Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
٧٣٩ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِحْتَجَمَ) أي: طلب من يحجمه، والحجامة هي: إخراج الدم من البدن بطرق معروفة.
(وَهُوَ مُحْرِمٌ) جاء في رواية (في رأسه).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز الحجامة للمحرم من غير فدية إذا لم يقطع شعراً.
وهذا قول جمهور العلماء.
لحديث الباب.
• هل يلزمه فدية؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
قال بعض العلماء: إن قطع شعراً فدى.
وذهب الحسن البصري إلى لزوم الفدية لمن احتجم ولو لم يقطع شعراً.
والصحيح أنه لا فدية، فإن ظاهر الحديث ليس فيه فدية.
لأنه من المعلوم أنه إذا كانت الحجامة في الرأس لا بد أن يحلق ما يمكن أن يحتجم به.
وليس هذا كقوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) فإن ذلك في حلق جميع الرأس.
وهذه المسألة شبيهة بحك الرأس، فالغالب أن الشعر مع الحك يتساقط، وكذلك غسل الرأس يحصل معه تساقط شعره وقد كان الرسول ﷺ يغتسل وهو محرم.
• استدل بحديث الباب بعض العلماء بأن الفدية في حلق الرأس تكون في حلقه حلقاً يكون كاملاً؟ كيف ذلك؟
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا أخذ من شعره ما فيه إماطة الأذى ففيه دم، أي: إذا حلق حلقاً يكون كاملاً يسلم به الرأس من الأذى، والدليل ما أخرجه البخاري (احتجم النبي ﷺ وهو محرم في وسط رأسه) والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل أن النبي ﷺ فدى.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن إخراج الدم من سائر البدن ليس من محظورات الإحرام.
- جواز الحجامة عند الحاجة إليها.
- أن الحجامة لا تنقض الوضوء، حيث لم ينقل أن النبي ﷺ توضأ.
стр. 1297
٧٤٠ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: (حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: " مَا كُنْتُ أَرَى اَلْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ " - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) الأنصاري، أبو محمد المدني صحابي جليل.
(حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اَللَّه ﷺ وفي الرواية الأخرى (أتى عليّ رسول الله ﷺ زمن الحديبية).
(وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) أي: يتساقط القمل من كثرته على وجهي.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن حلق شعر الرأس من محظورات الإحرام، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أ-قال تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).
ب-لحديث الباب، حيث رتب فدية الأذى على حلق الرأس مع كونه للعذر، فدل على أنه من محظورات الإحرام.
ونقل الإجماع على ذلك ابن المنذر والنووي.
• اذكر أحوال فاعل المحظور؟
فاعل المحظور له ثلاث أحوال:
أولاً: أن يفعل المحظور عالماً متعمداً ذاكراً غير معذور.
فهذا آثم وعليه الفدية.
ثانياً: أن يفعله عالماً مختاراً ذاكراً معذوراً.
فهذا عليه الفدية ولا إثم عليه.
لحديث الباب.
فلو احتاج الإنسان إلى تغطية رأسه من أجل برد أو حر يخاف منه، جاز له تغطيته وعليه الفدية.
ثالثاً: أن يفعله معذور بجهل أو نسيان.
فهذا لا شيء عليه لأنه جاهل أو ناسي.
• ما هي فدية من حلق رأسه وهو محرِم؟
فدية من حلق رأسه وهو محرم: أنه يخيّر بين ثلاثة أشياء وهي:
صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع.
قال تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).
وقد جاءت السنة بتوضيح هذه الآية:
(فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ) وضحته السنة أنه ثلاثة أيام.
(أَوْ صَدَقَةٍ) وضحته السنة أنه إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
(أَوْ نُسُكٍ) وضحته السنة أن النسك شاة.
وهذه الفدية هي فدية حلق الرأس، وتقليم الأظافر، وقص الرأس، والطيب، ولبس المخيط، والمباشرة، ولبس القفازين للمرأة.
стр. 1298
• متى تجب الفدية في حلق الشعر؟
تجب الفدية في حلق الشعر إذا حلق ما يحصل به إماطة الأذى، وهو مذهب المالكية، واختاره ابن حزم، وابن عبد البر، وابن عثيمين.
أ-قوله تعالى (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).
وجه الدلالة: أنَّ حلق شعر الرأس من أذىً به، لا يكون إلا بمقدار ما يماط به الأذى.
ب-حديث الباب.
وجه الدلالة: أن الكفارة إنما تجب في حلق الرأس في مثل ما أوجبه رسول الله ﷺ على كعب بن عجرة، وهو حلق ما يماط به الأذى.
جـ - عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرمٌ في رأسه).
وجه الدلالة: أن الحجامة في الرأس من ضرورتها أن يُحلَق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتدى، لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى، فهو قليلٌ بالنسبة لبقية الشعر.
• هل حلق بقية شعر الجسد كحلق الرأس؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن حلق شعر غير الرأس من محظورات الإحرام.
أ-أثر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) التفث: الرمي، والذبح، والحلق والتقصير، والأخذ من الشارب، والأظفار، واللحية.
ب-قياس شعر الجسد على شعر الرأس؛ بجامع أن الكل يحصل بحلقه الترفه، والتنظف، وهو ينافي الإحرام لكون المحرم أشعث أغبر.
• اذكر أقسام محظورات الإحرام من حيث الفدية وعدمها؟
تنقسم إلى أربعة أقسام:
أ- ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح والخطبة.
ب- ما فديته بدنة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
ج- ما فديته مثله، وهو الصيد.
د- ما فديته فدية أذى (إطعام أو ذبح أو صيام) وهو باقي المحظورات. (حلق الشعر، تقليم الأظافر، تغطية الرأس، مس الطيب، لبس القفازين، النقاب، المباشرة دون الفرج، لبس المخيط).
• هل هذه الفدية (فدية الأذى) على التخيير أم الترتيب؟
على التخيير.
أ-لظاهر الآية (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).
ب- لحديث الباب في رواية عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ (أَتَى عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لِى، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِى فَقَالَ «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ». قَالَ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً).
стр. 1299
ف ما الجواب عن حديث في قوله (، تَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ .. )؟
الجواب الأول: قال النووي: لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ أَنَّ الصَّوْم لَا يَجْزِي إِلَّا لِعَادِمِ الْهَدْي، بَلْ هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ النُّسُك، فَإِنْ وَجَدَهُ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ مُخَيَّر بَيْنه وَبَيْن الصِّيَام وَالْإِطْعَام، وَإِنْ عَدِمَهُ فَهُوَ مُخَيَّر بَيْن الصِّيَام وَالْإِطْعَام.
الجواب الثاني: قال ابن حجر: يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما إذن له في حلق رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ ، أو بوحي غير متلو، فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والإطعام والصيام فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام، لعلمه بأنه لا ذبح معه فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه ويوضح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور حيث قال أتجد شاة قلت لا فنزلت هذه الآية ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فقال صم ثلاثة أيام أو أطعم.
• يشترط في الصيام التتابع؟
لا، لا يشترط، لأن النبي ﷺ لم يقيدها بالتتابع هنا.
• كم مقدار الإطعام، ومن أي نوع؟
النبي ﷺ حدد المقدار بقوله (لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ)، وأطلق النوع، فظاهر الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين سواء من البر أو غيره.
• ما الحكم إذا كرر المحظور؟
إن كرر محظوراً من أجناس (كطيب، وتغطية رأس، وليس مخيط) فلكل واحدة كفارة.
وهذا المذهب.
وقيل: عليه كفارة واحدة.
والراجح الأول.
إن كرر محظوراً من جنس واحد، كحلق رأسه، وحلق شعر بدنه، فكفارة واحدة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- ظاهر الحديث أنه يخرج نصف صاع، سواء كانت الفدية من البر أو غيره، وهذا مذهب جماهير العلماء.
- أن السنة مفسرة للقرآن.
- قال ابن القيم: يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه.
стр. 1300
٧٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (لَمَّا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلنَّاسِ، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اَللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ اَلْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ اَلنَّظَرَيْنِ " فَقَالَ اَلْعَبَّاسُ: إِلَّا اَلْإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: إِلَّا اَلْإِذْخِرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَمَّا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ) أي عام هـ هـ
(إِنَّ اَللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ اَلْفِيلَ) أي منعه من الانبعاث.
(وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي) أي ما أحل الله لأحد من الأنبياء وأممهم أن يدخل مكة بقتال أبداً لأن مكة معظمة.
(وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ) المراد بالساعة المقدار من الزمن، والمراد فتح مكة، وهو ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر.
(فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) قال النووي: يحرم التنفير وهو الإزعاج عن موضعه، قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى.
والصيد تقدم: كل حيوان بري حلال متوحش طبعاً، كالحمام والأرانب.
(وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا) وفي رواية (ولا يختلى خلاها) المراد بالاختلاء القطع.
(وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا) أي: لقطتها، واللقطة: مال أو مختص ضل عن ربه.
(وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ اَلنَّظَرَيْنِ) قال النووي: معناه أن وليّ المقتول بالخيار، إن شاء قَتَلَ القاتل، وإن شاء أخذ فداءه، وهي الدية.
(إِلَّا اَلْإِذْخِرَ) قال في الفتح: نبت معروف عند أهل مكة، طيب الريح.
(فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا) يسدون به الخلل بين اللبنات في القبور.
(وَبُيُوتِنَا) أي: سقفها.
• ما حكم القتال في مكة، وماذا يستثنى؟
حرام.
لقوله (ولن تحل لأحد بعدي).
ويستثنى أمران:
الأول: القتال عند المدافعة، فإذا قوتل الإنسان فله أن يقاتل.
لقوله تعالى (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين).
والثاني: قتل من حصلت منه جناية في الحرم توجب قتله. (فلو قتل عمداً فإنه يقتل).
• ما حكم قطع شجر مكة؟
قال في المغني: أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم، وإباحة أخذ الإذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع.
• ما ينبت بالحرم من الشجر ينقسم إلى ثلاثة أقسام، اذكرها؟
الأول: ما أنبته الله من الشجر والحشيش، فهذا لا يجوز قطعه فهذا بالنص والإجماع.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث أبي شُريْح، في قوله ﷺ (فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يَعضِد بها شجرة) متفق عليه.
وأجمع العلماء على ذلك.
стр. 1301
* ويستثنى من ذلك:
أ-الإذخر، لحديث الباب.
ب-اليابس من الشجر والحشيش، لأنه بمنزلة الميت.
ج- الانتفاع بما انقلع من أغصان الشجر والحشيش، وهذا إذا كان بفعل الله فجائز، واختلفوا إذا انقلع بفعل آدمي، فقيل: يحرم، وهذا المذهب، وقيل: يجوز الانتفاع به من غير القالع.
د- ثمر الشجر، فيجوز الانتفاع به.
هـ- ما أنبته الله مما هو مغيّب في الأرض، كالكمأة، والفقع، فهذا يجوز، لأنه ليس بشجر ولا حشيش، وإنما هو مودع في باطن الأرض.
القسم الثاني: ما أنبته الآدمي.
من الزرع والبقل، فهذا جائز، لأنه ليس بزرع ولا حشيش.
القسم الثالث: ما أنبته الآدمي من الشجر.
كالنخل والعنب.
فالجمهور على الجواز.
وذهب الشافعية إلى المنع، ورجحه ابن قدامة، والأول أصح.
• ما حكم تنفير الصيد في مكة وقتله؟
يحريم تنفير الصيد في مكة وقتله من باب أولى.
• ما حكم سفك الدماء في مكة؟
حرام.
واختلف العلماء في إقامة الحدود في مكة:
فقيل: يحرم ويضيق عليه حتى يخرج.
لقوله تعالى: (ومن دخله كان آمناً).
وقيل: يجوز.
وهذا مذهب مالك والشافعي.
لعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود بالقصاص في كل زمان ومكان.
والنبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1302
• ما حكم لقطة الحرم؟
اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: لا يجوز التقاطها إلا لمن أراد ينشدها ويعرفها دائماً وأبداً.
وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن القيم وقال: هذا هو الصحيح.
أ-لقوله ﷺ في حديث الباب (ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد). متفق عليه أي المعرّف على الدوام.
قال الحافظ ابن حجر: والمعنى: لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط، فأما من أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا.
قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث لَا تَحِلّ لُقَطَتهَا لِمَنْ يُرِيد أَنْ يُعَرِّفهَا سَنَة ثُمَّ يَتَمَلَّكهَا كَمَا فِي بَاقِي الْبِلَاد، بَلْ لَا تَحِلّ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفهَا أَبَدًا. وَلَا يَتَمَلَّكهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَأَبُو عُبَيْد وَغَيْرهمْ، وَقَالَ مَالِك: يَجُوز تَمَلُّكهَا بَعْد تَعَرُّفهَا سَنَة، كَمَا فِي سَائِر الْبِلَاد، وَبِهِ قَالَ بَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ، وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيث تَأْوِيلَات ضَعِيفَة.
ب- وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِىِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ) رواه مسلم.
القول الثاني: أن لقطة الحرم والحل سواء.
وهذا مذهب المالكية.
أ-لحديث زيد بن خالد. قال (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا).
فلم يفرق رسول الله ﷺ بين لقطة الحرم وغيرها.
ب- وأنه أحد الحرمين، فأشبه حرم المدينة.
ج- ولأنها أمانة فلم يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة. (المغني).
والراجح القول الأول.
والجواب عن حديث زيد بن خالد: أنه عام، مخصوص بلقطة مكة لحديث الباب (لا تحل ساقطتها إلا لمنشد).
فلقطة الحرم لها ثلاث أحوال:
أ-أن يأخذها للتملك من الآن، فهذا حرام.
ب-أن يأخذها للتملك بعد الإنشاد، فهذا حرام.
ج-أن يأخذها للإنشاد، فهذا حلال.
أما لقطة غير الحرم فيجوز أن يتملكها بعد الإنشاد الشرعي.
стр. 1303
• هل في قطع الشجر في مكة جزاء أم لا؟
قيل: يجب الضمان مع الإثم.
وهذا المذهب ومذهب الشافعي، لورود بعض الآثار عن بعض السلف.
وقيل: لا يجب الضمان.
وهذا قول مالك وداود وابن المنذر.
وهذا القول هو الصحيح.
• لو أن إنسان ملك صيداً في الحرم، هل يملك أن يخرج به إلى خارج الحرم أم لا؟
الصحيح أنه لا يملك إخراجه، لأن حرمته في الحرم انتهكها بصيده إياها.
• لو دخل إنسان بصيد من خارج الحرم فهل يحرم أم لا؟
يعني لو أن إنساناً صاد غزالاً من الميقات وهو لم يحرم، ثم دخل به إلى مكة.
المذهب يرى أنه يجب أن يطلقه.
ولكن الصحيح أنه لا يجب أن يطلقه ويكون ملكاً له، لأنه ليس من صيد الحرم. [وستأتي المسألة إن شاء الله]
• اذكر أنواع خطب النبي ﷺ -؟
خطب النبي ﷺ تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: خطب راتبة.
كخطبة العيد، والجمعة، والكسوف على القول الراجح.
القسم الثاني: خطب عارضة.
وهي إذا دعت الحاجة إلى بيان حكم أو موعظة قام إلى الناس وذكّرهم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن من قتل له قتيل عمداً فهو مخير بين القصاص أو أخذ الدية.
- فضيلة العباس.
- ضعف قول من يقول: إن الحمد هو الثناء، لقوله (فحمد الله وأثنى عليه) والعطف يقتضي المغايرة.
- جواز مراجعة المفتي أو ولي الأمر.
- عرفة ليست من الحرم، لذلك لا بأس بقتل الصيد فيها.
- أن مكة فتحت عنوة. (قهراً بالسيف).
- حرص النبي ﷺ على تبليغ الدين في المناسبات العامة.
- مشروعية الخطبة عند الحاجة إليها.
стр. 1304
٧٤٢ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ اَلْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ) الخليل.
(حَرَّمَ مَكَّةَ) أي: أظهر للناس تحريمها.
(وَدَعَا لِأَهْلِهَا) أي: بالبركة.
(وَإِنِّي حَرَّمْتُ اَلْمَدِينَةَ) كما سيأتي في الحديث (ما بين عير إلى ثور).
(وَإِنِّي دَعَوْتُ) بالبركة.
(بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّة) كما في حديث أنس (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة)، وفي لفظ (اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم).
• ما الجمع بين حديث الباب (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ) وحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض)؟
الجمع: بأن إسناد التحريم إلى إبراهيم من حيث إنه مبلّغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله، والأنبياء يبلغونها.
قال الحافظ: لأن المعنى أن إبراهيم حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس وكانت قبل ذلك عند الله حراماً، أو أول من أظهره بعد الطوفان، وقال القرطبي: معناه أن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل، قال ولأجل هذا أكد المعنى بقوله: ولم يحرمها الناس، والمراد بقوله: ولم يحرمها الناس أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك وليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه، وقيل معناه أن حرمتها مستمرة من أول الخلق وليس مما اختصت به شريعة النبي ﷺ .
• اذكر الأدلة على أن مكة وما حولها حرم؟
أ- قال تعالى (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ).
ب- وقال تعالى (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ).
ج-وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ).
د- عن ابن عباس. قال: قال ﷺ يوم الفتح (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) متفق عليه.
هـ- حديث الباب ( … إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا).
• اذكر الأدلة على أن المدينة حرم؟
أ- حديث الباب (وَإِنِّي حَرَّمْتُ اَلْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ).
ب- حديث علي الآتي (المدينة حرم ما بين عير وثور).
стр. 1305
• إبراهيم ﵊ دعا لمكة وأهلها اذكر دليل ذلك؟
كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ منْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
• النبي ﷺ دعا للمدينة وأهلها بالبركة ضعف ما جعله في مكة، اذكر الأدلة على ذلك؟
أ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِى مُدِّهِم) متفق عليه.
ب- وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ) متفق عليه.
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ) رواه مسلم.
ج- وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهْىَ وَبِيئَةٌ فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ وَاشْتَكَى بِلَالٌ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ) متفق عليه.
د- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ صَبَرَ عَلَى لأْوَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً أَوْ شَهِيداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم.
هـ- أن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة وسعة الرزق كدعوة إبراهيم لأهل مكة، بل دعا أن تكون البركة في المدينة ضعفي بركة مكة ..
و- وقال ﷺ : (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون).
ز- وقال ﷺ : (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإني أشفع لمن يموت بالمدينة).
• ما حكم من أدخل صيداً إلى الحرم من الحل، هل يلزمه إطلاقه أم لا؟
اختلاف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: لا يلزمه إطلاقه.
وهذا مذهب الشافعية.
أ- ما جاء عن هشام بن عروة أنه قال في إدخال الصيد إلى الحرم (كان أمير المؤمنين بمكة - يعني عمه ابن الزبير - تسع سنين يراها في الأقفاص، وأصحاب رسول الله ﷺ لا ينهون عن ذلك). رواه ابن حزم في المحلى
ب- أن الشارع إنما نهى عن تنفير صيد مكة، ولم يبين مثل هذا الحكم الخفي مع كثرة وقوعه، وحاجة الناس إليه، وترك البيان مع قيام الحاجة دليل على البقاء على أصل الحل.
ج-أنه من صيد الحل وقد ملكه خارج الحرم، فلم يمنع من التصرف فيه كصيد المدينة.
القول الثاني: يجب إطلاقه.
وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
قالوا: إن الحرم سبب محرم للصيد يوجب ضمانه، فحرم استدامة إمساكه كالإحرام.
والراجح الأول.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- وفي الحديث دليل على حب النبي ﷺ للمدينة حيث دعا لأهلها.
- أنه لا يوجد حرم في الدنيا إلا حرم مكة والمدينة فقط.
وأما المسجد الأقصى فليس بحرم، لهذا يجب تصحيح العبارة المشهورة عند الناس [ثالث الحرمين] يقصدون المسجد الأقصى.
قال ابن تيمية: ليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان، والحرم المجمع عليه حرم مكة وأما المدينة فلها حرم أيضاً عند الجمهور كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ .
стр. 1306
٧٤٣ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(عْير وثوْر) جبلان معروفان عند أهل المدينة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: بيان فضل المدينة، وأن النبي ﷺ جعل لها حرماً، فلا يقطع شجرها في حرمها، ولا يقتل الصيد ولا ينفر.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
لحديث الباب: (المدينة حرم ما بين … ).
وقال أبو حنيفة: أنه لا يحرم حرم المدينة.
والأول أصح.
• هل في قتل صيده جزاء؟
جماهير العلماء على أنه لا جزاء في صيد المدينة، بل هو حرام بلا ضمان.
لعدم النص في ذلك.
• ما حدود حرم المدينة؟
الحديث فيه تحديد حرم المدينة، فقد حدد ﷺ حدود المدينة من جهاتها الأربع، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم من حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " المدينة حرم ما بين عَير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل".
وما رواه أبو عوانة في المسند من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال (المدينة حرم ما بين لابتيها).
واللابة: الحرة، وهي الأرض التي قد ألبستها حجارة سود.
قال الدكتور صالح بن حامد الرفاعي في كتابه- الأحاديث الواردة في فضائل المدينة جمعاً ودراسةـ: فهذان الحديثان وغيرهما حددا المدينة من الجهات الأربع، فحدها من جهة الجنوب جبل عَير، وهو جبل ممتد من الغرب إلى الشرق ويشرف طرفه الغربي على ذي الحليفة، وطرفه الشرقي على المنطقة المتصلة بمنطقة قباء من جهة الجنوب الغربي.
وحدها من جهة الشمال جبل ثور، وهو جبل صغير شمالي أحد. ويحدها من جهة الشرق الحرة الشرقية، وهي إحدى اللابتين المذكورتين في قوله ﷺ : (المدينة حرم ما بين لا بتيها) واللابة الأخرى هي الحرة الغربية، والحرتان داخلتان في حرم المدينة، صرح بذلك أبو زكريا النووي وغيره.
• اذكر بعض الفروق بين حرم مكة وحرم المدينة؟
- أن حرم مكة ثابت بالنص والإجماع، وحرم المدينة مختلف فيه.
- أن صيد حرم مكة فيه الجزاء والإثم، وصيد حرم المدينة فيه الإثم ولاجزاء فيه.
- أن الإثم المترتب على صيد حرم مكة أعظم من الإثم المترتب على صيد حرم المدينة.
- أن حرم مكة يحرم فيه قطع الأشجار بأي حال من الأحوال إلا عند الضرورة، وأما حرم المدينة فيجوز ما دعت الحاجة إليه.
стр. 1307
• قال الشيخ ابن عثيمين: الصحيح أنه (أي الصيد في الحرم النبوي) محرم، لكنه ليس كالصيد في حرم مكة، فإن صيد حرم مكة إذا صاده الإنسان فإثمه أكبر مما لو صاد صيداً في حرم المدينة، وحرم المدينة ليس في صيده جزاء، وحرم مكة يحصل فيه جزاء، وحرم المدينة إذا أدخل الإنسان الصيد فيه من خارج الحرم فله إمساكه وذبحه، وحرم مكة فيه خلاف، فمن العلماء من يقول: إذا أدخل الإنسان صيداً إلى حرم مكة وجب عليه إطلاقه، ومنهم من يقول: لا يجب، والصحيح أنه لا يجب عليه إطلاقه، فلو أدخل الإنسان أرنباً أو حمامة من خارج الحرم إلى الحرم فله استبقاؤها وذبحها؛ لأنها ملكه، بخلاف ما إذا صادها في الحرم، فإنه ليس له إبقاؤها وليس له ذبحها، إنما عليه أن يطلقها" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢٢/ ٢٢٨).
• هل المسجد الأقصى حرم؟
ليس بحرم.
قال شيخ الإسلام: وليس ببيت المقدس مكان يسمى حرماً ولا بتربة الخليل ولا بغير ذلك من البقاع، إلا ثلاثة أماكن:
أحدها: هو حرم باتفاق المسلمين، وهو حرم مكة، شرفها الله تعالى.
والثاني: حرم عند جمهور العلماء، وهو حرم النبي (يعني المدينة النبوية) فإن هذا حرم عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد، وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي ﷺ .
والثالث: وُج، وهو وادٍ بالطائف، فإن هذا رُوِيَ فيه حديث، رواه أحمد في المسند، وليس في الصحاح، وهذا حرم عند الشافعي لاعتقاده صحة الحديث، وليس حرماً عند أكثر العلماء، وأحمد ضعف الحديث المروى فيه فلم يأخذ به.
وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرماً عند أحد من علماء المسلمين، فإن الحرم ما حرم اللهُ صيده ونباته، ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجاً عن هذه الأماكن الثلاثة.
وقال ﵀: وليس في الدنيا حرم، ولا بيت المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان (أي مكة والمدينة) ولا يسمى غيرهما حرماً كما يسمي الجهال حرم المقدس، وحرم الخليل فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين … ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث إلا في (وجٍّ) وهو وادي بالطائف … )
فائدة: الجمهور على أن وادي وج ليس محرم، وقد ورد فيه حديث أنه حرم عند أبي داود لكنه ضعيف.
стр. 1308
بَابُ صِفَةِ اَلْحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ
٧٤٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: " اِغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي "
وَصَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ اَلْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اِسْتَوَتْ بِهِ عَلَى اَلْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: " لَبَّيْكَ اَللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ اَلْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ ".
حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا اَلْبَيْتَ اِسْتَلَمَ اَلرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى اَلرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ.
ثُمَّ خَرَجَ مِنَ اَلْبَابِ إِلَى اَلصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ اَلصَّفَا قَرَأَ: " إِنَّ اَلصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اَللَّهِ " " أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اَللَّهُ بِهِ " فَرَقِيَ اَلصَّفَا، حَتَّى رَأَى اَلْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اَللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ اَلْمُلْكُ، وَلَهُ اَلْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ [وَحْدَهُ] أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ اَلْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى اَلْمَرْوَةِ، حَتَّى (٤) اِنْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ اَلْوَادِي [سَعَى] حَتَّى إِذَا صَعَدَتَا مَشَى إِلَى اَلْمَرْوَةِ فَفَعَلَ عَلَى اَلْمَرْوَةِ، كَمَا فَعَلَ عَلَى اَلصَّفَا … - فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ. وَفِيهِ:
فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ اَلتَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَى، وَرَكِبَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا اَلظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتْ اَلشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ اَلْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا.
حَتَّى إِذَا زَاغَتْ اَلشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ اَلْوَادِي، فَخَطَبَ اَلنَّاسَ.
ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى اَلظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى اَلْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى اَلْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ اَلْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ اَلْمُشَاةِ (١) بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرَبَتِ اَلشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ اَلصُّفْرَةُ قَلِيلاً، حَتَّى غَابَ اَلْقُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ اَلزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اَلْيُمْنَى: " أَيُّهَا اَلنَّاسُ، اَلسَّكِينَةَ، اَلسَّكِينَةَ "، كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً أَرْخَى لَهَا قَلِيلاً حَتَّى تَصْعَدَ.
حَتَّى أَتَى اَلْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا اَلْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اِضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ اَلْفَجْرُ، فَصَلَّى اَلْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ اَلصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى اَلْمَشْعَرَ اَلْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا.
فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرَ فَحَرَّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ سَلَكَ اَلطَّرِيقَ اَلْوُسْطَى اَلَّتِي تَخْرُجُ عَلَى اَلْجَمْرَةِ اَلْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى اَلْجَمْرَةَ اَلَّتِي عِنْدَ اَلشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلَ حَصَى اَلْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ اَلْوَادِي، ثُمَّ اِنْصَرَفَ إِلَى اَلْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى اَلْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ اَلظُّهْرَ- رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلاً.
===
• ماذا قال النووي عن حديث جابر هذا؟
حديث جابر أخرجه مسلم في كتاب الحج رقم (١٢١٨) وقد وصف جابر في هذا الحديث صفة حجة النبي ﷺ منذ خروجه.
قال النووي: حديث جابر، وهو حديث عظيم حوى على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه، وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر ابن المنذر جزءاً كبيراً، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه [انتهى كلامه].
стр. 1309
• متى حج الرسول ﷺ -؟
حج في السنة العاشرة من الهجرة، وسميت حجة الوداع، لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها.
• فالرسول ﷺ بعد هجرته لم يحج إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع في السنة العاشرة، وأما الأحاديث الواردة أنه ﷺ حج حجتين بعد الهجرة كلها منكرة، وجزم بنكارتها الإمام البخاري، وأحمد، والترمذي وطائفة من المحدثين.
• وقد فرض الحج في السنة التاسعة، وفرض بقوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة.
• فإن قيل: لماذا لم يحج النبي ﷺ في السنة التاسعة؟
فالجواب:
أولاً: بسبب كثرة الوفود، ولذلك تسمى السنة التاسعة سنة الوفود.
ثانياً: لأنه من المتوقع أن يحج في السنة التاسعة المشركون.
• وفي هذه السنة - السنة التاسعة - بعث النبي ﷺ أبا بكر ليحج بالناس، فعن أبي هريرة. قال (بعث النبي ﷺ أبا بكر ليحج بالناس قبل حجة الوداع، فبعثني أبو بكر: أن أنادي في الناس: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) متفق عليه.
• جاء في رواية (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ مَكَثَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَذَّنَ فِي اَلنَّاسِ فِي اَلْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ حَاجٌّ) فماذا نستفيد من ذلك؟
نستفيد: أنه يستحب للإمام إيذان الناس وإعلامهم بالأمور المهمة والعظيمة ليتأهبوا لها.
• متى كان خروج النبي ﷺ ؟ ولماذا خرج معه ﷺ بشر كثير؟
كان خروجه ﷺ من المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة في يوم السبت، وقدم مكة يوم الأحد رابع ذي الحجة، فيكون ﷺ مكث في الطريق ثمان ليال.
جاء في رواية (فَقَدِمَ اَلْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ، وَيَعْمَلُ مِثْلَهُ فَخَرَجْنَا مَعَه)
وفي هذا دليل على حرص الصحابة على العلم بأفعال النبي ﷺ لاتباعه والتأسي به ﵇، ويستفاد من ذلك الحث على صحبة أهل العلم والفضل في الأسفار ولا سيما في الحج، لما في ذلك من الخير الكثير من الاستفادة من علمهم وأخلاقهم، إضافة إلى حفظ الوقت وصرفه فيما ينفع ويفيد.
• قوله (فقدم المدينة بشر كثير) ذكر بعض أهل السير: أن الذين قدموا مع النبي ﷺ في حجته نحو من مائة وعشرين ألفاً.
• هل الأفضل الركوب أم المشي في الحج؟
قال القرطبي: لا خلاف في جواز الركوب والمشي في الحج، واختلف في الأفضل منهما: فذهب مالك، والشافعي في آخرين: إلى أن الركوب أفضل اقتداءً بالنبي ﷺ ، ولكثرة التفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأبَّهة الركوب. وذهب غيرهم: إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس.
ولا خلاف في: أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل.
وقال النووي: قَوْله: (بَيْن يَدَيْهِ مِنْ رَاكِب وَمَاشٍ) فِيهِ جَوَاز الْحَجّ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الْأُمَّة. قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كُلّ ضَامِر) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَفْضَل مِنْهُمَا، فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَجُمْهُور الْعُلَمَاء: الرُّكُوب أَفْضَل اِقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَلِأَنَّهُ أَعْوَن لَهُ عَلَى وَظَائِف مَنَاسِكه، وَلِأَنَّهُ أَكْثَر نَفَقَة. وَقَالَ دَاوُدُ: مَاشِيًا أَفْضَل لِمَشَقَّتِهِ. وَهَذَا فَاسِد لِأَنَّ الْمَشَقَّة لَيْسَتْ مَطْلُوبَة.
стр. 1310
• ما هو ميقات أهل المدينة؟
ذو الحليفة.
لقول جابر (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ).
وسبق حديث ابن عباس (وقت رسول الله ﷺ ذا الحليفة لأهل المدينة).
وسبق حكم الإحرام من الميقات وأنه واجب.
• من هي التي ولدت في الميقات؟
أسماء بنت عميس.
قال جابر (فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ).
وهي زوجة أبي بكر الصديق، ولدت له محمداً في الميقات، وكانت قبل ذلك تحت جعفر بن أبي طالب وأولاده منها، وبعد وفاة أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب.
ماذا قال لها النبي ﷺ لما سألته ماذا تصنع؟
قال لها (اِغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ).
الاستثفار: أن تشد المرأة على وسطها شيئاً ثم تأخذ خرقة عريضة تجعلها في محل الدم وتشدها من ورائها وقدامها ليمتنع الخارج، وفي معناها الوسائل المعروفة الآن عند النساء.
• ماذا نستفيد من قوله ﷺ لأسماء (اِغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ).
قال ابن القيم: كان في قصتها ثلاث سنن:
إحداها: غسل المحرِم.
والثانية: أن الحائض تغتسل لإحرامها.
والثالثة: أن الإحرام يصح من الحائض.
• وقد تقدمت مباحث الاغتسال عند الإحرام.
• الحديث دليل على استحباب الاغتسال عند الإحرام.
قال ابن قدامة: يستحب لمن أراد الإحرام أن يغتسل قبل إحرامه لما روى زيد بن ثابت: أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل، رواه الترمذي، وثبت أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل عند الإحرام، ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس فيسن لها الاغتسال كالجمعة، وليس واجباً في قول عامة أهل العلم.
• ومن سنن الإحرام: التنظف (أخذ ما ينبغي أخذه كشعر العانة والإبط والشارب والأظافر).
قال ابن قدامة معللاً: لأن الإحرام يمنع قطع الشعر، وقلم الأظافر، فاستحب فعله قبله لئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه، فإذا كانت أظفاره طويلة أو شعره طويل فإنه يسن إزالتها، وإلا فلا يستحب.
стр. 1311
• قوله ﷺ لها (وَأَحْرِمِي) أطلق لها النبي ﷺ الإحرام، وقد أحرم الناس من ذي الحليفة على وجوه ثلاثة، منهم من أحرم بالحج، ومنهم من أحرم بالعمرة، ومنهم من أحرم بالحج والعمرة.
عن عائشة. قالت (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بعمرة وحج، ومنا من أهل بالحج) متفق عليه.
• ما الصلاة المفروضة التي أحرم بعدها النبي ﷺ -؟
صلاة الظهر في مسجد ذي الحليفة.
ولذلك استحب أهل العلم أن يكون الإحرام عقب صلاة فرض كما فعل النبي ﷺ .
• فإن لم يكن وقت صلاة فرض، هل يسن أن يصلي ركعتين للإحرام؟ تقدمت المسألة والخلاف فيها.
قال جابر (وصلى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ اَلْقَصْوَاءَ).
• متى أهل النبي ﷺ -؟
حديث الباب قال جابر (حَتَّى إِذَا اِسْتَوَتْ بِهِ عَلَى اَلْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: " لَبَّيْكَ اَللَّهُمَّ لَبَّيْكَ … )
وذهب بعض العلماء إلى أنه يلبي إذا استوت به راحلته.
لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (أهل رسول الله ﷺ حين استوت به راحلته قائمة) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وهذا القول هو الصحيح، وأما حديث جابر _ أنه لبى على البيداء - فيحمل على أن جابراً لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي ﷺ على البيداء. (وقد تقدمت المسألة).
• ما معنى (أهلَّ) ولماذا سماها جابراً توحيداً؟
معنى (أهلّ) أي: رفع صوته بالتلبية، وهذه كلمات عظيمة.
وسماها جابراً توحيداً لأنها تضمنت التوحيد والإخلاص.
• اذكر معاني التلبية؟
(لَبَّيْكَ) إجابة لك بعد إجابة، وإقامة على طاعتك دائمة، والمراد بالتثنية التأكيد.
(لَا شَرِيكَ لَكَ) أي: في كل شيء، فلا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك.
(إِنَّ اَلْحَمْدَ) أي: لك الحمد على كل حال، والحمد وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً.
(وَالنِّعْمَةَ) أي: الفضل والإحسان، كله لك، لأن الله وحده المحمود والمنعم.
(وَالْمُلْكَ) أي ملك الخلائق وتدبيرها لك وحدك.
• فإن قال قائل: أين النداء من الله حتى يجيبه المحرم؟
الجواب هو قوله تعالى (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ). [رجالاً] على أقدامهم [ضامر] البعير الذي أتعبه السفر [فج عميق] طريق بعيد.
стр. 1312
• اشتملت التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة، اذكرها؟
قال ابن القيم: وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ كَلِمَات التَّلْبِيَة عَلَى قَوَاعِد عَظِيمَة وَفَوَائِد جَلِيلَة:
إِحْدَاهَا: أَنَّ قَوْلك " لَبَّيْكَ " يَتَضَمَّن إِجَابَة دَاعٍ دَعَاك وَمُنَادٍ نَادَاك، وَلَا يَصِحّ فِي لُغَة وَلَا عَقْل إِجَابَة مِنْ لَا يَتَكَلَّم وَلَا يَدْعُو مِنْ أَجَابَهُ.
الثَّانِيَة: أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْمَحَبَّة كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يُقَال لَبَّيْكَ إِلَّا لِمِنْ تُحِبّهُ وَتُعَظِّمهُ، وَلِهَذَا قِيلَ فِي مَعْنَاهَا: أَنَا مُوَاجِه لَك بِمَا تُحِبّ، وَأَنَّهَا مِنْ قَوْلهمْ: اِمْرَأَة لَبَّة، أَيّ مَحَبَّة لِوَلَدِهَا.
الثَّالِثَة: أَنَّهَا تَتَضَمَّن اِلْتِزَام دَوَام الْعُبُودِيَّة، وَلِهَذَا قِيلَ: هِيَ مِنْ الْإِقَامَة، أَيّ أَنَا مُقِيم عَلَى طَاعَتك.
الرَّابِعَة: أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْخُضُوع وَالذُّلّ، أَيّ خُضُوعًا بَعْد خُضُوع، مِنْ قَوْلهمْ. أَنَا مُلَبٍّ بَيْن يَدَيْك، أَيّ خَاضِع ذَلِيل.
الْخَامِسَة: أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْإِخْلَاص، وَلِهَذَا قِيلَ. إِنَّهَا مِنْ اللُّبّ، وَهُوَ الْخَالِص.
السَّادِسَة: أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْإِقْرَار بِسَمْعِ الرَّبّ تَعَالَى، إِذْ يَسْتَحِيل أَنَّ يَقُول الرَّجُل لَبَّيْكَ لِمِنْ لَا يَسْمَع دُعَاءَهُ.
السَّابِعَة: أَنَّهَا تَتَضَمَّن التَّقَرُّب مِنْ اللَّه، وَلِهَذَا قِيلَ. إِنَّهَا مِنْ الْإِلْبَاب، وَهُوَ التَّقَرُّب.
الثَّامِنَة: أَنَّهَا جَعَلَتْ فِي الْإِحْرَام شِعَارًا لِانْتِقَالِ مِنْ حَال إِلَى حَال، وَمِنْ مَنْسَك إِلَى مَنْسَك، كَمَا جَعَلَ التَّكْبِير فِي الصَّلَاة سَبْعًا، لِلِانْتِقَالِ مِنْ رُكْن إِلَى رُكْن.
التَّاسِعَة: أَنَّهَا شِعَار لِتَوْحِيدِ مِلَّة إِبْرَاهِيم، الَّذِي هُوَ رُوح الْحَجّ وَمَقْصِده، بَلْ رُوح الْعِبَادَات كُلّهَا وَالْمَقْصُود مِنْهَا. وَلِهَذَا كَانَتْ التَّلْبِيَة مِفْتَاح هَذِهِ الْعِبَادَة الَّتِي يَدْخُل فِيهَا بِهَا.
الْعَاشِرَة: أَنَّهَا مُتَضَمِّنَة لِمِفْتَاحِ الْجَنَّة وَبَاب الْإِسْلَام الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَلِمَة الْإِخْلَاص وَالشَّهَادَة لِلَّهِ بِأَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ.
الْحَادِيَة عَشَرَة: أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَحَبّ مَا يَتَقَرَّب بِهِ الْعَبْد إِلَى اللَّه، وَأَوَّل مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّة أَهْله، وَهُوَ فَاتِحَة الصَّلَاة وَخَاتِمَتهَا.
الثَّانِيَة عَشْرَة: أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الِاعْتِرَاف لِلَّهِ بِالنِّعْمَةِ كُلّهَا، وَلِهَذَا عَرَّفَهَا بِاللَّامِ الْمُفِيدَة لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ النِّعَم كُلّهَا لَك، وَأَنْتَ مُولِيهَا وَالْمُنْعِم بِهَا.
الثَّالِثَة عَشْرَة: أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الِاعْتِرَاف بِأَنَّ الْمِلْك كُلّه لِلَّهِ وَحْده، فَلَا مِلْك عَلَى الْحَقِيقَة لِغَيْرِه.
• ما حكم التلبية؟
قال ابن حجر في فتح الباري: … وفيها مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة.
القول الأول: أنها سنة لا يجب بتركها شيء وهو قول الشافعي وأحمد.
القول الثاني: واجبة يجب بتركها دم. وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
القول الثالث: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها. وهذا مروي عن الثوري وأبي حنيفة وأهل الظاهر، وقالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة.
قال الشنقيطي في أضواء البيان: وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية فاعلم أن النبي ﷺ لبى وقال (لتأخذوا عني مناسككم) فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل، أما كونها مسنونة أو مستحبة أو واجبة بدونها وتجبر بدم، فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في اتباعه ﷺ والعلم عند الله تعالى.
стр. 1313
• هل الأفضل الاقتصار على تلبية الرسول ﷺ أم يجوز الزيادة؟
الأفضل التزام تلبية رسول الله ﷺ لقول جابر (ولزم رسول الله ﷺ تلبيته).
وتلبية رسول الله ﷺ كما في حديث الباب (لَبَّيْكَ اَللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ اَلْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك).
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ). قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ) متفق عليه.
وكان من تلبيته ﷺ : لبيك إله الحق.
قال القاضي: قال أكثر العلماء: المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ ، وبه قال مالك والشافعي.
لكن يجوز الزيادة على تلبية رسول الله ﷺ .
أ-لأنه ﷺ كان يسمع الناس يزيدون فأقرهم ولم ينكر ذلك، فدل على جواز ذلك.
ب-وبعضهم يقول: لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواصل.
ج- (وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل) رواه مسلم.
د-وروى أحمد في مسنده عن جابر قال (أهل رسول الله ﷺ … فذكر تلبية النبي ﷺ وقال: والناس يزيدون: ذا المعارج).
• ما حكم التلبية لغير المحرم (التلبية للحلال في الأمصار)؟
لا تشرع التلبية لغير المحرم في الأمصار، لعدم الدليل، فيكره أن يلبي غير المحرم وهذا قول مالك وهو الصحيح، لأن التلبية من شعائر الحج وليست بعبادة مستقلة بنفسها، وقد قال بعض العلماء باستحباب التلبية للحلال، لكنه قول ضعيف.
• ما حكم التلبية الجماعية؟
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: قول أنس ﵁ (حججنا مع النبي ﷺ فمنا المُكبِّر ومنا المُهل) - متفق عليه - يدل على أنهم ليسوا يلبون التلبية الجماعية، ولو كانوا يلبون التلبية الجماعية لكانوا كلهم مهلين أو مكبّرين، لكن بعضهم يكبر، وبعضهم يهل، وكل يذكر ربه على حسب حاله.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم التلبية الجماعية للحجاج؟ حيث أحدهم يلبي والآخرين يتبعونه؟
فأجابت: لا يجوز ذلك، لعدم وروده عن النبي ﷺ ، ولا عن خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم، بل هو بدعة " انتهى.
• ما المراد بالركن في قول جابر (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا اَلْبَيْتَ اِسْتَلَمَ اَلرُّكْنَ)؟
المراد بالركن: أي الحجر الأسود، وسمي ركناً لأنه في ركن الكعبة.
• ماذا نستفيد من ذلك؟
نستفيد: أنه يسن للمحرم أن يبدأ طوافه بالحجر الأسود فيقصده ويبدأ الشوط منه.
قال النووي: واعلم أن للبيت أربعة أركان الركن الأسود والركن اليماني ويقال لهما: اليمانيان، وأما الركنان الآخران فيقال لهما: الشاميان، فالركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما: كونه على قواعد إبراهيم ﷺ ، والثانية: كونه فيه الحجر الأسود، وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة: وهى كونه على قواعد إبراهيم.
وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين؛ فلهذا خص الحجر الأسود بشيئين الاستلام والتقبيل للفضيلتين".
стр. 1314
• اذكر أحوال استلام الحجر الأسود؟
أ- أن يستلم الحجر ويقبله، وهذا أعلاها [والمسح يكون باليد اليمنى لأن اليد اليمنى تقدم للتعظيم].
عَنْ عُمَرَ ﵁ (أَنَّهُ قَبَّلَ اَلْحَجَرَ اَلْأَسْوَدَ: فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [هذا من فقه عمر: أن تقبيل الحجر اتباعاً لله ولرسوله]
ب- إن لم يتمكن، استلمه بيده وقبل يده.
عن نافع قال: (رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله). متفق عليه
ج- أن يستلمه بشيء في يده، ويقبل ذلك الشيء.
لحديث عامر بن واثلة قال: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن). رواه مسلم … [المحجن] هو عصا محنية الرأس.
د- إن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك.
• ما الحكمة من تقيبل واستلام الحجر الأسود؟
الحكمة: تعظيماً لله تعالى واتباعاً للرسول ﷺ لا لكونه حجراً أو محبة له.
• هل يشرع استلام الركن اليماني؟
نعم يشرع.
لحديث ابنِ عُمَر قَالَ (لَمْ أَرَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ اَلْبَيْتِ غَيْرَ اَلرُّكْنَيْنِ اَلْيَمَانِيَيْن) رواه مسلم.
قال النووي: أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفقت الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين.
قال شيخ الإسلام: لا يستلم إلا الركنيين اليمانيين دون الشاميين، فإن النبي ﷺ إنما استلم اليمانيين خاصة لأنها على قواعد إبراهيم.
• عند استلام الركن اليماني لا يقل شيئاً لا تكبير ولا غيره، لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ .
• إن لم يتمكن من استلام الركن اليماني، لم تشرع الإشارة إليه بيده.
• ماذا يقول عند استلام الحجر؟
يسن أن يقول: الله أكبر.
لحديث ابن عباس ﵄ قال (طاف رسول الله ﷺ على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر) رواه البخاري.
الإشارة تكون باليد اليمنى دون اليدين جميعاً.
стр. 1315
• هل يشرع قول بسم الله؟
لم ينقل في ذكر صفة حج النبي ﷺ أنه كان يقول (بسم الله).
لكن ثبت عن ابن عمر أنه كان إذا استلم الحجر قال: باسم الله والله أكبر، أخرجه البيهقي وغيره بإسناد صحيح، كما قال النووي والحافظ.
• هل في استلام الحجر فضل؟
نعم، في استلامه فضل عظيم؟
قال ﷺ (إِنَّ مَسْحَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يَحُطَّانِ الْخَطَايَا حَطًّاً) رواه أحمد عن ابن عمر.
وقال ﷺ (والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق) رواه الترمذي عن ابن عباس.
• إن مشروعية تقبيل الحجر الأسود مشروطة بعدم إيذاء الناس بالمزاحمة والمدافعة، فإنه في هذه الحالة ترك الاستلام أفضل.
• في آخر شوط عند الانتهاء لا يستلم ولا يقبل الحجر الأسود ولا يكبر لأنه انتهى طوافه.
• هل يشرع تقبيل الحجر الأسود واستلامه في غير نسك من حج أو عمرة؟
الجمهور على المنع.
• اذكر بعض الأخطاء التي يقع فيها المعتمرون والحجاج عند استلام الحجر الأسود؟
١ - الإشارة باليدين كهيئة التكبير للصلاة عند محاذاة الحجر الأسود، والصواب الإشارة باليد اليمنى فقط، ولا يشير بيديه.
٢ - الوقوف الطويل عند محاذاة الحجر الأسود، وهذا لا يجوز خاصة عند الزحام لما في ذلك من الضرر، والإيذاء للطائفين، وإعاقة سيرهم، والسنة في ذلك الإشارة إلى الحجر إذا حاذاه مع التكبير ولا يقف لأجل ذلك.
٣ - التكبير قبل محاذاة الحجر الأسود، أي: بينه وبين الركن اليماني، وهذا من الغلو في الدين الذي نهى عنه
النبي ﷺ ، وادعاء بعض الحجاج أنه يفعل ذلك احتياطاً غير صحيح، فالاحتياط الحقيقي النافع هو إتباع الشريعة، وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله وهو أن الطواف يبتدئ بالحجر الأسود لا قبله.
٤ - تكرار التكبير عند محاذاة الحجر الأسود، فبعض الطائفين إذا حاذى الحجر الأسود وقف ثم بدأ يكبر عدة تكبيرات، وهذا خطأ، والصواب أن التكبير يكون مرة واحدة.
٥ - تقبيل اليد عند الإشارة إلى الحجر الأسود، وهذا خلاف السنة فالصواب أن التقبيل لليد لا يكون إلا إذا مست الحجر الأسود، أما إذا لم يستطع استلام الحجر، وأشار إليه بيده اليمنى فإنه لا يقبلها، هذه هي سنة رسول الله ﷺ .
٦ - بعض الحجاج والمعتمرين عندما يمسح الحجر الأسود أو الركن اليماني يمسحه بيده اليسرى كالمتهاون به، وهذا خطأ فإن اليد اليمنى أشرف من اليد اليسرى، واليد اليسرى لا تُقدَّم إلا للأذى، كالاستنجاء، والاستجمار، والامتخاط بها، وما أشبه ذلك، وأما مواضع التقبيل والاحترام، فإنه يكون لليد اليمين.
٧ - المزاحمة الشديدة للوصول إلى الحجر الأسود لتقبيله، حتى إنه يؤدي أحياناً إلى المقاتلة والمشاتمة، فيحصل له بذلك الأقوال المنكرة مالا يليق بهذا المكان في المسجد الحرام قال تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَاب) وهذه المزاحمة تذهب الخشوع وتنسي ذكر الله، وهما من أعظم المقصود في الطواف.
стр. 1316
٩ - اعتقادهم أن الحجر الأسود نافع بذاته؛ لذلك تجدهم عند استلامهم له يمسحون بأيديهم على بقية أجسادهم، وهذا جهل فالنافع الضار هو الله ، وقد قال عمر ﵁ عند استلام الحجر: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك).
[مقال في موقع الملتقى الفقهي].
• ماذا يسن أن يقول عند دخول البيت؟
يسن دخول البيت بالرجل اليمنى قائلاً الدعاء الوارد عند دخول المسجد، كبقية المساجد، (اللهم صل على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك).
وأما ما قاله بعض الفقهاء أنه يسن إذا رأى البيت أن يرفع يديه ويقول: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً، أو: اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام، فهذا قول ضعيف، لأن هذه الآثار كلها لا تصح، فلا يعتمد عليها في إثبات حكم شرعي (فلا يصح ذكر ولا دعاء عند رؤية البيت) وجابر الذي نقل حجة النبي ﷺ لم يذكر شيء من هذه الأذكار.
• ماذا فعل النبي ﷺ أول ما دخل البيت؟
أول شيء فعله: طاف بالبيت.
• ما اسم هذا الطواف الذي بدأ به النبي ﷺ -؟
هذا الطواف الذي فعله النبي ﷺ : هو طواف القدوم، وهو مشروع في حق القارن والمفرد. (وأن يقدّم سعي الحج) ولو أراد أن يقدّم سعي الحج من غير طواف لم يصح (يشترط لصحة تقديم سعي الحج أن يسبقه طواف نسك ولو مسنوناً).
وفي هذا أن تحية البيت الطواف، فإن أول شيء بدأ به النبي ﷺ الطواف.
وهذا فيمن دخل المسجد للطواف، أما إذا دخل المسجد للجلوس أو الصلاة فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد كغيره من المساجد، وأما حديث (تحية البيت الطواف) فهو حديث لا يصح.
• بماذا يبدأ المحرم نسكه؟
يبدأ المحرم بالطواف مبتدئاً من الحجر الأسود جاعلاً البيت عن يساره لفعل النبي ﷺ ، فإن كان متمتعاً فطوافه لعمرته، وإن كان مفرداً أو قارناً فهو طواف القدوم.
• ما حكم من نقص في عدد أشواط الطواف؟
يجب أن يكون الطواف سبعة أشواط، فمن ترك شيئاً ولو يسيراً من شوط من السبعة لم يصح، لأنه لم يأت بالعدد المعتبر.
• ما الحكم لو شك هل طاف ستة أو سبعاً فماذا يفعل؟
يبني على اليقين إلا إذا غلب على ظنه شيء فإنه يعمل به، فإن غلب على ظنه أنه طاف ستة يجعلها ستة ويأتي بسابع.
• هل للطواف ذكر مخصوص؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس له-أي الطواف- ذكر مخصوص عن النبي ﷺ لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه، بل يدعو بسائر الأدعية الشرعية، وأما تخصيص كل شوط بدعاء معين فهذا لا أصل له.
• ما الحكم إذا قطع طوافه فريضة أو جنازة؟
صلى وأكمل من حيث وقف.
стр. 1317
• ما حكم الوضوء للطواف؟
الأفضل أن يطوف على وضوء لفعل النبي ﷺ ففي حديث عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه.
وهذا قول جماعة من أئمة السلف. فقد روى ابن أبي شيبة عن شعبة بن الحجاج قال (سألت حماداً ومنصوراً وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟ فلم يروا به باساً.
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا بد من الوضوء للطواف.
أ- لفعل النبي ﷺ كما في الحديث السابق.
ب-ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً (الطواف بالبيت صلاة) لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً، ولذلك ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى صحة الطواف بغير طهارة.
• ما هو الاضطباع، وفي أي طواف يكون؟
الاضطباع: هو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر فيكون العاتق الأيمن مكشوفاً.
ويكون في طواف القدوم في كل الأشواط السبعة.
• ما دليل مشروعيته؟
حديث يعلي بن أمية ﵁ قال (طاف النبي ﷺ مضطبعاً ببرد أخضر) رواه أبو داود.
• ما الحكمة منه؟
الحكمة منه أنه يعين على سرعة المشي.
• هل يسن الاضطباع في غير طواف القدوم؟
لا يسن الاضطباع في غير طواف القدوم، وما يفعله كثير من الحجيج حيث يضطبعون من حين الإحرام إلى أن يخلعوا فإنه خطأ ومخالف للسنة، ولهذا قال العلماء: يستحب له أن يزيل الاضطباع مباشرة قبل ركعتي الطواف.
• يسن أن يدعو بين الركنين بما جاء في الحديث (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ولا تشرع الزيادة على ذلك كقول كثير من الناس: وأدخلنا الجنة مع الأبرار، يا عزيز يا غفار، لأن ذلك لا أصل له.
• ما هو الرمل، ومتى يكون؟
قال النووي: قال العلماء: الرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطا.
ويكون في طواف القدوم.
• ما حكمه؟
سنة.
لفعل النبي ﷺ كما في حديث جابر هذا.
стр. 1318
• وفي أي الأشواط يستحب؟
يستحب في الأشواط الثلاثة الأول، والمشي في الأربعة الباقية.
قال في المغني: وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، ولا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافاً، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رمل ثلاثاً ومشى أربعاً.
وذكر ابن قدامة في "المغني" (٥/ ٢٢١) استحباب الرمل والاضطباع في طواف العمرة وفي طواف القدوم ثم قال: وَلا يُسَنُّ الرَّمَلُ وَالاضْطِبَاعُ فِي طَوَافٍ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ; لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا رَمَلُوا وَاضْطَبَعُوا فِي ذَلِك.
وقال النووي: لَكِنْ يَفْتَرِقُ الرَّمَلُ وَالاضْطِبَاعُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الاضْطِبَاعَ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الطَّوْفَاتِ السَّبْعِ، وَأَمَّا الرَّمَلُ إنَّمَا يُسَنُّ فِي الثَّلَاثِ الأُوَلِ وَيَمْشِي فِي الأَرْبَعِ الأَوَاخِرِ.
• ما الحكمة منه؟
إظهار القوة والجلد للمشركين.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا: إلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) متفق عليه.
• فإن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها؟
الجواب: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف.
ومما يؤيده أن رسول الله ﷺ رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة.
• من أين يكون الرمل وإلى أين؟
الرمل يكون من الحجر إلى الحجر.
لحديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ رمل من الحجر إلى الحجر).
وهذا يقدم على حديث ابن عباس، لأن:
حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء في ذي القعدة عام سبع، وأما حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ رمل من الحجر إلى الحجر) كان في حجة الوداع، فيكون هذا ناسخاً للمشي بين الركنين الثابت في حديث ابن عباس، لأنه متأخر عنه.
قال النووي في شرح حديث ابن عمر (رمل من الحجَر إلى الحجر): فيه بيان أن الرَّمَل يُشرع في جميع المطاف من الْحَجَر إلى الْحَجَر، وأما حديث ابن عباس … قال: وأمرهم النبي ﷺ أن يَرْمُلوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الرَّكنين، فمنسوخ بالحديث الأول؛ لأن حديث ابن عباس كان في عُمرة القضاء سنة سبع، قبل فتح مكة، وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما رَملوا إظهارا للقوة، واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الرَّكُنين اليمانيين؛ لأن المشركين كانوا جلوساً في الْحِجْر، وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين، ويرونهم فيما سوى ذلك، فلما حج النبي ﷺ حجة الوداع سَنة عَشر رَمَل مِنْ الْحَجَر إلى الْحَجَر، فوجب الأخذ بهذا المتأخر.
стр. 1319
• أن الرمل خاص بالرجال.
• وليس الرمل هو هز الكتفين كما يفعله بعض الجهلة [قاله الشيخ ابن عثيمين].
• من الذين لا يشرع لهم الرمل؟
أولاً: أهل مكة.
قال ابن عبد البر: واختلفوا في أهل مكة إذا حَجوا هل عليهم رَمَل أم لا؟ فكان ابن عمر لا يرى عليهم رَملاً إذا طافوا بالبيت.
وقال ابن قدامة: وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَرْمُلْ.
والسبب أنه ليس لهم طواف قُدُوم؛ لأنهم مِنْ حاضري المسجد الحرام.
الثاني: النساء فلا يشرع لهن الرمل.
قال النووي: اتفق العلماء على أن الرَّمَل لا يُشرع للنساء، كما لا يُشرع لهن شِدّة السعي بين الصفا والمروة. ولو ترك الرَّجُل الرَّمَل حيث شُرع له فهو تارك سُنة، ولا شيء عليه.
• ماذا يفعل بعد الطواف؟
يسن أن يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم.
لقول جابر (ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى اَلرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ).
• ما السنة أن يقرأ فيهما؟
يسن أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو الله أحد) كما جاء عند مسلم. [والمقام] هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناؤه للبيت وشق عليه تناول الحجارة].
قال النووي: هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف.
• هل يلزم أداء هاتين الركعتين خلف المقام؟
لا يلزم أداء هاتين الركعتين خلف المقام، فلو صلاهما في أي مكان من الحرم أو خارجه جاز.
• المشروع في هاتين الركعتين التخفيف وليس قبلهما دعاء ولا بعدهما دعاء.
• إذا دار الأمر بين أن يصلي قريباً من المقام مع كثرة حركته، كرد المارين بين يديه، وبين أن يصلي بعيداً عن المقام ولكن بطمأنينة، فما الأفضل؟
فالأفضل الثاني، لأن ما يتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة بما يتعلق بمكانها.
• ما حكم الموالاة بين الطواف والركعتين؟
واختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين الطواف والركعتين، على قولين:
الصحيح أن الموالاة سنة، فلو فصل بين الطواف وركعتيه بوقت طويل، جاز.
وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ-أن عمر بن الخطاب ﵁ طاف بالبيت بعد صلاة الصبح، فلما قضى طوافه، نظر فلم ير الشمس طلعت، فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى ركعتين).
ب-عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال - وهو بمكة، وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج - فقال لها رسول الله ﷺ (إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك والناس يصلون، ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت).
стр. 1320
• ماذا يستحب إذا جاء للمقام؟
يستحب إذا جاء المقام أن يقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).
• ما الحكمة من قراءة هذه الآية؟
أولاً: بالنسبة للنبي ﷺ ، إبلاغ الناس أنه فعل ذلك امتثالاً لأمر الله.
ثانياً: أن يشعر نفسه أنه يفعل ذلك امتثالاً لأمر الله.
• هل تجزيء سنة راتبة عنهما أو صلاة مكتوبة؟
هذا موضع خلاف والصحيح أنها لا تجزيء، لأنهما سنة مستقلة بنفسها.
• ماذا يسن أن يفعل بعد الفراغ من الركعتين؟
يسن أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه بيده إن تيسر له ذلك، وإلا تركه ومضى.
لقول جابر (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى اَلرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ).
قال النووي: فِيهِ دَلَالَة لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلطَّائِفِ طَوَاف الْقُدُوم إِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَاف وَصَلَاته خَلْف الْمَقَام أَنْ يَعُود إِلَى الْحَجَر الْأَسْوَد فَيَسْتَلِمهُ، ثُمَّ يَخْرُج بَاب الصَّفَا لِيَسْعَى. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِلَام لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّة لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَلْزَمهُ دَم.
قال بعض العلماء: وظاهر ذلك أنه لا يسن تقبيله ولا الإشارة إليه.
قال الشيخ ابن عثيمين: بعد أن يصلي ركعتين يستلم الركن مرة ثانية كالمودع للبيت في هذا العمل
ولم ترد السنة بالتقبيل في هذا الموضع ولم ترد أيضاً بالإشارة.
وعلى هذا فلا تقبيل ولا إشارة، فان تيسر لك أن تستلمه فهو سنة وإلا فدعه.
وهذا فيمن خرج ليسعى، أما من طاف ولا يريد السعي [كطواف الوداع مثلاً أو طواف الإفاضة لمن سعى بعد طواف القدوم] فإنه لم يرد أن النبي ﷺ رجع إلى الركن فاستلمه.
• وقد تقدم أنه لا يشرع تقبيل ولا استلام الحجر في غير نسك.
• في كم موضع يشرع تقبيل الحجر واستلامه؟
الذي دلت عليه السنة أن تقبيل الحجر واستلامه يكون في ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: في بداية الطواف.
الموضع الثاني: أثناء الطواف إذا مر به.
الموضع الثالث: عقب صلاة الركعتين خلف المقام. (في هذا الموضع استلام فقط).
مسألة: جاء عند الإمام أحمد (ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه) فيسن بعد صلاة الركعتين أن يذهب إلى زمزم ويشرب ويصب على رأسه.
• ماذا يفعل الحاج بعد أن ينتهي من الطواف والصلاة خلف المقام؟
يذهب إلى المسعى ليسعى بين الصفا والمروة.
стр. 1321
• ماذا يستحب أن يقرأ عند الصفا؟
يستحب قراءة هذه الآية (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) إذ دنا من الصفا وليس إذا صعد، ولا يشرع إكمال الآية وإنما يقتصر فقط على (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
• ما الحكمة من قراءة هذه الآية؟
أولاً: اقتداء بالرسول ﷺ .
ثانياً: امتثالاً لأمر الله.
ثالثاً: وليشعر نفسه أنه إنما سعى لأنه من شعائر الله.
• هل يقول هذه الآية في كل شوط وعند المروة؟
لا تقال هذه الآية إلا إذا أقبل على الصفا من بعد الطواف - فلا يقال بعد ذلك - لا عند المروة ولا عند الصفا في المرة الثانية، لأنه ليس ذكراً يختص بالصعود وإنما هو ذكر يبين أن ابتداء الإنسان من الصفا إنما هو بتقديم الله له.
• هل يجوز أن يبدأ بالمروة قبل الصفا؟
لا يجوز، بل يجب أن يبدأ بالصفا قبل المروة.
والبدء بالصفا هو تفسير لقوله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فقد بدأ بما قدم الله ذكره.
• اذكر ما يفعله الحاج على الصفا؟
يستحب أن يصعد الصفا وأن يستقبل القبلة حينما يطلع عليه (وليس هو واجب، الواجب هو حدود العربيات)
ويستحب رفع اليدين عند الصعود على الصفا، وصفة رفعهما كصفة رفعهما عند الدعاء.
ويستحب على الصفا أن يوحد الله ويكبره ويقول (لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
[أنجز وعده] أي: بإظهار هذا الدين، وكون العاقبة للمتقين. [ونصر عبده] أي: نبيه محمداً ﷺ [وهزم الأحزاب] أي: غلبهم وكسرهم [وحده] أي: بلا قتال من الناس.
• أنه يستحب الدعاء فيما بين ذلك، وصفة هذا: أن يذكر الله أولاً، ثم يدعو، ثم يذكر الله ثانياً، ثم يدعو، ثم يذكر الله ثالثاً، ثم ينزل من الصفا.
• ماذا يفعل بعد الذكر والدعاء؟
بعد الذكر والدعاء يتجه إلى المروة.
• إذا حاذى العلم الأخضر هرول حتى العلم الثاني، والهرولة خاصة بالرجال.
• هل تشترط الطهارة للسعي؟
لا تشترط الطهارة للسعي.
стр. 1322
• ما كيفية السعي بين الصفا والمروة؟
السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، الذهاب شوط والرجوع شوط آخر.
قال النووي: قوْله: (حَتَّى إِذَا كَانَ آخِر طَوَاف عَلَى الْمَرْوَة) فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ الذَّهَاب مِنْ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَة يُحْسَب مَرَّة وَالرُّجُوع إِلَى الصَّفَا ثَانِيَة وَالرُّجُوع إِلَى الْمَرْوَة ثَالِثَة وَهَكَذَا، فَيَكُون اِبْتِدَاء السَّبْع مِنْ الصَّفَا، وَآخِرهَا بِالْمَرْوَةِ.
• هل هناك ذكر خاص للسعي؟
ليس له ذكر خاص، بل يقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء وقرآن، وإن دعا في السعي بقوله (رب اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم) فلا بأس لثبوت ذلك عن ابن مسعود وابن عمر.
• إذا كان في آخر شوط من السعي أتمه بصعوده المروة، ولا يقف للدعاء ولا للذكر، لأن العبادة قد انتهت.
• ما حكم الموالاة بين الطواف والسعي؟
اختلف الفقهاء في حكم الموالاة بين الطواف والسعي على قولين:
القول الأول: أن الموالاة بينهما سنة، فلا يضر الفصل بزمن طويل، وهو قول الحنفية، وقول عند المالكية، والمذهب عند الشافعية، وقول الحنابلة.
أ- أن كل واحد من الطواف والسعي ركن، والموالاة بين أركان الحج لا تجب، كالوقوف بعرفة وطواف الإفاضة.
ب-أن الموالاة إذا لم تجب في السعي نفسه، ففيما بينه وبين الطواف أولى.
القول الثاني: أن الموالاة بين الطواف والسعي شرط، فلو فرق بينهما كثيرا لزم إعادة الطواف والسعي، وهو قول عند المالكية، ووجه عند الشافعية.
واستدلوا له: بأن السعي لما افتقر إلى تقدم الطواف عليه ليمتاز عما لغير الله تعالى، افتقر إلى الموالاة بينه وبينه ليقع به الامتياز، ولا يحصل الميز إذا أخل بالموالاة.
والراجح الأول.
قال الشيخ ابن باز ﵀: لا حرج في الفصل بين السعي والطواف عند أهل العلم، فلو سعى بعد الطواف بزمن أو في يوم آخر فلا بأس بذلك ولا حرج فيه، ولكن الأفضل أن يتوالى السعي مع الطواف، فإذا طاف بعمرته سعى بعد ذلك من دون فصل، وهكذا في حجه ولو فصل فلا حرج في ذلك؛ لأن السعي عبادة مستقلة، فإذا فصل بينهما بشيء فلا يضر، ولهذا لو قدم الحاج أو القارن وطاف فقط وأجل السعي إلى ما بعد نزوله من عرفات فلا حرج في ذلك، وإن قدمه فلا حرج في ذلك.
• ما حكم الموالاة في الطواف؟
اختلف الفقهاء ﵏ في اشتراط الموالاة في الطواف على قولين:
القول الأول: أنها شرط وإليه ذهب المالكية والحنابلة وهو وجه عند الشافعية.
أ- لأن النبي ﷺ قد والى بين طوافه وقال (لتأخذوا عني مناسككم).
ب-بأن الطواف بالبيت صلاة فيشترط له الموالاة كسائر الصلوات أو بأنها عبادة متعلقة بالبيت فاشترطت لها الموالاة كالصلاة.
стр. 1323
القول الثاني: أنها ليست بشرط.
وإليه ذهب الحنفية والشافعية في الأصح عندهم.
أ-واستدل القائلون بأن الموالاة ليست بشرط بعموم قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، قالوا فالآية مطلقة من غير شرط الموالاة.
ب- وبأن النبي ﷺ خرج من الطواف ودخل السقاية فاستسقى فسقي فشرب ثم عاد وبنى على طوافه ﷺ
• ماذا يفعل المتمتع بعد السعي؟
إذا كان الحاج متمتعاً قصر من شعره، وإنما يقصر هنا ليبقى شعر للحج.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ( … ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم يهل بالحج).
• أما في غير هذه الحالة فالحلق أفضل من التقصير في حق الرجال (لأن الرسول ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاً).
ففي حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال في الثالثة والمقصرين) متفق عليه.
ولأنه فعل النبي ﷺ ولأن الحلق أبلغ تعظيماً لله.
• أما المرأة تقصر من شعرها مقدار أنملة: فالمشروع للمرأة التقصير دون الحلق، قال ابن قدامة: "لا خلاف في هذا".
• التقصير لا بد أن يعم جميع الرأس، وهذا القول هو الصحيح من أقوال العلماء.
لقوله تعالى (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) ومن المعلوم أن الإنسان إذا قصر من رأسه ثلاث شعرات من جانب الرأس ما يعد أنه مقصر.
فقول من يقول أنه يكفي ثلاث شعرات فهو قول مرجوح.
• الحلق أو التقصير من واجبات الحج كما سيأتي إن شاء الله.
• من أسرار الحلق أو التقصير أن فيهما كمال الخضوع والتذلل لله تعالى، وإظهار العبودية والانقياد لطاعته.
• وأما القارن والمفرد فإنه يبقى على إحرامه ولا يتحلل، والأفضل له أن يتحلل بعمرة إذا لم يسق الهدي.
• ما هو يوم التروية، ولماذا سمي بذلك؟
[يوم التروية] هو اليوم الثامن من ذي الحجة.
قال النووي: وسمي بذلك لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي يحملونه معهم من مكة إلى عرفات ليستعملوه في الشرب وغيره.
• متى تبتدئ أعمال الحج؟
تبتدئ من اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، حيث يذهب الحجاج لمنى.
• في هذا اليوم توجهوا إلى منى توجهوا من الأبطح، لأن النبي ﷺ نزل هناك.
• ماذا يسن في اليوم للمحلين؟
في هذا اليوم يسن للمحلين الإحرام بالحج.
عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه (أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج) متفق عليه.
стр. 1324
• أنه يسن للمحلين بمكة أن يدفعوا إلى منى في اليوم الثامن.
• من أين يحرم المحل يوم التروية؟
يحرم يوم التروية من مكانه.
عن جابر ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا بالأبطح) رواه مسلم.
وإنما أهلوا من الأبطح لأنه مكان نزولهم. (والأبطح: هو مسيل فيه دقاق الحصى يقع شرقي مكة، فأحرم النبي ﷺ في هذا المكان ومعه أصحابه قبل الزوال، ثم توجهوا إلى منى وكان ذلك يوم الخميس).
وقد قال بعض الفقهاء: أنه يحرم من الحرم تحت الميزاب، وهذا غلط وبدعة، فلم يفعله النبي ﷺ ، ولا عهد عن أحد من الصحابة أنه فعله.
• ماذا يسن أن يفعل عند إحرامه يوم التروية؟
يسن أن يفعل الحاج عند إحرامه هذا ما يفعله عند الإحرام من الميقات من الغسل والتنظف والتجرد من المخيط ويهل بالحج بعدها قائلاً: لبيك حجاً.
• ما كيفية الصلاة في منى في اليوم الثامن؟
السنة أن يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً من غير جمع، وهذا مستحب بإجماع العلماء.
• الأفضل أن تكون صلاة الظهر في اليوم الثامن في منى.
• أن الصلاة في منى تكون قصراً من غير جمع.
• إلى متى يسن المكث في منى؟
يسن أن يمكث في منى حتى تطلع الشمس.
لقول جابر ( … ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتْ اَلشَّمْسُ).
• ما رأيك بمن يذهب إلى عرفات من ليلتها؟
الذين يذهبون إلى عرفات من ليلتها قد خالفوا السنة، وكذلك من لم يحرم اليوم الثامن، وهو وإن كان جائزاً لكنهم حرموا أنفسهم السنة.
• إذا صادف يوم التروية يوم جمعة، فأيهما أفضل، أن يصلي الحاج في المسجد الحرام ثم يخرج إلى منى، أو أن يخرج إلى منى (ضحى) ويصلي الظهر في منى؟
الثاني أفضل، لأن بقاءك في منى عبادة، وأنت أيها الحاج لم تأت من بلادك إلا لأجل هذه العبادة. (ابن عثيمين).
• هل نمرة من عرفة؟
ليست من عرفة، وهي قرية قرب عرفة وليست من عرفة.
• ما معنى قول جابر ( … فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ … )؟
فقيل: المعنى أي قد قارب عرفة.
قال النووي: المراد قارب عرفات، فإن نمرة ليست من عرفات.
وقيل: أن مراد جابر أن منتهى سيره عرفة، وأنه لم يفعل كما تفعل قريش في الجاهلية، فتنتهي بمزدلفة وتقف فيها يوم عرفة، وفي طريقه إلى عرفة نزل بنمرة، وهذا أصح.
(أجاز) تعدى، [القبة] قال ابن الأثير: "القبة من الخيام بيت صغير مستدير".
стр. 1325
• متى يسن الخروج إلى عرفة من منى؟
يسن الخروج إلى عرفة من منى إذا طلعت الشمس من يوم عرفة وهو يلبي أو يكبر. [عرفة: مشعر خارج حدود الحرم، لأنها واقعة في الحل، وهي اسم لمكان الوقوف في الحج، سميت عرفة لارتفاعها على ما حولها].
• ماذا نستفيد من قول جابر (فَوَجَدَ اَلْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا)؟
نستفيد: إن تيسر له النزول بنمرة نزل إلى زوال الشمس [ونمرة قرية قرب عرفة وليست من عرفة كما تقدم]، وهذا النزول نزول نسك، بناءً على أن الأصل التعبد في جميع أعمال الحج إلا ما قام الدليل على أنه ليس كذلك، وإلا ذهب إلى عرفات واستقر بها ولو قبل الزوال.
• متى دخل النبي ﷺ عرفة؟
بعد الزوال.
لقول جابر (حَتَّى إِذَا زَاغَتْ اَلشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ اَلْوَادِي، فَخَطَبَ اَلنَّاس).
[القصواء] لقب لناقته التي حج عليها، [فرحلتْ له] أي جعل عليها الرحل، [بطن الوادي] وادي عرنة الذي فيه مقدمة المسجد، لأن المسجد بعضه في عرفة وبعضه خارج عرفة، وبطن الوادي موضع متسع، ولذا خصه النبي ﷺ بخطبته.
• ماذا نستفيد من قول جابر (فَأَتَى بَطْنَ اَلْوَادِي، فَخَطَبَ اَلنَّاس).
فيه استحباب الخطبة للإمام ليعلم الناس صفة الوقوف ويذكرهم بعظم هذا اليوم.
• وقد خطب ﷺ خطبة عظيمة بين فيها أحكام مهمة وعظيمة.
• ما كيفية الصلاة في يوم عرفة؟
كيفية الصلاة: استحباب جمع العصر مع الظهر في عرفات وهذا الجمع مجمع عليه، بأذان واحد وإقامتين.
لقول جابر (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى اَلظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى اَلْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا).
• ما حكم القصر والجمع لأهل مكة في عرفة ومزدلفة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يشرع لهم الجمع والقصر كغيرهم.
وهذا مذهب المالكية واختيار ابن تيمية وابن القيم.
أ-قالوا: إن النبي ﷺ كان يقصر الصلاة بمنى، وجمع وقصر بعرفة ومزدلفة، وصلى معه جميع المسلمين من أهل مكة وغيرهم، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولا بتأخير العصر في عرفة، أو تقديم المغرب في المزدلفة، وكذا خلفاؤه من بعده، فدل ذلك على مشروعية الجمع والقصر لأهل مكة في المشاعر.
ب- أن خروج أهل مكة إلى منى وعرفات ومزدلفة، يعتبر سفراً، فشرع لهم الجمع والقصر كغيرهم.
стр. 1326
القول الثاني: لا يجوز الجمع والقصر لهم.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
قالوا: إن خروج أهل مكة إلى منى وعرفة ومزدلفة لا يعد سفراً لعدم المسافة، وهم في اعتبار المسافة كغيرهم، فلم يجز لهم الجمع والقصر.
والراجح: الأحوط عدم الجمع والقصر.
• ما الحكمة من هذا الجمع؟
الحكمة من جمع التقديم هنا: ليتفرغ الناس للدعاء، وأيضاً لو تفرقوا لفاتت الجماعة، وصلى كل إنسان لوحده.
• أن الخطبة يوم عرفة قبل الأذان، لقوله: (ثم أذن ثم أقام).
• أنه لا تشرع للمسافر أن يصلي راتبة الظهر، لقوله: (ولم يصلّ بينهما).
• أنه لا تشرع الجمعة للمسافر.
• ماذا فعل النبي ﷺ بعد ذلك؟
ذهب حتى أتى الموقف، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس.
لقول جابر (ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى اَلْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ اَلْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ حَبْلَ اَلْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ اَلْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفَاً حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ القُرْصُ.
[فلم يزل واقفاً] المراد بالوقوف هنا المكث، لا الوقوف على القدمين
أي: ثم ركب من مكان خطبته وصلاته حتى أتى الموقف، وهو عند الجبل المعروف في شمال عرفة، وتسميه العامة جبل الرحمة.
• ما الدليل على أن عرفة كلها موقف؟
الدليل قوله ﷺ (وقفت ههنا وعرفة كلها موقف) لكن يجب على الواقف أن يتأكد من حدودها، وهي علامات يجدها من يطلبها، لأنها واضحة، ومن وقف خارجها لم يصح حجه لأن الحج عرفة.
• ما حكم صعود جبل عرفة (جبل الرحمة)؟
لم يثبت عن النبي ﷺ أنه حث على صعود جبل عرفات الذي اشتهر عند الناس باسم: جبل الرحمة، ولم يكن من هديه ﷺ صعود هذا الجبل في حجه ولا اتخذه منسكاً، وقد قال ﷺ : (خذوا عني مناسككم)، ودرج على ذلك الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فلم يكونوا يصعدون على هذا الجبل في حجهم ولا اتخذوه منسكاً لهم؛ اقتداءً برسول الله ﷺ ، والذي ثبت أنه ﷺ وقف تحت هذا الجبل عند الصخرات الكبار، وقال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة) ولذا قال كثير من العلماء: إن صعود هذا الجبل في الحج على وجه النسك بدعة، منهم الإمام النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ صديق خان، وقد قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ولم يكن من هديه ﷺ أن يصلي نفلاً بموقف عرفات، بل اكتفى بصلاة الظهر والعصر في مسجد نمرة، جمعاً وقصراً، ولا اتخذ مصلى بما يسمى جبل الرحمة ليصلي فيه من صعد على هذا الجبل نافلة أو فريضة في يوم عرفات، بل اشتغل بعد صلاته الظهر والعصر بذكر الله تسبيحاً وتهليلاً وتحميداً وتكبيراً وتلبية، وبدعاء ربه والضراعة إليه، حتى غربت الشمس. فاتخاذ مصلى أو مسجد على هذا الجبل ليصلي فيه من صعد عليه من البدع التي أحدثها الجهال. فتاوى اللجنة الدائمة" (١١/ ٢٠٦ - ٢٠٨)
стр. 1327
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصعود على جبل عرفات ليس من الأمور المشروعة، بل هو إن اتخذه الإنسان عبادة بدعة، لا يجوز للإنسان أن يعتقده عبادة، ولا أن يعمل به على أنه عبادة، والرسول ﷺ أحرص الناس على فعل الخير، وأبلغ الناس في تبليغ الرسالة، وأعلم الناس بدين الله، لم يصعده ولم يأمر أحداً بصعوده، ولا أقر أحداً بصعوده فيما أعلم، وعلى هذا فإن صعود هذا الجبل ليس بمشروع، بل قال رسول الله ﷺ حين وقف خلفه من الناحية الشرقية قال: (وقفت هاهنا، وعرفة كله موقف) وكأنه ﷺ يشير بهذا إلى أن كل إنسان يقف في مكانه، ولا يزدحمون على هذا المكان الذي وقف فيه الرسول ﷺ .
• لماذا سميت عرفة بهذا الاسم؟
قيل: لأن الناس يتعارفون فيها.
وقيل: لأن أمين الوحي جبريل طاف بإبراهيم ﵇ وكان يريه المشاهد فيقول له "أَعَرَفْتَ؟ أَعَرَفْتَ؟ "، فيرد إبراهيم "عَرَفْتُ، عَرَفْتُ.
وقيل: لأن آدم وحواء عندما هبطا من الجنة التقيا فعرفها وعرفته في هذا المكان.
وقيل: لأنها مرتفعة على غيرها؛ والشيء المرتفع يسمى عُرْفاً، ومنه: أهل الأعراف، كما قال تعالى (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً)، ومنه: عُرْف الديك؛ لأنه مرتفع؛ وكل شيء مرتفع يسمى بهذا الاسم.
• ما بداية الوقوف بعرفة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن بداية الوقوف من زوال الشمس.
لأن النبي ﷺ ومعه أصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال.
القول الثاني: أن بداية الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة.
لحديث عروة بن المضرس قال (أتيت رسول الله ﷺ بالموقف - يعني بجمْع - قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طي، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : (مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، قالوا: فقوله (أو نهاراً) يشمل ما قبل الزوال وما بعده.
والراجح قول الجمهور، والجواب عن حديث عروة بن مضرس بأن المراد بـ (بالنهار) فيه خصوص ما بعد الزوال، بدليل فعل النبي ﷺ وفعل خلفائه من بعده. (وستأتي المسألة).
• ما نهاية وقت الوقوف بعرفة؟
نهاية وقته: طلوع الفجر يوم النحر.
لقوله ﷺ (الحج عرفات - ثلاثاً - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك) رواه أبو داود.
قال جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع). [قاله في المغني]
стр. 1328
• ما المستحب للحاج في يوم عرفة؟
يستحب للحاج أن يتفرغ للدعاء في يوم عرفة.
وينبغي أن يكون حال الدعاء مستقبل القبلة وإن كان الجبل خلفه أو يمينه أو شماله، لأن السنة استقبال القبلة، ويرفع اليدين، ولا يزال هكذا ذاكراً ملبياً داعياً راجياً من الله أن يجعله من عتقائه الذين يباهي بهم الملائكة كما في الحديث: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: (ماذا أرادوا هؤلاء).
• قال شيخ الإسلام: لم يعين النبي ﷺ لعرفة دعاء خاصاً ولا ذكراً خاصاً، بل يدعو بما شاء من الأدعية.
• إلى متى يجب البقاء في عرفة؟
يجب البقاء بعرفة إلى غروب الشمس، ثم الدفع بعد الغروب.
أ-لأن هذا فعل النبي ﷺ .
قال جابر ( … فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرَبَتِ اَلشَّمْسُ … ).
ب- ولأن الدفع قبل الغروب من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها.
• اذكر بعض الأخطاء التي يرتكبها الحجاج في عرفة؟
الأول: أن الحجاج يمرون بك ولا تسمعهم يلبون، فلا يجهرون بالتلبية في مسيرهم من منى إلى عرفة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة في يوم العيد.
الثاني: ومن الأخطاء العظيمة الخطيرة أن بعض الحجاج ينزلون خارج عرفة، ويبقون في منزلهم حتى تغرب الشمس، ثم ينطلقون منه إلى مزدلفة، وهؤلاء الذين وقفوا هذا الموقف ليس لهم حج، لقول النبي ﷺ : " الحج عرفة " رواه الترمذي (٨٨٩) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٠٦٤). فمن لم يقف في عرفة في المكان الذي هو منها، وفي الزمان الذي عين للوقوف بها فإن حجه لا يصح للحديث الذي أشرنا إليه، وهذا أمر خطير.
الثالث: أن بعض الناس إذا اشتغلوا بالدعاء في آخر النهار، تجدهم يتجهون إلى الجبل الذي وقف عنده رسول الله ﷺ مع أن القبلة تكون خلف ظهورهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم، وهذا أيضًا جهل وخطأ؛ فإن المشروع في الدعاء يوم عرفة أن يكون الإنسان مستقبل القبلة، سواء كان الجبل أمامه أو خلفه، أو عن يمينه أو عن شماله، وإنما استقبل النبي ﷺ الجبل؛ لأن موقفه كان خلف الجبل، فكان ﷺ مستقبل القبلة، وإذا كان الجبل بينه وبين القبلة فبالضرورة سيكون مستقبلاً له.
الرابع: أن بعضهم يظن أنه لا بد أن يذهب الإنسان إلى موقف الرسول ﷺ الذي عند الجبل ليقف هناك، فتجدهم يتجشَّمون المصاعب، ويركبون المشاق، حتى يصلوا إلى ذلك المكان، وربما يكونون مشاة جاهلين بالطرق فيعطشون ويجوعون إذا لم يجدوا ماءً وطعاماً، ويضلُّون في الأرض، ويحصل عليهم ضرر عظيم بسبب هذا الظن الخاطئ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) وكأنه ﷺ يشير إلى أنه: ينبغي للإنسان ألا يتكلف ليقف في موقف النبي ﷺ ، بل يفعل ما تيسر له، فإن عرفة كلها موقف.
стр. 1329
الخامس: أن بعض الناس يعتقدون أن الأشجار في عرفة كالأشجار في منى ومزدلفة، أي: لا يجوز للإنسان أن يقطع منها ورقة أو غصناً أو ما أشبه ذلك؛ لأنهم يظنون أن قطع الشجر له تعلق بالإحرام كالصيد، وهذا ظن خاطئ، فإن قطع الشجر لا علاقة له بالإحرام، وإنما علاقته بالمكان، فما كان داخل حدود الحرم - أي: داخل الأميال - من الأشجار فهو محترم، لا يعضد ولا يقطع منه ورق ولا أغصان، وما كان خارجًا عن حدود الحرم فإنه لا بأس بقطعه ولو كان الإنسان محرماً، وعلى هذا فقطع الأشجار في عرفة لا بأس به … ، (وأما الأشجار التي غرسها الناس فلا يشملها تحريم قطع الشجرة من أجل الحرم، ولكنها قد يحرم قطعها بسبب آخر وهو الاعتداء على حق من غرسها، وعلى حق الحجاج أيضاً إذا كانت إنما غرست من أجل أن تلطف الجو ويستظل بها الناس من حر الشمس.
وعلى هذا فالأشجار المغروسة بعرفة لا يجوز قطعها لا من أجل الحرم وإنما لأن قطعها اعتداء على حق المسلمين عموماً).
السادس: أن بعض الحجاج يعتقدون أن للجبل الذي وقف عنده النبي ﷺ قدسية خاصة، ولهذا يذهبون إليه، ويصعدونه، ويتبركون بأحجاره وترابه، ويعلقون على أشجاره قصاصات الخرق، وغير ذلك مما هو معروف، وهذا من البدع، فإنه لا يشرع صعود الجبل ولا الصلاة فيه.
السابع: أن بعض الناس يظن أنه لا بد أن يصلي الإنسان الظهر والعصر مع الإمام في المسجد، ولهذا تجدهم يذهبون إلى ذلك المكان من أماكن بعيدة ليكونوا مع الإمام في المسجد، فيحصل عليهم من المشقة والأذى والتيه ما يجعل الحج في حقهم حرجاً وضيقاً، ويضيق بعضهم على بعض، ويؤذي بعضهم بعضاً، والرسول ﷺ يقول في الوقوف: " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف "، وقال ﷺ أيضا: " جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ". فإذا صلى الإنسان في خيمته صلاة يطمئن فيها بدون أذى عليه ولا منه، وبدون مشقة تلحق الحج بالأمور المحرجة، فإن ذلك خير وأولى.
الثامن: أن بعضهم يخرج من عرفة قبل أن تغرب الشمس، فيدفع منها إلى المزدلفة، وهذا خطأ عظيم، وفيه مشابهة للمشركين الذين كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ومخالفة للرسول ﷺ الذي لم يدفع من عرفة إلا بعد أن غابت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً، كما جاء في حديث جابر ﵁. (الإسلام سؤال وجواب).
• ما كيفية الدفع إلى مزدلفة؟
يستحب أن يكون الدفع بسكينة وهدوء.
لقول جابر (حَتَّى غَابَ القُرْصُ وَأَرْدًفَ أُسَامَةُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ اَلزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ اَلْيُمْنَى: (أَيُّهَا اَلنَّاسُ، اَلسَّكِينَةَ، اَلسَّكِينَةَ) كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ اَلْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ).
[شنق للقصواء الزمام] هو الخيط الذي يشد إلى الحلقة التي في أنف البعير. [مَورِك رحله] هو الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله إذا مل من الركوب.
[كلما أتى حبلاً] هو التل اللطيف من الرمل الضخم، والمعنى إذا أتى حبلاً من حبال الرمل أرخى لناقته قليلاً من أجل أن تصعد [المزدلفة] وتسمى جمعاً.
• ما سبب تسمية مزدلفة في ذلك؟
قيل: لأنهم يقربون فيها من منى، والازدلاف القرب.
وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها، والاجتماع الازدلاف.
وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى؛ أي يتقربون بالوقوف، ويقال للمزدلفة: جمع لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء والمغرب، وهذا قول قتادة، وقيل إن آدم ﵇ اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها.
стр. 1330
• ما كيفية الصلاة إذا وصل إلى مزدلفة؟
يسن أن يجمع بين المغرب والعشاء إذا وصل إلى مزدلفة، وأن يصليهما بأذان واحد وإقامتين، وأيضاً لفعل النبي ﷺ بعرفة.
• أنه لا يصلي بينهما نافلة.
• ما الحكم لو صلى في الطريق؟
لو صلى في الطريق أجزأه ذلك لقوله ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
وذهب ابن حزم إلى أنه لو صلى في الطريق لم يجزئه لأن النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد (الصلاة أمامك)، لكن هذا قول ضعيف، وقول النبي ﷺ لأسامة (الصلاة أمامك) لأنه لو وقف ليصلي وقف الناس، ولو أوقفهم في هذا المكان لكان في ذلك مشقة عليهم.
• متى يجب أن يصلي في الطريق؟
يجب أن يصلي في الطريق إذا خشي خروج وقت العشاء بمنتصف الليل.
• ثبت عن النبي ﷺ أنه بال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، لحديث أسامة بن زيد قال (دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ، فقلت له الصلاة يا رسول الله؟ قال: الصلاة أمامك) متفق عليه، فهل يسن للإنسان أن ينزل في أثناء الطريق وفي المكان الذي نزل فيه الرسول ﷺ إن كان سار معه ويبول ويتوضأ وضوءاً خفيفاً؟
الجواب: لا يسن هذا، لأن هذا وقع اتفاقاً، بمقتضى الطبيعة حيث احتاج أن يبول فنزل فبال.
• ما الحكم إذا وصل مزدلفة في وقت المغرب؟
قيل: يؤخر الصلاة لفعل النبي ﷺ .
وقيل: يقدم، لأن النبي ﷺ من حين وصل إلى مزدلفة صلى.
قال الشيخ ابن عثيمين: قد يقال: روى البخاري عن ابن مسعود أنه قدم مزدلفة العشاء أو قريباً من العشاء، فأذّن وصلى المغرب، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أذن فصلى العشاء، وهذا يدل على أنه ﵁ لما وصل في هذا الوقت رأى أن لا يجمع، وبناء على هذا نقول: من وصل مبكراً فليصل ثم لينتظر حتى يأتي العشاء فيؤذن ويصلي العشاء، فإن قال الحاج: الراحة لي والأسهل عليّ أن أصلي المغرب من حين أن أصِل وأصلي معها العشاء وأستريح، نقول: ذلك جائز ولا بأس به.
• ماذا نستفيد من قول جابر (ثُمَّ اِضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ اَلْفَجْرُ)؟
نستفيد: أنه يسن أن ينام حتى يصبح.
• هل يصلي الوتر أم لا؟
يستثنى الوتر فإنه يصليه ولا يتركه لأسباب:
أولاً: لأن النبي ﷺ كان لا يدعه لا سفراً ولا حضراً، حتى كان ﷺ يوتر على راحلته في السفر.
ثانياً: أن النبي ﷺ أمر به أمراً عاماً بدون استثناء.
ثالثاً: أن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، فإما أن يكون جابر سكت عن ذكره لأنه لا يدري، ولهذا لم ينف الوتر كما نفى التنفل في قوله [ولم يسبح بينهما].
رابعاً: أن يكون ترك ذكره للعلم به، ولأنه ليس من المناسك، والحديث في سياق المناسك.
стр. 1331
• هل يشرع قيام الليل؟
قال بعض العلماء يشرع قيام الليل، لأنه قد ثبت عن أسماء، فقد ثبت عنها (أنها نزلت ليلة جمع بالمزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارتحلوا، فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة … ) متفق عليه.
• هل يجوز أن يدفع من مزدلفة قبل الفجر؟
قال بعض العلماء يجوز بعد منتصف الليل للضعفة من النساء والصبيان والكبار والعاجزين والمرضى.
وقال بعض العلماء: إن المعتبر غروب القمر، ولذلك كان من فقه أسماء أنها تنتظر حتى إذا غاب القمر دفعت، وغروب القمر يكون بعد مضي ثلثي الليل تقريباً.
لحديث عائشة قالت (كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة، فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمْع بليل فأذن لها) متفق عليه.
وعن ابن عباس قال (أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) متفق عليه.
• ما حكم الدفع من مزدلفة لغير الضعفاء والعاجزين؟
غير الضعفاء والعاجزين فالجمهور على أنه يجوز أن يدفع آخر الليل، وقال بعض العلماء لا يجوز ورجحه بعض المحققين، لكن الصحيح الجواز، والأحوط البقاء حتى صلاة الصبح.
• ما حكم المبيت بمزدلفة؟
المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، إذا تركه عمداً فحجه صحيح مع الإثم وعليه دم. (وستأتي المسألة إن شاء الله).
• ما السنة في صلاة الفجر في مزدلفة.
السنة في صلاة الفجر في مزدلفة المبادرة بها في أول وقتها، مبادرة تكون غير معتادة، ولعل هذه المبادرة ليتسع وقت الذكر والدعاء بعد الصلاة.
لقول جابر ( .... فصلى الفجرَ حين تبين له الصبح).
قال النووي: السُّنَّة أَنْ يُبَالِغ بِتَقْدِيمِ صَلَاة الصُّبْح فِي هَذَا الْمَوْضِع وَيَتَأَكَّد التَّبْكِير بِهَا فِي هَذَا الْيَوْم أَكْثَر مِنْ تَأَكُّده فِي سَائِر السَّنَة لِلِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ لِأَنَّ وَظَائِف هَذَا الْيَوْم كَثِيرَة فَسُنَّ الْمُبَالَغَة بِالتَّبْكِيرِ بِالصُّبْحِ لِيَتَّسِع الْوَقْت لِلْوَظَائِف.
• ما السنة للحاج في مزدلفة بعد صلاة الصبح؟
السنة للحاج في مزدلفة بعد صلاة الصبح أن يأتي المشعر الحرام فيرقي عليه ويستقبل القبلة ويذكر الله ويهلله ويدعو كما قال تعالى (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه لقوله ﷺ (وقفت ههنا وجمع كل موقف) رواه مسلم.
• على الحاج أن يحذر من تضييع هذه الدقائق الغالية.
• … يبقى للدعاء والذكر حتى يسفر جداً.
• … [المشعر الحرام] هو جبل صغير بمزدلفة والآن المسجد المبني في مزدلفة على المشعر الحرام.
стр. 1332
• متى يكون الدفع من مزدلفة إلى منى؟
يسن للحاج أن يدفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس من يوم العيد.
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن السنة الدفع قبل طلوع الشمس.
قال ابن القيم: أجمع المسلمون على أن الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة.
لفعل النبي ﷺ ، ومخالفة لأهل الجاهلية.
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ (إِنَّ اَلْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ وَأَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ اَلشَّمْسُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
[لا يفيضون] أي من جمع كما جاء في رواية [أشرق] أي من الإشراق، أي أدخل في الشروق، والمعنى: لتطلع عليه الشمس، [ثبير] جبل معروف هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة، [ثم أفاض] أي النبي ﷺ ، والدليل على أن المراد هو النبي ﷺ : ما جاء في رواية أبي داود الطيالسي: (فخالفهم النبي ﷺ فأفاض) وفي حديث جابر عند مسلم: ( … فدفع قبل أن تطلع الشمس).
• ففي هذا الحديث أن السنة في الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
لفعل النبي ﷺ ومخالفة المشركين، فإنهم كانوا يبقون في مزدلفة صبح يوم النحر حتى تشرق الشمس، ثم يفيضون إلى منى، ففي هذا الحديث تأكد الإفاضة من مزدلفة وقت الإسفار قبل طلوع الشمس.
• أن من تأخر عامداً فقد أساء وخالف هدي النبي ﷺ ، وأما من تعذر عليه ذلك بعد أن أخذ في الإفاضة ولكن عاقه المسير لشدة زحام، أو خلل في مركوبه، أو نحو ذلك فهو معذور.
• ما الحكمة من إسراع النبي ﷺ لما أتى على وادي محسر؟ (وادي محسر هو وادٍ بين مزدلفة ومنى لا من هذه ولا من هذه).
اختلف العلماء لماذا أسرع في وادي محسر:
قيل: هذا أمر تعبدي.
وقيل: لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل فينبغي للإنسان أن يسرع إذا مرّ بأراضي العذاب.
وهذا تعليل عليل لأمرين:
أ- لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا، بل في مكان يقال له [المُغَمّس] حول الأبطح.
ب- أنه لا يشرع الإسراع للذاهب، ولا يشرع الإسراع لغير القادم من مزدلفة، فلو كان على ما ذكروا لشرع الإسراع لكل من مرّ به، وهم لا يقولون بهذا.
وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم، فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم، كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الإفاضة من مزدلفة. والله أعلم.
стр. 1333
• اذكر ترتيب أعمال يوم العيد؟
السنة في أعمال يوم العيد تكون كالتالي:
أولاً: رمي جمرة العقبة.
قال جابر (ثُمَّ سَلَكَ اَلطَّرِيقَ اَلْوُسْطَى اَلَّتِي تَخْرُجُ عَلَى اَلْجَمْرَةِ اَلْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى اَلْجَمْرَةَ اَلَّتِي عِنْدَ اَلشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَ).
فيه أن السنة للحاج إذا وصل إلى منى أن يبدأ برمي جمرة العقبة، وقد سماها جابر الكبرى، وسماها بذلك باعتبار ما قبلها من الجمرتين الصغرى والوسطى، ولأنها تنفرد بالرمي يوم العيد.
ثانياً: النحر.
لقول جابر (ثُمَّ اِنْصَرَفَ إِلَى اَلْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ).
ثالثاً: الحلق أو التقصير.
عن أنس. قال (أن النبي ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر) رواه مسلم.
وجاء عند أحمد من حديث جابر ( … نحر رسول الله ﷺ فحلق).
رابعاً: طواف الإفاضة، وهو ركن بالإجماع.
خامساً: السعي للمتمتع.
• أعمال يوم العيد الأفضل ترتيبها كما فعل النبي ﷺ :
رمي، ثم نحر، ثم حلق، ثم طواف، ثم سعي، فإن أخل بترتيبها ولو متعمداً فلا شيء عليه، وهذا قول جمهور العلماء.
لحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ اَلْعَاصِ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: " اِذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: " اِرْمِ وَلَا حَرَجَ " فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: " اِفْعَلْ وَلَا حَرَجَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: لو قدم السعي على الطواف في يوم النحر جاز، خلافاً لأكثر أهل العلم.
• ما الجمرة التي ترمى يوم العيد؟
جمرة العقبة لا غير، وترمى بسبع حصيات.
• ما المقصود من رمي الجمار؟
أ-عن ابن عباس ﵄ رفعه إلى النبي ﷺ قال (لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون) رواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح على شرطهما.
стр. 1334
وقد ذكر العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان أن حكمة الرمي معقولة المعنى وذكر هذا الحديث وقال: وعلى هذا الذي ذكره البيهقي فَذِكْرُ الله الذي شرع الرمي لإقامته هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان ورميه وعدم الانقياد إليه.
ب- وكذلك إقامة ذكر الله، والاقتداء برسول الله، وتحقيق التذلل.
• متى وقت رمي جمرة العقبة؟
يوم النحر بعد طلوع الشمس، وهذا هو الأفضل.
ففي حديث جابر قال (رمى رسول الله ﷺ يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس) رواه مسلم، وأما أهل الأعذار إذا وصلوا في آخر الليل ووصلوا إلى منى فإنهم يرمون، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، فكل من جاز له الدفع من مزدلفة جاز له الرمي وإلا لما استفاد شيئاً.
• وتكون الحصى بمثل حصى الخذف - وهي بالخاء المعجمة - وقدر حصى الخذف أكبر من حبة الحمص قليلاً، فلا يجوز أن يرمي بالحجر الكبير فيؤذي المسلمين، ولا بالصغير الذي لا يمكن رميه.
• ما السنة أن يفعل مع الرمي؟
السنة أن يكبر مع كل حصاة.
لحديث جابر هذا.
ب- وَلحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي اَلْجَمْرَةَ اَلدُّنْيَا، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ … هكذا رأيت رسول الله يفعله) متفق عليه.
• ما الحكم لو رمى السبع جميعاً مرة واحدة؟
يكون الرمي بحصى متعاقبات، فلو رمى السبع جميعاً مرة واحدة لم يجزئه إلا عن واحدة.
• ما الحكم لو وضع الحصى وضعاً؟
لو وضع الحصى وضعاً لم يجزئه، لأن قوله (رمى) يدل على أنه لا بد من الرمي.
• لم يذكر جابر من أين أخذ النبي ﷺ حصى جمرة العقبة، وهذا يدل على أنه ليس لذلك مكان معين، بعضهم قال أن النبي ﷺ التقطها من منى، وبعضهم قال إنه التقطها من موقفه الذي رمى فيه، وبعضهم قال إنه التقطها من طريقه لحديث الفضل وفيه (حتى إذا دخل محسراً وهو من منى، قال: عليكم بحصى
الخذف … ) وبهذا جزم ابن القيم، والمقصود أنه ليس للحصى مكان معين، وأما ما يعتقده بعض العوام أن المستحب أن يُلتقط الحصى من مزدلفة فهذا لا أصل له فضلاً على أن يكون واجباً.
• ما حكم غسل الحصى؟
بدعة كما قال ابن تيمية.
стр. 1335
• متى يقطع الحاج التلبية؟
يقطع الحاج التلبية عند رمي جمرة العقبة وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث ابن عباس وأسامة قالا (لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة) رواه البخاري.
• ما الحكمة من عدم الوقوف بعد جمرة العقبة للدعاء؟
وقد علل بعض العلماء السبب بعدة علل:
قيل: لضيق المكان.
وقيل: لأنها انتهت العبادة.
وقيل: لأنها ليست من منى.
قال ابن القيم: فَقِيلَ لِضِيقِ الْمَكَانِ بِالْجَبَلِ، وَقِيلَ وَهُوَ أَصَحّ: إنّ دُعَاءَهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَرَغَ الرّمْيُ وَالدّعَاءُ فِي صُلْبِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، وَهَذَا كَمَا كَانَتْ سُنّتُهُ فِي دُعَائِهِ فِي الصّلَاةِ إذْ كَانَ يَدْعُو فِي صُلْبِهَا، فَأَمّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمْ يَثْبُت عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَعْتَادُ الدّعَاءَ وَمَنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ وَإِنْ رُوِيَ فِي غَيْرِ الصّحِيحِ أَنّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَدْعُو بِدُعَاءٍ عَارِضٍ بَعْدَ السّلَامِ وَفِي صِحّتِهِ نَظَرٌ، ولا رِيبَ أَنّ عَامّةَ أَدْعِيَتِهِ الّتِي كَانَ يَدْعُو بِهَا، وَعَلّمَهَا الصّدّيقَ إنّمَا هِيَ فِي صُلْبِ الصّلَاةِ وَأَمّا حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: لَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ: اللّهُمّ أَعِنّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِك، وَحُسْنِ عِبَادَتِك فَدُبُرُ الصّلَاةِ يُرَادُ بِهِ آخِرُهَا قَبْلَ السّلَامِ مِنْهَا، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ وَيُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ السّلَامِ كَقَوْلِهِ تُسَبّحُونَ اللّهَ وَتُكَبّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ الْحَدِيثُ.
• فيه دليل على أنه يسن للحاج بعد الرمي أن ينحر هديه.
• ما حكم الهدي على المتمتع والقارن؟
يجب الهدي على المتمتع والقارن.
أما المتمتع بنص القرآن قال تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي)، وأما القارن فوجوب الهدي عليه هو مذهب جمهور العلماء، قياساً على المتمتع.
• ودم التمتع والقران دم نسك وعبادة، فهو دم شكر حيث حصل للعبد نُسُكان في سفر واحد ودم واحد. ولهذا كان دم المتعة والقران مما يؤكل منه ويهدى ويتصدق - فليس هو دم جبران -، وأما دم المحظور لا يؤكل منه ولا يهدى، فهو يصرف على الفقراء.
• ما الحكم إن عدم الهدي؟
إن عدم الهدي فقد قال تعالى (فإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).
فعليه - كما أخبر الله - صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.
следующие страницы →