Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
• ما السنة أن يفعل مع الرمي؟
السنة أن يكبر مع كل حصاة.
ب- لحديث الباب، عن اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي اَلْجَمْرَةَ اَلدُّنْيَا، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ … هكذا رأيت رسول الله يفعله) متفق عليه.
ب- ولحديث جابر - وقد تقدم - في صفة حج النبي ﷺ وفيه (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف) رواه مسلم.
• ما الحكم لو رمى السبع جميعاً مرة واحدة؟
يكون الرمي بحصى متعاقبات، فلو رمى السبع جميعاً مرة واحدة لم يجزئه إلا عن واحدة، ويلزمه أن يرمي بست حصيات غيرها، ودليل ذلك أن المنصوص عليه تفريق الأفعال أثناء رمي الجمرات فيجب التقييد بالتفريق الوارد بالسنة النبوية.
• بما يكون الرمي؟
يشترط أن يكون المرمي به حجراً.
وهذا قول الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة)، فلا يصح الرمي بالطين والمعادن والتراب.
وقد استدل الجمهور بما ثبت من فعل النبي ﷺ عندما رمى جمرة العقبة؛ فعن جابر يصف رمي رسول الله ﷺ لجمرة العقبة، فيقول: (فرماها بسبع حصيات - يكبر مع كل حصاة منها - مثل حصى الخذف).
• ما الحكم لو وضع الحصى وضعاً؟
لو وضع الحصى وضعاً لم يجزئه، لأن قوله (رمى) يدل على أنه لا بد من الرمي.
• ما الحكمة من عدم الوقوف للدعاء بعد رمي جمرة العقبة؟
قيل: لضيق المكان.
وقيل: لأنها انتهت العبادة.
وقيل: لأنها ليست من منى.
• هل يشرع غسل الحصى؟
لا يشرع، بل ذلك بدعة كما قال ابن تيمية.
• ما حكم الرمي بالحجر مرة ثانية؟
قال بعض العلماء: لا يجزئ الرمي بحصاة رمي بها.
وقيل: يجزئ ذلك، وهذا أصح.
стр. 1367
٧٦٦ - وَعَنْه - أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (اَللَّهُمَّ ارْحَمِ اَلْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. قَالَ فِي اَلثَّالِثَةِ: " وَالْمُقَصِّرِينَ) - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(اللَّهُمَّ) بمعنى يا الله، حذفت منها ياء النداء وعوض عنها الميم.
(ارْحَمِ) هذا دعاء، ولا تكون فعل أمر هنا، لأنها من الأدنى إلى الأعلى.
(اَلْمُحَلِّقِينَ) الحلق هو إزالة الشعر من الرأس من أصله.
(والْمُقَصِّرِينَ) التقصير قص بعض الشعر مع عدم استئصاله.
• ما حكم الحلق أو التقصير في الحج؟
واجب. [وسيأتي إن شاء الله]
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن الحلق أفضل من التقصير في الحج.
أ- قول الله تعالي (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون).
قلت: قدم الله الحلق علي التقصير، وهذا يدل على أن الحلق أفضل لتقدمه.
ب- حديث ابن عمر ﵄ قال: (حلق رسول الله ﷺ في حجته). متفق عليه.
وهذا فعل النبي ﷺ ، ولا شك أن فعل النبي ﷺ هو الأفضل.
ج-لأن النبي ﷺ دعا للمحلقين بالرحمة ثلاث مرات.
• ما وجه كون الحلق أفضل من التقصير؟
قال في الفتح: وجه كون الحلق أفضل من التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، فالذي يقصّر يُبقي على نفسه شيئاً مما يتزين به، بخلاف الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى.
وقال النووي: ووجه فضيلة الحلق على التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل لله تعالى، ولأن المقصر مبق على نفسه الشعر الذي هو زينة، والحاج مأمور بترك الزينة، بل هو أشعث أغبر.
• هل الحديث دليل على أن الإنسان مخير بين الحلق والتقصير؟
نعم.
قال ابن قدامة: في قول أكثر أهل العلم.
قال النووي: وذكر الأحاديث في دعائه ﷺ للمحلقين ثلاث مرات، وللمقصرين مرة بعد ذلك، هذا كله تصريح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين إن شاء اقتصر على الحلق، وإن شاء على التقصير، وتصريح بتفضيل الحلق، وقد أجمع العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير، وعلى أن التقصير يجزي إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول: يلزمه الحلق في أول حجة، ولا يجزئه التقصير، وهذا إن صح عنه مردود بالنصوص وإجماع من قبله.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ.
стр. 1368
• ما حكم الحلق أو التقصير في الحج؟
واجب من واجبات الحج في قول جمهور العلماء.
أ-لقوله تعالى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ).
وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى جعل الحلق والتقصير وصفاً للحج والعمرة، والقاعدة أنه إذا عبر بجزءٍ من العبادة عن العبادة، كان دليلاً على وجوبه فيها.
ب- عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنَّ رسول الله ﷺ خرج معتمراً، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية) أخرجه البخاري
ج-عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنَّ رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع) أخرجه البخاري ومسلم، وقد قال ﷺ (لتأخذوا عني مناسككم)، مع كون فعله وقع بياناً لمجمل الكتاب.
• ماذا يفعل من كان أصلع الرأس؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يجب أن يمر الموسى على رأسه إمراراً.
وبهذا قال الحنفية والمالكية.
واستدلوا على ذلك بما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال في الأصلع (يمر الموسى على رأس)، وهو أثر لا تقوم به حجة لضعفه.
القول الثاني: استحباب إمرار الموسى على الرأس.
وبه قال الشافعية والحنابلة.
واستدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول، وبالإجماع.
قال النووي ﵀: ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على أن الأصلع يمر الموسى على رأسه.
القول الثالث: أنه لا شيء عليه.
وبه قال العلامة ابن عثيمين ﵀، قال: وهذا في الحقيقة لا فائدة له (أي: إمرار الموسى على رأس الأصلع)؛ لأنَّ إمرار الموسى على الشَّعر ليس مقصوداً لذاته حتى يُقال: لمَّا تعذَّر أحد الأمرين شُرع الأخذ بالآخر؛ لأن المقصود من إِمرار الموسى إزالة الشَّعر، وهذا لا شعر له، لقوله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) وهذا لم يؤته الله شعراً فلا يكلَّف عمل شيء.
• هل الحلق دوماً أفضل من التقصير؟
الحلق أفضل من التقصير لعموم دعاء النبي ﷺ إلا في حالة واحدة فإن التقصير أفضل، وذلك للمتمتع إذا كان الإنسان متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فإن التقصير أفضل لأجل أن يتوفر الشعر للحلق في الحج، ولهذا لمّا قدم النبي ﷺ في اليوم الرابع من ذي الحجة وأمر أصحابه بالتحلل أمرهم بالتقصير، فقال: (وليقصّر ثم ليُحل).
стр. 1369
• كم أقل المجزئ في حلق الرأس أو تقصيره؟
اختلف العلماء في أقل المجزئ في حلق الرأس على أقوال:
القول الأول: أن أقل ما يجزئ حلق أو تقصير ثلاث شعرات.
وهذا مذهب الشافعية.
قالوا: الشعر جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
القول الثاني: أن الواجب حلق ربع الرأس.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
واستدلوا بالقياس على قولهم في مسح الرأس في الوضوء، فقد أوجبوا مسح ربع الرأس فأكثر.
القول الثالث: أن الحلق أو التقصير لا بد أن يعم جميع الرأس.
وهذا مذهب الإمامين: مالك وأحمد.
أ-لأن الله تعالى قال (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)، ومن المعلوم أن الإنسان إذا قصر ثلاث شعرات من جانب الرأس ما أحس الناس أنه مقصّر.
ب-ولأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه تفسيراً منه لمطلق الأمر، فيجب الرجوع إليه، ولأنه نسك تعلق بالرأس، فوجب استيعابه به كالمسح.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن المرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة، فالمشروع للمرأة التقصير دون الحلق.
قال ابن قدامة: لا خلاف في ذلك.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم.
- محل الحلق أو التقصير هو شعر الرأس خاصة دون بقية شعور البدن.
واستحب بعض العلماء ومنهم: المالكية والحنابلة، الأخذ من الشعور المستحب إزالتها أو تخفيفها، كالعانة والشارب وكذلك تقليم الأظافر، وكان ابن عمر يفعله.
- قال البخاري في صحيحه: وزعموا أن الذي حلق النبي ﷺ معمر بن عبد الله.
- قال ابن القيم: وحلق كثير من الصحابة، بل أكثرهم، وقصر بعضهم.
стр. 1370
٧٦٧ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ اَلْعَاصِ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: " اِذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: " اِرْمِ وَلَا حَرَجَ " فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: " اِفْعَلْ وَلَا حَرَجَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ وَقَفَ) أي: على راحلته كما في الرواية الثانية، وفي رواية (رأيت رسول الله ﷺ على ناقته بمنى)، وعند البخاري في كتاب العلم (عند الجمرة).
(فِي حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ) هي الحجة التي حجها الرسول ﷺ بعد هجرته، ولم يحج بعد هجرته إلا مرة واحدة فقط في السنة العاشرة من الهجرة.
(لَمْ أَشْعُرْ) بضم العين، الشعور هو الإحساس والإدراك، فالسائل عمل النسك من الحج بلا شعور ولا إحساس لما ينبغي تقديمه ولا تأخيره من المناسك.
(فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) المشروع الذبح قبل الحلق، لقوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله).
(اِذْبَحْ وَلَا حَرَجَ) هذه الكلمة يحتمل: أن الرجل قال: حلقت قبل أن أذبح، أي ولم أذبح الآن، فقال له: اذبح ولا حرج، وتحتمل أن السائل قال: حلقت قبل أن أذبح، وقد ذبحت الآن، فقال: اذبح، أي في المستقبل، وكلا المعنيين صحيح.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن الأفضل في أنساك يوم العيد أن ترتب على الصفة التالية اقتداء برسول الله ﷺ :
الرمي، النحر، الحلق، الطواف، السعي.
ونستفيد: أن الترتيب بينها ليس بواجب وأنه يجوز الإخلال بالترتيب.
فإن أخل بترتيبها ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه.
قال في المغني: وهو قول كثير من أهل العلم.
وإن قدم بعضها على بعض في حق العامد العالم، اختلف العلماء في ذلك:
والصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الإمام أحمد وجمهور التابعين وفقهاء الحديث أنه يجوز تقديم بعضها على بعض في حق العامد.
مستدلين بأحد طرق هذا الحديث التي رواها البخاري ومسلم عن ابن عمرو: (قال السائلون: يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. وقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج. فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج). ولم يقيده بالناسي والجاهل.
• هل يجوز تقديم سعي الحج على الطواف في يوم النحر؟
ذهب بعض العلماء إلى جواز ذلك.
أ-لحديث أسامة بن شريك قال (خرجت مع رسول الله ﷺ حاجاً، وكان الناس يأتونه، فمن قائل يقول: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو أخرت شيئاً أو قدمت شيئاً، فكان يقول: لا حرج لا حرج، إلا رجلٌ اقترض عِرْضَ رجل مسلم وهو ظالم فذاك الذي حرِج وهلك) رواه أبو داود.
ب- ويؤيد ذلك قوله (ما سئل عن شيء في ذلك اليوم قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج).
قال الشيخ ابن عثيمين: لو قدم السعي على الطواف في يوم النحر جاز، خلافاً لأكثر أهل العلم.
وممن صحح حديث (سعيت قبل أن أطوف) ابن خزيمة حيث أورده في صحيحه وابن جماعة حيث قال: إسناده صحيح، وكذا قال النووي كما في المجموع.
وقد حكم بعض العلماء على رواية (سعيت قبل أن أطوف أو أخرت … ) بالشذوذ.
قال ابن القيم: وقوله (سعيت قبل أن أطوف) ليس بمحفوظ والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق، بعضها على بعض.
وجماهير أهل العلم على عدم جواز تقديم السعي على الطواف، وجعلوا الترتيب بينهما شرطاً.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- حرص النبي ﷺ على تبليغ رسالته، ولهذا وقف ليسأله الناس فجعلوا يسألونه.
- ينبغي لطالب العلم أن يقف للناس في أماكن عباداتهم ليسألوه.
- أجمع العلماء على مشروعية ترتيب هذه الأعمال كما سبق.
стр. 1371
٧٦٨ - وَعَنْ اَلْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
هذا الحديث ليس من أحاديث الحج، خلافاً لما يشعر به صنيع الحافظ، وإنما هو في عمرة الحديبية، سنة ست، حين منعت قريش النبي ﷺ وأصحابه من دخول مكة لأداء عمرتهم، فحصلت المصالحة بينهم على أن يعود ويأتي من قابل، كما في القصة المشهورة التي أخرجها البخاري وقد جاء فيها ( … فلما فرغوا من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا … ) الحديث، ثم تحلل النبي ﷺ بالذبح والحلق، وتابعه أصحابه على ذلك.
وعلى هذا فقوله (وأمر أصحابه بذلك) ليس في الحج، لأن النحر والحلق في الحج إنما كان من فعله ﷺ وليس من أمره، وأما الأمر فكان في الحديبية، ولو أن المؤلف جعل هذا الحديث في باب الإحصار لكان أولى .... (منحة العلام للفوزان).
• ولفظ الحديث كما في البخاري:
عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ. قَالَ (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ». فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيراً لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. فَقَالَ النَّاسُ حَلْ حَلْ. فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا». ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضاً، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ «بَلَى». قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ «بَلَى». قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذاً قَالَ «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِي». قُلْتُ أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ قَالَ «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ». قَالَ قُلْتُ لَا. قَالَ «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ». قَالَ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى. قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى. قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذاً قَالَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ يَعْصِى رَبَّهُ وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ قُلْتُ لَا. قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِىِّ قَالَ عُمَرُ فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالاً. قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا، قَالَ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَداً مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَداً مِنْهُمْ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضاً، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضاً غَمًّا … ).
стр. 1372
٧٦٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدَ حَلَّ لَكُمْ اَلطِّيبُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا اَلنِّسَاءَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث ضعيف ولا يصح، باتفاق أهل الحديث، وفي سنده الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.
• بما يكون التحلل الأول؟
اختلف العلماء بما يكون التحلل الأول؟
القول الأول: برمي جمرة العقبة.
وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، ونصره ابن قدامة.
وهو أحد القولين عن أمير المؤمنين عمر، وأفتى به جمع غفير من الصحابة والتابعين.
فإذا رمى حل له كل شيء إلا النساء.
أ- لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) رواه أحمد مرفوعاً، وهذا الحديث مختلف فيه، ورواه البيهقي موقوفاً.
ب- وجاء عن عمر أنه يحل بمجرد الرمي، رواه مالك في الموطأ بسند صحيح.
ج- وثبت هذا عن عائشة قالت (إذا رمى حل له كل شيء إلا النساء، حتى يطوف بالبيت، فإذا طاف بالبيت حل له النساء). إسناده صحيح، رجاله ثقات رواه ابن أبي شيبة في المصنف.
وعن ابن الزبير قال (إذا رميت الجمرة من يوم النحر، فقد حل لك ما وراء النساء). إسناده صحيح، رجاله ثقات. رواه ابن أبي خزيمة في صحيحه.
قال ابن قدامة: وهو الصحيح إن شاء الله.
القول الثاني: حصول التحلل الأول بفعل اثنين من الثلاثة: الرمي والحلق أو التقصير والطواف بالبيت.
هذا مذهب الشافعية، والصحيح المشهور في مذهب الحنابلة.
أ-لحديث عائشة ﵂، قالت (طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين، حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف، وبسطت يديها) متفق عليه.
وجه الدليل من الحديث يتبين من تراجم أهل العلم، وشروحهم له:
فقد ترجم الإمام البخاري له بقوله (باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة).
وترجم له إمام الأئمة ابن خزيمة بقوله (باب إباحة التطيب يوم النحر بعد الحلق، وقبل زيارة البيت ضد قول من زعم أن التطيب محظور حتى يزور البيت).
وترجم الإمام ابن حبان له بقوله (باب ذكر الإباحة للمحرم إذا أراد طواف الزيارة أن يتطيب بمنى قبل إفاضته).
وترجم الإمام الترمذي له بقوله (باب ما جاء في الطيب عند الإحلال، قبل الزيارة … " ثم ساقه.
стр. 1373
وقال ابن خزيمة موجها لذلك: " وفي أخبار عائشة (طيبت رسول الله ﷺ لحله قبل أن يطوف بالبيت) دلالة على أنه إذا رمى الجمرة، وذبح، وحلق، كان حلالا، قبل أن يطوف بالبيت، خلا ما زجر عنه من وطء النساء، الذي لم يختلف العلماء فيه أنه ممنوع من وطء النساء، حتى يطوف طواف الزيارة.
قال الحافظ ابن حجر: فدل ذلك. على أن تطييبها له وقع بعد الرمي، وأخذه من حديث الباب من جهة التطيب، فإنه لا يقع إلا بعد التحلل، والتحلل الأول يقع بأمرين من ثلاثة: الرمي، والحلق، والطواف. فلولا أنه حلق بعد أن رمى لم يتطيب.
وقال الإمام الشنقيطي في دلالة الحديث على المسألة: " وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق .. إلى أن قال: والتحقيق أن الطيب يحل له بالتحلل الأول؛ لحديث عائشة المتفق عليه، الذي هو صريح بذلك.
قلت: ومما يوضح دلالة الحديث على أن التحلل الأول حصل بالرمي والحلق معاً وجوه:
الأول: أن أعمال الحج التي فعلها رسول الله ﷺ يوم النحر في حجته تلك أنه رمى جمرة العقبة، ثم نحر، ثم حلق، ثم طاف بالبيت، كما ثبت ذلك عنه ﵇ من حديث أنس بن مالك ﵁، ولفظه (أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر، ثم قال للحلاق: " خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس).
وفي رواية (لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة، ونحر نسكه، ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: " احلق " فحلق فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس) أخرجه مسلم.
وقد جاء في حديث عائشة ﵂ التصريح بأنها طيبت رسول الله ﷺ لحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت، وتقييدها الإحلال بقبلية طواف الزيارة يدل على أن الرمي، والحلق، قد تحقق فعلهما قبل الطواف، وأن الحل حصل بهما.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويؤخذ ذلك من كونه ﷺ في حجته رمى، ثم حلق، ثم طاف. فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: " قبل أن يطوف.
وقال زين الدين أبو الفضل العراقي ﵀ في شرحه للحديث: فيه دليل على إباحة التطيب بعد رمي جمرة العقبة والحلق وقبل طواف الإفاضة، وهو المراد بالطواف هنا. وإنما قلنا: بعد رمي جمرة العقبة والحلق؛ لأنه ﵇ رتب هذه الأفعال يوم النحر هكذا: فرمى، ثم حلق، ثم طاف.
فلولا أن التطيب كان بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: قبل أن يطوف بالبيت.
وقال النووي: وقولها في الرواية الأخرى (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) فيه تصريح بأن التحلل الأول يحصل بعد رمي جمرة العقبة والحلق، قبل الطواف. وهذا متفق عليه
стр. 1374
٧٧٠ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَيْسَ عَلَى اَلنِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث مختلف فيه، فصححه النووي وأبو حاتم وابن حجر، وضعفه جمع من أهل العلم.
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
نستفيد: أن النساء ليس عليهن حلق، وإنما تقصير، وهذا بالإجماع.
قال ابن قدامة: لا خلاف في ذلك.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم.
أ- لحديث الباب.
ب- أنه ليس من عمل نساء الصحابة ومن بعدهم، وفي الحديث (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
ج- أن حلقه تشبه بالرجال، وهو حرام، وقد قال ﷺ (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال).
د-أنه مثلة، والمثلة لا تجوز، وكونه مثلة واضح، لأن شعر رأسها من جمالها.
قال ابن قدامة: لأن الحلق في حقهن مُثْله.
وقال الإمام النووي في المجموع: أجمع العلماء على أنه لا تؤمر المرأة بالحلق بل وظيفتها التقصير من شعر رأسها؛ لأنه بدعة في حقهن ومُثلة.
• ما كيفية تقصير المرأة؟
تقصر قدر أنملة.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٧/ ٣٢٩): " قوله: "وتقصر منه المرأة قدر أنملة "، أي: أنملة الأصبع وهي مفصل الإصبع، أي أن المرأة تمسك ضفائر رأسها إن كان لها ضفائر، أو بأطرافه إن لم يكن لها ضفائر، وتقص قدر أنملة، ومقدار ذلك اثنان سنتيمتر تقريباً، وأما ما اشتهر عند النساء أن الأنملة أن تطوي المرأة طرف شعرها على إصبعها فمتى التقى الطرفان فذاك الواجب فغير صحيح.
• وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: بعض شعور النساء يكون مدرَّجاً، كما يسمينه أي ليس بقرون يقصر منها قدر أنملة، فكيف يتحقق تعميمه بالتقصير؟
فأجاب: يؤخذ من كل درجة.
ثم سألته: لكنه غير متمايز؟
فأجاب: يكفي إذن أن يؤخذ من أسفله.
стр. 1375
٧٧١ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄: (أَنَّ اَلْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ﵁ اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٧٧٢ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ لِرُعَاة اَلْإِبِلِ فِي اَلْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ اَلنَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ اَلْغَدِ لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ اَلنَّفْرِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.
===
(أَنَّ اَلْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ) عم النبي ﷺ المتوفى سنة (٣٢).
(اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى) المراد بها ليلة الحادي عشر واللتين بعده.
(مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، المراد بها سقاية الحجيج من ماء زمزم، وكان العباس بن عبد المطلب هو القائم بها زمن النبوة.
(فَأَذِنَ لَهُ) أي: أذِن النبي ﷺ للعباس أن يبيت تلك الليالي بمكة، ويترك المبيت بمنى، وفي رواية (رخص رسول الله ﷺ للعباس أن يبيت بمكة … ).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: مشروعية المبيت بمنى ليالي التشريق، وهي: الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة لمن تأخر.
قال النووي: وهذا متفق عليه.
• هل المبيت بمنى ليالي التشريق واجب أم سنة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
أصحهما: أن المبيت بمنى أيام التشريق واجب.
وهو قول الجمهور فقد ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة وبه قال الشوكاني.
أ-أن النبي ﷺ بات بمنى، وقال: (خذوا عني مناسككم).
ب- حديث الباب (رخص للعباس بن عبدالمطلب أن يبيت بمكة ليالي منى .... ).
ووجه الدلالة: أن تخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره من الحجاج.
ج-ورود بعض الآثار عن عمر بن الخطاب وابنه عبدالله وابن عباس ﵃ جميعاً- بمنع الحجاج من المبيت خارج منى.
• ما مقدار المبيت الواجب بمنى؟
اختلف العلماء في مقدار المبيت المجزئ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن القدر المجزئ هو أن يكون موجوداً بمنى عند طلوع الفجر.
وهو أحد القولين في مذهب الشافعية.
ودليل هذا القول: القياس على المبيت ليلة المزدلفة فإن النبي ﷺ قال ليلتها في حديث عروة بن المضرِّس (من شهد صلاتنا هذه - يعني صلاة الصبح - ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه).
وقد أجيب عن هذا: أن عروة كان معذوراً في عدم مبيته بمزدلفة.
стр. 1376
القول الثاني: أنه لا فرق بين المبيت أكثر الليل أو أقله.
وبه قال ابن حزم.
ودليل هذا القول: إن لم يرد دليل على التحديد فلا يصار إلى شيء من ذلك إلا بدليل.
القول الثالث: أن المقدار المجزئ هو أكثر الليل.
وهذا مذهب الجمهور من المالكية وهو الأظهر عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة.
أ-ومن أدلتهم: أن النبي ﷺ رخص للضعفة من أهله أن يدفعوا بعد منتصف الليل.
ووجه الدلالة: أن الترخيص للضعفة إنما كان لعذرهم فيدل هذا على أن من عداهم يبقون أكثر الليل.
ب- أن أكثر الشيء يقوم مكانه ممن بات أكثر الليل صار في حكم من بات جميعه.
وهذا القول هو الراجح.
• هل يجوز لأهل الأعذار المبيت خارج منى؟
نعم.
فالنبي ﷺ أرخص للعباس أن يبيت بمكة، وأرخص لرعاة الإبل.
• هل يعذر غير هؤلاء؟
قال الشيخ ابن عثيمين: ومثل ذلك في وقتنا الحاضر رجال المرور، والأمن، ومن ذلك الأطباء، فإنه يسمح لهم في ترك المبيت، فكل من يشتغل بمصلحة عامة يعذر في ترك المبيت قياساً على السقاية والرعاية.
• إن كان لمصلحة خاصة، مثل: مرض أو خوف، أو ضياع مال، هل يرخص له؟
نعم.
قال ابن القيم: وإذا كان النبي ﷺ قد رخص لأهل السقاية، وللرعاة في ترك البيتوتة، فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضاً لا تُمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء.
قال في المغني: وأهل الأعذار كالمرض ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم، كالرعاة في ترك البيتوتة.
• الخلاصة:
ترك المبيت بمنى ليال أيام التشريق على تفصيل:
الحالة الأولى: إذا كان ترك المبيت بمنى لعذر.
سئل الشيخ ابن باز عن حكم من لم يستطع المبيت في منى أيام التشريق فقال:
لا شيء عليه لقول الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) سواء كان تركه المبيت لمرض أو عدم وجود مكان أو نحوهما من الأعذار الشرعية كالسقاة والرعاة ومن في حكمهما.
الحالة الثانية: إذا ترك المبيت ليال أيام التشريق لغير عذر.
قال الشيخ ﵀: من ترك المبيت بمنى أيام التشريق بدون عذر فقد ترك شيئاً شرعه رسول الله ﷺ بقوله وفعله وبدلالة ترخيصه لبعض أهل الأعذار مثل الرعاة وأهل السقاية. والرخصة لا تكون إلا مقابل العزيمة، ولذلك اعتبر المبيت بمنى أيام التشريق من واجبات الحج في أصح قولي أهل العلم، ومن تركه بدون عذر شرعي فعليه دم، لما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال (من ترك نسكاً أو نسيه فليرق دماً) ويكفيه دم واحد عن ترك المبيت أيام التشريق.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- المراد بالمبيت: الإقامة بمنى أكثر الليل.
- الرخصة في عدم المبيت في منى لصاحب سقاية الحاج ولرعاة الإبل.
- يسر الشريعة الإسلامية.
стр. 1377
٧٧٣ - وَعَنْ أَبِي بِكْرَةَ ﵁ قَالَ: (خَطَبَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ اَلنَّحْرِ … ) اَلْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٧٧٤ - وَعَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ ﵂ قَالَتْ: - خَطَبَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ اَلرُّءُوسِ فَقَالَ: " أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ؟ " - اَلْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
===
(يَوْمَ اَلنَّحْرِ) هو يوم العيد.
(وَعَنْ سَرَّاءَ) بفتح السين وتشديد الراء، بنت نبهان صحابية.
(يَوْمَ اَلرُّءُوسِ) هو اليوم الثاني من التشريق، سمي بذلك لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي.
(أَوْسَطَ أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ) هو اليوم الثاني من أيام التشريق، وأيام التشريق هي: ١١، ١٢، ١٣ من ذي الحجة، وسميت بذلك: لأنهم كانوا يشرقون لحوم الأضاحي
ماذا نستفيد من الحديثين؟
نستفيد: مشروعية الخطبة يوم النحر، وكذلك ثاني أيام التشريق.
• كم عدد خطبه ﷺ في حجته؟
الظاهر من سياق أحاديث حجته ﷺ أنه ﷺ خطب ثلاث خطب.
الأولى: يوم عرفة بعرفة.
والثانية: يوم النحر بمنى.
والثالثة: أوسط أيام التشريق بمنى.
• اذكر خطبة النبي ﷺ يوم عرفة؟
في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي وفيه ( … فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعاً فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ». قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ». ثَلَاثَ مَرَّات). رواه مسلم
• اذكر خطبة النبي ﷺ يوم النحر؟
عَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ - ثُمَّ قَالَ - أَيُّ شَهْرٍ هَذَا». قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ - فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ «أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ». قُلْنَا بَلَى. قَالَ «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا». قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ - فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ «أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ». قُلْنَا بَلَى. قَالَ «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا». قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ - فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ». قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِى كُفَّاراً - أَوْ ضُلاَّلاً - يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ». ثُمَّ قَالَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ) متفق عليه.
стр. 1378
• اذكر خطبة النبي ﷺ في أيام التشريق؟
جاء في لفظ أنه ﵇ قال: هل تدرون أي يوم هذا؟ قال: هو اليوم الذي يدعون يوم الرؤوس قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أوسط أيام التشريق، هل تدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا المشعر الحرام، ثم قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت، فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلاً حتى مات).
قال في عون المعبود: وهذه هي الخطبة الثالثة بعد صلاة الظهر فعلها ليعلم الناس بها المبيت، والرمي في أيام التشريق وغير ذلك؛ مما بين أيديهم.
وقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره؛ لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا.
• اذكر أسماء أيام الحج؟
اليوم الثامن: يوم التروية.
اليوم التاسع: يوم عرفة.
اليوم العاشر: يوم النحر.
اليوم الحادي عشر: يوم القر، لأن الناس يقرون في منى.
اليوم الثاني عشر: يوم النفر الأول.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- يوم النحر هو العيد، وهو يوم الحج الأكبر، قال ﷺ : (يوم الحج الأكبر يوم النحر)، وسمي بذلك لأن معظم أيام الحج ومناسكه فيه.
• ما أفضل أيام الدنيا؟
اختلف العلماء في ذلك، على قولين:
القول الأول: يوم النحر أفضل.
لقوله ﷺ : (أفضل الأيام عند الله يوم النحر). رواه أبو داود
القول الثاني: يوم عرفة.
وهذا المشهور عند أصحاب الشافعي. قالوا:
أ- لأن صيامه يكفر سنتين.
ب- وما من يوم يعتق الله فيه الرقاب أكثر منه في يوم عرفة.
ج- ولأنه يدنو فيه من عباده ثم يباهي ملائكته بأهل الموقف.
والراجح القول الأول.
قال ابن القيم: لأن الحديث الدال عليه لا يعارضه شيء يقاومه.
стр. 1379
٧٧٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا (طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ اَلصَّفَا وَاَلْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
• اذكر لفظ الحديث عند مسلم؟
الحديث لفظه عند مسلم: عن عائشة أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال النبي ﷺ يوم النفر (يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد للحج والعمرة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة وهو قول جمهور العلماء ويدل لذلك:
أ- عن عائشة قالت (خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع … وفيه: فأما الذين جمعوا الحج والعمرة (وهم القارنون) فإنما طافوا طوافاً واحداً) متفق عليه.
ب- وعن جابر قال (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً) رواه مسلم.
قال النووي ﵀ (لَمْ يَطُفْ رَسُول اللَّه ﷺ وَلا أَصْحَابه) يَعْنِي النَّبِيّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابه قَارِنًا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يَسْعَوْا بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلا مَرَّة وَاحِدَة، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ سَعَى سَعْيَيْنِ، سَعْيًا لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ سَعْيًا آخَر لِحَجِّهِ يَوْم النَّحْر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلالَة ظَاهِرَة لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ الْقَارِن لَيْسَ عَلَيْهِ إِلا طَوَاف وَاحِد لِلإِفَاضَةِ وَسَعْي وَاحِد.
ج- ولأن النبي ﷺ كان قارناً ولم يطف بعد عرفة إلا طوافاً واحداً، وأما طوافه الأول حين قدم، فهو طواف القدوم.
وسئل الشيخ ابن عثيمين: هل يكفي طواف واحد وسعي واحد للقارن؟
فأجاب: إذا حج الإنسان قارناً فإنه يجزئه طواف الحج، وسعي الحجّ عن العمرة والحج جميعاً، ويكون طواف القدوم طواف سنّة وإن شاء قدم السعي بعد طواف القدوم كما فعل النبي ﷺ ، وإن شاء أخره إلى يوم العيد، بعد طواف الإفاضة، ولكن تقديمه أفضل لفعل النبي ﷺ ، فإذا كان يوم العيد فإنه يطوف طواف الإفاضة فقط، ولا يسعى لأنه سعى من قبل، والدليل على أن الطواف والسعي يكفيان للعمرة والحج جميعاً قول الرسول ﷺ لعائشة ﵂ وكانت قارنة: (طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجِك وعمرتك) رواه أبو داود وصححه الألباني، فبيّن النبي ﷺ أن طواف القارن وسعي القارن يكفي للحج والعمرة جميعاً.
قال ابن قدامة ﵀: المشهور عن أحمد، أن القارن بين الحج والعمرة، لا يلزمه من العمل إلا ما يلزم المفرد، وأنه يجزئه طواف واحد، وسعي واحد، لحجه وعمرته. وهذا قول ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر
وقال الشيخ الشنقيطي ﵀: أما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون: بأن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف زيارة واحد، وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد، فاحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها.
стр. 1380
• كم سعي على المتمتع؟
اختلف العلماء في المتمتع، هل يكفيه سعي واحد على قولين:
القول الأول: أنه لا يكفيه، بل عليه سعيان، سعي لعمرته، وسعي لحجته بعد إفاضته من عرفات.
أ- لحديث عائشة ﵂ قالت (خرجنا مع رسول الله ﷺ فذكرت الحديث، وفيه فقالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم) رواه البخاري ومسلم.
وقولها ﵂ عن الذين أهلوا بالعمرة - (ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم) تعني به: الطواف بين الصفا والمروة، على أصح الأقوال في تفسير هذا الحديث.
وأما قول من قال: أرادت بذلك طواف الإفاضة، فليس بصحيح؛ لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع وقد فعلوه، وإنما المراد بذلك: ما يخص المتمتع، وهو الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بعد الرجوع من منى لتكميل حجه، وذلك واضح بحمد الله، وهو قول أكثر أهل العلم.
ويدل على صحة ذلك أيضاً ما رواه البخاري في الصحيح تعليقاً مجزوماً به، عن ابن عباس ﵄، أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أَهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ ، في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : (اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي)، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: (من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله)، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة). انتهى المقصود منه، وهو صريح في سعي المتمتع مرتين.
القول الثاني: أن المتمتع يكفيه سعي واحد.
وبهذا قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، وهذا اختيار ابن تيمية ﵀.
لحديث جابر (أن النبي ﷺ وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافهم الأول) رواه مسلم
قال ابن القيم: من تمسك بهذا الحديث، هذا نص صحيح، صرح فيه جابر بأن النَّبي ﷺ لم يطف هو ولا أصحابه إلا طوافاً واحداً، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي، ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد.
لكن الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الجواب الأول: بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النَّبي ﷺ الذين لم يطوفوا إلا طوافاً واحداً للعمرة والحج، خصوص القارنين منهم، كالنَّبي ﷺ .
قال النووي: قَوْله: (لَمْ يَطُفْ رَسُول اللَّه ﷺ وَلَا أَصْحَابه بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَهُوَ طَوَافه الْأَوَّل) يَعْنِي النَّبِيّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابه قَارِنًا، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَسْعَوْا بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ سَعَى سَعْيَيْنِ، سَعْيًا لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ سَعْيًا آخَر لِحَجِّهِ يَوْم النَّحْر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة ظَاهِرَة لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ الْقَارِن لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا طَوَاف وَاحِد لِلْإِفَاضَةِ وَسَعْي وَاحِد.
الجواب الثاني: أن يقال: إن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى، وحديث عائشة وحديث ابن عباس يثبتانه، وقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم حديث ابن عباس وعائشة، لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي.
الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح ابن عباس، وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد.
стр. 1381
٧٧٦ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي اَلسَّبْعِ اَلَّذِي أَفَاضَ فِيهِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
الحديث فيه ضعف، فيه ابن جريج وهو من المدلسين، وقد أعل أيضاً بالإرسال.
والحديث دليل على أن الرمل لا يكون إلا في طواف القدوم كما تقدم، ولا يكون في طواف الإفاضة، وقد تقدم ذلك.
стр. 1382
٧٧٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى اَلْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٧٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ -أَيْ: اَلنُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ- وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلاً أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(بِالْمُحَصَّبِ) على وزن محمد، وهو اسم مكان متسع بين جبلين، وهو إلى منى أقرب من مكة، سمي بذلك لكثرة ما به من الحصى.
(بِالْأَبْطَحِ) وهو المحصب. قال النووي: وَ (الْمُحَصَّبُ) بِفَتْحِ الْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَالْحَصْبَة) بِفَتْحِ الْحَاء وَإِسْكَان الصَّاد، وَ (الْأَبْطَح) وَالْبَطْحَاء وَخَيْف بَنِي كِنَانَة اِسْم لِشَيْءِ وَاحِد، وَأَصْل الْخَيْف كُلّ مَا اِنْحَدَرَ عَنْ الْجَبَل وَارْتَفَعَ عَنْ الْمِيل.
• هل نزول المحصب سنة أم وقع اتفاقاً؟
اختلف العلماء في ذلك والصحيح أنه سنة.
وهو مذهب جمهور العلماء.
قال النووي: … فَحَصَل خِلَاف بَيْن الصَّحَابَة ﵃. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور اِسْتِحْبَابه اِقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَغَيْرهمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء وَيَبِيتُ بِهِ بَعْض اللَّيْل أَوْ كُلّه اِقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه ﷺ .
قال في طرح التثريب: وهو قول الأئمة الأربعة.
أ-لفعل النبي ﷺ ، كما في حديث أنس.
ب- عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى (نَحْنُ نَازِلُونَ غَداً بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ، وَذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشاً وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْنِى بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ) متفق عليه.
فالمحصب والأبطح والبطحاء وخيف بني كنانة أسماء للموضع الذي نزل به رسول الله ﷺ حين خرج من مكة يوم النفر قبل أن يودع، وهو موضع بين مكة ومنى.
وهذا يدل على أن نزوله ﷺ بالمحصب كان قصداً، لهذه المصلحة، شكراً لله تعالى.
قال النووي: قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: وَكَانَ نُزُوله ﷺ هُنَا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الظُّهُور بَعْد الِاخْتِفَاء، وَعَلَى إِظْهَار دِين اللَّه تَعَالَى.
ب- وعن ابن عمر (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح) رواه مسلم.
ب- ولفعل الصحابة، فعن سالم: (أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون بالأبطح).
القول الثاني: ليس بسنة.
وهذا مروي عن ابن عباس وعائشة.
أما عائشة، فلحديث الباب (أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ -أَيْ: اَلنُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ- وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلاً أَسْمَحَ لِخُرُوجِه).
وأما ابن عباس فقال (التحصيب ليس بشيء، وإنما منزل نزله رسول الله ﷺ متفق عليه
والصحيح الأول.
فإن قيل: ما الجواب عن ما ورد عن عائشة وابن عباس؟
قال الحافظ: والحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه دم، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك.
стр. 1383
٧٧٩ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (أُمِرَ اَلنَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْحَائِضِ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أُمِرَ اَلنَّاسُ) الآمر هو النبي ﷺ ، كما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : (لا ينصرفنّ أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت).
(أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ) أي: الطواف.
(إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ) أي: طواف الوداع.
(عَنِ الْحَائِضِ) وفي معناها النفساء.
• ما حكم طواف الوداع للحاج؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
أولاً: أنه واجب.
قال النووي: وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء، منهم: الحسن البصري، والحكم، وحماد، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وهذا القول هو الصحيح.
أ- لحديث الباب، ووجه الدلالة من وجهين:
الأول: الأمر بطواف الوداع، بقوله (أمِر) وفي رواية لمسلم (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).
الثاني: أنه قال (خفف عن الحائض) والتخفيف لا يقال إلا في مقابل الإلزام.
قال الحافظ في الفتح: فِيهِ دَلِيل عَلَى وُجُوب طَوَاف الْوَدَاع لِلأَمْرِ الْمُؤَكَّد بِهِ وَلِلتَّعْبِيرِ فِي حَقّ الْحَائِض بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّخْفِيف لا يَكُون إِلا مِنْ أَمْر مُؤَكَّد " انتهى. ونحوه قاله النووي في "شرح مسلم".
ب- ولحديث ابن عباس قال (كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله ﷺ (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أن النهي عن النفر قبل طواف الوداع دليل على الوجوب.
القول الثاني: أنه سنة لا شيء في تركه.
وبه قال مالك وداود وابن المنذر.
قالوا: إن طواف الوداع لا يجب على الحائض والنفساء، ولو كان واجباً لوجب عليهما كطواف الإفاضة
والقول الأول هو الصحيح، وأن من تركه عليه دم.
• ماذا نستفيد من قوله (إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْحَائِضِ)؟
نستفيد: سقوط طوف الوداع عن الحائض.
قال في المغني: هو قول عامة الفقهاء.
قال النووي: هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة، إلا ما حكاه ابن المنذر عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت.
• وهل يسقط عن النفساء أم لا؟
فالصحيح نعم، أنه يسقط عن النفساء خلافاً لابن حزم.
стр. 1384
• ما حكم طواف الوداع للمعتمر؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه سنة.
وهذا قول جمهور العلماء، وحكاه ابن عبد البر إجماعاً.
أ- أن الصحابة ﵃ لما حلوا من عمرتهم في حجة الوداع، خرجوا إلى منى وعرفة، ولم يؤمروا بطواف الوداع، ولو كان واجباً لأمروا به.
ب- ولأنه ﷺ لم يطف للوداع عند خروجه من مكة بعد عمرة القضاء والجعرانة.
ج-ولأن الأحاديث لم تأت إلا بأمر الحاج به، ففي حديث ابن عمر المخرّج عند ابن خزيمة (أمر الحاج .. ) وكذلك رواية ابن عباس عند الشافعي، فتخصيصه بالحاج يدل على أن المعتمر على خلافه.
وحديث (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) أمر للحجاج بدليل قرينة الحال، لأنه ﷺ قاله عند الفراغ من الحج إرشاداً للحجاج.
قال الشيخ ابن باز: المعتمر لا وداع عليه في أصح قولي العلماء.
القول الثاني: أنه يجب على المعتمر وداع.
وبه قال الثوري.
قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا القول هو الراجح، … وقال: طواف الوداع واجب على كلِّ إنسان مغادر مكة وهو حاج أو معتمر، للأدلة التالية:
أ- عموم قوله: (لا ينفر واحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).
وهذا شامل (واحدٌ) نكرة في سياق النفي، أو في سياق النهي، فتعم كل من خرج.
ب- أن العمرة كالحج، سماها النبي ﷺ حجاً أصغر، كما في حديث عمرو بن حزم المشهور الذي تلقته الأمة بالقبول: (والعمرة هي الحج الأصغر).
ج-أن النبي ﷺ قال ليعلى بن أمية: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك).
فإذا كنت تصنع طواف الوداع في حجك، فاصنعه في عمرتك، ولا يخرج من ذلك إلا ما أجمع العلماء على خروجه، مثل: الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار، فإن هذا بالإجماع ليس مشروعاً في العمرة. (انتهى كلام الشيخ).
د- حديث الحارث بن عبد الله بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت) رواه الترمذي، لكنه ضعيف.
والراجح أن طواف الوداع للعمرة سنة.
لكن ينبغي للإنسان أن يفعله خروجاً من الخلاف وأبرأ للذمة. والله أعلم.
فائدة: أجمع العلماء على أن المعتمر إذا اعتمر ثم خرج مباشرة، أنه لا يجب عليه طواف وداع، كأن يقدم مكة فيطوف ويسعى ويحلق ثم يخرج مباشرة، فهذا لا طواف عليه.
стр. 1385
• هل على أهل مكة طواف وداع؟
أهل مكة ليس عليهم أن يطوفوا للوداع؛ لأن الطواف وجب توديعا للبيت، وهذا المعنى لا يوجد في أهل مكة لأنها وطنهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في بيانه أن طواف الوداع ليس من أركان الحج التي لا بد منها: ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم، ولا طواف وداع؛ لانتفاء معنى ذلك في حقهم، فإنهم ليسوا بقادمين إليها ولا مودعين لها ما داموا فيها.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: ليس على أهل مكة طواف وداع.
وهذا الأمر يشمل كل من كان داخل حدود الحرم.
قال ابن قدامة: ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي، لا وداع عليه.
لكن إذا أراد شخص من أهل مكة أن يسافر منها بعد أداء المناسك فإنه يلزمه طواف الوداع قبل الخروج من مكة.
قال النووي ﵀: قال أصحابنا: من فرغ من مناسكه، وأراد المقام بمكة، ليس عليه طواف الوداع، وهذا لا خلاف فيه، سواء كان من أهلها، أو غريبا، وإن أراد الخروج من مكة إلى وطنه أو غيره طاف للوداع.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا كان الرجل من أهل مكة، وحج وسافر بعد الحج، فليطف للوداع؛ لقول النبي ﷺ : " لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) مسلم، وهذا عام، فنقول لهذا المكي: ما دمت سافرت في أيام الحج، وقد حججت، فلا تسافر حتى تطوف.
• هل على أهل جدة طواف وداع؟
نعم يجب عليهم طواف الوداع عند الخروج من مكة.
لعموم الأدلة.
قال الشيخ ابن عثيمين: من كان من أهل جدة فإنه يجب عليه أن لا يخرج من مكة حتى يودع.
فائدة: قال بن قدامة: إذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل مفارقة البنيان، رجعت فاغتسلت وودعت، لأنها في حكم الإقامة، بدليل أنها لا تستبيح الرخص.
• اذكر بعض أخطاء الناس في طواع الوداع؟
الناس يخطئون في طواف الوداع في أمور:
الأول: أن بعض الناس لا يجعل الطواف آخر أمره؛ بل ينزل إلى مكة ويطوف طواف الوداع، وقد بقي عليه رمي الجمرات، ثم يخرج إلى منى فيرمي الجمرات ثم يغادر، وهذا خطأ، ولا يجزئ طواف الوداع في مثل هذه الحال، وذلك لأنه لم يكن آخر عهد الإنسان بالبيت الطواف؛ بل كان آخر عهده رمي الجمرات.
الثاني: أن بعض الناس يطوف للوداع ويبقى في مكة بعده، وهذا يوجب إلغاء طواف الوداع، وأن يأتي ببدله عند سفره. نعم لو أقام الإنسان في مكة بعد طواف الوداع لشراء حاجة أو لتحميل العفش أو ما أشبه ذلك فهذا لا بأس به.
الثالث: أن بعض الناس إذا طاف للوداع وأراد الخروج من المسجد رجع القهقرى، أي: رجع على قفاه، يزعم أنه يتحاشى بذلك تولية الكعبة ظهره، وهذا بدعة لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ورسول الله ﷺ أشد منا تعظيماً لله تعالى ولبيته، ولو كان هذا من تعظيم الله وبيته لفعله ﷺ . وحينئذ فإن السنة إذا طاف الإنسان للوداع أن يخرج على وجهه ولو ولى البيت ظهره في هذه الحالة.
الرابع: أن بعض الناس إذا طاف للوداع ثم انصرف ووصل إلى باب المسجد الحرام اتجه إلى الكعبة وكأنه يودّعها، فيدعو أو يُسلِّم أو ما أشبه ذلك، وهذا من البدع أيضاً لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولو كان خيراً لفعله النبي ﷺ ".
стр. 1386
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
• قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: من طاف للإفاضة قبل الرمي، ونوى في طوافه أن الطواف طواف إفاضة ووداع، فهذا لا يجزئه عن الوداع، لأنه لم يكمل أعمال الحج بعد، ولو كان طوافه المذكور بعد فراغه من الرمي اكتفى به عن الوداع، ولم يقم بعده، بل سافر في الحال كفاه عن طواف الوداع.
• قال في المغني: إذا طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة، فعليه إعادته.
وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور.
لحديث الباب.
• رخص العلماء له في الأشياء التي يفعلها وهو عابر وماش، مثلاً يشتري حاجة في طريقه، أو أن ينتظر رفقته متى جاءوا ركب ومشى، ومثله لو تغدى أو تعشى.
• قول بعض الفقهاء: تقف الحائض والنفساء على باب المسجد … ، هذا فيه نظر، فقد انعقد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يندب إليه، فلما حاضت صفية قال: (فلتنفر) فقد خفف عنها النبي ﷺ طواف الوداع، ولم يشرع لها الدعاء عند الباب.
• واجبات الحج.
١ - اَلْإِحْرَامُ مِنْ اَلْمِيقَاتِ.
فيجب على الحاج أو المعتمر أن يحرم من الميقات، ولا يجوز أن يتجاوزه بغير إحرام إذا أراد الحج أو العمرة
أ-لقوله ﷺ : (يهل أهل المدينة .... ) وهذا خبر بمعنى الأمر.
ب-وقال ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة … ). رواه البخاري.
٢ - وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اَلْغُرُوبِ.
لفعل النبي ﷺ مع أنه لو دفع بالناس قبل الغروب لكان أرفق ومع ذلك وقف إلى الغروب.
ولأن الدفع قبل الغروب فيه مشابهة لأهل الجاهلية لأنهم يدفعون قبل الغروب. [الممتع: ٧].
فتأخير النبي ﷺ الدفع إلى ما بعد غروب الشمس ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب مع أن وقت المغرب قد دخل، يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وكأنه ﵇ ممنوع حتى تغرب الشمس.
٣ - وَالْمَبِيتُ لَيْلَةَ اَلنَّحْرِ بِمُزْدَلِفَةَ.
فالمبيت بمزدلفة من واجبات الحج، وهذا قول الأكثر.
لقوله تعالى (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).
وقال ﷺ (وقفت ههنا وجمْع كلها موقف) رواه مسلم.
وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك سنة، وذهب بعضهم إلى أنه ركن، وتقدم ذلك كله.
٤ - المبيت بمنى أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ.
أي: ومن واجبات الحج المبيت بمنى ليالي التشريق.
لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ﵁ اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي رواية (رخص).
فالعباس استأذن رسول الله ﷺ فأذن له، ولو لم يكن واجباً ما احتاج إلى الاستئذان.
стр. 1387
٥ - وَرَمْيُ اَلْجِمَارِ.
لقوله ﷺ (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) رواه الترمذي.
لأنه عمل يترتب عليه الحل فكان واجباً ليكون فاصلاً بين الحل والإحرام.
٦ - وَالْحَلْقُ أَوْ اَلتَّقْصِيرُ.
لأن الله جعله وصفاً في الحج والعمرة فقال: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ)
٧ - طواف الوداع.
عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (أُمِرَ اَلنَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْحَائِضِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية (لا ينصرفنّ أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت).
• الفرق بين ترك الأركان وترك الواجبات.
إذا ترك الحاج ركن من أركان الحج:
فإن كانت الإحرام - وهي النية -لم ينعقد نسكه لحديث (إنما الأعمال بالنيات).
وإن ترك ركناً من أركان الحج - غير النية - لم يتم حجه حتى يأتي به، فإذا كان الركن مما يفوت فالحج لاغ، كما لو ترك الوقوف بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد.
وإن ترك واجباً فعليه دم.
عن ابن عباس قال: (من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً). رواه مالك
هذا الدم جبران لا شكران، وعليه فيجب أن يتصدق بجميعه على فقراء الحرم ويذبح في الحرم ويوزع في الحرم. (وهذا ما عليه جماهير العلماء).
стр. 1388
٧٨٠ - وَعَنِ اِبْنِ اَلزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي بِمِائَةِ صَلَاةٍ - رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
• ما صحة الحديث؟
الحديث إسناده صحيح.
• كم مقدار الصلاة في المسجد النبوي؟
مقدار الصلاة فيه عن ألف صلاة فيما سوى المسجد الحرام.
وفي الصحيحين قال ﷺ (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).
• هل المضاعفة خاص بمسجد الرسول ﷺ الذي بناه أو يشمل الزيادة التي طرأت على المسجد بعد وفاته؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الصلاة تضاعف فيها كما تضاعف في أصل المسجد.
وهذا مذهب الجمهور.
قال ابن رجب ﵀: وحكم الزيادة حكم المزيد فيه في الفضل أيضاً، فما زيد في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ كله سواء في المضاعفة والفضل.
وقد قيل: إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف، إنما خالف فيه بعض المتأخرين من أصحابنا، منهم ابن عقيل وابن الجوزي، وبعض الشافعية.
القول الثاني: أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده ﷺ الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده.
ورجح هذا النووي.
والراجح الأول.
والله أعلم.
• ما فضل الصلاة في المسجد الحرام؟
الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) متفق عليه.
وقد جاء عند ابن ماجه (وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه).
• هل هذا الفضل يشمل جميع الحرام أم فقط خاص بمسجد الكعبة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن المضاعفة خاصة بالمسجد الذي فيه الكعبة.
وهذا مذهب المالكية، وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء منهم النووي والمحب الطبري، وابن مفلح، وابن حجر الهيتمي واختاره ابن عثيمين ﵏.
أ- لقوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ).
وجه الدلالة: أن الإسراء بالنبي ﷺ كان من مسجد الكعبة، كما يدل على ذلك حديث أنس قال (أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة) فدل ذلك على أن المراد بالمسجد الحرام في مضاعفة الصلاة، مسجد الكعبة.
стр. 1389
ب- ولقوله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام) والمقصود أن الاستقبال في هذه الآية للكعبة.
ج-ولحديث ميمونة. أن النبي ﷺ قال (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواها من المساجد إلا مسجد الكعبة) رواه مسلم.
وجه الدلالة: قوله (إلا مسجد الكعبة) وهذا نص، حيث فسرت هذه الرواية، الروايات الأخرى التي فيها ذكر المسجد الحرام.
القول الثاني: أن المضاعفة عامة في جميع الحرم.
وهو مذهب الحنفية، والشافعية، وقول للحنابلة، واختاره ابن القيم والشيخ ابن باز.
أ- لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا).
فهذه الآية تدل على أن المقصود بالمسجد الحرام هو الحرم كله وليس المسجد فقط، قال ابن حزم بلا خلاف.
ب-أن النبي ﷺ - عندما كان في صلح الحديبية - (أخرجه أحمد مطولاً ٤/ ٣٢٣) كان يصلي في الحرم مع أن إقامته في الحديبية بالحل وذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم.
وهذا من أصرح الأدلة على أن مضاعفة الصلاة تتعلق بجميع الحرم وليس مسجد الجماعة فقط.
قال ابن القيم ﵀: وفي هذا دلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخص بها المسجد الذي هو مكان الطواف.
• هل المضاعفة تختص بالفريضة أم تشمل حتى النافلة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إن المضاعفة تختص بالفريضة فقط.
وهذا مذهب أبي حنيفة والمالكية ورجحه الطحاوي.
لقوله ﷺ : (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة).
القول الثاني: أن المضاعفة تعم صلاة الفريضة والنفل.
وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة ورجحه النووي.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: اعلم أن مذهبنا أنه لا يختص هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة؛ بل يعم الفرض والنفل جميعاً، وبه قال مطرف من أصحاب مالك. وقال الطحاوي: يختص بالفرض، وهذا مخالف إطلاق هذه الأحاديث الصحيحة. والله اعلم.
لإطلاق الأحاديث الصحيحة.
стр. 1390
قال الشيخ ابن باز: المضاعفة عامة للفرض والنفل في مسجد النبي ﷺ وفي المسجد الحرام، والنبي ﷺ لم يخص الفريضة بل قال (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).
وقال ﷺ (صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)، وهذا يعم النفل والفرض، لكن النفل في البيت أفضل، ويكون له أجر أكثر، والمرأة في بيتها أفضل ولها أجر أكثر، وإذا صلى الرجل في مسجد النبي ﷺ فرضاً أو نفلاً فله هذه المضاعفة، ومع هذا فالمشروع له أن يصلي النافلة في البيت، سنة الظهر سنة المغرب سنة العشاء سنة الفجر أفضل، وتكون له المضاعفة أكثر؛ لأن الرسول ﷺ : قال للناس: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ويخاطبهم وهو في المدينة ﵇، فدل ذلك على أن صلاتهم في بيوتهم صلاة النافلة أفضل وتكون مضاعفتها أكثر، وهكذا في المسجد الحرام.
وهذا القول هو الراجح.
فائدة: قال الحافظ ابن حجر: ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء كما نقله الثوري وغيره.
• أيهما أفضل مكة أم المدينة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن مكة أفضل.
وهذا قول الجمهور.
لحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: (رأيت رسول الله ﷺ واقفاً على الحزورة فقال: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت). رواه الترمذي وصححه.
قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف، فلا ينبغي العدول عنه.
القول الثاني: أن المدينة أفضل.
وهذا مذهب مالك.
لقوله ﷺ (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة).
قال ابن عبد البر: " هذا الاستدلال بالخبر في غير ما ورد فيه، ولا يقاوم النص الوارد في فضل مكة ".
والراجح القول الأول.
فائدة: قال النووي: وأجمعوا أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض.
стр. 1391
• كم مقدار الصلاة في المسجد الأقصى، ولماذا سمي بذلك؟
سمي بذلك: قيل: لبعده عن المسجد الحرام في المسافة.
وقيل: في الزمان، وفيه نظر، لأنه ثبت في الصحيح أن بينهما أربعين سنة.
مقدار الصلاة فيه:
قيل: عن [٥٠٠] صلاة.
جاء ذلك عند الطبراني.
والذي يظهر من كلام ابن تيمية وابن القيم ترجيح هذا القول.
وقيل: بألف صلاة.
جاء عند ابن ماجه، وهو ضعيف.
وقيل: بخمسين صلاة.
جاء عند ابن ماجه.
قال ابن القيم تعليقاً على هذه الرواية: وهذا محال، لأن مسجد الرسول ﷺ أفضل منه، والصلاة فيه تفضل على غيره بألف صلاة.
وقال الذهبي: هذا منكر جداً.
وقيل: بمائتين وخمسين صلاة.
عن أبي ذر ﵁ قال (تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل مسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مِثْل شطن فرسه من الأرض حيث يَرى منه بيت المقدس خيراً له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم (٤/ ٥٠٩) وصححه ووافقه الذهبي والألباني كما في " السلسلة الصحيحة " في آخر الكلام على حديث رقم (٢٩٠٢).
• هل التضعيف خاص بالصلاة أم يشمل جميع الأعمال الصالحة كالصوم والصدقة وغيرها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الأعمال الصالحة لا تضاعف في الحرم كالصلاة.
واستدلوا بأن الأدلة الثابتة في التضعيف مختصة بالصلاة فقط والقول بمضاعفة الطاعات الأخرى يحتاج إلى دليل ثابت.
القول الثاني: أن الأعمال الصالحة تضاعف كالصلاة.
أ-لحديث ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (من أدرك رمضان بمكة فصام وقام منه ما تيسر له كتب الله له مئة ألف شهر رمضان فيما سواه … " (أخرجه ابن ماجه، قال الألباني: الحديث موضوع.
ونوقش الاستدلال بأن الحديث لا يثبت.
ب- ولحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة) رواه البزار، والحديث ضعيف.
والصحيح القول الأول، وأنه لم يثبت دليل ينص على مضاعفة الطاعات في المسجد الحرام كمضاعفة الصلاة أي بمائة ألف، ولكن تبقى الأعمال الصالحة في الحرم لها تعظيم ومزية عن غيرها وذلك لفضيلة الحرم على الحل.
قال ابن باز ﵀: وبقية الأعمال الصالحة تضاعف - أي في الحرم - ولكن لم يرد فيها حد محدود، إنما جاء الحد والبيان في الصلاة، أما بقية الأعمال الصالحة كالصوم والأذكار وقراءة القرآن والصدقات فلا أعلم فيها نصاً ثابتاً يدل على تضعيف محدد.
стр. 1392
بَابُ اَلْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ
الفوات: أن يفوت الحج، كأن يفوته الوقوف بعرفة، حيث لم يصلها إلا بعد مضي وقتها.
فمن لم يأت عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر، ولو لحظة، ولو ماراً، فاته الحج بإجماع العلماء.
قال النووي ﵀ في (المجموع): فإذا أحرم بالحج، فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بالإجماع.
ولذلك سمي الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، لأنه بفوته يفوت الحج، وليس هناك ركن من أركان الحج إلا ويمكن تداركه إلا الوقوف بعرفة، ومن ثم قال النبي (الحج عرفة)، بخلاف الطواف لأنه ليس له وقت محدود.
فمن فاته الحج يلزمه ما يلي:
أولاً: أن يحول هذا الحج إلى عمرة، فيأتي إلى الكعبة ويطوف بالسعي ويقصر.
لأنه ليس بإمكانه إتمام الحج الآن، ولأن الحج عرفة.
لما رواه مالك في الموطأ (٨٧٠) أن أبا أيوب الأنصاري ﵁ (خَرَجَ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالنَّازِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلًا، فَاحْجُجْ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ)، وصحح إسناده النووي ﵀.
ثانياً: يلزمه القضاء والهدي.
أما وجوب القضاء والهدي، فلما رواه عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. قَالَ عِكْرِمَةُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ) رواه أبو داود (١٨٦٢) وفي لفظ: (مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ). صححه الألباني في صحيح أبي داود.
ولقول عمر لأبي أيوب ﵄: (فَإِذَا أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلًا، فَاحْجُجْ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ).
وبهذا قال الحنفية ومالك والشافعي والحنابلة.
وروى مالك عن نافع عن سليمان بن يسار (أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ، كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْيًا، إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا، وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ).
وقال ابن قدامة: الهدي يلزم من فاته الحج في أصح الروايتين. وهو قول من سمينا من الصحابة، والفقهاء، إلا أصحاب الرأي، فإنهم قالوا: لا هدي عليه … ، ولنا، حديث عطاء، وإجماع الصحابة … " انتهى.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجب القضاء إلا إذا كان واجباً عليه.
• الخلاصة:
أولاً: من فاته الحج وكان حجه فرضاً، فعليه إعادته بغير خلاف.
ثانياً: من فاته الحج وكان حجه نفلاً، فهل يلزمه إعادته أم لا؟
جماهير العلماء: يلزمه إعادته.
فهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والمذهب عند الحنابلة.
وذهب الظاهرية إلى أنه لا يلزمه إعادته.
والأول أصح.
стр. 1393
٧٨١ - عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَحَلَقَ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اِعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اَللَّهِ) أي منع، منعت قريش رسول الله ﷺ من أداء عمرته يوم الحديبية.
قال تعالى (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) الآية نزلت في صد المشركين النبي ﷺ وأصحابه وهم محرمون بعمرة.
• ما هو الإحصار؟
الإحصار في اللغة: المنع.
وفي الشرع: هو منع المحرمين من المضي للحج أو العمرة أو كليهما من جميع الطرق.
• هل يجوز للمحصر أن يتحلل إذا أحصر بعدو؟
فقد أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا حصره العدو من المشركين وغيرهم فمنعوه الحج ولم يجد طريقاً آمناً يوصله إليه جاز له التحلل من إحرامه.
وإلى هذا ذهب الإمام مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد ﵏ جميعاً.
وقد روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس.
وذلك لأن الله تعالى قد نص على جواز التحلل عند الحصر بقوله (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي).
ولأن النبي ﷺ أمر أصحابه يوم أحصروا بالحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا.
وسواء كان الإحرام بالعمرة فقط أو بالحج أو بهما معاً لا خلاف فيه بين علماء الأمصار سوى ما نسب إلى ابن سيرين أنه قال: لا إحصار في العمرة لأنها غير مؤقتة ولا يخشى فواتها.
• ما الواجب على المحصر؟
أولاً: الهدي.
لقوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ).
قال الشنقيطي: هذه الآية نزلت في صد المشركين النبي ﷺ وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء.
стр. 1394
وجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
• ما الحكم إذا لم يكن مع المحصر هدي؟
إذا كان مع المحصر هدي لزمه نحره إجماعاً، واختلف العلماء إذا لم يكن مع المحصر هدي، هل يلزمه شراؤه أو لا على قولين؟
القول الأول: وجوب الهدي عليه، وأنه يلزمه شراؤه.
وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: أنه لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار.
وهذا قول مالك واختيار ابن القيم.
لأن الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ كانوا ألفاً وأربعمائة، ولم يكن معهم كلهم هدي، بل كان هديهم سبعين بدنة، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالهدي، وإنما أمرهم بالتحلل مطلقاً.
وهذا أرجح.
ثانياً: الحلق.
وهذا مذهب مالك وأصحابه.
لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم وأمر أصحابه أن يحلقوا.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير، لأنه لم تذكر الآية.
والأول أصح.
ثالثاً: وجوب القضاء
وقد اختلف العلماء هل يجب عليه القضاء أم لا (إذا كان حجه تطوعاً)؟
القول الأول: يجب عليه القضاء.
لحديث (من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل).
القول الثاني: لا يلزمه القضاء إلا إذا كان الحج الذي أحصر فيه فريضة الإسلام، أو واجباً بنذر، فإنه يلزمه القضاء السابق.
أ-أن القرآن لم يذكر.
ب-أن النبي ﷺ لم يبينه.
ج-أن هذا النسك ليس واجب ابتداء، وإنما الواجب إتمامه، وإتمامه معذور بالعجز عنه.
د-وأيضاً الذين كانوا مع النبي ﷺ في عمرة القضاء أقل من الذين كانوا معه في عمرة الحديبية، فهو لم يأمرهم بالقضاء.
وهذا أرجح.
стр. 1395
• ما رأيك بقول من قال من العلماء: إن المحصر إذا لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام بنية التحلل.
قال بذلك بعض العلماء: قياساً على من عجز عما استيسر من الهدي في التمتع.
والصحيح أنه لا يجب.
وهو مذهب مالك.
فإنه لم يكن مع كل المحصرين الذين كانوا مع النبي ﷺ هدي، ولم يأمرهم ولم يوجبه عليهم، وبذلك أمرهم بالتحلل مطلقاً.
• ما المراد بالإحصار؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
الأول: أن المحصر هو من حصره العدو فقط.
وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهو المشهور من المذهب.
الثاني: المحصر هو حصر العدو أو من أحصره المرض ونحوه.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وأحمد في روايته الثانية، وروي نحوه عن ابن مسعود وعطاء والنخعي والثوري·
الثالث: المحصر هو الممنوع من الحج بأي نوع امتنع.
وإليه ذهب آخرون منهم مجاهد وقتادة.
стр. 1396
٧٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (دَخَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ اَلزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ﵂، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أُرِيدُ اَلْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ " حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(دَخَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ اَلزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ) دخل عليها عيادة لها، أو زيارة وصلة، وضباعة بضم الضاد بنت الزبير الهاشمية، بنت عم النبي ﷺ .
(أُرِيدُ اَلْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ) أي: مريضة.
(فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : حُجِّي) أي: أحرمي بالحج.
(وَاشْتَرِطِي) أي: واجعلي شرطاً في حجك عند الإحرام، وهو اشتراط التحلل متى احتجتِ إليه.
(أَنَّ مَحَلِّي) بكسر الحاء، أي: محل خروجي من الإحرام.
(حَيْثُ حَبَسْتَنِي) أي: المكان والزمان الذي يحصل لي فيه الحبس
• ما هو الاشتراط؟
الاشتراط: أن يقول المحرم: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
• ما حكم الاشتراط؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مستحب لكل أحد.
وهو قول عمر وعلي والشافعي، وهذا مذهب الحنابلة، ورجحه ابن حزم.
لحديث الباب.
القول الثاني: أنه غير مشروع مطلقاً.
وهو قول الحنفية والمالكية.
لأن النبي ﷺ لم يفعله ولم ينقل عنه.
وقيل: يستحب للخائف فقط.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح جمعاً بين الأدلة.
لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك كل من حج.
قال ابن تيمية: فإن النبي ﷺ أمر ابنه عمه ضباعة بنت الزبير أن تشترط على ربها لما كانت شاكية، فخاف أن يصدها المرض عن البيت، ولم يكن يأمر بذلك كل من حج.
• ما فائدة الاشتراط؟
قال ابن قدامة: ويقيد هذا الشرط بشيئين:
أحدهما: أنه إذا عاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه، أنه له التحلل.
الثاني: أنه متى حل بذلك فلا دم عليه ولا صوم.
• سئل الشيخ ابن باز ما حكم الاشتراط بعد عقد الإحرام بمدة؟
ليس له ذلك وإنما يقال ذلك عند عقد الإحرام، والمراد بعقد الإحرام هو: أن ينوي الدخول فيه بقلبه.
• وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: بالنسبة للاشتراط في الحج، هل هناك حالات معينة يَشْتَرِط فيها الحاج ويقول: إن حَبَسَنِي حابسٌ فمحلي حيث حَبَسْتَنِي؟
فأجاب: الاشتراط في الحج أن يقول عند عقد الإحرام: إن حَبَسَنِي حابسٌ فمحلي حيث حَبَسْتَنِي.
وهذا الاشتراط لا يُسَنُّ إلا إذا كان هناك خوف مِنْ مرض أو امرأة تخاف من الحيض، أو إنسان متأخر يخشى أن يفوته الحج، ففي هذه الحالة ينبغي أن يشترط، وإذا اشترط وحصل ما يمنع من إتمام النسك، فإنه يتحلل وينصرف ولا شيء عليه.
أما إذا كان الإنسان غير خائف فالسنة أن لا يشترط، بل يعزم ويتوكل على الله.
стр. 1397
٧٨٣ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ اَلْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرَجَ، فَقَدَ حَلَّ وَعَلَيْهِ اَلْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ قَالَ عِكْرِمَةُ. فَسَأَلْتُ اِبْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَا: صَدَقَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
===
(عَنْ عِكْرِمَةَ) البربَري مولى ابن عباس.
(مَنْ كُسِرَ) بضم الكاف وكسر السين، أصابه كسر في يده أو رجله.
(أَوْ عُرَج) بفتح الراء، أي أصابه شيء في رجله.
(فَقَدَ حَلَّ) أي يجوز له أن يترك إحرامه ويرجع إلى بلده.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صحيح.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن المحرم بحج أو عمرة إذا أصابه عذر منعه من إكمال النسك من كسر أو مرض أو حادث فإنه يحل من إحرامه بحصول ذلك المانع.
وقد استدل بالحديث من قال إن الإحصار يحصل بكل ما يمنع المحرم من المضي في نسكه من عدو أو مرض أو غيرهما.
وهذه المسألة (فيما يكون الإحصار) اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: لا إحصار إلا من عدو فقط دون مرض أو غيره.
وهذا قول ابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وهو مذهب أحمد ومالك والشافعي.
وعلى هذا القول فمن أحصر بمرض ونحوه، لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه.
• الآية الكريمة، حيث أنها نزلت في صد المشركين النبي ﷺ وأصحابه.
• وورد عن ابن عباس (لا حصر إلا من عدو). رواه البيهقي
القول الثاني: أن الإحصار يكون بكل حابس يحبسه عن الحج من عدو أو مرض أو غير ذلك.
وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة، وهو مذهب أبي حنيفة، وهو اختيار شيخ الإسلام.
لحديث الباب (من كسر أو عرج … ).
لقوله تعالى: (فإن أحصرتم) أي منعتم عن إتمامها، ولم يقيد الله الحصر بعدو.
وهذا القول هو الصحيح.
• هل يلزم المحصر القضاء من العام القابل؟
واختلف العلماء هل يجب عليه القضاء أم لا (إذا كان حجه تطوعاً)؟
القول الأول: يجب عليه القضاء.
وهذا مذهب الجمهور.
أ-لقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله).
ب-لحديث الباب.
القول الثاني: لا يلزمه القضاء إلا إذا كان الحج الذي أحصر فيه فريضة الإسلام، أو واجباً بنذر، فإنه يلزمه القضاء السابق.
أ-أن القرآن لم يذكر.
ب-أن النبي ﷺ لم يبينه.
ج-أن هذا النسك ليس واجب ابتداء، وإنما الواجب إتمامه، وإتمامه معذور بالعجز عنه.
د-وأيضاً الذين كانوا مع النبي ﷺ في عمرة القضاء أقل من الذين كانوا معه في عمرة الحديبية، فهو لم يأمرهم بالقضاء.
وهذا أرجح.
стр. 1398
كِتَابُ اَلْبُيُوعِ
بَابُ شُرُوطِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهُ
مقدمة:
تعريف البيع:
لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، وسمي بيعاً من الباع، لأن كلاً من الآخذ والمعطي يمد يده.
واصطلاحاً: هو مبادلة مال بمال على التأبيد غير ربا وقرض.
قولنا (على التأبيد) احترازاً من الإجارة، فالإجارة مبادلة مال بمال ولكن ليس على سبيل التأبيد.
مثال: كأن أشتري منك هذا البيت لمدة سنة، هذا ليس بيعاً لكن إجارة.
قولنا (غير ربا) فإنه ليس من البيع لقوله تعالى (وحرم الربا)، مع أنه مبادلة.
مثال: كأن أعطيك ريال بريالين.
أن التفريق بينهم في الحكم دليل على التفريق بينهما في الحقيقة، فإن حقيقة البيع غير حقيقة الربا لأن الله فرق بينهما.
قولنا (وقرض) فالقرض لا يسمى بيعاً، وإن كان فيه مبادلة، لأن القصد من القرض الإرفاق والإحسان، والبيع القصد منه المعاوضة.
• المال يطلق على كل شيء له قيمة سواء كان نقداً (كالذهب والفضة) أو كان منقولاً (كالكتب والأقلام والثياب .. ) وهكذا الدواب والبهائم.
أ-ولذلك قال ﷺ (ما من صاحب مال لا يؤدي زكاتها .. ثم ذكر الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم، فاعتبر الإبل والبقر والغنم مالاً.
ب- وفي حديث الأعمى (أمسك عليك مالك) وقد كان له واد من الغنم.
قال العلماء: سمي المال مالاً لأن النفس تميل إليه.
• ما حكم البيع؟
البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس:
أ-قال تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ).
ب-وقال تعالى (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) فهذا دليل على مشروعيته، لأن الله لا يأمر بالإشهاد إلا على أمر مباح.
ج-وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فمنع سبحانه من البيع قبل الصلاة بعد الأذان للجمعة وفي أثنائها، ثم أذِنَ فيه بعد الصلاة، والأمر إذا جاء بعد نهي فهو إباحة.
د-وقال ﷺ (البيعان بالخيار) متفق عليه.
هـ-وقال ﷺ (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) رواه البخاري.
و-عن رفاعة (أن النبي ﷺ سئل أي الكسب أطيب؟ قال (عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور) رواه البزار.
ز-وعن حكيم بن حزام (أنه قال للنبي ﷺ : إنه يأتيني الرجل يريد البيع ليس عندي فأذهب إلى السوق فأشتريه، فقال له النبي ﷺ : (لا تبع ما ليس عند) رواه الترمذي، فدل بمفهومه على جواز بيع ما عنده.
وأجمع المسلمون على جوازه.
стр. 1399
قال ابن قدامة: وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة.
والحكمة تقتضيه: وذلك لأن مصالح الناس تحتاج إلى البيع، فقد يكون عند رجل دراهم وليس عنده لباس أو طعام، أو صاحب طعام ونحوه في حاجة إلى دراهم، فيتوصل كل منهم إلى مقصوده بواسطة البيع، وهذا من رحمة الله بعباده.
• اذكر صيغ البيع:
البيع له صيغتان: صيغة قولية، وصيغة فعلية.
الصيغة القولية (وهي الإيجاب والقبول).
الإيجاب: اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه كالوكيل.
والقبول: اللفظ الصادر من المشتري.
مثال: يقول البائع بعتك هذه السيارة (هذا إيجاب)، فيقول المشتري قبلت (هذا قبول).
الصيغة الفعلية (وتسمى المعاطاة).
وهي أن يدفع المشتري الثمن ويدفع البائع السلعة بدون لفظ بينهما.
(كما يحصل في الأسواق الحديثة حيث تأتي وتأخذ السلعة وتعطيه الثمن).
وقد اختلف العلماء في صحة البيع بهذه الصيغة:
والراجح أنه يصح البيع بهذه الصيغة (وهذا مذهب المالكية والحنابلة واختاره النووي).
لأن الله قال (وأحل الله البيع) فأطلق الله، ولم يقل أحل البيع بصورة كذا، أو بصورة كذا.
قيل: لا يصح البيع بهذه الصيغة وهذا مذهب الشافعي.
وقيل: يصح في الأشياء اليسيرة دون الأشياء النفيسة.
المعاطاة لها صور:
(من الطرفين) كأن يكون السعر مكتوب على السلعة، فيأخذ المشتري السلعة ويعطي البائع القيمة.
(من المشتري) أن يقول البائع للمشتري خذ هذه بعشرة (إيجاب) فأخرج المشتري العشرة وأعطاه إياها ولم يقل قبلت.
(من البائع) أن يقول المشتري أعطني هذه بعشرة، فأخذها صاحب المحل وأعطاه إياها ولم يقل بعت. (الشرح الممتع)
• ما الأصل في البيع الحل أو الحرمة؟
الأصل فيه الحل.
قال تعالى (وأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا).
أي: أن الأصل في البيع الحل، فكل صورة من صور البيع يدعى أنها حرام فعلى المدعي البينة أي الدليل، فإذا شككنا في بيع هل هو حلال أو حرام، فالأصل أنه حلال. (وهذا ضابط مهم).
стр. 1400
• اذكر شروط البيع؟
شروط البيع وهي سبعة عرفت بالتتبع والاستقراء لنصوص الشريعة.
والمقصود من هذه الشروط تحصين البيع من أمور ثلاثة: [الظلم، والغَرر، والربا] وهذه الشروط
في البائع والمشتري، وبعضها في المعقود عليه، وبعضها في الثمن.
الشرط الأول: الرضا. (والمعنى: أن يأتيا بالبيع اختياراً).
أ-قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ).
ب- أبي سعيد. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما البيع عن تراض) رواه ابن حبان.
ج-وقال ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسٍ منه) ومن المعلوم أنه إذا لم يحصل رضا لم يحصل طيب نفس.
د-ومن النظر: لأنه لو قلنا لا يشترط الرضا لأدى ذلك إلى العدوان والفوضى، فكل من أراد مال غيره يأخذه قهراً ويعطيه ثمنه، وهذا فتح لباب الفوضى والعدوان.
• فإن أكره البائع أو المشتري على البيع لم يصح، لعموم الأدلة الدالة على أن المكره لا يؤاخذ ولا يترتب على عقوده شيء كما قال تعالى (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ).
مثال: لو أن سلطاناً أرغم شخصاً على أن يبيع هذه السلعة لفلان فباعها فإن البيع لا يصح لأنها صدرت عن غير تراض.
• لو كان الإكراه بحق فإنه يجوز، مثال: كمن كان مديناً وطالبه الغرماء بالسداد وعنده سلع، فيجبره القاضي على البيع لسداد ديونه، فإن أبى أن يبيع باع الحاكم أمواله وسدد.
مثال آخر: أن يضطر رجل إلى طعام وهو عند هذا الشخص ولا يريد بيعه فإنه يجبر على أن يبيعه.
الشرط الثاني: أن يكون مقدوراً على تسليمه.
أ-لحديث أبي هريرة (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم، وغير المقدور على تسليمه فيه غرر [فهو شبيه بالمعدوم]. لأنه لا يدرى هل يتمكن من إمساكه أم لا.
ب- قبض المبيع واستيلاء العاقد عليه هو المقصود من البيع، وعلى هذا لا يجوز بيع غير المقدور على تسليمه لفوات الغرض المقصود، ولأنه غرر.
أمثلة: فلا يجوز بيع العبد الآبق من سيده، لأنه غرر، لأنه لا يدرى هل يتمكن من إمساكه أم لا.
وأيضاً هو داخل في الميسر أيضاً [لأنه دائر بين المغنم والمغرم]، لان البائع لن يبيعه بسعر مثله، لأنه آبق، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يباع الآبق بمثل سعر غير الآبق، وكذلك المشتري إذا حصل على العبد فهو غانم، وان لم يحصل فهو غارم، وهذا هو الميسر.
وكذلك لا يجوز بيع البعير الشارد، لأنه غرر.
وكذلك طير حمام في الهواء لا يجوز بيعه، لأنه غير مقدور على تسليمه.
стр. 1401
• لكن إذا كان يألف المكان والرجوع إليه فهل يجوز بيعه؟ قولان:
القول الأول: المنع مطلقاً، وهذا المذهب.
والقول الثاني: الجواز، واختاره ابن عقيل، وهو الأظهر، فإن رجع إلى مكانه فذاك، وإلا فللمشتري الفسخ.
• الغرر: قال ابن تيمية: هو ما تردد بين السلامة والعطب، ومعنى هذا: ما كان متردداً بين أن يسلم للمشتري فيحصل المقصود بالعقد، وبين أن يعطب فلا يحصل المقصود بالعقد.
وقال ابن القيم: الغرر ما تردد بين الحصول والفوات. (الذي لا يدري حصوله، هل يحصل ام لا) كبيع جمل شارد.
• الجهالة: هو ما علم حصوله وجهلت صفته. مثال: قال المشتري: أشتري منك هذا الكتاب بالمال الذي في جيبي (هذا يسمى جهالة لأننا علمنا حصوله لكننا لا ندري مقدار الدراهم).
• والنهي عن بيع الغرر أصل عظيم في باب البيع يدخل تحته مسائل كثيرة.
قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه.
قاعدة مهمة: كل معاملة محرمة إنما تحرم لواحد من أمور أربعة: إما لوجود الربا فيها، وإما لما فيها من الميسر [إما غانماً أو غارماً]، وإما لما فيها من الظلم والتغرير والخداع، وإما هذا العقد يتضمن ترك واجب أو فعل محرم [مثل البيع بعد نداء الجمعة الثاني، أو باع سلاحاً في فتنة، أو باع عنباً لمن يتخذه خمراً).
الشرط الرابع: العلم بالمبيع برؤية أو صفة، فالرؤية فيما يعلم بالرؤية، والصفة فيما يعلم بالصفة، والشم فيما يعلم بالشم.
لأن جهالة البيع غرر، والنبي ﷺ نهى عن الغرر.
• العلم بالصفة: يعني أن يصف له السلعة وإن لم يحضرها، ويشترط لذلك شرطان: أن يكون المبيع مما يمكن ضبطه وتحديده بالصفة، الشرط الثاني: أن يذكر ما يختلف به الثمن غالباً.
أمثلة:
أ-بيع ما في بطن الحمل.
مثال: قال بعتك ما بطني هذه الشاة، لا يجوز لأنه غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، فإنه لا يدرى هل هو ذكر أو أنثى، وهل هو حي أو ميت، وقد يكون واحداً أو أكثر.
ب-بيع ما في بطن أمتَه.
فلو كان عنده أمَة يطأها فقال بعتك حمل هذه الأَمَة، هذا لا يجوز لأنه بيع معدوم، لو قدرنا أنه سيوجد فهو مجهول العاقبة: لا ندري هل متعدد أولا، وهل هو ذكر أم أنثى.
وكذلك لا يجوز بيع لبن في ضرع.
• وكذلك لا يجوز بيع عبد من عبيده، مثال: عندي عشرة عبيد، فقلت: بعت عليك واحداً منهم بمائة، فلا يصح، لأن فيه غرر، لأن العبيد يختلفون، ومثل ذلك الغنم.
• لكن لو قال: خذ ما تشاء من هؤلاء العبيد أو من هذه الغنم بمائة، فالمذهب لا يجوز، والصحيح أن هذه الصورة جائزة، فإن أخذ المشتري شيئاً غالياً فنقول: إن البائع هو الذي فرط.
стр. 1402
• كل بيع يتضمن الغرر او الجهالة فهو حرام لأمرين:
الأمر الأول: إبعاد الناس عن أكل الأموال بالباطل، والثاني: إبعاد الناس عن الشقاق والنزاع.
• يستثنى من ذلك: حمل الشاة وهي حامل، فإنه هذا يجوز، لأن الحمل ثبت تبعاً (ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً).
الشرط الرابع: أن يكون الثمن معلوماً قدره.
[المثمن] تقدم أنه لا بد أن يكون معلوماً فلا يصح بيع آبق [الثمن] أي لابد أن يكون معلوماً وهو المال.
• يشترط أن يكون الثمن (وهو المال) معلوماً قدره، وهل هو حال أو مؤجل.
لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع الغرر، وإذا كان الثمن مجهولاً حصل الغرر والخداع، والثمن أحد العوضين، فالجهل به غرر كالجهل بالمبيع.
مثال: لو قال اشتريت منك هذه السلعة بما في جيبي من الدراهم، فهذا لا يجوز.
• فلا يجوز البيع بما ينقطع به السعر، وهو ما تقف عليه المساومة، لأنه مجهول، فقد يقف السعر على ثمن كثير أو قليل فيحصل الغرر.
والقول الثاني: أنه يصح البيع بما ينقطع به السعر، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، لأن الإنسان يطمئن ويقول: لي أسوة بالناس آخذه بما يأخذ به غيري.
الشرط الخامس: وأن يكون العاقد [البائع والمشتري] مالكاً للشيء أو مأذوناً فيه.
فلا يجوز للإنسان أن يبيع ملك غيره، فلو باع إنسان سيارة غيره، فإن البيع لا يصح.
أ-لحديث حكيم بن حزام (أنه جاء إلى النبي ﷺ يسأله فقال: إنه يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي فأبيعه منه ثم أبتاعه من السوق. فقال: لا تبع ما ليس عندك) رواه أحمد، أي لا تبع ما ليس في ملكك أو تحت تصرفك.
ب-ولأن بيع ما لا يملك تصرف في مال الغير، والتصرف في مال الغير حرام وظلم ومن أكل المال بالباطل وقد قال ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
ج-ولأننا إذا قلنا بجواز بيع الإنسان لملكِ غيره أدى ذلك إلى أن يستحل المال فيأكل المال المدفوع في مقابل ذلك المملوك بدون وجه حق.
• إذا كان المبيع ليس عنده وقت العقد فإن البيع لا يصح (كما يفعله بعض التجار يبيع السلعة قبل أن يملكها، فهذا لا يجوز، وكذلك يفعله كثير من البنوك).
الشرط السادس: أن يكون العاقد جائز التصرف (وهو: الحر، البالغ، العاقل، الرشيد).
الحر: فالمملوك لا يجوز بيعه ولا شراؤه (أي أنه لا يبيع ولا يشتري) إلا بإذن سيده، لأن العبد لا يملك، فما في يد العبد ملك لسيده.
البالغ: فالصغير دون التمييز لا يصح بيعه بالإجماع لأنه لا يتأتى منه القصد.
وأما المميز دون البلوغ فمحل خلاف بين العلماء على قولين:
قيل: يصح تصرفه، وقيل: لا يصح، لكن لوليه أن يأذن له بالتصرف في الأشياء اليسيرة ليتدرب وهذا القول هو الصحيح.
العاقل: فالمجنون لا يصح بيعه لعدم العقل الذي يحصل به التراضي والقصد.
الرشيد: وهو الذي يحسن التصرف في ماله، وضده السفيه فلا يصح تصرفه.
والدليل على هذا الشرط قوله تعالى (وابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ).
(وابْتَلُوا الْيَتَامَى) أي اختبروهم، كأن يعطيه مال وينظر كيف يتصرف فيه (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) هذا الشرط الأول وهو البلوغ (فَإِنْ آنَسْتُمْ) علمتم (مِنْهُمْ رُشْداً) هذا الشرط الثاني، والرشد حسن التصرف (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) وأما قبل البلوغ وقبل الرشد لا يدفع إليهم أموالهم، ولا يدفع إليهم أموالهم لأنه غير نافذ التصرف.
стр. 1403
٧٨٤ - عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﷺ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ اَلْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: عَمَلُ اَلرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ) رَوَاهُ اَلْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صحيح.
• ما أفضل المكاسب؟
اختلف العلماء أي المكاسب أفضل، مع اتفاقهم على أن العمل كله فاضل إذا كان مشروعاً.
فمنهم من ذهب إلى أن أفضل المكاسب الزراعة.
ومنهم من رأى أن أفضلها كسب اليد أي الصناعة.
وذهب آخرون إلى تفضيل التجارة على غيرها، وفريق آخر رأى أن أفضل المكاسب على الإطلاق ما يكتسب من أموال الكفار المحاربين عن طريق الجهاد في سبيل الله.
وقال الحافظ: أفضل ما يكسب من الأموال من الجهاد (أي الغنيمة) فهو مكسب النبي ﷺ ولما فيه من إعلاء كلمة الله.
ورجحه ابن القيم، وقال: والراجح أن أحلها الكسب الذي جعل منه رزق رسول الله ﷺ وهو كسب الغانمين وما أبيح لهم على لسان الشارع، وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحه أكثر من غيره، وأثني على أهله ما لم يثن على غيرهم، ولهذا اختاره الله لخير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله، حيث يقول: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله وجعل أحب شيء إلى الله فلا يقاومه كسب غيره. (زاد المعاد: ٥/ ٧٩٣).
قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة وقال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل.
قال النووي: والصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، فإن كان زراعة فهو أطيب الكسب لما يشمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي والدواب، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض.
وقال ابن حجر: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي ﷺ وأصحابه، وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى، وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي. قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل، ثم قال: والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف اختلاف الأحوال والأشخاص، والعلم عند الله تعالى.
وقد ورد في فضل العمل في التجارة حديث لكنه لم يثبت، وهو ما روي عنه ﷺ أنه قال (تسعة أعشار الرزق في التجارة).
وأما ورد في تفضيل العمل من كسب اليد (الصنائع) والتجارة:
فهو ما رواه رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: (عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ).
стр. 1404
وعَنْ الْمِقْدَامِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) رواه البخاري.
• ما هو البيع المبرور؟
البيع المبرور بينه النبي ﷺ بقوله (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا).
فالبيع المبرور ما جمع الصدق والبيان.
الصدق: في الوصف. والبيان: في العيب.
قال الشيخ السعدي في شرح حديث ( … فإن صدقا وبينا بورك .. ).
هذا الحديث أصل في بيان المعاملات النافعة، والمعاملات الضارة، وأن الفاصل بين النوعين: الصدق والبيان.
فمن صدق في معاملته، وبيّن جميع ما تتوقف عليه المعاملة من الأوصاف المقصودة، ومن العيوب والنقص، فهذه معاملة نافعة في العاجل: بامتثال أمر الله ورسوله، والسلامة من الإثم، ونزول البركة في معاملته، وفي الآجلة: بحصول الثواب، والسلامة من العقاب.
ومن كذب وكتم العيوب، وما في المعقود عليه من الصفات، فهو - مع إثمه - معاملته ممحوقة البركة.
ومتى نزعت البركة من المعاملة خسر صاحبها دنياه وأخراه.
стр. 1405
٧٨٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ اَلْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: - إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ اَلْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ اَلْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا اَلسُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا اَلْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا اَلنَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا. هُوَ حَرَامٌ "، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اَللَّهُ اَلْيَهُودَ، إِنَّ اَللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(عَامَ اَلْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ) فيه بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك في رمضان، سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك، ثم أعاده ﷺ ليسمعه من لم يكن سمعه. قاله في الفتح.
(فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ) قال الحافظ: لم أقف تسمية القائل.
(فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ!! أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني.
(شُحُومَ اَلْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا اَلسُّفُنُ) أي: تلطخ، والمعنى تدهن السفن بالشحوم بعد أن تذاب، ليمنع ذلك تسرب الماء للخشب.
(وَتُدْهَنُ بِهَا اَلْجُلُودُ) أي: أن تلك الشحوم تُطلى بها الجلود.
(وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا اَلنَّاسُ؟) أي: يُنوّرون بها مصابيحهم.
(فَقَالَ) ﷺ .
(لَا. هُوَ حَرَامٌ) قيل: أي: البيع حرام، وقيل: الضمير للانتفاع، أي: الانتفاع بشحوم الميتة حرام.
(قَاتَلَ اَللَّهُ اَلْيَهُودَ) أي: أهلكهم ولعنهم.
(إِنَّ اَللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ) أي: أذابوه حتى يصير ودكاً، فيزول عنه اسم الشحم، احتيالا على الوقوع في المحرم.
• عرف الميتة والخمر والميتة والأصنام؟
الميتة: كل ما لم يمت بذكاة شرعية.
والخمر: كل ما أسكر، كما قال ﷺ (كل مسكر خمر).
والأصنام: جمع صنم وهو كل ما عبد من دون الله من أشجار أو أحجار أو نحو ذلك، ومثل ذلك الوثن.
• ما حكم بيع الخمر؟
حرام، وهذا بالإجماع، وكذلك شربها واقتنائها.
وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على تحريم بيعها كابن المنذر والنووي.
عن أنس قال (لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له) رواه أبو داود.
• ما الحكمة من تحريم بيعها؟
لأن بها تزول عن الإنسان نعمة العقل التي كرَّمهْ الله بها، ويأتي في حال سكره ولهوه بأنواع المنكرات والعظائم، وإشاعة العداوة والبغضاء بين المسلمين، والصد عن الخير وعن ذكر الله.
следующие страницы →