جماعة من العلماء، منهم: الإمام أحمد، وابن معين، كما نقله الحافظ ابن حجر عنهم في الفتح. وعبد الرحمن بن مهدي نقله أبو داود في سننه عنه. وابن رجب والعيني وأبو زرعة، نقله ابن رجب. والبيهقي، فقد قال في سننه: باب الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء. [٤/ ٢٠٩] وهو ظاهر كلام ابن رجب في لطائف المعارف. وسبب ضعفه: أولاً: أنه مخالف للأحاديث الصحيحة: كحديث (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين … )، فهذا يدل على أن ما زاد على يومين أو ثلاثة فلا بأس. وكحديث (صيام النبي ﷺ أكثر شعبان) وقد تقدم الحديث. ثانياً: تفرد العلاء بن عبد الرحمن عن أصحاب أبي هريرة، مع أن الحديث في أمر تعم به البلوى ويحتاجه الناس. وذهب جماعة من العلماء إلى تصحيحه، منهم: الطحاوي، وابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وابن عبد البر، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، والسيوطي، وابن باز. قالوا: إن العلاء وثقه جمع من الحفاظ وأخرج له مسلم في صحيحه، وتفرده تفرد ثقة بحديث مستقل، وهذا لا يضر. والصحيح أن الحديث لا يصح. وأما من صحح الحديث فجمعوا بينه وبين حديث (كان أكثر صيام النبي ﷺ شعبان): أولاً: أن يكون النهي لمن لم يكن له عادة، فإن كان له عادة فليصم. ثانياً: أو من أنشأ الصوم بعد النصف، وإن صام قبل النصف فلا بأس.

стр. 1197

٦٩١ - وَعَنِ اَلصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَصُومُوا يَوْمَ اَلسَّبْتِ، إِلَّا فِيمَا اِفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا - رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ. وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ. ٦٩٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ اَلْأَيَّامِ يَوْمُ اَلسَّبْتِ، وَيَوْمُ اَلْأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: " إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا لَفْظُهُ. === • ما صحة حديث (لَا تَصُومُوا يَوْمَ اَلسَّبْتِ، إِلَّا فِيما افترض عليكم)؟ هذا الحديث اختلف العلماء فيه: القول الأول: أنه ضعيف. قال أبو داود: هذا حديث منسوخ. وقال مالك: هذا كذب. وقال النسائي: هذا حديث مضطرب. وضعفه يحيي بن سعيد والطحاوي وابن القيم وابن حجر كما في التلخيص. وسبب الضعف: الاضطراب في سنده والنكارة في متنه: أما الاضطراب في سنده: فإن الحديث مداره على الصحابي: عبد الله بن بُسْر لكن اضطرب الرواة في روايته عنه: فتارة رَووْه عنه عن النبي ﷺ [بدون ذكر أخته]. [هذا عند أحمد]. وتارة رووه عنه عن أخته. [هذا كما في الرواية التي معنا: عند أبي داود والترمذي]. وتارة عنه عن عمته. [وهي لم يتغير اسمها: الصماء]. [عند ابن خزيمة والبيهقي]. وتارة عنه عن خالته الصماء. [عند النسائي في الكبرى]. وتارة عنه عن أمه الصماء. [انفرد بها تمام الرازي في كتابه الفوائد]. فقالوا: هذا اضطراب. وأما نكارة متنه: فإن الحديث يدل على النهي عن صوم السبت إلا في حالة واحدة فقط: وهي أن يكون في صوم الفريضة، وهذا يدل على أنه لا يصام ولو كان قبله يوم أو بعده يوم. وهذا يعارضه أحاديث أخرى أصح منه. أ- ما رواه البخاري عن جويرية (أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري). فهذا حديث صريح في أنه يجوز صيام يوم السبت إذا كان قبله يوم، بخلاف حديث الباب فإنه لم يستثن هذه الحالة. ب-ومنها: حديث (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده) ومعلوم قطعاً أن اليوم الذي بعد الجمعة هو يوم السبت. ج- حديث الباب، حديث أم سلمة (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ اَلْأَيَّامِ يَوْمُ اَلسَّبْتِ، وَيَوْمُ اَلْأَحَدِ). فهذه الأحاديث تدل على نكارة حديث الباب، وهذا القول هو الصحيح.

стр. 1198

قال الشيخ ابن باز: لا حرج أن يصوم الإنسان يوم السبت مطلقاً في الفرض والنفل، والحديث الذي فيه النهي عن صوم يوم السبت حديث ضعيف مضطرب مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا بأس أن يصوم المسلم من يوم السبت، سواءٌ كان عن فرض أو عن نفل، ولو ما صام معه غيره، والحديث الذي فيه النهي عن صوم يوم السبت إلا في الفرض حديث غير صحيح، بل هو ضعيف وشاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. (نور على الدرب). القول الثاني: أنه صحيح. وممن صححه: ابن السكن، قال النووي: صححه الأئمة. وصححه الألباني وغيرهم. والراجح أنه ضعيف لا يصح. ولذلك فالراجح جواز صوم يوم السبت من غير كراهة ولو منفرداً. • بما أجاب من قال بصحة الحديث؟ من صحح الحديث، بعضهم ذهب إلى أنه منسوخ. قال أبو داود: وهذا حديث منسوخ. كما في سننه. لكن لا دليل على النسخ، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص متعقباً دعوى أبي داود: ولا يتبين وجه النسخ فيه. وذهب بعضهم: إلى أن النهي محمول على إفراده بالصيام، فإن صام يوماً قبله أو بعده فلا بأس. وهذا رأي الترمذي وابن خزيمة وغيرهم. أ- الترمذي، فقد أَخْرَجَ حديثَ الصَّمَّاءِ وقال: هذا حديثٌ حسنٌ، ومعنى كراهتِهِ في هذا أنْ يَخُصَّ الرجلُ يومَ السَّبْتِ بصيامٍ لأنَّ اليهودَ تُعظِّمُ يومَ السَّبْت. ب- ابن خزيمة، فقد أخْرَجَ الحديث (وبَوَّبَ له في صحيحه: باب النهي عن صوم يوم السَّبْتِ تطَوُّعَاً إذا أُفرِد بالصوم). ج-منهم ابن حبان، فقد ترجم (ذِكْرُ الزجر عن صوم يوم السَّبْتِ مُفْرَدَاً) وأَخْرَجَ تَحْتَهُ حديثَ عبد الله بن بُسْر، وترجم بَعْدَهُ: (ذِكْرُ العلة التي من أجلها نُهيَ عن صيام يوم السَّبْتِ مع البيان بأنَّه إذا قُرِن بيومٍ آخرَ جَازَ صومُهُ). وساق تَحْتَهُ حديثَ كُرَيْبٍ مولى ابنِ عباس عن أم سَلَمَةَ (إنَّ رسول الله ﷺ أَكثَرَ ما كانَ يصومُ من الأيام يومَ السَّبْتِ والأحد وكانَ يقول: إنَّهما عيدانِ للمشركين، وأنا أريد أنْ أُخالِفَهم). د-قال النووي في المجموع: يُكْرَهُ إفرادُ يوم السَّبْتِ بالصوم، فإنْ صام قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ معه لم يُكرَه، صرَّح بكراهةِ إفرادهِ أصحابُنا، منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم … والصوابُ … أنَّه يُكْرَهُ إفرادُ السَّبْتِ بالصيام إذا لم يُوافق عادةً له لحديث الصَّمَّاء .... هـ-قال ابن القيم: وقال جماعةٌ من أهل العلم: لا تعارُضَ بينه وبين حديث أم سَلَمَةَ، فإنَّ النهي عن صومه: إنَّما هو عن إفراده، وعلى ذلك تَرْجَمَ أبو داوُدَ … قالوا: ونظيرُ هذا أنَّه نهى عن إفراد يوم الجُمُعَةِ بالصوم إلا أنْ يصوم يوماً قَبْلَهُ أو يوماً بَعْدَهُ، وبهذا يزولُ الإشكالُ الذي ظنَّهُ مَنْ قال: إنَّ صومَهُ نوعُ تعظيمٍ له: فهو موافَقَةٌ لأهل الكتاب في تعظيمه، وإنْ تضمَّن مخالفتَهم في صومه، فإنَّ التعظيم إنَّما يكون إذا أُفرِدَ بالصوم ولا ريب أنَّ الحديث لم يجيء بإفراده، وأمَّا إذا صامه مع غيره، لم يكن فيه تعظيمٌ واللهُ أعلَمُ).

стр. 1199

و-وقال الشوكاني: وقد جَمَعَ صاحِبُ البدر المنير بين هذه الأحاديث فقال النهيُ متوجِّهٌ إلى الإفراد، والصومُ باعتبارِ انضمامِ ما قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ إليه، ويؤيِّدُ هذا ما تقدَّمَ من إذنه ﷺ لِمَنْ صام الجُمُعَةَ أنْ يصوم السَّبْتَ بعدها، والجَمْعُ مهما أمْكَنَ أولى من النسخ. ك- وهو رأي الشيخ ابن عثيمين ﵀. فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وليعلم أن صيام يوم السبت له أحوال: الحال الأولى: أن يكون في فرضٍ كرمضان أداء، أو قضاءٍ، وكصيام الكفارة، وبدل هدي التمتع، ونحو ذلك، فهذا لا بأس به ما لم يخصه بذلك معتقدا أن له مزية. الحال الثانية: أن يصوم قبله يوم الجمعة فلا بأس به؛ لأن النبي ﷺ قال لإحدى أمهات المؤمنين وقد صامت يوم الجمعة: (أصمت أمس؟) قالت: لا، قال: (أتصومين غدا؟) قالت: لا، قال: (فأفطري) فقوله: (أتصومين غدا؟) يدل على جواز صومه مع الجمعة. الحال الثالثة: أن يصادف صيام أيام مشروعة كأيام البيض ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وستة أيام من شوال لمن صام رمضان، وتسع ذي الحجة فلا بأس، لأنه لم يصمه لأنه يوم السبت، بل لأنه من الأيام التي يشرع صومها. الحال الرابعة: أن يصادف عادة كعادة من يصوم يوماً ويفطر يوماً فيصادف يوم صومه يوم السبت فلا بأس به، كما قال النبي ﷺ لما نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين: (إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، وهذا مثله. الحال الخامسة: أن يخصه بصوم تطوع فيفرده بالصوم، فهذا محل النهي إن صح الحديث في النهي عنه. (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - حديث أم سلمة يدل على جواز صوم يوم السبت ويوم الأحد. - هذا الحديث من الأحاديث التي تدل على نكارة حديث الصماء كما تقدم. - أن مخالفة أهل الكتاب غاية مقصودة في الشرع، لأن المشابهة في الظاهر تورث المودة في الباطن.

стр. 1200

٦٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ غَيْرَ اَلتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ. === الحديث رواه أبو داود وغيره من طريق حَوْشَبْ بن عَقِيل عن مَهْدي الهَجَري قال حدثنا عكرمة عن أبي هريرة به. والحديث ضعيف لأن في إسناده مَهْدي الهجري فالجمهور على أنه مجهول، قال ابن معين: لا أعرفه. قال الشوكاني: وقد روي عن النبي ﷺ بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا يصح عنه النهي عن صيامه. فالحديث ضعيف ولا يصح، وقد تقدمت مسألة حكم صوم يوم عرفة بعرفة.

стр. 1201

٦٩٤ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا صَامَ مَنْ صَامَ اَلْأَبَدَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٦٩٥ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: (لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ). === (لَا صَامَ مَنْ صَامَ اَلْأَبَدَ) لفظ الحديث (قال لي رسول الله! يا عبد الله ابن عمرو! إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل، وإنك إذا فعلت ذلك هَجَمت له العين ونهَكتْ، لا صام من صام الأبد). (لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ) لفظ الحديث مختصراً (قال عمر يا رسول الله! كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر). (اَلْأَبَدَ) هو الدهر الطويل الذي ليس بمحدود. • ما معنى (لا صام من صام الأبد)؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: هي جملة المقصود بها الدعاء على الصائم زجراً له عن مواصلة الصيام. وقيل: هذه جملة المراد بها الخبر، والمعنى: لا صام: أي ما أدرك مشقة الصيام لكونه اعتاده، وقيل: لا أجر له لمخالفته الشرع. • ما معنى قوله ﷺ (لا صام ولا أفطر)؟ قيل: دعاء. وقيل: إخبار، والمعنى ما صام وحصل الأجر، بسبب أنه لم يصم بأمر الشرع، ولا أفطر: ولا هو في الحقيقة مع المفطرين يأكل ويشرب. • ما معنى صيام الدهر؟ المراد بصيام الدهر: سرد الصوم متتابعاً جميع الأيام باستثناء ما نهي عن صومه كأيام العيد وأيام التشريق. • ما حكم صوم الدهر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: المنع مطلقاً، إما على وجه التحريم أو على وجه الكراهة .. التحريم وهو قول ابن حزم، والكراهة هو مذهب الحنفية واختيار ابن قدامة وابن تيمية. قال ابن قدامة: الذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وإن لم يصم هذه الأيام - يعني العيد والتشريق -، فإن صامها قد فعل محرماً، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف، وشبه التبتل المنهي عنه. وقال ابن حزم: يحرم صوم الدهر أصلاً. أ-لأحاديث الباب (لا صام من صام الأبد)، (لا صام ولا أفطر). قال الحافظ ﵀: وَالْمَعْنَى بِالنَّفْيِ أَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ أَجْرَ الصَّوْمِ لِمُخَالَفَتِهِ. ب-لحديث أبي موسى مرفوعاً (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم). أخرجه أحمد قال ابن حجر: وظاهره أنه تضيق عليه حصراً لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيه ﷺ ، واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حراماً. ج-قوله ﷺ (لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) وهذا وعيد شديد من مخالفة صوم النبي كصيام الدهر كما فعل بعض الصحابة، إذ قال أحدهم (أصوم أبداً).

стр. 1202

د-عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا … إلى آخر الحديث. وفي رواية: فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك) رواه مسلم. هـ-وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمرو الشيباني قال: (بلغ عمر أن رجلاً يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري). و-النظر الصحيح لما في صيام الدهر من المشقة على النفس وهذا يتعارض مع التشريع من التخفيف والتيسير. القول الثاني: أنه يستحب صوم الدهر. وهذا قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة. أما المالكية والشافعية فقد صرحوا بالاستحباب، وأما الحنابلة فنصوصهم جاءت بلفظ الجواز. (والاستحباب مقيد عند الجميع بأن لا يؤدي صوم الدهر إلى تقصير في أداء الحقوق والواجبات، أو يخاف الصائم ضرراً على نفسه، فإن أدى لذلك فيكره حينئذ عند الشافعية والحنابلة، ويجوز عند المالكية). واستدل هؤلاء: أ-بحديث حمزة بن عمرو عند مسلم (أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم) وموضع الدلالة أن النبي ﷺ لم ينكر عليه سرد الصوم. ب- ولحديث أبي موسى. قال ﷺ (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم). قال النووي ﵀: ومعنى: (ضيقت عليه) أي: عنه، فلم يدخلها. وحملوا قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو (لا أفضل من ذلك) أي في حقك، فيلتحق به من في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة، أو يفوت حقاً، ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد، فلو السرد ممتنعاً لبينه له، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ج-ولقوله ﷺ في صيام ثلاثة أيام من كل شهر (كصيام الدهر). متفق عليه قالوا: فدل على أن صوم الدهر أفضل مما شبه به، وأنه أمر مطلوب. د- أنه فعل بعض الصحابة كعائشة وعثمان وأبو طلحة. عن ابن عمر أنه سئل عن صيام الدهر فقال: (كنا نعد أولئك فينا من السابقين). رواه البيهقي وعن عروة أن عائشة (كانت تصوم الدهر في السفر والحضر) رواه البيهقي بإسناد صحيح. وعن أنس قال (كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو، فلما قبض النبي ﷺ لم أره مفطراً إلا يوم الفطر أو الأضحى) رواه البخاري في صحيحه. هـ-عموم الآيات والأحاديث الدالة على فضل العبادة وعمل الخير: منها قوله تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا). وقوله ﷺ (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا).

стр. 1203

• بما أجاب الجمهور عن أدلة من قال بالمنع؟ أجابوا بما قال النووي ﵀: أحدها: جواب عائشة ﵂ وتابعها عليه خلائق من العلماء، أن المراد: من صام الدهر حقيقة، بأن يصوم معه العيد والتشريق، وهذا منهي عنه بالإجماع. الثاني: أنه - يعني حديث (لا صام من صام الأبد) - محمول على أن معناه أنه لا يجد من مشقته ما يجد غيره، لأنه يألفه ويسهل عليه، فيكون خبراً لا دعاء، ومعناه لا صام صوماً يلحقه فيه مشقة كبيرة، ولا أفطر، بل هو صائم له ثواب الصائمين. والثالث: أنه محمول على من تضرر بصوم الدهر أو فوت به حقا، ويؤيده أنه في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كان النهي خطاباً له، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة، وكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ فنهى النبي ﷺ ابن عمرو بن العاص لعلمه بأنه يضعف عن ذلك، وأقر حمزة بن عمرو - سيأتي حديثه فيما بعد - لعلمه بقدرته على ذلك بلا ضرر. (المجموع). • بما أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة من قال بالجواز؟ أجابوا: - أما حديث حمزة بن عمرو (إني أسرد الصوم) بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصوم صوم الدهر، فقد قال أسامة بن زيد (أن النبي ﷺ كان يسرد الصوم فيقال لا يفطر). رواه أحمد، ومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يصوم الدهر، فلا يلزم من ذكر السرد صوم الدهر. (الفتح). وقد أجاب ابن حزم عن حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وغيره من الصحابة الذين ورد أنهم كانوا يسردون الصوم: بأن سرد الصوم ليس هو صيام الدهر كله، وإنما هو متابعة الصيام لأشهر طويلة حتى يقال: لا يفطر، ولكن ليس صيام العام كله، وروي عن بعض الصحابة كعمر بن الخطاب ﵁ النهي الصريح عن صيام الدهر. - وأما قوله (صيام ثلاثة أيام كصيام الدهر … ) قال ابن القيم: هذا التشبيه إنما يقتضي التشبيه في ثوابه لو كان مستحباً. - وأما الآية (من جاء بالحسنة … ) والحديث (من صام يوماً .... ) فأجيب عن هذين الدليلين بأنهما عامَّان في كل صيام، وقد جاءت الأدلة السابقة بتخصيص صيام الدهر من عموم الاستحباب. - وأما الجواب عن فعل بعض الصحابة كعائشة وأبو طلحة: أولاً: أنه موقوف لا يعارض به المرفوع. ثانياً: وصح عن بعض السلف أنهم كانوا يمنعون من يصوم الدهر. ثالثاً: نصوص المنع أقوى من نصوص الجواز. والراجح القول الأول. • اختلف المجيزون لصيام الدهر بالشرط المتقدم، أيهما أفضل: صوم الدهر أم صوم داود؟ فقيل: صوم الدهر أفضل. لأنه أكثر عملاً، فيكون أكثر أجراً، وما كان أكثر أجراً كان أكثر ثواباً. وقيل: صيام داود أفضل. لقوله ﷺ : ( … صم يوماً وأفطر يوماً، فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود). متفق عليه يترجح من حيث المعنى بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق، وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل والشرب، وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهاراً، ويألف تناوله في الليل، بحيث يتجدد له طبع زائد، بخلاف من يصوم يوماً ويفطر يوماً فإنه ينتقل من فطر إلى صوم، ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام، ويأمن مع ذلك غالباً تفويت الحقوق.

стр. 1204

بَابُ اَلِاعْتِكَافِ وَقِيَامِ رَمَضَانَ • الاعتكاف لغة: الإقامة، يقال: عكف بالمكان إذا أقام فيه، ومنه قوله تعالى: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون). وشرعاً: لزوم المسجد بنية مخصوصة لطاعة الله وتفرغاً لعبادته. وقيام رمضان: المراد الصلاة التي تصلى في رمضان بعد العشاء، وهي صلاة التراويح.

стр. 1205

٦٩٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ === (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ) المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. [قاله النووي] ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: (صلى النبي ﷺ في المسجد في شهر رمضان ومعه ناس، ثم صلى الثانية فاجتمع الناس أكثر من الأولى، فلما كانت الثالثة أو الرابعة امتلأ المسجد حتى غض بأهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فجعل الناس ينادونه فقال: أما إنه لم يخفَ علي أمركم، ولكن خشيت أن تكتب عليكم). زاد البخاري (فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك). (إِيمَانًا) أي تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه. (وَاحْتِسَابًا) أي طلباً للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه. (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، لكن أكثر العلماء على أن المراد الصغائر [وسبقت المسألة]. • ما المراد بقيام رمضان بقوله (من قام رمضان)؟ المراد بها صلاة التراويح. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: فضل قيام رمضان والترغيب فيه. قال النووي: هي سنة بالاتفاق. وفي الحديث (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتبت له قيام ليلة). • لماذا سميت بالتراويح؟ قال ابن حجر: سميت الصلاة في جماعة في ليالي رمضان التراويح، لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. • من أول من جمع الناس لصلاة التراويح؟ وأول من جمع الناس عليها عمر. فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِى رَمَضَانَ، إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّى الرَّجُلُ فَيُصَلِّى بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ). (أوزاع) بسكون الواو، أي: جماعة متفرقون. قوله (فجمعهم على أبي بن كعب) أي جعله لهم إماماً، وكأنه اختاره عملاً بقوله ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وقال عمر: (أقرؤنا أبي).

стр. 1206

• هل الأفضل أن تصلى جماعة أو فرادى؟ الأفضل صلاتها جماعة: أ-لإقامة النبي ﷺ لها كما سبق. ب-ولحديث أبي ذر السابق (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة). • ما السبب في عدم استمرار النبي ﷺ عليها؟ خشية أن تفرض عليهم صلاة الليل في رمضان، فيعجزون كما سبق في حديث عائشة. • هل يشرع للنساء حضورها؟ نعم، بشرطه. وقد روى سعيد بن منصور من طريق عروة (أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء). • كم عدد ركعاتها؟ عدد ركعاتها (١١) ركعة. عن عائشة قالت (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) رواه مسلم وجاء عند مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال (أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة). ولكن هذا الفعل منه ﷺ لا يدل على وجوب هذا العدد، فتجوز الزيادة، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستاً وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة. ثم استمر المسلمون، بعد ذلك يصلون صلاة التراويح كما صلاها الرسول، وكانوا يصلونها كيفما اتفق لهم، فهذا يصلي بجمع، وذاك يصلي بمفرده، حتى جمعهم عمر بن الخطاب على إمام واحد يصلي بهم التراويح، وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان. ومن الأدلة الواضحة على أن صلاة الليل ومنها صلاة التراويح غير مقيدة بعدد: -حديث ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل فقال رسول الله ﷺ : " صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى) رواه البخاري ومسلم. ونظرة إلى أقوال العلماء في المذاهب المعتبرة تبين لك أن الأمر في هذا واسع، وأنه لا حرج في الزيادة على إحدى عشرة ركعة: -قال السرخسي وهو من أئمة المذهب الحنفي: فإنها عشرون ركعة سوى الوتر عندنا. (المبسوط) (٢/ ١٤٥). وقال ابن قدامة: والمختار عند أبي عبد الله (يعني الإمام أحمد) ﵀، فيها عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك: ستة وثلاثون. -وقال النووي: صلاة التراويح سنة بإجماع العلماء، ومذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات وتجوز منفرداً وجماعة. " المجموع " (٤/ ٣١). فهذه مذاهب الأئمة الأربعة في عدد ركعات صلاة التراويح وكلهم قالوا بالزيادة على إحدى عشرة ركعة، ولعل من الأسباب التي جعلتهم يقولون بالزيادة على إحدى عشرة ركعة: أولاً: أنهم رأوا أن حديث عائشة ﵂ لا يقتضي التحديد بهذا العدد. ثانياً: وردت الزيادة عن كثير من السلف.

стр. 1207

ثالثاً: أن النبي ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة وكان يطيلها جداً حتى كان يستوعب بها عامة الليل، بل في إحدى الليالي التي صلى فيها النبي ﷺ صلاة التراويح بأصحابه لم ينصرف من الصلاة إلا قبيل طلوع الفجر حتى خشي الصحابة أن يفوتهم السحور، وكان الصحابة ﵃ يحبون الصلاة خلف النبي ﷺ ولا يستطيلونها، فرأى العلماء أن الإمام إذا أطال الصلاة إلى هذا الحد شق ذلك على المأمومين وربما أدى ذلك إلى تنفيرهم فرأوا أن الإمام يخفف من القراءة ويزيد من عدد الركعات. والحاصل: أن من صلى إحدى عشرة ركعة على الصفة الواردة عن النبي ﷺ فقد أحسن وأصاب السنة، ومن خفف القراءة وزاد عدد الركعات فقد أحسن، ولا إنكار على من فعل أحد الأمرين. (الإسلام سؤال وجواب) • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - شرط مغفرة الذنوب بشرطين: أن يكون إيماناً، وأن يكون محتسباً. - فضل الإخلاص لله. - سعة رحمة الله. - فضل شهر رمضان. - هذا الأجر يحصل لمن قام جميع رمضان، فلو قام بعض الليالي دون بعض فلا يحصل له هذا الأجر.

стр. 1208

٦٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْعَشْرُ -أَيْ: اَلْعَشْرُ اَلْأَخِيرُ مِنْ رَمَضَانَ- شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (وَأَحْيَا لَيْلَهُ) أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، وليس المراد إحياء جميع الليل وإنما المراد معظمه. (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي أيقظهم للصلاة في الليل، وجد في العبادة، والمراد زوجاته. • ما معنى قولها (شَدَّ مِئْزَرَهُ)؟ اختلف في تفسير ذلك على قولين: القول الأول: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة. القول الثاني: هو كناية عن اعتزاله النساء. ورجحه ابن رجب ﵀، وقال: الصحيح: أن المراد: اعتزاله النساء وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون، منهم: سفيان الثوري، وقد ورد ذلك صريحاً من حديث عائشة وأنس، وورد تفسيره بأنه لم يأو إلى فراشه حتى ينسلخ رمضان، وفي حديث أنس: وطوى فراشه واعتزل النساء، وقد كان النبي ﷺ غالباً يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من قربان النساء بالنص والإجماع. • ما المراد بقوله (وأحيا ليله) هل إحياء جميع الليل أم غالبه؟ المراد إحياء غالبه وأكثره. ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة أنها قالت (ما أعلمه قام ليلة حتى الصباح). • اذكر بعض ما تميزت به العشر الأواخر من رمضان؟ تميزت هذه الليالي بأمور: أولاً: إحياء الليل بالعبادة. ثانياً: إيقاظ الأهل للصلاة. ثالثاً: اعتزال النساء تفرغاً للعبادة. رابعاً: الاعتكاف. • هل يستحب إيقاظ الأهل للصلاة والطاعة؟ نعم، يستحب ذلك. قال سفيان الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إذا أطاقوا ذلك. وهذا العمل مسنون في كل الأيام لكنه يتأكد في ليالي العشر. ومما يدل على استحبابه ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء). رواه أبو داود وفي الموطأ: (أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة، الصلاة، ويتلو هذه الآية (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها). وكانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا: يا نائماً بالليل كم ترقد … قم يا حبيبي قد دنا الموعد وخذ من الليل وأوقاته … ورداً إذا ما هجع الرقد من نام حتى ينقضي ليله … لم يبلغ المنزل أو يجتهد قل لذوي الألباب أهل التقى قنطرة العرض لكم موعد

стр. 1209

٦٩٨ - وَعَنْهَا: (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (كَانَ يَعْتَكِفُ) سبق تعريف الاعتكاف وأنه: لزوم المسجد بنية مخصوصة لطاعة الله. • اذكر الأدلة على استحباب الاعتكاف؟ أ- قوله تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ). ب- حديث الباب. ج- قوله ﷺ ( … فمن أحب أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر) رواه مسلم. • ما الحكمة من الاعتكاف؟ التفرغ للعبادة، والانقطاع عن العوائق والشواغل. قال ابن تيمية: ولما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبُّه ويعظِّمه، كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم . وذلك: لكي ينأى بنفسه عن الشَّواغل التي تحول بين المرء وبين أن يتفرَّغ لعبادة ربّه ! وهذه الشواغل تتمثل في الفضول الأربعة: فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام! فالقدر المناسب من هذه المضرّات الأربعة، ليس مضرّاً، ولكن الزيادة فيها عن حدّ الاعتدال! وقال ابن القيم: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفاً على جمعيته على الله، ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإنَّ شعث القلب لا يلمُّه إلا الإقبال على الله تعالى! وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثاً، ويُشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، أو يعوقه ويوقفه: اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه: عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيتُه عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبُّه، والإقبال عليه في محلِّ هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسُه بالله بدلاً من أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصودُ الاعتكاف الأعظم. وقال ابن رجب: فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال.

стр. 1210

• متى يجب الاعتكاف؟ يجب بالنذر. قال الحافظ: وليس واجباً إجماعاً إلا على من نذره. لحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه ولحديث عائشة (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري. • متى آكد الاعتكاف وأفضله؟ آكد الاعتكاف في رمضان، وأفضله العشر الأواخر، لأن النبي ﷺ اعتكفها حتى توفاه الله . ففي حديث الباب (كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ). • ما الحكمة من تخصيص الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؟ لالتماس ليلة القدر. عنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ .... ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ: إِنِّى اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِى إِنَّهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ) متفق عليه. • ما أكثر الاعتكاف؟ اتفقوا على أنه لا حد لأكثره. [قاله في الفتح] فائدة: اختلف العلماء في أقل الاعتكاف على أقوال: القول الأول: أن أقله لحظة. وهذا مذهب الجمهور، فهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. قال النووي: وَأَمَّا أَقَلُّ الاعْتِكَافِ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لُبْثٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْكَثِيرُ مِنْهُ وَالْقَلِيلُ حَتَّى سَاعَةٍ أَوْ لَحْظَة. أ-أن الاعتكاف في اللغة هو الإقامة، وهذا يصدق على المدة الطويلة والقصيرة ولم يرد في الشرع ما يحدده بمدة معينة. قال ابن حزم: والاعتكاف في لغة العرب الإقامة .. فكل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف .. مما قل من الأزمان أو كثر، إذ لم يخص القرآن والسنة عدداً من عدد، ووقتاً من وقت. ب-روى ابن أبي شيبة عن يعلى بن أمية ﵁ قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف. احتج به ابن حزم في المحلى (٥/ ١٧٩) وذكره الحافظ في الفتح وسكت عليه. والساعة هي جزء من الزمان وليست الساعة المصطلح عليها الآن وهي ستون دقيقة. ج-أن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير.

стр. 1211

قال الشيخ ابن باز: الاعتكاف هو المكث في المسجد لطاعة الله تعالى سواء كانت المدة كثيرة أو قليلة، لأنه لم يرد في ذلك فيما أعلم ما يدل على التحديد لا بيوم ولا بيومين ولا بما هو أكثر من ذلك، وهو عبادة مشروعة إلا إذا نذره صار واجباً بالنذر وهو في المرأة والرجل سواء. القول الثاني: أن أقل مدته يوم. وقال به بعض المالكية. القول الثالث: أن أقل مدته يوم وليلة. وهذا مذهب المالكية. لحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه. والراجح القول الأول. • ما هي مبطلات الاعتكاف؟ أولاً: الجماع. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه من جامع امرأته وهو معتكف عامداً لذلك في فرجها أنه يفسد اعتكافه. وقال ابن حجر: واتفقوا على فساده بالجماع. قال تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع. ثانياً: الخروج بجميع بدنه بلا عذر. فهذا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة. لحديث عائشة ﵂ قالت: (السنة للمعتكف أن لا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له). رواه أبو داود • هل يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في مسجد؟ نعم، يشترط أن يكون في مسجد. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد. وقال في المغني: لا نعلم فيه خلافاً. • اذكر الخلاف في ضابط المسجد الذي يصح في الاعتكاف؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة. لحديث حذيفة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة). رواه سعيد بن منصور القول الثاني: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).

стр. 1212

وجه الدلالة: أن الآية تعم كل مسجد، وخص منها ما تقام فيه الجماعة لأدلة وجوب الجماعة. قال ابن قدامة في المغني: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، وَاعْتِكَافُ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَإِمَّا خُرُوجُهُ إلَيْهَا، فَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثِيرًا مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ، إذْ هُوَ لُزُومُ الْمُعْتَكَفِ وَالْإِقَامَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيهِ. القول الثالث: أنه في كل مسجد سواء تقام فيه الجماعة أم لا. وهذا مذهب الشافعية. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). قالوا: وهذا عام يشمل كل المساجد ولا يقبل تخصيصها ببعض المساجد إلا بدليل. القول الرابع: أنه لا بد في مسجد جامع. وهذا اختيار الصنعاني. لقول عائشة (لا اعتكاف إلا في مسجد جامع) أخرجه ابن أبي شيبة. والراجح القول الأول وأنه يصح في كل مسجد جماعة. • ما الجواب عن حديث حذيفة (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)؟ أولاً: أنه لا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ . ثانياً: أنه لو كان ثابتاً مرفوعاً لاشتهر ذلك بين الصحابة، وقد خالفه جمع من الصحابة. قال علي بن أبي طالب: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. أخرجه ابن أبي شيبة. وقالت عائشة: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. أخرجه البيهقي. وقال ابن عباس: لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة. أخرجه البيهقي ثالثاً: أنه لو قيل: بموجب هذا الحديث لكان حملاً للآية على النادر، وهذا من معايب الاستدلال. رابعاً: على فرض ثبوته، فالمراد: لا اعتكاف كامل لما تقدم من أدلة الرأي الأول. • هل يشرع الاعتكاف للمرأة؟ نعم يشرع لها الاعتكاف كالرجل. لحديث الباب ( … ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ). • ما ضابط المسجد الذي يصح أن تعتكف فيه؟ وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه. لكن هذا القول ضعيف. والصحيح أنه يصح اعتكافها في كل مسجد، ولو لم تقم فيه الجماعة، سوى مسجد بيتها. وهذا مذهب الجمهور.

стр. 1213

قال ابن قدامة: أ- وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ فِيهَا، وَمَوْضِعُ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، وَإِنْ سُمِّيَ مَسْجِدًا كَانَ مَجَازًا، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْمَسَاجِدِ الْحَقِيقِيَّةِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا). ب-وَلِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَذِنَ لَهُنَّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِاعْتِكَافِهِنَّ، لَمَا أَذِنَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِهِ أَفْضَلَ لَدَلَّهُنَّ عَلَيْهِ، وَنَبَّهَهُنَّ عَلَيْهِ. ج-وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ قُرْبَةٌ يُشْتَرَطُ لَهَا الْمَسْجِدُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، فَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، كَالطَّوَافِ. • ما شروط اعتكاف المرأة؟ أولاً: إذن الزوج. ثانياً: إذا أمنت الفتنة. ثالثاً: أن تكون طاهرة. • أيهما أفضل في العشر الأواخر العمرة أم الاعتكاف؟ اعتكاف العشر الأواخر من رمضان آكد من العمرة في رمضان، والجمع بينهما أكمل، فإن كان لا بد لأحدهما دون الآخر، فالاعتكاف أفضل لوجوه: أولاً: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر ولم يعتمر. ثانياً: أن الاعتكاف يعتبر في بعض البلاد من السنن المهجورة، فكان إحياؤه أولى من العمرة في رمضان. ثالثاً: ولأن الاعتكاف في العشر يفوت وقته بخلاف العمرة. • ماذا نستفيد من قولها ( … واعتكف أزواجه من بعده)؟ نستفيد: أ- استمرار هذا الحكم وعدم نسخه. ب-استحباب الاستمرار على ما اعتاده الإنسان من فعل الخير وأنه لا يقطعه، وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو (يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه) متفق عليه.

стр. 1214

٦٩٩ - وَعَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى اَلْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (مُعْتَكَفَهُ) أي مكان اعتكافه. • متى يدخل المعتكِف معتكفَه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يدخل من بعد صلاة الصبح من يوم إحدى وعشـ ٢١ ـرين. قال ابن حجر: وهو قول الأوزاعي والليث والثوري. ومال إليه الصنعاني. لحديث الباب. قال الخطابي: وفيه من الفقه: أن المعتكف يبتداء اعتكافه من أول النهار، ويدخل في معتكفه بعد أن يصلي الفجر. وقال الصنعاني: فيه دليلٌ على أنّ أول وقت الاعتكاف بعد صلاة الفجر، وهو ظاهر في ذلك. القول الثاني: يدخل قبيل غروب الشمس من يوم العشرين (ليلة إحدى وعشـ ٢١ ـرين). ونسبه الحافظ ابن حجر إلى الأئمة الأربعة. قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: يدخل المعتكف معتكفه بأن يدخل المسجد الذي يريد الاعتكاف فيه إذا غابت الشمس من ليلة العشرين من رمضان، ويخرج إذا غابت الشمس من الليلة الأولى من شهر شوال … والعشر الأواخر من رمضان تدخل من ليلة إحدى وعشرين وليس من فجر إحدى وعشرين. وهذا القول هو الصحيح. ١ - أنه ثبت أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان. متفق عليه، وهذا يدل على أنه كان يعتكف الليالي لا الأيام، لأن العشر تمييز لليالي، قال الله تعالى (وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، والعشر الأواخر تبدأ من ليلة إحدى وعشرين. ٢ - قالوا: إن من أعظم ما يقصد من الاعتكاف التماس ليلة القدر، وليلة إحدى وعشرين من ليالي الوتر في العشر الأواخر فيحتمل أن تكون ليلة القدر، فينبغي أن يكون معتكفاً فيها. قال ابن تيمية: لأنه لا يكون معتكفًا جميع العشر إلا باعتكاف أول ليلة منه، لا سيما وهي إحدى الليالي التي يلتمس فيها ليلة القدر. • ما الجواب عن حديث الباب؟ الجواب من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ كان معتكفاً قبل غروب الشمس ولكنه لم يدخل المكان الخاص بالاعتكاف إلا بعد صلاة الفجر. قال النووي: (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِف صَلَّى الْفَجْر ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفه) اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُول: يَبْدَأ بِالاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّل النَّهَار، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْث فِي أَحَد قَوْلَيْهِ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد: يَدْخُل فِيهِ قَبْل غُرُوب الشَّمْس إِذَا أَرَادَ اِعْتِكَاف شَهْر أَوْ اِعْتِكَاف عَشْر، وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْمُعْتَكَف، وَانْقَطَعَ فِيهِ، وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْد صَلَاته الصُّبْح، لا أَنَّ ذَلِكَ وَقْت اِبْتِدَاء الاعْتِكَاف، بَلْ كَانَ مِنْ قَبْل الْمَغْرِب مُعْتَكِفًا لابِثًا فِي جُمْلَة الْمَسْجِد، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْح اِنْفَرَدَ.

стр. 1215

وقال ابن حجر: وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح. و سئل الشيخ ابن عثيمين: متى يبتدئ الاعتكاف؟ فأجاب: جمهور أهل العلم على أن ابتداء الاعتكاف من ليلة إحدى وعشرين لا من فجر إحدى وعشرين، وإن كان بعض العلماء ذهب إلى أن ابتداء الاعتكاف من فجر إحدى وعشرين مستدلاًّ بحديث عائشة ﵂ عند البخاري: (فلما صلى الصبح دخل معتكفه) لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأن الرسول ﵊ انفرد من الصباح عن الناس، وأما نية الاعتكاف فهي من أول الليل، لأن العشر الأواخر تبتدئ من غروب الشمس يوم عشرين. الجواب الثاني: أَجَابَ به الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَة بِحَمْلِ الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَفْعَل ذَلِكَ فِي يَوْم الْعِشْرِينَ. قال السندي: وَهَذَا الْجَوَاب هُوَ الَّذِي يُفِيدهُ النَّظَر، فَهُوَ أَوْلَى وَبِالاعْتِمَادِ أَحْرَى. • متى يخرج المعتكف من معتكفه؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يستحب أن يكون خروجه من معتكفه عند خروجه إلى صلاة العيد. لكي يصل عبادة بعبادة. وقيل: يخرج إذا غربت الشمس ليلة العيد. وهذا القول هو الصحيح، لأن العشر الأواخر تنتهي بانتهاء الشهر، والشهر ينتهي بغروب الشمس من ليلة العيد. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - مشروعية الاعتكاف. - وفيه أن المعتكف يتخذ لنفسه مكاناً خاصاً وذلك ليخلو بربه بشرط أن لا يضيق على المصلين. - أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد.

стр. 1216

٧٠٠ - وَعَنْهَا قَالَتْ: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ -وَهُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ- فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ اَلْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. === (فَأُرَجِّلُهُ) أمشط شعر رأسه وأسويه وأزينه. (إِلَّا لِحَاجَةٍ) فسرها الزهري بالبول والغائط. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحاً في صحة الاعتكاف. • اذكر أقسام خروح المعتكف من المسجد؟ أولاً: خروج بعض جسد المعتكف. فهذا لا يبطل الاعتكاف بالاتفاق. لحديث الباب. ثانياً: الخروج لما لا بد منه كالغائط والبول. (خروجه للوضوء إذا لم يكن فعله في المسجد). قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن للمعتكف أن يخرج عن معتكفه للغائط أو البول. لحديث الباب (إلا لحاجة الإنسان) أي البول أو الغائط. قال الشوكاني: وقد وقع الإجماع على استثنائهما. ثالثاً: الخروج بجميع بدنه بلا عذر. (كالبيع والشراء). فهذا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة. لحديث الباب (وكان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفاً). رابعاً: الخروج للأكل والشرب. ليس له ذلك إلا إذا لم يكن هناك من يأتيه به، وهذا مذهب الجمهور. خامساً: الخروج لصلاة الجمعة. إذا تخلل الاعتكاف جمعة في مسجد غير جامع وجب على المعتكف الخروج إلى صلاة الجمعة إذا كان من أهلها. سادساً: الخروج لقربة من القرب: كعيادة مريض، وصلاة جنازة، له الخروج إذا اشترط. • إذا تخلل الاعتكاف جمعة وجب عليه الخروج إليها، لكن هل يبطل اعتكافه؟ قيل: لا يبطل اعتكافه. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة وبه قال ابن حزم. أ-واستدلوا بالأدلة الدالة على مشروعية الاعتكاف في مسجد الجماعة. وجه الدلالة: أن الشارع أذن بالاعتكاف في مسجد الجماعة مع إيجاب صلاة الجمعة، فدل ذلك على إذنه للخروج لصلاة الجمعة، وما ترتب على المأذون غير مضمون.

стр. 1217

ب- أدلة وجوب صلاة الجمعة كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ). وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على عدم بطلان الاعتكاف بالخروج إلى صلاة الجمعة، لأن إيجاب الشارع لها يقتضي استثناءها من عدم البطلان بالخروج. وقيل: يبطل اعتكافه. وهذا مذهب المالكية والشافعية. قالوا: بأنه يمكنه الاحتراز من الخروج بأن يعتكف في مسجد جامع. والراجح القول الأول، وهو عدم البطلان. (فقه الاعتكاف للمشيقح). • ما حكم مباشرة الزوجة حال الاعتكاف؟ إذا باشر المعتكف زوجته لا يخلو من حالين: الحال الأولى: إن كان لغير شهوة فلا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة الأربعة. لحديث الباب. والحال الثانية: وإن كانت المباشرة لشهوة حرم ذلك عليه باتفاق العلماء. أ-لحديث الباب (وَكَانَ لَا يَدْخُلُ اَلْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ). ب- ولمنافاته حال الاعتكاف. • وهل يبطل اعتكافه؟ قولان للعلماء: جماهير العلماء أنه لا يبطل اعتكافه إلا بالإنزال، إبقاء على الأصل، وهو صحة الاعتكاف، ولم يرد ما يدل على بطلانه. وأما الآية (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فالمراد بالمباشرة هنا الجماع في قول جمهور المفسرين، وهو اختيار ابن جرير. (فقه الاعتكاف للمشيقح). • هل يجوز للمعتكف أن يحادث أهله وأن يزوروه؟ نعم، يجوز له محادثة أهله، وذلك ليقضوا حوائجه، ويفعلوا مصالحه، أو غير ذلك من المصالح العامة والخاصة. وكذلك يجوز للإنسان المعتكف أن يزوره أهله. لحديث صفية بنت حيي قالت (كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته لأزوره ليلاً، فحدثته ثم هممت لأنقلب فقام معي ليقلبني … ). متفق عليه (لأنقلب) أي ترجع إلى بيتها. (ليقلبني) أي يردها إلى منزلها. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - الاهتمام بشعر الرأس. - أن النبي ﷺ كان يتخذ الشعر. - خدمة المرأة لزوجها. - جواز تنظيف المعتكف رأسه وبدنه وثيابه.

стр. 1218

٧٠١ - وَعَنْهَا قَالَتْ: (اَلسُّنَّةُ عَلَى اَلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ، إِلَّا أَنَّ اَلرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ. ٧٠٢ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَيْسَ عَلَى اَلْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا. === (وَلَا يُبَاشِرَهَا) المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر اللمس قبلها. • ما صحة أحاديث الباب؟ - قول عائشة انفرد بإخراجه أبو داود في سننه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وقد اختلف العلماء فيه، وقد رجح بعض الحفاظ أن المحفوظ أنه من قول عروة بن الزبير. - حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني من طريق عبد الله بن محمد الرَّمْلِي قال حدثنا محمد بن يحيي بن أبي عمر قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي عن أبي سُهَيْل عن مالك بن أنس عن طاووس عن ابن عباس به مرفوعاً. وقد اختلف في هذا الحديث في رفعه ووقفه، ورجح الدارقطني الوقف، وأن الذي رفعه عبد الله بن محمد الرملي وغيره لا يرفعه، ورجح البيهقي أيضاً وقفه. • هل يجوز للمعتكف أن يعود مريضاً، ويشهد جنازة؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أنه ليس له الخروج إلا بالشرط. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة. أ- لحديث الباب ( … لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً). ب-ولقولها (كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه) رواه مسلم. والدليل على جوازه إذا اشترط: عموم قوله ﷺ (المسلمون على شروطهم). ولحديث ضباعة بنت الزبير، وفيه قال لها النبي ﷺ (حجي واشترطي) متفق عليه. وجه الدلالة: أنه إذا كان الشرط يؤثر في الإحرام، وهو ألزم العبادات بالشروع فيه، فالاعتكاف من باب أولى. القول الثاني: أن له الخروج بلا شرط. والراجح القول الأول. • ما معنى قولها (ولا يمس امرأة ولا يباشرها)؟ المراد بالمباشرة هنا الجماع، بقرينة ذكر المس قبلها. ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.

стр. 1219

• هل يشترط لصحة الاعتكاف الصوم؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يشترط للاعتكاف صوم. وهذا قول أبي حنيفة ومالك، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم. قال ابن القيم: القول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية. أ- لقوله تعالى ( … ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). وجه الاستدلال: أنّ الله تعالى ذكر الاعتكاف إثر الصوم فوجب أن لا يكون الاعتكاف إلا بصوم. ب- لحديث الباب - قول عائشة - (من السنة … ولا اعتكاف إلا بصوم). ج-ما روته عائشة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا بصوم) رواه الدارقطني. القول الثاني: لا يشترط الصوم للاعتكاف. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. أ-أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال. فعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاِعْتِكَافَ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ «آلْبِرَّ تُرِدْنَ». فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ فِى شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِى الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ) رواه مسلم. قال البغوي: وفي اعتكافه في أوَّل شوال دليلٌ على أنّ الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف؛ لأنّ يوم العيد غير قابل للصوم. ب-ولحديث ابن عمر: (أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك). متفق عليه، والليل ليس محلاً للصوم، ولو كان الصوم شرطاً لما صح اعتكاف الليل؛ لأنه لا صيام فيه. قال الخطابي: وفيه دليل على أنّ الاعتكاف جائز بغير صوم؛ لأنه كان نذرَ اعتكافَ ليلة، والليل ليس بمحل للصوم. وهذا الحديث أيضًا قد بوّب له ابن خزيمة بقوله: باب الخبر الدال على إجازة الاعتكاف بلا مقارنة للصوم، إذ النبي ﷺ قد أمر باعتكاف ليلة، ولا صوم في الليل. ج- حديث الباب - ابن عَبَّاسٍ - أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَيْسَ عَلَى اَلْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ) وتقدم أنه ضعيف. د-ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يشترط له الصيام كالصلاة، ولأنه عبادة تصح في الليل، فأشبه سائر العبادات. هـ-ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص، ولا إجماع، فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف. قال الشوكاني: استدل به على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن الليل ليس بوقت صوم. وهذا القول هو الراجح.

стр. 1220

• ما الجواب عن أدلة القول الأول؟ أما قوله تعالى ( … ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). فليس فيها ما يدلُّ على تلازمهما وإلا لكان لا صوم إلا باعتكاف، ولا قائل به. وأما قول عائشة - (من السنة … ولا اعتكاف إلا بصوم). قال البيهقي: قد ذهب كثيرٌ من الحفاظ إلى أنّ هذا الكلام من قول من دون عائشة، وأنّ من أدرجه في الحديث وهم فيه. وقال أيضًا: قد أخرج البخاري ومسلم صدر هذا الحديث في الصحيح إلى قوله: «والسنة في المعتكف أن لا يخرج»، ولم يُخرجا الباقي؛ لاختلاف الحفاظ فيه: منهم من زعم أنه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنه من قول الزهري، ويشبه أن يكون من قول مَنْ دون عائشة. وقال ابن عبد البر: لم يَقل أحدٌ في حديث عائشة هذا «السنة» إلا عبد الرحمن بن إسحاق، ولا يصح الكلام عندهم إلا من قول الزهري، وبعضه من كلام عروة. وأما ما روته عائشة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا بصوم) رواه الدارقطني. فهذا ضعيف لا يصح. فيه سويْد بن عبد العزيز، قال ابن حجر: ضعيف جداً. وأيضاً قد رواه غير واحد عن الزهري موقوفاً على عائشة. قال البيهقي: رفعُه وهم، والصحيح موقوف. أما حديث وأما قول عائشة (لا اعتكاف إلا بصوم)، فلا يصح مرفوعاً، وعلى فرض صحته فالمعنى أنه لا اعتكاف كامل إلا بصوم. قال النووي: لو ثبت لوجب حمله على الاعتكاف الأكمل، جمعًا بين الأحاديث. وقال ابن قدامة: ولو صحَّ فالمراد به الاستحباب، فإنّ الصوم فيه أفضل. • هل يشترط للاعتكاف أن يكون في مسجد؟ نعم. قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد. وقال في المغني: لا نعلم فيه خلافاً. لكن اختلفوا ما هو ضابط المسجد: القول الأول: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة. لحديث حذيفة مرفوعاً: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة). رواه سعيد بن منصور القول الثاني: يصح في كل مسجد سواء أقيمت فيه الجماعة أم لا. القول الثالث: لا يصح إلا في مسجد جماعة. قال شيخ الإسلام: وهو قول عامة التابعين، ولم ينقل عن صحابي خلافه، إلا قول من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة أو مسجد جماعة، وهذا القول هو الصحيح".

стр. 1221

ولأن اعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة - وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيراً. وأما الجواب عن حديث حذيفة: أنه حديث لا يصح، وعلى فرض صحته فهو محمول على الاعتكاف الأكمل. - أن المرأة يشرع لها الاعتكاف كالرجل، ويصح اعتكافها في كل مسجد، ولو لم تقم فيه الجماعة، سوى مسجد بيتها، وهذا مذهب الجمهور. لعموم قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد). - ولحديث عائشة وفيه: (استئذان أزواجه ﷺ أن يعتكفن في المسجد فأذن لهن). متفق عليه وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه. وهذا قول ضعيف، لأن موضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن الاعتكاف لا يجب على الإنسان إلا إذا نذره على نفسه لقوله ﷺ : (من نذر أن يطع الله فليطعه). - وفيه دليل على أن المسجد شرط للاعتكاف. [وسبقت المسألة]

стр. 1222

٧٠٣ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ اَلنَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ اَلْقَدْرِ فِي اَلْمَنَامِ، فِي اَلسَّبْعِ اَلْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي اَلسَّبْعِ اَلْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي اَلسَّبْعِ اَلْأَوَاخِرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٧٠٤ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. وَقَدْ اِخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتُهَا فِي " فَتْحِ اَلْبَارِي. === (أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء. (أُرُوا) بضم أوله، أي: قيل لهم في المنام إنها في السبع الأواخر، والظاهر أن المراد أواخر الشهر. (لَيْلَةَ اَلْقَدْرِ فِي اَلْمَنَامِ) أي: قيل لهم في المنام، إنها في السبع الأواخر. (أَرَى رُؤْيَاكُمْ) قال عياض: كذا جاء بإفراد الرؤيا، والمراد: مرائيكم، لأنها لم تكن رؤيا واحدة، وإنما أراد الجنس. (تواطأت) أي توافقت. (فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا) أي: طالباً لليلة القدر. • اذكر بعض فضائل ليلة القدر؟ أولاً: قيامها سبب لمغفرة الذنوب. قال ﷺ (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. ثانياً: أنزل فيها القرآن. قال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر). ثالثاً: أنها مباركة. قال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة). رابعاً: نزول الملائكة والروح فيها. قال تعالى (تنزل الملائكة والروح فيها). قال ابن كثير: أي: يكثر تنزّل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزّل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحِلَقِ الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدقٍ تعظيماً له. خامساً: أنها سلام إلى مطلع الفجر. قال تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر). عن مجاهد في قوله (سَلَامٌ هي) قال: سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً أو يعمل فيها أذى. قال ابن الجوزي: … وفي معنى السلام قولان: أحدهما: أنه لا يحدث فيها داء ولا يُرسَل فيها شيطان، قاله مجاهد. والثاني: أن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة.

стр. 1223

• ما سبب تسميتها بليلة القدر؟ فقيل: لأن الله يقدر فيها الأرزاق والآجال وحوادث العام، كما قال تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم). وعزاه النووي للعلماء حيث صدر كلامه فقال: قال العلماء: سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار. وقيل: سميت بذلك لأنها ليلة عظيمة وذات شرف، من قولهم لفلان قدر عند فلان، أي: منزلة وشرف، ويدل لذلك قوله تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر). وقيل: سميت بذلك لأنها تكسب من أحياها قدراً عظيماً، ويدل لذلك قوله ﷺ (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). • اذكر خلاف العلماء في تحديد ليلة القدر؟ اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر على أقوال كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ويمكن تقسيم هذه الأقوال إلى: هناك أقوال مرفوضة. كالقول بإنكارها من أصلها أو رفعها. هناك أقوال ضعيفة. كالقول بأنها ليلة النصف من شعبان. هناك أقوال مرجوحة. كالقول بأنها في رمضان في غير العشر الأخيرة منه. القول الراجح. أنها في العشر الأواخر من رمضان، وآكدها أوتارها. قال ابن حجر: وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين. الدليل على أن أوتار العشر آكد: حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان). رواه البخاري ومسلم وفي رواية: (في الوتر من العشر الأواخر). ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوتر منها). رواه مسلم وآكد هذه الأوتار ليلة سبع وعشرين، الأدلة: كان عمر بن الخطاب ﵁[المحدث الملهم] وحذيفة بن اليمان [صاحب السر] لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين. ما رواه مسلم عن أبي بن كعب أنه كان يقول: (والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان ـ يحلف ما يستثني ـ ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين). قال ابن رجب: ومما استدل به من رجح أنها ليلة سبع وعشرين الآيات والعلامات التي رؤيت فيها قديماً وحديثاً. • ما الحكمة من إخفائها؟ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر، ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها لاقتصر عليها.

стр. 1224

• اذكر سبب رفع علمها؟ جاء في حديث عبادة (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ «إِنِّى خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ الْتَمِسُوهَا فِى السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْس) رواه البخاري. فهذا يفيد أنها رفعت بسبب المخاصمة. وجاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال (أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَيْقَظَنِى بَعْضُ أَهْلِى فَنُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ). والجمع: إما أنه يحمل على التعدد، أو يكون المعنى: أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي الرجلين فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما. قوله (فرفعت) قال ابن كثير: أي رفع علم تعيينها لكم، لا أنها رفعت بالكلية من الوجود، لأنه قال بعد هذا: فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. وقوله (وعسى أن يكون خيراً) أي وإن كان عدم الرفع أزيد خيراً وأولى منه، لأنه متحقق فيه، لكن في الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد الثواب، لكونه سبباً لزيادة الاجتهاد في التماسها. وقال ابن كثير: وعسى أن يكون خيراً: يعني عدم تعيينها لكم، فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محالِّ رجائها فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط. وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر ولهذا كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده. [تفسير ابن كثير. ٤/ ٥٣٤] قال القاضي عياض: فيه أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان. - وفيه أن المكان الذي يحضره الشيطان ترفع منه البركة والخير. • اذكر بعض علامات ليلة القدر؟ جاء في صحيح مسلم عن أبي بن كعب (أن النبي ﷺ أخبر من أماراتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها). ما جاء في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (ليلة القدر ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة). رواه ابن خزيمة وذكر بعض العلماء علامات أخرى: زيادة النور في تلك الليلة، طمأنينة القلب وانشراح الصدر من المؤمن • اذكر بعض العلامات التي لا أصل لها؟ قال الحافظ: وذكر الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها وأن كل شيء يسجد فيها. ذكر بعضهم أن المياه المالحة تصبح في ليلة القدر حلوة، وهذا لا يصح. وذكر بعضهم أن الكلاب لا تنبح فيها ولا ترى نجومها، وهذا لا يصح. • هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وإن لم يظهر له شيء، أو يتوقف ذلك على كشفها؟ ذهب إلى الأول الطبري وابن العربي وجماعة. وإلى الثاني ذهب الأكثر، ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ (من يقم ليلة القدر فيوافقها). وفي حديث عبادة بن الصامت عند أحمد (من قامها إيماناً واحتساباً ثم وفقت له). قال النووي: معنى يوافقها: أي يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها.

стр. 1225

• ماذا يسن لمن علمها أن يقول؟ يسن أن يقول لمن علمها: ما جاء عن عائشة ﵂ قالت (قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). رواه الترمذي • ماذا يسن لمن رأى ليلة القدر؟ قال النووي في المجموع: ويسن لمن رآها كتمها. وقال في شرح مسلم: وَاعْلَمْ أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر مَوْجُودَة كَمَا سَبَقَ بَيَانه فِي أَوَّل الْبَاب، فَإِنَّهَا تُرَى، وَيَتَحَقَّقهَا مَنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِنْ بَنِي آدَم كُلّ سَنَة فِي رَمَضَان كَمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأَحَادِيث السَّابِقَة فِي الْبَاب، وَإِخْبَار الصَّالِحِينَ بِهَا وَرُؤْيَتهمْ لَهَا أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَر، وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي عِيَاض: عَنْ الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة لا يُمْكِن رُؤْيَتهَا حَقِيقَة، فَغَلَط فَاحِش، نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلا يُغْتَرّ بِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. وقال شيخ الإسلام: وَقَدْ يَكْشِفُهَا اللَّهُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي الْمَنَامِ أَوْ الْيَقَظَةِ. فَيَرَى أَنْوَارَهَا أَوْ يَرَى مَنْ يَقُولُ لَهُ هَذِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَقَدْ يُفْتَحُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الأَمْرُ. فوائد: - روى عبد الرزاق في مصنفه أن التابعي الجليل مكحول الدمشقي كان يرى ليلة القدر ثلاث وعشرين. - قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة أبو زيد الأنصاري: يقال أنه كان يرى ليلة القدر. - قال النووي في المجموع: ليلة القدر مختصة في هذه الأمة زادها الله شرفاً لم تكن لمن كان قبلنا. - وقال أيضاً ﵀: إنه الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم وجماهير العلماء. وقيل: بل كانت موجودة في الأمم الماضية. لحديث أبي ذر أنه قال: (يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر في رمضان أو في غيره؟ فقال: بل هي في رمضان، قال: قلت: يا رسول الله، تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبض الأنبياء رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: لا بل هي إلى يوم القيامة). رواه النسائي

стр. 1226

٧٠٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: " قُولِي: اَللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ اَلْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ. === • ماذا نستفيد من حديث الباب؟ نستفيد: استحباب قول هذا الدعاء عند إدراك ليلة القدر. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - فيه علو الهمة عند الصحابة. - حرص عائشة على أفضل الدعاء في تلك الليلة التي علمت أن الدعاء مستجاب فيها. فعائشة تحفظ الكثير من الأدعية، لكنها تريد دعاء جامعاً لخيري الدنيا والآخرة. - إثبات صفة العفو لله ، ومعناه، قال الطبري: إن الله لم يزل عفواً عن ذنوب عباده، وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به. - إثبات صفة المحبة لله إثباتاً يليق بجلاله. - الحديث رد على من زعم بأن ليلة القدر قد رفعت، إذ لو كانت ليلة القدر قد رفعت لقال ﷺ لعائشة: لا حاجة إلى معرفة هذا، فإن ليلة القدر قد رفعت. - زيادة لفظ [كريم] اللهم إنك عفو كريم لا تثبت في هذا الحديث.

стр. 1227

٧٠٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (لَا تُشَدُّ) تشد بضم الدال. (اَلرِّحَالُ) جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وشده كناية عن السفر، لأنه لازمه غالباً. (اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ) أي: المحرم. (وَمَسْجِدِي هَذَا) أي: المسجد النبوي. (وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى) سمي بذلك لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقال الزمخشري: سمي أقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد. • ماذا نستفيد من هذا الحديث؟ نستفيد: استحباب شد الرحال والسفر لقصد هذه المساجد الثلاثة: المسجد الحرام - والمسجد النبوي - والمسجد الأقصى. • اذكر بعض مميزات هذه المساجد؟ أولاً: استحباب شد الرحال والسفر إليها للعبادة فيها، وبالنسبة للمسجد الحرام فالسفر له واجب وغيره مستحب. قال ابن القيم: وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيه غيرها. ثانياً: أن هذه المساجد أفضل البقاع. ثالثاً: مضاعفة الصلاة فيها. فالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والمسجد النبوي بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وقيل: بمائتين وخمسين صلاة. رابعاً: أن هذه المساجد بناها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالكعبة المشرفة بناها إبراهيم وإسماعيل. والمسجد الأقصى بناه يعقوب. ومسجد المدينة بناه النبي محمد ﷺ . ولكل مسجد فضائل خاصة نذكرها إن شاء الله في موضعها. • ما حكم السفر لزيارة القبور؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يجوز. ذهب طائفة من المتأخرين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك. استدل هؤلاء بأدلة فضل زيارة القبور، ولم يفرقوا بين زيارة القبور مع السفر إليها وبين الزيارة بدون سفر، بل أطلقوا دلالة الأحاديث على الاستحباب. ب- واستدلوا بحديث ابن عمر قال (كان النبي ﷺ يأتي قباء راكباً وماشياً). أورد هذا الحديث ابن قدامة، ولعل وجه الدلالة منه: جواز زيارة المواضع الفاضلة من المساجد وغيرها كالقبور والمشاهد، وعدم حصر ذلك في المساجد الثلاثة.

стр. 1228

ج- استدلوا بأحاديث تدل على استحباب السفر لأجل زيارة القبور، وأكثر ما ذكروه من الأحاديث هي في زيارة قبر النبي ﷺ : كحديث (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي). وحديث (من زارني بعد مماتي كنت له شفيعاً يوم القيامة). وحديث (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني). وغيرها من الأحاديث، وكلها ضعيفة واهية لا تصح. القول الثاني: أن السفر لزيارة القبور غير مشروع، بل هو حرام ولا يجوز. وهذا قول مالك وأكثر أصحابه، واختار هذا القول ابن تيمية، وابن القيم. أ- واستدلوا بحديث الباب، ففيه النهي عن السفر لغير المساجد الثلاثة. وهذا عام يشمل كل شيء من المساجد والمشاهد لمن زارها تعبداً وتقرباً ما عدا المساجد الثلاثة المذكورة بالحديث. ب- ولأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين لم يكن موجوداً في الإسلام وقت القرون الثلاثة _ قرن الصحابة والتابعين وأتباعهم _ التي أثنى عليه رسول الله ﷺ ، ولو كان هذا السفر جائزاً فلا بد أن يقع من أحدهم، ولم يحدث هذا السفر إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة. ج-أن شد الرحال إلى مقابر الأنبياء والصالحين يؤدي إلى اتخاذها أعياداً واجتماعات عظيمة، كما هو مشاهد، (ولا فرق بين شد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ أو إلى غيره). وهذا القول هو الصحيح. • اذكر أحوال زيارة قبر الرسول ﷺ -: أولاً: تستحب زيارة قبره ﷺ لمن بالمدينة. ثانياً: تستحب زيارة قبره لمن زار مسجده. ثالثاً: السفر وشد الرحل لقصد زيارة القبر فقط دون المسجد، وهذه وقع فيها خلاف بين العلماء والصحيح أنه لا يجوز وغير مشروع ورجحه ابن تيمية. كِتَابُ اَلْحَجِّ بَابُ فَضْلِهِ وَبَيَانِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ مقدمة: تعريف الحج لغة: القصد، يقال: حج كذا بمعنى قصد. وشرعاً: التعبد لله بأداء المناسك على صفة مخصوصة في وقت مخصوص. • العمرة لغة: الزيارة. وشرعاً: التعبد لله بالطواف والسعي والحلق أو التقصير. • حكم الحج. واجب بالكتاب والسنة والإجماع، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة. قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً). وقال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: … وذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلاً). والإجماع، قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة.

стр. 1229

• واختلف العلماء في فرض الحج: فقيل: قبل الهجرة. قال في الفتح: هو شاذ. وقيل: بعدها، واختلف في أي سنة: فالجمهور أنه فرض في السنة السادسة لأنه نزل فيه قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله). ورجح هذا القول الحافظ ابن حجر. وقيل سنة تسع، ورجحه ابن القيم وقال: فإن فرض الحج تأخر سنة تسع أو عشر، وأما قوله تعالى: (وأتموا … ) فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فرض الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقضي وجوب الابتداء. وهذا القول هو الراجح. فإن قيل: لماذا لم يحج النبي ﷺ في السنة التاسعة؟ فالجواب: أ-لكثرة الوفود في تلك السنة، ولهذا تسمى السنة التاسعة سنة الوفود. ب-ولأن في السنة التاسعة كان من المتوقع أن يحج المشركون. ج-وقال بعض العلماء: إن النبي ﷺ أخر ذلك لبيان أن إمامة المسلمين في غيبته لأبي بكر ﵁، فكما كان إماماً لهم في الصلاة يكون إماماً لهم أيضاً في الحج. د-ذكر بعضهم قال: كون النبي ﷺ يؤخر الحج يدل على أن الحج ليس بواجب على الفور، ولكن هذا القول ضعيف. • ما حكم تارك الحج تهاوناً وكسلاً؟ اختلف العلماء فيمن ترك الحج تهاوناً وكسلاً هل يكفر أم لا على قولين: القول الأول: أنه يكفر. وهذا مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير وهو أحد القولين عن ابن عباس. أ- واستدلوا بقوله تعالى ( .. ومن كفر .. ) والكفر هنا الكفر الأكبر. ب- وبحديث علي. قال: قال ﷺ (من ملك زاداً وراحلة فلم يحج، مات يهودياً أو نصرانياً) رواه الترمذي وهو ضعيف. القول الثاني: أنه لا يكفر. وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح.

стр. 1230

• ما الجواب عن قوله تعالى (ومن كفر … )؟ قال الشنقيطي: الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَوْجُهٌ لِلْعُلَمَاءِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ، أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ (لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَال). الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ. • ما حكم من حج بمال حرام؟ الذي عليه جمهور أهل العلم أن من حج بمال حرام سقط عنه وجوب الحج مع ارتكابه لإثم تناول ذلك المال الحرام. قال النووي في المجموع: إذا حج بمال حرام أو راكباً دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه عندنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وبه قال أكثر الفقهاء. وفي الموسوعة الفقهية (١٧/ ١٣١): فَإِنْ حَجَّ بِمَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ بِمَالٍ مَغْصُوبٍ صَحَّ حَجُّهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، لَكِنَّهُ عَاصٍ وَلَيْسَ حَجًّا مَبْرُورًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵏ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا يُجْزِيهِ الْحَجُّ بِمَالٍ حَرَامٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَصِحُّ مَعَ الْحُرْمَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ ﷺ : ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمُشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ أ. هـ. وقال الشيخ ابن باز: الحج صحيح إذا أداه كما شرعه الله، ولكنه يأثم لتعاطيه الكسب الحرام، وعليه التوبة إلى الله من ذلك ويعتبر حجه ناقصاً بسبب تعاطيه الكسب الحرام، لكنه يسقط عنه الفرض أ. هـ. فتاوى ابن باز (١٦/ ٣٨٧). وفي فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٤٣) كون الحج من مال حرام لا يمنع من صحة الحج، مع الإثم بالنسبة لكسب الحرام، وأنه ينقص أجر الحج، ولا يبطله. ا. هـ (موقع الإسلام سؤال وجواب). قال ابن القيم: ولا خلاف أنه ﷺ لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر.
следующие страницы →