Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
باب المواقيت
المواقيت جمع ميقات: وهو المكان الذي يحرم منه من أراد النسك.
٧٢٠ - عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ اَلشَّامِ: اَلْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ اَلْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اَلْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ اَلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
٧٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
٧٢٢ - وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ إِلَّا أَنَّ رَاوِيَهُ شَكَّ فِي رَفْعِهِ.
٧٢٣ - وَفِي اَلْبُخَارِيِّ: - أَنَّ عُمَرَ هُوَ اَلَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ -.
٧٢٤ - وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيِّ: عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَشْرِقِ: اَلْعَقِيقَ)
===
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ) حدد.
(ذَا الْحُلَيْفَةِ،) مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين.
قال النووي: وهي أبعد المواقيت من مكة، بينهما نحو عشر مراحل، وهي قريبة من المدينة.
(اَلْجُحْفَةَ) قال الحافظ: هي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة.
قال النووي: سميت بذلك لأن السيل اجتحفها.
(يَلَمْلَمَ) وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة.
(قَرْنَ اَلْمَنَازِلِ) على نحو مرحلتين من مكة، وهو أقرب المواقيت إلى مكة.
(هُنَّ) أي: هذه المواقيت.
(لَهُنَّ) أي: لأهل البلاد المذكورة.
(وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ) يعني أن هذه المواقيت تكون محل إحرام لكل شخص أتى عليها من غير أهل البلاد المذكورة.
(وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أي: ومن كان منزله دون هذه المواقيت، بأن كان بينها وبين مكة، فميقاته من حيث أنشأ السفر أو أنشأ النية للحج أو العمرة.
• اذكر المواقيت المكانية للحج أو العمرة؟
قال ابن قدامة بعد ما ذكر المواقيت: أجمع أهل العلم على أربعة منها، وهي: ذو الحليفة، وقرن، والجحفة ويلملم واتفق أئمة النقل على صحة الحديث عن رسول الله فيها.
• ما حكم الإحرام من هذه المواقيت لمن أراد الحج أو العمرة؟
واجب.
أ- لقوله (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ … ).
ب-وفي حديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ..... ) متفق عليه.
ج- وفي حديث ابن عمر - عند البخاري - قال (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً، وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَة).
стр. 1262
• ما أبعد هذه المواقيت، وما الحكمة؟
أبعد هذه المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة.
قال الحافظ: فقيل في الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقاً بأهل الآفاق، لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، أي ممن له ميقات معين.
• ما حكم من تجاوز هذه المواقيت من غير إحرام وهو مريد النسك؟
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ، إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ، فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
وَبِهِ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ.
وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ.
وقال الشيخ ابن باز: لا يجوز للمسلم إذا أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات الذي يمر به إلا بإحرام، فإن تجاوزه بدون إحرام لزمه الرجوع إليه والإحرام منه، فإن ترك ذلك وأحرم من مكان دونه أو أقرب منه إلى مكة فعليه دم عند الكثير من أهل العلم، يذبح في مكة ويوزع بين الفقراء؛ لكونه ترك واجباً وهو الإحرام من الميقات الشرعي.
• ما حكم من مرّ بميقات ليس ميقاته؟
يجب عليه أن يحرم منه.
فهذه المواقيت لأهلها ولمن مرّ عليها من غير أهلها ممن أراد الحج أو العمرة.
فمن سلك طريقاً فيها ميقات فهو ميقاته، فإذا مرّ أحد من أهل نجد ميقات أهل الشام فإنه يحرم منه، ولا يكلف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد.
• ما حكم المرأة الحائض إذا كانت تريد الحج أو العمرة وحاضت بالميقات؟
والمرأة التي تريد العمرة لا يجوز لها مجاوزة الميقات إلا بإحرام، حتى لو كانت حائضاً فإنها تحرم وهي حائض وينعقد إحرامها ويصح؛ والدليل لذلك أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر ﵄ ولدت - والنبي ﷺ نازل في ذي الحليفة يريد حجة الوداع - فأرسلت إلى النبي ﷺ كيف أصنع؟
قال (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).
ودم الحيض كدم النفاس، فنقول للمرأة الحائض: إذا مررت بالميقات وأنت تريدين العمرة أو الحج فاغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ".
والاستثفار معناه: أنها تشد على فرجها خرقة وتربطها ثم تحرم، سواء بالحج أو بالعمرة ".
стр. 1263
ولكنها إذا أحرمت ووصلت إلى مكة لا تأتي إلى البيت ولا تطوف به حتى تطهر ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة حين حاضت في أثناء العمرة قال لها (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي في البيت حتى تطهري) هذه رواية البخاري ومسلم، وفي صحيح البخاري أيضاً ذكرت عائشة أنها لما طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة، فدل هذا على أن المرأة إذا أحرمت بالحج أو العمرة وهي حائض أو أتاها الحيض قبل الطواف فإنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وتغتسل، أما لو طافت وهي طاهرة وبعد أن انتهت من الطواف جاءها الحيض؛ فإنها تستمر وتسعى ولو كان عليها الحيض وتقص من رأسها وتنهي عمرتها، لأن السعي بين الصفا والمروة لا يشترط له الطهارة. (الشيخ ابن عثيمين).
• ما الحكم إذا مر الشامي بميقات أهل المدينة، هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة والتي هي الأصل أو يجب أن يحرم من ذي الحليفة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب أن يحرم من ذي الحليفة.
وهذا قول الشافعي وأحمد.
لقوله ﷺ (هنّ لهنّ ولمن مرّ عليهنّ من غير أهلهنّ).
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ حدد ذا الحليفة ميقاتاً من ضمن هذه المواقيت، فلم يجز تجاوزه بغير إحرام كسائر المواقيت.
القول الثاني: يجوز ذلك تجاوز ذي الحليفة إلى الجحفة ويحرم من الأخير.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو اختيار شيخ الإسلام.
أ-واستدلوا بحديث الباب (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ اَلشَّامِ: اَلْجُحْفَةَ).
قالوا: لأن هذا الرجل مرّ بميقاتين، يجب عليه الإحرام منهما، أحدهما فرع، والثاني أصل، والأصل الجحفة وميقات المدينة فرع، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل.
ب- وقالوا: إن أهل الشام بنص الحديث ميقاتهم الجحفة.
والأول أحوط.
• ما حكم من كان منزلة دون الميقات؟
حكمه: يكون ميقاته من مكانه الذي هو ساكن فيه.
لقوله ﷺ (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ).
وقال الشيخ ابن باز: جدة ليست ميقاتاً للوافدين، وإنما هي ميقات لأهلها ولمن وفدوا إليها غير مريدين الحج ولا العمرة، ثم أنشئوا الحج والعمرة منها.
• ما حكم مَنْ سافر مِنْ بلده إلى جدة ثم أراد العمرة فهل يحرم من جدة؟
لا يخلو الأمر مِنْ حالين:
أ- الإنسان قد سافر إلى جدة بدون نية العمرة، ولكن طرأت له العمرة وهو في جدة: فإنه يُحرم من جدة، ولا حرج في ذلك؛ لحديث ابن عباس ﵄ حين ذكر المواقيت قال: (ومَن كان دون ذلك: فمِن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة).
ب- يكون سافر من بلده بنية العمرة عازماً عليها: فإنه يجب في هذه الحالة أن يُحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز الإحرام من جدة؛ لأنها دون الميقات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه وقَّت المواقيت فقال: (هنَّ لهنَّ ولمن مرَّ عليهن مِنْ غير أهلهن لمن أراد الحج والعمرة).
فإن أحرم من جدة ونزل إلى مكة في هذه الحال: فإن عليه عند أهل العلم فدية، دماً يذبحه في مكة، ويتصدق به على الفقراء، وعمرته صحيحة، فإن لم يحرم من جدة بعد وصوله إليها، وهو ناوٍ العمرة قبل وصوله: فإنه يرجع إلى الميقات، ويحرم منه، ولا شيء عليه. (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 1264
• ما حكم من تجاوز هذه المواقيت بلا نية النسك، ثم طرأ عليه نية العزم على النسك؟
فإنه يحرم من حيث أراد النسك.
لقوله ﷺ : (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ).
أي: ومن كان منزله دون هذه المواقيت، بأن كان بينها وبين مكة، فميقاته من حيث أنشأ السفر أو أنشأ النية للحج أو العمرة.
• ما حكم من لا يمر بميقات؟
الذي لا يمر بميقات فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، واعتبار المحاذاة أصل بنى عليه عمر حين قرر ذات عرق ميقاتاً لأهل العراق. (وسيأتي إن شاء الله).
• ما حكم الإحرام قبل الميقات؟
ذهب عامة أهل العلم على أن الإحرام من وراء الميقات صحيح معتد به، وأن من أحرم قبل بلوغ الميقات فإحرامه صحيح، وحكاه ابن المنذر إجماعاً.
والقائلون بأن الإحرام قبل الميقات منعقد اختلفوا هل هو أفضل، أو هو جائز أو مكروه؟
قال ابن بطال في شرح البخاري حكاية عن ابن المنذر بعد حكاية الإجماع المشار إليه ما عبارته:
غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، واستحبه آخرون.
فممن رأى ذلك ابن عمر أحرم من إيلياء، وسئل علي وابن مسعود عن قوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّه) فقالا: أن تحرم من دويرة أهلك.
وأجاز ذلك علقمة والأسود، وهو قول أبى حنيفة، والثوري، والشافعي.
وكره الإحرام قبل المواقيت عمر بن الخطاب، وأنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة.
وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات.
وهو قول عطاء، والحسن، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقال أحمد: المواقيت أفضل؛ لأنها سنة النبي ﵇. ا. هـ
والصواب قول من كره الإحرام قبل الميقات، لأنه قول عمر وعثمان ﵄، ولموافقته لفعل النبي ﷺ ولا يختار إلا الأفضل، وإحرام من أحرم قبل الميقات منعقد لأن من أنكره من الصحابة لم يلزم من فعله بتجديد الإحرام، ولأنه قول عامة العلماء، والذاهبون إلى عدم الصحة قليل من أهل العلم.
قال ابن قدامة مبيناً وجه كراهة الإحرام قبل الميقات: ولنا أن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل
قال الشيخ ابن عثيمين: الإحرام قبل هذه المواقيت المكانية مكروه، لأن النبي ﷺ وقتها، وكون الإنسان يحرم قبل أن يصل إليها فيه شيء من تقدم حدود الله ، ولهذا قال النبي ﷺ في الصيام (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) يدل على أنه ينبغي لنا أن نتقيد بما وقته الشرع من الحدود الزمانية والمكانية، ولكنه إذا أحرم قبل أن يصل إليها فإن إحرامه ينعقد.
وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها، وهي أن الرسول ﷺ لما وقت هذه المواقيت قال (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) فمن كان من أهل نجد فمر بالمدينة فإنه يحرم من (ذو الحليفة) ومن كان من أهل الشام، ومر بالمدينة، فإنه يحرم من (ذو الحليفة) ولا يحل له أن ينتظر حتى يصل إلى ميقات الشام الأصلي على القول الراجح من قولي أهل العلم.
стр. 1265
• هل الإنسان إذا مر بالميقات وهو لا يريد نسكاً وكان قد أدى فرضه، هل يلزمه الإحرام أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إنه يجب عليه الإحرام، ولا يتجاوز الميقات إلا محرماً، لأداء عمرة أو حج، وممن قال بهذا القول جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، إلا إن الحنفية قيدوه فيما إذا كان منزله خارج المواقيت، وهو قول عند الشافعية.
أ-عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ قال الرسول ﷺ (يتجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم).
بالنسبة للفظ الأول: قال ابن حجر: (رواه ابن عدي مرفوعاً من وجهين ضعيفين) (٧٠).
وفي لفظ آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال (لا تجوزوا الوقت إلا بإحرام).
قال الهيثمي: وفيه خصيف، وفيه كلام وقد وثقَّه جماعة.
وقال الذهبي عنه: صدوق سيء الحفظ، ضعفه أحمد، ووصفه أبو حاتم بالاختلاط.
ب-عن ابن عباس ﵁ قال (لا يدخل أحد مكة إلا محرماً) رواه البيهقي، قال الحافظ: إسناده جيد.
ج-عن علي قال (لا يدخلها إلا بإحرام، يعني مكة) أخرجه ابن أبي شيبة.
القول الثاني: أنه لا يجب.
وهذا مذهب الشافعي.
قال النووي: أن الأصح عندنا أنه يستحب له الإحرام ولا يجب.
واختار هذا القول ابن حزم، والشوكاني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الشنقيطي.
أ-لقوله: (ممن أراد الحج والعمرة) فمفهومه أن من لم يرد النسك لا يجب عليه.
ب- حديث - وقد تقدم - (الحج مرة وما زاد فهو تطوع).
وجه الدلالة: إن الحج والعمرة لا يجبان في العمر إلا مرة واحدة، وأن ما زاد كان تطوعاً، والتطوع لا يجب وإنما يستحب، فإذا أوجبنا على الداخل إلى مكة الإحرام وهو لا يريد الحج، أو العمرة فكأننا قد أوجبنا عليه شيء لم يوجبه الشرع.
الخلاصة: أن من رد بالميقات فله ٣ أحوال:
الحال الأول: أن يكون مريداً للنسك، فيجب عليه الإحرام من الميقات.
الحال الثانية: أن يكون غير مريد للنسك، فلا يجب عليه.
الحال الثالثة: أن يكون متردداً (كأن يقول: لا أدري هل أتمكن من العمرة أم لا) فهنا لا يجب عليه الإحرام لقوله (ممن أراد الحج أو العمرة) وهذا متردد وليس بعازم.
стр. 1266
• ما ميقات أهل مكة للحج؟
ميقات أهل مكة للحج من مكة.
لقوله (حتى أهل مكة من مكة).
فمن حج من مكة فمنها حتى لو من غير أهلها.
• ما ميقات أهل مكة للعمرة؟
ميقات أهل مكة للعمرة من الحل. (كالتنعيم أو عرفة).
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً.
لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة إلى الحل لتحرم منه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- تحديد النبي ﷺ هذه المواقيت من معجزات النبوة، فإنه حددها قبل إسلام أهلها إشعاراً منه بأنهم سيسلمون.
- جعل كل أهل جهة لهم ميقات في طريقهم إلى مكة من رحمة الله بخلقه، وتسهيل شرعه لهم.
стр. 1267
٧٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْق) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
٧٢٦ - وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ إِلَّا أَنَّ رَاوِيَهُ شَكَّ فِي رَفْعِهِ.
٧٢٧ - وَفِي اَلْبُخَارِيِّ (أَنَّ عُمَرَ هُوَ اَلَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْق).
٧٢٨ - وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيِّ: عَنِ اِبْنِ عَبَّاس (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ اَلْمَشْرِقِ: اَلْعَقِيق).
===
(ذَاتَ عِرْق) ميقات أهل العراق، سمي بذلك لوجود جبل صغير فيه.
(اَلْعَقِيق) واد عظيم يقع شرق مكة.
• ما صحة أحاديث الباب؟
- حديث عائشة ضعيف أنكره أحمد واعتبره من منكرات أفلح بن حميْد، وقال ابن خزيمة: قد روي أخبار في ذات عرق أنه ميقات أهل العراق، ولا يثبت عند أهل الحديث منها شيء.
- وحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق) ضعيف لا يصح.
• اذكر لفظ أثر عمر في توقيته ذات عرق لأهل العراق؟
عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْناً شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْق) رواه البخاري.
• ما هو ميقات أهل العراق؟
ذات عرق.
وهذا قول أكثر العلماء.
قال ابن قدامة: فأما ذات عرق فميقات أهل المشرق في قول أكثر أهل العلم.
• من الذي وقت ذات عرق لأهل العراق؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: الذي وقته رسول الله ﷺ .
لحديث الباب حديث عائشة وابن عباس.
القول الثاني: أن الذي وقته عمر.
لحديث ابن عمر قال: (لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرناً، وإنه جور عن طريقنا إن أردنا أن نأتي قرناً شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحد له ذات عرق). رواه البخاري
ولو كان النبي ﷺ هو الذي حدده لاشتهر ذلك كما اشتهر تحديد المواقيت الأخرى، وأيضاً لو وقع تحديدها لما احتاج عمر إلى تحديدها لأهل العراق.
وضعف هؤلاء الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق.
وممن قال بهذا أبو الشعثاء جابر بن زيد وطاووس ومحمد بن سيرين ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن خزيمة والخطابي والبغوي وابن الجوزي والنووي.
قال مسلم: فأما الأحاديث التي ذكرناها من قبل أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق فليس واحد منها يثبت.
стр. 1268
وقال ابن المنذر: ولا يثبت فيه عن رسول الله ﷺ سنة.
وقال ابن خزيمة: وقد روي في ذات عرق أنه ميقات أهل العراق أخبار عن غير ابن جريج لا يثبت عند أهل الحديث شيء منها.
وقال البغوي: والصحيح أن النبي ﷺ لم يوقت لهم شيئاً.
وقال النووي: وَأَمَّا (ذَات عِرْق) بِكَسْرِ الْعَيْن فَهِيَ مِيقَات أَهْل الْعِرَاق، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ صَارَتْ مِيقَاتهمْ بِتَوْقِيتِ النَّبِيّ ﷺ أَمْ بِاجْتِهَادِ عُمَر بْن الْخَطَّاب؟ وَفِي الْمَسْأَلَة وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيّ: أَصَحّهمَا: وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ ﵁ فِي الْأُمّ: بِتَوْقِيتِ عُمَر ﵁، وَذَلِكَ صَرِيح فِي صَحِيح الْبُخَارِي.
القول الثالث: أن الذي وقته النبي وعمر لم يبلغه النص فجاء توقيته على وفق توقيت النبي ﷺ .
وعمر معروف بموافقاته الكثيرة.
وبهذا قال ابن حزم، وابن قدامة، وابن تيمية، والعيني.
قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي ﷺ ذات عرق فقال برأيه فأصاب، ووافق قول النبي ﷺ فقد كان كثير الإصابة.
والقول الثاني أصح.
• ماذا نستفيد من قول عمر (قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْق) رواه البخاري؟
نستفيد: أن من لا يمر بشيء من هذه المواقيت فإنه ينظر إلى حذو الميقات الأقرب إليه (فيحرم منه).
فإذا مر في طريق بين يلملم وقرن المنازل ينظر أيهما أقرب إليه، فإذا حاذى أقربهما إليه أحرم من محاذاته فعمر قال لهم: انظروا إلى حذوها من طريقكم).
فأمرهم أن ينظروا إلى محاذاة قرن المنازل ويحرموا.
• من أين يحرم من جاء بالطائرة؟
وفي حكم عمر ﵁ هذا فائدة جليلة، وهي أن الذين يأتون عن طريق الطائرات وقد نووا الحج أو العمرة ويمرون بهذه المواقيت إما فوقها أو عن يمينها أو يسارها يجب عليهم أن يحرموا إذا حاذوا هذه المواقيت، ولا يحل لهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا في جدة، كما يفعله كثير من الناس، فإن هذا خلاف ما حدده النبي ﷺ وقد قال الله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
وقال الله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
فعلى الإنسان إذا جاء عن طريق الجو وهو يريد الحج أو العمرة أن يكون متهيئاً للإحرام في الطائرة، فإذا حاذى أول ميقات يمر به وجب عليه أن يحرم، أي أن ينوي الدخول في النسك ولا يؤخر هذا حتى يدخل في مطار جدة. (الشيخ ابن عثيمين).
بَابُ وُجُوهِ اَلْإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ
وجوه: أنواع وصور.
الإحرام: نية الدخول في النسك.
ووجوه الإحرام وأنواعه ثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد.
стр. 1269
٧٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ اَلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمَ اَلنَّحْر) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(خَرَجْنَا مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ يعني من المدينة، وكان خروجه يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة.
(حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ) سنة عشر من الهجرة، سميت بذلك لأن النبي ﷺ ودع بها الناس.
(فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) هؤلاء هم المتمتعون، فالمتمتع يهل من الميقات بالعمرة، فإذا فرغ منها حل وجوباً، ثم أهل بالحج يوم التروية.
(مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) أي: حج مع عمرة، وهؤلاء القارنون.
(ومنا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) وهؤلاء المفردون.
(وَأَهَلَّ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ) ظاهر هذا أن النبي ﷺ حج مفرداً.
• ما هي الأنساك الثلاثة؟
هي: التمتع، والقران، والإفراد.
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنه يجوز الحج بكل نسك من الأنساك الثلاثة لكل مكلف على الإطلاق.
فقد قال ابن هبيرة: وأجمعوا على أنه يصح الحج بكل نسك من أنساك ثلاثة: التمتع، والإفراد، والقران، لكل مكلف على الإطلاق.
وقال النووي: مذهبنا جواز الثلاثة وبه قال العلماء وكافة الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وقال ابن عبد البر: وفي حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة من الفقه: أن التمتع جائز وأن الإفراد جائز وأن القران جائز وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
وقال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، واختلفوا في الأفضل.
وقال الماوردي: لا اختلاف بين الفقهاء في جواز الإفراد، والتمتع، والقران، وإنما اختلفوا في الأفضل.
وهذا الذي ذكره جماعة من أهل العلم، وهو الإجماع على جواز الإحرام بأي نسك من الأنساك الثلاثة، ليس محل إجماع ولا اتفاق على الصحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ثبت عن ابن عباس وطائفة من السلف أن التمتع واجب، وأن كل من طاف بالبيت وسعى ولم يكن معه هدي، فإنه يحل من إحرامه، سواء قصد التحلل أم لم يقصده، وليس عند هؤلاء لأحد أن يحج إلا متمتعا. وهذا مذهب ابن حزم وغيره من أهل الظاهر. (مجلة البحوث الإسلامية).
والدليل على جواز الأنساك الثلاثة:
أ- حديث الباب.
ب-عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال (من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل).
قال النووي - بعدما أورد الحديثين- فيه دليل لجواز الأنواع الثلاثة، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا في الأفضل كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 1270
• اذكر صفة التمتع؟
صفته: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من عامه.
لا يكون متمتعاً إلا إذا جمع هذه الأوصاف:
أولاً: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
ثانياً: أن يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير.
ثالثاً: أن يحرم بالحج من عامه.
• ما صفة القران؟
صفته: أن يحرم بالحج والعمرة معاً ويقول: لبيك عمرة وحجاً.
جاء جبريل إلى النبي ﷺ وقال (هل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حج).
وله صورة أخرى: أن يحرم بالعمرة أولاً (على أنه متمتع) ثم يدخل الحج عليها.
مثال: أن يحرم بالعمرة أولاً (على أنه متمتع) ثم يحدث له عذر لا يتمكن بسببه من إكمال العمرة، فحينئذ يدخل الحج ليكون قارناً.
مثل ما حصل لعائشة حينما أحرمت بالعمرة، لكنها قبل أن تصل إلى مكة حاضت بسرف، … فقال لها النبي ﷺ : افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت.
واختلفوا لو أحرم بالحج (مفرداً) ثم أدخل العمرة عليه على قولين:
فقيل: لا يجوز.
لأن فيه إدخالاً للأصغر على الأكبر.
وقيل: يجوز، وهذا الصحيح.
• ما صفة الإفراد؟
الإفراد: أن يحرم بالحج مفرداً فيقول: لبيك حجاً.
• ما النسك الذي تلبس به النبي ﷺ -؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: أن النبي ﷺ كان مفردا.
وبه قال الإمام مالك، والشافعي في قول من أقواله، واختاره البيهقي وابن عبد البر والقاضي عياض.
أ- لحديث الباب ( … وَأَهَلَّ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ).
ب-وعن عائشة (أن رسول الله ﷺ أهل بالحج) رواه البخاري.
ج-وعن ابن عمر ﵄، قال (أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً).
وفي رواية (أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفرداً) رواهما مسلم.
د-عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ أفرد الحج) رواه مسلم.
القول الثاني: أن ﷺ كان متمتعاً.
стр. 1271
وهو قول للشافعي.
أ-عن عمران بن حصين ﵁ قال (تمتعنا مع رسول الله ﷺ ولم ينزل فيه القرآن، قال رجل برأيه ما شاء … ) متفق عليه.
ب- وعنه قال (تمتع نبي الله وتمتعنا معه) رواه مسلم.
ج-وعن ابن عمر ﵄، قال (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدموا مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج وليهد … ) متفق عليه.
القول الثالث: أنه حج قارناً.
وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، واختاره الطحاوي، وابن حزم، وابن الجوزي، وابن قدامة، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر.
قال الإمام أحمد: لا شك أنه كان قارناً.
وقال ابن حزم: … صح لنا بلا شك أنه ﷺ كان قارناً.
وقال النووي: والصواب الذي نعتقده أن النبي ﷺ كان قارناً.
وقال ابن تيمية: أما حجه ﷺ فالصحيح أنه كان قارناً.
وقال ابن القيم: ومن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب حق التأمل جزم جزماً لا ريب فيه أن النبي ﷺ أحرم في حجته قارناً.
وقال ابن حجر: والذي تجتمع به الروايات أن النبي ﷺ كان قارناً.
أ-عن نافع عن ابن عمر (أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ رواه مسلم.
ب-عن ابن عباس (اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطئوا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته) رواه أبو داود.
ج-عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (أتاني الليلة آت من ربي ، فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة) رواه البخاري.
قال ابن حجر: وهذا دال أنه صلى ﷺ كان قارناً.
د-عن حميد بن هلال، قال: سمعت مطرفاً، قال: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثاً ينفعك الله به (إن رسول الله ﷺ جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل قرآن يحرمه) رواه مسلم.
هـ- عن حفصة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ (ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني قلدت هديي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج) متفق عليه.
و-وعن أنس. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (لبيك عمرة وحجاً) رواه مسلم.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1272
• ما الجواب عن أدلة من قال: إنه حج مفرداً؟
الجواب عنه من وجوه:
أ-أن هؤلاء الذين رووا الإفراد - وهم عائشة وجابر وابن عمر - رووا أيضاً أن النبي ﷺ حج قارناً - كما سيأتي في أدلة من رأى القران - ويعترض عليها بالأحاديث الأخرى الصحيحة، التي رواها غير هؤلاء، التي نقل رواتها عن النبي ﷺ أنه حج قارناً، وفي بعضها أنه حج متمتعاً، فهي متعارضة في الظاهر ومحتملة إفراد الحج، أو أن مرادهم إفراد عمل الحج، كما أن من روى أنه أفرد الحج لم يقل أحد منهم أن النبي ﷺ قال: إني أفردت بالحج، ولا أتاني من ربي آت يأمرني بالإفراد، ولا قال أحد: سمعته يقول: لبيك بعمرة مفردة البتة، ولا بحج مفرد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: … وأما الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج فهم ثلاثة: عائشة وابن عمر وجابر، والثلاثة نقل عنهم التمتع، وحديث عائشة وابن عمر أنه تمتع بالعمرة إلى الحج أصح من حديثهما أنه أفرد الحج، وما صح عنهما من ذلك فمعناه إفراد أعمال الحج.
من الأجوبة:
ب-أن من قال (أفرد بالحج) فإن قوله محمول على أول الحال، ثم إنه قرن ﵇ بعد ذلك.
ج-أن يكون مراد من قال (أفرد الحج) أنه اعتمر أول الإحرام.
د-أن يكون مراد من قال (أفرد الحج) الرد على من قال: تمتع بالعمرة إلى الحج، وحل من إحرامه كما يحل المتمتع.
هـ- أن يكون مراد من روى أنه أفرد: أنه لم يحج بعد نزول فرض الحج إلا حجة فردة لم يثنها بأخرى. (مشكل أحاديث المناسك) (مجلة البحوث الإسلامية عدد: ٥٩).
• ما أفضل الأنساك؟
اختلف العلماء في الأفضل من الأنساك الثلاثة، وسبب اختلافهم في ذلك يرجع إلى اختلافهم في نسك الحج الذي أحرم به النبي ﷺ ، وذلك أنه - كما تقدم - قد روي أنه ﷺ كان مفردا، وروي أنه ﷺ كان متمتعا، وروي أنه ﷺ كان قارناً
فاختلف العلماء في الأفضل على أربعة أقوال:
القول الأول: القران أفضل.
وهذا قول الثوري وأبو حنيفة وإسحاق، ورجحه النووي والمزني.
واستدلوا بالأحاديث الصحيحة، التي دلت على أن النبي ﷺ كان قارناً. قالوا: فلما ثبت أن النبي ﷺ كان قارناً، وهو إنما يختار لنفسه الأفضل، دل على أن القران أفضل الأنساك.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه وإن كان الصحيح أن النبي ﷺ كان قارناً، لكن هذا لا يدل على أنه الأفضل؛ إذ لو كان القران هو الأفضل لما أمر النبي ﷺ من كان قارناً ولم يسق الهدي أن يفسخ حجه إلى عمرة، فالنبي ﷺ نقل أصحابه من الحج إلى المتعة، وتأسف كيف لم يمكنه ذلك، ولو كان القران هو الأفضل لكان الأمر بالعكس.
القول الثاني: التمتع أفضل.
وبه قال الإمام أحمد في الصحيح من المذهب، والشافعي في قول، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وعلي، وبه قال الحسن وعطاء وطاووس ومجاهد.
أ- استدلوا بالأحاديث الصحيحة عن ابن عباس وجابر وأبي موسى وعائشة وغيرهم ﵃، أن النبي ﷺ أمر أصحابه لما طافوا، أن يحلوا ويجعلوها عمرة، وذلك في أحاديث صحيحة متفق عليها.
كقوله ﷺ (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة). متفق عليه
فهو ﷺ تأسف على فواته، وأمر أصحابه أن يفعلوه.
стр. 1273
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ ، أنه أمر أصحابه في حجة الوداع لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، فإنه أمره أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، لهذا لما قال سلمة بن شبيب لأحمد: يا أبا عبد الله، قويت قلوب الرافضة لما أفتيت أهل خراسان بالمتعة - أي متعة الحج - فقال: يا سلمة كان يبلغني عنك أنك أحمق، وكنت أدافع عنك، والآن فقد تبين لي أنك أحمق. عندي أحد عشر حديثاً صحيحاً عن رسول ﷺ أدعها لقولك؟
ب- أن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج، مع كمالها وكمال أفعالها على وجه اليسر والسهولة، مع زيادة لنسك هو الدم، فكان ذلك هو الأولى.
ج- أن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى، بقوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وذلك دون سائر الأنساك.
د- أنه أيسر للمكلف.
القول الثالث: التمتع أفضل الأنساك إلا لمن ساق الهدي فإن القران في حقه أفضل.
ودليل هذا القول: أن النبي ﷺ قرن حين ساق الهدي، ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه
وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو الراجح.
فائدة: قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة.
• كم سعي على القارن؟
القارن ليس عليه إلا سعي واحد ويدل لذلك:
أ-أن النبي ﷺ كان قارناً، ولم يسع بين الصفا والمروة إلى سعياً واحدا فقط بعد طواف القدوم.
روى مسلم عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قال (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الأَوَّل)
قال النووي ﵀: (لَمْ يَطُفْ رَسُول اللَّه ﷺ وَلا أَصْحَابه) يَعْنِي النَّبِيّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابه قَارِنًا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يَسْعَوْا بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلا مَرَّة وَاحِدَة، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ سَعَى سَعْيَيْنِ، سَعْيًا لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ سَعْيًا آخَر لِحَجِّهِ يَوْم النَّحْر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلالَة ظَاهِرَة لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ الْقَارِن لَيْسَ عَلَيْهِ إِلا طَوَاف وَاحِد لِلإِفَاضَةِ وَسَعْي وَاحِد.
ب-وروى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ ( .... فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ (وهم المتمتعون) بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (وهم القارنون) فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا).
ومرادها ﵂ بالطواف الواحد السعي بين الصفا والمروة، فإن السعي يطلق عليه طواف.
قال ابن القيم: وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى تَعَدُّد السَّعْي عَلَى الْمُتَمَتِّع، فَإِنَّ قَوْلهَا (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَر بَعْد أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِم) تُرِيد بِهِ الطَّوَاف بَيْن الصَّفَّا وَالْمَرْوَة، وَلِهَذَا نَفَتْهُ عَنْ الْقَارِنِينَ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ لَكَانَ الْجَمِيع فِيهِ سَوَاء فَإِنَّ طَوَاف الإِفَاضَة لا يَفْتَرِق فِيهِ الْقَارِن وَالْمُتَمَتِّع.
وسئل الشيخ ابن عثيمين: هل يكفي طواف واحد وسعي واحد للقارن؟
فأجاب:
إذا حج الإنسان قارناً فإنه يجزئه طواف الحج، وسعي الحجّ عن العمرة والحج جميعاً، ويكون طواف القدوم طواف سنّة وإن شاء قدم السعي بعد طواف القدوم كما فعل النبي ﷺ ، وإن شاء أخره إلى يوم العيد، بعد طواف الإفاضة، ولكن تقديمه أفضل لفعل النبي ﷺ ، فإذا كان يوم العيد فإنه يطوف طواف الإفاضة فقط، ولا يسعى لأنه سعى من قبل، والدليل على أن الطواف والسعي يكفيان للعمرة والحج جميعاً قول الرسول ﷺ لعائشة ﵂ وكانت قارنة (طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجِك وعمرتك) فبيّن النبي ﵇ أن طواف القارن وسعي القارن يكفي للحج والعمرة جميعاً.
стр. 1274
• قال ابن القيم: وَلِلنّاسِ فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ الّتِي أَتَتْ بِهَا عَائِشَةُ مِنْ التّنْعِيمِ أَرْبَعَةُ مَسَالِكَ:
أَحَدُهَا: أَنّهَا كَانَتْ زِيَادَةً تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا وَجَبْرًا لَهَا، وَإِلّا فَطَوَافُهَا وَسَعْيُهَا وَقَعَ عَنْ حَجّهَا وَعُمْرَتِهَا، وَكَانَتْ مُتَمَتّعَةً ثُمّ أَدْخَلَتْ الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَصَارَتْ قَارِنَةً وَهَذَا أَصَحّ الْأَقْوَالِ وَالْأَحَادِيثُ لَا تَدُلّ عَلَى غَيْرِهِ وَهَذَا مَسْلَكُ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.
الْمَسْلَكُ الثّانِي: أَنّهَا لَمّا حَاضَتْ أَمَرَهَا أَنْ تَرْفُضَ عُمْرَتَهَا، وَتَنْتَقِلَ عَنْهَا إلَى حَجّ مُفْرَدٍ فَلَمّا حَلّتْ مِنْ الْحَجّ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَمِرَ قَضَاءً لِعُمْرَتِهَا الّتِي أَحْرَمَتْ بِهَا أَوّلًا، وَهَذَا مَسْلَكُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهَذِهِ الْعُمْرَةُ كَانَتْ فِي حَقّهَا وَاجِبَةً وَلَا بُدّ مِنْهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوّلِ كَانَتْ جَائِزَةً وَكُلّ مُتَمَتّعَةٍ حَاضَتْ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الطّوَافُ قَبْلَ التّعْرِيفِ فَهِيَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إمّا أَنْ تُدْخِلَ الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَتَصِيرَ قَارِنَةً وَإِمّا أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجّ وَتَصِيرَ مُفْرِدَةً وَتَقْضِي الْعُمْرَةَ.
الْمَسْلَكُ الثّالِثُ: أَنّهَا لَمّا قَرَنَتْ لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ لِأَنّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ لَا تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا أَحَدُ الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
الْمَسْلَكُ الرّابِعُ: أَنّهَا كَانَتْ مُفْرِدَةً وَإِنّمَا امْتَنَعَتْ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ وَاسْتَمَرّتْ عَلَى الْإِفْرَادِ حَتّى طَهُرَتْ وَقَضَتْ الْحَجّ وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ هِيَ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ وَهَذَا مَسْلَكُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ بْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَالِكِيّةِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْمَسْلَكِ مِنْ الضّعْفِ بَلْ هُوَ أَضْعَفُ الْمَسَالِكِ فِي الْحَدِيثِ.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- مشروعية الأنساك الثلاثة.
- أن القارن والمفرد لا يحلان إلا يوم النحر، وأما المتمتع يحل من العمرة عند قدومه إذا طاف وسعى وقصر، ويحرم بالحج بعد ذلك في اليوم الثامن في عامه. (لا تعلق بالإحلال بنحر الهدي).
- قال العلماء: يشترط لصحة تقديم سعي الحج أن يسبقه طواف نسك ولو مسنوناً.
بَابُ اَلْإِحْرَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
الإحرام شرعاً: نية الدخول في النسك.
وسمي بذلك لأن الإنسان في دخوله للنسك يحرم عليه ما كان مباحاً عليه قبل إحرامه.
• حِكَم تشريع الإحرام: من حكم مشروعية الإحرام:
١ - استشعار تعظيم الله .
٢ - تلبية أمره بأداء النسك الذي يريده المحرم.
٣ - استشعار إرادة تحقيق العبودية.
٤ - الامتثال لله ﵎ .... (الموسوعة الفقهية).
стр. 1275
٧٣٠ - عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (مَا أَهَلَّ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اَلْمَسْجِدِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
===
(مَا أَهَلَّ) أهل الإهلال، رفع الصوت، لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، والمراد بالإهلال هنا الإحرام.
(اَلْمَسْجِدِ) مسجد ذي الحليفة.
• من أين أحرم النبي ﷺ -؟
وردت عدة روايات في موضع إحرام النبي ﷺ :
أولاً: ورد أنه أهل لما استوت به دابته على البيداء.
أ-ففي حديث جابر الطويل - وسيأتي - (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ … فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لبيك اللهم لبيك … ) رواه مسلم.
ب-وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَج). متفق عليه
ثانياً: وورد أنه أحرم من عند المسجد، حين استوت به راحلته.
أ-كما في حديث الباب.
ب-وفي رواية قال (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة) متفق عليه وهذا لفظ مسلم.
ج-وعنه (أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً) رواه مسلم.
ثالثاً: وورد أنه أحرم بعد الصلاة.
عن ابن عباس (أن النبي ﷺ أهل في دُبُر الصلاة) رواه أحمد والنسائي.
قال النووي بعد ذكره لروايات حديث الباب: هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها هو: استواؤها قائمة، وفيها دليل لمالك والشافعي والجمهور، أن الأفضل أن يحرِم إذا انبعثت به راحلته، وقال أبو حنيفة: يُحرم عقب الصلاة، وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف.
• ما حكم التلبية عند الإحرام؟
سنة.
فتشرع التلبية عن الدخول في الإحرام، لأنها شعار الحج والعمرة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الإحرام هو أول عمل يبدأ به مريد الحج والعمرة.
- مشروعية التلبية بالصوت، وسيأتي مباحثها.
стр. 1276
٧٣١ - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ اَلسَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.
===
(بِالْإِهْلَالِ) الإهلال: رفع الصوت بالتلبية.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب رفع الصوت بالتلبية. ومن الأدلة:
أ- حديث الباب.
ما جاء عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ سئل أي الحج أفضل؟ فقال: العج والثج). رواه ابن ماجه
العج: رفع الصوت بالتلبية، الثج: إسالة دماء الهدايا. قال تعالى (وأنزلنا من السماء ماء ثجاجاً) أي: سيالاً.
ج-وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما على يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر). رواه الترمذي
د-ما رواه البخاري من حديث أنس قال (صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين سمعتهم يصرخون بهما جميعاً).
قال ابن حجر: فيه حجة للجمهور في استحباب رفع الأصوات بالتلبية.
هـ- ما روى ابن أبي شيبة عن بكر بن عبد الله المزني قال (كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين) قال الحافظ: إسناده صحيح
و-قال أبو بكر بن عبد الله المزني: (كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين). رواه أبو بكر وابن أبي شيبة وصححه الحافظ
وجمهور العلماء على أن رفع الصوت بالتلبية مستحب، وذهب ابن حزم إلى وجوب رفع الصوت بالإهلال
وقال في المحلى: ولو مرة واحدة.
• هل ترفع المرأة صوتها بالتلبية أم لا؟
رفع الصوت خاص بالرجال، أما المرأة فالمستحب عدم رفع صوتها إلا عند محارمها فلا مانع حينئذ أن ترفع الصوت.
وأما ابن حزم فيرى أن المرأة ترفع صوتها بالتلبية كالرجل تماماً، وقال: لم يرد دليل على التخصيص.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- المراد بالإهلال: تعيين النسك، بحيث يرفع صوته بما أهل به، ويصدق لفظ الإهلال على التلبية.
стр. 1277
٧٣٢ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
===
(تَجَرَّدَ) أي: تعرى من ثيابه.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث أعل بضعف بعض رواته، لكن له شواهد.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب الاغتسال عند الإحرام.
أ- لحديث الباب. (وفيه ضعف).
ب- أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميْس بالاغتسال ولفظ الحديث: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: اِغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي) رواه مسلم وسيأتي الحديث إن شاء الله.
ج-وجاء عن ابن عمر أنه قال: (من السنة أن يغتسل عند إحرامه وعند دخوله مكة). رواه الحاكم وصححه الحافظ ابن حجر
قال ابن قدامة: يستحب لمن أراد الإحرام أن يغتسل قبله، وهو قول طاووس والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي.
لما روى زيد بن ثابت … وثبت أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل عند الإحرام، ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس فيسن لها الاغتسال كالجمعة، وليس واجباً في قول عامة أهل العلم.
قال الشوكاني: الحديث يدل على استحباب الغسل عند الإحرام وإلى ذلك ذهب الأكثر.
• ما الحكمة من هذا الاغتسال؟
قال الشوكاني: قيل: والحكمة في الاغتسال عند الإحرام هي التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة ودفع أذاها عن الناس، وقيل الحكمة فيه أنه لإزالة التفث الذي يكون على الإنسان حتى يأتي تفل الحج مفردًا عما كان قبله، فتفل الحاج كخلوف فم الصائم.
• هل الغسل مستحب لكل أحد حتى للحائض؟
نعم، الغسل لكل مريد الإحرام، صغير أو كبير، ذكراً أو أنثى، للجنب أو غير الجنب، للحائض والنفساء.
لحديث جابر السابق ( .... حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: اِغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي).
قال ابن القيم: وكان في قصتها ثلاث سنن:
إحداها: غسل المحرِم.
والثانية: أن الحائض تغتسل لإحرامها.
والثالثة: أن الإحرام يصح من الحائض. (زاد المعاد).
стр. 1278
• هل المحرم إذا لم يجد الماء هل يتيمم أم لا؟
اختلف العلماء إذا لم يجد الماء هل يتيمم؟
قيل: يتيمم.
وقيل: لا يتيمم، واختار هذا القول ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية.
لأن المراد من الغسل التنظف، والتراب ينظف ولا يطهر، والمراد هنا التنظف لا التطهر.
• ما حكم صلاة ركعتين عند الإحرام؟
اتفق العلماء على مشروعية الإحرام بعد صلاة الفريضة أو نافلتها إذا كان وقت فريضة.
واتفقوا على أن من لم يصل للإحرام فلا شيء عليه.
لكن إذا قدم الميقات في وقت ليس فيه صلاة مفروضة فهل يصلي صلاة خاصة بالإحرام أو لا؟ اختلف العلماء على قولين:
القول الإول: ليس للإحرام صلاة تخصه، فإن كان في وقت فريضة استحب أن يحرم عقيب الصلاة المكتوبة
وهو روايةٌ عن أحمد واختيار ابن تيمية، والألباني وابن عثيمين وزاد: أو عقب صلاة مشروعة من عادته أنه يصليها. قالوا: إنه لم يرد عن النبي ﷺ صلاة خاصة بالإحرام، وأنه ﷺ إنما أحرم عقب الفريضة.
القول الثاني: أن للإحرام صلاة تخصه وتؤدَى من أجله.
وهذا قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لحديث جابر (أنه ﷺ صلى بذي الحليْفة ركعتين ثم أحرم) رواه مسلم.
ب- واستدلوا أيضاً بفعل ابن عمر (أنه كان يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل) رواه البخاري.
ج- واستدلوا بحديث عمر. أن النبي ﷺ قال (أتاني آتٍ من ربي وقال لي: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل: لبيك بعمرة وحجة) رواه البخاري.
وهذا القول أرجح والله أعلم.
• ماذا يستحب للمحرم بعد غسله للإحرام.
يستحب للمحرمُ بعد غسل الإحرام أن يلبد رأسه، وذلك لمن يطول مكثه في أعمال الحج، وهذا مذهب الشافعية، وقول للحنفية، وقول للمالكية، واختاره المباركفوري. وحكى النووي فيه الإجماع.
أ-عن ابن عمر قال: (سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبداً) رواه البخاري ومسلم.
قال النووي في شرح مسلم في شرح كلمة (ملبدا): فيه استحباب تلبيد الرأس قبل الإحرام، وقد نص عليه الشافعي وأصحابنا. والتلبيد: ضم الشعر بعضه إلى بعض بمادة تمسكه حتى لا يتفرق.
ب-وعن حفصة ﵂ (أن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع قالت: فقلت: ما يمنعك أن تحل؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر هديي). رواه البخاري، ومسلم
* فيه دليل على استحباب تلبيد شعر الرأس عند الإحرام.
ثانياً: أن ذلك أرفق به، لكونه يسكن شعره، ويجمعه، فلا يتولد فيه القمل، ولا يقع فيه الدبيب، ولا يتخلله الغبار، ولا يتشعث، ولا ينتفش في مدة الإحرام.
• اذكر بعض الفوائد من الحديث؟
- وجوب التجرد من المخيط ولبس إزار ورداء للإحرام للرجال.
- أن المراد بالغسل إذا أطلق أنه غسل كغسل الجنابة.
стр. 1279
٧٣٣ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ سُئِلَ: مَا يَلْبَسُ اَلْمُحْرِمُ مِنْ اَلثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا اَلْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا اَلْبَرَانِسَ، وَلَا اَلْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ اَلنَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ اَلْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ اَلْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ اَلثِّيَابِ مَسَّهُ اَلزَّعْفَرَانُ وَلَا اَلْوَرْسُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
(مَا يَلْبَسُ اَلْمُحْرِمُ مِنْ اَلثِّيَابِ) أجمعوا على أن المراد به الرجل، وكان هذا السؤال بالمدينة قبل خروج النبي ﷺ للحج.
(الْقُمُصَ) هو ما يفصل ويلبس على هيئة البدن.
(وَلَا اَلْعَمَائِمَ) وهي التي تلف وتكور على الرأس.
(وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) وهي ما يلبس على أسفل البدن بأكمام.
(وَلَا اَلْبَرَانِسَ) وهو ثوب رأسه منه ملصق به.
وَلَا اَلْخِفَافَ) جمع خف، ما يلبس على القدم من جلد ونحوه.
(إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ اَلنَّعْلَيْنِ) تثنية نعل، وهو: ما يلبس على القدم للوقاية من الأرض من غير ستر لها.
(اَلزَّعْفَرَانُ) نبات يصبغ به الثياب.
(وَلَا اَلْوَرْسُ) نبت أصفر، يصبغ به الثياب، له رائحة طيبة.
جاء عند البخاري زيادة (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) وهما لباس اليد.
• لماذا قال النبي ﷺ في جواب الرجل (لا تلبسوا .. ) مع أن السؤال عما يلبس المحرم؟
قال النووي: هذا من بديع الكلام وجزله، لأن ما لا يلبس منحصر، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر.
وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المعتبر في الجواب ما يحصل به المقصود كيف كان، ولو بتغيير أو زيادة، ولا يشترط المطابقة.
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
نستفيد: أن المحرِم ممنوع عليه لبس هذه الملابس (الملابس المعتادة التي خيطت للبدن) وبعضهم يعبر بلبس المخيط.
قال النووي: لا يتوقف التحريم والفدية على المخيط، بل سواء المخيط وما في معناه، وضابطه: أنه يحرم كل ملبوس معمول على قدر البدن أو قدر عضو منه بحيث يحيط به بخياطة أو غيرها.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القميص والعمائم والسراويلات والخفاف والبرانس.
قال المجد ابن تيمية: واتفقوا على أن التحريم هنا على الرجال المحرمين خاصة دون النساء.
• هل يقاس على هذه المحرمات غيرها مما يشبهها؟
نعم يقاس عليها ما يشبهها:
فالقمص: ويشمل ما كان بمعناه كالفنيلة والكوت.
والبرانس: يشمل المشلح والفروة والبشت.
والعمائم: وتشمل كل ما غطى الرأس بملاصق، كالغترة والطاقية.
والخفاف: يشمل كل ما ستر القدم كالجوارب.
السراويلات: يشمل كل ما ستر بعض البدن، مثل السراويل القصيرة.
الورس والزعفران: يشمل كل أنواع الطيب، وهذا عام في حق الرجال والنساء.
النقاب: ويشمل البرقع.
ما عدا ذلك فهو حلال: الساعة، والنظارة، والخاتم، والعلاقية.
стр. 1280
• ما الحكمة من تحريم اللباس المذكور على المحرِم؟
قال العلماء: الحكمة أن يبعد عن الترفه، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته، وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت، ولباس الأكفان، وليتذكر البعث يوم القيامة، حفاة عراة.
لأجل أن يتساوى المحرمون في هذا اللباس فلا يبقى بينهم مكان للتباهي والتفاخر.
ولأجل أن يتذكر المحرم كلما لاح له إزاره ورداؤه أنه في نسك وعبادة، فيبتعد عن المعاصي.
ولأجل أن يتذكر بهذا اللباس أيضاً يوم القيامة.
• بماذا عبر الفقهاء ﵏ عن هذا المحظور؟
عبروا عنه باسم (لبس المخيط).
قال الشيخ ابن عثيمين: وهذه الأشياء الخمسة صار العلماء يعبرون عنها بلبس المخيط، وقد توهم بعض العامة أن لبس المخيط هو لبس ما فيه خياطة، وليس الأمر كذلك، وإنما قصد أهل العلم بذلك أن يلبس الإنسان ما فصل على البدن، أو على جزء منه كالقميص والسراويل، هذا هو مرادهم، ولهذا لو لبس الإنسان رداءً مرقعاً، أو إزاراً مرقعاً فلا حرج عليه، ولو لبس قميصاً منسوجاً بدون خياطة كان حراماً.
• ماذا نستفيد من قوله (ولا العمائم)؟
نستفيد: تحريم تغطية الرجل المحرِم رأسه.
• ماذا نستفيد من قوله (وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ اَلثِّيَابِ مَسَّهُ اَلزَّعْفَرَانُ وَلَا اَلْوَرْسُ)؟
نستفيد: تحريم الطيب بكل أنواعه على المحرم.
• اذكر محظورات الإحرام مع ذكر الدليل على كل محظور؟
مَحْظُورَاتُ اَلْإِحْرَامِ: هي ما يمنع منه المحرم بحج أو عمرة، وقد عرفت بالتتبع والاستقراء.
١ - حَلْقَ اَلشَّعْرِ.
هذا المحظور الأول من محظورات الإحرام، لا يجوز للمحرم أن يأخذ شيئاً من شعر رأسه.
قال تعالى (ولا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ).
وعن كعب بن عجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال له (لعلك يؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة) متفق عليه.
• وألحق جمهور العلماء شعر بقية الجسم الذراع والساق والإبط بشعر الرأس.
• اختلف العلماء متى تجب الفدية؟ قيل: إذا حلق ثلاث شعرات وقيل: إذا حلق أربع، الصحيح أنه إذا حلق من شعر رأسه ما يحصل به إماطة الأذى، فلو حلق شعرة واحدة متعمداً من غير عذر فهو آثم لكن ليس عليه فدية.
• هل تغطية الوجه من المحظورات؟ قولان للعلماء: قيل: من المحظورات لحديث الذي وقصته الناقة وفيه (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) رواه مسلم.
وقيل: إنه ليس من المحظورات، وهذا المذهب، وقالوا إن زيادة (ولا وجهه) زيادة شاذة أعرض عنها البخاري، وكذلك ورد عن بعض الصحابة تغطية الوجه، (وستأتي المسألة ان شاء الله).
стр. 1281
٢ - تَقْلِيمَ اَلْأَظْفَارِ.
هذا هو المحظور الثاني، لا يجوز للمحرم أن يقص أظافره سواء الرجلين أو اليدين المرأة أو الرجل.
قال في الشرح: أجمع العلماء على أن المحرم ممنوع من تقليم أظافره إلا من عذر.
قياساً على حلق الرأس.
• لا فرق بين أظافر اليدين والرجلين، للمرأة والرجل.
٣ - وَلُبْسَ اَلْمِخْيَطِ، إِنْ كَانَ رَجُلاً.
هذا هو المحظور الثالث، لا يجوز للمحرم أن يلبس مخيطاً (والمراد بالمخيط: هو ما خيط على قدر البدن أو على جزء منه أو عضو من أعضائه، كالقميص، والسراويل، والفنايل والخفاف، والجوارب وشراب اليدين و الرجلين).
لحديث الباب ( … لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا اَلْبَرَانِسَ … ).
• هذا المحظور خاص بالرجل، فللمرأة أن تلبس من الثياب ما تشاء غير أن لا تتبرج بالزينة، ولا تلبس القفازين وهما شراب اليدين، ولا تتنقب لقوله ﷺ (ولا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين).
٤ - وَتَغْطِيَةَ رَأْسِهِ إِنْ كَانَ رَجُلاً.
فلا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه بملاصق. (حكاه ابن المنذر إجماعاً).
للحديث الباب ( … لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا اَلْعَمَائِمَ … ).
قولنا: بملاصق: كالطاقية والغترة.
• ستر الرأس للمحرم ينقسم إلى أقسام:
أولاً: أن يغطي رأسه بما يلبس عادة كالطاقية والغترة والعمامة فهذا حرام بالنص والإجماع.
ثانياً: أن يستظل بالشجرة أو الحائط أو السقف أو الخيمة فهذا لا بأس به، فقد قال جابر في صفة حج النبي ﷺ (وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فنزل بها .. ) رواه مسلم.
ثالثاً: أن يغطي رأسه بالحناء والكتم فهذا جائز لحديث ابن عمر قال (رأيت رسول الله ﷺ يهل ملبداً) متفق عليه.
رابعاً: أن يظلل رأسه بتابع له كالشمسية ومحمل البعير فهذا محل خلاف والصحيح جوازه.
حكم تغطية المحرم وجهه؟ اختلف العلماء في حكم تغطية المحرِم وجهه على قولين:
القول الأول: يجوز للمحرم أن يغطي وجهه.
روي ذلك عن عثمان وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وجابر.
وقال به القاسم وطاوس والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد في أصح الروايتين وابن حزم.
أ-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ (بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ - قَالَ أَيُّوبُ: فَأَوْقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ - وَقَالَ عَمْرٌو فَوَقَصَتْهُ - فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَالَ «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ - قَالَ أَيُّوبُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً وَقَالَ عَمْرٌو - فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّى) متفق عليه.
стр. 1282
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن تغطية رأس المحرِم فقط، فدل على جواز ستر الوجه، لأنه لو كان حراماً لنهى عنه.
ب- روى مالك والبيهقي من حديث الفرافصة بن عمير الحنفي (أنه رأى عثمان بن عفان بالعرج يغطي وجهه وهو محرِم).
القول الثاني: لا يجوز للمحرِم أن يغطي وجهه.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك.
أ-لحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاس السابق (بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ .... جاء في رواية عند مسلم (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً).
ب- ما رواه مالك والبيهقي أن ابن عمر كان يقول (ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرِم).
وقد ناقش أهل القول الأول زيادة (ولا وجهه) بأنها زيادة لا تثبت.
قال البيهقي: ذكر الوجه غريب وهو وهْم من بعض رواته.
قال الحافظ: تردد ابن المنذر في صحته.
والأحوط للمحرم ألا يغطي وجهه.
قال النووي ﵀ في المجموع (٧/ ٢٨٠) فرع: مذهبنا أنه يجوز للرجل المحرم ستر وجهه ولا فدية عليه، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز كرأسه واحتج لهما بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره " ولا تخمروا وجهه ولا رأسه " رواه مسلم، وعن ابن عمر أنه كان يقول " ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم " رواه مالك والبيهقي وهو صحيح عنه.
واحتج أصحابنا برواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه " أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم " وهذا إسناد صحيح وكذلك رواه البيهقي ولكن القاسم لم يدرك عثمان وأدرك مروان واختلفوا في مكان إدراكه زيداً وروى مالك والبيهقي بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: " رأيت عثمان بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان.
٥ - الطِّيبَ رَجُلاً وَامْرَأَةٌ.
فلا يجوز للمحرم أن يتطيب وهو محرم.
للحديث السابق وفيه (ولا يلبس من الثياب شيئاً مسه زعفران أو ورس).
وقال ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته (لا تمسوه بطيب).
• شم الطيب له أحوال:
الحال الأولى: أن يشمه بقصد التلذذ [فهذا من محظورات الإحرام].
الحال الثانية: أن يشمه بغير قصد، كما لو مر بسوق العطارين وشم الطيب [هذا ليس من محظورات الإحرام].
الحال الثالثة: شم الطيب ليرى جودته من عدمها [المذهب أنه من المحظورات، واختار ابن القيم أنه ليس من المحظورات].
• الطيب يشمل الطيب في رأسه وفي لحيته وفي صدره وفي ثوبه وغيره من الأماكن.
• قال النووي في سبب تحريم الطيب على المحرم: لأنه داعية إلى الجماع، ولأنه ينافي تذلل الحاج.
стр. 1283
٦ - و قَتْلُ صَيْدِ اَلْبَرِّ اَلْوَحْشِيِّ اَلْمَأْكُولِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى قَتْلِهِ.
هذا هو المحظور السادس: لا يجوز للمحرم أن يقتل الصيد حال إحرامه.
قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ).
وقال تعالى (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً (.
• المحرِم لا يجوز له أن يُعِيْنَ على قتل الصيد، ولا يجوز له أن يدلّ عليه، لحديث أبي قتادة ﵁ في "الصحيحين" وفيه أنه قال ﵇ (هل أشار إليه إنسانٌ أو أَمَرَه بشيء؟ قالوا: لا، قال: ((فكلوا)، أبو قتادة كان مع بعض الصحابة كانوا مُحْرِمين، أبو قتادة ما كان محرِمًا، فصاد لهم هذا الصيد فأكلوا منه، ثم تَحَرَّجُوا مِنْ كونهم أكلوا مِنْ صيدٍ وهم مُحْرِمون، فسألوا النبيَّ ﵇، فقال لهم ﵇ (هل أشار إليه إنسانٌ أو أَمَرَه بشيء؟ يعني: هل أحد منكم أعان أبا قتادة على صيد هذا الحمار الوحشي، أعانه في شيء، أشار إليه في شيء، دلّه على شيء؟ قالوا: لا، قال: (فكلوا)، إذًا: المحرِم يجوز له أن يأكل الصيد بشرط:
أن لا يكون هذا الصيد صاده مُحْرِمٌ آخر، أو أعانه مُحْرِمٌ، أو أشار إليه مُحْرِمٌ، أو صِيد لأجله .. صِيد لأجل مُحرِم.
أما إذا كان هناك شخص ليس مُحْرِمًا وصاد صيدًا وقدّم منه شيئًا إلى مُحْرِم؛ فلا بأس أن يأكل، النبي ﷺ قال (فكلوه).
• لو صاد المحرم الصيد فإنه ليس له أكله، لأن هذا محرم لحق الله.
• الصيد الذي صاده المحرم حرام عليه وعلى غيره، لأنه بمنزلة الميتة.
• لو استأنس البري فلا يجوز للمحرم اصطياده، لأنه باعتبار أصله هو بري، فمتى استأنس الظباء أو الأرانب أو البط أو الحمام فلا يحل للمحرم اصطياده.
• إذا صاد السمك داخل حدود الحرم، كأن تكون بحيرة بها أسماك، فالصحيح أنه يجوز، لأن المحرّم صيد البر.
• من اضطر إلى الأكل فذبح الصيد لذلك فإنه يحل له، لأنه لا تحريم مع الضرورة
٧ - اَلْجِمَاع.
هذا هو المحظور السابع، وهو الجماع في الفرج، وهو أعظم المحظورات وأشدها خطراً.
وهو محرم بنص القرآن الكريم، قال تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق) فسر ابن عباس الرفث بالجماع.
• فإن كان قبل التحلل الأول فإنه يترتب عليه أمور:
أ-الإثم: لأنه عصى الله في قوله (فلا رفث).
ب- فساد النسك: لقضاء الصحابة بذلك.
ج-وجوب المضي فيه: فعليه إتمامه وليس له الخروج منه لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله).
د-وجوب القضاء من العام القادم.
هـ- عليه الفدية: وهي بدنة تذبح في القضاء ويوزعها على المساكين في مكة أو في مكان الجماع.
• وأما إذا كان بعد التحلل الأول:
أ-الإثم، فساد الإحرام: فيجب عليه أن يخرج إلى الحل ليحرم منه (يعني يخلع ثيابه (ثياب الحل) ويلبس إزاراً ورداءاً ليطوف طواف الإفاضة محرماً، لماذا؟ لأنه فسد ما تبقى من إحرامه فوجب عليه أن يجدده).
(التحلل الأول يحصل بعد الرمي والحلق ورجحه الشيخ ابن عثيمين، وقيل: يحصل التحلل الأول بالرمي وحده).
ب- ذبح شاة.
• إذا أكرهتْ الزوجة على الجماع، فالصحيح لا يلزمها كفارة، ولا يلزم زوجها أن يكفر عنها.
стр. 1284
٨ - المباشرة لشهوة فيما دون الفرج.
فلا يجوز للمحرم أن يباشر زوجته فيما دون الفرج، لأن المباشرة وسيلة للوقوع في الجماع المحرّم على المُحرِم.
٩ - عقد النكاح.
يحرم على المحرم ولا يصح ولا فدية فيه.
لحديث عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا ينكح المحرم ولا ينكح و لا يخطب) رواه مسلم.
• يحرم عقد النكاح على الذكور والإناث، سواء كان المحرم الولي أو الزوج أو الزوجة، فالحكم يتعلق بهؤلاء الثلاثة).
• لو عقد لرجل محرم على امرأة حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لرجل محل على امرأة والولي محرم لا يصح).
• ما حكم المحرِم الذي لا يجد الإزار؟
يجوز له لبس السراويل.
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، والخفين إذا لم يجد نعلين.
لحديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول يخطب بعرفات (من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل). متفق عليه
• هل يجب على المحرم الذي لا يجد نعلين ولبس خفين هل يجب عليه قطعهما أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجب عليه قطعهما من أسفل من الكعبين.
وهو قول عروة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر.
لحديث الباب (فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْن).
قالوا: يحمل المطلق على المقيد، فحديث ابن عباس مطلق ليس فيه قطع، فيحمل على حديث ابن عمر المقيد بالقطع.
القول الثاني: أنه لا يجب قطعهما.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
لحديث عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ (مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَّرَاوِيلَ) متفق عليه.
قالوا: فهو يعتبر ناسخاً لحديث ابن عمر، لأن حديث ابن عباس كان في عرفات، ولأن المقام مقام تعليم، والناس متوافرون، ولو قصد النبي ﷺ تقييد هذا الخبر بحديث ابن عمر لبينه ووضحه.
ولأن في القطع إضاعة للمال.
وهذا القول هو الراجح، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 1285
• وهل تجب عليه فدية؟
ذهب طائفة من العلماء إلى أنه إذا فقد النعلين ولبس الخفين مقطوعين أسفل من الكفين، لم تلزمه فدية، إذ لو كانت لازمة لبيّنها النبي ﷺ ، وبهذا قال مالك والشافعي.
• ما الذي يحرم على المرأة المحرِمة؟
يحرم عليها أن تنتقب أو تلبس القفازين (لباس اليدين) ومثل ذلك البرقع.
لقوله ﷺ (ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين).
ولها أن تلبس جوارب الرجلين.
ما رأيك بقول من قال: إن إحرام المرأة في وجهها، وأنه ليس لها أن تغطيه حال الإحرام؟
ذهب كثير من العلماء إلى ذلك، ولكنهم يرون أن لها أن تسدل عليه ما يستره أمام الأجانب، وبعضهم شرط أن لا يمس الوجه وبعضهم لم يشرطه.
وابن القيم له كلام متين عظيم في هذه المسألة يقول:
وَأَمَّا نَهْيه فِي حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَرْأَة أَنْ تَنْتَقِب. وَأَنْ تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ، فَهُوَ دَلِيل عَلَى أَنَّ وَجْه الْمَرْأَة كَبَدَنِ الرَّجُل، لَا كَرَأْسِهِ، فَيَحْرُم عَلَيْهَا فِيهِ مَا وُضِعَ وَفُصِّلَ عَلَى قَدْر الْوَجْه كَالنِّقَابِ وَالْبُرْقُع، وَلَا يَحْرُم عَلَيْهَا سَتْره بِالْمِقْنَعَةِ وَالْجِلْبَاب وَنَحْوهمَا وَهَذَا أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ. فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ سَوَّى بَيْن وَجْههَا وَيَدَيْهَا، وَمَنَعَهَا مِنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَاب، وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يَحْرُم عَلَيْهَا سَتْر يَدَيْهَا، وَأَنَّهُمَا كَبَدَنِ الْمُحْرِم يَحْرُم سَتْرهمَا بِالْمُفَصَّلِ عَلَى قَدْرهمَا وَهُمَا الْقُفَّازَانِ، فَهَكَذَا الْوَجْه إِنَّمَا يَحْرُم سَتْره بِالنِّقَابِ وَنَحْوه، وَلَيْسَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ حَرْف وَاحِد فِي وُجُوب كَشْف الْمَرْأَة وَجْههَا عِنْد الْإِحْرَام، إِلَّا النَّهْي عَنْ النِّقَاب، وَهُوَ كَالنَّهْيِ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ فَنِسْبَة النِّقَاب إِلَى الْوَجْه كَنِسْبَةِ الْقُفَّازَيْنِ إِلَى الْيَد سَوَاء. وَهَذَا وَاضِح بِحَمْدِ اللَّه. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَسْمَاء أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْههَا وَهِيَ مُحْرِمَة، وَقَالَتْ عَائِشَة (كَانَتْ الرُّكْبَان يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مُحْرِمَات مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابهَا عَلَى وَجْههَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَا) ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَاشْتِرَاط الْمُجَافَاة عَنْ الْوَجْه كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْره ضَعِيف لَا أَصْل لَهُ دَلِيلًا وَلَا مَذْهَبًا.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لم يرد عن النبي ﷺ نهي المرأة [المحرمة] عن تغطية وجهها، وإنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب أخص من تغطية الوجه، لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه، كما نهي الرجل عن لباس الجسم. (الشرح الممتع).
وبهذا يظهر أن القول بأن المرأة المحرمة أُمرت بكشف وجهها، غير صحيح.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- حرص الصحابة على السؤال والعلم للتطبيق والعمل.
- على الإنسان إذا أراد الحج أن يتعلم أحكام الحج.
- بلاغة النبي ﷺ وحسن جوابه.
- يسر الشريعة الإسلامية.
стр. 1286
٧٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) أي: عند إحرامه.
(وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) وفي رواية (ولحلهِ قبل أن يُفيض) وللنسائي (وحين يريد أن يزور البيت).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب الطيب عند الإحرام قبل عقد النية، حتى ولو استدامة رائحته حتى لو سال على الملابس.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وقال ابن المنذر: وبه أقول.
قال النووي: وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى اِسْتِحْبَاب الطِّيب عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام، وَأَنَّهُ لَا بَأْس بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْد الْإِحْرَام، وَإِنَّمَا يَحْرُم اِبْتِدَاؤُهُ فِي الْإِحْرَام، وَهَذَا مَذْهَبنَا، وَبِهِ قَالَ خَلَائِق مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَجَمَاهِير الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء، مِنْهُمْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص، وَابْن عَبَّاس وَابْن الزُّبَيْر وَمُعَاوِيَة وَعَائِسَة وَأُمّ حَبِيبَة وَأَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُف وَأَحْمَد وَدَاوُد وَغَيْرهمْ،
وقال في الفتح: وهو قول الجمهور.
وقد جاء في الصحيحين عن عائشة قالت (كأني أنظر إلى وبيض المسك في مفرق رأسه) (الوبيض) هو البريق
وقد جاء عند أبي داود بسند قوي عن عائشة قالت: (كنا نضمخ جباهنا بالمسك المطيب، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيرانا النبي ولا ينهانا).
قال النووي: وَقَالَ آخَرُونَ بِمَنْعِهِ مِنْهُمْ: الزُّهْرِيّ وَمَالِك وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، قَالَ الْقَاضِي: وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ حَدِيث عَائِشَة هَذَا عَلَى أَنَّهُ تَطَيَّبَ ثُمَّ اِغْتَسَلَ بَعْده، فَذَهَبَ الطِّيب قَبْل الْإِحْرَام، وَيُؤَيِّد هَذَا قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (طَيَّبْت رَسُول اللَّه ﷺ عِنْد إِحْرَامه ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا) فَظَاهِره أَنَّهُ إِنَّمَا تَطَيَّبَ لِمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِ، ثُمَّ زَالَ بِالْغُسْلِ بَعْده، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَهَّر مِنْ كُلّ وَاحِدَة قَبْل الْأُخْرَى، وَلَا يَبْقَى مَعَ ذَلِكَ، وَيَكُون قَوْلهَا: (ثُمَّ أَصْبَحَ يَنْضَخ طِيبًا) أَيْ قَبْل غُسْله، وَقَدْ سَبَقَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ الطِّيب كَانَ ذَرَّة، وَهِيَ مِمَّا يُذْهِبهُ الْغُسْل. قَالَ: وَقَوْلهَا: (كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيص الطِّيب فِي مَفَارِق رَسُول اللَّه ﷺ وَهُوَ مُحْرِم) الْمُرَاد بِهِ أَثَره لَا جِرْمه. هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَلَا يُوَافَق عَلَيْهِ؛ بَلْ الصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجُمْهُور أَنَّ الطِّيب مُسْتَحَبّ لِلْإِحْرَامِ؛ لِقَوْلِهَا (طَيَّبْته لِحُرْمِهِ)، وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الطِّيب لِلْإِحْرَامِ لَا لِلنِّسَاءِ، وَيُعَضِّدهُ قَوْلهَا: (كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى وَبِيص الطِّيب).
وَالتَّأْوِيل الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي غَيْر مَقْبُول؛ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِر بِلَا دَلِيل يَحْمِلنَا عَلَيْهِ.
• ما حكم تطييب المحرم لثوبه وملابسه؟
لا يجوز للمحرِم أن يطيّب ملابس الإحرام قبل إحرامه.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية، واختيار ابن باز وابن عثيمين.
لحديث ابن عمر السابق ( … وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ اَلثِّيَابِ مَسَّهُ اَلزَّعْفَرَانُ وَلَا اَلْوَرْسُ … ).
ولأن الرخصة جاءت إنما جاءت في البدن.
قال الشيخ ابن باز: لا يجوز للمحرم أن يضع الطيب على الرداء والإزار، وإنما السنة تطييب البدن كرأسه ولحيته وإبطيه ونحو ذلك، أما الملابس فلا يطيبها عند الإحرام؛ لقوله ﵊ (لا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران أو الورس) فالسنة أنه يتطيب في بدنه فقط، أما ملابس الإحرام فلا يطيبها ولا يلبسها حتى يغسلها أو يغيرها.
стр. 1287
• ما الحكم لو انتقل الطيب إلى ملابس الإحرام؟
يجب غسله.
• ماذا نستفيد من قولها (وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ)؟
نستفيد: استحباب الطيب بعد التحلل الأول وقبل الطواف، وهذه سنة قليل من يعمل بها.
• متى يكون التحلل الأول؟
يكون التحلل الأول بالرمي والحلق، وهذا مذهب أكثر العلماء.
لقولها (وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ).
وقد جاء في حديث (إذا حلقتم ورميتم حل لكم .... ) وسيأتي إن شاء الله.
وقيل: يحصل بالرمي فقط.
لحديث (إذا رميتم فقد حللتم).
وقيل: يحصل باثنين من ثلاثة: وهي الرمي والحلق والطواف.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- استحباب التجمل والتطيب عند الذهاب إلى العبادات في المساجد، لا سيما المجامع الكبيرة، فقد قال تعالى (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد).
стр. 1288
٧٣٥ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَنْكِحُ اَلْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(لَا يَنْكِحُ اَلْمُحْرِمُ) بفتح الياء، أي لا يتزوج لنفسه.
(وَلَا يُنْكِحُ) بضم الباء، لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة في مدة الإحرام.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن المحرِم محرّم عليه أن يَنكح - بفتح الياء - أي: يتزوج، أو يُنكِح - بضم الياء - أي: يعقد النكاح لغيره، أو يخطب، أي: يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها.
تحريم عقد النكاح للمحرم لنفسه سواء كان رجلاً أو امرأة كلاهما محرماً أو أحدهما محرماً والآخر حلالاً.
فلا يجوز أن يكون المُحْرِم ولياً في عقد النكاح، ولو كان الزوج والزوجة حلالاً.
• ما الجواب عن حديث ابن عباس (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهي محرم) رواه مسلم؟
استدل بحديث ابن عباس هذا الحنفية وقالوا: يجوز للمحرم أن يتزوج أو يزوِّج.
لكن الجواب عن هذا الحديث من وجوه:
أولاً: أن ابن عباس وهِم إذ نسب إلى النبي ﷺ أنه تزوج ميمونة محرماً.
قال سعيد بن المسيب: وهِم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرِم.
ثانياً: أن ميمونة وهي صاحبة القصة قالت (أن النبي ﷺ تزوجها حلالاً) رواه مسلم.
ثالثاً: أن أبا رافع كان الرسول بينهما حيث قال (تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما) رواه الترمذي.
رابعاً: أن الرواة بأنه ﷺ تزوجها حلالاً كثيرون، منهم ميمونة نفسها، ومنهم أبو رافع، وسليمان بن يسار، ومنهم صفية بنت شيبة.
قال ابن عبد البر: وما أعلم أحداً من الصحابة روى أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عبد الله، ورواية من ذكرنا معارضة لروايته، والقلب إلى رواية الجماعة أميل، لأن الواحد أقرب إلى الغلط.
وقال: والرواية أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال متواترة عن ميمونة بعينها، وعن أبي رافع مولى النبي ﷺ ، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها.
وقال عياض: الذي صححه أهل الحديث أن النبي ﷺ تزوجها حلالاً، وهو قول كبراء الصحابة ورواياتهم، ولم يأت عن أحد منهم أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده.
• ما حكم الخطبة للمحْرِم؟
لأهل العلم في خطبة المحرم قولان:
القول الأول: تكره الخطبة للمحرم، والمحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين.
وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واختيار ابن قدامة.
القول الثاني: أنه تحرم خطبة المحرم.
وهو مذهب المالكية، واختيار ابن حزم وابن تيمية والصنعاني، والشنقيطي، وابن باز وابن عثيمين والشنقيطي.
أ-لحديث الباب ( .... ولا يخطب).
فالنبي ﷺ نهى عن الجميع نهياً واحداً ولم يفصل وموجب النهي التحريم وليس لنا ما يعارض ذلك من أثر ولا نظر.
ب-أن الخطبة مقدمة النكاح وسبب إليه كما أن العقد سبب للوط، والشرع قد منع من ذلك كله حسما للمادة.
قال الشنقيطي: الأظهر عندي أن المحرِم لا يجوز له أن يخطب امرأة، وكذلك المحرمة لا يجوز للرجل خطبتها لما تقدم من حديث عثمان، وبه تعلم أن ما ذكره كثير من أهل العلم من أن الخطبة لا تحرم في الإحرام وإنما تكره أنه خلاف الظاهر من النص.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن المحرم يجوز له أن يشهد على عقد النكاح لرجل وامرأة ليسا مُحْرمين.
- يحرم عقد النكاح على الذكور والإناث، سواء كان المحرم الولي أو الزوج أو الزوجة، فالحكم يتعلق بهؤلاء الثلاثة).
- لو عقد لرجل محرم على امرأة حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لرجل محل على امرأة والولي محرم لا يصح.
стр. 1289
٧٣٦ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ اَلْحِمَارَ اَلْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: (هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: " فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٧٣٧ - وَعَنْ اَلصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اَللَّيْثِيِّ ﵁ (أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: " إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(وَعَنْ اَلصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اَللَّيْثِيِّ) هو الصعب بن جثّامة بن قيس بن عبد الله بن يعمر الليثي الحجازي، صحابي من المقلين من الحديث.
(وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ) أو للشك من الراوي، والأبواء: منزل بين مكة والمدينة قريب من الجحفة، وودان: موضع بقرب الجحفة أيضاً.
(فَرَدَّهُ عَلَيْهِ) أي: رد ذلك الحمار على الصعب.
(إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) أي: محرمين.
• اذكر لفظ حديث أبي قتادة كاملاً؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا وَخَرَجْنَا مَعَهُ - قَالَ - فَصَرَفَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ «خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى تَلْقَوْنِي». قَالَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ. فَلَمَّا انْصَرَفُوا قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبَا قَتَادَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا - قَالَ - فَقَالُوا أَكَلْنَا لَحْماً وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ - قَالَ - فَحَمَلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا فَقُلْنَا نَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ. فَحَمَلْنَا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا. فَقَالَ «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ». قَالَ قَالُوا لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا).
(خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا) كانَ ذلكَ في عمرةِ الحُدَيْبِيَةِ، فَأَطْلَقَ على العمرةِ الحجَّ، وهوَ جائز، وكانت سنة ٦ في شهر ذي القعدة.
• سبق أن قتل الصيد من محظورات الإحرام، اذكر الأدلة على ذلك، وما المراد بالصيد؟
الأدلة على تحريم قتل الصيد للمحرِم:
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ).
وقوله تعالى (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
وحديث الباب (إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ).
والمراد بالصيد:
الصيد المحرّم على المحرِم ما جمع ثلاثة أشياء ذكرها المؤلف:
أولاً: أن يكون مأكولاً.
فإذا كان غير مأكول فليس عليه فدية.
ثانياً: أن يكون برياً (وضده البحري).
قال في الشرح: أما صيد البحر فلا يحرم على المحرم بغير خلاف.
قال تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) البحري: هو ما لا يعيش إلا في البحر.
ثالثاً: أن يكون وحشياً.
فما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم أكله ولا ذبحه كبهيمة الأنعام والخيل والدجاج.
إذاً الشروط: أن يكون الصيد: مأكولاً - برياً - متوحشاً.
(كالحمامة، والضبع، والغزال، والأرنب).
* لا يحرم حيوان إنسي وهذا بالإجماع لأنه ليس بصيد، كالإبل والبقر والغنم.
стр. 1290
• ما حكم إذا صاد المحل صيداً وأطعمه المحرم، فهل يكون حلالاً للمحرم أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه حرام على المحرِم.
وهذا مذهب ابن عباس وابن عمر وإسحاق والثوري.
أ-لقوله تعالى (وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً).
ب- ولحديث الصعب بن جثامة.
القول الثاني: يجوز أكل المحرم مما صاده المُحِل مطلقاً ولو صاده لأجله.
وهذا مذهب أبي حنيفة وعطاء ومجاهد.
لحديث أبي قتادة.
القول الثالث: القول بالجمع: فما صاده الحلال لأجل المحرم حرم على المحرم فقط، وما لم يصد لأجله فهو حلال له.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأصحابهما، وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ورجحه ابن حبان، وابن عبد البر، والبغوي، والقاضي عياض، والنووي، وابن القيم، وابن حجر وغيرهم.
واحتجوا لمسلكهم بأن فيه توفيقاً وجمعاً بين الأحاديث المختلفة وعملاً بجميعها.
ويؤيد هذا الجمع ما رواه أحمد وأبو داود عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ (صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم).
قال الترمذي بعد هذا الحديث: والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بأكل الصيد للمحرم بأساً إذا لم يصده أو يصد من أجله.
قال الشوكاني: والحق ما ذهب إليه الجمهور من الجمع بين الأحاديث.
وهذا القول هو الراجح.
• الخلاصة: الصيد المحرّم على المحرم:
أ-ما صاده بنفسه.
لقوله تعالى (وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً).
ب- ما صِيد لأجله:
لحديث الصعب بن جثامة.
ج- أو كان له أثر في صيده، أو أعان عليه.
لحديث أبي قتادة ( … فَقَالَ ﷺ : هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ». قَالَ قَالُوا لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا).
стр. 1291
• ما الحكم إذا دلَّ المحرمُ حلالاً على صيدٍ فقتله؟
اختلف الفقهاء فيما إذا دلَّ المحرمُ حلالاً على صيدٍ فقتله، على قولين:
القول الأول: إذا دلَّ المحرم حلالاً على صيدٍ فقتله، يلزم المحرم جزاؤه.
وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وبه قال طائفةٌ من السلف، وهو اختيار ابن تيمية، والشنقيطي، وحُكيَ فيه الإجماع.
أ- لقوله ﷺ (هل منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟)
أنه علَّق الحلَّ على عدم الإشارة؛ فأحرى أن لا يحل إذا دلَّه باللفظ، فقال هناك صيدٌ ونحوه.
ب-أنَّه قول عليٍّ وابن عباس ﵄، ولا يُعرَف لهما مخالفٌ من الصحابة ﵃.
ج-أنَّه سببٌ يُتوصَّلُ به إلى إتلاف الصيد؛ فتعلَّق به الضمان؛ فإنَّ تحريم الشيء تحريمٌ لأسبابه.
القول الثاني: إذا دلَّ المحرمُ حلالاً على صيدٍ، فإنه يكون مُسيئاً، ولا جزاء عليه.
وهو مذهب المالكية، والشافعية.
أ- لظاهر قوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم).
وجه الدلالة: أنَّه علَّق الجزاء بالقتل؛ فاقتضى ألا يجب الجزاء بعدم القتل.
ب-أنها نفسٌ مضمونةٌ بالجناية؛ فوجب ألاَّ تُضمنَ بالدلالة كالآدمي.
ج- أنَّ القاتل انفرد بقتله باختياره، مع انفصال الدال عنه، فصار كمن دل محرماً أو صائماً على امرأة فوطئها، فإنه يأثم بالدلالة، ولا تلزمه كفارة، ولا يفطر بذلك.
• ما حكم أكل الحمار الوحشي؟
حلال، وأنه من الصيد.
أ- لحديث الباب، فقد أمر ﷺ الصحابة بالأكل من حمار الوحش وهم محرمون، وهذا دليل على حله.
ب- ولحديث جابر قال (أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي). رواه مسلم.
• ما حكم أكل الحمر الإنسية (الأهلية)؟
حرام.
أ-عن أنس قال (لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ] اَلْأَهْلِيَّةِ]، فَإِنَّهَا رِجْس) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
ب-وعن ابن عمر ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية). متفق عليه
ج-وعن علي ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية). متفق عليه
د-وعن ابن أبي أوفى قال: (نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر). رواه البخاري
فهذه الأحاديث فيها النهي الصريح عن لحوم الحمر الأهلية.
قال ابن القيم: أحاديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواها عن النبي ﷺ علي، وجابر، والبراء، وابن أبي أوفى، و … ، والعرباض، وأبو ثعلبة، وابن عمر، وأبو سعيد، وسلمة،
стр. 1292
• العلة في النهي عنها:
قيل: لحاجتهم إليها.
فقد جاء في حديث ابن عمر: ( … وكان الناس قد احتاجوا إليها).
لكن يرد هذا القول حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل) فلو كان النهي من أجل أنها حمولة الناس لكان النهي عن لحوم الخيل أولى.
وقيل: لأنها كانت تأكل العذرة.
وقيل: أنه إنما حرمت لأنها رجس في نفسها.
قال ابن القيم: وهذا أصح العلل، فإنها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه في الصحيحين.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- حل أكل الحمار الوحشي.
- رد الهدية إذا وجد ما يمنع من قبولها، لكن من حسن الخلق أن يبين للمردودة عليه هديته سبب الرد.
- أن الإعانة على الأمور المحرمة والدلالة عليها لا يجوز، لأن المعين مشارك للمباشر في عمله.
- الإمساك عن الأشياء المشتبهة حتى يتبين أمرها من حل أو حرمة من الورع.
- سؤال أهل العلم عما يشكل من الأحكام.
- أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
- استحباب قبول الهدية إذا لم يكن هناك مانع من قبولها.
- الاعتذار عن رد الهدية، تطييباً لقلب المهدي.
стр. 1293
٧٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَمْسٌ مِنَ اَلدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي [اَلْحِلِّ] وَالْحَرَمِ: اَلْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ اَلْعَقُورُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(خَمْسٌ) ذكر الخمس يفيد نفي الحكم عن غيرها، لكنه ليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيمكن أن يكون قاله ﷺ أولاً ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس تشترك معها في هذا الحكم.
فقد ورد زيادة (الحية) وهي سادسة كما في حديث ابن عمر عن الصعب وابن مسعود عند مسلم.
(اَلْغُرَابُ) وفي صحيح مسلم تقييده بالأبقع، وهو الذي في ظهره وبطنه بياض.
(العقرب) دويبة ذات سم تلسع.
(الحدأة) طائر معروف يختطف الأموال الثمينة.
وَالْكَلْبُ اَلْعَقُورُ) أي: الجارح المفترس.
• لماذا سميت هذه بالفواسق؟
قال النووي: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه سمي الرجل الفاسق لخروجه عن أمر الله وطاعته، فوصفت هذه الخمس بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله أو حل أكله أو خروجها بالإيذاء أو الإفساد.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز قتل الخمسة المذكورة في الحديث في الحل والحرم، وهو موضع اتفاق بين العلماء.
• هل الغراب يقتل مطلقاً أم هناك غراب معين؟
في حديث الباب الإذن في قتل الغراب مطلقاً ولم يخص نوعاً فيها من نوع.
وجاء في صحيح مسلم عن عائشة أيضاً. قال ﷺ (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم .... وذكر منها: والغراب الأبقع)، وكذلك في حديث ابن عمر.
فاختلف العلماء في ذلك.
فذهب بعض العلماء بحمل الأحاديث المطلقة في الإذن بقتل كل غراب على المقيدة بالغراب الأبقع.
وممن سلك هذا المسلك أبو حنيفة وصاحباه محمد بن الحسن وأبو يوسف والطحاوي، وحكاه ابن المنذر عن بعض أصحاب الحديث، وبه أخذ ابن خزيمة وابن حجر والعيني.
وذهب بعض العلماء إلى تقديم الروايات المطلقة على المقيدة.
وممن سلك هذا المسلك ابن عبد البر وابن قدامة.
قال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح.
واعتذر بعضهم بأن رواية (الأبقع) شاذة.
стр. 1294
وذكر بعض العلماء أن التقييد بالأبقع أنه خرج مخرج الغالب فلا يختص الحكم به.
قال القرطبي: قوله (الغراب الأبقع) تقييد لمطلق الروايات الأخرى التي ليس فيها الأبقع، وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلا قتل الأبقع، وغير هذه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان، ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلب عندهم.
• ما المراد بالكلب العقور؟
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْكَلْبِ الْعَقُور.
فَقِيلَ: هُوَ الْكَلْب الْمَعْرُوف.
وَقِيلَ: كُلّ مَا يَفْتَرِس؛ لأَنَّ كُلّ مُفْتَرِس مِنْ السِّبَاع يُسَمَّى كَلْبًا عَقُورًا فِي اللُّغَة. قاله النووي.
• واختلف العلماء هل يتعدى القتل إلى غيرها من المؤذيات أم لا؟
القول الأول: أنه لا يتعدى إلى غيرها.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر.
لأنها هي التي ورد بها النص.
القول الثاني: بل يتعدى إلى غيرها من كل مؤذ.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
وأن ما جاء في الحديث على سبيل المثال.
قال ابن القيم: إنما اختصت هذه بالذكر لينبه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلفة، فيكون ذكر نوع منها منبهاً على جواز قتل ما فيه ذلك النوع.
وقال الشيخ ابن عثيمين: والتنبيه بهذه الأمثلة يدل على أن ما كان مثلها في الحكم وما كان أشد منها فهو أولى منها بالحكم، ولهذا أخذوا قاعدة من ذلك، وقالوا: يسن قتل كل مؤذٍ.
• ما أقسام الحيوانات من حيث القتل وعدمه؟
ينقسم الحيوان من حيث القتل وعدمه إلى أقسام:
القسم الأول: قسم أمر بقتله.
كالخمس في حديث الباب، ومثل الوزغ.
القسم الثاني: قسم منهي عن قتله.
كالنملة، والنحلة، والهدهد، والصرد.
لحديث ابن عباس قال (نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدد، والصُّرد) رواه أبو داود.
القسم الثالث: قسم سكت عنه.
كالذباب، والصراصير، والجعلان.
فهذه إن آذت قتلت، وإن لم تؤذ: فقيل يجوز قتلها، وقيل يكره، وهذا الأقرب.
لأن الله خلقها لحكمة، فلا ينبغي أن تقتل.
стр. 1295
فائدة: تنقسم الكلاب من حيث الأحكام إلى أربعة أقسام:
أ- الكلب العقور.
فهذا يشرع قتله كما في حديث الباب.
ب- كلب الصيد والحرث والماشية.
فهذا يباح اقتناؤه ولا يقتل إلا لسبب.
ج- الكلب الأسود.
وهذا له خصائص.
إباحة قتله، لا يحل صيده، يحرم اقتناؤه، يقطع الصلاة، أنه شيطان.
د- ما سوى ذلك من الكلاب.
فهذه لا يباح اقتناؤه، ولا يقتل إلا إذا أذى.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- مشروعية قتل كل ما فيه أذية من الحيوانات، كالذئب، والأسد، والفهد، والنمر.
- استدل بالحديث على تحريم أكل المذكورات في الحديث، لأن ما أمر بقتله فإنه يحرم أكله.
- حكمة الله.
стр. 1296
٧٣٩ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِحْتَجَمَ) أي: طلب من يحجمه، والحجامة هي: إخراج الدم من البدن بطرق معروفة.
(وَهُوَ مُحْرِمٌ) جاء في رواية (في رأسه).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز الحجامة للمحرم من غير فدية إذا لم يقطع شعراً.
وهذا قول جمهور العلماء.
لحديث الباب.
• هل يلزمه فدية؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
قال بعض العلماء: إن قطع شعراً فدى.
وذهب الحسن البصري إلى لزوم الفدية لمن احتجم ولو لم يقطع شعراً.
والصحيح أنه لا فدية، فإن ظاهر الحديث ليس فيه فدية.
لأنه من المعلوم أنه إذا كانت الحجامة في الرأس لا بد أن يحلق ما يمكن أن يحتجم به.
وليس هذا كقوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) فإن ذلك في حلق جميع الرأس.
وهذه المسألة شبيهة بحك الرأس، فالغالب أن الشعر مع الحك يتساقط، وكذلك غسل الرأس يحصل معه تساقط شعره وقد كان الرسول ﷺ يغتسل وهو محرم.
• استدل بحديث الباب بعض العلماء بأن الفدية في حلق الرأس تكون في حلقه حلقاً يكون كاملاً؟ كيف ذلك؟
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا أخذ من شعره ما فيه إماطة الأذى ففيه دم، أي: إذا حلق حلقاً يكون كاملاً يسلم به الرأس من الأذى، والدليل ما أخرجه البخاري (احتجم النبي ﷺ وهو محرم في وسط رأسه) والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل أن النبي ﷺ فدى.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن إخراج الدم من سائر البدن ليس من محظورات الإحرام.
- جواز الحجامة عند الحاجة إليها.
- أن الحجامة لا تنقض الوضوء، حيث لم ينقل أن النبي ﷺ توضأ.
стр. 1297
٧٤٠ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: (حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: " مَا كُنْتُ أَرَى اَلْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ " - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) الأنصاري، أبو محمد المدني صحابي جليل.
(حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اَللَّه ﷺ وفي الرواية الأخرى (أتى عليّ رسول الله ﷺ زمن الحديبية).
(وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) أي: يتساقط القمل من كثرته على وجهي.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن حلق شعر الرأس من محظورات الإحرام، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أ-قال تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).
ب-لحديث الباب، حيث رتب فدية الأذى على حلق الرأس مع كونه للعذر، فدل على أنه من محظورات الإحرام.
ونقل الإجماع على ذلك ابن المنذر والنووي.
• اذكر أحوال فاعل المحظور؟
فاعل المحظور له ثلاث أحوال:
أولاً: أن يفعل المحظور عالماً متعمداً ذاكراً غير معذور.
فهذا آثم وعليه الفدية.
ثانياً: أن يفعله عالماً مختاراً ذاكراً معذوراً.
فهذا عليه الفدية ولا إثم عليه.
لحديث الباب.
فلو احتاج الإنسان إلى تغطية رأسه من أجل برد أو حر يخاف منه، جاز له تغطيته وعليه الفدية.
ثالثاً: أن يفعله معذور بجهل أو نسيان.
فهذا لا شيء عليه لأنه جاهل أو ناسي.
• ما هي فدية من حلق رأسه وهو محرِم؟
فدية من حلق رأسه وهو محرم: أنه يخيّر بين ثلاثة أشياء وهي:
صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع.
قال تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).
وقد جاءت السنة بتوضيح هذه الآية:
(فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ) وضحته السنة أنه ثلاثة أيام.
(أَوْ صَدَقَةٍ) وضحته السنة أنه إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
(أَوْ نُسُكٍ) وضحته السنة أن النسك شاة.
وهذه الفدية هي فدية حلق الرأس، وتقليم الأظافر، وقص الرأس، والطيب، ولبس المخيط، والمباشرة، ولبس القفازين للمرأة.
стр. 1298
• متى تجب الفدية في حلق الشعر؟
تجب الفدية في حلق الشعر إذا حلق ما يحصل به إماطة الأذى، وهو مذهب المالكية، واختاره ابن حزم، وابن عبد البر، وابن عثيمين.
أ-قوله تعالى (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).
وجه الدلالة: أنَّ حلق شعر الرأس من أذىً به، لا يكون إلا بمقدار ما يماط به الأذى.
ب-حديث الباب.
وجه الدلالة: أن الكفارة إنما تجب في حلق الرأس في مثل ما أوجبه رسول الله ﷺ على كعب بن عجرة، وهو حلق ما يماط به الأذى.
جـ - عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرمٌ في رأسه).
وجه الدلالة: أن الحجامة في الرأس من ضرورتها أن يُحلَق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتدى، لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى، فهو قليلٌ بالنسبة لبقية الشعر.
• هل حلق بقية شعر الجسد كحلق الرأس؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن حلق شعر غير الرأس من محظورات الإحرام.
أ-أثر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) التفث: الرمي، والذبح، والحلق والتقصير، والأخذ من الشارب، والأظفار، واللحية.
ب-قياس شعر الجسد على شعر الرأس؛ بجامع أن الكل يحصل بحلقه الترفه، والتنظف، وهو ينافي الإحرام لكون المحرم أشعث أغبر.
• اذكر أقسام محظورات الإحرام من حيث الفدية وعدمها؟
تنقسم إلى أربعة أقسام:
أ- ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح والخطبة.
ب- ما فديته بدنة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
ج- ما فديته مثله، وهو الصيد.
د- ما فديته فدية أذى (إطعام أو ذبح أو صيام) وهو باقي المحظورات. (حلق الشعر، تقليم الأظافر، تغطية الرأس، مس الطيب، لبس القفازين، النقاب، المباشرة دون الفرج، لبس المخيط).
• هل هذه الفدية (فدية الأذى) على التخيير أم الترتيب؟
على التخيير.
أ-لظاهر الآية (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).
ب- لحديث الباب في رواية عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ (أَتَى عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لِى، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِى فَقَالَ «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ». قَالَ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً).
стр. 1299
ف ما الجواب عن حديث في قوله (، تَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ .. )؟
الجواب الأول: قال النووي: لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ أَنَّ الصَّوْم لَا يَجْزِي إِلَّا لِعَادِمِ الْهَدْي، بَلْ هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ النُّسُك، فَإِنْ وَجَدَهُ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ مُخَيَّر بَيْنه وَبَيْن الصِّيَام وَالْإِطْعَام، وَإِنْ عَدِمَهُ فَهُوَ مُخَيَّر بَيْن الصِّيَام وَالْإِطْعَام.
الجواب الثاني: قال ابن حجر: يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما إذن له في حلق رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ ، أو بوحي غير متلو، فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والإطعام والصيام فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام، لعلمه بأنه لا ذبح معه فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه ويوضح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور حيث قال أتجد شاة قلت لا فنزلت هذه الآية ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فقال صم ثلاثة أيام أو أطعم.
• يشترط في الصيام التتابع؟
لا، لا يشترط، لأن النبي ﷺ لم يقيدها بالتتابع هنا.
• كم مقدار الإطعام، ومن أي نوع؟
النبي ﷺ حدد المقدار بقوله (لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ)، وأطلق النوع، فظاهر الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين سواء من البر أو غيره.
• ما الحكم إذا كرر المحظور؟
إن كرر محظوراً من أجناس (كطيب، وتغطية رأس، وليس مخيط) فلكل واحدة كفارة.
وهذا المذهب.
وقيل: عليه كفارة واحدة.
والراجح الأول.
إن كرر محظوراً من جنس واحد، كحلق رأسه، وحلق شعر بدنه، فكفارة واحدة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- ظاهر الحديث أنه يخرج نصف صاع، سواء كانت الفدية من البر أو غيره، وهذا مذهب جماهير العلماء.
- أن السنة مفسرة للقرآن.
- قال ابن القيم: يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه.
стр. 1300
٧٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (لَمَّا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلنَّاسِ، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اَللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ اَلْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ اَلنَّظَرَيْنِ " فَقَالَ اَلْعَبَّاسُ: إِلَّا اَلْإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: إِلَّا اَلْإِذْخِرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَمَّا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ) أي عام هـ هـ
(إِنَّ اَللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ اَلْفِيلَ) أي منعه من الانبعاث.
(وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي) أي ما أحل الله لأحد من الأنبياء وأممهم أن يدخل مكة بقتال أبداً لأن مكة معظمة.
(وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ) المراد بالساعة المقدار من الزمن، والمراد فتح مكة، وهو ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر.
(فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) قال النووي: يحرم التنفير وهو الإزعاج عن موضعه، قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى.
والصيد تقدم: كل حيوان بري حلال متوحش طبعاً، كالحمام والأرانب.
(وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا) وفي رواية (ولا يختلى خلاها) المراد بالاختلاء القطع.
(وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا) أي: لقطتها، واللقطة: مال أو مختص ضل عن ربه.
(وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ اَلنَّظَرَيْنِ) قال النووي: معناه أن وليّ المقتول بالخيار، إن شاء قَتَلَ القاتل، وإن شاء أخذ فداءه، وهي الدية.
(إِلَّا اَلْإِذْخِرَ) قال في الفتح: نبت معروف عند أهل مكة، طيب الريح.
(فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا) يسدون به الخلل بين اللبنات في القبور.
(وَبُيُوتِنَا) أي: سقفها.
• ما حكم القتال في مكة، وماذا يستثنى؟
حرام.
لقوله (ولن تحل لأحد بعدي).
ويستثنى أمران:
الأول: القتال عند المدافعة، فإذا قوتل الإنسان فله أن يقاتل.
لقوله تعالى (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين).
والثاني: قتل من حصلت منه جناية في الحرم توجب قتله. (فلو قتل عمداً فإنه يقتل).
• ما حكم قطع شجر مكة؟
قال في المغني: أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم، وإباحة أخذ الإذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع.
• ما ينبت بالحرم من الشجر ينقسم إلى ثلاثة أقسام، اذكرها؟
الأول: ما أنبته الله من الشجر والحشيش، فهذا لا يجوز قطعه فهذا بالنص والإجماع.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث أبي شُريْح، في قوله ﷺ (فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يَعضِد بها شجرة) متفق عليه.
وأجمع العلماء على ذلك.
следующие страницы →