Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
٧٩٩ - وَعَنْهُ; (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ما هو الولاء؟
الولاء: عصوبة تثبت للمعتِق، وعصبته المتعصبين بأنفسهم.
• ما حكم بيع الولاء وهبته؟
حرام.
قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن الولاء لا يباع ولا يوهب ولا يورث، إنما هو سبب يورث به، كالنسب يورث به ولا يورث.
وقال الخطابي في شرح الحديث: وهذا كالإجماع من أهل العلم.
وقال النووي: فِيهِ تَحْرِيم بَيْع الْوَلَاء وَهِبَته، وَأَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَقِل الْوَلَاء عَنْ مُسْتَحَقّه بَلْ هُوَ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَب، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف. وَأَجَازَ بَعْض السَّلَف نَقَلَهُ وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ الْحَدِيث.
• ما العلة في تحريمه؟
قال القرطبي: إنما لم يجز بيع الولاء ولا هبته، للنهي عن ذلك، ولأنه أمر وجودي لا يتأتى الانفكاك عنه كالنسب، فكما لا تنتقل الأبوة والجدودة كذلك لا ينتقل الولاء.
ولأن الذي يشتري الولاء غالباً، إنما يشتريه لأجل ما ثبت له من العصوبة وهي مجهولة، لأنه ربما يكون لهذا العتيق عصوبة نسب، كأن يوله له أبناء أو يكون له أعمام أو إخوة ونحو ذلك.
• ما الجواب عن ما ورد عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار مولاها لابن عباس؟
قال ابن قدامة: فعل هؤلاء شاذ يخالف قول الجمهور، وترده السنة، فلا يعول عليه.
стр. 1437
٨٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اَلْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ اَلْغَرَرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(بَيْعِ اَلْحَصَاةِ) أي: البيع المنسوب للحصاة، وقد جاء عند أحمد (لا تبايعوا بالحصاة) وفي لفظ لابن الجارود (لا تبايعوا بإلقاء الحصى).
• ما حكم بيع الحصاة؟
حرام. لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
• ما معنى بيع الحصاة؟
قال النووي: أَمَّا بَيْع الْحَصَاة فَفِيهِ ثَلَاث تَأْوِيلَات:
أَحَدهَا: أَنْ يَقُول: بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الْأَثْوَاب مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَاة الَّتِي أَرْمِيهَا، أَوْ بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الْأَرْض مِنْ هُنَا إِلَى مَا اِنْتَهَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْحَصَاة.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُول: بِعْتُك عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ إِلَى أَنْ أَرْمِي بِهَذِهِ الْحَصَاة.
وَالثَّالِث: أَنْ يَجْعَلَا نَفْس الرَّمْي بِالْحَصَاةِ بَيْعًا، فَيَقُول: إِذَا رَمَيْت هَذَا الثَّوْب بِالْحَصَاةِ فَهُوَ مَبِيع مِنْك بِكَذَا.
وقال القرطبي: اختُلف فيه على أقوال:
أولها: أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة.
وثانيها: أيُّ ثوب وقعت عليه الحصاة فهو المبيع.
وثالثها: أن يقبض على الحصى، فيقول: ما خرج كان لي بعدده دراهم أو دنانير.
ورابعها: أيُّ زمان وقعت الحصاة من يده وجب البيع. فهذا إيقاف لزوم على زمن مجهول.
وهذه كلها فاسدة لما تضمنته من الخطر، والجهل، وأكل المال بالباطل.
وقال ابن القيم: … أَمّا بَيْعُ الْحَصَاةِ فَهُوَ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى نَوْعِهِ كَبَيْعِ الْخِيَارِ وَبَيْعِ النّسِيئَةِ وَنَحْوِهِمَا وَلَيْسَ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدّمِ.
الْحَصَاةِ بِأَنْ يَقُولَ ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ فَعَلَى أَيّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَك بِدِرْهَمِ وَفُسّرَ بِأَنّ بَيْعَهُ مِنْ أَرْضِهِ قَدْرَ مَا انْتَهَتْ إلَيْهِ رَمْيَةُ الْحَصَاةِ وَفُسّرَ بِأَنْ يَقْبِضَ عَلَى كَفّ مِنْ حَصَا وَيَقُولُ لِي بِعَدَدِ مَا خَرَجَ فِي الْقَبْضَةِ مِنْ الشّيْءِ الْمَبِيعِ أَوْ يَبِيعُهُ سِلْعَةً وَيَقْبِضُ عَلَى كَفّ مِنْ الْحَصَا وَيَقُولُ لِي بِكُلّ حَصَاةٍ دِرْهَمٌ وَفُسّرَ بِأَنْ يُمْسِكَ أَحَدُهُمَا حَصَاةً فِي يَدِهِ وَيَقُولُ أَيّ وَقْتٍ سَقَطَتْ الْحَصَاةُ وَجَبَ الْبَيْعُ وَفُسّرَ بِأَنْ يَتَبَايَعَا وَيَقُولَ أَحَدُهُمَا: إذَا نَبَذْت إلَيْك الْحَصَاةَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَفُسّرَ بِأَنْ يَعْتَرِضَ الْقَطِيعَ مِنْ الْغَنَمِ فَيَأْخُذُ حَصَاةً وَيَقُولُ أَيّ شَاةٍ أَصَبْتهَا فَهِيَ لَك بِكَذَا وَهَذِهِ الصّوَرُ كُلّهَا فَاسِدَةٌ لِمَا تَتَضَمّنُهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَمِنْ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ الّذِي هُوَ شَبِيهٌ بِالْقِمَارِ. (زاد المعاد).
• ما الحكمة من النهي؟
لأن ذلك من الجهالة والغرر.
ولأنه أكل لأموال الناس بالباطل.
ولأنه يوقع العداوة والبغضاء بين الناس.
стр. 1438
• عرف الغرر؟
قال ابن تيمية: هو مجهول العاقبة.
وقال: هو ما تردد بين السلامة والعطب، ومعنى هذا: ما كان متردداً بين أن يسلم للمشتري فيحصل المقصود بالعقد، وبين أن يعطب فلا يحصل المقصود بالعقد.
وقال ابن القيم: الغرر ما تردد بين الحصول والفوات. (الذي لا يدري حصوله، هل يحصل ام لا) كبيع جمل شارد.
النهي عن بيع الغرر أصل عظيم في باب البيع يدخل تحته مسائل كثيرة، قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه.
فكل بيع فيه غرر فهو حرام.
• اذكر بعض الأمثلة على الغرر؟
قال النووي: … ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع .. ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل، لأنه غرر من غير حاجة.
• هل يعفى عن شيء من الغرر؟
يعفى عن اليسير الذي لابد منه.
قال القرطبي: كل بيع لابد فيه من نوع من الغرر، لكنه لما كان يسيراً غير مقصود لم يلتفت الشرع إليه.
وقال النووي: … وَقَدْ يَحْتَمِل بَعْض الْغَرَر بَيْعًا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَة كَالْجَهْلِ بِأَسَاسِ الدَّار وَكَمَا إِذَا بَاعَ الشَّاة الْحَامِل وَاَلَّتِي فِي ضَرْعهَا لَبَن فَإِنَّهُ يَصِحّ لِلْبَيْعِ، لِأَنَّ الْأَسَاس تَابِع لِلظَّاهِرِ مِنْ الدَّار، وَلِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِن رُؤْيَته. وَكَذَا الْقَوْل فِي حَمْل الشَّاة وَلَبَنهَا. وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز أَشْيَاء فِيهَا غَرَر حَقِير، مِنْهَا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّة بَيْع الْجُبَّة الْمَحْشُوَّة وَإِنْ لَمْ يُرَ حَشْوهَا، وَلَوْ بِيعَ حَشْوهَا بِانْفِرَادِهِ لَمْ يَجُزْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز إِجَارَة الدَّار وَالدَّابَّة وَالثَّوْب وَنَحْو ذَلِكَ شَهْرًا مَعَ أَنَّ الشَّهْر قَدْ يَكُون ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقَدْ يَكُون تِسْعَة وَعِشْرِينَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز دُخُول الْحَمَّام بِالْأُجْرَةِ مَعَ اِخْتِلَاف النَّاس فِي اِسْتِعْمَالهمْ الْمَاء وَفِي قَدْر مُكْثهمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز الشُّرْب مِنْ السِّقَاء بِالْعِوَضِ مَعَ جَهَالَة قَدْر الْمَشْرُوب وَاخْتِلَاف عَادَة الشَّارِبِينَ وَعَكْس هَذَا.
قَالَ الْعُلَمَاء: مَدَار الْبُطْلَان بِسَبَبِ الْغَرَر. وَالصِّحَّة مَعَ وُجُوده عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ أَنَّهُنَّ إِنْ دَعَتْ حَاجَة إِلَى اِرْتِكَاب الْغَرَر وَلَا يُمْكِن الِاحْتِرَاز عَنْهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ وَكَانَ الْغَرَر حَقِيرًا جَازَ الْبَيْع وَإِلَّا فَلَا. (شرح مسلم).
وقال ابن القيم: ليس كل غرر سبباً للتحريم، والغرر إذا كان يسيراً أو لا يمكن الاحتراز منه لم يكن مانعاً من صحة العقد.
стр. 1439
٨٠١ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنِ اِشْتَرَى طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(مَنِ اِشْتَرَى طَعَاماً) أي: كل ما يؤكل، كالقمح والأرز والتمر.
(فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ) أي: يستوفيه بالكيل، وقد جاء بلفظ (حتى يستوفيه) وفي لفظ (حتى يقبضه).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: نهي من اشترى طعاماً أن يبيعه حتى يستوفيه. (والاستيفاء يكون بكيله).
مثال: اشتريت من صاحب هذه المزرعة هذه الكومة من الحب كل صاع بدرهم، فجاءني شخص وقال: بع عليّ هذا البر الذي اشتريته، فهذا لا يجوز حتى يستوفيه ويقبضه ويكيله.
• هل يقاس عليه غيره أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: لا يجوز بيع أي شيء قبل قبضه، سواء مطعوم أو معدود أو عقار أو سيارات.
وهذا مذهب الشافعية، وهو قول محمد وزفر من الحنفية، ورجحه ابن القيم.
أ-لحديث ابن عباس. قال: قال ﷺ (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه).
قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله.
ب-ولحديث حكيم بن حزام قال: (قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعاً، فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه). لكنه حديث ضعيف رواه أحمد.
فقوله (بيعاً) نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم من طعام وغيره.
ج- عن زيد بن ثابت (أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم). رواه أبو داود
فقوله (نهى أن تباع السلع … ) يفيد العموم، وهذا القول رجحه ابن القيم وأطال في نصرته.
د- ولحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن). رواه أبو داود
وجه الدلالة: أن السلعة قبل قبضها من ضمان البائع، لأن من شرط انتقال الضمان للمشتري قبضه للمبيع، فإذا باع المشتري السلعة قبل قبضها فيكون قد ربح في شيء لم يدخل في ضمانه، وهذا لا يجوز حتى يقبضه فيكون من ضمانه.
القول الثاني: يجوز بيع كل شيء قبل قبضه إلا الطعام المكيل أو الموزون، فلا يجوز حتى يقبضه.
أ- لحديث الباب (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه). وفي رواية: (حتى يستوفيه).
قالوا: الأحاديث الواردة جاءت خاصة بالطعام، فدل هذا على أن غير الطعام ليس كذلك في الحكم.
وهذا مذهب المالكية.
стр. 1440
القول الثالث: لا يجوز بيع أي شيء قبل قبضه، لكن يستثنى العقار [الأراضي، المزارع].
وهذا مذهب أبي حنيفة.
والراجح القول الأول، وهو عدم جواز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه.
• ما الحكمة من منع بيع السلع قبل قبضها؟
لعدم استيلاء المشتري على السلعة.
وعدم انقطاع علاقة البائع عنها، فإنه يطمع في الفسخ، وقد يمتنع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح.
وربما أمضاه إلى التحيل على فسخ العقد ولو ظلماً، وجرّ ذلك إلى الخصام والمعاداة.
• ما كيفية القبض؟
بالنسبة للطعام يكون بالوزن، فإذا وزنه فإنه يعتبر قبضه، فيجوز بيعه.
أما بقية المبيعات فيرجع إلى العرف.
العقار: ويحصل بالتخلية، لأن الشرع أمر بالقبض، وأطلقه، فيحمل على العرف والعادة، وقد جرت العادة بقبض العقار ونحوه بالتخلية.
مثال: بعت بيتي على شخص، القبض يكون: أن أعطيه المفتاح، وأترك بيتي.
والذهب والسيارات وغيرها من المنقولات: يكون بالنقل والتحويل.
فلو بعت أقلام على شخص، فالقبض يكون باستلامها بيده.
سئل الشيخ ابن باز ﵀: اشتريت قطعة أرض وتم تسليمي سند قبض بالمبلغ من البائع، حتى يتم إصدار صك ملكية الأرض لي فهل يجوز بيعها قبل صدور الصك؟ أم أن ذلك داخل في بيع ما لا أملك، جزاكم الله خيرا؟
إذا تم البيع بينكما جاز لك التصرف ولو تأخر إصدار الصك، والله ولي التوفيق.
وقال: إذا تم البيع وقبضت السيارة لك أن تتصرف فيها لكن تخرج بها عن مكان البيع تنقلها إلى مكانك، أو إلى محل آخر، أو إلى معرض آخر، حتى يتم القبض؛ لأن الرسول ﷺ (نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) ولو ما تمت بقية الإجراءات، ما دام تم البيع بينكما، إذا افترقتما لزم البيع" انتهى.
س- ما حكم من يشتري سلعة حالة ب ٣٠٠ ويبيعها على اصدقائه ب ٣٠٠ بعد الاتفاق مع الزملاء؟
المعاملة تجوز بشروط:
الأول: أن تشتري السلعة، وتقبضها، ثم تبيعها عليهم، لقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: (إذا اشتريت مبيعا فلا تبعه حتى تقبضه) رواه أحمد والنسائي.
وعند أحمد: عن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يُحَرَّمُ عَلَيَّ؟ قَالَ: (فَإِذَا اشْتَرَيْتَ بَيْعًا فَلا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَه).
وأخرج الدارقطني وأبو داود عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ (نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود.
стр. 1441
فلا يجوز أن تعقد معهم البيع قبل أن تملك السلعة وتقبضها. لكن يجوز أن تعدهم بإحضارها، وأن يعدوك بشرائها، وأن تتفق معهم على قدر الثمن، وهذا الوعد غير ملزم لواحد منكما.
الثاني: ألا تكون وكيلا لهم في الشراء، فلا يصح أن يوكلوك في شراء سلعة، فتشتريها بـ ٢٠٠ ثم تبيعها عليهم بأزيد، لأن الوكيل لا يجوز أن يربح من موكله إلا بعلمه.
وإنما تتعامل معهم على أنك بائع، تشتري السلعة التي يرغبون فيها، وتربح عليهم.
الثالث: أن تبيع لهم بسعر السوق، وأما الزيادة الكبيرة، في حال جهلهم بالسعر الحقيقي، فهي غبنٌ لا يجوز فعله. فإن علموا السعر الحقيقي ورضوا بذلك فلا حرج، وإن لم يعلموا السعر الحقيقي فلا يجوز أن تزيد في الثمن زيادة فاحشة.
(الإسلام سؤال وجواب).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن البيع قبل القبض لا يجوز وباطل.
- إذا تلف المبيع:
فإن كان قبل القبض، فإنه من ضمان البائع.
وإن كان بعد القبض، فإنه من ضمان المشتري.
стр. 1442
٨٠٢ - وَعَنْهُ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ
وَلِأَبِي دَاوُدَ: (مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوَكَسُهُمَا، أَوْ اَلرِّبَا).
===
(فَلَهُ أَوَكَسُهُمَا) الوكْس النقص.
• اذكر معنى (نهى عن بيعتين في بيعة)؟
اختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال:
القول الأول: أن يقول البائع أبيعك هذه السلعة نقداً بعشرة، ونسيئة بأحد عشرة، ويعقدان العقد من غير تحديد لأحد الثمنين.
وقد قال بهذا القول ابن مسعود، وهو قول الحنفية والمالكية. واستدلوا:
أ- أنه هذا التفسير مما لا يختلف فيه الناس.
ب-أن هذا التفسير يصدق عليه أنه بيعتين في بيعة، لأن هناك بيعاً بثمن مؤجل وبيعاً بثمن معجل، ولم يحددا أحد البيعتين، كما أنه يصدق على أن من فعل ذلك فله أوكسهما أو الربا.
القول الثاني: أن (بيعتين في بيعة) يراد به: اشتراط عقد في عقد، كأن يقول له: لا أبيعك هذه السلعة حتى تؤجرني بيتك.
وقال بهذا الحنابلة.
القول الثالث: أن المراد بـ (بيعتين في بيعة) بيع العينة، وهو أن يبيع الشيء نسيئة ثم يشتريه بأقل من الثمن الذي باعه به نقداً (عاجلاً).
وقال بهذا القول ابن تيمية، وابن القيم.
ووجه القول: أن البائع جمع بين بيعتين في بيعة واحدة، وذلك لأنه باع السلعة، ثم اشتراها، وقصده من ذلك بيع دراهم بدراهم، بزيادة مقابل النسيئة، فليس له في هذه الحال إلا الأوكس (الأقل) أو فإنه سيقع في الربا.
وهذا القول هو الراجح.
• فائدة: إذا قال البائع: هذه السيارة بخمسين ألف نقداً، وستين ألف بالتقسيط.
فهذه المسألة لها صورتان:
الأولى: أن يتفرق البائع والمشتري وقد اتفقا على ثمن منهما وطريقة السداد. فالبيع جائز.
الثانية: أن يتفرقا من غير اتفاق على الثمن، فهذا البيع محرم ولا يصح.
قالَ البغوي ﵀ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ -عن هذه الصورة الثانية-: هُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لأَنَّهُ لا يُدْرَى أَيُّهُمَا جُعِلَ الثَّمَنَ.
وبهذا فَسَّر كثيرٌ من العلماء نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة.
وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. صححه الألباني صحيح الترمذي.
قال الترمذي: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِنَقْدٍ بِعَشَرَةٍ وَبِنَسِيئَةٍ بِعِشْرِينَ، وَلا يُفَارِقُهُ عَلَى أَحَدِ الْبَيْعَيْنِ، فَإِذَا فَارَقَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا بَأْسَ، إِذَا كَانَتْ الْعُقْدَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمَا.
وقال النسائي في السنن: بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا وَبِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً.
وَقَالَ الشوكاني فِي نيْلِ الأوطار: وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ عَدَمُ اِسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ فِي صُورَةِ بَيْعِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِثَمَنَيْنِ.
стр. 1443
وسئلت اللجنة الدائمة: ما رأيكم في بيع السيارة بعشرة آلاف نقداً أو اثني عشر ألفاً تقسيطا؟
فأجابت:
إذا باع إنسان لأخر سيارة بعشرة آلاف ريال مثلاً نقداً، أو باثني عشر ألف ريال إلى أجل، وتفرقا من مجلس العقد دون أن يتفقا على أحد الأمرين: ثمن النقد أو ثمن التأجيل لم يجز البيع ولم يصح، لجهالة الحال التي انتهى إليها البيع من حلول أو تأجيل. وقد استدل لهذا كثير من العلماء بنهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، وإن اتفق المتبايعان قبل أن يتفرقا من مجلس العقد على أحد الثمنين ثمن النقد أو ثمن التأجيل ثم تفرقا بعد التعيين فالبيع جائز صحيح للعلم بالثمن وحاله.
وفي سؤال آخر:
إذا قال البائع: هذه السلعة بعشرة ريالات مؤجلة، وبخمسة نقداً. ما حكم ذلك؟
فأجابت اللجنة:
إذا كان الواقع كما ذكرت فلا يجوز البيع، لأنه من صور بيعتين في بيعة، وقد ثبت أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، لما في ذلك من الجهالة التي تفضي إلى النزاع والاختلاف. (الإسلام سؤال وجواب).
• فائدة: سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز إبدال سيارتي القديمة بأخرى جديدة، وأدفع الفرق بين السيارتين لصاحب السيارة الجديدة؟ فالذي يحدث في هذه البلاد: أن يذهب صاحب السيارة القديمة إلى شركة السيارات، ويعلمهم برغبته، فيقدّرون قيمة كلّ من السيارتين، فيدفع الفرق ويأخذ الجديدة بدلا من سيارته، مع العلم بأنهم لا يشترون القديمة إلا إذا اشترى منهم الجديدة، فهل هذا البيع صحيح أو لا؟
فأجابت:
إذا كان الواقع كما ذكرت؛ جاز لك أن تدفع سيارتك القديمة إلى الشركة مثلا لتأخذ بدلا منها سيارة جديدة، وتدفع الفرق بين القيمتين، وليس هذا من باب بيعتين في بيعة، بل هو بيع سيارة بأخرى مع المفاضلة بين قيمتهما، وليس في ذلك ربا؛ لأنّ السيارات ليست من الأنواع الربوية. وبالله التوفيق. ﷺ .
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- تحريم الربا.
- تحريم الحيل.
- أن الإنسان إذا تعامل في معاملة ربوية فالواجب عليه ترك الزيادة.
стр. 1444
٨٠٣ - وَعَنْ عَمْرِوِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ.
وَأَخْرَجَهُ فِي " عُلُومِ اَلْحَدِيثِ " مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ عَمْرٍو اَلْمَذْكُورِ بِلَفْظِ (نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ) وَمِنْ هَذَا اَلْوَجْهِ أَخْرَجَهُ اَلطَّبَرَانِيُّ فِي " اَلْأَوْسَطِ " وَهُوَ غَرِيبٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث عمرو بن شعيب … حديث حسن من أجل رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وأما (نهى عن بيع وشرط) فضعيف لا يصح، فيه عبد الله بن أيوب الضرير، قال عنه الدارقطني: متروك.
وأنكره ابن تيمية وابن القيم.
• ما معنى (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ)؟
المراد بالسلف: القرض.
كأن يقول: أبيعك هذه السيارة على أن تقرضني مائة.
أو أقرضك كذا على أن تبيعني سيارتك.
وقد حكى ابن عبد البر، وابن هبيرة اتفاق العلماء على تحريم ذلك.
وقال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافاً.
لأن كل قرض جر نفعاً فهو ربا.
قال ابن قدامة ﵀ في (الكافي): ولا يجوز أن يُشترط في القرض شرط يجر به نفعاً، مثل أن يشترط رد أجود منه، أو أكثر، أو أن يبيعه أو أن يشتري منه، أو يؤجره أو يستأجر منه، أو يهدي له، أو يعمل له عملا ونحوه؛ لأن النبي ﷺ [نهى عن بيع وسلف] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
• ما معنى قوله (وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ)؟
اختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال:
القول الأول: أنه على ظاهره.
وعليه فلا يجوز أن يشترط المشتري: حمل الحطب، وشرط تكسيره
وهذا مذهب الحنفية والشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة.
لحديث الباب (وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْع).
قالوا: لأن ذلك يفضي إلى النزاع والشقاق.
القول الثاني: أن المراد بالشرطين: مسألة العينة.
وهذا اختيار ابن القيم.
وقالوا يجوز أن يشترط أكثر من شرط ما لم تكن الشروط محرّمة.
أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
ب- ولقوله ﷺ (المسلمون على شروطهم).
وجه الدلالة من الآية والحديث: أنهما دلا على وجوب الوفاء بالشروط، والخروج عن هذا الأصل يحتاج إلى دليل صريح.
ج- أن الأصل في المعاملات كلها: اصلها وشروطها الصحة والإباحة ما لم يدل دليل صريح على المنع.
وهذا هو الصحيح.
стр. 1445
• ما معنى قوله (وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ)؟
أي: لا يجوز للإنسان أن يربح في شيء لم يقبضه، كأن يبيع السلعة قبل قبضها، لأن السعلة قبل قبضها من ضمان البائع لا المشتري.
• ما معنى قوله (وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)؟
معنى الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع ما ليس عنده وملكه وقت العقد.
وقد قال ﷺ لحكيم بن حزام (لا تبع ما ليس عندك) رواه أبو داود.
قال ابن قدامة: لا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها، ليمضي ويشتريها ويسلمها، ولا نعلم فيه مخالفاً.
ومعنى العندية في قول النبي ﷺ (لا تبع ما ليس عندك) ما أفاده ابن القيم بقوله: العندية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة، فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين.
• وبيع ما ليس عند الإنسان يشمل أمور:
الأول: النهي عن بيع العين المعينة التي ليست عند البائع، بل هي مملوكة لغيره فيبيعها ثم يسعى في شرائها من صاحبها ثم يسلمها للمشتري
الثاني: يشمل بيع ما لا يقدر على تسليمه، لما فيه من الغرر.
قال الشيخ ابن باز: لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة بنقد أو نسيئة إلا إذا كان مالكاً لها وقد قبضها.
لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: (لا تبع ما ليس عندك).
وقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (لا يحل سلف وبيع، ولا بيع ما ليس عندك) رواه الخمسة بإسناد صحيح، وهكذا الذي يشتريها ليس له بيعها حتى يقبضها أيضاً، للحديثين المذكورين؛ ولما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)؛ ولما روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: (لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جزافا - يعني الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانه حتى يؤوه إلى رحالهم) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
والحكمة من النهي: لأن ما لا يملكه البائع على خطر، فقد يحصّل المبيع وقد لا يحصّله، وهذا فيه غرر وخطر، ويفضي إلى النزاع والخصومة.
стр. 1446
٨٠٤ - وَعَنْهُ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اَلْعُرْبَانِ) رَوَاهُ مَالِكٌ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، بِهِ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف لا يصح، ضعفه الإمام أحمد، والبيهقي، والنووي في المجموع، والمنذري في مختصر السنن، وابن حجر في التلخيص، والألباني في ضعيف الجامع الصغير.
• ما هو بيع العربون؟
قال ابن الأثير: العربون هو أن يشتري السلعة ويدفع إلى صاحبها شيئاً على أنّه إن أمضى البيع حُسب من الثمن، وإن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة ولم يرتجعه المشتري.
وقالت اللجنة الدائمة: هو أن يدفع المشتري للبائع أو وكيلاً مبلغاً من المال أقل من ثمن المبيع بعد تمام عقد البيع، لضمان المبيع؛ لئلا يأخذه غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فللبائع أخذه وتملكه.
• ما حكم بيع العربون؟
اختلف العلماء ﵏ في حكم بيع العربون على قولين:
القول الأول: التحريم.
ذهب إليه جمهور علماء الأمصار إلى أنّه غير جائز بل هو باطل ولا يصحّ.
وهو قول مالك، والشافعيّ، والليث ابن سعد، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والحنفية، وحكى ابن المنذر بطلانه عن ابن عباس، والحسن البصري.
أ-لحديث الباب.
ب- ولقوله ﷺ (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع) رواه الخمسة.
قال الشوكاني: فاشتمل العربون على شرطين فاسدين.
ج-قوله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُواْ أَموَالَكُم بَينَكُم بالباطل).
قال القرطبي في تفسيره: ومن أكْل أموال الناس بالباطل بيع العربان .. فهذا لا يصلح، ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين، والعراقيين، لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة وأكل المال بالباطل، بغير عوض ولا هبة، وذلك باطل بالإجماع.
د-أن في بيع العربان معنى الميسر، قاله الدهلوي في الحجة.
هـ-أنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة، كما لو قال: ولي الخيار، متى شئت رددت السلعة ومعها درهم.
القول الثاني: الجواز
وهو مذهب الإمام أحمد، وفعله عمر بن الخطاب ﵁، وعن ابن عمر أنه أجازه، وقال ابن المسيب: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها، ويرد معها شيئاً. قال أحمد: هذا في معناه.
أ- لما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وعلقه البخاري: عن عبد الرحمن بن فروخ (أن نافع بن عبد الحارث اشترى داراً للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر فالبيع له، وإن عمر لم يرض فأربعمائة لصفوان).
ومما يقوي هذا الحديث أيضا أن قصة شراء عمر بن الخطاب داراً للسجن بمكة من صفوان بن أمية ـ قد اشتهرت بين أهل العلم، وبين من كتب في تاريخ مكة، مثل: الأزرقي، والفاكهي، وابن شبة، حتى إنها كانت موجودة في عصر الفاكهي، وكانت لا تزال سجن مكة، فليراجع، والله أعلم.
ب-ومن المعقول: قالوا: إنّ ذلك الثمن في صفقة العربان إنّما استحقّه البائع في مقابل الزمن وتأخير بيعه وتفويت الفرصة على البائع.
قال الشيخ محمد بن عثيمين: الجهالة في بيع العربون ليست جهالة ميسر، لأن جهالة الميسر يكون فيه المتعاملان بين الغنم والغرم، أما هذه فإن البائع ليس بغارم، بل البائع غانم، وغاية ما هنالك أن ترد إليه سلعته، ومن المعلوم أن المشتري لو شرط الخيار لنفسه مدة يوم أو يومين كان ذلك جائزاً، وبيع العربون يشبه شرط الخيا، إلا أنه يعطى للبائع جزء من الثمن إذا رد إليه السلعة، لأن قيمتها قد تنقص إذا علم الناس بهذا، ولو على سبيل التقديم، ففيه مصلحة.
وفيه أيضاً مصلحة للبائع من وجه آخر، أن المشتري إذا سلم العربون فإن في هذا دافع لتتميم البيعة.
وفيه كذلك مصلحة للمشتري، لأنه يكون بالخيار في رد السلعة إذا دفع العربون، بينما لو لم يدفعه للزمه البيع .... (بحث للأخ عدنان الأحمدي).
стр. 1447
٨٠٥ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (اِبْتَعْتُ زَيْتاً فِي اَلسُّوقِ، فَلَمَّا اِسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحاً حَسَناً، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ اَلرَّجُلِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ اِبْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ; فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ اَلسِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ، حَتَّى يَحُوزَهَا اَلتُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
===
(اِبْتَعْتُ زَيْتاً فِي اَلسُّوقِ) أي: اشتريت.
(فَلَمَّا اِسْتَوْجَبْتُهُ) أي: استحققته.
(فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ اَلرَّجُلِ) أي: أعقد معه البيع، لأن من عادة المتبايعين أن يضرب أحدهما يده في يد الآخر عند عقد البيع.
(لَا تَبِعْهُ حَيْثُ اِبْتَعْتَهُ) أي: حيث اشتريته.
(حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ) أي: تحرزه وتضمه إليك بنقله إلى مكانك والتصرف فيه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لا يجوز بيع الشيء قبل قبضه وقبل نقله إلى رحله.
وهذ في كل شيء، عام في كل شيء، فلا يجوز بيع شيء حتى يحوزه إلى رحله.
فالحديث دليل على أنه لا يصح من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن يحوزه إلى رحله.
وقد تقدم وجه النهي عن بيع السلعة قبل قبضها.
والظاهر أن المراد به القبض، لكنه عبر عنه بما ذكر لما كان غالب قبض المشتري الحيازة إلى المكان الذي يختص به.
وأما نقله من مكان إلى مكان لا يختص به فعند الجمهور أن ذلك قبض.
• كيفية القبض:
إن كان مما يتناول باليد كالدراهم والثوب فقبضه نقل.
وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان آخر.
وما كان لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية.
ومما يدل على العموم - على أن السلع - أياً كانت - لا يجوز بيعها قبل حيازتها - حديث حكيم بن حزام عند البيهقي بسند جيد؛ قلت: يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع، فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: يا ابن أخي لا تبع شيئاً حتى تقبضه.
ومما يدل على أن الحكم عام في الطعام وغيره: حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين وغيرهما، أن النبي ﷺ قال (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)، قال ابن عباس (ولا أحسب كل شيء إلا مثله).
وقد حكى الخطابي في (معالم السنن)، وابن المنذر - كما عزاه إليه ابن القيم في (تهذيب السنن) - الإجماع على عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه.
أما غير الطعام، فقد حكى الخطابي وكذا ابن القيم للعلماء فيه أربعة أقوال.
رجح ابن القيم منها: القول بتعميم حكم المنع في الطعام وغيره.
стр. 1448
٨٠٦ - وَعَنْهُ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَبِيعُ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ اَلدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ اَلدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذَهِ مِنْ هَذِا؟ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم.
===
(أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا) أن المراد بسعر يومها: أنه سعر الصرف في السوق وقت الاقتضاء؛ فيكون معنى قوله في الحديث: " لا بأس أن تأخذها بسعر يومها مالم تتفرقا وبينكما شيء " أي لا حرج في أن تستبدل الدنانير التي لك في ذمة صاحبك بالدراهم أو العكس إذا كان هذا الاستبدال مراعى فيه سعر الصرف في السوق وقت الاقتضاء.
• ما صحة حديث الباب؟
روي هذا الحديث موقوفاً على ابن عمر ﵄ من طرق، وروي مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ من طرق أخرى تلتقي في سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر ﵄.
رواه عن سماك بن حرب مرفوعا أبو داود وأحمد والترمذي والنسائي والبيهقي والطيالسي وابن الجارود.
واختلف العلماء في صحته وضعفه.
فصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وممن صححه النووي في المجموع؛ قال: حديث ابن عمر صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وآخرون بأسانيد صحيحة، عن سماك بن حرب عن سعيد عن ابن عمر بلفظه هنا.
وذكر البيهقي في (معرفة السنن والآثار) أن أكثر الرواة وقفوه على ابن عمر. قلت: وهذا لا يقدح في رفعه. وقد قدمنا مرات أن الحديث إذا رواه بعضهم مرسلاً وبعضهم متصلاً وبعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً كان محكوماً بوصله ورفعه على المذهب الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون ومحققوا المحدثين من المتقدمين والمتأخرين.
وممن صححه أيضاً: ابن حبان، وحسنه السبكي في تكملة المجموع، ورجح رفعه ابن الملقن، وحسنه ابن بسام في توضيح الأحكام.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه يجوز أن يُقضَى عن الذهب فضة، وعن الفضة ذهباً.
• اذكر الشروط لكي تصح هذه المعاملة؟
يشترط التقابض قبل التفرق من مجلس العقد.
قال ابن عبد البر: ولا خلاف بين علماء المسلمين في تحريم النسيئة في بيع الذهب بالذهب والورق بالورق، وبيع الورق بالذهب و الذهب بالورق، وأن الصرف كله لا يجوز إلا هاء وهاء قبل الافتراق. هذه جملة اجتمعوا عليها.
لقوله ﷺ (إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
ومثل ذلك لو باع سلعة بالريال السعودي فله أن يعتاض عنه بالدينار الكويتي - مثلاً - بشرط التقابض.
стр. 1449
• هل يشترط أن يكون الاستبدال بسعر يومها؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه شرط.
وهذا مذهب الحنابلة، ورجحه الشوكاني، والشيخ ابن باز.
أ- لحديث الباب (لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا).
ب- ولئلا يربح فيما لم يدخل في ضمانه.
القول الثاني: أن ذلك ليس بشرط، بل يجوز بسعر يومها وأغلى وأرخص.
قال الخطابي: وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه، ولم يعتبر غيرُه السعر، فقد جاء في صحيح مسلم في حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ (الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد).
وقال ابن عبد البر في التمهيد: وأما قوله في هذا الحديث: بسعر يومكما فلم يعول عليه جماعة من الفقهاء، وقد ذكرنا ذلك عنهم في هذا الباب.
وقال الصنعاني: وأما قوله في رواية أبي داود بسعر يومها فالظاهر أنه غير شرط، وإن كان أمرا أغلبياً في الواقع، يدل على ذلك قوله فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم.
وقال في عون المعبود نقلا عن فتح الودود: والتقييد بسعر اليوم على طريق الاستحباب.
واستدل هؤلاء بحديث عبادة قال: قال ﷺ (الذهب بالذهب … ، فإذا اختلفتم الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
قالوا: لم يقيد الصرف بسعر معين عند تبادل الذهب بالفضة، أو العكس.
• ماذا قال أصحاب القول الثاني عن حديث الباب؟
أجابوا:
أولاً: أن الحديث موقوف على ابن عمر حيث لم يرفعه إلا سماك بن حرب، وهو مختلف فيه.
وأجيب: بما سبق من أن الحديث قد صححه جمع من أهل الحديث.
الثاني: على فرض صحة الحديث فهو محمول على الاستحباب؛ كما قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: والتقييد بسعر اليوم على طريق الاستحباب.
وقال الصنعاني: (وأما قوله في رواية أبي داوود (بسعر يومها) فالظاهر أنه غير شرط، وإن كان أمرا أغلبياً في الواقع. يدل على ذلك قوله (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم ").
وقال الشيخ عبدالله البسام ﵀: وهذا القيد للاستبدال غير مراد بالإجماع "
стр. 1450
• بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن حديث عبادة؟
قالوا: بأن حديث عبادة عام وحديث ابن عمر خاص، فيحمل العام على الخاص.
قال الشيخ ابن عثيمين: إذا أقرض الإنسان شخصاً دولارات فإنه يثبت في ذمة المقترض دولارات فقط، سواء اشترط ذلك أم لم يشترط، ولا يلزمه - أي لا يلزم المقترض - أن يوفي سواها، سواء زادت قيمتها أم نقصت أم بقيت على ما هي عليه، فمن اقترض شيئاً لم يثبت في ذمته إلا ما اقترضه فقط، ولكن لو أراد المقترض أن يوفي المقرض من عملة أخرى واتفقا على ذلك فلا بأس ولكن بشرط أن تكون بسعر يومها وألا يتفرقا وبينهما شيء " انتهى ملخصاً.
سئل الشيخ ابن باز ﵀: اقترضت من صديق مبلغاً من المال بالدولار، هل يجوز سداد هذا المبلغ بما يساويه من عملة أخرى كالريال اليمني مثلاً أو الجنيه؟
نعم لا بأس أن يكون الإنسان اقترض عملة ثم يسددها بعملة أخرى بالتراضي إذا رضي صاحب العملة الأولى أن يأخذ عنها عملة أخرى فلا حرج في ذلك، يداً بيد من غير تأخير فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قيل له يا رسول الله إننا نبيع الدنانير بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم فقال ﵊: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) فإذا اقترضت مثلاً مائة دولار وأعطيت صاحبها عنها عملة أخرى كالريال السعودي أو اليمني أو الدينار الأردني أو العراقي يداً بيد بحسب القيمة فلا بأس بذلك أو زدته زيادة على ذلك لأنك تراه محسن إليك فلا بأس لقول النبي ﷺ (خيار الناس أحسنهم قضاء) وهكذا لو باع عليك سيارة بعشرة آلاف مثلا دولار ثم أعطيته عنها ما يقابلها من الدنانير أو الريال السعودي أو اليمني أو ما أشبه ذلك من العمل الأخرى فلا بأس ولكن بشرط التقابض في المجلس وأن لا تتفرقا وبينكما شيء، وأن تعطيه إياها بسعر يومها حين المعاوضة.
стр. 1451
٨٠٧ - وَعَنْهُ قَالَ (نَهَى ﷺ عَنِ النَّجْشِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ما النجش؟
النجش: هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها.
• ما حكمه؟
حرام.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَلا تَنَاجَشُوا. وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ … ) متفق عليه.
• ما هدف الناجش؟
أ-أن ينفع البائع.
ب-أن يضر المشتري.
ج-أو الأمرين جميعاً.
هـ-أو مجرد العبث.
• ما الحكم لو وقع البيع؟
إذا وقع البيع فإن البيع صحيح عند أكثر العلماء.
لأن المنهي عنه هو الفعل لا العقد.
• ما حكم من وقع عليه النجش؟
من وقع عليه النجش فإن له الخيار إذا زاد الثمن عن العادة.
الخيار بين: أن يرد السلعة ويأخذ الثمن (الفسخ)، أو يبقيها بثمنها الذي استقر عليه العقد.
• ما حكم قول البائع أعطيت بالسلعة كذا وكذا، وهو كاذب؟ وهل يعتبر من النجش؟
يجب على البائع أن يصدق في بيعه، ولا يكذب، حتى يبارك الله له في بيعه، فإن كذب محق الله البركة من بيعه.
قال النبي ﷺ (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) رواه البخاري ومسلم.
وقول البائع: إنه أُعطي في السلعة كذا، وهو لم يُعْطَ هذا المبلغ كذبٌ بلا شك، وأكل لمال المشتري بالباطل، لأن المشتري إذا صَدَّق البائع أنه أُعطي في السلعة ١٠٥ فسوف يزيده بلا شك، فيكون البائع قد خدعه، وكذب عليه، ليزيد السعر، فيكون أكل ماله بالباطل، وقد نهى النبي ﷺ عن التناجش فقال: (وَلَا تَنَاجَشُوا) رواه البخاري ومسلم.
стр. 1452
والنَّجْش هو أن يأتي شخص لا يريد شراء سلعة فيزيد في ثمنها حتى يغر المشتري ويجعله يزيد في الثمن.
قال ابن قدامة في المغني: ولو قال البائع: أعطيت بهذه السلعة كذا وكذا، فصدقه المشتري، واشتراها بذلك، ثم بان كاذباً .. فهو في معنى النجش" انتهى.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٨/ ٣٠٢): ومن المناجشة: أن يقول البائع للمشتري: أعطيت في السلعة كذا، وهو يكذب، والمشتري سوف يقول: إذا كانت سِميت بمائتين فأشتريها بمائتين وعشرة، وفعلاً، اشتراها بمائتين وعشرة، وتبين أن قيمتها مائة وخمسون، فإن له الخيار، لأنه غُبِن (خُدِع) على وجه يشبه النجش. (الإسلام سؤال وجواب)
مسألة: قال العلماء: يستثنى من ذلك مسألتان:
المسألة الأولى: مسألة المزايدة: وهي أن يعرض البائع سلعته في السوق، ويتزايد المشترون فيها، فتباع لمن يدفع الأكثر، وهو المعروف بـ (بيع المزاد العلني) (الحراج).
لأن السلعة معروضة للزيادة، ولأن البائع لم يركن لمشترٍ معين.
بيع المناقصة: كأن تقول مؤسسة نريد عشر سيارات، ولا يذكرون السعر، تأتي شركة تقول عندي سيارات ب (١٠٠) وتقول شركة ثانية نفس السيارات (٩٠).
لأن أصل الشركة لما نزلت المناقصة تريد أقل ما يكون من الأسعار.
стр. 1453
٨٠٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ اَلْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ اَلثُّنْيَا، إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اِبْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
٨٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنِ اَلْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
• ما هي المحاقلة؟
مَأْخُوذَة مِنْ الْحَقْل وَهُوَ الْحَرْث وَمَوْضِع الزرع، وهي بَيْع الْحِنْطَة فِي سَنَبُلُّهَا بِحِنْطَةٍ صَافِيَة. (النووي).
قال الشيخ ابن عثيمين: صورة أخرى للمحاقلة: أن يبيع الإنسان حقله على الآخر بحقله.
مثال: عندي مزرعة وعندك مزرعة فبعتها عليك بمزرعتك وكلتاهما بر، فهذا لا يجوز.
• ما الحكمة من النهي؟
أما على الصورة الأولى: لتعذر العلم، فإذا فرضنا أن البر المحصود معلوم، فإن الزرع غير معلوم، فيكون باع براً غير معلوم ببر معلوم، وهذا لا يجوز.
وأما على الصورة الثانية: لجهالة أحد العوضين، لأنه مستور بأوراقه، والجهل في ذلك يوقع في الربا.
• ما هي المزابنة؟
المزابنة: هي بيع التمر على النخل بتمر مجذوذ.
مثال: أن يبيع رطباً على رؤوس النخل، بثمر في الزنبيل، فهذا لا يجوز.
مثال آخر: رجل عنده شجر من الأعناب، وآخر عنده أكياس من الزبيب، فقال أحدهما للآخر: نتبايع هذه الأشجار من الأعناب بهذه الأكياس من الزبيب، فهذا لا يجوز.
• ما الحكمة من النهي؟
أ-لأن ذلك مظنة الربا لعدم التساوي.
لأن بيع تمر بتمر يشترط فيه التساوي، والتساوي هنا معدوم.
لأنه لو فرضنا أن أكياس الزبيب معلومة المقدار، لكن أشجار العنب غير معلومة المقدار.
ب-حصول الغرر به، وكل ما حصل به غرر فهو غير صحيح.
• ما هي المخابرة؟
بضم الميم، مأخوذة من الخبار، وهي الأرض اللينة القابلة للزرع.
والمراد بها هنا: زراعة الأرض بجزء مما يخرج منها.
والمخابرة المنهي عنها ما كان فيه جهالة وغرر وهي (كل مزارعة فيها جهالة فهذه مخابرة).
مثال: أن يقول زارعتك على أن يكون لي شرقي الأرض ولك غربيها، فهذا لا يجوز للجهالة والغرر، لأنه قد يكون المحصول كثير من الشرقي دون الغربي أو بالعكس.
أو يقول: زارعتك على أن يكون لي البر ولك الشعير.
أو يقول: زارعتك على أن يكون لي (١٠٠) صاع من البر ولك الباقي.
стр. 1454
• ما الحكمة من النهي؟
لما ذلك من الجهالة والغرر والمخاطرة، لأنه ربما صلح هذا الجانب وتلف الآخر.
• ما معنى قوله (وَعَنْ اَلثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ)؟
معناه: أن يبيع شيئاً ويستثنى منه شيئاً غير معلوم.
كأن يقول: بعتك هذه الكتب إلا بعضها.
أو يقول: بعتك هذه النخلات العشر إلا واحدة.
أما إذا كانت معلومة فلا بأس.
كما لو قال: بعتك هذه النخلات العشر إلا هذه وعينها، فهذا يصح.
• ما الحكمة من النهي؟
لأن عدم التعيين غرر، ولجهالة المستثنى، وهذا يفضي إلى النزاع.
• ما هي المخاضرة؟
قال ابن حجر: المخاضرة بالخاء والضاد المعجمتين، وهي مفاعلة من الخضرة، والمراد: بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها
وقال ابن قتيبة: والمخاضرة التي نهي عنها بيع الثمار وهي خضر لم يبد صلاحها يسمي ذلك مخاضرة لأن المتبايعين تبايعا شيئاً أخضر فهي من اثنين مأخوذة من الخضرة.
• ما الحكمة من النهي؟
لأنه يؤدي إلى الغرر، فقد يصاب هذا الحب بآفات ويحصل في ذلك نزاع بين المشتري والبائع.
فائدة: يجوز في حالة واحدة، وهي إذا باعه على أنه علف لدوابه بشرط القطع في الحال.
стр. 1455
٨١٠ - وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (لَا تَلَقَّوْا اَلرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ ". قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: " وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ" قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
٨١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَلَقَّوا اَلْجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ اَلسُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا) السمسار: هو الوسيط بين البائع والمشتري لتسهيل الصفقة.
(فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ اَلسُّوقَ) المراد بالسيد المُتَلَّقَىَ.
• ما المراد بتلقي الركبان؟
الركبان: وهم من يقدمون للبلد لبيع سلعهم، والتعبير بالركبان خرج مخرج الغالب، وإلا فهو شامل للمشاة.
• ما حكم تلقي الركبان؟
منهي عنه، وهذا النهي للتحريم عند جمهور العلماء.
• ما الحكمة من النهي؟
لأن فيه ضرراً على الركبان، وعلى أهل البلد.
أما الركبان فإن المتلقي لهم سيأخذ السلعة بثمن أقل من ثمن السوق، فيحصل لهم الخديعة والغبن.
وأما أهل البلد فإن من تلقى هؤلاء فسوف يشتري منهم برخص، ويكون شراؤه سبب لرفع الأسعار، بخلاف ما لو هبطوا بها الأسواق، فإنه سوف يحصل منهم تنشيط لأهل البلد وربما نزلت الأسعار مع كثرة ما جلب.
قال النووي: سبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب وصيانته عن الخديعة.
• هل البيع صحيح أم فاسد؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: البيع صحيح.
وهذا مذهب الجمهور، ورجحه الشوكاني.
أ-لقوله ﷺ : ( … فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار).
قالوا: ثبوت الخيار للسيد فرع عن صحة البيع.
ب- ولأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد.
القول الثاني: أن البيع فاسد.
قال الشوكاني: وقال به بعض المالكية وبعض الحنابلة.
والراجح الأول.
стр. 1456
• ما الحكم إذا قدم الراكب السوق، وعلم أنه قد غبن؟
له الخيار.
لقوله ﷺ (لا تلقوا الجلب، فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار) رواه مسلم.
[سيده: المراد المُتَلَّقَىَ).
• ما المراد ببيع الحاضر للباد؟
أن يبيع المقيم لمن قدم من خارج البلد.
الحاضر هو المقيم في المدن والقرى.
والباد هو ساكن البادية.
وقد عبر بعض أهل العلم البادي بأعم من ذلك، كما قال ابن قدامة: "البادي ها هنا من يدخل البلدة من غير أهلها سواء كان بدوياً أو من قرية أو بلدة أخرى".
• إذاً يكون ذكر البادي مثالاً لا قيداً.
وقد جاء في رواية أن طاووس سأل ابن عباس: ما معنى لا يبع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمساراً.
[السمسار هو الذي يبيع لغيره بأجرة]
• ما حكم بيع الحاضر للباد؟
حرام.
وهو مذهب جماهير العلماء.
لدلالة الحديث على ذلك.
وذهب مجاهد وأبو حنيفة وأصحاب الرأي أن البيع صحيح.
قالوا: أن النهي كان في أول الإسلام لما كان عليهم من الضيق في ذلك، ثم نسخ بعموم قوله: الدين النصيحة.
• ما الجواب عن حديث (الدين النصيحة)؟
أجاب الجمهور عن حديث (الدين النصيحة) بأنه عام، والنهي عن بيع الحاضر للباد خاص، والخاص يقضي على العام.
وهذا هو الصحيح.
وقد جمع الإمام البخاري بين أدلة الفريقين، وجعل النهي خاص عمن يبيع بالأجرة كالسمسار، وأما من ينصحه ويعلمه بأن السعر كذا وكذا، فلا يدخل في النهي عنده.
لكن قال الشوكاني: البقاء على ظواهر النصوص هو الأولى، فيكون بيع الحاضر للبادي محرماً على العموم وسواء كان بأجرة أم لا.
• ما الحكمة من النهي؟
قال ابن قدامة: المعنى في ذلك أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص، ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها، وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد، ضاق على البلد، وقد أشار النبي ﷺ في تعليله إلى هذا المعنى.
جاء في رواية: (لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
خامساً: المشهور من مذهب الحنابلة إلى أن بيع الحاضر للباد باطل بشروط:
١ - أن يكون بالناس حاجة إلى السلعة.
٢ - أن يكون جاهلاً بسعر يومها، فإن كان يعلم السعر فلا حرج أن يبيع حاضر لبادي.
٣ - أن يقصده الحاضر ليبيع له، أما إذا قصده البادي فلا بأس أن يبيع.
لكن جمهور العلماء على صحة البيع مع الإثم.
أما بالنسبة للشروط التي ذكرها الحنابلة، فالأخذ بظاهر الحديث أولى.
قال الشوكاني: لا يخفى أن تخصيص العموم بمثل هذه الأمور من التخصيص بمجرد الاستنباط.
стр. 1457
٨١٢ - وَعَنْهُ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ اَلرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تُسْأَلُ اَلْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ (لَا يَسُمِ اَلْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ اَلْمُسْلِمِ).
===
• ما حكم بيع الرجل على بيع أخيه؟
حرام.
أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يبيع الرجل على بيع أخيه .. ) متفق عليه
ب-ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (لا يبع بعضكم على بيع بعض) رواه مسلم.
ج- ولحديث عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال (المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه) رواه مسلم.
• اذكر مثالاً على ذلك؟
مثال ذلك: أن يشتري شخص من إنسان سلعة بـ (١٠) ثم يأتيه آخر ويقول: أعطيك مثلها بـ (٩)، أو يقول أعطيك أحسن منها بـ (١٠).
• هل شراء الرجل على الرجل مثل ذلك؟
نعم، يحرم الشراء على شراء الرجل.
قال ابن قدامة: … كَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَجِيءَ إلَى الْبَائِعِ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ، فَيَدْفَعَ فِي الْمَبِيعِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اُشْتُرِيَ بِهِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا.
أ- لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
ب-وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ يُسَمَّى بَيْعًا، فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ.
ج-وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَاطِبِ. (المغني).
• اذكر مثالاً لذلك؟
مثال ذلك: علمتُ أن زيداً باع على عمر بيته بـ ١٠٠، فذهبت إلى زيد وقلت له: يا فلان، أنت بعت بيتك على عمر بـ ١٠٠، أنا سأعطيك ١٢٠.
• ما الحكمة من النهي؟
قطع العدوان على الغير، واجتناب ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء.
قال ابن قدامة: … فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ، وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِ.
• ما حكم هذا البيع؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أنه صحيح مع الإثم.
وهذا مذهب الجمهور كما ذكر ذلك الشوكاني.
القول الثاني: أنه باطل.
وهذا مذهب المالكية والحنابلة ورجحه ابن حزم وابن تيمية.
لأن النهي عائد إلى العقد نفسه.
стр. 1458
• هل يجوز البيع على بيع الكافر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز.
لقوله ﷺ (ولا يبع الرجل على بيع أخيه) والكافر ليس أخاً.
القول الثاني: لا يجوز.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قالوا: وأما قوله (لا يبع الرجل على بيع أخيه) فهذا قيد أغلبي لا مفهوم له.
مثال ذلك: اشترى مسلم من كافر سلعة، فلا يجوز أن يذهب البائع المسلم ويقول له: أنا أعطيك السلعة بأقل
• متى يجوز بيع الرجل على بيع الرجل؟
يجوز إذا أذِن له البائع.
لحديث ابْن عُمَرَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ (لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ). متفق عليه
قال الحافظ: قوله (إلا أن يأذن له) يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين كما هو قاعدة الشافعي.
ويحتمل أن يختص بالأخير.
ويؤيد الثاني رواية المصنف في النكاح من طريق بن جريج عن نافع بلفظ (نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب).
ومن ثم نشا خلاف للشافعية هل يختص ذلك بالنكاح أو يلتحق به البيع في ذلك والصحيح عدم الفرق، وقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ (لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر).
• ما حكم السوم على سوم الرجل؟
حرام.
لحديث الباب (لَا يَسُمِ اَلْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ اَلْمُسْلِمِ).
• ما معنى السوم على سوم الرجل؟
معناه: أن يتفق البائع والمشتري على البيع ولم يعقداه، فيأتي إنسان ويقول للبائع: رده، وأنا أشتريه منك بأكثر، أو يقول المستام: رده، وأنا أبيعك خيراً منه بثمنه، أو مثله بأرخص.
فالسوم على السوم يحرم: إذا كان السلعة معروضة بغير طريق المزايدة واستقر الثمن بالتراضي بين المتعاقدين.
قال النووي: أَمَّا السَّوْم عَلَى سَوْم أَخِيهِ فَهُوَ أَنْ يَكُون قَدْ اِتَّفَقَ مَالِك السِّلْعَة وَالرَّاغِب فِيهَا عَلَى الْبَيْع وَلَمْ يَعْقِدَاهُ، فَيَقُول الْآخَر لِلْبَائِعِ: أَنَا أَشْتَرِيه وَهَذَا حَرَام بَعْد اِسْتِقْرَار الثَّمَن، وَأَمَّا السَّوْم فِي السِّلْعَة الَّتِي تُبَاع فِيمَنْ يَزِيد فَلَيْسَ بِحَرَامٍ.
• أما السلعة إذا كانت معروضة عن طريق المزايدة فلا بأس بالسوم على سوم الآخر.
قال ابن قدامة: … الثَّانِي، أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا فَلَا يَحْرُمُ السَّوْمُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ فِي مَنْ يَزِيدُ.
فَرَوَى أَنَسٌ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ الشِّدَّةَ وَالْجَهْدَ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا بَقِيَ لَك شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَلَى، قَدَحٌ وَحِلْسٌ، قَالَ: فَأْتِنِي بِهِمَا فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَقَالَ مَنْ يَبْتَاعُهُمَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ، فَبَاعَهُمَا مِنْهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَهَذَا أَيْضًا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، يَبِيعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ.
стр. 1459
٨١٣ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اَللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.
٨١٤ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ (أَمَرَنِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَدْرِكْهُمَا، فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إِلَّا جَمِيعًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ اَلْقَطَّانِ.
===
• ما حكم التفريق بين الوالدة وولدها في البيع؟
حرام.
لحديث الباب.
• كأن يبيع الأم على شخص، ويبع ولدها الصغير على شخص آخر.
فالأرقاء لا يفرق بينهم، بل يباعون جميعاً أو يبقون جميعاً، حرصاً على بقاء الرحم والتعاطف بينهما.
قال ابن قدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا الطِّفْلِ غَيْرُ جَائِزٍ.
هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَاللَّيْثِ فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ فِيهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا تُولَهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا).
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا وَإِنْ رَضِيَتْ.
وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْوَلَدِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَرْضَى بِمَا فِيهِ ضَرَرُهَا، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ قَلْبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَنْدَمُ.
• هل يلحق بالبيغ غير البيع كالهبة والقسمة وغيرهما؟
نعم يلحق بالبيع، كالهبة والقسمة وغيرهما.
• هل هذا الحكم خاص بالصغير أم يشمل حتى البالغ؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَلَدِ كَبِيرًا بَالِغًا أَوْ طِفْلًا.
أ-لعموم الخبر.
ب-وَلِأَنَّ الْوَالِدَةَ تَتَضَرَّرُ بِمُفَارَقَةِ وَلَدِهَا الْكَبِيرِ، وَلِهَذَا حَرُمَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِدُونِ إذْنِهِمَا.
القول الثاني: أنه خاص بالصغير، وأما بعد البلوغ فيجوز التفريق.
وهذا مذهب الشافعي.
стр. 1460
قال ابن قدامة: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
أ-لما ورد أن سلمة بن الأكوع (أنه أتى أبا بكر بامرأة وابنتها، فنفّله أبو بكر ابنتها … ) رواه مسلم.
قال النووي: فيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا.
ب-ولأن الولد بعد البلوغ يصير مستقلاً بنفسه، والعادة التفريق بين الأحرار، فإن المرأة تزوج ابنتها.
مثال: فلو كانت الأم معها ابن عمره (١٧) عاماً، فإنه يجوز أن تباع الأم لشخص، ويباع الابن لشخص آخر.
قال ابن قدامة: لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ أَتَى بِامْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا، فَنَفَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَوَهَبَهَا لَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ مَارِيَةُ وَأُخْتُهَا سِيرِينُ، فَأَمْسَكَ مَارِيَةَ، وَوَهَبَ سِيرِينَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ.
وَلِأَنَّ الْأَحْرَارَ يَتَفَرَّقُونَ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوَّجُ ابْنَتُهَا، فَالْعَبِيدُ أَوْلَى.
وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ يَتَخَصَّصُ عُمُومُ حَدِيثِ النَّهْيِ. (المغني).
• هل يقاس على الوالدة العمة أو الخالة؟
نقول: إذا نظرنا إلى حديث علي قلنا: إنها تقاس العمة والخالة، لأن في حديث علي: تحريم التفريق بين الأخوين، وأخذ العلماء من هذا والذي قبله قاعدة: وقالوا: لا يجوز التفريق بين ذوي الرحم في البيع.
والضابط: أن كل مملوكين لو قدر أن أحدهما ذكر والآخر أنثى لم يحل أن يتزوج الآخر لقرابته منه، فإنه لا يجوز التفريق بينهما.
فالعمة وابن أخيها لا يجوز التفريق بينهما، لأنه لا يحل التناكح بينهما، وابن العم وابن عمه يجوز التفريق بينهما، لأنه لو كان أحدهما أنثى لجاز أن يتزوجه الآخر. (ابن عثيمين).
• ما حكم البيع إذا وقع؟
لا يصح ويجب نقضه.
لقوله ﷺ (فَقَالَ: أَدْرِكْهُمَا، فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إِلَّا جَمِيعاً).
• هل هذا التفريق حرام حتى في العتق؟
لا، في العتق يجوز أن يعتق الأم ويدع الولد، أو يعتق الولد ويدع الأم، لأنه لا ضرر في هذا. (ابن عثيمين).
стр. 1461
٨١٥ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال (غَلَا اَلسِّعْرُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ اَلنَّاسُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! غَلَا اَلسِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلْمُسَعِّرُ، اَلْقَابِضُ، اَلْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اَللَّهَ تَعَالَى، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(غَلَا اَلسِّعْرُ بِالْمَدِينَةِ) أي: ارتفع الثمن على غير المعتاد.
(فَسَعِّرْ لَنَا) التسعير: تحديد أثمان الأشياء.
• عرف التسعير؟
التسعير: هو إلزام ولي الأمر - أو من يقوم مقامه - الناس بثمن معين لا يتبايعون إلا به فيمنعون من الزيادة عليه أو النقص عنه عند الضرورة في الطعام وغيره مما يحتاج الناس إليه بحيث يراعي حق الطرفين بالعدل للمصلحة العامة.
• ما حكم التسعير؟ (في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها).
فقد ذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الأصل عدم جواز التسعير في هذه الحالة.
أ-لقول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم).
وجه الدلالة: أن الله تعالى جعل التراضي شرطًا لإباحة التجارات، والتسعير في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها يفوت ذلك، إذ إنه يتضمن إلزام أصحاب السلع والخدمات أن يبيعوا بما لا يرضون.
وأيضاً: هذه الآية أنها تفيد إطلاق الحرية للبائع، والتسعير حجر عليه وإلزام له بصفة معينة في البيع؛ إذ قد لا يكون راضياً به فيكون كالأكل بالباطل الذي نهت الآية الكريمة عنه.
ب- حديث الباب.
ج- ولحديث أبي هريرة قال (جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر. فقال: بل أدعو الله، ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله سعر. فقال: بل الله يخفض ويرفع) رواه أبو داود.
ووجه الدلالة من هذين الحديثين: أنهما يدلان على تحريم التسعير، ويتضح ذلك من وجهين:
أولهما: أن الرسول ﷺ امتنع عن التسعير مع أن الصحابة طلبوا منه ذلك وتكرر الطلب منهم ومع ذلك لم يسعر، فلو كان التسعير جائزا لأجابهم إلى طلبهم. وعلى هذا يكون التسعير غير جائز.
ثانيهما: أن الرسول ﷺ علل امتناعه عن التسعير بأنه ظلم، والظلم حرام. وعلى هذا يكون التسعير حراماً.
• ما حكم التسعير إذا غلا السعر؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة واختاره الشوكاني.
واستدلوا بالأدلة السابقة التي تدل على تحريم التسعير.
стр. 1462
القول الثاني: يجوز عند الحاجة.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره ابن تيمية.
رأي شيخ الإسلام ابن تيمية: قال: السعر منه ما هو ظلم لا يجوز ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب.
فأما الأول: فمثل ما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله لو سعرت؟ فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال». رواه أبو داود وصححه.
فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.
وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها - مع ضرورة الناس إليها - إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به.
فشيخ الإسلام ابن تيمية لا يرى الأخذ بالتسعير مطلقاً وفي كل الأحوال، وإنما يفرق بين حالتين:
الأولى: حالة ما إذا كان الغلاء ناتجاً عن قلة العرض وكثرة الطلب دون أن يكون للتجار دخل في ذلك، فهنا لا يرى الأخذ بالتسعير بل يراه ضرباً من ضروب الظلم والعدوان.
стр. 1463
الثانية: حالة ما إذا كان الغلاء ناتجاً عن جشع التجار واستغلالهم للناس، فهنا يرى أن التسعير حلال بل واجب، ويتعين على ولي الأمر تحديد الأسعار - في هذه الحالة - حماية للناس من جشع التجار واستغلالهم.
وهذا ما يتفق مع سماحة الشريعة الإسلامية وعدالتها لما فيه من جلب المصالح ودفع المفاسد ورفع الظلم عن الناس.
• هل المسعر من أسماء الله؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه من أسماء الله.
الذين ألحقوا " المسعر" بأسماء الله الحسنى:
الإمام القرطبي، والإمام ابن حزم، والإمام عبد الحق الإشبيلي، المعروف بابن الخراط والإمام الشوكاني، قال: قَوْلُهُ: الْمُسَعِّرُ: فيه دَلِيلٌ على أَنَّ الْمُسَعِّرَ من أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك.
أ- لحديث الباب.
ب-عَنْ أَبِى هُرَيْرَة (أَنَّ رَجُلاً جَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ. فَقَالَ «بَلْ أَدْعُو». ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ فَقَالَ «بَلِ اللَّهُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ لأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَة) رواه أحمد.
ج-عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ (غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا لَهُ: لَوْ قَوَّمْتَ لَنَا سِعْرَنَا، قَال: إن اللهَ هُوَ الْمُقَوِّمُ، أَوِ الْمُسَعِّرُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُفَارِقَكُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ، فِي مَالٍ وَلَا نَفْس) رواه أحمد.
القول الثاني: أنه ليس من اسماء الله.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان: هل المسعر والقابض والباسط من أسماء الله أم من صفاته؟
الجواب: لا أسماء ولا صفات، ولا يجوز أن تكون أسماء ولا صفات، ولكن الله يُخبر عنه بأنه يفعل هذه الأشياء وباب الخبر واسع، كما يقال: إن الله موجود، وإنه شيء، ولا يسمى بأنه موجود، ولا بأنه شيء، وباب الخبر واسع، ولا يقال: إنه هو الزارع؛ ولا نسميه الزارع، ولهذا يطلق على بني آدم ذلك كثيراً ولا أحد ينكره.
وقال العلوان: المسعر ليس من أسماء الله لأنه ليس فيه مدح.
стр. 1464
٨١٦ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(إِلَّا خَاطِئٌ) الخاطئ المذنب.
• عرف الاحتكار؟
الاحتكار: هو حبس مال أو منفعة أو عمل، والامتناع عن بيعه وبذله حتى يغلو سعره غلاءً فاحشاً غير معتاد، بسبب قلته، أو انعدام وجوده في مظانه، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه.
• ما حكم الاحتكار؟
حرام.
وهذا قول جماهير العلماء.
أ- لحديث الباب.
قال الشوكاني في (نيل الأوطار) والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف في إفادة عدم الجواز لأن الخاطئ المذنب العاصي.
وقال الصنعاني رحمة الله: الخاطئ هو العاصي الآثم، وفى الباب أحاديث دالة على تحريم الاحتكار.
ب- وعن أبي أمامة. قال (نهى رسول الله ﷺ أن يُحتكر الطعام) رواه الحاكم والبيهقي.
ج - جاء في ذلك عدة أحاديث في أسانيدها ضعف:
عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ (من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة).
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ).
وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله).
وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال (من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس) رواه ابن ماجة.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون).
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
قال الإمام الشوكاني رحمة الله: ولا شك أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها للاستدلال على عدم جواز الاحتكار، ولو فرض عدم ثبوت شيء منها في الصحيح فكيف وحديث معمر مذكور في صحيح مسلم.
• هل الاحتكار عام في كل شيء أو أنه خاص بالطعام؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: أن الاحتكار خاص في الأقوات خاصة.
وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة (الحنابلة عندهم أنه خاص بقوت الآدمي فقط).
أ- عن عمر قال: قال ﷺ (من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس). رواه ابن ماجه وهو ضعيف
ب-وعن ابن عمر قال: قال ﷺ (من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ منه الله). رواه الحاكم وهو ضعيف
ج- حديث أبي أمامة السابق (نهى رسول الله ﷺ أن يُحتكر الطعام).
قالوا: فلما خص الطعام بالنهي عن احتكاره، دل على أن غيره جائز.
د- أن الضرر الأعم إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف.
القول الثاني: أن الاحتكار عام في كل شيء، سواء كان قوتاً أو غيره.
وهو قول مالك والثوري.
لحديث الباب، فهو عام.
وهذا الصحيح.
• ما الحكمة من تحريم الاحتكار؟
أولاً: أنه ينافي قوله ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
ثانياً: فيه ضراراً بالناس واستغلال حاجاتهم.
ثالثاً: بث روح الحقد والبغضاء بين المسلمين.
стр. 1465
٨١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا تَصُرُّوا اَلْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ اِبْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ اَلنَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: - فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ -.
وَفِي رِوَايَةٍ: - لَهُ، عَلَّقَهَا - اَلْبُخَارِيُّ (رَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ) قَالَ اَلْبُخَارِيُّ: وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ.
٨١٨ - وَعَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (مَنِ اِشْتَرَى شَاةً مَحَفَّلَةً، فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَزَادَ اَلْإِسْمَاعِيلِيُّ: مِنْ تَمْرٍ.
===
(لَا تَصُرُّوا اَلْإِبِلَ وَالْغَنَمَ) بضم التاء وفتح الصاد، أي: لا تجمعوا اللبن في ضرعها.
(فَمَنِ اِبْتَاعَهَا) أي: فمن اشتراها.
(بَعْدُ) أي: بعد التصرية.
(فَإِنَّهُ بِخَيْرِ اَلنَّظَرَيْنِ) أي: أحسن الرأيين.
• ما معنى قوله ﷺ (لا تَصُرُّوا اَلْإِبِلَ وَالْغَنَمَ)؟
قال النووي: مَعْنَاهُ لَا تَجْمَعُوا اللَّبَن فِي ضَرْعهَا عِنْد إِرَادَة بَيْعهَا حَتَّى يَعْظُم ضَرْعهَا فَيَظُنّ الْمُشْتَرِي أَنَّ كَثْرَة لَبَنهَا عَادَة لَهَا مُسْتَمِرَّة، وَمِنْهُ قَوْل الْعَرَب: صَرَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض أَيْ جَمَعْته وَصَرَّى الْمَاء فِي ظَهْره أَيْ حَبَسَهُ فَلَمْ يَتَزَوَّج.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم تصرية الإبل والغنم، وكانوا يجمعون لبنها في ضرعها ليظن من رآها أنها كثيرة اللبن، فيشتريها بزيادة، فنهاهم النبي ﷺ .
• وهل مثل الإبل والغنم البقر وغيرها أم لا؟
نعم.
قال ابن قدامة: جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّصْرِيَةِ بَيْنَ الشَّاةِ وَالنَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ، وَشَذَّ دَاوُد، فَقَالَ: لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِتَصْرِيَةِ الْبَقَرَةِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ (لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُمَا بِخِلَافِهِمَا، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهِمَا بِالنَّصِّ، وَالْقِيَاسُ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ (مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (مَنْ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً).
وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَلِأَنَّهُ تَصْرِيَةٌ بِلَبَنٍ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، أَشْبَهَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، وَالْخَبَرُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَصْرِيَةِ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا أَغْزَرُ وَأَكْثَرُ نَفْعًا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ. (المغني).
وقال الحافظ ابن حجر: لكن لم يذكر البقر لغلبتهما عندهم، وإلا فحكمهما سواء خلافاً لداود الظاهري. (قاله في الفتح)
وقال ولي الدين: الظاهر أن ذكر الإبل والغنم دون غيرهما، خرج مخرج الغالب فيما كانت العرب تصريه، وتبيعه، تدليساً وغشاً، فإن البقر قليل ببلادهم، وغير الأنعام لا يقصد لبنها غالباً، فلم يكونوا يصرون غير الإبل والغنم، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.
• ما الحكمة من التحريم؟
أولاً: لأن ذلك غش وخداع وتدليس وإيذاء للحيوان، وقد قال ﷺ : (من غشنا فليس منّا).
ثانياً: أن في ذلك ضرراً على الحيوان.
стр. 1466
• ما حكم من اشتراها ووجدها مصراة؟
هو بالخيار ثلاثة أيام إذا علم بالتصرية بين أمرين:
إما أن يمسكها بلا أرش.
وإن شاء ردها إلى البائع وصاعاً من تمر.
وقد ذهب إلى ذلك عامة أهل العلم.
قال في الفتح: وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود، وأبو هريرة، ولا مخالف لهما من الصحابة، وقال به من التابعين، ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتُلب قليلاً أو كثيراً، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا.
• إن ردها ماذا يرد معها؟
يرد معها صاعاً من تمر.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
لوروده في الحديث: (وصاعاً من تمر).
قال النووي: ثُمَّ إِذَا اِخْتَارَ رَدّ الْمُصَرَّاة بَعْد أَنْ حَلَبَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْر سَوَاء كَانَ اللَّبَن قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، سَوَاء كَانَتْ نَاقَة أَوْ شَاة أَوْ بَقَرَة، هَذَا مَذْهَبنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَابْن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُف وَأَبُو ثَوْر وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ الصَّحِيح الْمُوَافِق لِلسُّنَّةِ.
وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: يَرُدّ صَاعًا مِنْ قُوت الْبَلَد وَلَا يَخْتَصّ بِالتَّمْرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَطَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِرَاق وَبَعْض الْمَالِكِيَّة وَمَالِك فِي رِوَايَة غَرِيبَة عَنْهُ: يَرُدّهَا وَلَا يَرُدّ صَاعًا مِنْ تَمْر لِأَنَّ الْأَصْل أَنَّهُ إِذَا أَتْلَفَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ رَدّ مِثْله إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَقِيمَته. وَأَمَّا جِنْس آخَر مِنْ الْعُرُوض فَخِلَاف الْأُصُول، وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْ هَذَا بِأَنَّ السُّنَّة إِذَا وَرَدَتْ لَا يُعْتَرَض عَلَيْهَا بِالْمَعْقُولِ.
• ما الحكمة من تقييده بالتمر؟
قال النووي: وَأَمَّا الْحِكْمَة فِي تَقْيِيده بِصَاعِ التَّمْر، لِأَنَّهُ كَانَ غَالِب قُوتهمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت فَاسْتَمَرَّ حُكْم الشَّرْع عَلَى ذَلِكَ. (نووي)
ولأن التمر أشبه باللبن أو الحليب من غيره، لكونه غذاء وقوتاً، ولا يحتاج إلى كلفة ومؤنة حين الانتفاع به.
• هذا التمر عوضاً عن ماذا؟
هذا التمر عوض عن اللبن الذي كان في ضرعها.
• لماذا قدره النبي ﷺ بصاع؟
قدر النبي ﷺ بالصاع، مع أن اللبن قد يكون كثيراً، وقد يكون قليلاً قطعاً للنزاع.
قال النووي: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِب مِثْله وَلَا قِيمَته بَلْ وَجَبَ صَاع فِي الْقَلِيل وَالْكَثِير لِيَكُونَ ذَلِكَ حَدًّا يَرْجِع إِلَيْهِ وَيَزُول بِهِ التَّخَاصُم. وَكَانَ ﷺ حَرِيصًا عَلَى رَفْع الْخِصَام وَالْمَنْع مِنْ كُلّ مَا هُوَ سَبَب لَهُ.
стр. 1467
• ما صحة البيع؟
البيع صحيح لقوله (إن رضيها أمسكها)، وهو مجمع عليه.
وأنه يثبت للمشتري الخيار إذا علم بالتصرية، وبه قال الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة فقال: لا يردها، بل يرجع بنقصان العيب.
• ما الحكم إذا علم بالتصرية قبل حلبها؟
قال ابن قدامة: وَإِنْ عَلِمَ بِالتَّصْرِيَةِ قَبْلَ حَلْبِهَا، مِثْلُ أَنْ أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ، أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَلَهُ رَدُّهَا، وَلَا شَيْءَ مَعَهَا؛ لِأَنَّ التَّمْرَ إنَّمَا وَجَبَ بَدَلًا لِلَّبَنِ الْمُحْتَلَبِ وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا، فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) وَلَمْ يَأْخُذْ لَهَا لَبَنًا هَاهُنَا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ شَيْءٍ مَعَهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
• ما الحكم لو احتلبها وترك اللبن بحاله، هل يرد اللبن أم صاعاً من تمر؟
قال ابن قدامة: وَأَمَّا لَوْ احْتَلَبَهَا وَتَرَك اللَّبَنَ بِحَالِهِ ثُمَّ رَدَّهَا، رَدَّ لَبَنهَا، وَلَا يُلْزِمُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ.
لِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فَرَدَّهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ.
فَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ قَبُولَهُ، وَطَلَبَ التَّمْرَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ.
لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْحَلْبِ، وَكَوْنُهُ فِي الضَّرْعِ أَحْفَظَ لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى رَدِّ الْمُبْدَلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْبَدَلُ، كَسَائِرِ الْمُبْدَلَاتِ مَعَ أَبْدَالِهَا.
وَالْحَدِيثُ الْمُرَادُ بِهِ رَدُّ التَّمْرِ حَالَةَ عَدَمِ اللَّبَنِ؛ لِقَوْلِهِ (فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ).
وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُمْ إنَّ الضَّرْعَ أَحْفَظُ لَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ إبْقَاؤُهُ فِي الضَّرْعِ عَلَى الدَّوَامِ، وَبَقَاؤُهُ يَضُرُّ بِالْحَيَوَانِ.
• ما الحكم إذا اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام؟
قال ابن قدامة: فَإِنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً مِنْ غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، كَالْأَمَةِ وَالْأَتَانِ وَالْفَرَسِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
لِعُمُومِ قَوْلِهِ (مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً و مَنْ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً).
وَلِأَنَّهُ تَصْرِيَةٌ بِمَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهِ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ، كَتَصْرِيَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَبَنَ الْآدَمِيَّةِ يُرَادُ لِلرَّضَاعِ، وَيُرَغِّبُ فِيهَا ظِئْرًا وَيُحَسِّنُ ثَدْيَهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ كَثْرَةَ لَبَنِهَا، فَبَانَ بِخِلَافِهِ، مَلَكَ الْفَسْخَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لَمَا ثَبَتَ بِاشْتِرَاطِهِ، وَلَا مَلَكَ الْفَسْخَ بِعَدَمِهِ.
وَلِأَنَّ الْأَتَانَ وَالْفَرَسَ يُرَادَانِ لِوَلَدِهِمَا.
وَالثَّانِي: لَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ.
لِأَنَّ لَبَنَهَا لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ، وَلَا يُقْصَدُ قَصْدَ لَبَنِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ لَبَنِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَكْثَرُ، وَاللَّفْظُ الْعَامُ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَ فِي رَدِّهَا بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَلَا يَجِبُ فِي لَبَنِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ وَرَدَ عَامًّا وَخَاصًّا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَيُحْمَلُ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعَامِّ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ الْخَاصُّ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ. (المغني).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحديث دَلِيل عَلَى تَحْرِيم التَّدْلِيس فِي كُلّ شَيْء. (وهو أن يظهر السلعة بمظهر مرغوب فيه وهي خالية منه)
وله صورتان:
الأولى: أن يظهر الشيء على وجه أكمل مما هو عليه.
الثانية: أن يظهره على وجه كامل وفيه عيب.
- وَأَنَّ التَّدْلِيس بِالْفِعْلِ حَرَام كَالتَّدْلِيسِ بِالْقَوْلِ.
стр. 1468
٨١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: " مَا هَذَا يَا صَاحِبَ اَلطَّعَامِ" قَالَ: أَصَابَتْهُ اَلسَّمَاءُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. فَقَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ اَلطَّعَامِ; كَيْ يَرَاهُ اَلنَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(على صُبْرة) بضم الصاد وإسكان الباء هي: الكومة من الطعام.
(فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا) أي أدركت، والبَلَل، الرطوبة والنداوة، وهذا البلل كان مستوراً بالطعام اليابس.
(ما هذا؟) استفهام إنكاري، أي: ما هذا البلل المنبئ غالباً عن الغش.
(يَا صَاحِبَ اَلطَّعَامِ؟) يحتمل أنه ترك نداءه باسمه لعدم العلم به، أو أنه للتسجيل عليه بإضافته إلى ما غش به من زيادة في زجره وتوبيخه.
(أَصَابَتْهُ اَلسَّمَاءُ) أي: المطر.
(أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ اَلطَّعَامِ) استفهام يراد به النصح والإرشاد، أي: لتسلم من الغش الذي هو من أقبح الأوصاف.
(كَيْ يَرَاهُ اَلنَّاسُ) تعليل لما قبله.
(مَنْ غَشَّ) وفي الرواية الأخرى (من غشنا) واللفظ الأول أعم، والغش: المراد به هنا: كتم عيب المبيع أو الثمن.
(فَلَيْسَ مِنِّي) وفي حديث ابن عمر (فليس منا) أي ليس على طريقتنا وهدينا وسنتنا، وليس المراد إخراجه عن الإسلام.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم الغش في البيع والشراء وأنه من الكبائر.
أ-لحديث الباب ( .. من غش فليس مني).
وقد جاء بلفظ عام، في حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) رواه مسلم، فيدخل فيه كل أنواع الغش.
قال الخطَّابي: (معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أنَّ من غشَّ أخاه وترك مناصحته، فإنَّه قد ترك اتباعي والتمسك بسنَّتي).
قال القاضي عياض: (معناه بيَّن في التحذير من غش المسلمين، لمن قلده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم).
قال العظيم آبادي: (والحديث دليلٌ على تحريم الغشِّ، وهو مُجمَع عليه).
وقال الغزالي: (يدل على تحريم الغش … ).
ب- وعن معقل بن يسار. قال: قال ﷺ (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) متفق عليه.
قال النووي: (معناه: بَيِّن في التحذير من غشِّ المسلِمين لِمَنْ قلَّده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خانَ فيما اؤتُمِن عليه فلم ينصح فيما قلَّده، إمَّا بتضييعه تعريفَهم ما يلزمهم من دينهم، وأخذهم به، وإمَّا بالقِيام بما يتعيَّن عليه، من حفظ شرائعهم، والذبِّ عنها … وقد نبَّه النبي ﷺ على أنَّ ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة من الجنَّة).
وقال ابن عثيمين: فإنَّ فيه التحذير من غش الرعيَّة، وأنَّه ما من عبد يسترعيه الله على رعيته ثم يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وأنَّه إذا لم يحطهم بنصيحته فإنه لا يدخل معهم الجنَّة.
ج- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من طعام، لا سمراء).
قال ابن عبد البر: وهذا الحديث أصل في النهي عن الغش، وأصل فيمن دلَّس عليه بعيب، أو وجد عيبًا بما ابتاعه، أنه بالخيار في الاستمساك أو الرد.
وقال الأمير الصنعاني: الحديث أصل في النَّهي عن الغش، وفي ثبوت الخيار لمن دلَّس عليه.
стр. 1469
• ما تعريف الغش؟
الغش: هو كتم عيب المبيع أو الثمن.
قال ابن عرفة: في حدوده: إبداء البائع ما يوهم كمالاً في مبيعه كاذباً أو كتم عيبه.
وقال في لسان العرب: الغش نقيض النصح.
• ما معنى قوله (من غش فليس مني) وفي الرواية الثانية (من غشنا فليس منا)؟
أي: ليس على طريقنا وهدينا.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: ومعناه عند أهل العلم أنه ليس ممن اهتدى بهدينا، واقتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا … وهكذا القول في كل الأحاديث الواردة بنحو هذا القول، كقوله ﷺ من غش فليس منا وأشباهه.
وقال ابن حجر: (ليس منا) أي ليس على طريقتنا أو ليس متبعا لطريقتنا لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله ونظيره (من غشنا فليس منا) و (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب) وهذا في حق من لا يستحل ذلك، فأما من يستحله فإنه يكفر باستحلال المحرم بشرطه لا مجرد حمل السلاح، والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر، وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه.
• اذكر بعض صور الغش؟
الغش له صور كثيرة:
منها: غش الراعي لرعيته.
قال النبي ﷺ (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) متفق عليه.
ومنها: الغش في البيوع والمعاملات.
كما في حديث الباب.
يقول ابن حجر مبيناً هذا النوع من الغش: الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع، أو مشتر فيها شيئًا، لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل.
ومنها: الغش في النصيحة.
وذلك بعدم الإخلاص فيها، وعدم الصدق.
قال ﷺ (الدين النصيحة) رواه مسلم.
وقال جرير (بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) رواه مسلم.
والغش في الصناعة، والغش في النكاح، بأن تصل المرأة شعرها بشعر غيرها، أو تدعي أنها بكر ونحو ذلك،
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الصدق والبيان والنصح في البيع سبب للبركة، لحديث (فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما).
- وجوب إظهار العيب، وتحريم كتمه، ليكون المشتري على علم وبصيرة.
- أن التدليس في البيع حرام، وهو أن يخفي العيب، وللمشتري الخيار.
- الغش يناقض الإيمان، لأن من مقتضى الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، والغش ينافي ذلك.
- حرص الشريعة على إبعاد كل ما يؤدي إلى الضرر بالمسلم.
- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- على ولي الأمر إنكار المنكرات ووعظ أصحابها.
стр. 1470
٨٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ حَبَسَ اَلْعِنَبَ أَيَّامَ اَلْقِطَافِ، حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْراً، فَقَدَ تَقَحَّمَ اَلنَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ) رَوَاهُ اَلطَّبَرَانِيُّ فِي " اَلْأَوْسَطِ " بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
لا يصح.
قال ابن حبان في (المجروحين) حديث منكر.
وقال الذهبي (في الميزان) خبر موضوع.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم بيع العنب لمن يتخذه خمراً.
لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَصِيرِ لِمَنْ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا مُحَرَّمٌ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ التَّمْرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ مُسْكِرًا.
قَالَ الثَّوْرِيُّ بِعْ الْحَلَالَ مِمَّنْ شِئْت.
وَاحْتَجَّ لَهُمْ بُقُولِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً.
فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وَشَارِبَهَا وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَسَاقِيَهَا).
وَأَشَارَ إلَى كُلِّ مُعَاوِنٍ عَلَيْهَا، وَمُسَاعِدٍ فِيهَا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ قَيِّمًا كَانَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ عِنَبٍ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ زَبِيبًا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُبَاعَ إلَّا لِمَنْ يَعْصِرُهُ، فَأَمَرَ بِقَلْعِهِ، وَقَالَ: بِئْسَ الشَّيْخُ أَنَا إنْ بِعْت الْخَمْرَ وَلِأَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَيْهَا لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِلْمَعْصِيَةِ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ أَمَتِهِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهَا لِيَزْنِيَ بِهَا.
وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ بِدَلِيلِنَا.
وَقَوْلُهُمْ: تَمَّ الْبَيْعُ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ.
قُلْنَا: لَكِنْ وُجِدَ الْمَانِعُ مِنْهُ.
• كيف يعرف البائع أن المشتري يريد أن يتخذ العنب للخمر؟
يعرف ذلك بعلمه، أو بالقرائن القوية.
قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ، إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ قَصْدَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ، إمَّا بِقَوْلِهِ، وَإِمَّا بِقَرَائِنَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ، تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
أَمَّا إنْ كَانَ الْأَمْرُ مُحْتَمِلًا، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مَنْ لَا يَعْلَمُ، أَوْ مَنْ يَعْمَلُ الْخَلَّ وَالْخَمْرَ مَعًا، وَلَمْ يَلْفِظْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْخَمْرِ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ. (المغني).
стр. 1471
قال الشوكاني: لكن قوله (حبس) وقوله أو (ممن يعلم أن يتخذه خمراً) يدلان على اعتبار القصد والتعمد للبيع لمن يتخذه خمراً، ولا خلاف في التحريم مع ذلك.
وأما مع عدمه فذهب جماعة من أهل العلم إلى جوازه منهم الهادوية مع الكراهة ما لم يعلم أنه يتخذه لذلك ولكن الظاهر أن البيع من اليهودي والنصراني لا يجوز لأنه مظنة لجعل الخمر خمراً.
ويؤيد المنع من البيع مع ظن استعمال المبيع في معصية، ما أخرجه الترمذي وقال غريب من حديث أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال ( … ولا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام) (نيل الأوطار)
وقال الشيخ ابن عثيمين: إن قال قائل: ما الذي يدريني أن هذا الرجل اشترى العصير ليتخذه خمراً أو ليشربه في الوقت الحاضر؟.
نقول: إذا غلب على الظن أن هذا من القوم الذين يشترون العصير ليتخذوه خمراً كفى ذلك وصار هذا حراماً؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله قد نهى عن ذلك، وإلا فالأصل الصحة، وعدم المنع. (الشرح الممتع).
• هل هذا الحكم - وهو التحريم - يجري في كل من باع شيئاً لأحد يستخدمه في محرم؟
نعم.
قال ابن قدامة: وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ، كَبَيْعِ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْفِتْنَةِ، وَبَيْعِ الْأَمَةِ لِلْغِنَاءِ، أَوْ إجَارَتِهَا كَذَلِكَ، أَوْ إجَارَةِ دَارِهِ لِبَيْعِ الْخَمْرِ فِيهَا، أَوْ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً، أَوْ بَيْتَ نَارٍ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ.
فَهَذَا حَرَامٌ، وَالْعَقْدُ بَاطِلٌ؛ لِمَا قَدَّمْنَا.
وقال ابن تيمية في (شرح العمدة) وكل لباس يغلب على الظن أنه يستعان به على معصية، فلا يجوز بيعه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم. (الأحد: ٢٦/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ).
• اذكر بعض الفوائد من الحديث؟
- تحريم الخمر.
- تحريم الإعانة على الإثم.
- تحريم بيع كل معين على المعصية.
- أن الوسائل لها حكم المقاصد.
стр. 1472
٨٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَضَعَّفَهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ اَلْقَطَّانِ.
===
(الخراج) ما يخرج ويحصل من الفوائد والمنافع الحاصلة من العين المباعة أو المؤجرة، مثل لبن الحيوان، والانتفاع بالدابة أو السيارة.
(بالضمان) أي: مقابل الضمان.
• ما معنى الحديث؟
معناه: أن ما يحصل من فوائد ومنافع العين المباعة يكون للمشتري في مقابل ضمانه للعين المباعة، إذ لو تلفت العين كانت من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، ومثل ذلك العين المؤجرة.
لأن من تحمل الخسارة - لو حصلت - يجب أن يحصل على الربح.
قال أَبو عبيد وغيره من أَهل العلم: معنى الخراج في هذا الحديث غلة العبد يشتريه الرجلُ فيستغلُّه زماناً، ثم يَعْثُرُ منه على عَيْبٍ دَلَّسَهُ البائعُ ولم يُطْلِعْهُ عليه، فله رَدُّ العبد على البائع والرجوعُ عليه بجميع الثمن، والغَّلةُ التي استغلها المشتري من العبد طَيِّبَةٌ له لأَنه كان في ضمانه، ولو هلك هلك من ماله.
• تعني هذه القاعدة: أن من رد بعيب في عقد من العقود فليس عليه رد المنافع التي حصل من المردود، لأنه مستحق لها في مقابلة غرمها لو طرأ عليها طارئ يستوجب ذلك الغرم.
قد يعبر الفقهاء عن هذه القاعدة بعبارات مختلفة:
الغرم بالغنم - المنافع بالضمان - من ضمن مالاً فله ربحه.
فمن اشترى ماشية فحلبها، أو أرضاً فاستعملها، أو سيارة فركبها أو حمل عليها، ثم وجد بشيء من ذلك عيباً، فله أن يرد العين المباعة، ويأخذ الثمن، ولا شيء عليه فيما انتفع به، بل هو مقابل ضمانه المبيع، لأنه لو تلف في يده لكان من ضمانه.
стр. 1473
٨٢٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اِشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ - رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ.
٨٢٣ - وَأَوْرَدَ اَلتِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِداً: مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ.
===
• ما تعريف بيع الفضولي؟
المراد بالفضول لغة: هو من يشتغل بما لا يعنيه، أو بما ليس له، وعمله يسمى فضالة.
وعند الفقهاء: هو من يتصرف في حق الغير بغير إذن شرعي أو ولاية.
• ما حكم بيع الفضولي؟
اختلف العلماء في بيع الفضولي - وقد تقدم ذلك -.
تحرير محل النزاع:
أ-إذا لم يجز المالك تصرف الفضولي فلا ينفذ تصرفه بلا خلاف.
ب- إذا كان الفضولي معذوراً لعدم تمكنه من استئذان المالك فيقف نفاده على الإجازة بلا خلاف كما قال ابن تيمية بل حكى اتفاق الصحابة على ذلك.
• محل الخلاف إذا أجازه هل ينفذ أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن بيع الفضولي وشراءه باطل.
وهذا مذهب الشافعي في الجديد، ومذهب الحنابلة وبه قال الظاهرية.
أ- لحديث حكيم بن حزام مرفوعاً (لا تبع ما ليس عندك) رواه الترمذي.
وجه الدلالة: أن الفضولي ليس بمالك، فكان ممنوعاً من البيع والشراء لعدم الملك.
ب-ولحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً (لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك). رواه أبو داود
وجه الدلالة: أن فيه النهي عن بيع ما لا يملك، وهذا الفضولي لا يملك، والنهي يقتضي الفساد فيبطل.
ج- ولحديث أبي بكرة مرفوعاً (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن تصرف الفضولي في مال الغير حرام، لأنه تصرف في مال أخيه المسلم بلا إذن فيحرم د-ولأنه تمليك مالا يملك، وبيع مالا يقدر على تسيلمه، فأشبه بيع الطير في الهواء.
القول الثاني: أن تصرف الفضولي موقوف على الإجازة، فإن أجازه المالك صح وإلا فلا.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
أ-واستدلوا بحديث الباب.
وجه الدلالة: أن عروة قد أذن له الرسول ﷺ بشراء شاة واحدة، ولم يأذن له في البيع، فاشترى شاة أخرى، وباع، وكل ذلك كان من قبيل تصرف الفضولي، فأجازه الرسول ودعا له بالبركة.
ب-أن عقد الفضولي إذا أجازه المالك جاز قياساً على الوصية بأكثر من الثلث، فإنها تصح وتكون موقوفة على إجازة الورثة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز الوكالة.
стр. 1474
٨٢٤ - وَعَنِ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ اَلْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ اَلْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ اَلْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ اَلصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ اَلْغَائِصِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
٨٢٥ - وَعَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَشْتَرُوا اَلسَّمَكَ فِي اَلْمَاءِ; فَإِنَّهُ غَرَرٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ اَلصَّوَابَ وَقْفُهُ.
٨٢٦ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ) رَوَاهُ اَلطَّبَرَانِيُّ فِي " اَلْأَوْسَطِ " وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ.
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " اَلْمَرَاسِيلِ " لِعِكْرِمَةَ، وَهُوَ اَلرَّاجِحُ.
وَأَخْرَجَهُ أَيْضاً مَوْقُوفاً عَلَى اِبْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَرَجَّحَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ.
٨٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ) رَوَاهُ اَلْبَزَّارُ، وَفِي إِسْنَادِه ضَعْفٌ.
===
• ما صحة هذه الأحاديث التي ذكرها المصنف ﵀؟
-حديث أبي سعيد إسناده ضعيف كما قال المصنف ﵀، وضعفه ابن حزم، والبيهقي وقال: وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي، فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهي عنه في الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ .
- وحديث ابن مسعود (لَا تَشْتَرُوا اَلسَّمَكَ فِي اَلْمَاءِ … ) اختلف فيه رفعاً ووقفاً، والراجح عند الأئمة: الدارقطني والبيهقي والخطيب وابن الجوزي أنه موقوف.
- وحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ .. ) حديث ضعيف، قال البيهقي - بعد أن أخرجه مرفوعاً موصولاً - تفرد برفعه عمر بن فروخ وليس بالقوي، وقد أرسله عنه وكيع، ورواه غيره موقوفاً - ثم ساق رواية الموقوف ثم قال - هذا هو المحفوظ: موقوف.
وقال النووي: هذا الأثر عن ابن عباس صحيح رواه الدارقطني والبيهقي، وروياه عنه مرفوعاً بإسناد ضعيف.
- وحديث أبي هريرة كما قال المصنف إسناده ضعيف.
• اذكر صور البيوع المذكورة في الحديث وسبب تحريمها؟
الأول: شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ اَلْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ.
وهو بيع الحمل، وتقدم علة النهي عن بيعه في حديث (حبل الحبلة).
ثانياً: وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا.
أي: بيع اللبن في الضرع، فلا يجوز بيع اللبن في الضرع.
قال ابن قدامة: وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
أ-وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ). رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
ب-وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ، فَأَشْبَهَ الْحَمْلَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَمْ تُخْلَقْ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ مَا تَحْمِلُ النَّاقَةُ، وَالْعَادَةُ فِي ذَلِكَ تَخْتَلِفُ. (المغني).
ج-أنه يدخل في بيوع الغرر المنهي، لأن انتفاخ الضرع قد يكون لبناً وقد يكون لسمنٍ، ويحتمل أن يكون لبناً صافياً أو كدراً.
وقال الشوكاني: قوله (وعن بيع ما في ضروعها) هو أيضا مجمع على عدم صحة بيعه قبل انفصاله لما فيه من الغرر والجهالة، إلا أن يبيعه منه كيلاً نحو أن يقول بعت منك صاعاً من حليب بقرتي فإن الحديث يدل على جوازه لارتفاع الغرر والجهالة.
стр. 1475
ثالثاً: وَعَنْ شِرَاءِ اَلْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ.
فلا يجوز بيع العبد الآبق، وهو الهارب من سيده.
لعدم القدرة على تسليمه.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ الْآبِقِ لَا يَصِحُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَكَانَهُ، أَوْ جَهِلَهُ، وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَالْفَرَسِ الْعَائِرِ، وَشِبْهِهِمَا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ بَعِيرًا شَارِدًا.
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْآبِقِ، إذَا كَانَ عِلْمُهُمَا فِيهِ وَاحِدًا.
وَعَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ.
أ-وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهَذَا بَيْعُ غَرَرٍ.
ب-وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، فَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِ إنْسَانٍ، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ.
رابعاً: وَعَنْ شِرَاءِ اَلْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ.
المغانم: جمع مغنم، والغنائم جمع غنيمة، وهي ما أصيب من أموال الكفار.
فلا يجوز أن يبيع المغانم قبل قسمتها من القسمة، لأن نصيب الغانم مجهول المقدار، ثم إنه باع ما لا يملك.
قال ابن القيم: والنهي عن شراء المغانم حتى تقسم داخل في النهي عن بيع ما ليس عنده، فهو بيع غرر ومخاطرة
وقال الشوكاني: قوله (وشراء المغانم) مقتضى النهي عدم صحة بيعها قبل القسمة، لأنه لا ملك لأحد من الغانمين قبلها، فيكون ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
• اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز أخذ شيء من الغنيمة على وجه التملك قبل القسمة، وأن ذلك غلول ومحرّم.
واتفقوا أيضاً على أن بيع شيء من الغنيمة قبل القسمة محرّم، لعدم تمكن الملك قبل القسمة، وأن البيع إذا وقع لا يصح، لعدم القدرة على التسليم.
وحكم البيع إذا وقع: يكون باطلاً على قول جمهور العلماء.
خامساً: وَعَنْ شِرَاءِ اَلصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ.
مثاله: رجل فقير يعطيه الناس من صدقاتهم، فجاءه شخص فقال بعني ما يأتيك من صدقة. (كغنم أو بقرة).
فهذا منهي عنه
للجهالة، ولأنه بيع ما لا يملك.
سادساً: وَعَنْ ضَرْبَةِ اَلْغَائِصِ.
قال ابن الأثير: فيه أنه نهى عن ضربة الغائص، وهو أن يقول: أغوص في البحر غوصة بكذا فما أخرجته فهو لك، وإنما نهي عنه لأنه غرر.
следующие страницы →