Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
٧٠٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: " قُولِي: اَللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ اَلْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
===
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
نستفيد: استحباب قول هذا الدعاء عند إدراك ليلة القدر.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فيه علو الهمة عند الصحابة.
- حرص عائشة على أفضل الدعاء في تلك الليلة التي علمت أن الدعاء مستجاب فيها.
فعائشة تحفظ الكثير من الأدعية، لكنها تريد دعاء جامعاً لخيري الدنيا والآخرة.
- إثبات صفة العفو لله ، ومعناه، قال الطبري: إن الله لم يزل عفواً عن ذنوب عباده، وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به.
- إثبات صفة المحبة لله إثباتاً يليق بجلاله.
- الحديث رد على من زعم بأن ليلة القدر قد رفعت، إذ لو كانت ليلة القدر قد رفعت لقال ﷺ لعائشة: لا حاجة إلى معرفة هذا، فإن ليلة القدر قد رفعت.
- زيادة لفظ [كريم] اللهم إنك عفو كريم لا تثبت في هذا الحديث.
стр. 1227
٧٠٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَا تُشَدُّ) تشد بضم الدال.
(اَلرِّحَالُ) جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وشده كناية عن السفر، لأنه لازمه غالباً.
(اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ) أي: المحرم.
(وَمَسْجِدِي هَذَا) أي: المسجد النبوي.
(وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى) سمي بذلك لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقال الزمخشري: سمي أقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد.
• ماذا نستفيد من هذا الحديث؟
نستفيد: استحباب شد الرحال والسفر لقصد هذه المساجد الثلاثة: المسجد الحرام - والمسجد النبوي - والمسجد الأقصى.
• اذكر بعض مميزات هذه المساجد؟
أولاً: استحباب شد الرحال والسفر إليها للعبادة فيها، وبالنسبة للمسجد الحرام فالسفر له واجب وغيره مستحب.
قال ابن القيم: وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيه غيرها.
ثانياً: أن هذه المساجد أفضل البقاع.
ثالثاً: مضاعفة الصلاة فيها.
فالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والمسجد النبوي بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وقيل: بمائتين وخمسين صلاة.
رابعاً: أن هذه المساجد بناها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فالكعبة المشرفة بناها إبراهيم وإسماعيل.
والمسجد الأقصى بناه يعقوب.
ومسجد المدينة بناه النبي محمد ﷺ .
ولكل مسجد فضائل خاصة نذكرها إن شاء الله في موضعها.
• ما حكم السفر لزيارة القبور؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز.
ذهب طائفة من المتأخرين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك.
استدل هؤلاء بأدلة فضل زيارة القبور، ولم يفرقوا بين زيارة القبور مع السفر إليها وبين الزيارة بدون سفر، بل أطلقوا دلالة الأحاديث على الاستحباب.
ب- واستدلوا بحديث ابن عمر قال (كان النبي ﷺ يأتي قباء راكباً وماشياً).
أورد هذا الحديث ابن قدامة، ولعل وجه الدلالة منه: جواز زيارة المواضع الفاضلة من المساجد وغيرها كالقبور والمشاهد، وعدم حصر ذلك في المساجد الثلاثة.
стр. 1228
ج- استدلوا بأحاديث تدل على استحباب السفر لأجل زيارة القبور، وأكثر ما ذكروه من الأحاديث هي في زيارة قبر النبي ﷺ :
كحديث (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي).
وحديث (من زارني بعد مماتي كنت له شفيعاً يوم القيامة).
وحديث (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني).
وغيرها من الأحاديث، وكلها ضعيفة واهية لا تصح.
القول الثاني: أن السفر لزيارة القبور غير مشروع، بل هو حرام ولا يجوز.
وهذا قول مالك وأكثر أصحابه، واختار هذا القول ابن تيمية، وابن القيم.
أ- واستدلوا بحديث الباب، ففيه النهي عن السفر لغير المساجد الثلاثة.
وهذا عام يشمل كل شيء من المساجد والمشاهد لمن زارها تعبداً وتقرباً ما عدا المساجد الثلاثة المذكورة بالحديث.
ب- ولأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين لم يكن موجوداً في الإسلام وقت القرون الثلاثة _ قرن الصحابة والتابعين وأتباعهم _ التي أثنى عليه رسول الله ﷺ ، ولو كان هذا السفر جائزاً فلا بد أن يقع من أحدهم، ولم يحدث هذا السفر إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة.
ج-أن شد الرحال إلى مقابر الأنبياء والصالحين يؤدي إلى اتخاذها أعياداً واجتماعات عظيمة، كما هو مشاهد، (ولا فرق بين شد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ أو إلى غيره).
وهذا القول هو الصحيح.
• اذكر أحوال زيارة قبر الرسول ﷺ -:
أولاً: تستحب زيارة قبره ﷺ لمن بالمدينة.
ثانياً: تستحب زيارة قبره لمن زار مسجده.
ثالثاً: السفر وشد الرحل لقصد زيارة القبر فقط دون المسجد، وهذه وقع فيها خلاف بين العلماء والصحيح أنه لا يجوز وغير مشروع ورجحه ابن تيمية.
كِتَابُ اَلْحَجِّ
بَابُ فَضْلِهِ وَبَيَانِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ
مقدمة:
تعريف الحج لغة: القصد، يقال: حج كذا بمعنى قصد.
وشرعاً: التعبد لله بأداء المناسك على صفة مخصوصة في وقت مخصوص.
• العمرة لغة: الزيارة.
وشرعاً: التعبد لله بالطواف والسعي والحلق أو التقصير.
• حكم الحج.
واجب بالكتاب والسنة والإجماع، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة.
قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً).
وقال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: … وذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلاً).
والإجماع، قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة.
стр. 1229
• واختلف العلماء في فرض الحج:
فقيل: قبل الهجرة.
قال في الفتح: هو شاذ.
وقيل: بعدها، واختلف في أي سنة:
فالجمهور أنه فرض في السنة السادسة لأنه نزل فيه قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله).
ورجح هذا القول الحافظ ابن حجر.
وقيل سنة تسع، ورجحه ابن القيم وقال:
فإن فرض الحج تأخر سنة تسع أو عشر، وأما قوله تعالى: (وأتموا … ) فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فرض الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقضي وجوب الابتداء.
وهذا القول هو الراجح.
فإن قيل: لماذا لم يحج النبي ﷺ في السنة التاسعة؟
فالجواب:
أ-لكثرة الوفود في تلك السنة، ولهذا تسمى السنة التاسعة سنة الوفود.
ب-ولأن في السنة التاسعة كان من المتوقع أن يحج المشركون.
ج-وقال بعض العلماء: إن النبي ﷺ أخر ذلك لبيان أن إمامة المسلمين في غيبته لأبي بكر ﵁، فكما كان إماماً لهم في الصلاة يكون إماماً لهم أيضاً في الحج.
د-ذكر بعضهم قال: كون النبي ﷺ يؤخر الحج يدل على أن الحج ليس بواجب على الفور، ولكن هذا القول ضعيف.
• ما حكم تارك الحج تهاوناً وكسلاً؟
اختلف العلماء فيمن ترك الحج تهاوناً وكسلاً هل يكفر أم لا على قولين:
القول الأول: أنه يكفر.
وهذا مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير وهو أحد القولين عن ابن عباس.
أ- واستدلوا بقوله تعالى ( .. ومن كفر .. ) والكفر هنا الكفر الأكبر.
ب- وبحديث علي. قال: قال ﷺ (من ملك زاداً وراحلة فلم يحج، مات يهودياً أو نصرانياً) رواه الترمذي وهو ضعيف.
القول الثاني: أنه لا يكفر.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح.
стр. 1230
• ما الجواب عن قوله تعالى (ومن كفر … )؟
قال الشنقيطي: الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَوْجُهٌ لِلْعُلَمَاءِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ، أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ (لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَال).
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ.
• ما حكم من حج بمال حرام؟
الذي عليه جمهور أهل العلم أن من حج بمال حرام سقط عنه وجوب الحج مع ارتكابه لإثم تناول ذلك المال الحرام.
قال النووي في المجموع: إذا حج بمال حرام أو راكباً دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه عندنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وبه قال أكثر الفقهاء.
وفي الموسوعة الفقهية (١٧/ ١٣١): فَإِنْ حَجَّ بِمَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ بِمَالٍ مَغْصُوبٍ صَحَّ حَجُّهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، لَكِنَّهُ عَاصٍ وَلَيْسَ حَجًّا مَبْرُورًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵏ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا يُجْزِيهِ الْحَجُّ بِمَالٍ حَرَامٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَصِحُّ مَعَ الْحُرْمَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ ﷺ : ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمُشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ أ. هـ.
وقال الشيخ ابن باز: الحج صحيح إذا أداه كما شرعه الله، ولكنه يأثم لتعاطيه الكسب الحرام، وعليه التوبة إلى الله من ذلك ويعتبر حجه ناقصاً بسبب تعاطيه الكسب الحرام، لكنه يسقط عنه الفرض أ. هـ. فتاوى ابن باز (١٦/ ٣٨٧).
وفي فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٤٣) كون الحج من مال حرام لا يمنع من صحة الحج، مع الإثم بالنسبة لكسب الحرام، وأنه ينقص أجر الحج، ولا يبطله. ا. هـ (موقع الإسلام سؤال وجواب).
قال ابن القيم: ولا خلاف أنه ﷺ لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر.
стр. 1231
٧٠٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (اَلْعُمْرَةُ إِلَى اَلْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ اَلْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا اَلْجَنَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(الجنة): هي الدار التي أعدها الله للمتقين.
• اذكر بعض فضائل العمرة؟
أ-حديث الباب (اَلْعُمْرَةُ إِلَى اَلْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا).
ب- وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) رواه الترمذي.
• اذكر بعض فضائل الحج؟
أ- حديث الباب (وَالْحَجُّ اَلْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا اَلْجَنَّةَ).
ب- وعن أبي هُرَيْرَةَ. قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّه) رواه البخاري.
ج- وعن عمرو بن العاص. قال: قال ﷺ (أما علمت أن الحج يهدم ما قبله) رواه مسلم.
• هل للعمرة وقت محدد كالحج والصلاة؟
قال النووي: وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيع السَّنَة وَقْت لِلْعُمْرَةِ، فَتَصِحّ فِي كُلّ وَقْت مِنْهَا إِلَّا فِي حَقّ مَنْ هُوَ مُتَلَبِّس بِالْحَجِّ، فَلَا يَصِحّ اِعْتِمَاره حَتَّى يَفْرُغ مِنْ الْحَجّ، وَلَا تُكْرَه عِنْدنَا لِغَيْرِ الْحَاجّ فِي يَوْم عَرَفَة وَالْأَضْحَى، وَالتَّشْرِيق وَسَائِر السَّنَة، وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَأَحْمَد، وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: تُكْرَه فِي خَمْسَة أَيَّام: يَوْم عَرَفَة، وَالنَّحْر، وَأَيَّام التَّشْرِيق، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: تُكْرَه فِي أَرْبَعَة أَيَّام وَهِيَ: عَرَفَة، وَالتَّشْرِيق، وبناءً على ذلك فيجوز أداء العمرة في أي أوقات العام، وفي أي وقت من نهار أو ليل.
• هل يشرع تكرار العمرة في العام الواحد؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين؟
القول الأول: يشرع تكرارها.
وهذا قول جمهور العلماء.
قال ابن قدامة في المغني: وَلا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالشَّافِعِيِّ لأَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وقال النووي: مذهبنا أنه لا يكره ذلك بل يستحب، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء من السلف والخلف.
للحديث السابق (تابعوا بين الحج والعمرة).
القول الثاني: لا يشرع تكرارها في العام الواحد أكثر من مرة.
وهذا قول جماعة من العلماء.
والراجح القول الأول.
وأما كونه ﷺ لم يعتمر في السنة أكثر من مرة فهذا لا يعني عدم مشروعية الاعتمار أكثر من مرة في السنة.
стр. 1232
• هل يشرع تكرارها في السفرة الواحدة أو اليوم الواحد؟
ذهب بعض العلماء إلى مشروعية ذلك.
وسئل الشيخ ابن باز: هل يجوز تكرار العمرة في رمضان طلباً للأجر المترتب على ذلك؟
فأجاب: لا حرج في ذلك، قال ﷺ (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ) رواه البخاري ومسلم.
إذا اعتمر ثلاث أو أربع مرات فلا حرج في ذلك. فقد اعتمرت عائشة ﵂ في عهد النبي ﷺ في حجة الوداع عمرتين في أقل من عشرين يوماً.
وقد ذهب بعض العلماء إلى تحديد المدة بين العمرتين بما إذا ظهر له شعر يحلقه في العمرة الثانية، وهذه المدة قد تكون نحواً من أسبوع أو عشرة أيام.
قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: قال الإمام أحمد: لا يعتمر إلا إذا حَمَّم رأسه" حمم: أي اسود من الشعر.
• ما رأيك بما يفعله بعض الناس من الاعتمار بعد الحج وقد اعتمر قبل الحج؟
قال ابن القيم: ولم يكن في عمره ﷺ عمرة واحدة خارجاً من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلاً إلى مكة.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: وأما ما يفعله بعض الناس من الإكثار من العمر بعد الحج من التنعيم أو الجعرانة أو غيرهما وقد سبق وأن اعتمر قبل الحج، فلا دليل على مشروعيته، بل الأدلة تدل على أن الأفضل تركه، لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يعتمروا بعد فراغهم من الحج.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: المتابعة بين العمرتين جاءت به السنة، ولكن هذه المتابعة ينبغي أن تكون مقيدة بما جاء عن السلف، والسلف لم يكن من عملهم أن يكرروا العمرة كل يوم، بل إن شيخ الإسلام ﵀ قال إن الموالاة بين العمرتين والإكثار من العمر أنه مكروه باتفاق السلف ....
• كم عمرة اعتمر النبي ﷺ -؟
قال الشنقيطي: إن المحفوظ الثابت بالروايات الصحيحة أن النبي ﷺ لم يعتمر في رمضان قط، لأنه لم يعتمر إلا أربع عمر:
أ-عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت الحرام عام ٦ هـ.
ب-عمرة القضاء التي وقع عليها الصلح في الحديبية، وهي عام ٧ هـ.
ج-عمرة الجعرانة بعد فتح مكة، عام ٨ هـ.
ثم قال ﵀: وكل هذه العمر في شهر ذي القعدة بالإجماع والروايات الصحيحة.
د-عمرته مع حجه في حجة الوداع.
• قال ابن القيم: لم يعتمر رسول الله ﷺ في رمضان قط.
• وقال: عمر النبي ﷺ كلها كانت في أشهر الحج، مخالفة لهدي المشركين، فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويقولون: هي من أفجر الفجور.
• الحديث دليل على أن الحج المبرور جزاؤه الجنة، فما هو الحج المبرور؟
قيل: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي.
قال النووي: الأصح والأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم.
стр. 1233
قال الشيخ ابن باز: الحج المبرور هو الذي لا يرتكب فيه صاحبه معصية لله، كما يدل على ذلك قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).
وقال ابن عبد البر: الحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق وخرج بمال حلال.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الحج المبرور هو الذي جمع أوصافاً:
أولاً: أن يكون خالصاً لله.
ثانياً: أن يكون بمال حلال.
ثالثاً: أن يقوم فيه الإنسان بفعل ما يجب ليكون عبادة.
ومن الحج المبرور أن لا تحج المرأة إلا بمحرم، فإن حجت بغير محرم لم يكن حجها مبرور.
وقيل (المبرور): المقبول، قالوا: ومن علامات قبول الحج، أن يرجع العبد خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي.
وعلى كل فكما قال الإمام الْقُرْطُبِيّ: الْأَقْوَال الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيره مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى، وَهِيَ أَنَّهُ الْحَجّ الَّذِي وُفِّيَتْ أَحْكَامه وَوَقَعَ مَوْافقاً لِمَا طُلِبَ مِنْ الْمُكَلَّف عَلَى الْوَجْه الْأَكْمَل. نقله ابن حجر في (فتح الباري).
وفي حديث: (تابعوا … ) أن الاستكثار من الحج والعمرة من أسباب جلب الرزق، وهناك عبادات تجلب الرزق:
أولاً: الاستغفار. قال تعالى: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً. يرسل السماء عليكم مدراراً. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً).
ثانياً: التوكل على الله. قال رسول الله ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً). رواه الترمذي
ثالثاً: صلة الرحم. قال ﷺ : (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه). متفق عليه
стр. 1234
٧٠٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلَى اَلنِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: اَلْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ " - رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَأَصْلُهُ فِي اَلصَّحِيحِ.
٧٠٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ: (أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَنْ اَلْعُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: " لَا. وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ ") رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ.
وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ.
٧١٠ - عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: - اَلْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ -
===
(عَلَى اَلنِّسَاءِ جِهَادٌ) أي: أعلى النساء جهاد، وهي تريد بذلك جهاد السيف، فأخبرها النبي ﷺ أن النساء لا يجاهدن بالسيف والسنان، فإن هذا من خصائص الرجال.
(جِهَادٌ) الجهاد هو بذل الجهد في قتال الأعداء.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلَى اَلنِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: اَلْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ) أصله في صحيح البخاري من غير ذكر العمرة.
ولفظه: عن عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِين (أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُور) رواه البخاري.
قوله (لَكُنّ) بضم الكاف وتشديد النون (خطاب للنسوة).
وأما حديث الباب بذكر العمرة فقد رواه - كما قال المصنف - أحمد وابن ماجه.
وقد ضعف بعض العلماء زيادة (والعمرة) التي في حديث الباب وحكم بشذوذها لتفرد محمد بن فُضيْل بها.
• وأما حديث جَابِرِ (أَخْبِرْنِي عَنْ اَلْعُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: " لَا. وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ) حديث ضعيف في إسناده الحجاج بن أرْطَاة وهو ضعيف.
ضعف هذا الحديث الشافعي وابن عبد البر وابن حجر والنووي، والألباني في ضعيف الترمذي، وغيرهم.
قال الشافعي ﵀: هُوَ ضَعِيفٌ، لا تَقُومُ بِمِثْلِهِ الْحُجَّةُ، وَلَيْسَ فِي الْعُمْرَةِ شَيْءٌ ثَابِتٌ بِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ لا تَصِحُّ، وَلا تَقُومُ بِمِثْلِهَا الْحُجَّةُ أ. هـ.
وقال النووي في المجموع: اتفق الحفاظ على أنه ضعيف.
• وأما حديث جابر الثاني (اَلْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ) ضعيف أيضاً.
стр. 1235
• اذكر حكم العمرة هل هي واجبة أم لا؟
وقد اختلف العلماء في حكم العمرة على قولين:
القول الأول. أنها واجبة.
وهذا مذهب الإمام أحمد والشافعي.
وروي هذا القول عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي والثوري.
أ-لحديث الباب - حديث عائشة - (عليهن جهاد لا قتال فيه).
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قرن العمرة مع الحج، فدل على الاتفاق في الحكم وهو الوجوب.
أن قوله (عليهن) تدل على الوجوب، (وعلى من صيغ الوجوب).
ب- ولحديث أبي رزين (أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال: حج عن أبيك واعتمر) رواه أبو داود والترمذي. (صححه الترمذي والحاكم).
قالوا: إن الرسول ﷺ قرن الحج والعمرة لعاجز بلغة الأمر.
ج-ولحديث عمر أن النبي ﷺ قال للذي سأله ما الإسلام؟ قال: (تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر) وهذه عند الدارقطني وصححها (والحديث في الصحيح دون ذكر العمرة).
د- ولحديث الباب - حديث جابر - (الحج والعمرة فريضتان) وهو ضعيف كما تقدم.
هـ-هو قول جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله ﵃.
قال جابر: لَيْسَ مُسْلِم إِلا عَلَيْهِ عُمْرَة. قال الحافظ: رَوَاه اِبْن الْجَهْم الْمَالِكِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن.
وقال البخاري ﵀: بَاب وُجُوبِ الْعُمْرَةِ وَفَضْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ﵄: لَيْسَ أَحَدٌ إِلا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، وقوله: (لَقَرِينَتُهَا) أي: قرينة فريضة الحج.
القول الثاني: أنها غير واجبة.
وهذا مذهب مالك وأبو حنيفة، واختاره ابن تيمية.
قال ابن تيمية: والعمرة في وجوبها قولان للعلماء، هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، والمشهور عنهما وجوبها، والقول الآخر لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وهذا القول هو الراجح، فإن الله إنما أوجب الحج بقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) لم يوجب العمرة؛ وإنما أوجب إتمامها، فأوجب إتمامها لمن شرع فيهما، وفي الابتداء إنما أوجب الحج ....
أ-لحديث الباب - حديث جابر - أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: (لا، وأن تعتمر فهو أفضل). رواه الترمذي، هو ضعيف كما تقدم.
ب-ولحديث: (الحج والعمرة تطوع) رواه الدارقطني وهو ضعيف.
стр. 1236
قال الشوكاني مؤيداً هذا القول: والحق عدم الوجوب، لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك لا سيما مع اعتضادهما بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب.
وقال الصنعاني: والأدلة لا تنهض عند التحقيق على الإيجاب الذي الأصل عدمه.
والراجح الأول.
• فائدة: إذا قلنا بوجوب العمرة، فإن عمرة المتمتع تجزئ عن عمرة الإسلام.
• ما الفرق بين وجوب الحج ووجوب العمرة؟
وجوب العمرة ليس كوجوب الحج، لا في الآكدية ولا في العموم والشمول.
أولاً: الآكدية: فإن الحج ركن من أركان الإسلام وفرض بإجماع المسلمين، أما العمرة فليست بركن من أركان الإسلام.
ثانياً: الشمول: فإن العلماء قد اختلفوا في وجوبها.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فضل عائشة، حيث سألت عن أفضل الأعمال تريد بذلك العمل والتطبيق.
- أن الجواب إذا كان يحتاج إلى زيادة قيد وجب على المجيب أن يذكر هذا القيد، لأنه قال: (عليهن جهاد لا قتال فيه) فلو قال: عليهن جهاد وسكت، لكان هناك إشكال.
- أن الجهاد بالبدن وقتال الكفار ليس مشروعاً في حق النساء لما هن عليه غالباً من ضعف البدن، ورقة القلب، وعدم تحمل الأخطار، ولا يمنع ذلك من قيامهن بعلاج المرضى ومداواة الجرحى.
- فضيلة الاستكثار من الحج والعمرة، لأن النبي ﷺ جعلهما من الجهاد.
- أن الجهاد من أفضل الأعمال، لأن الرسول ﷺ أقر عائشة بقولها، تريد الجهاد أفضل الأعمال.
стр. 1237
٧١١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، مَا اَلسَّبِيلُ؟ قَالَ: (اَلزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ.
٧١٢ - وَأَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ أَيْضًا، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف، وللحديث شواهد لا يصح منها شيء.
وقال عبد الحق: إن طرق الحديث كلها ضعيفة.
وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسنداً.
قال الألباني: إن طرق هذا الحديث كلها واهية، وبعضها أوهى من بعض.
• من شروط الحج الاستطاعة، اذكر الدليل على ذلك؟
الدليل قوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً).
• ما المراد بالسبيل؟
ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالسبيل الزاد والراحلة.
وهذا قول جمهور العلماء.
لحديث الباب وشواهده.
قال الشوكاني: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج بها.
وقال الشنقيطي: حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج.
وقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها.
وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في تفسير السبيل أنه قال: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به، وسنده صحيح.
والمراد بالزاد: ما يتزود به، وهو في الأصل الطعام الذي يُتخذ للسفر، والمراد هنا: ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة، والراحلة: الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها.
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالاستطاعة على قدر الطاقة.
واختار هذا ابن جرير في تفسيره.
فيدخل في ذلك الزاد والراحلة وأمن الطريق ووجود مكانٍ صالحٍ للمبيت بالمشاعر وزوال الموانع من أداء الحج أياً كانت، ونحو ذلك.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره (وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء: إن ذلك على قدر الطاقة؛ لأن السبيل في كلام العرب الطريقُ. فمن كان واجداً طريقاً إلى الحج لا مانع له منه، من زَمانة، أو عجز، أو عدو، أو قلة ماء في طريقه، أو زادٍ، أو ضعفٍ عن المشي، فعليه فرضُ الحج، لا يجزئه إلا أداؤه) إلى أن قال: (وإنما قلنا: هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها؛ لأن الله لم يخصص -إذ ألزم الناسَ فرضَ الحج- بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه. فذلك على كل مستطيع إليه سبيلاً بعموم الآية. فأما الأخبار التي رُويَت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنه الزاد والراحلة فإنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين).
стр. 1238
وقال الشيخ محمد ﵀: الصحيح أن المراد بالسبيل في قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلاً) المراد الطريق الذي يوصلك إلى مكة أي طريق كان، سواء كان زاداً أو راحلة أو مشياً على الأقدام، أو ما أشبه ذلك.
• فائدة: بَعْدَ ضَرُورَاتِ اَلْإِنْسَانِ وَحَوَائِجِهِ اَلْأَصْلِيَّةِ: أي أن تكون الراحلة والزاد فاضلةً وزائدة عن حاجاته الضرورية التي يحتاجها له ولعياله، وكذلك ما يتعلق بالسكن والخادم وكذلك الديون.
ودليل ذلك قوله ﷺ (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول).
وقال ﷺ (كفى بالمرء إثماً أن يُضيعَ من يقوت).
ولأن ذلك مقدم على الدين فكان تقديمه على الحج من باب أولى.
• اذكر حالات حج المدين؟
حج المدين له أحوال:
أولاً: أن تكون قيمة الحج تغطي ديونه فيجب عليه والحالة هذه أن يقضي الديون، فيكون في هذه الحالة غير مستطيع للحج فيسقط عنه.
ثانياً: أن تكون قيمة الحج لا تغطي الديون ولكنها تخفف شيئاً كثيراً، فالأولى أن يدفع قيمة الحج للغرماء.
ثالثاً: أن تكون قيمة الحج لا تغطي شيئاً بالنسبة للديون، قيل: إنه يحج لأن الحج مجلبة للرزق كما في حديث [تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب … ].
وقيل: بل يسدد دينه ولا يحج لخطر الدين ولو كان قليلاً.
• إذا تُبرع له بمال هل يلزمه أخذه؟ الجواب: لا يلزمه لأنه قد يكون فيه منَّة من الناس، وإن أخذه جاز ولكن لا يجب عليه.
• هل يجوز أخذ المال من أجل الحج؟ قال ابن تيمية ﵀: يأخذ ليحج لا يحج ليأخذ.
• وعليه:
فمن كان قادراً بماله و بدنه: فهذا يلزمه أن يحج بنفسه، ومن ليس عنده مال ولا راحلة فلا يجب عليه الحج.
ومن كان قادراً بماله دون البدن: كأن يكون مريض: فهذا يقسمه العلماء إلى نوعين:
الأول: مرض يرجى برؤه: فإنه يصبر حتى يزول مرضه وتسقط الفورية عنه لعجزه.
الثاني: مرض لا يرجى برؤه: فإنه يجب أن يقيم من يحج عنه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن من الاستطاعة أن يوجد للمرأة محْرَم.
- أن الله ﵎ جعل الحج على من استطاع إليه سبيلاً، فالفقير لا ينبغي له أن يكلف نفسه ويشق عليه.
- قوله تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) دليل ظاهر على حرمة خروج الإنسان حاجاً بلا زاد ليسأل الناس، فقيراً كان أو غنياً. (أضواء البيان).
стр. 1239
٧١٣ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: " مَنِ اَلْقَوْمُ؟ " قَالُوا: اَلْمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: " رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ اِمْرَأَةٌ صَبِيًّا. فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: " نَعَمْ: وَلَكِ أَجْرٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(لَقِيَ رَكْبًا) جمع راكب، وهم الراكبون على الإبل خاصة في السفر من العشرة.
(بِالرَّوْحَاءِ) مكان بين مكة والمدينة.
(فَقَالَ: مَنِ اَلْقَوْمُ؟) وفي رواية النسائي (من أنتم؟).
(أَلِهَذَا حَجٌّ؟) أي: أيحصل لهذا الصبي ثواب حج.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: صحة حج الصبي، وقد نقل الإجماع على ذلك الطحاوي.
قال النووي: فِيهِ حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّ حَجّ الصَّبِيّ مُنْعَقِد صَحِيح يُثَاب عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِيه عَنْ حَجَّة الْإِسْلَام، بَلْ يَقَع تَطَوُّعًا، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِيهِ.
ومما يدل على صحة حج الصبي:
ما رواه البخاري عن السائب بن يزيد قال (حج بي أبي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين).
• هل يجب الحج على الصبي؟
لا يجب عليه الحج.
لأنها قالت (ألهذا حج) ولم تقل: أعلى هذا حج.
ويدل عليه قوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: … وعن الصبي حتى يبلغ).
• ما حكم من حج قبل البلوغ؟
من حج من دون البلوغ لا تجزئه عن حجة الإسلام.
وقد حكى الإجماع ابن المنذر وابن عبد البر والنووي وابن قدامة، أن الصبي لا يجزئه عن حجة الإسلام.
ومما يدل على ذلك الحديث الآتي.
ولحديث ابن عباس قال: (احفظوا عني ولا تقولوا، قال ابن عباس: أي صبي حج ثم بلغ فليحج حجة أخرى) رواه ابن أبي شيبة وله حكم الرفع.
• هل يلزم الصبي إذا أحرم بالحج ما يلزم البالغ من أحكام الحج؟
ذهب بعض العلماء إلى أن الصبي إذا أحرم بالحج لزمه ما يلزم البالغ من أحكام الحج، لأنه إذا ثبت له الحج ثبت للحج محظوراته وأحكامه.
وذهب بعضهم: إلى أن الصبي إذا أحرم بالحج لا يلزمه ما يلزم البالغ، فلا تترتب عليه أحكامه.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ورجحه ابن حزم.
стр. 1240
• هل يلزم الصبي المضي وإتمام حجه؟
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: المشهور من المذهب [يعني مذهب الحنابلة] أنه يلزمه الإتمام؛ لأن الحج والعمرة يجب إتمام فعلهما.
والقول الثاني، وهو مذهب أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، أنه لا يلزمه الإتمام؛ لأنه غير مكلف، ولا ملزم بالواجبات.
وهذا القول هو الأقرب للصواب، وهو ظاهر ما يميل إليه صاحب الفروع [يعني ابن مفلح، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية].
وعلى هذا له أن يتحلل، ولا شيء عليه، وهو في الحقيقة أرفق بالناس؛ لأنه ربما يظن الولي أن الإحرام بالصبي سهل، ثم يكون على خلاف ما يتوقع، فتبقى المسألة مشكلة، وهذا يقع كثيراً من الناس اليوم، فإذا أخذنا بهذا القول، الذي هو أقرب للصواب لعلته الصحيحة، زالت عنا هذه المشكلة.
• ما معنى قوله ﷺ (ولكِ أجر)؟
قال عياض: وأجرها فيما تكلفته في أمره في ذلك، وتعليمه، وتجنيبه ما يجتنبه المحرِم.
وقال النووي: معناه بسبب حملها، وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم، وفعل ما يفعله المحرِم.
وقال الصنعاني: أي: بسبب حملها، وحجها به، أو بسبب سؤالها عن ذلك الحكم، أو بسبب الأمرين.
فثواب حج الصبي له، لقول ﷺ (ولك أجر) ولم يقل: ولكِ أجره.
وأما الحديث المروي (ثواب حج الصبي لوالديه) فهذا الحديث ضعيف، بل ذكر بعضهم أنه موضوع.
قال الشيخ ابن باز ﵀: أعمال الصبي الذي لم يبلغ - أعني أعماله الصالحة - أجرها له هو لا لوالده ولا لغيره ولكن يؤجر والده على تعليمه إياه وتوجيهه إلى الخير وإعانته عليه؛ لما في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت صبياً إلى النبي ﷺ في حجة الوداع فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال (نعم ولك أجر) فأخبر النبي ﷺ أن الحج للصبي وأن أمه مأجورة على حجها به.
• اذكر أحكام نية الصبي في الحج؟
إن كان مميزاً (يعقل النية) فإن وليه يأمره بنية الإحرام. (يقول له قل: لبيك عمرة).
وإن كان غير مميز فإن وليه ينوي الإحرام عنه. (أن ينوي الولي بقلبه لا أن يقول: لبيك عن هذا الصبي).
• اذكر حكم الصبي عند الطواف به إذا كان مميزاً؟
عند الطواف: إن كان مميزاً يأمره بنية الطواف.
ثم إن كان قادراً على المشي مشى، وإن لم يكن قادراً حمله وليه أو غيره بإذن وليه.
إن كان يعقل النية ولكنه لا يستطيع الطواف بنفسه فيحمله وليه أو غيره بإذن وليه.
لأن الركوب في السعي أو الطواف جائز، قالت أم سلمة للنبي ﷺ حين أمر بالطواف للوداع قالت: (إني مريضة، قال: طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة).
• ويصح الطواف عن نفسه وعن هذا الصبي.
هذا القول هو الراجح في هذه المسألة: إذا كان الصبي يعقل النية فنوى ثم حمله وليه، فإن الطواف يقع عنه وعن الصبي، وغاية ما فيه أنه كان محمولاً من أجل العجز.
اذكر حكم الصبي عند الطواف إن كان غير مميز (لا يعقل النية)، هل يجوز أن يطوف به محمولاً؟
قيل: لا يجوز.
فيقال للولي: إما أن تطوف أولاً ثم تطوف للصبي، وإما أن تكل أمره إلى شخص يحمله.
فلا يصح عمل واحد بنيتين لشخصين.
стр. 1241
سئل الشيخ ابن العثيمين عن هذا فقال السائل: من طاف وهو حامل شخصاً هل يجزئ الطواف عن الاثنين؟
الجواب: لا يجزئ عن الاثنين إلا إذا كان المحمول مميزاً يقال له انو الطواف فينوي، أما الغير مميز لا يمكن أن يكون طوافاً واحداً على نيتين.
وقيل: يجوز، لأن النبي ﷺ أخبر هذه المرأة بصحة حج الصبي، ولم يأمرها أن تطوف به طوافاً مستقلاً، مع أن المقام مقام بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قال الشيخ العلوان: الحالات المتعلقة بحج الصبي ثلاث.
الأولى: أن يكون الصبي قادراً على المشي فيطوف حينئذٍ عن نفسه ويسعى عن نفسه.
الحالة الثانية: أن يكون غير قادر على المشي وله تمييز فينوى حينئذٍ كل من الحامل والمحمول عن نفسه ويجزئ عنهما طواف واحد وسعي واحد.
الحالة الثالثة: أن يكون الصبي صغيراً لا يميز فحينئذٍ يحمله وليه أو غيره وينوي عنه ويجزئ عنهما طواف واحد وسعي واحد وشأنهما قريب من شأن الراكب.
وقال بعض العلماء يطوف عن نفسه ثم يطوف طوافاً آخر عن الصبي.
والصحيح الأول: فقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا المسلمون. فقالوا من أنت؟ قال رسول الله. فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال (نعم ولك أجر).
ولم يقل النبي ﷺ طوفي طوافين عنه وعن نفسك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وهذا مذهب أبي حنيفة واختاره ابن المنذر.
لأنه لا فرق بين هذا وبين الراكب فيجزئ عن الحامل وعن المحمول. (العلوان).
قال الشيخ ابن باز ﵀: فإن نوى الحامل الطواف عنه وعن المحمول والسعي عنه وعن المحمول أجزأه ذلك في أصح القولين، لأن النبي ﷺ لم يأمر التي سألته عن حج الصبي أن تطوف له وحده، ولو كان ذلك واجباً لبينه ﷺ .
وسئل الشيخ ابن جبرين عن ذلك فقال:
حيث صح الإحرام بالصبي فإن الولي هو المسئول عنه، فيلبسه الثياب ويعقد عليه إحرامه وينوي عنه النسك ويلبي عنه ويمسك بيده في الطواف والسعي، فإن كان عاجزاً كصغير أو رضيع فلا بأس بحمله، ويكتفى بطواف واحد عن الحامل والمحمول على الصحيح …
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الصبي إذا حج فإن ثواب الحج يكون له، لكن لوليه أجر تولي أمره.
- فيه دليل على فساد من يقول من العامة: إن ثواب حج الصبي لوالده.
- قبول العبادة من الصغار وإثابتهم عليها، وفيه تدريب وتمرين على طاعة الله.
- جواز سؤال المرء عن اسمه، خصوصاً إذا صحبته أو أرادت أن تتعامل معه، حتى قال بعض الحكماء: من الجفاء أن تصاحب رجلاً لا تعرف اسمه.
- أن الذكر والدعاء في الطواف ليس بواجب، لأن الطفل غالباً لا يحسن أذكار الطواف حتى يقولها.
- أن صوت المرأة ليس بعورة لكن بشرط عدم الخضوع واللين لقوله تعالى (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً).
стр. 1242
٧١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: (كَانَ اَلْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَجَاءَتِ اِمْرَأَةٌ مَنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ اَلْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ اَلْفَضْلِ إِلَى اَلشِّقِّ اَلْآخَرِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اَللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي اَلْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى اَلرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ " وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
===
(كَانَ اَلْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ أي: راكباً خلفه.
(فَجَاءَتِ اِمْرَأَةٌ) قال الحافظ: لم تسمّ.
(مَنْ خَثْعَم) قبيلة قحطانية، وفي رواية (تستفتيه).
(أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا) يعني أن الآية أو النص الذي فيه الفريضة حصل بعد أن بلغ والدها الشيخوخة.
(لَا يَثْبُتُ عَلَى اَلرَّاحِلَةِ) أي: لا يثبت على الدابة ولا يستقر لكبر سنه.
(أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟) أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه.
(قَالَ: نَعَمْ) وفي حديث أبي هريرة (احججي عن أبيك).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز الإنابة في الحج عن الغير إذا كان غير قادر.
فالإنسان إذا كان قادراً بماله لكنه غير قادر ببدنه (لا يرجى زوال مرضه) فهذا يجب عليه أن ينيب أحداً عنه، لحديث الباب.
والقدرة قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام:
أولاً: قدرة بالمال والبدن، فهذه توجب حج الإنسان بنفسه.
ثانياً: قدرة بالبدن دون المال، فهذه توجب حج الإنسان بنفسه إذا كان قادراً على المشي، سواء من بلده أم من مكة، فإن كان لا يقدر على المشي وليس عنده راحلة، فإنه لا يجب عليه الحج، لأنه غير مستطيع.
ثالثاً: قدرة بالمال دون البدن، فهذا يقسمه العلماء إلى قسمين:
قسم يرجى زوال عجزه، فهذا لا يجب أن يقيم من يحج عنه، بل لا يصح، لأن عجزه مؤقت.
وقسم لا يرجى زوال عجزه، فهذا يجب أن ينيب عنه أحداً، لحديث الباب.
قال النووي ﵀: والجمهور على أن النيابة في الحج جائزة عن الميت والعاجز الميئوس من برئه.
وقال الحافظ ابن حجر: واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنها لا تجزئ في الفرض إلا عن موت أو عضَب - أي: شلل -، فلا يدخل المريض؛ لأنه يرجى برؤه، ولا المجنون؛ لأنه ترجى إفاقته، ولا المحبوس؛ لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير؛ لأنه يمكن استغناؤه.
• هل يجوز الحج عن العاجز مالياً؟
حج البدل لا يكون عن العاجز ماليّاً؛ لأن الحج تسقط فرضيته عن الفقير، إنما حج البدل عن العاجز ببدنه.
سئل علماء اللجنة الدائمة: هل يجوز لأحد أن يعتمر أو يحج عن قريبه الذي يكون بعيداً عن مكة، وليس لديه ما يصل به إليها، مع أنه قادر بالطواف؟
فأجابوا: قريبك المذكور لا يجب عليه الحج مادام لا يستطيع الحج ماليّاً، ولا تصح النيابة عنه في الحج ولا في العمرة؛ لأنه قادر على أداء كل منهما ببدنه لو حضر بنفسه في المشاعر، وإنما تصح النيابة فيهما عن الميت، والعاجز عن مباشرة ذلك ببدنه.
стр. 1243
• هل يجوز لأحد أن يحج حجة واحدة لشخصين؟
لا يجوز لأحدٍ أن يحج عن شخصين أو أكثر في حجة واحدة، وله أن يعتمر عن نفسه - أو عن غيره - ويحج عن آخر.
قال علماء اللجنة الدائمة: تجوز النيابة في الحج عن الميت، وعن الموجود الذي لا يستطيع الحج، ولا يجوز للشخص أن يحج مرة واحدة ويجعلها لشخصين، فالحج لا يجزئ إلا عن واحد، وكذلك العمرة، لكن لو حج عن شخص واعتمر عن آخر في سنة واحدة أجزأه إذا كان الحاج قد حج عن نفسه واعتمر عنها.
• ما رأيك بمن يحج عن غيره من أجل المال؟
وسئل ابن تيمية: عمن حج عن الغير ليوفي دينه؟ فأجاب: أما الحاج عن الغير ليوفي دينه فقد اختلف فيها العلماء أيهما أفضل، والأصح أن الأفضل الترك، فإن كون الإنسان يحج لأجل أن يستفضل شيئاً من النفقة ليس من أعمال السلف، حتى قال الإمام أحمد: ما أعلم أحداً كان يحج عن أحدٍ بشيء، ولو كان هذا عملاً صالحاً لكانوا إليه مبادرين، والارتزاق بأعمال البر ليس من شأن الصالحين، أعني إذا كان مقصوده بالعمل اكتساب المال … وجماع هذا: أن المستحب أن يأخذ ليحج لا أن يحج ليأخذ.
وقال ﵀: الْحَاجَّةُ عَنْ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ قَصْدُهَا الْحَجَّ أَوْ نَفْعَ الْمَيِّتِ كَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ أَجْرٌ وَثَوَابٌ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مَقْصُودُهَا إلَّا أَخْذَ الْأُجْرَةِ فَمَا لَهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. (مجموع الفتاوى) ٢٦/ ١٨.
وقال ﵀: أَمَّا الْحَاجُّ عَنْ الْغَيْرِ لِأَنْ يُوَفِّيَ دَيْنَهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّرْكُ. فَإِنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ يَحُجُّ لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَفْضِلَ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ السَّلَفِ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يَحُجُّ عَنْ أَحَدٍ بِشَيْءِ. وَلَوْ كَانَ هَذَا عَمَلًا صَالِحًا لَكَانُوا إلَيْهِ مُبَادِرِينَ وَالِارْتِزَاقُ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الصَّالِحِينَ. أَعْنِي إذَا كَانَ إنَّمَا مَقْصُودُهُ بِالْعَمَلِ اكْتِسَابَ الْمَالِ وَهَذَا الْمَدِينُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ دَرَاهِمَ يُوَفِّي بِهَا دَيْنَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ إلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: إمَّا رَجُلٌ يُحِبُّ الْحَجَّ وَرُؤْيَةَ الْمَشَاعِرِ وَهُوَ عَاجِزٌ. فَيَأْخُذُ مَا يَقْضِي بِهِ وَطَرَهُ الصَّالِحَ وَيُؤَدِّي بِهِ عَنْ أَخِيهِ فَرِيضَةَ الْحَجِّ. أَوْ رَجُلٌ يُحِبُّ أَنْ يُبَرِّئَ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ عَنْ الْحَجِّ إمَّا لِصِلَةِ بَيْنَهُمَا أَوْ لِرَحْمَةِ عَامَّةٍ بِالْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَأْخُذُ مَا يَأْخُذُ لِيُؤَدِّيَ بِهِ ذَلِكَ. وَجِمَاعُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ لِيَحُجَّ لَا أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ وَهَذَا فِي جَمِيعِ الْأَرْزَاقِ الْمَأْخُوذَةِ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ فَمَنْ ارْتَزَقَ لِيَتَعَلَّمَ أَوْ لِيُعَلِّمَ أَوْ لِيُجَاهِدَ فَحَسَن. (مجموع الفتاوى ٢٦/ ١٩).
وقال الشيخ ابن باز: الحج عن الآخرين ليس خاصّاً بالقرابة، بل يجوز للقرابة، وغير القرابة؛ لأن الرسول ﷺ شبَّهه بالدَّيْن، فدل ذلك على أنه يجوز للقرابة، وغير القرابة.
وإذا أخذ المال وهو يقصد بذلك المشاهدة للمشاعر العظيمة، ومشاركة إخوانه الحجاج، والمشاركة في الخير: فهو على خير إن شاء الله، وله أجر.
أما إذا كان لم يقصد إلا الدنيا: فليس له إلا الدنيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لقول رسول الله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
• وقال الشيخ ابن عثيمين: النيابة في الحج جاءت بها السنَّة:
والاستنابة بالحج بعوض: إن كان الإنسان قصده العوض: فقد قال شيخ الإسلام ﵀: من حج ليأكل فليس له في الآخرة من خلاق - أي: نصيبٌ -.
وأما من أخذ ليحج: فلا بأس به، فينبغي لمن أخذ النيابة أن ينوي الاستعانة بهذا الذي أخذ على الحج، وأن ينوي أيضاً قضاء حاجة صاحبه؛ لأن الذي استنابه محتاج، ويفرح إذا وجد أحداً يقوم مقامه، فينوي بذلك أنه أحسن إليه في قضاء الحج، وتكون نيته طيبة. (لقاء الباب المفتوح).
стр. 1244
• ماذا نستفيد من قولها ( … لا يثبت على الراحلة)؟
نستفيد: أنه لا يجوز الحج عن القادر المستطيع ببدنه.
قال ابن قدامة: لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعاً.
قال ابن المنذر: أجمع أهل بالعلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه. (المغني).
• من حج عن غيره فماذا له من الأجر؟
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ثواب الأعمال المتعلقة بالنسك كلها لمن وكله، أما مضاعفة الأجر بالصلاة والطواف الذي يتطوع به خارجاً عن النسك وقراءة القرآن لمن حج لا للموكل.
• هل يجوز أن تحج المرأة عن الرجل والعكس؟
نعم، يجوز حج المرأة عن الرجل، لأن النبي ﷺ أذن لهذه المرأة أن تحج عن أبيها.
ويجوز حج الرجل عن المرأة من باب أولى.
قال شيخ الإسلام: يجوز للرجل الحج عن المرأة باتفاق أهل العلم، وكذا العكس عند الأئمة الأربعة.
• هل يجوز الحج عن الحي غير القادر نفلاً؟
وقد قال بعض الفقهاء: يجوز هذا بالنفل والفرض.
والصحيح أن هذا لا يجوز عن الحي إلا إذا كان غير قادر على الفرض، لأن الحي يستطيع أن يعمل ويتقرب إلى الله بما شاء من الطاعات.
ولأن الرخصة جاء بالفرض حين العجز.
• ما حكم الإرداف على الدابة؟
جائز، وهذا مشروط عند العلماء بما إذا لم يشق عليها.
عن معاذ ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ على حمار … ). متفق عليه
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز استفتاء المرأة الرجل.
- تواضع النبي ﷺ .
- تحريم نظر الرجل إلى المرأة، لأن النبي ﷺ صرف وجه الفضل، واستدل به النووي على ذلك، فقال في شرحه على مسلم: تحريم النظر إلى الأجنبية.
- وجوب إزالة المنكر باليد لمن أمكنه.
- استدل بهذا الحديث بعض فقهاء الشافعية على عدم وجوب تغطية المرأة وجهها.
- أن صوت المرأة ليس بعورة، وهذا القول هو الصحيح، لكن لا تخضع بالقول (فلا تخضعن بالقول .. ).
стр. 1245
٧١٥ - وَعَنْهُ: (أَنَّ اِمْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ "، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اِقْضُوا اَللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(أَنَّ اِمْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ) قال الحافظ: لم أقف على اسمها.
(نَذَرَتْ) أي: أوجبت على نفسها.
(أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟) أي: الديْن.
(اِقْضُوا اَللَّهَ) أي: أدوا إليه ما وجب عليكم من حقه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن ناذر الحج إذا مات قبل أداء نذره فإنه يؤدى عنه وجوباً إن ترك مالاً، واستحباباً إن لم يترك مالاً.
وهذا مذهب أكثر العلماء.
قال النووي: ذكرنا أن مذهبنا المشهور أنه إن مات وعليه حج الإسلام أو قضاء أو نذر وجب قضاؤها من تركته أوصى بها أم لم يوص، قال ابن المنذر: وبه قال عطاء وابن سيرين وروى عن أبي هريرة وابن عباس وهو قول أبى حنيفة وأبى ثور وابن المنذر.
وذهب بعض العلماء إلى وجوب الوفاء لقوله: (نعم، حجي عنها).
وفي هذا نظر لقوله تعالى (ولا تزروا وازرة وزر أخرى).
وأيضاً هو شبيه بالدين، فإن من مات وعليه دين وكان له مال وجب إيفاء الدين، وإلا فلا يجب على الورثة وإنما يستحب في حقهم.
قال ابن قدامة ﵀: متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر، سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط، وبهذا قال الحسن، وطاوس، والشافعي …
لما روى ابن عباس (أن امرأة سألت النبي ﷺ عن أبيها، مات ولم يحج؟ قال: حجي عن أبيك).
وعنه: (أن امرأة نذرت أن تحج، فماتت، فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك؟ فقال: أرأيت لو كان على أختك دين، أما كنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقضوا دين الله، فهو أحق بالقضاء) رواهما النسائي، ولأنه حق استقر عليه تدخله النيابة، فلم يسقط بالموت كالدين. (المغني).
وأما إن كان في حياته لا يملك نفقة الحج الفاضلة عن نفقته ونفقة عياله، فالحج لم يجب عليه، ولا يجب الحج عنه، إلا إن تبرع أحد بذلك.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: لي ابن أخ أصيب بمرض السرطان -أعيذكم بالله من ذلك وجميع المسلمين- وتوفي هذا العام وعمره تسع عشرة سنة ولم يؤد فريضة الحج، علماً بأنه أصيب بهذا المرض منذ خمس سنوات، فهل نحج عنه؟ وهل هناك كفارة؟
لا بد أن نسأله: هل هذا الشاب عنده مال يستطيع أن يحج به؟ إن كان الأمر كذلك فلا بد أن يحج عنه، وإذا لم يكن عنده مال فالحج ليس بواجب عليه وقد مات بريئاً من الفريضة، لكن إن أرادوا أن يتطوعوا ويحجوا عنه فلا حرج.
• ما حكم من نذر الحج؟
الحكم: أنه يجب عليه الوفاء به.
لقوله ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه).
ولأن النبي ﷺ شبهه بالدين، والدين يجب على المرء قضاؤه.
стр. 1246
• هل يصح نذر الحج ممن لم يحج؟
نعم.
قال في الفتح: فإذا حج أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور، وعليه الحج عن النذر، وقيل: يجزئ عن النذر، ويحج حجة الإسلام، وقيل: يجزئ عنهما.
• ما حكم من نذر الحج فمات قبل إدراك زمنه؟
إذا نذر الحج ومات قبل إدراك زمنه فإنه يسقط عنه لأنه لم يفرط.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الديون مقدمة على الميراث.
- في الحديث دليل على جواز القياس، وبهذا قال الأئمة الأربعة.
لقوله: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنتِ قاضيته).
ومثل ذلك قوله: (وفي بضع أحدكم صدقة … أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه إثم؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر). رواه مسلم
والقياس له ضوابط معروفة في كتب أصول الفقه.
- في قوله ﷺ : (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) استدل به بعض العلماء على أن حق الخالق أولى من حق المخلوق.
وذهب بعض العلماء إلى أن حق المخلوق مقدم على حق الخالق، لأن حق المخلوق مبني على المشاحة.
مثال: لو توفي رجل وخلف ألف ريال، وكان مديون لشخص بألف ريال، وعليه زكاة ألف ريال.
نقول: يتحاصان بالسوية.
- قوله ﷺ : (نعم، حجي عنها) هذا الحديث عام، وهو مقيد عند العلماء فيما لو حج المرء عن نفسه.
- حسن تفهيم النبي ﷺ وتوضيح المسائل.
- في الحديث دليل على وصول عبادة الحج من الحي إلى الميت، وهو في الحج والصدقة والدعاء والاستغفار مجمع عليه بين العلماء.
- جواز النذر لإقرار النبي ﷺ .
стр. 1247
٧١٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ اَلْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ [أَنْ يَحُجَّ] حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ [أَنْ يَحُجَّ] حَجَّةً أُخْرَى) رَوَاهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اِخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.
===
(الحنث) هو الإثم والذنب، ومعتاد أنه بلغ أن يكتب عليه إثم ذنبه.
• ما صحة حديث الباب؟
اختلف العلماء في رفع هذا الحديث ووقفه.
فروي مرفوعاً، وصححه مرفوعاً البيهقي والشيخ ابن باز، ومال إلى تصحيحه مرفوعا الحافظ في التلخيص وصححه الألباني.
قال الحافظ في التلخيص: ويؤيد صحة رفعه ما رواه بن أبي شيبة في مصنفه، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس قال (احفظوا عني ولا تقولوا قال بن عباس … فذكره) وهذا ظاهره أنه أراد أنه مرفوع فلذا نهاهم عن نسبته إليه.
وروي موقوفاً وهو الصحيح.
وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس أنه قال (احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس .. فذكره) وإسناده صحيح، وظاهره أن له حكم الرفع، فهو بمنزلة (أمرنا، نُهينا).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: صحة حجة الصبي، وقد سبق ما يدل على ذلك في الحديث الماضي.
وأن حجة الصبي لا يجزئه عن حجة الإسلام، فإذا بلغ فعليه أن يؤدي فريضة الحج بعد البلوغ إذا كان مستطيعاً.
• ما صحة حجة العبد قبل عتقه؟
حجة العبد قبل عتقه صحيحة ولكن لا يجزئه عن حجة الإسلام.
وحكاه ابن المنذر وابن عبد البر إجماعاً، وشذذوا القول الآخر.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم على أن الصبي إذا حج في صغره والعبد في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبد أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا سبيلاً.
وذهب بعض العلماء إلى أن العبد إذا حج وهو بالغ أنه يصح حجه ويجزئه عن حجة الإسلام لأنه مكلف.
وهذا قول ابن حزم ورجحه السعدي وقال: إنه إذا حج (أي العبد) بعد بلوغه-ولو قبل حريته-أن حجته هي حجة الإسلام، كما أن الفقير معفو عنه الحج، ولا يجب عليه، فإذا تيسر له وفعله أجزأه ذلك، ولم يلزمه إعادته إذا استغنى، فكذلك هذا الرقيق إذا أدى فريضته فإن ذلك يجزئه.
وأيضاً: فإن الحج لم يوجبه الله ورسوله في العمر إلا مرة واحدة وذلك مجمع عليه، فلزم على قول من يقول: إن حج الرقيق لا يجزئه، أنه يجب في العمر مرتين، وهذا واضح.
стр. 1248
• ما الحكم إذا عتق العبد في الحج؟
إذا أُعْتِق في يوم عرفات أجزأه الحج عن حجة الإسلام، أو أعْتِق بعد عرفات وأمكنه الرجوع قبل الفوات أجزأه عن حجة الإسلام.
• اذكر شروط الحج؟
الإسلام.
فكل عبادة لا تصح من كافر.
وهو شرط للوجوب وللصحة وللإجزاء.
أ- الحر.
فلا تجب على العبد لأنه مملوك مشغول بسيده.
وهو شرط للوجوب وللإجزاء.
ب- البلوغ.
فالصغير لا يجب عليه الحج (وسبقت الأدلة).
وهو شرط للوجوب وللإجزاء.
ج- العقل.
فالمجنون لا يجب عليه الحج.
وهو شرط للوجوب وللصحة وللإجزاء.
د- القدرة.
قادر بماله وبدنه. قال تعالى: ( … من استطاع إليه سبيلاً).
стр. 1249
٧١٧ - وَعَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِاِمْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ اَلْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ " فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّ اِمْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اِكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: اِنْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ اِمْرَأَتِكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
(وَلَا تُسَافِرُ) السفر مفارقة محل الإقامة، سمي بذلك: لأن الناس ينكشفون عن أماكن إقامتهم.
(وَإِنِّي اِكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا) المراد أن اسمي مكتوب مع الغزاة.
• ما حكم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية؟
حرام، قال في الفتح: وهو إجماع.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث عقبة بن عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْت) رواه مسلم.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم": قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد: الْحَمو أَخُو الزَّوْج، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِب الزَّوْج: اِبْن الْعَمّ وَنَحْوه. اِتَّفَقَ أَهْل اللُّغَة عَلَى أَنَّ الْأَحْمَاء أَقَارِب زَوْج الْمَرْأَة كَأَبِيهِ، وَأَخِيهِ، وَابْن أَخِيهِ، وَابْن عَمّه، وَنَحْوهمْ. وَالْأُخْتَانِ أَقَارِب زَوْجَة الرَّجُل. وَالْأَصْهَار يَقَع عَلَى النَّوْعَيْنِ. وَأَمَّا قَوْله ﷺ (الْحَمو الْمَوْت) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَوْف مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره، وَالشَّرّ يُتَوَقَّع مِنْهُ، وَالْفِتْنَة أَكْثَر لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْمَرْأَة وَالْخَلْوَة مِنْ غَيْر أَنْ يُنْكَر عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَالْمُرَاد بِالْحَمْوِ هُنَا أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ. فَأَمَّا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء فَمَحَارِم لِزَوْجَتِهِ تَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا، وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعَمّ، وَابْنه، وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ. وَعَادَة النَّاس الْمُسَاهَلَة فِيهِ، وَيَخْلُو بِامْرَأَةِ أَخِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْت، وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته هُوَ صَوَاب مَعْنَى الْحَدِيث.
ج-عن جابر عن النبي ﷺ قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس لها محرم فإن ثالثهما الشيطان) رواه مسلم.
في هذا الحديث بيان أن من مقتضى الإيمان عدم الخلوة بالأجنبية، لاسيما وأن في الخلوة مشاركة للشيطان في هذا الاجتماع، وهو لا يوجد إلا ليوقع في الحرام، مما يدل على حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية.
د- عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَاكِحاً أَوْ ذَا مَحْرَم) رواه مسلم.
ففي هذا الحديث نهى عن المبيت عند امرأة أجنبية والمبيت يقتضي الخلوة مما يدل على حرمة الخلوة بالأجنبية.
• هل هذه الحرمة مقيدة بقيد أو مطلقة؟
هذه الحرمة مطلقة، سواء أمنت الفتنة أم لم تؤمن، وسواء وجدت العدالة أو لم توجد.
• ماذا نستفيد من قوله (لا يخلون … )؟
نستفيد: جواز الخلوة مع وجود المحْرَم.
стр. 1250
• هل يقوم غير محرم مقامه في هذا، كالنسوة الثقات؟
القول الأول: يجوز.
لضعف التهمة.
القول الثاني: لا يجوز بل لا بد من محرم.
لظاهر الحديث.
• ما يرفع الخلوة بين امرأة أجنبية ورجل أجنبي:
أ- الزوج.
قال النووي: لو كان معها زوجها كان كالمحرم وأولى بالجواز.
ب-محرَم المرأة - كأبيها أو أو أخيها - وهو يرفع الخلوة بلا ريب؛ لنص الحديث على ذلك؛ ففي الصحيحين عن ﷺ قال (لَا يَخْلونَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إِلاَّ وَمَعَها ذُو مَحْرَم) وإنه إذا صلح محرماً لها في السفر فأولى أن يرفع الخلوة المحرمة في الحضر.
ج-وجود امرأة مأمونة أو أكثر.
قال النووي: وأمَّا إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما: فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يُستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك؛ فإن وجوده كالعدم. (شرح مسلم).
وقال أيضاً: والمشهور: جواز خلوة رجل بنسوة لا محرَم له فيهن؛ لعدم المفسدة غالباً؛ لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً. (المجموع).
وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان مع المرأة مثلُها انتفت الخَلوة.
د-وجود رجل مأمون أو أكثر.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: أما إذا كان معهما رجل آخر أو أكثر، أو امرأة أخرى أو أكثر: فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر.
وقال الشيخ ابن عثيمين: أما إذا كان معه امرأتان فأكثر: فلا بأس؛ لأنه لا خلوة حينئذٍ بشرط أن يكون مأموناً، وأن يكون في غير سفر.
• ما حكم سفر المرأة للحج الفرض من غير محرم؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: لا يجوز مطلقاً.
وهذا قول الحنفية والحنابلة.
أ- لحديث الباب ( … إِنَّ اِمْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، .... وَلَا تُسَافِرُ اَلْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم).
ب- وعن ابن عباس. عن النبي ﷺ أنه قال (لا تحجّن امرأة إلا ومعها ذو محرَم) رواه الدارقطني، قال ابن حجر: إسناده صحيح.
وجه الاستدلال: أن هذين الحديثين نصان صريحان في المسألة.
стр. 1251
ج- عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثاً إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم).
د-وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم) رواه البخاري ومسلم.
هـ-وعنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ) رواه البخاري ومسلم.
و-وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَراً يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِداً إِلاَّ وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا) رواه البخاري مسلم
ك-وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) رواه البخاري ومسلم.
القول الثاني: يجوز إذا كان مع نساء ثقات
وهذا مذهب الشافعية.
أ-لما رواه البخاري معلقاً: (أن عمر أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان وعبد الرحمن بن عوف).
ب- وعَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ (بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ «يَا عَدِىُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ». قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ أَحَداً إِلاَّ اللَّه) رواه البخاري.
والراجح القول الأول، وهو التحريم مطلقاً من غير محرم.
وحديث الباب، لم يستفصل النبي ﷺ هل معها نساء أم لا، أو صغيرة أو كبيرة، أو آمنة أو غير آمنة.
قال الشيخ محمد بن عثيمين: هذا العمل وهو الحج بدون مَحرم: مُحرَّم لحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يخطب: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإنني قد اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : انطلق فحج مع امرأتك).
فلا يجوز للمرأة السفر بدون محرم، والمحرم: من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، ويشترط أن يكون بالغاً عاقلاً، وأما الصغير فلا يكون محرماً، وغير العاقل لا يكون محرماً أيضاً، والحكمة من وجود المحرم مع المرأة حفظها وصيانتها، حتى لا تعبث بها أهواء مَنْ لا يخافون الله ولا يرحمون عباد الله.
ولا فرق بين أن يكون معها نساء أو لا، أو تكون آمنة أو غير آمنة، حتى ولو ذهبت مع نساء من أهل بيتها وهي آمنة غاية الأمن، فإنه لا يجوز لها أن تسافر بدون محرم؛ وذلك لأن النبي ﷺ لما أمر الرجل بالحج مع امرأته لم يسأله ما إذا كان معها نساء وهل هي آمنة أم لا، فلما لم يستفسر عن ذلك دل على أنه لا فرق، وهذا هو الصحيح.
وقد تساهل بعض الناس في وقتنا الحاضر فسوَّغ أن تذهب المرأة في الطائرة بدون محرم، وهذا لا شك أنه خلاف النصوص العامة الظاهرة، والسفر في الطائرة كغيره تعتريه الأخطار.
стр. 1252
• ما رأيك بمن قال إن العجوز التي لا تشتهى يجوز أن تسافر بغير محرَم؟
الصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر من غير محرم ولو كانت عجوزاً.
لقوله (لا تسافر المرأة … ) وهذا عام، يشمل كل النساء، الشابة والعجوز.
ولأن لكل ساقطة لا قطة.
• المحرَم بالنسبة للمرأة هل شرط للوجوب أم شرط للأداء؟
اختلف العلماء:
فقيل: إن وجود المحرم شرط للوجوب. (يسقط الحج عنها إذا لم تجد محرماً).
وعلى هذا القول، فإن المرأة التي لا تجد محرَماً يسقط عنها الحج، كمن من ليس عنده مال يحج به.
وقيل: إنه شرط لوجوب الأداء. (يعني أن المرأة إذا لم تجد محرماً فإنها تستنيب).
• ما الجواب عن أدلة من قال بالجواز مع نساء ثقات؟
أما فعل عمر مع زوجات النبي ﷺ وخروجهن للحج.
فالجواب عنه من وجوه:
أ-قالوا: ليس في الحديث أنه لم يكن معهن محرم، فلعل محارمهن كانوا معهن في قافلة الحج نفسها، وبعثُ عمرَ بنِ الخطاب معهنَّ عثمانَ بن عفان وعبدَ الرحمن بن عوف زيادةٌ في الإكرام والاطمئنان، ولا يُظن بالصحابة مخالفة نهي النبي ﷺ عن سفر المرأة من غير محرم، خاصة وقد جاء في بعض الروايات - وإن كان في سندها مقال - ما يدل على وجود محارمهن.
فقد روى ابن الجوزي في " المنتظم " في حوادث سنة (٢٣ هـ) عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بإسنادهم قالوا: حجَّ عمر بأزواج النبي ﷺ معهن أولياؤهن ممَنْ لا يحتجبن منه، وجعل في مقدم قطارهن: عبد الرحمن بن عوف، وفي مؤخره: عثمان بن عفان .. الخ.
ثم إنه يبعد جداً ألا يكون معهن أحد من محارمهن، مع كثرة المسافرين للحج معهن من المدينة، فالغالب أنه لن يخلو الأمر من أخ أو جد أو خال أو عم أو أحد المحارم من الرضاعة، وقد كانت الرضاعة كثيرة في ذلك الوقت.
ب-ثم على فرض أنه لم يكن معهن محرم: فهو اجتهاد منهن، ومعلوم أن اجتهاد الصحابي لا يُقبل إذا خالف نصّاً صحيحاً عن النبي ﷺ .
قال الصنعاني: ولا تنهض حجة على ذلك؛ لأنه ليس بإجماع.
ج-وأجاب فريق ثالث من أهل العلم بخصوصية ذلك بزوجات النبي ﷺ ؛ لأنهن أمهات المؤمنين، وجميع الرجال محارم لهن.
قال أبو حنيفة ﵀: كان الناس لعائشة محرماً، فمع أيهم سافرت فقد سافرت بمحرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك (عمدة القاري)؟
إلا أن جواب أبي حنيفة هذا غير مُسَلَّم؛ لأن زوجات النبي ﷺ في مقام أمهات المؤمنين في تحريم النكاح، وليس في المحرمية، وإلا فلو كن أمهاتٍ للمؤمنين في المحرمية أيضا لجاز لهن خلع الحجاب أمامهم والخلوة بهم ونحو ذلك من أحكام المحرمية، وذلك ما لم يقل به أحد.
يقول ابن تيمية في " منهاج السنة " (٤/ ٢٠٧) عن أزواج النبي ﷺ إنهن أمهات المؤمنين في التحريم دون المحرمية " انتهى.
والمعتمد في الجواب هو الجواب الأول.
стр. 1253
والحاصل: أنه لا يجوز أن تُرد الأحاديث الصحيحة الصريحة بما يستنبط من بعض أفعال الصحابة المحتملة، والواجب هو اتباع ما ثبت وليس ما هو محتمل.
سئل الشيخ ابن باز ﵀: يقولون إن عائشة ﵂ حجت مع عثمان بدون محرم؟
فأجاب: هذا يحتاج إلى دليل، لا يجوز أن يقال: حجت بدون محرم بغير دليل، لا بد أن يكون معها محرم، فعندها أبناء أخيها، عندها عبد الرحمن أخوها، عندها أبناء أختها أسماء، الذي يقول إنها حجت بدون محرم يكون قوله كذباً إلا بدليل، ثم لو فرضنا أنها حجت بدون محرم فهي غير معصومة، كل واحد من الصحابة غير معصوم، الحجة في قال الله وقال رسوله، ما هو بحجة قول فلان أو فلان، ما خالف السنة فلا حجة فيه، الحجة في السنة المطهرة الصحيحة، هذا هو المعروف عند أهل العلم، وهو المجمع عليه.
يقول الشافعي ﵀: أجمع الناس على أنه من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
وقال مالك ﵀: ما منَّا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، (يعني: النبي ﷺ .
المقصود: أن الواجب على أهل الإسلام والمؤمنين هو الأخذ بالسنَّة، لا يجب أن تعارض لقول فلان أو فلان أو فلانة، ثم لا يظن بعائشة ﵂ وهي الفقيهة المعروفة أفقه نساء العالم، لا يظن بها أن تخالف السنَّة وتحج بغير محرم، وهي التي سمعت الأحاديث عن رسول الله ﷺ (فتاوى ابن باز).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا قال قائل: هذا الحجيج ليس فيه أن معهن محرَماً، فهل يقال هذا خاص بزوجات النبي ﷺ لأنهن أمهات المؤمنين، ليس بمحرمية ولكن باحترام.
أو يقال المحرم هنا مسكوت عنه، وأُرسل معهن هذان الصحابيان الفاضلان مع المحارم؟ الأول محتمل، والثاني محتمل.
فإذا أخذنا بالقاعدة أن يُحمل المتشابه على المُحكم ماذا نقول؟
الجواب: نقول بالاحتمال الثاني ونقول: لابد أن محارمهن معهن لكن جُعل معهن هذان الصحابيان الجليلان تشريفاً وتعظيماً لأمهات المؤمنين ﵅. (شرح كتاب الحج من صحيح البخاري).
(موقع الإسلام سؤال وجواب).
ب- وأما الجواب عن حديث عدي بن حاتم:
فالجواب: أنه ﷺ أخبر عن ذلك بأنه سيقع وهذا لا يدل على الجواز فلا وجه للاستدلال به فإنه ﵇ ساق الكلام لبيان أمن الطريق من العدل وقوة الدولة لا لبيان أن المرأة يجوز لها الخروج من غير محرم.
نظير ذلك قوله ﷺ (ليأتين على الناس زمان تصير الظعينة من مكة إلى الحيرة لا يأخذ أحد بخطام راحلتها) وقد أجمعوا على أنها لا يجوز لها الخروج من مكة إلى الحيرة بغير محرم ولا من مكة إلى أي بلد.
ونظيره قوله ﷺ (سيكون دجالون كذابون) ولا يلزم من ذلك جواز الدجل والكذب.
стр. 1254
• من هم المحرَم بالنسبة للمرأة؟
ضابط المحرم الذي يجوز السفر معه والخلوة به هو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح.
(على التأبيد) احترازاً من أخت الزوجة وعمتها وخالتها.
(بنسب) كالأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ ....
(مباح) كالرضاع: الأب من الرضاع، والأخ من الرضاع ....
والمحرم بالمصاهرة: أبو زوجها، ابن زوجها، زوج أم المرأة، زوج بنت المرأة.
قال النووي: قوله ﷺ (إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم) فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ جَمِيع الْمَحَارِم سَوَاء فِي ذَلِكَ، فَيَجُوز لَهَا الْمُسَافَرَة مَعَ مَحْرَمهَا بِالنَّسَبِ كَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا وَخَالهَا وَعَمّهَا، وَمَعَ مَحْرَمهَا بِالرَّضَاعِ كَأَخِيهَا مِنْ الرَّضَاع وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا مِنْهُ وَنَحْوهمْ، وَمَعَ مَحْرَمهَا مِنْ الْمُصَاهَرَة كَأَبِي زَوْجهَا وَابْن زَوْجهَا، وَلَا كَرَاهَة فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا يَجُوز لِكُلِّ هَؤُلَاءِ الْخَلْوَة بِهَا وَالنَّظَر إِلَيْهَا مِنْ غَيْر حَاجَة، وَلَكِنْ لَا يَحِلّ النَّظَر بِشَهْوَةِ لِأَحَدِ مِنْهُمْ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور، وَوَافَقَ مَالِك عَلَى ذَلِكَ كُلّه إِلَّا اِبْن زَوْجهَا، فَكَرِهَ سَفَرهَا مَعَهُ لِفَسَادِ النَّاس بَعْد الْعَصْر الْأَوَّل، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس لَا يَنْفِرُونَ مِنْ زَوْجَة الْأَب نَفْرَتهمْ مِنْ مَحَارِم النَّسَب، قَالَ: وَالْمَرْأَة فِتْنَة إِلَّا فِيمَا جَبَلَ اللَّه تَعَالَى النُّفُوس عَلَيْهِ مِنْ النَّفْرَة عَنْ مَحَارِم النَّسَب، وَعُمُوم هَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَى مَالِك.
• ما شروط المحرم:
أولاً: أن يكون بالغاً، فالصغير لا يكفي أن يكون محرماً، لأن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل فيه ذلك.
ثانياً: عاقلاً، فالمجنون لا يصح أن يكون محرماً، لأنه لا يحصل للمجنون حماية المرأة وصيانتها.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: الولد متى يكون محرماً لأمه؟ هل هو بالبلوغ أو بالتمييز؟ فأجاب: المحرم بارك الله فيك! يكون مَحْرَماً إذا كان بالغاً عاقلاً، فمن لم يبلغ فليس بمحرم، ومن كان في عقله خلل فليس بمحرم. (لقاءات الباب المفتوح)
ثالثاً: الذكورية، فالمرأة لا تكون محرماً للمرأة.
• هل يجب على الزوج أن يحج مع زوجته؟ قولان:
القول الأول: يجب إذا لم يكن لها غيره.
لحديث الباب: (انطلق فحج مع امرأتك).
قال ابن حزم: ففرض عليه أن يحج معها ....
القول الثاني: لا يلزمه.
وهذا القول أقوى.
وأما الحديث: (انطلق … ) فهنا أمره بالحج مع امرأته لأن المرأة قد شرعت في السفر، ولا طريق إلى خلاص من ذلك إلا أن يسافر معها.
لكن ليس للزوج أن يمنعها عن حج فرض باتفاق العلماء.
• ما حكم خروج المرأة للحج من غير محرم في حج التطوع؟
لا يجوز لها ذلك.
وهذا مذهب أغلب الفقهاء، فيه قال الحنفية والمالكية وهو المذهب الراجح عند الشافعية وقال به الحنابلة.
стр. 1255
• ما الجمع بين الروايات المختلفة في أحاديث النهي عن سفر المرأة بلا محرم؟
وردت عدة روايات كما تقدم في الأحاديث:
ورد مطلق من غير تقييد كحديث الباب (وَلَا تُسَافِرُ اَلْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم).
وورد في حديث أبي سعيد (لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثاً … ).
وورد في حديث أبي هريرة ( … مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم).
وورد في حديث أبي سعيد ( … لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلاَّ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرم).
وورد في حديث ابن عمر ( … لا تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ).
وورد في حديث أبي هريرة ( … أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَة).
والجمع بين هذه الروايات: قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين.
قَالَ الْعُلَمَاء: اِخْتِلَاف هَذِهِ الْأَلْفَاظ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ، وَاخْتِلَاف الْمَوَاطِن، وَلَيْسَ فِي النَّهْي عَنْ الثَّلَاثَة تَصْرِيح بِإِبَاحَةٍ اللَّيْلَة أَوْ الْبَرِيد، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَأَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَة تُسَافِر ثَلَاثًا بِغَيْرِ مَحْرَم، فَقَالَ: لَا، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرهَا يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَم: فَقَالَ: لَا، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرهَا يَوْمًا فَقَالَ: لَا. وَكَذَلِكَ الْبَرِيد، فَأَدَّى كُلّ مِنْهُمْ مَا سَمِعَهُ، وَمَا جَاءَ مِنْهَا مُخْتَلِفًا عَنْ رِوَايَة وَاحِد فَسَمِعَهُ فِي مَوَاطِن، فَرَوَى تَارَة هَذَا، وَتَارَة هَذَا، وَكُلّه صَحِيح، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلّه تَحْدِيد لِأَقَلّ مَا يَقَع عَلَيْهِ اِسْم السَّفَر، وَلَمْ يُرِدْ ﷺ تَحْدِيد أَقَلّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا، فَالْحَاصِل أَنَّ كُلّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا تُنْهَى عَنْهُ الْمَرْأَة بِغَيْرِ زَوْج أَوْ مَحْرَم، سَوَاء كَانَ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ يَوْمَيْنِ أَوَيَوْمًا أَوْ بَرِيدًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ؛ لِرِوَايَةِ اِبْن عَبَّاس الْمُطْلَقَة، وَهِيَ آخِر رِوَايَات مُسْلِم السَّابِقَة (لَا تُسَافِر اِمْرَأَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم) وَهَذَا يَتَنَاوَل جَمِيع مَا يُسَمَّى سَفَرًا.
وقال الحافظ ابن حجر: تحت حديث (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرَم) كذا أطلق السفر، وقيّده في حديث سعيد الآتي في الباب فقال (مسيرة يومين)، ومضى في الصلاة حديث أبي هريرة مقيداً بمسيرة يوم وليلة، وعنه روايات أخرى، وحديث ابن عمر فيه مقيداً بثلاثة أيام، وعنه روايات أخرى أيضاً، وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات.
• وقد اختلف العلماء في مقدار السفر الذي لا يجوز للمرأة أن تسافر فيه، إلا إذا كان معها زوجها أو محرم لها:
قيل: لا يجوز للمرأة أن تسافر ليلتين بلا زوج أو محرم، فإن كانت المسافة أقل من ذلك فلها أن تسافر لوحدها.
لحديث أبي سعيد (لا تسافر المرأة يومين .... ).
وقيل: لا يجوز أن تسافر مطلقاً، كان السفر قريباً أو بعيداً، إلا معها زوج أو ذو محرم لها.
لحديث ابن عباس - حديث الباب - (وَلَا تُسَافِرُ اَلْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم).
وقيل: يجوز أن تسافر المرأة فيما دون البريد، فإذا كان بريداً فصاعداً فليس لها أن تسافر إلا بمحرم.
لرواية أبي داود عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا تسافر امرأة بريداً إلا مع زوج أو ذي محرم).
وقيل: للمرأة أن تسافر فيما دون اليوم بلا محرم، وما زاد على ذلك فلا يجوز إلا بزوج أو محرم.
لحديث أبي هريرة ( .... أن تسافرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم).
والراجح - كما تقدم - أنه لا يجوز لها أن تسافر مطلقاً سواء كان السفر بعيداً أو قصيراً.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة: يحرم على المرأة السفر بدون محرم مطلقا، سواء قصرت المسافة أم طالت.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- يرخص في سفر المرأة بدون محرم في حالات متفق عليها:
أ- الكافرة تسلم في دار الحرب، فيجوز أن تسافر لوحدها لدار المسلمين.
ب- الأسيرة تخلصت من الكفار، فلها أن تسافر لوحدها.
ج- المرأة إذا انقطعت من الرفقة فلها أن تسير لوحدها.
- أن الحج لا يجب على المرأة إذا لم يكن لها محرم.
стр. 1256
٧١٨ - وَعَنْهُ: (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: " مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قَالَ: أَخٌ [لِي]، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: " حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ.
===
(قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي) هذا شك من الراوي.
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث مختلف فيه، فرجح الإمام أحمد والإمام الطحاوي وقفه، واختاره ابن المنذر.
وقال ابن المنذر _ كما في التلخيص الحبير (٢/ ٢٢٣): لا يثبت رفعه.
ورجح بعض العلماء رفعه كالبيهقي فقال _ كما في السنن الكبرى: هذا إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه)، وقال أيضاً: (ومن رواه مرفوعاً حافظ ثقة، فلا يضره خلاف من خالفه).
ورجح المرفوع ابن حبان وعبد الحق وابن القطان والنووي والألباني.
• هل ما دل عليه هذا الأثر الموقوف صحيح؟
نعم، ما دل عليه هذا الموقوف هو الصحيح لوجوه:
أولاً: أنه قول صحابي لم يثبت خلافه.
ثانياً: أنه الأصل، فالأصل أن يحج الإنسان عن نفسه قبل أن يحج عن غيره.
ثالثاً: أن الله قد خاطب هذا المكلف وأمره أن يؤدي هذا الفرض، فكيف يذهب يؤدي فرض غيره، والله قد خاطبه بنفسه: (ولله على الناس حج … ).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لا يجوز للإنسان أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
وقد ذهب إلى هذا جماهير العلماء.
فالواجب أن يبدأ بنفسه، ثم يحج عن غيره.
• ما الحكم لو حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؟
إن حج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه، فإن هذه الحجة تكون عن نفسه، ويرد المال لصاحبه.
وقد جاء في رواية عند ابن ماجه لهذا الحديث (فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة).
قال الشيخ ابن عثيمين: لو فرضنا أن هذا الذي أقيم وهو لم يؤد فريضة الحج، حج وقال: لبيك عن فلان الذي وكله، يكون الحج لهذا الذي حج ويرد النفقة التي أعطاها لمن وكله، لأن ذلك العمل الذي وكله فيه لم يصح، فيرد عوضه. (الشرح الممتع).
وهذا القول هو مذهب الشافعي وأحمد.
وذهب بعض العلماء إلى أن من حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه فإن الحج يقع عن الغير، وهذا قول الحنفية والمالكية.
واستدلوا بحديث المرأة الخثعمية - وقد تقدم - ولم يسألها هل حججتِ عن نفسك أم لا؟
ولكن الراجح القول الأول، وأما حديث الخثعمية فالجواب عنه بأن يقال: أن المرأة سألت وهي متلبسة بالحج (تحج عن نفسها) فهي تسأل عن المستقبل.
стр. 1257
• هل يشرع الجهر بالتلبية؟
نعم، يشرع الجهر بالتلبية.
• هل يشرع ذكر اسم المحجوج عنه؟
نعم يشرع، فالرجل إذا حج عن غيره فإنه يصرح بذكره فيقول: لبيك عن فلان.
ولو يسميه، نعم يسميه ولو كان امرأة، لكن لو قال: لبيك عمن استنابني فإنه جائز.
إذا نسي اسم من وكله فإنه يقول: لبيك عمن استنابني.
١ - يجوز إذا كان الرجل فقيراً لا يستطيع الحج ولم يحج عن نفسه فأعطاه رجل مالاً ليحج عنه.
لأن هذا الرجل الآن لا يستطيع الحج (السبيل) لأنه ليس عنده مال، فيجوز أن يحج عن غيره.
٢ - المشهور من المذهب أنه يجب أن يحج النائب من حيث المستنيب.
قالوا: لو أن هذا الرجل أراد أن يحج لنفسه فإنه ينطلق من مكانه، فكذلك نائبه.
لكن هذا القول ضعيف، والصحيح أنه لا يلزمه أن يقيم من يحج عنه من مكانه، لأن الطريق ليس مقصوداً لذاته.
• أذكر بعض الفوائد من الحديث؟
- مشروعية الجهر بالتلبية.
- مشروعية الحج عن الغير سواء كان قريباً أو بعيداً، وقد تقدمت المسألة وشروطها.
- تعليم الجاهل.
• هل يشترط ذكر اسم المنوي عنه؟
الحج والعمرة عن الغير لا يشترط فيهما ذكر اسم الشخص المنوي عنه الحج أو العمرة، ولا التلفظ بذلك، بل تكفي النية عنه، والنية محلها القلب.
ولكن الأفضل أن يقول عند أول تلبية: لبيك اللهم عن فلان - كما في حديث الباب.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء: الحج عن الغير يكفي فيه النية عنه، ولا يلزم فيه تسمية المحجوج عنه، لا باسمه فقط ولا باسمه واسم أبيه أو أمه، وإن تلفظ باسمه عند بدء الإحرام أو أثناء التلبية أو عند ذبح دم التمتع إن كان متمتعاً أو قارناً - فحسن؛ لما روى أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان، عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: " من شبرمة "؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: " حججت عن نفسك "؟ قال: لا. قال: " حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة ".
وسئل الشيخ ابن باز ﵀: رجل حج عن امرأة وعندما أراد الإحرام من الميقات نسي اسمها ماذا يصنع؟
فأجاب: إذا حج عن امرأة أو عن رجل ونسي اسمه فإنه يكفيه النية ولا حاجة لذكر الاسم، فإذا نوى عند الإحرام أن هذه الحجة عمن أعطاه الدراهم أو عمن له الدراهم كفى ذلك، فالنية تكفي؛ لأن الأعمال بالنيات، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ .
- إذا كان الرجل فقير لم يحج عن نفسه لفقره، هل يصح أن ينوب على غيره؟
قيل: لا يصح.
وقال بعض العلماء: إنه يصح لإنسان الذي لم يؤدِ الفريضة عن نفسه أن يحج عن غيره، إذا كان الحج لا يجب عليه، كالفقير.
مثال: رجل فقير ليس عنده شيء، فأنابه شخص وقال: حج عني، فإنه يصح، فالسبب قالوا: الحج لا يجب على هذا الفقير، فهو لم يسقط فرض غيره قبل فرض نفسه، لأن الفريضة هنا غير واجبة.
وهذا القول هو الصحيح.
القاعدة: من وجب عليه الحج لم يصح أن يحج عن غيره قبل نفسه، وأما من لم يجب عليه الحج فيصح.
стр. 1258
٧١٩ - وَعَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ (إِنَّ اَللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ اَلْحَجَّ " فَقَامَ اَلْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كَلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: " لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، اَلْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، غَيْرَ اَلتِّرْمِذِيِّ.
===
(كتب) يعني فرض.
• اذكر لفظ الحديث كما جاء في صحيح مسلم؟
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثاً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ - ثُمَّ قَالَ - ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: وجوب الحج. والحج فرض بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين).
وقال ﷺ (بني الإسلام على خمس: … وذكر منها: وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً).
وأجمع المسلمون على فرضيته.
• ما حكم تارك الحج تكاسلاً؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: كافر.
وهو مذهب عمر، وهو مذهب سعيد بن جبير وطائفة من فقهاء المالكية.
لقوله تعالى ( … وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين).
وعن الحسن قال: قال عمر: (لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين). رواه ابن سعد.
القول الثاني: أنه لا يكفر.
لأن النبي ﷺ لما ذكر مانع الزكاة قال: (فيرى سبيله إما إلى النار وإما إلى الجنة) فلو كان كافراً لم يقل النبي ﷺ إما إلى الجنة وإما إلى النار، لأن الكافر لا يشم رائحة الجنة.
قالوا: فإذا لم يكفر تارك الزكاة فتارك الحج من باب أولى.
وهذا القول هو الراجح.
* وأما الجواب عن قوله تعالى: (ومن كفر … ) فقد تقدم في أول الشرح.
• كم مرّة يجب الحج في العُمُر؟
يجب مرة واحدة في العمر.
стр. 1259
• هل الحج على الفور أم على التراخي؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه على الفور.
وهو قول المالكية والحنابلة.
قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن من وجب عليه الحج، وأمكنه فعله؛ وجب عليه على الفور، ولم يجز له تأخيره، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك.
- لقوله تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وقوله تعالى (واستبقوا الخيرات).
- قال ﷺ (من أراد الحج فليتعجل) رواه أحمد وفيه ضعف.
- ما جاء في قصة الحديبية، وفيها أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا … فوالله ما قام منهم رجل … فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس).
ووجه الدلالة: أنه لو لم يكن الأمر للفور ما دخل على أم سلمة مغضباً.
- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله؛ ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً) رواه الترمذي وفيه ضعف.
- أن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ للذمة.
- ولأنه أحد أركان الإسلام؛ فكان واجباً على الفور كالصيام.
- ولأن وجوبه بصفة التوسع يخرجه عن رتبة الواجبات.
القول الثاني: أنه على التراخي وليس على الفور.
وهذا مذهب أكثر الشافعية.
قال النووي: مذهبنا أنه على التراخي، وبه قال الاوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله تعالى عنهم.
أ- قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، ولا خلاف أن آية (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع في الحديبية من إحصار المشركين رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وهم محرومون بعمرة، وذلك في ذي القعدة من عام ست بلا خلاف وإذا كان الحج فرض عام ست، وكان النَّبي ﷺ لم يحج إلا عام عشر، فذلك دليل على أنه على التراخي.
ب-ومن أدلتهم أيضاً: أَنه إن أَخر الحج من سنة إلى أَخرى، أَوْ إلى سنين ثم فعله فإنه يسمى مؤدياً للحج لا قاضياً له بالإجماع، قالوا: ولو حرم تأخيره لكان قضاء لا أداء.
ج-ومنها: أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونهما على التراخي، بجامع أن كليهما واجب، ليس له وقت معين: قالوا: ولكن ثبتت آثار: أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة السنة.
والراجح أنه على الفور.
والنبي ﷺ لم يحج عام ٩ هـ وحج عام ١٠ هـ، لسببين:
أولاً: كثرة الوفود عليه في تلك السنة، ولهذا تسمى سنة الوفود.
ثانياً: لأن في السنة التاسعة من المتوقع أن يحج المشركون كما وقع.
стр. 1260
• ما حكم من مات ولم يحج وهو بالغ وكان مقتدراً؟
قال الشيخ ابن عثيمين: اختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: إنه يحج عنه وأن ذلك ينفعه، ويكون كمن حج لنفسه، ومنهم من قال: لا يحج عنه، وأنه لو حج عنه ألف مرة لم تقبل. يعني لم تبرأ بها ذمته، وهذا القول هو الحق، لأن هذا الرجل ترك عبادة واجبة عليه مفروضة على الفور بدون عذر، فكيف يذهب عنها، ثم نلزمه إياها بعد الموت، ثم التركة الآن تعلق بها حق الورثة، كيف نحرمهم من ثمن هذه الحجة وهي لا تجزئ عن صاحبها، وهذا هو ما ذكره ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن"، وبه أقول: إن من ترك الحج تهاوناً مع قدرته عليه لا يجزئ عنه الحج أبداً، لو حج عنه الناس ألف مرة، أما الزكاة فمن العلماء من قال: إذا مات وأديت الزكاة عنه برئت الذمة، ولكن القاعدة التي ذكرتها تقتضي ألا تبرأ ذمته من الزكاة، لكني أرى أن تخرج الزكاة من التركة، لأنه تعلق بها حق الفقراء والمستحقين للزكاة، بخلاف الحج، فلا يؤخذ من التركة، لأنه لا يتعلق به حق إنسان، والزكاة يتعلق بها حق الإنسان، فتخرج الزكاة لمستحقيها، ولكنها لا تجزئ عن صاحبها، سوف يعذب بها عذاب من لم يزك، نسأل الله العافية، كذلك الصوم إذا علم أن هذا الرجل ترك الصيام وتهاون في قضائه، فإنه لا يقضى عنه، لأنه تهاون وترك هذه العبادة، التي هي ركن من أركان الإسلام بدون عذر، فلو قضي عنه لم ينفعه، وأما قوله ﷺ : (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ). فهذا فيمن لم يفرط، وأما من ترك القضاء جهراً وجهاراً بدون عذر شرعي فما الفائدة أن نقضي عنه " انتهى.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن صيغة الأمر لا تدل على التكرار، فيكفي في امتثاله مرة ما لم يأت البيان من دليل آخر.
- أنه لا يجب الإحرام لمن مرّ بالميقات وقد أدى فريضة الحج.
لأن النبي ﷺ قال: (الحج مرة) ولو أوجبنا الإحرام على من مرّ بالميقات بدون قصد الحج والعمرة لكان الحج يجب مرات كثيرة كلما مرّ بالميقات وجب عليه أن يحرم.
وهذا القول هو الراجح: أنه لا يجب الإحرام من الميقات إلا لمن أراد الحج أو العمرة.
стр. 1261
باب المواقيت
المواقيت جمع ميقات: وهو المكان الذي يحرم منه من أراد النسك.
٧٢٠ - عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ اَلشَّامِ: اَلْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ اَلْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اَلْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ اَلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
٧٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
٧٢٢ - وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ إِلَّا أَنَّ رَاوِيَهُ شَكَّ فِي رَفْعِهِ.
٧٢٣ - وَفِي اَلْبُخَارِيِّ: - أَنَّ عُمَرَ هُوَ اَلَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ -.
٧٢٤ - وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيِّ: عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَشْرِقِ: اَلْعَقِيقَ)
===
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ) حدد.
(ذَا الْحُلَيْفَةِ،) مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين.
قال النووي: وهي أبعد المواقيت من مكة، بينهما نحو عشر مراحل، وهي قريبة من المدينة.
(اَلْجُحْفَةَ) قال الحافظ: هي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة.
قال النووي: سميت بذلك لأن السيل اجتحفها.
(يَلَمْلَمَ) وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة.
(قَرْنَ اَلْمَنَازِلِ) على نحو مرحلتين من مكة، وهو أقرب المواقيت إلى مكة.
(هُنَّ) أي: هذه المواقيت.
(لَهُنَّ) أي: لأهل البلاد المذكورة.
(وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ) يعني أن هذه المواقيت تكون محل إحرام لكل شخص أتى عليها من غير أهل البلاد المذكورة.
(وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أي: ومن كان منزله دون هذه المواقيت، بأن كان بينها وبين مكة، فميقاته من حيث أنشأ السفر أو أنشأ النية للحج أو العمرة.
• اذكر المواقيت المكانية للحج أو العمرة؟
قال ابن قدامة بعد ما ذكر المواقيت: أجمع أهل العلم على أربعة منها، وهي: ذو الحليفة، وقرن، والجحفة ويلملم واتفق أئمة النقل على صحة الحديث عن رسول الله فيها.
• ما حكم الإحرام من هذه المواقيت لمن أراد الحج أو العمرة؟
واجب.
أ- لقوله (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ … ).
ب-وفي حديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ..... ) متفق عليه.
ج- وفي حديث ابن عمر - عند البخاري - قال (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً، وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَة).
стр. 1262
• ما أبعد هذه المواقيت، وما الحكمة؟
أبعد هذه المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة.
قال الحافظ: فقيل في الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقاً بأهل الآفاق، لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، أي ممن له ميقات معين.
• ما حكم من تجاوز هذه المواقيت من غير إحرام وهو مريد النسك؟
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ، إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ، فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
وَبِهِ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ.
وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ.
وقال الشيخ ابن باز: لا يجوز للمسلم إذا أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات الذي يمر به إلا بإحرام، فإن تجاوزه بدون إحرام لزمه الرجوع إليه والإحرام منه، فإن ترك ذلك وأحرم من مكان دونه أو أقرب منه إلى مكة فعليه دم عند الكثير من أهل العلم، يذبح في مكة ويوزع بين الفقراء؛ لكونه ترك واجباً وهو الإحرام من الميقات الشرعي.
• ما حكم من مرّ بميقات ليس ميقاته؟
يجب عليه أن يحرم منه.
فهذه المواقيت لأهلها ولمن مرّ عليها من غير أهلها ممن أراد الحج أو العمرة.
فمن سلك طريقاً فيها ميقات فهو ميقاته، فإذا مرّ أحد من أهل نجد ميقات أهل الشام فإنه يحرم منه، ولا يكلف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد.
• ما حكم المرأة الحائض إذا كانت تريد الحج أو العمرة وحاضت بالميقات؟
والمرأة التي تريد العمرة لا يجوز لها مجاوزة الميقات إلا بإحرام، حتى لو كانت حائضاً فإنها تحرم وهي حائض وينعقد إحرامها ويصح؛ والدليل لذلك أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر ﵄ ولدت - والنبي ﷺ نازل في ذي الحليفة يريد حجة الوداع - فأرسلت إلى النبي ﷺ كيف أصنع؟
قال (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).
ودم الحيض كدم النفاس، فنقول للمرأة الحائض: إذا مررت بالميقات وأنت تريدين العمرة أو الحج فاغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ".
والاستثفار معناه: أنها تشد على فرجها خرقة وتربطها ثم تحرم، سواء بالحج أو بالعمرة ".
стр. 1263
ولكنها إذا أحرمت ووصلت إلى مكة لا تأتي إلى البيت ولا تطوف به حتى تطهر ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة حين حاضت في أثناء العمرة قال لها (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي في البيت حتى تطهري) هذه رواية البخاري ومسلم، وفي صحيح البخاري أيضاً ذكرت عائشة أنها لما طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة، فدل هذا على أن المرأة إذا أحرمت بالحج أو العمرة وهي حائض أو أتاها الحيض قبل الطواف فإنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وتغتسل، أما لو طافت وهي طاهرة وبعد أن انتهت من الطواف جاءها الحيض؛ فإنها تستمر وتسعى ولو كان عليها الحيض وتقص من رأسها وتنهي عمرتها، لأن السعي بين الصفا والمروة لا يشترط له الطهارة. (الشيخ ابن عثيمين).
• ما الحكم إذا مر الشامي بميقات أهل المدينة، هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة والتي هي الأصل أو يجب أن يحرم من ذي الحليفة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب أن يحرم من ذي الحليفة.
وهذا قول الشافعي وأحمد.
لقوله ﷺ (هنّ لهنّ ولمن مرّ عليهنّ من غير أهلهنّ).
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ حدد ذا الحليفة ميقاتاً من ضمن هذه المواقيت، فلم يجز تجاوزه بغير إحرام كسائر المواقيت.
القول الثاني: يجوز ذلك تجاوز ذي الحليفة إلى الجحفة ويحرم من الأخير.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو اختيار شيخ الإسلام.
أ-واستدلوا بحديث الباب (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ اَلشَّامِ: اَلْجُحْفَةَ).
قالوا: لأن هذا الرجل مرّ بميقاتين، يجب عليه الإحرام منهما، أحدهما فرع، والثاني أصل، والأصل الجحفة وميقات المدينة فرع، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل.
ب- وقالوا: إن أهل الشام بنص الحديث ميقاتهم الجحفة.
والأول أحوط.
• ما حكم من كان منزلة دون الميقات؟
حكمه: يكون ميقاته من مكانه الذي هو ساكن فيه.
لقوله ﷺ (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ).
وقال الشيخ ابن باز: جدة ليست ميقاتاً للوافدين، وإنما هي ميقات لأهلها ولمن وفدوا إليها غير مريدين الحج ولا العمرة، ثم أنشئوا الحج والعمرة منها.
• ما حكم مَنْ سافر مِنْ بلده إلى جدة ثم أراد العمرة فهل يحرم من جدة؟
لا يخلو الأمر مِنْ حالين:
أ- الإنسان قد سافر إلى جدة بدون نية العمرة، ولكن طرأت له العمرة وهو في جدة: فإنه يُحرم من جدة، ولا حرج في ذلك؛ لحديث ابن عباس ﵄ حين ذكر المواقيت قال: (ومَن كان دون ذلك: فمِن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة).
ب- يكون سافر من بلده بنية العمرة عازماً عليها: فإنه يجب في هذه الحالة أن يُحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز الإحرام من جدة؛ لأنها دون الميقات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه وقَّت المواقيت فقال: (هنَّ لهنَّ ولمن مرَّ عليهن مِنْ غير أهلهن لمن أراد الحج والعمرة).
فإن أحرم من جدة ونزل إلى مكة في هذه الحال: فإن عليه عند أهل العلم فدية، دماً يذبحه في مكة، ويتصدق به على الفقراء، وعمرته صحيحة، فإن لم يحرم من جدة بعد وصوله إليها، وهو ناوٍ العمرة قبل وصوله: فإنه يرجع إلى الميقات، ويحرم منه، ولا شيء عليه. (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 1264
• ما حكم من تجاوز هذه المواقيت بلا نية النسك، ثم طرأ عليه نية العزم على النسك؟
فإنه يحرم من حيث أراد النسك.
لقوله ﷺ : (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ).
أي: ومن كان منزله دون هذه المواقيت، بأن كان بينها وبين مكة، فميقاته من حيث أنشأ السفر أو أنشأ النية للحج أو العمرة.
• ما حكم من لا يمر بميقات؟
الذي لا يمر بميقات فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، واعتبار المحاذاة أصل بنى عليه عمر حين قرر ذات عرق ميقاتاً لأهل العراق. (وسيأتي إن شاء الله).
• ما حكم الإحرام قبل الميقات؟
ذهب عامة أهل العلم على أن الإحرام من وراء الميقات صحيح معتد به، وأن من أحرم قبل بلوغ الميقات فإحرامه صحيح، وحكاه ابن المنذر إجماعاً.
والقائلون بأن الإحرام قبل الميقات منعقد اختلفوا هل هو أفضل، أو هو جائز أو مكروه؟
قال ابن بطال في شرح البخاري حكاية عن ابن المنذر بعد حكاية الإجماع المشار إليه ما عبارته:
غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، واستحبه آخرون.
فممن رأى ذلك ابن عمر أحرم من إيلياء، وسئل علي وابن مسعود عن قوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّه) فقالا: أن تحرم من دويرة أهلك.
وأجاز ذلك علقمة والأسود، وهو قول أبى حنيفة، والثوري، والشافعي.
وكره الإحرام قبل المواقيت عمر بن الخطاب، وأنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة.
وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات.
وهو قول عطاء، والحسن، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقال أحمد: المواقيت أفضل؛ لأنها سنة النبي ﵇. ا. هـ
والصواب قول من كره الإحرام قبل الميقات، لأنه قول عمر وعثمان ﵄، ولموافقته لفعل النبي ﷺ ولا يختار إلا الأفضل، وإحرام من أحرم قبل الميقات منعقد لأن من أنكره من الصحابة لم يلزم من فعله بتجديد الإحرام، ولأنه قول عامة العلماء، والذاهبون إلى عدم الصحة قليل من أهل العلم.
قال ابن قدامة مبيناً وجه كراهة الإحرام قبل الميقات: ولنا أن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل
قال الشيخ ابن عثيمين: الإحرام قبل هذه المواقيت المكانية مكروه، لأن النبي ﷺ وقتها، وكون الإنسان يحرم قبل أن يصل إليها فيه شيء من تقدم حدود الله ، ولهذا قال النبي ﷺ في الصيام (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) يدل على أنه ينبغي لنا أن نتقيد بما وقته الشرع من الحدود الزمانية والمكانية، ولكنه إذا أحرم قبل أن يصل إليها فإن إحرامه ينعقد.
وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها، وهي أن الرسول ﷺ لما وقت هذه المواقيت قال (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) فمن كان من أهل نجد فمر بالمدينة فإنه يحرم من (ذو الحليفة) ومن كان من أهل الشام، ومر بالمدينة، فإنه يحرم من (ذو الحليفة) ولا يحل له أن ينتظر حتى يصل إلى ميقات الشام الأصلي على القول الراجح من قولي أهل العلم.
стр. 1265
• هل الإنسان إذا مر بالميقات وهو لا يريد نسكاً وكان قد أدى فرضه، هل يلزمه الإحرام أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إنه يجب عليه الإحرام، ولا يتجاوز الميقات إلا محرماً، لأداء عمرة أو حج، وممن قال بهذا القول جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، إلا إن الحنفية قيدوه فيما إذا كان منزله خارج المواقيت، وهو قول عند الشافعية.
أ-عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ قال الرسول ﷺ (يتجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم).
بالنسبة للفظ الأول: قال ابن حجر: (رواه ابن عدي مرفوعاً من وجهين ضعيفين) (٧٠).
وفي لفظ آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال (لا تجوزوا الوقت إلا بإحرام).
قال الهيثمي: وفيه خصيف، وفيه كلام وقد وثقَّه جماعة.
وقال الذهبي عنه: صدوق سيء الحفظ، ضعفه أحمد، ووصفه أبو حاتم بالاختلاط.
ب-عن ابن عباس ﵁ قال (لا يدخل أحد مكة إلا محرماً) رواه البيهقي، قال الحافظ: إسناده جيد.
ج-عن علي قال (لا يدخلها إلا بإحرام، يعني مكة) أخرجه ابن أبي شيبة.
القول الثاني: أنه لا يجب.
وهذا مذهب الشافعي.
قال النووي: أن الأصح عندنا أنه يستحب له الإحرام ولا يجب.
واختار هذا القول ابن حزم، والشوكاني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الشنقيطي.
أ-لقوله: (ممن أراد الحج والعمرة) فمفهومه أن من لم يرد النسك لا يجب عليه.
ب- حديث - وقد تقدم - (الحج مرة وما زاد فهو تطوع).
وجه الدلالة: إن الحج والعمرة لا يجبان في العمر إلا مرة واحدة، وأن ما زاد كان تطوعاً، والتطوع لا يجب وإنما يستحب، فإذا أوجبنا على الداخل إلى مكة الإحرام وهو لا يريد الحج، أو العمرة فكأننا قد أوجبنا عليه شيء لم يوجبه الشرع.
الخلاصة: أن من رد بالميقات فله ٣ أحوال:
الحال الأول: أن يكون مريداً للنسك، فيجب عليه الإحرام من الميقات.
الحال الثانية: أن يكون غير مريد للنسك، فلا يجب عليه.
الحال الثالثة: أن يكون متردداً (كأن يقول: لا أدري هل أتمكن من العمرة أم لا) فهنا لا يجب عليه الإحرام لقوله (ممن أراد الحج أو العمرة) وهذا متردد وليس بعازم.
следующие страницы →