← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

قال الشوكاني: لكن قوله (حبس) وقوله أو (ممن يعلم أن يتخذه خمراً) يدلان على اعتبار القصد والتعمد للبيع لمن يتخذه خمراً، ولا خلاف في التحريم مع ذلك. وأما مع عدمه فذهب جماعة من أهل العلم إلى جوازه منهم الهادوية مع الكراهة ما لم يعلم أنه يتخذه لذلك ولكن الظاهر أن البيع من اليهودي والنصراني لا يجوز لأنه مظنة لجعل الخمر خمراً. ويؤيد المنع من البيع مع ظن استعمال المبيع في معصية، ما أخرجه الترمذي وقال غريب من حديث أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال ( … ولا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام) (نيل الأوطار) وقال الشيخ ابن عثيمين: إن قال قائل: ما الذي يدريني أن هذا الرجل اشترى العصير ليتخذه خمراً أو ليشربه في الوقت الحاضر؟. نقول: إذا غلب على الظن أن هذا من القوم الذين يشترون العصير ليتخذوه خمراً كفى ذلك وصار هذا حراماً؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله قد نهى عن ذلك، وإلا فالأصل الصحة، وعدم المنع. (الشرح الممتع). • هل هذا الحكم - وهو التحريم - يجري في كل من باع شيئاً لأحد يستخدمه في محرم؟ نعم. قال ابن قدامة: وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ، كَبَيْعِ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْفِتْنَةِ، وَبَيْعِ الْأَمَةِ لِلْغِنَاءِ، أَوْ إجَارَتِهَا كَذَلِكَ، أَوْ إجَارَةِ دَارِهِ لِبَيْعِ الْخَمْرِ فِيهَا، أَوْ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً، أَوْ بَيْتَ نَارٍ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. فَهَذَا حَرَامٌ، وَالْعَقْدُ بَاطِلٌ؛ لِمَا قَدَّمْنَا. وقال ابن تيمية في (شرح العمدة) وكل لباس يغلب على الظن أنه يستعان به على معصية، فلا يجوز بيعه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم. (الأحد: ٢٦/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ). • اذكر بعض الفوائد من الحديث؟ - تحريم الخمر. - تحريم الإعانة على الإثم. - تحريم بيع كل معين على المعصية. - أن الوسائل لها حكم المقاصد.

стр. 1472

٨٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَضَعَّفَهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ اَلْقَطَّانِ. === (الخراج) ما يخرج ويحصل من الفوائد والمنافع الحاصلة من العين المباعة أو المؤجرة، مثل لبن الحيوان، والانتفاع بالدابة أو السيارة. (بالضمان) أي: مقابل الضمان. • ما معنى الحديث؟ معناه: أن ما يحصل من فوائد ومنافع العين المباعة يكون للمشتري في مقابل ضمانه للعين المباعة، إذ لو تلفت العين كانت من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، ومثل ذلك العين المؤجرة. لأن من تحمل الخسارة - لو حصلت - يجب أن يحصل على الربح. قال أَبو عبيد وغيره من أَهل العلم: معنى الخراج في هذا الحديث غلة العبد يشتريه الرجلُ فيستغلُّه زماناً، ثم يَعْثُرُ منه على عَيْبٍ دَلَّسَهُ البائعُ ولم يُطْلِعْهُ عليه، فله رَدُّ العبد على البائع والرجوعُ عليه بجميع الثمن، والغَّلةُ التي استغلها المشتري من العبد طَيِّبَةٌ له لأَنه كان في ضمانه، ولو هلك هلك من ماله. • تعني هذه القاعدة: أن من رد بعيب في عقد من العقود فليس عليه رد المنافع التي حصل من المردود، لأنه مستحق لها في مقابلة غرمها لو طرأ عليها طارئ يستوجب ذلك الغرم. قد يعبر الفقهاء عن هذه القاعدة بعبارات مختلفة: الغرم بالغنم - المنافع بالضمان - من ضمن مالاً فله ربحه. فمن اشترى ماشية فحلبها، أو أرضاً فاستعملها، أو سيارة فركبها أو حمل عليها، ثم وجد بشيء من ذلك عيباً، فله أن يرد العين المباعة، ويأخذ الثمن، ولا شيء عليه فيما انتفع به، بل هو مقابل ضمانه المبيع، لأنه لو تلف في يده لكان من ضمانه.

стр. 1473

٨٢٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اِشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ - رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. ٨٢٣ - وَأَوْرَدَ اَلتِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِداً: مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. === • ما تعريف بيع الفضولي؟ المراد بالفضول لغة: هو من يشتغل بما لا يعنيه، أو بما ليس له، وعمله يسمى فضالة. وعند الفقهاء: هو من يتصرف في حق الغير بغير إذن شرعي أو ولاية. • ما حكم بيع الفضولي؟ اختلف العلماء في بيع الفضولي - وقد تقدم ذلك -. تحرير محل النزاع: أ-إذا لم يجز المالك تصرف الفضولي فلا ينفذ تصرفه بلا خلاف. ب- إذا كان الفضولي معذوراً لعدم تمكنه من استئذان المالك فيقف نفاده على الإجازة بلا خلاف كما قال ابن تيمية بل حكى اتفاق الصحابة على ذلك. • محل الخلاف إذا أجازه هل ينفذ أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن بيع الفضولي وشراءه باطل. وهذا مذهب الشافعي في الجديد، ومذهب الحنابلة وبه قال الظاهرية. أ- لحديث حكيم بن حزام مرفوعاً (لا تبع ما ليس عندك) رواه الترمذي. وجه الدلالة: أن الفضولي ليس بمالك، فكان ممنوعاً من البيع والشراء لعدم الملك. ب-ولحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً (لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك). رواه أبو داود وجه الدلالة: أن فيه النهي عن بيع ما لا يملك، وهذا الفضولي لا يملك، والنهي يقتضي الفساد فيبطل. ج- ولحديث أبي بكرة مرفوعاً (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) متفق عليه. وجه الدلالة: أن تصرف الفضولي في مال الغير حرام، لأنه تصرف في مال أخيه المسلم بلا إذن فيحرم د-ولأنه تمليك مالا يملك، وبيع مالا يقدر على تسيلمه، فأشبه بيع الطير في الهواء. القول الثاني: أن تصرف الفضولي موقوف على الإجازة، فإن أجازه المالك صح وإلا فلا. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. أ-واستدلوا بحديث الباب. وجه الدلالة: أن عروة قد أذن له الرسول ﷺ بشراء شاة واحدة، ولم يأذن له في البيع، فاشترى شاة أخرى، وباع، وكل ذلك كان من قبيل تصرف الفضولي، فأجازه الرسول ودعا له بالبركة. ب-أن عقد الفضولي إذا أجازه المالك جاز قياساً على الوصية بأكثر من الثلث، فإنها تصح وتكون موقوفة على إجازة الورثة. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - جواز الوكالة.

стр. 1474

٨٢٤ - وَعَنِ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ اَلْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ اَلْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ اَلْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ اَلصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ اَلْغَائِصِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. ٨٢٥ - وَعَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَشْتَرُوا اَلسَّمَكَ فِي اَلْمَاءِ; فَإِنَّهُ غَرَرٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ اَلصَّوَابَ وَقْفُهُ. ٨٢٦ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ) رَوَاهُ اَلطَّبَرَانِيُّ فِي " اَلْأَوْسَطِ " وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " اَلْمَرَاسِيلِ " لِعِكْرِمَةَ، وَهُوَ اَلرَّاجِحُ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضاً مَوْقُوفاً عَلَى اِبْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَرَجَّحَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ. ٨٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ) رَوَاهُ اَلْبَزَّارُ، وَفِي إِسْنَادِه ضَعْفٌ. === • ما صحة هذه الأحاديث التي ذكرها المصنف ﵀؟ -حديث أبي سعيد إسناده ضعيف كما قال المصنف ﵀، وضعفه ابن حزم، والبيهقي وقال: وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي، فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهي عنه في الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ . - وحديث ابن مسعود (لَا تَشْتَرُوا اَلسَّمَكَ فِي اَلْمَاءِ … ) اختلف فيه رفعاً ووقفاً، والراجح عند الأئمة: الدارقطني والبيهقي والخطيب وابن الجوزي أنه موقوف. - وحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ .. ) حديث ضعيف، قال البيهقي - بعد أن أخرجه مرفوعاً موصولاً - تفرد برفعه عمر بن فروخ وليس بالقوي، وقد أرسله عنه وكيع، ورواه غيره موقوفاً - ثم ساق رواية الموقوف ثم قال - هذا هو المحفوظ: موقوف. وقال النووي: هذا الأثر عن ابن عباس صحيح رواه الدارقطني والبيهقي، وروياه عنه مرفوعاً بإسناد ضعيف. - وحديث أبي هريرة كما قال المصنف إسناده ضعيف. • اذكر صور البيوع المذكورة في الحديث وسبب تحريمها؟ الأول: شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ اَلْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ. وهو بيع الحمل، وتقدم علة النهي عن بيعه في حديث (حبل الحبلة). ثانياً: وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا. أي: بيع اللبن في الضرع، فلا يجوز بيع اللبن في الضرع. قال ابن قدامة: وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. أ-وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ). رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ. ب-وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ، فَأَشْبَهَ الْحَمْلَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَمْ تُخْلَقْ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ مَا تَحْمِلُ النَّاقَةُ، وَالْعَادَةُ فِي ذَلِكَ تَخْتَلِفُ. (المغني). ج-أنه يدخل في بيوع الغرر المنهي، لأن انتفاخ الضرع قد يكون لبناً وقد يكون لسمنٍ، ويحتمل أن يكون لبناً صافياً أو كدراً. وقال الشوكاني: قوله (وعن بيع ما في ضروعها) هو أيضا مجمع على عدم صحة بيعه قبل انفصاله لما فيه من الغرر والجهالة، إلا أن يبيعه منه كيلاً نحو أن يقول بعت منك صاعاً من حليب بقرتي فإن الحديث يدل على جوازه لارتفاع الغرر والجهالة.

стр. 1475

ثالثاً: وَعَنْ شِرَاءِ اَلْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ. فلا يجوز بيع العبد الآبق، وهو الهارب من سيده. لعدم القدرة على تسليمه. قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ الْآبِقِ لَا يَصِحُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَكَانَهُ، أَوْ جَهِلَهُ، وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَالْفَرَسِ الْعَائِرِ، وَشِبْهِهِمَا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ بَعِيرًا شَارِدًا. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْآبِقِ، إذَا كَانَ عِلْمُهُمَا فِيهِ وَاحِدًا. وَعَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ. أ-وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا بَيْعُ غَرَرٍ. ب-وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، فَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِ إنْسَانٍ، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ. رابعاً: وَعَنْ شِرَاءِ اَلْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ. المغانم: جمع مغنم، والغنائم جمع غنيمة، وهي ما أصيب من أموال الكفار. فلا يجوز أن يبيع المغانم قبل قسمتها من القسمة، لأن نصيب الغانم مجهول المقدار، ثم إنه باع ما لا يملك. قال ابن القيم: والنهي عن شراء المغانم حتى تقسم داخل في النهي عن بيع ما ليس عنده، فهو بيع غرر ومخاطرة وقال الشوكاني: قوله (وشراء المغانم) مقتضى النهي عدم صحة بيعها قبل القسمة، لأنه لا ملك لأحد من الغانمين قبلها، فيكون ذلك من أكل أموال الناس بالباطل. • اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز أخذ شيء من الغنيمة على وجه التملك قبل القسمة، وأن ذلك غلول ومحرّم. واتفقوا أيضاً على أن بيع شيء من الغنيمة قبل القسمة محرّم، لعدم تمكن الملك قبل القسمة، وأن البيع إذا وقع لا يصح، لعدم القدرة على التسليم. وحكم البيع إذا وقع: يكون باطلاً على قول جمهور العلماء. خامساً: وَعَنْ شِرَاءِ اَلصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ. مثاله: رجل فقير يعطيه الناس من صدقاتهم، فجاءه شخص فقال بعني ما يأتيك من صدقة. (كغنم أو بقرة). فهذا منهي عنه للجهالة، ولأنه بيع ما لا يملك. سادساً: وَعَنْ ضَرْبَةِ اَلْغَائِصِ. قال ابن الأثير: فيه أنه نهى عن ضربة الغائص، وهو أن يقول: أغوص في البحر غوصة بكذا فما أخرجته فهو لك، وإنما نهي عنه لأنه غرر.

стр. 1476

سابعاً: بيع السمك. فلا يجوز بيع السمك وهو في الماء. قال ابن قدامة: وَلَا السَّمَكِ فِي الْآجَامِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ، قَالَ: إنَّهُ غَرَرٌ. وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ. وَالْمَعْنَى لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْمَاءِ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا. الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ رَقِيقًا، لَا يَمْنَعُ مُشَاهَدَتَهُ وَمَعْرِفَتَهُ. الثَّالِثُ، أَنْ يُمْكِنَ اصْطِيَادُهُ وَإِمْسَاكُهُ. فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ فَجَازَ بَيْعُهُ، كَالْمَوْضُوعِ فِي الطَّسْتِ. وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْنَا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِذَلِكَ. (المغني). ثامناً: أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ. فلا يجوز بيع الثمرة قبل أن تطعم (قبل أن يبدو صلاحها). كما في حديث ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ). متفق عليه الحكمة في النهي قبل بدو صلاحها: أنه في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها غرراً وخطراً ظاهراً يفضي إلى المفاسد الكثيرة بين المسلمين من إيقاع التشاحن والتشاجر وأكل مال الغير بغير حق. فالبائع إذا باع قبل بدو الصلاح وتعجل البيع فإنه ستقل قيمتها عما لو أخر البيع إلى ما بعد الصلاح والنضج فيكون في ذلك خسارة عليه. وأما المشتري: ففي ذلك حفظ لماله من الضياع والمخاطر والتغرير، لأن الثمرة قد تتلف وتنالها الآفات قبل الانتفاع بها فيذهب ماله، فنهي عن ذلك تحصيناً للأموال من الضياع وحفظاً للحقوق، وقطعاً للمخاصمات والمنازعات بين المتبايعين. وقد قسم ابن قدامة بيع الثمر قبل بدو صلاحه إلى أقسام، فقال ﵀: لا يخلوا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشتريها بشرط التبقية، فلا يصح البيع إجماعاً، لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمشتري، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. القسم الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع، لأن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، وهذا مأمون فيما يقطع فصح بيعه كما لو بدا صلاحه. القسم الثالث: أن يبيعها مطلقاً، ولم يشترط قطعاً ولا تبقية، فالبيع باطل، وبه قال مالك والشافعي، وأجازه أبو حنيفة. ثم قال مرجحاً رأي الجمهور في حكم هذا القسم الأخير: ولنا أن النبي ﷺ أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فيدخل فيه محل النزاع.

стр. 1477

تاسعاً: وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ. اختلف العلماء في بيع الصوف على الظهر؟ ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى تحريمه وبطلانه، وعزاه النووي إلى جماهير العلماء. أ-لحديث الباب. ب-ولأنه لا يمكن تسليمه إلا باستئصاله من أصله، ولا يمكن ذلك إلا بإيلام الحيوان وهذا لا يجوز. ج- ولأن الصوف ينبت من أسفل ساعة فساعة، فيختلط المبيع بغيره، بحيث يتعذر التمييز في ذلك. د- ولحصول الجهالة والتنازع بين المتبايعين في موضع القطع مما قد يفضي إلى الخصومة بينهما. قال الشيخ ابن عثيمين: القول الثاني: أنه يصح بيع الصوف على الظهر بشرط الجز في الحال وألا تتضرر به البهيمة؛ لأنه مشاهد معلوم، ولا مانع من بيعه فلا يشتمل البيع على محذور، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه إذا بيع بشرط الجز في الحال فهو كما لو بيع الزرع بشرط الجز في الحال، والنماء الذي قد يحصل يزول باشتراط جزه في الحال. فإن قال قائل: ما الجواب على الحديث الذي اسْتُدِلَّ به وهو حديث ابن عباس ﵄؟. قلنا الجواب: إن صح الحديث، فإنما نهى عنه؛ لأنه قد يتأذى الحيوان بجزه، ولا سيما إذا جزه في أيام الشتاء فيكون النهي ليس لعلة الجهالة ولكن لعلة الأذى. وأما القياس وهو أنه متصل بالحيوان، فهو كجزء من أجزائه، فجوابنا على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أننا لا نسلم منع بيع الجزء المعلوم المشاهد، كبيع الرأس مثلاً، وبيع الرقبة، وبيع اليد من العضد فلا نسلم أن بيع هذا حرام؛ لأنه مشاهد معلوم، وليس فيه غرر ولا جهالة. الوجه الثاني: أنه لا يصح القياس؛ لأن الشعر أو الصوف في حكم المنفصل، فكيف يجعل في حكم الجزء، والعجب أن الفقهاء ﵏ قالوا: إنَّ مس المرأة لشهوة ناقض للوضوء، ومس شعرها لا ينقض الوضوء، قالوا: لأنه في حكم المنفصل!! فالراجح في هذه المسألة أن بيع الصوف على الظهر جائز، لكن بشرط أن يجز في الحال وألاَّ يلحق الحيوان أذى، أما إذا لحق الحيوان أذى مُنِعَ لا لأنه مجهول، ولكن لأذى الحيوان. عاشراً: بَيْعِ اَلْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ. قال أبو عبيد: الملاقيح: ما في البطون، وهي الأجنة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول. ونهي عنه لأن المبيع مجهول الصفة، ومتعذر التسليم. • ما حكم بيع الطائر في الهواء؟ لا يجوز. لعدم القدرة على تسليمه. • ما حكم ما يسمى بالبوفيه المفتوح؟ ما تفعله بعض المطاعم من تحديد ثمن معين للوجبة حتى الإشباع ـ الذي يظهر ـ أنه من الغرر اليسير الذي لا يؤثر في صحة البيع، وهو يشبه ما ذكره النووي ﵀ في كلامه السابق من دخول الحمام بأجرة معلومة، مع عدم العلم بكمية الماء المستعمل، وكذلك الشرب من السقاء مع عدم العلم بكمية الماء. لكن إذا كان الإنسان يعلم من نفسه أنه يأكل كثيراً خارجاً عن المعتاد فإنه يجب عليه أن يذكر لهم ذلك، لأن هذا يكون غررا كثيراً. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " مسألة: هناك محلات تبيع الأطعمة تقول: ادفع عشرين ريالا والأكل حتى الشبع؟ الجواب: الظاهر أن هذا يتسامح فيه؛ لأن الوجبة معروفة، وهذا مما تتسامح فيه العادة، ولكن لو عرف الإنسان من نفسه أنه أكول فيجب أن يشترط على صاحب المطعم؛ لأن الناس يختلفون.

стр. 1478

بَابُ اَلْخِيَارِ بالخيار: الخيار هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه. وعرفه بعضهم: هو الخيار الذي يثبته الشرع للعاقدين عقداً لازما في فسخه ما داما لم يتفرقا بأبدانهما. ٨٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً بَيْعَتَهُ، أَقَالَهُ اَللَّهُ عَثْرَتَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. === (مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً) أي: بيعه. (أَقَالَهُ اَللَّهُ عَثْرَتَهُ) أي: غفر زلته وخطيئته. • ما صحة حديث الباب؟ صحيح. • عرف الإقالة؟ هي: رفع عقد المعاوضة المالي اللازم للمستقيل باتفاق العاقدين. فقولنا: المعاوضة: يخرج النكاح فرفعه يكون بالطلاق. وتقييده باللزوم يخرج غير اللازم فإن فسخه لا يسمى إقالة لأنه لا يشترط فيه رضا المتعاقدين. وقولنا باتفاق العاقدين: يخرج ما لو أُكرها على رفع العقد. وفي الموسوعة الفقهية: هي رَفْعُ الْعَقْدِ وَإِلْغَاءُ حُكْمِهِ وَآثَارِهِ بِتَرَاضِي الطَّرَفَيْن. • ما صورة الإقالة؟ قال في إنجاح الحاجة: صورة إقالة البيع إذا اشترى أحد شيئاً من رجل ثم ندم على اشترائه، إما لظهور الغبن فيه، أو لزوال حاجته إليه، أو لانعدام الثمن، فرد المبيع على البائع وقبل البائع رده أزال الله مشقته وعثرته يوم القيامة لأنه إحسان منه على المشتري، لأن البيع كان قد ثبت فلا يستطيع المشتري فسخه. (عون المعبود). • وينبغي أن يعلم أن عقد البيع إذا تم بصدور الإيجاب والقبول من المتعاقدين فهو عقد لازم والعقود اللازمة عند الفقهاء لا يملك أحد المتعاقدين فسخها إلا برضى الآخر إذا لم يكن بينهما خيار. لقوله ﷺ (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا)، ومع ذلك فقد اتفق أهل العلم على أن من آداب البيع والشراء الإقالة. قال الإمام الغزالي عند ذكره الإحسان في المعاملة، الخامس: أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع ولا ينبغي أن يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه، قال ﷺ (من أقال نادماً صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة). (إحياء علوم الدين).

стр. 1479

• ما حكم الإقالة؟ مستحبة مشروعة. ويدل على مشروعيتها واستحبابها: أ- قوله تعالى (وافعلوا الخير) فالآية المذكورة تدل بعمومها على مشروعية الإقالة، لأن الأمر فيها ورد بفعل الخير، ولاشك أن إقالة النادم من فعل الخير. ب- حديث الباب (مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً بَيْعَتَهُ، أَقَالَهُ اَللَّهُ عَثْرَتَهُ). ج- وهي من رحمة الخلق والإحسان إليهم. قال ﷺ (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري. وقال ﷺ (من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) رواه البخاري. وقال ﷺ (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه؛ من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته؛ ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) متفق عليه وقال ﷺ (الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وقال ﷺ (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته). وقال ﷺ (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم. وقال ﷺ (كان فيمن كان قبلكم تاجر يداين الناس، فإن رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه) رواه البخاري. وقال ﷺ (اللهم من رفق بأمتي فارفق به، ومن شق عليهم فشق عليه) رواه مسلم. قال الشيخ ابن عثيمين: ولكن هي سنة في حق المقيل، ومباحة في حق المستقيل، أي: لا بأس أن تطلب من صاحبك أن يقيلك، سواء كنت البائع أو المشتري، أما في حق المقيل فهي سنة لما فيها من الإحسان إلى الغير، وقد قال الله تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وقد قال النبي ﷺ (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة)، ولأن فيها إدخال سرور على المُقال وتفريجاً لكربته، لا سيما إذا كان الشيء كثيراً وكبيراً، فتكون داخلة في قول الرسول ﷺ (من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، وقال النبي ﷺ (رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى)، فتكون سبباً للدخول في دعاء النبي ﷺ بالرحمة. • قوله ﷺ (من أقال مسلماً … ) هل لهذا مفهوم؟ لا مفهوم له، فإن ذكر المسلم في الحديث ورد من باب التغليب، وإلا فإقالة غير المسلم كإقالة المسلم. قال الإمام الصنعاني: وَأَمَّا كَوْنُ الْمُقَالِ مُسْلِمًا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ حُكْماً أَغْلَبِيّاً وَإِلَّا فَثَوَابُ الْإِقَالَةِ ثَابِتٌ فِي إقَالَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ مَنْ أَقَالَ نَادِماً أَخْرَجَهُ الْبَزَّار.

стр. 1480

• هل الإقالة فسخ أم بيع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنها فسخ وإلغاء للعقد الأول وليست بيعاً. وهذا قول الشافعية والحنابلة. ووجه هذا الرأي بأن الإقالة في اللغة عبارة عن الرفع، يقال في الدعاء (اللهم أقل عثراتي) أي: ارفعها، والأصل أن معنى التصرف شرعاً ينئ عنه اللفظ لغة، ورفع العقد فسخه، ولأن البيع والإقالة اختلفا اسماً فتخالفا حكماً، فإذا كانت رفعاً فلا تكون بيعاً، لأن البيع إثبات والرفع نفي وبينهما تناف، فكانت الإقالة على هذا التقدير فسخاً محضاً. القول الثاني: أنها بيع. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ مرجحاً القول الأول: الصواب أنها فسخ لعقد مضى، ولهذا تجوز قبل قبض المبيع، وتجوز بعد نداء الجمعة الثاني، وتجوز بعد إقامة الصلاة إذا لم تمنع من الصلاة، لأنها ليست بيعاً، وتجوز في المسجد. • هل تجوز الإقالة بأقل أو أكثر من الثمن؟ قيل: لا تجوز إلا بالثمن. لأن مقتضى الإقالة رد الأمر على ما كان عليه، ورجوع كل واحد منهما إلى ماله، فلم تجز بأكثر من الثمن. وقيل: يجوز. ورجح ذلك ابن رجب والشيخ ابن عثيمين. قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: … وكذلك ـ أيضاً ـ لو أن البائع طلب من المشتري الإقالة فقال: أقيلك على أن تعطيني كذا وكذا زيادة على الثمن فإنه لا يجوز؛ لأنها تشبه العينة حيث زيد على الثمن. ولكن القول الراجح أنها تجوز بأقل وأكثر إذا كان من جنس الثمن؛ لأن محذور الربا في هذا بعيد فليست كمسألة العينة؛ لأن مسألة العينة محذور الربا فيها قريب، أما هذه فبعيد، وقد قال ابن رجب ﵀ في (القواعد) إن للإمام أحمد رواية تدل على جواز ذلك، حيث استدل ببيع العربون الوارد عن عمر ﵁، وقال: الإقالة بعوض مثله، وعليه فيكون هناك رواية أومأ إليها الإمام أحمد بجواز الزيادة على الثمن والنقص منه، وهذا هو القول الراجح، وهو الذي عليه عمل الناس، وهو من مصلحة الجميع؛ وذلك لأن البائع إذا أقال المشتري، فإن الناس سوف يتكلمون ويقولون: لولا أن السلعة فيها عيب ما ردها المشتري، فيأخذ البائع عوضاً زائداً على الثمن من أجل جبر هذا النقص. وقال في شرح البلوغ: الصحيح الجواز، ومحذور الربا فيها بعيد، فمثلاً: إذا بعت عليك سيارة بعشرين ألفاً، ثم جئت إليّ وقلت: أقلني، أنا لا أريد السيارة، فقلت: لا أقيلك إلا إذا أعطيتني ألفين من الثمن، فقال: أعطيك. • اذكر بعض الأدلة على قاعدة: الجزاء من جنس العمل؟ قال تعالى (إن تنصروا الله ينصركم). قال ﷺ (ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم. وقال ﷺ (الراحمون يرحمهم الله) رواه أبو داود. وقال ﷺ (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) رواه مسلم. وقال ﷺ (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) رواه البخاري. وقال ﷺ (من وصل صفاً وصله الله) رواه أبو داود.

стр. 1481

٨٢٩ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا تَبَايَعَ اَلرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا اَلْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا اَلْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدَ وَجَبَ اَلْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اَلْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ اَلْبَيْعُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. ٨٣٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (اَلْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اِبْنَ مَاجَهْ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ. وَفِي رِوَايَةٍ: (حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا). === (إِذَا تَبَايَعَ اَلرَّجُلَانِ) أي البائع والمشتري، وأطلق عليهما ذلك من باب التغليب، وفي رواية (البيعان بالخيار). (فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ) من إمضاء البيع أو فسخه. (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) أي: بأبدانهما على القول الراجح، وفي رواية البيهقي (حتى يتفرقا من مكانهما). (فَقَدَ وَجَبَ اَلْبَيْعُ) أي: ثبت البيع. • على ماذا يدل الحديث؟ الحديث يدل على إثبات خيار المجلس للمتبايعين. وهو الخيار الذي يثبت للمتعاقدين ما داما في المجلس، أي مجتمعين. • اذكر الخلاف في ثبوته؟ اختلف العلماء في ثبوت الخيار المجلس على قولين: القول الأول: ثبوت خيار المجلس. وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، كالشافعي وأحمد. قال ابن قدامة: وهو مذهب أكثر أهل العلم. قال النووي: وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مروي عن ابن عمر وأبي برزة الأسلمي من الصحابة ﵃، قال ابن رشد: ولا مخالف لهما من الصحابة. وقال البخاري: به قال ابن عمر وشريح والشعبي وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة. أ-لحديث الباب. ب- ولحديث حكيم بن حزام. قال: قال ﷺ (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) متفق عليه. وجه الدلالة: هذان الحديثان، وما في معناها ـ يدلان دلالة صريحة على ثبوت خيار المجلس، بما يعطي الحق للمتبايعين ـ ومن في معناهما في كل عقد فيه معارضة في إمضاء البيع أو فسخه مدة المجلس، ولا يبطل ذلك إلا بأحد أمرين: الأول: إمضاء العقد وإن لم يتفرقا: الثاني: انتهاء مجلس العقد ذاته بتفرقهما بأبدانهما. بالتفرق في هذين الحديثين محمول على التفرق بالأبدان، ومل لم يتفرقا بأبدانهما يبقى لهما حق الخيار.

стр. 1482

القول الثاني: أنه لا خيار للمجلس، بل يلزم العقد بالإيجاب والقبول. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). وجه الدلالة: أن الأمر بالوفاء بالعقد في هذه الآية للوجوب، والعقد يتم بالإيجاب والقبول قبل التفرق أو التخاير، وإذا صدر كذلك وجب الوفاء به، وخيار المجلس ينافي ذلك، إذ مقتضاه إمكان فسخ العقد بعد تمامه من أحد العاقدين، وهو ما ينافي الأمر بالوفاء الوارد في الآية. ب- ولقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ). وجه الدلالة: أن الله أباح أكل المال عن طريق التجارة، وهذه الإباحة مطلقة عن قيد التفرق عن مكان العقد، ولما كان العقد يتم بالإيجاب والقبول الصادرين عن رضا، كان الأكل مباحا بمجرد العقد، وإذا أجزنا فسخ العقد لأحد العاقدين بخيار المجلس كان من آثاره عدم جواز الأكل، وهو ما يتنافى مع الآية الشريفة. • بماذا أجاب هؤلاء عن أحاديث من قال بثبوته؟ أولاً: قالوا: إن المراد بالتفرق هنا التفرق بالأقوال، وليس التفرق بالأبدان، كما في قوله تعالى: " وإن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ: وقوله تعالى (ومَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ)، وقوله ﷺ (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) فالتفرق في هذا كله إنما يكون بالأقوال والاعتقادات، لا بالأبدان، والقياس على النكاح والإجارة والعتق، يؤكد هذا التأويل. ويجاب عن هذا: أن هذا خلاف الظاهر، ورواية البيهقي تدل على ذلك (حتى يتفرقا من مكانهما) وكذلك فعل ابن عمر كما سيأتي. ثانياً: قالوا إنها منسوخة بحديث (المسلمون على شروطهم). والجواب عن هذا: إن النسخ لا يثبت مع مجرد الاحتمال والتوقيع، ومعلوم أنه إذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار معه إلى الترجيح وهنا يمكن الجمع. فيقال أن الشروط المذكورة في الحديث ليست كل الشروط التي يبرمها الناس وهذا محل اتفاق إنما المراد الشروط المباحة وهي التي لا تعارض نصوص الكتاب والسنة. • ما المراد بالتفرق في قوله (مالم يتفرقا)؟ قال بعض العلماء: المراد بالتفرق، تفرق الأقوال، وهذا ضعيف. والصحيح أن المراد التفرق بالأبدان. أ- لرواية البيهقي (حتى يتفرقا من مكانهما). ب- أن راوي الحديث ابن عمر فسره بذلك، ففي رواية البخاري (وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه). ج- أن ذلك خلاف الظاهر. وقال صاحب المغنى حمل التفرق على الأقوال باطل لوجوه: أولاً: أن اللفظ لا يحتمل ما قالوه إذ ليس بين المتبايعين تفرق بقول ولا اعتقاد إنما بينهما اتفاق على البيع بعد الاختلاف فيه. ثانياً: أن هذا يبطل فائدة الحديث إذ قدم علم أنهما بالخيار قبل العقد في انشائه وإتمامه أو تركه. ثالثاً: أنه يرد تفسير ابن عمر ﵄ للحديث وكذا أبي برزه وهما راويا الحديث وأعلم بمعناه.

стр. 1483

• ما هو ضابط التفرق؟ اختلف العلماء في حد هذا التفرق. قيل: التفرق أن يغيب عن صاحبه. وقيل: بأن يمشي أحدهما مستديراً لصاحبه خطوات. وقيل: هو أن يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة. والراجح من أقوال العلماء هو عرف الناس وعاداتهم فيما يعدونه تفرقاً، فما عده العرف تفرقاً فهو كذلك وإلا فلا. والقاعدة: كل ما ورد مطلقاً في لسان الشارع، ولم يحدد، فإنه يرجع إلى تحديده إلى العرف. ولأن التفرق في الشرع مطلق فوجب أن يحمل على التفرق المعهود. ولأن الشارع علق عليه حكماً ولم يبينه، فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والاحراز. فمتى تفرقا بأبدانهما تفرقا يعتد به العرف انقطع خيارهما ولزم العقد ولو أقاما في مجلسهما مدة متطاولة أو قاما وتماشيا مراحل أو حجز بينهما حاجز من جدار أو غيره فهما على خيارهما وبه قطع جمهور القائلين بالخيار. أمثلة: إذا كانا في بيت، فبخروج أحدهما منه. إذا كانا في غرفة، فبخروج أحدهما منها. • كم مدة خيار المجلس؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أنه لا حد للمدة التي يظل فيها الخيار قائماً ما دام لم يحدث تفرق بالأبدان بين المتعاقدين، وإن مكثا معاً طيلة عمرهما، ولا عبرة في ذلك بما يحدث منهما ـ قبل تفرقهما ـ بما يدل على إعراضهما عن التعاقد. وقال بهذا الرأي الشافعية، قال النووي: إنه هو الصحيح وبه قطع الجمهور. وقال به الظاهرية وهو الظاهر من كلام الحنابلة. فقد قال البهوتي: وإن بني بينهما ـ أي بين المتبايعين ـ وهما في المجلس حائط من جدار، أو غيره، أو أرخيا ستراً في المجلس، أو ناما فيه، أو قاما منه فمضيا جميعاً ولم يتفرقا، فالخيار باق بحالة. لأن الرسول ﷺ علق الخيار على التفرق، فإذا لم يوجد وجد الخيار، وإذا وجد لم يوجد الخيار. الرأي الثاني: يرى أصحابه أن الخيار له أمد معين ينتهي عنده، إن لم يتفرقا بأبدانهما قبل ذلك، وهذا الأمد هو ثلاثة أيام. ومقتضى هذا الرأي: أن المتعاقدين بعد العقد يثبت لهما خيار المجلس ما داما لم يتفرقا، فإذا استمر عدم التفرق مدة طويلة من الزمن تقل عن ثلاثة أيام ظل خيار المجلس قائماً، حتى إذا كانت ثلاثة أيام انقطع الخيار، حتى ولو لم يحدث تفرق فعلى بين المتعاقدين. وقال بهذا الرأي الشافعية في وجه عندهم. قال النووي: وحكى وجه أنه لا يزيد على ثلاثة أيام. وحجة هذا الرأي: القياس على خيار الشرط، فكما لا يجوز أن يزيد الخيار المشروط على ثلاثة أيام، فكذلك خيار المجلس لا يجوز أن يزيد على ثلاثة أيام. الرأي الثالث: ويرى أصحابه أن خيار المجلس ينتهي بمجرد ظهور إعراض عما يتعلق بالعقد، طالت المدة أو قصرت. والراجح الأول.

стр. 1484

• ما الحكمة من خيار المجلس؟ أن الإنسان قبل أن يملك الشيء تتعلق به نفسه تعلقاً كبيراً، فإذا ملكه زالت تلك الرغبة، لذلك شرع خيار المجلس. • متى يثبت البيع؟ يثبت البيع إذا تفرقا بأبدانهما بعد البيع. • متى يسقط خيار المجلس؟ أولاً: إن نفياه قبل ثبوته، أو أسقطاه بعد ثبوته. ثانياً: إن أسقط أحدهما بقي خيار الآخر، بأن قال: أسقطت خياري، فإنه يبقى خيار الآخر. • يثبت خيار المجلس في البيع، والإجارة. فإذا اتفقت أنا وأنت على أن أؤجرك بيتي لمدة سنة، فما دمنا في المجلس فلكل واحد منا الخيار، لأن الإجارة كالبيع، فهي عقد معاوضة. • هل إذا مات أحد المتبايعين في زمن الخيار قبل التفرق ينتقل الخيار للورثة؟ اختلف العلماء في هذا على قولين: القول الأول: أنه ينتقل للورثة. وهذا مذهب الشافعية. القول الثاني: أنه لا ينتقل بل يسقط بالوفاة. وهذا مذهب الحنابلة. لأنه إذا كان العقد يلزم بالتفرق بالأبدان فمفارقة الحياة من باب أولى. وبناء عليه لو توفى أحد المتعاقدين قبل التفرق فإن العقد يلزم، ولا خيار للوارث في فسخ العقد؛ إلا إذا كان الميت قد طالب بالفسخ قبل موته، فيكون للوارث المطالبة بالفسخ خلفا لمورثه. • ما حكم أن يقوم أحد المتبايعين خشية الاستقالة؟ حرام. لقوله ﷺ (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) رواه أبو داود. • ما الجواب عن فعل ابن عمر (أنه كان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيّة ثم رجع إليه)؟ الجواب: أ- هذا اجتهاد منه، مدفوع بالحديث المتقدم الذي ينهى عن ذلك. ب- أو يحمل على أنه لم يبلغه الخبر. فائدة: من أنواع الخيار: خيار الشرط. وهو أن يشترط المتبايعان في العقد مدة معلومة ولو طويلة. وهذا الشرط دل عليه عموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). وحديث: (المسلمون على شروطهم). مثال: بعث عليك سيارتي على أن الخيار لنا لمدة شهر. يشترط أن تكون المدة معلومة ولو كانت طويلة. فإن كانت مجهولة لا تصح. قال: بعتك بيتي على أن لي الخيار حتى أشتري بيتاً، هذا فيه جهالة، ويحصل فيه نزاع.

стр. 1485

وقوله (ولو كانت المدة طويلة) هذا صحيح فيما إذا كان الشيء يبقى، لكن فيما لا يبقى تلك المدة، مثال: اشتريت منك خضار، وقلت على أن لي الخيار لمدة ستة أشهر. قال بعضهم: يصح، وقالوا: إذا خاف فسادها تباع ويحفظ الثمن. لكن هذا فيه إشكال، لأنه إذا باعها بأقل من الثمن رجع المشتري، وإن باع بأكثر رجع البائع. ولذلك قال بعض الأصحاب: أنه إذا كانت المدة الطويلة يخشى فساد المعقود عليه فلا تصح، وهذا القول وجيه، لأن الذي يخشى فساده لا يمكن أن يضرب له مدة يفسد فيها، لأن هذا شبه تلاعب. • يبطل خيار الشرط بأمور: أ- إذا مضت مدة الخيار. ب- إذا أسقطاه، فلو قدر أنهما تبايعا، على أن يكون الخيار لمدة عشرة أيام، وبعد مضي خمسة أيام اتفقا على إلغاء الشرط، فإنه يجوز ويسقط الشرط، لأن الحق لهما. • إن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صح، فيقول البائع: بعتك هذا البيت على أن لي الخيار لمدة شهر، فيقول المشتري: قبلت. • من له الخيار فإن له الفسخ سواء كان الآخر حاضراً أو غائباً. إذا كان حاضراً فالأمر واضح، وإذا كان غائباً فإنه يُشهّد ويقول: إني فسخت العقد. ومن له الخيار فإن له الفسخ ولو مع سخط الآخر وزعله. • النماء المنفصل زمن الخيار: أي المنفصل عن المبيع فهو للمشتري. مثاله: باع إنسان شاة واشترط هذا المشتري الخيار لمدة أسبوع اللبن نماء منفصل، فهو للمشتري. أما النماء المتصل: قال بعضهم: يكون للبائع تبعاً للعين. وذهب بعض العلماء: إلى أن النماء المتصل للمشتري، لأنه حصل بسببه، وهذا القول هو الراجح. مثال: اشتريت عبداً واشترطت الخيار لمدة ستة شهور، فعلمته القراءة والكتابة في هذه المدة، فقال البائع: رجعت عن البيع، العبد الآن يكتب وقد زادت قيمته والكتابة نماء متصل. فعلى القول الأول يرجع العبد للبائع وليس للمشتري شيء، وهذا رأي في المذهب. وعلى القول الراجح: يأخذ البائع العبد، وتقدر قيمته وهو لا يعرف القراءة والكتابة، وقيمته وهو متصف بهذه الزيادة، والفرق بين القيمتين للمشتري. وعلى هذا فيكون النماء المتصل والمنفصل للمشتري. • يحرم ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع زمن الخيار، لأن تصرف أحدهما في المبيع يستلزم سقوط حق الآخر، يستثنى من ذلك أحوال: أ-إن أذن له صاحب الحق. ب-في حال تجربة المبيع، لأنه قد يكون قصد المشتري بالخيار لأجل التجربة. • إذا مات أحدهما زمن الخيار: قال بعض العلماء: من مات منهما زمن الخيار بطل خيارهما لأن خياره يتعلق به شخصاً، فإذا مات بطل وقال بعض العلماء: أنه لا يبطل خياره بموته، لأنه إذا مات انتقل الملك إلى الورثة، فلا يكون الموت مبطلاً. وهذا القول هو الراجح. أما إذا كان الموت في خيار المجلس، فهنا يتوجه القول بأن من مات منهم بطل خياره، لأن الرسول ﷺ يقول في الحديث: (ما لم يتفرقا) والموت أعظم فرقة.

стр. 1486

٨٣١ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي اَلْبُيُوعِ فَقَالَ (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خَلَابَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === (ذَكَرَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا الرَّجُل هُوَ حَبَّان بِفَتْحِ الْحَاء وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة اِبْن مُنْقِد بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ وَالِد يَحْيَى وَوَاسِع بَنِي حَبَّان شَهِدَا أُحُدًا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ وَالِده مُنْقِد بْن عَمْرو، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِائَة وَثَلَاثِينَ سَنَة، وَكَانَ قَدْ شُجَّ فِي بَعْض مَغَازِيه مَعَ النَّبِيّ ﷺ فِي بَعْض الْحُصُون بِحَجَرٍ فَأَصَابَتْهُ فِي رَأْسه مَأْمُومَة فَتَغَيَّرَ بِهَا لِسَانه وَعَقْله لَكِنْ لَمْ يَخْرُج عَنْ التَّمْيِيز. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرًا، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ جَعَلَ لَهُ مَعَ هَذَا الْقَوْل الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام فِي كُلّ سِلْعَة يَبْتَاعهَا. (قاله النووي). (أَنَّهُ يُخْدَعُ) أي: يُغر ويُخدع. (فِي اَلْبُيُوعِ) أي: في حال مبايعته للناس. وقد بيّن ابن إسحاق في روايته المذكورة سبب شكواه، وهو ما يلقى من الغبن، وقد أخرجه أحمد، وأصحاب السنن من حديث أنس ولفظه (أن رجلاً كان في عُقدته ضعف، كان يبايع، وأن أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله احْجُر عليه، فدعاه نبي الله ﷺ فنهاه، فقال: يا نبي الله لا أصبر عن البيع، قال: إذا بايعت، فقل: لا خلابة. (لَا خِلَابَةَ) بكسر الخاء وتخفيف اللام، أي: لا خديعة، أَيْ لَا تَحِلّ لَك خَدِيعَتِي أَوْ لَا يَلْزَمنِي خَدِيعَتك. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد إثبات خيار الغبن لمن غبن في البيع. وقد اختلف العلماء في إثبات خيار الغبن. فقيل: يثبت خيار الغبن للمغبون. وهذا قول أحمد. وقيل: لا يثبت الخيار لكل مغبون، إلا من كان مثل هذا الرجل بضعف عقله. قال النووي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْحَدِيث فَجَعَلَهُ بَعْضهمْ خَاصًّا فِي حَقّه وَأَنَّ الْمُغَابَنَة بَيْن الْمُتَبَايِعَيْنِ لَازِمَة لَا خِيَار لِلْمَغْبُونِ بِسَبَبِهَا سَوَاء قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَآخَرِينَ وَهِيَ أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِك. وَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيَّة: لِلْمَغْبُونِ الْخِيَار لِهَذَا الْحَدِيث بِشَرْطِ أَنْ يَبْلُغ الْغَبْن ثُلُث الْقِيمَة فَإِنْ كَانَ دُونه فَلَا. وَالصَّحِيح الْأَوَّل لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَثْبَتَ لَهُ الْخِيَار، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: (قُلْ لَا خِلَابَة) أَيْ لَا خَدِيعَة، وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا ثُبُوت الْخِيَار وَلِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَوْ أَثْبَتَ لَهُ الْخِيَار كَانَتْ قَضِيَّة عَيْن لَا عُمُوم لَهَا، فَلَا يَنْفُذ مِنْهُ إِلَى غَيْره إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاَللَّه أَعْلَم. وقال الشوكاني: واختلف العلماء في هذا الشرط هل كان خاصا بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط فعند أحمد ومالك في رواية عنه والمنصور بالله والإمام يحيى أنه يثبت الرد لكل من شرط هذا الشرط ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع وقيده بعضهم بكون الغبن فاحشا وهو ثلث القيمة عنده قالوا بجامع الخدع الذي لأجله أثبت النبي ﷺ لذلك الرجل الخيار وأجيب بأن النبي ﷺ إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كان في عقله كما في حديث أنس المذكور فلا يلحق به إلا من كان مثله في ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة ولهذا روى أنه كان إذا غبن يشهد رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثا فيرجع في ذلك وبهذا يتبين أنه لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل مغبون وإن كان صحيح العقل ولا ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن ولم يقل هذه المقالة وهذا مذهب الجمهور وهو الحق. (نيل الأوطار).

стр. 1487

والراجح ثبوت خيار الغبن بشرط أن يكون الغبن فاحشاً يخرج عن العادة. • متى يثبت خيار الغبن؟ قال ابن قدامة: وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ لِلْغَبْنِ فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، إذَا تَلَقَّاهُمْ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَهُمْ وَغَبَنَهُمْ. (وقد تقدم ذلك). الثَّانِي: بَيْعُ النَّجْشِ. (وقد تقدم ذلك). الثَّالِثُ: الْمُسْتَرْسِلُ إذَا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ قِيلَ: قَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مَعَ سَلَامَتِهَا لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ، كَبَيْعِ غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ، وَكَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ. وَلَنَا: أَنَّهُ غَبْنٌ حَصَلَ لِجَهْلِهِ بِالْمَبِيعِ، فَأَثْبَتِ الْخِيَارَ، كَالْغَبْنِ فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَرْسِلِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالْغَبْنِ، فَهُوَ كَالْعَالِمِ بِالْعَيْبِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَعْجَلَ، فَجَهِلَ مَا لَوْ تَثَبَّتَ لَعَلِمَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ. وَالْمُسْتَرْسِلُ هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ، وَلَا يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: الْمُسْتَرْسِلُ، الَّذِي لَا يُحْسِنُ أَنْ يُمَاكِسَ. وَفِي لَفْظٍ، الَّذِي لَا يُمَاكِسُ. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - تحريم الخديعة في البيع. - جواز البيع بشرط الخيار. - استدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على إثبات خيار الشرط، ووجه ذلك: أن الرسول ﷺ جعل لهذا الرجل الخيار لمدة ثلاثة أيام، كما في رواية ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر.

стр. 1488

كتاب البيوع باب الربا - باب السلم والقرض والرهن -باب التفليس والحجر باب الصلح - باب الحوالة والضمان - باب الشركة والوكالة - باب الإقرار - باب العارية - باب الغصب - باب الشفعة

стр. 1489

بابُ الربا الربا لغة: الزيادة. وشرعاً: الزيادة الحاصلة بمبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات. وهو نوعان: ربا الفضل: بيع الشيء بجنسه مع التفاضل. كما لو باع صاعاً من البر بصاعين. أو كيلو من الذهب بكيلوين. وربا النسيئة: بيع الشيء بجنسه أو بغير جنسه مما يساويه في العلة بدون قبض. صاع من البر بصاع من البر من تأخر القبض باع صاع من البر بصاع من الشعير مع تأخر القبض. • والربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع كما سيأتي.

стр. 1490

٨٣٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ آكِلَ اَلرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٨٣٣ - وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ. ٨٣٤ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اَلرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ اَلرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى اَلرِّبَا عِرْضُ اَلرَّجُلِ اَلْمُسْلِمِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَراً، وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَصَحَّحَهُ. === (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أي: دعاء على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة. (آكِلَ اَلرِّبَا) أي: آخذ الربا. (وَمُوكِلَهُ) بضم الميم، أي: معطي الربا. • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث جابر رواه مسلم في صحيحه. وحديث أبي جحيفة رواه البخاري ولفظه (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ). وأما حديث ابن مسعود فلفظ ابن ماجه مختصراً (اَلرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا) وزيادة (أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ اَلرَّجُلُ أُمَّهُ .. ) عند الحاكم. قَالَ الحاكم: هذا حَدِيث صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وَقَالَ البيهقي: هذا إسنادٌ صحيحٌ، والمتنُ منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلاّ وهماً، وكأنه دَخَل لبعض رواة الإسناد في إسناده. هذا الحَدِيث فيه علتان: العلةُ الأولى: تتعلق بمتن الخبر. وهي أنَّ زيادة (أيسرها مثل أنْ ينكحَ الرجُل أمه، وإنّ أربى الرّبَا عرض الرجُل المسلم) شاذةٌ؛ شذّ بها محمد بن غالب يدل على هذا ثلاثة أمور: الأوَّل: أنّ ثلاثةً من الرواة رووا الأثر عن عَمْرو بنِ علي -وفيهم أئمة- فلم يذكروا هذه الزيادة وهم: ابن ماجه في سننه والبزار في مسنده وعبد الله بن بُندار الباطرقاني رواه عنه أبو نُعيم في أخبار أصبهان ثلاثتهم ابن ماجه والبزار وعبدالله عن عمرو بن علي به. وَقَالَ البزار: وهذا الحَدِيث لم نسمع أحداً أسنده بهذا الإسناد إلاّ عَمْرو بن علي. الثاني: أنَّ المتقنين من أصحاب شعبة -كمحمد بن جعفر، والنضر بن شميل-لم يذكروا هذه الزيادة وسيأتي ذكر رواياتهم. الثالث: أنّ محمد بنَ غالب وقعت له أوهام من جنس هذا الوهم الذي وقع له في هذا الحَدِيث (انظر: حديثاً آخر وهم فيه محمد بن غالب فأدخل حديثا في حديث في السلسلة الضعيفة للألباني رقم ٢، هذا يدل على أنَّ كتابه وقعت فيه بعض الأوهام من دخول حَدِيث في حَدِيث وبين ذلك الدَّارقُطني في قولِهِ عن محمد بن غالب تمتام (ثقة مأمون إلاّ إنّه كان يخطئ، وكان وهم في أحاديث منها … ) ثم ذكر مثالاً على حديثٍ وهم فيه. العلة الثانية: الاختلافُ على شُعْبَة في رفع الحَدِيث ووقفه. وإنما صح بلفظ (الربا بضع وسبعون باباً، والشرك مثل ذلك) وأما لفظ (وَإِنَّ أَرْبَى اَلرِّبَا … ) فقد صح من حديث سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال (إن أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق).

стр. 1491

• عرف الربا؟ الربا: لغة هو الزيادة. واصطلاحاً: مبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات. وهو ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل: وهو الزيادة في مبادلة مال ربوي بمال ربوي من جنسه. كمبادلة صاع بر بصاعين من البر، لوجود الزيادة في أحد العوضين. أو مبادلة مائة غرام من الذهب بمائة وعشرة وإن اختلفا في الجودة. ربا النسيئة: وهو تأخير القبض عند مبادلة الربوي بالربوي سواء كان من جنسه أو من غير جنسه إذا اتحدا في العلة. مثال: كبر ببر أو بشعير بعد شهر، أو ريالات بريالات بعد أسبوع. وقد يجتمع ربا الفضل مع ربا النسيئة عند مبادلة الربوي بربوي من جنسه مع تأخير القبض. كمائة بمائة وعشرة بعد شهر. [فهنا الجنس واحد وهو الريالات وجد التفاضل ١٠٠ بـ ١١٠ فهذا ربا الفضل، ووجد التأخير إلى شهر فهذا ربا النسيئة]. • اذكر بعض النصوص التي تدل على تحريم الربا وأنه من الكبائر؟ أ-قال الله تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). ب-وقال (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ). ج-وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ). قال ابن عباس ﵄ (هذه آخر آية نزلت على النبي ﷺ . د-وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَأْكُلُواْ الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). هـ-وقال في شأن اليهود حينما نهاهم عن الربا وحرمه عليهم، فسلكوا طريق الحيل لإبطال ما أمرهم به قال سبحانه في ذلك (وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً). و-وقال (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُواْ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ). ز- عَنْ جَابِر. قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ آكِلَ اَلرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ). ك- وعن سمرة. قال: قال ﷺ ( … ولَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، … الحديث وفيه: .... فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ، وَرَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قال: وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا) رواه البخاري. ص- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَات) متفق عليه. ض-وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) رواه أحمد.

стр. 1492

ي- وعن سلمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل، قال: اللهم هل بلّغت؟ قالوا: نعم، ثلاث مرات. قال: اللهم اشهد ثلاث مرّات) رواه ابو داود. ظ- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِن الحلال أم مِنَ الحرام) رواه البخاري. أخبر النبي ﷺ بهذا تحذيراً من فتنة المال، فهو من بعض دلائل نبوته ﷺ بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذّمّ من جهة التّسوية بين الأمرين وإلا فأخذ المال من الحلال ليس مذموماً من حيث هو والله أعلم. ظ- وعن أبي جحيفة (أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ) رواه البخاري. قال ابن قدامة: أجمعت الأمة على أن الربا محرم. - بعض ما ورد في ربا الفضل من النصوص: أ- عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الوَرِق بالورِق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) قوله (ولا تشفوا بعضها على بعض) سيأتي معناها إن شاء الله. قوله (ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) والمراد بالناجز الحاضر، وبالغائب المؤجّل. ب-وعن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدّرهم بالدّرهمين). رواه مسلم ج-وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه مسلم. د-وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد) رواه مسلم هـ-وعن أبي سعيد وابي هريرة (أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : أكلّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا ولكن مثلاً بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان) رواه مسلم. قوله (الجنيب) التمر الطيب. قوله (بالصاعين من الجمع) نوع من التمر الرديء وقد فسر بأنه الخليط من التمر. و-وعن أبي سعيد قال (جاء بلال بتمر برني فقال له رسول الله ﷺ من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء بِعْتُ منه صاعين بصاع لمطعم النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك "أوّه، عين الربا، لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبِعْهُ ببيع آخر ثم اشترِ به).

стр. 1493

• ما الحكمة من تحريم الربا. يلخص العلامة ابن حجر الهيتمي في كتاب الزواجر تلك الحكمة في النقاط التالية: أ-انتهاك حرمة مال المسلم بأخذ الزائد من غير عوض. ب-الإضرار بالفقير لأن الغالب غنى المقرض وفقر المستقرض فلو مكن الغني من أخذ أكثر من المثل أضر بالفقير. ج-انقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض؛ إذ لو حل درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله د-تعطل المكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها؛ إذ من يحصل درهمين بدرهم كيف يتجشم مشقة كسب أو تجارة. • قد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة فالمرابي ضد المتصدق. قال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)، وقال تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ … ) ثم ذكر الجنة التي أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء. فالمتصدق ضد المرابي؛ لأن المتصدق يحسن إلى الناس والمرابي يظلم الناس، ولهذا قال سبحانه (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). • هل يجوز للإنسان العمل في بنك يتعامل بالربا، مع أنه لا يقوم في البنك بعمل ربوي، ولكن دخل البنك الكلي ربا؟ لا يجوز لمسلم أن يعمل في بنك تعاملُه بالربا، ولو كان العمل الذي يتولاه ذلك المسلم في البنك غير ربوي؛ لتوفيره لموظفيه الذين يعملون في الربويات ما يحتاجونه، ويستعينون به على أعمالهم الربوية، وقد قال تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). (فتاوى اللجنة الدائمة). وفي فتوى للجنة أخرى: أولاً: العمل في البنوك التي تتعامل بالربا حرام، سواء كانت في دولة إسلامية أو دولة كافرة؛ لما فيه من التعاون معها على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه بقوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). ثانياً: ليس في أقسام البنك الربوي شيء مستثنى فيما يظهر لنا من الشرع المطهر؛ لأن التعاون على الإثم والعدوان حاصل من جميع موظفي البنك. (فتاوى اللجنة). وجاء في فتوى للجنة الدائمة أيضاً: البنوك التي تتعامل بالربا لا يجوز للمسلم أن يشتغل فيها، لما فيه من إعانة لها على التعامل بالمعاملات الربوية، بأي وجه من وجوه التعاون من كتابة وشهادة وحراسة وغير ذلك من وجوه التعاون، فإن التعاون معها في ذلك تعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). • وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز العمل في مؤسسة ربوية كسائق أو حارس؟ فأجاب: لا يجوز العمل بالمؤسسات الربوية ولو كان الإنسان سائقاً أو حارساً، وذلك لأن دخوله في وظيفة عند مؤسسات ربوية يستلزم الرضى بها، لأن من ينكر الشيء لا يمكن أن يعمل لمصلحته، فإذا عمل لمصلحته فإنه يكون راضياً به، والراضي بالشيء المحرم يناله من إثمه. أما من كان يباشر القيد والكتابة والإرسال والإيداع وما أشبه ذلك فهو لا شك أنه مباشر للحرام. قد ثبت من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال: هم سواء) (من موقع الإسلام س ج)

стр. 1494

٨٣٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَبِيعُوا اَلذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا اَلْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً بِنَاجِزٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٨٣٦ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ اَلصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ اَلْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٨٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْناً بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْناً بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اِسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (لَا تَبِيعُوا اَلذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) أي: متساويين، وجاء في حديث أبي هريرة بيان أن التساوي يكون بالوزن. (وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ) أي: لا تزيدوا بعضها على بعض. (وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً بِنَاجِزٍ) الناجز الحاضر، في هذا إشارة إلى التقابض. (اَلذَّهَبُ بِالذَّهَبِ) أي: بيع الذهب بالذهب، ولفظ الذهب عام يدخل فيه جميع أصنافه، من مضروب، ومنقوش وجيد، ورديء. (مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ) وفي الرواية الأخرى (إلا مثلاً بمثل) أي: متساويين. (يَدًا بِيَدٍ) حال، أي: متقابضين في مكان التبايع قبل أن يتفرقا. (فَمَنْ زَادَ أَوْ اِسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا) أي: فمن أعطى زيادة على قدر المبيع الآخر من جنسه، أو طلب الزيادة فهذا الزائد ربا ١ - الحديث دليل على أن الأموال الربوية ستة، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح. فيؤخذ من أحاديث الباب ضوابط الربا: أولاً: إذا بيع الربوي بجنسه مشاركاً له في العلة فلا بد من شرطين: المماثلة (في الوزن) - التقابض في مجلس العقد. مثال: ذهب بذهب (لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة). فضة بفضة (لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة). بر ببر (لا بد من شرطين: تقابض - مماثلة). ثانياً: إذا بيع الربوي بغير جنسه لكنه مشارك له في العلة فيشترط شرط واحد وهو: القبض. مثال: ذهب بفضة يشترط شرط واحد التقابض. (لأن الذهب غير جنس الفضة لكنه مشارك له في العلة كما سيأتي). مثال: باع ١٠ آصع من البر بـ ١٠٠ صاع من الشعير يجوز بشرط واحد وهو التقابض. [لأن التمر غير جنس الشعير لكنه مشارك له في العلة]. ومثل: بيع الريالات بالدولارات، فكلاهما اتحدا في العلة (وهي الثمنية) لكن اختلفت في الجنس (هذه ريالات وهذه دولارات) فإنه يجوز بشرط التقابض. لقوله ﷺ (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد). ثالثاً: إذا بيع الربوي بغير جنسه ولم يكن مشاركاً له في العلة فإنه لا يشترط شيء، يجوز التفاضل والتفرق. مثال: ذهب بشعير، يجوز مطلقاً من غير شروط. مثال: فضة ببر يجوز مطلقاً من غير شروط.

стр. 1495

مسألة مهمة: جودة أحد الجنسين لا تبرر زيادة أحدهما على الآخر. عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا». فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) متفق عليه. (الجنيب) التمر الطيب، (الجمْع) الرديء. قال الشوكاني: والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلاً، وهذا أمر مجمع عليه. ٢ - أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى الطريقة السليمة البعيدة عن الربا، التي يسلكها من أراد أن يستبدل التمر الجيد بالتمر الرديء، وذلك بأن يبيع التمر الرديء بدراهم ويشتري بالدراهم تمراً جيداً، وهذه الطريقة تتبع في كل ربوي يراد استبداله بربوي أحسن منه، لأن الجودة في أحد الجنسين لا تبرر الزيادة إذا بيع أحدهما بالآخر. • هل يجري الربا في غير هذه الأصناف الستة مما هو مثلها أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن تحريم الربا محصور في هذه الأشياء الستة لا يتجاوزها إلى غيرها. يروى هذا القول عن قتادة وهو قول أهل الظاهر وقال به أيضاً طاوس، وعثمان البتي، وأبو سليمان. وممن اختار هذا القول الإمام الصنعاني حيث يقول في سبل السلام: ولكن لما لم يجدوا - أي الجمهور - علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافاً كثيراً يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها، وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها: (القول المجتبى). واختاره من الحنابلة ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس. القول الثاني: أنه يلحق بها ما شاركها في العلة. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ-واستدلوا بحديث معمر بن عبدالله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول (الطعام بالطعام مثلاً بمثل … ) ولفظ (الطعام) أعم من الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة. ب-واستدلوا أيضاً بالمعنى، وذلك أن ما وافقها في العلة يجب أن يأخذ حكمها، مراعاة لمقصود الشارع في التحريم، فما دام أن العلة واضحة وموجودة في غير هذه الأصناف فليحكم بالإلحاق، لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين، كما لا يجمع بين مختلفين، قالوا: وقد اقتصر الحديث على الأصناف الستة من باب الاكتفاء بالأشياء التي لا يستغني عنها الناس عادة. وهذا القول هو الراجح.

стр. 1496

• ما علة التحريم في هذه الأشياء الستة؟ اختلف العلماء في علة التحريم في هذه الأموال على أقوال: أولاً: علة الربا في النقدين. أرجح الأقوال: أن العلة فيهما مطلق الثمنية، أي أنهما أثمان للأشياء. وهذا قول المالكية، واختاره ابن تيمية، وابن القيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأظهر أن العلة في ذلك هي الثمنية لا الوزن. جاء في مجلة البحوث الإسلامية: فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية: أولاً: جريان الربا بنوعيه فيها كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان كالفلوس وهذا يقتضي ما يلي: أ- لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقاً، فلا يجوز مثلا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة. ب- لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلاً سواء كان ذلك نسيئة أو يداً بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالاً سعودياً ورقاً. ج - يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقاً إذا كان ذلك يداً بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ورقاً كان أو فضة أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يداً بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة. (أبحاث هيئة كبار العلماء). وعلى هذا: فيجري الربا في كل ما اتخذه الناس عملة وراج رواج النقدين، مثل الأوراق النقدية الآن، وعلى هذا فلا يجوز بيع (١٥) ريالاً سعودياً ورقاً بـ (١٦) ريالاً سعودياً ورقاً، ويجوز بيع بعضها ببعض من غير جنسها إذا كان يداً بيد، كما لو باع ورق نقد سعودي بليرة سورية أو لبنانية أو كويتية، لأن العملات الورقية أجناس متعددة بتعدد جهات إصدارها. • ما علة التحريم في الأربعة الباقية. (التمر والشعير والملح والبر)؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أن العلة هي الطعم مع الكيل. (إذا يلحق بها كل مكيل ومطعوم). ورجح هذا القول ابن قدامة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. وعلى هذا القول: الأرز يجري فيه الربا، لأنه مطعوم ومكيل، وكذلك: الذرة والدهن والعدس واللحم ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال كالرمان والسفرجل والبيض والأترج والتفاح، والأشنان مكيل لكنه غير مطعوم فلا يجري فيه الربا. واستدل هؤلاء بأن الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة مطعومة مكيلة، فيلحق بها كل ما كان كذلك. القول الثاني: أن العلة هي الاقتيات والادخار. أي كون الطعام قوتاً يقتات به الناس غالباً، ويدخره مدة من الزمن فلا يفسد، وعلى هذا القول فيجري الربا في الأرز والقمح والذرة ونحوها. وهذا مذهب مالك، واختاره ابن القيم.

стр. 1497

واستدل هؤلاء بحديث عبادة، قالوا: إن الأصناف المذكورة في حديث عبادة يجمعها وصف الاقتيات والادخار. القول الثالث: أن العلة في هذه الأربعة هي الطعمية - أي كونها مطعومة -. وهذا قول الشافعي. القول الرابع: أن العلة في الأربعة المذكورة هي الكيل ولو كانت غير مطعومة. وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد. قال العلامة الشنقيطي: وهذا القول أظهر دليلاً. أمثلة: مبادلة تفاحة بتفاحتين، هل يجري الربا؟ عند الحنفية والحنابلة: لا يجري؛ لأنها ليست مكيلة ولا موزونة، بل معدودة. وعند الشافعية: يجري؛ لأنها مطعومة. وعند الإمام مالك: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست مقتاتة تدّخر. صاع برّ بصاعين: عند الحنابلة والحنفية: يجري؛ لأنها مكيلة. وعند الشافعية: يجري؛ لأنها مطعومة. وعند المالكية: يجري؛ لأنها مدّخرة ومقتاتة. وعند شيخ الإسلام: يجري، لأنها مطعومة ومكيلة. كيلو حديد بكيلوين حديد: عند الحنفية والحنابلة: يجري؛ لأنها موزونة. وعند الشافعية: لا يجري فيها الربا؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ولا مطعومة. وعند الإمام مالك: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ولا يقتات ولا يدّخر. وعند شيخ الإسلام: لا يجري؛ لأن العلة عنده الثمنية، أو الطعم مع الكيل أو الطعم مع الوزن. قلم بقلمين: عند الحنفية والحنابلة: لا يجري؛ لأنها ليست مكيلة ولا موزونة، بل معدودة. وعند الشافعية: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست طعماً؛ لأن العلة عندهم غلبة الطعم أو غلبة الثمنية - الاقتصار على الذهب والفضة -. وعند المالكية: لا يجري؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، وليست مقتاتة ولا مدّخرة. وعند شيخ الإسلام: لا يجري؛ لأنه يرى أن العلة الثمنية، والطعم مع الوزن أو الطعم مع الكيل. فائدة: قال ابن قدامة: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَالطَّعْمُ، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَفِيهِ الرِّبَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، كَالْأُرْزِ، وَالدُّخْنِ، وَالذُّرَةِ، وَالْقُطْنِيَّاتِ، وَالدُّهْنِ، وَالْخَلِّ، وَاللَّبَنِ، وَ، وَنَحْوِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، سِوَى قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ، فَقَصَرَ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ عَلَى السِّتَّةِ الْأَشْيَاءِ. (المغني).

стр. 1498

ثم قال ﵀: وَمَا انْعَدَمَ فِيهِ الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ، وَالطَّعْمُ، وَاخْتَلَفَ جِنْسُهُ، فَلَا رِبَا فِيهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَالتِّينِ، وَالنَّوَى، وَالْقَتِّ، وَالْمَاءِ، وَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ دَوَاءً، فَيَكُونُ مَوْزُونًا مَأْكُولًا، فَهُوَ إذًا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. (المغني). • ما أنواع الربا؟ الربا نوعان - كما تقدم - ربا نسيئة وربا فضل. فالنوع الأول ربا النسيئة - من النساء بالمد وهو التأخير - هو نوعان: أحدهما: قلب الدين على المعسر، وهذا هو أصل الربا في الجاهلية: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي، فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال والأصل واحد. وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين، قال الله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)، فإذا حل الدين وكان الغريم معسراً لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب الدين عليه بل يجب إنظاره. وإن كان موسراً كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره لكن الكفار يعارضون حكم الله في ذلك ويقولون (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا). الثاني: من نوعي ربا النسيئة: ما كان في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما - ويسميه بعضهم: ربا اليد - كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، وكذا بيع جنس بآخر من هذه الأجناس مؤجلاً، وما شاركها في العلة يجري مجراها في هذا الحكم، قال النبي ﷺ (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد) في أحاديث كثيرة جاءت بمعناه. فقوله ﷺ (يداً بيد) يعني الحلول والتقابض قبل التفرق في بيع هذه الأشياء بعضها ببعض، ويقاس عليها ما شاركها في العلة. النوع الثاني: ربا الفضل. وتعريفه: هو الزيادة في مبادلة مال ربوي بمال ربوي من جنسه. كمبادلة صاع بر بصاعين من البر، لوجود الزيادة في أحد العوضين. أو مبادلة مائة غرام من الذهب بمائة وعشرة وإن اختلفا في الجودة. وقد يجتمع ربا الفضل مع ربا النسيئة عند مبادلة الربوي بربوي من جنسه مع تأخير القبض. كمائة بمائة وعشرة بعد شهر. [فهنا الجنس واحد وهو الريالات وجد التفاضل ١٠٠ بـ ١١٠ فهذا ربا الفضل، ووجد التأخير إلى شهر فهذا ربا النسيئة].

стр. 1499

• اذكر مقارنة بين ربا النسيئة وربا الفضل: أولاً: ربا النسيئة ربا جلي وربا الفضل ربا خفي، وربا النسيئة هو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكان الدائن يؤخر الدين عن المدين ويزيده عليه، وكلما أخر زاد الدين حتى تصير المائة آلافاً مؤلفة. ثانياً: ربا النسيئة حرم قصداً لما فيه من الضرر العظيم، وهو إثقال كاهل المدين من غير فائدة تحصل له، وربا الفضل حرم لأنه وسيلة لربا النسيئة كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال (لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرما) والرما هو الربا فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك إذا باعوا درهما بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت بين النوعين إما في الجودة أو غيرها، فإنهم يتدرجون من الربح المعجل إلى الربح المؤخر وهو ربا النسيئة. ثالثاً: ربا النسيئة مجمع على تحريمه إجماعاً قطعياً، وربا الفضل وقع فيه خلاف ضعيف. رابعاً: ربا النسيئة لم يبح منه شيء، وربا الفضل أبيح منه ما دعت الحاجة إليه، كذا يقول ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين، قال: لأن ما حرم سدً للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد. • هل ذهب أحد إلى جواز ربا الفضل، وما دليلهم؟ ذهب بعض الصحابة كابن عباس وجماعة إلى جواز ربا الفضل. واستدلوا بحديث أسامة بن زيد. قال: قال ﷺ (لا ربا إلا في النسيئة) متفق عليه. قال ابن قدامة: وَالرِّبَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِهِمَا. وَقَدْ كَانَ فِي رِبَا الْفَضْلِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ؛ فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ). والراجح تحريمه وهو قول جماهير العلماء للأحاديث الصحيحة في ذلك، وقد تقدم ذكرها. • ما الجواب عن حديث (لا ربا إلا في النسيئة)؟ أجاب جمهور العلماء عن حديث أسامة بأجوبة: الجواب الأول: أنه منسوخ. قال النووي: وأما حديث أسامة (لا ربا إلا في النسيئة) فقال قائلون: بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه. وقال الحافظ ابن حجر: اتفق العلماء على صحة حديث أسامة واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد. فقيل: منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقال الشوكاني: لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. الجواب الثاني: أنه حديث مجمل والأحاديث التي تمنع ربا الفضل مبينة، فيجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه. الجواب الثالث: أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ رووها صريحة عنه ﷺ ناطقة بمنع ربا الفضل، ورواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد عن الخطأ من رواية الواحد. الجواب الرابع: أن المعنى في قوله (لا ربا إلا في النسيئة) أي: الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل. (قاله النووي).

стр. 1500

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: كان معتمد ابن عباس وابن عمر حديث أسامة ابن زيد (إنما الربا في النسيئة) ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض، متفاضلاً حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحاً، وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدلّ على أن ابن عمر وابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه. وأيضاً نفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد، لأن دلالته بالمنطوق ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدّم. والله أعلم. • هل البر والشعير صنفان أم صنف واحد؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنهما صنف واحد. وهذا مذهب مالك والليث. القول الثاني: أنهما صنفان. وهذا قول جماهير العلماء. لعطف أحدهما على الآخر. قال القرطبي: وقوله: (البُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير) دليل على أنهما نوعان مختلفان؛ كمخالفة التمر للبُرٍّ؛ وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، وابن عُلّيَّة، وفقهاء أهل الحديث. وذهب مالك، والأوزاعي، والليث، ومعظم علماء المدينة والشام: إلى أنهما صنف واحد. وهو مروي عن عمر، وسعيد، وغيرهما من السَّلف متمسكين، بتقاربهما في المنبت، والمحصد، والمقصود؛ لأن كل واحد منهما في معنى الآخر، والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء لرديئه. (المفهم). • إذا باع إنسان مصاغاً من الذهب لآخر، وليس مع المشتري بعض القيمة أو كل القيمة، ولا بعد أيام أو شهر أو شهرين فهل هذا جائز أو لا؟ إذا كان الثمن الذي اشترى به مصاغ الذهب ذهبا أو فضة أو ما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية أو مستنداتها لم يجز، بل هو حرام؛ لما فيه من ربا النسيئة. وإن كان الشراء بعروض كقماش أو طعام أو نحوهما جاز تأخير الثمن. (فتاوى اللجنة) • هل يلزم تسديد أجرة التصنيع عند استلام الذهب أو نعتبره حساباً جارياً؟ لا يلزم أن يسدد لأن هذه الأجرة على عمل، فإن سلمها حال القبض: فذاك، وإلا متى سلمها صح. (الشيخ ابن عثيمين) • سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عن بيع العملة القديمة بأكثر من قيمتها؟ فأجاب: ليس فيه بأس؛ لأن العملة القديمة أصبحت غير نقد، فإذا كان مثلاً عنده من فئة الريال الأولى الحمراء أو من فئة خمسة أو عشرة التي بطل التعامل بها وأراد أن يبيع ذات العشرة بمائة فلا حرج؛ لكونها أصبحت سلعة ليست بنقد، فلا حرج. (لقاء الباب المفتوح)

стр. 1501

٨٣٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ اِسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرٍ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ " فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ اَلصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : لَا تَفْعَلْ، بِعِ اَلْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اِبْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا - وَقَالَ فِي اَلْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ اِسْتَعْمَلَ رَجُلًا) وفي الرواية الأخرى (بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر فأمّره عليها … ). (عَلَى خَيْبَرٍ) بلدة معروفة. (فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) نوع من أعلى أنواع التمر. (إِنَّا لَنَأْخُذُ اَلصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) وفي رواية البخاري (إنا نشتري الصاع بالصاعين من الجمْع). قال النووي: الجمع تمر رديء. (فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : لَا تَفْعَلْ) أي: لا تبيع الصاع بالصاعين، وفي الرواية الأخرى (ولكن مثلاً بمثل) أي: بيعوا الجنس الواحد بعضه ببعض متماثلاً في الكيل. (بِعِ اَلْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ … ) أي: بع هذه التمر الردء بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيباً. (وَقَالَ فِي اَلْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما قال في المكيل من أنه لا يجوز بيع بعض الجنس منه ببعضه متفاضلا وان اختلفا في الجودة والرداءة، بل يباع رديئه بالدراهم ثم يشتري بهذا الجيد، والمراد بالميزان هنا الموزون. • على ماذا يدل الحديث؟ الحديث يدل على تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد من الأشياء الربوية. فاختلاف الجنس في الجودة والرداءة لا يؤثر في منع الربا. قال الشوكاني: الحديث يدل على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلاً، وهذا أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه. وأما سكوت الرواة عن فسخ البيع المذكور فلا يدل على عدم الوقوع أما ذهولاً وإما اكتفاء بأن ذلك معلوم، وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي ﷺ قال هذا هو الربا فرده كما بنه على ذلك في الفتح. (نيل الأوطار). مثال: لا يجوز أن تبيع (١٠٠) قمح جيد بـ (١١٠) رديء، لأنه ربا. وقد جاء في حديث أبي سَعِيد قال (جَاءَ بِلَالٌ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِنْ أَيْنَ هَذَا». فَقَالَ بِلَالٌ تَمْرٌ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيءٌ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ «أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا لَا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِىَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ) متفق عليه. ففي هذا الحديث جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني جيد، فتعجب النبي ﷺ من جودته، فقال: من أين هذا، فقال بلال: كان عندنا تمر، فبعت الصاعين من الرديء بصاع من هذا الجيد، ليكون مطعم النبي ﷺ ، فعظم ذلك على النبي ﷺ وأخبر بلال بأن عمله هذا هو عين الربا، فلا تفعل ثم أرشده للطريقة الصحيحة، وهي إذا أراد استبدال رديء بجيد، أن يبيع الرديء بدراهم ثم اشتر بالدراهم تمراً جيداً. قال النووي ﵀: قَوْله ﷺ (أَوَّهْ عَيْن الرِّبَا) قَالَ أَهْل اللُّغَة: هِيَ كَلِمَة تَوَجُّع وَتَحَزُّن، وَمَعْنَى عَيْن الرِّبَا: أَنَّهُ حَقِيقَة الرِّبَا الْمُحَرَّم. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - شدة إكرام الصحابة للرسول ﷺ . - تحريم ربا الفضل. - أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب. - تعظيم أمر الربا. - وجوب إنكار المنكر. - لا ذنب على الجاهل. - ينبغي للعالم والمفتي إذا أخبر بتحريم شيء، أن يبين للناس أبواب الحلال التي تغني عن الحرام. - عظم المعصية، وكيف بلغت من نفس النبي ﷺ .

стр. 1502

٨٣٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اَلصُّبْرَةِ مِنَ اَلتَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ اَلْمُسَمَّى مِنَ اَلتَّمْرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (عَنْ بَيْعِ اَلصُّبْرَةِ) بضم الصاد المهملة، وسكون الموحدة، وهي الطعام المجتمع، كالكومة. (لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا) أي: لا يعلم مقدار تلك الصبرة. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: النهي عن بيع الصبرة من التمر - وهي الكومة - التي يعلم كيلها، بتمر آخر علم كيله. قال الشوكاني: والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز أن يباع جنس بجنسه وأحدهما مجهول المقدار. (نيل الأوطار) لأن الصبرة يُجهل كيلها ومقدارها، فالتساوي غير معلوم، فيكون ربا، لأن بيع التمر بالتمر لابد من شرطين: التساوي، والتقابض كما تقدم، وهذا لا يتم إلا بمعرفة كل من العوضين. وقال ابن قدامة: وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا أَوْ كَانَ جُزَافًا مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، لَمْ يَجُزْ. وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ). وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ) إلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ التَّمَاثُلَ شَرْطٌ، وَالْجَهْلُ بِهِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ، كَحَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ. (المغني). وقال النووي: هذا تصريح بتحريم بيع التمر بالتمر حتى يعلم المماثلة، قال العلماء: لأن الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة، لقوله ﷺ (إلا سواءً بسواء) ولم يحصل تحقق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الربويات إذا بيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر. (شرح مسلم) - قال المجد ابن تيمية: الحديث يدل بمفهومه على أنه لو باعها بجنس غير التمر لجاز.

стр. 1503

٨٤٠ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵁ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اَلطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ اَلشَّعِيرَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === • اذكر الحديث بطوله؟ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ فَقَالَ بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيراً. فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعاً وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَراً أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ». قَالَ وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. قِيلَ لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ قَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِع). رواه مسلم (أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ) أي: خادمه. (بصَاعِ قَمْحٍ) وهو البر. (فَقَالَ بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيراً) أي: بثمنه. (فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعاً) أي: من الشعير. (فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ) أي: بيع صاع القمح بصاع الشعير والزيادة. (وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ) أي: لا تأخذ الشعير بالقمح إلا متماثلين في الكيل. (قِيلَ لَهُ) أي: لمعمر. (فَإِنَّهُ) أي: الشعير. (لَيْسَ بِمِثْلِهِ) أي: مثل القمح، يعني أنه ليس من جنسه، أي: أن القمح والشعير جنسان مختلفان، فلا يحرم فيهما التفاضل، فلماذا تريد أن تفسخ هذا البيع؟ (قَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِع) أي: يشابه، ومعناه أخاف أن يكون في معنى المماثل، فيكون له حكمه في تحريم الربا. • من الذي استدل بهذا الحديث على أن الحنطة والشعير جنس واحد؟ الذي استدل به مالك، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً. قال النووي: وَاحْتَجَّ مَالِك بِهَذَا الْحَدِيث فِي كَوْن الْحِنْطَة وَالشَّعِير صِنْفًا وَاحِدًا لَا يَجُوز بَيْع أَحَدهمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّهُمَا صِنْفَانِ يَجُوز التَّفَاضُل بَيْنهمَا كَالْحِنْطَةِ مَعَ الْأَرُزّ، وَدَلِيلنَا مَا سَبَقَ عِنْد قَوْله ﷺ : (فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاس فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ) مَعَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت ﵁ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: " لَا بَأْس بِبَيْعِ الْبُرّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِير أَكْثَرهمَا يَدًا بِيَدٍ " وَأَمَّا حَدِيث مَعْمَر هَذَا فَلَا حُجَّة فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِأَنَّهُمَا جِنْس وَاحِد، وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَتَوَرَّعَ عَنْهُ اِحْتِيَاطًا. وقال القرطبي: قوله (البُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير) دليل على أنهما نوعان مختلفان؛ كمخالفة التمر للبُرٍّ؛ وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، وابن عُلّيَّة، وفقهاء أهل الحديث. وذهب مالك، والأوزاعي، والليث، ومعظم علماء المدينة والشام: إلى أنهما صنف واحد. وهو مروي عن عمر، وسعيد، وغيرهما من السَّلف متمسكين، بتقاربهما في المنبت، والمحصد، والمقصود؛ لأن كل واحد منهما في معنى الآخر، والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء لرديئه. (المفهم). وقال ﵀: قد تقدَّم ذكر الخلاف في عدَّ البُرِّ والشعير صنفًا واحدًا بما يغني عن إعادته، لكنا نبيِّن في هذا الحديث: أن حديث معمر لا حجَّة فيه لأصحابنا، وإن كانوا قد أطبقوا على الاحتجاج به. ووجه ذلك: أن غايتهم في التمسك به أن يحتجوا بمذهب معمر. وهو قول صحابي، وهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال. قال: إن قول معمر هذا رأي منه، لا رواية، وما استدل به من قوله ﷺ (الطَّعام بالطَّعام) لا حجَّة له فيه؛ لأنه إن حمل على عمومه لزم منه: ألا يباع التمر بالبُرِّ، ولا الشعير بالملح، إلا مثلاً بمثل. وذلك خلاف الإجماع، فظهر: أن المراد به: الجنس الواحد من الطَّعام. وقد بيَّن النبي ﷺ الأجناس المختلفة في حديث عبادة بن الصامت وغيره، وفصَّلها واحدًا واحدًا، ففصل التمر عن البر، والشعير عنه، ثم قال بعد ذلك (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم) ثم الظاهر من فتيا معمر: إنما كانت منه تقيه وخوفاً. ألا ترى نصَّه، حيث قال: إني أخاف أن يُضَارع؟! والحجَّة في قول النبي ﷺ لا في قول غيره. (المفهم)

стр. 1504

٨٤١ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: (اِشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاِثْنَيْ عَشَرَ دِينَاراً، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اِثْنَيْ عَشَرَ دِينَاراً، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (اِشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ) أي: يوم غزوة خيبر، وذلك بعد انتهاء المعركة وتقسيم المغانم، جاء في رواية (وهي من المغانم). قال القرطبي: كان بيع هذه القلادة بعد قَسْم الغنيمة، وبعد أن صارت إلى فَضالة في سهمه، ولأن الغنيمة لا يتصرف في بيع شيء منها إلا بعد القِسمة. (قِلَادَةً) بكسر القاف، ما يجعل في العنق من حلي وغيره. (وَخَرَزٌ) بفتح الخاء والراء، جمع خرزة، وهي حبات مثقوبة تصنع من أي نوع، وتنظم في سلك ويتزين بها. • هل وقع اضطراب في هذا الحديث؟ وقع اضطراب في هذا الحديث مضمونه: أن في بعض الروايات: قال فضالة: اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر ديناراً. وفي بعضها: اشتراها رجل بسبعة أو تسعة دنانير، فذكر ذلك للنبي ﷺ . وفي بعضها: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر، نبايع اليهود: الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ لاتبيعوا الذهب بالذهب إلا وزناً بوزن، وهذه ليس فيه أي إشارة للقلادة. وفي بعضها: عن حنش، أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة، فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورق، وجوهر، فأردت أن أشتريها، فسألت فضالة بن عبيد. ففي هذه الرواية ما يدل على أن القصة وقعت لتابعي، وفي غيرها أن القصة وقعت للصحابي. وفي بعضها: قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها ذهب وورق، وجوهر. وقد أجاب بعض أهل العلم عن دعوى الاضطراب بجوابين: أحدهما: القول بتعدد الأحاديث. ذهب إلى ذلك البيهقي، والسبكي، وابن حجر في أحد قوليه. قال البيهقي في السنن (٥/ ٢٩٣) سياق هذه الأحاديث مع عدالة رواتها تدل على أنها كانت بيوعاً شهدها فضالة كلها، والنبي ﷺ ينهي عنها، فأداها كلها، وحنش الصنعاني أداها متفرقاً، والله أعلم. وقال ابن حجر متعقباً في النكت على ابن الصلاح (٢/ ٧٩٥) بل هما حديثان لا أكثر، رواهما جميعاً حنش بألفاظ مختلفة، وروي عن علي بن رباح أحدهما» ثم بين ابن حجر أن أحد الحديثين في قصة وقعت للصحابي، وحديث آخر في قصة وقعت للتابعي، فوضح أنهما حديثان لا أكثر.

стр. 1505

الجواب الثاني: ما اختاره ابن حجر في تلخيص الحبير، قال: والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفاً، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها، وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ فينبغي الترجيح بين رواتها، وإن كان الجميع ثقات، فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، ويكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة. وقال ابن حجر في النكت: «هذا كله - يعني الاختلاف في الحديث - لا ينافي المقصود من الحديث، فإن الروايات كلها متفقة على المنع من بيع الذهب بالذهب ومعه شيء آخر غيره، فلو لم يمكن الجمع لما ضر الاختلاف والله أعلم. • ما حكم بيع ذهب بذهب مع غيره؟ حرام. قال النووي: فِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّهُ لا يَجُوز بَيْع ذَهَب مَعَ غَيْره بِذَهَبٍ حَتَّى يُفَصَّل، فَيُبَاع الذَّهَب بِوَزْنِهِ ذَهَبًا، وَيُبَاع الآخَر بِمَا أَرَادَ، وَكَذَا لا تُبَاع فِضَّة مَعَ غَيْرهَا بِفِضَّةٍ … وَسَوَاء كَانَ الذَّهَب فِي الصُّورَة قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا … وَهَذَا مَنْقُول عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ وَابْنه، وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد. (شرح مسلم) وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عن بيع الذهب الذي معه فصوص الزركون بذهب بنفس الوزن؟ فأجاب: هذا العمل محرم لأنه مشتمل على الربا، لأن فيه زيادة الذهب، حيث جعل ما يقابل الفصوص وغيرها ذهباً، وهو شبيه بالقلادة التي ذكرت في حديث فضالة بن عبيد حيث اشتري قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر ديناراً، ففصلها فوجد فيه أكثر، فقال النبي ﷺ (لا تباع حتى تفصل). • ما حكم شراء الذهب عبر الإنترنت؟ من المعلوم أن من شروط بيع وشراء الذهب بالنقود في الإسلام أن يحصل التقابض عند العقد لقول النبي ﷺ (الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلاً بمثل سواء بسواء يد بيد … ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد). رواه مسلم وأنا أظن أن شراء الذهب عبر الإنترنت لا يحصل يداً بيد لأنك ترسل لهم القيمة ثم يرسلون لك الذهب بعد مدة، فإذا كان الأمر كذلك فالبيع بهذه الطريقة محرم، ويحرم عليك أن تجلب الزبائن لهذه الشركة، لقول الله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). لكن لو حصل الاستلام والتسليم فوراً في مجلس العقد يجوز لك القيام بالدلالة وجلب زبائن لهذه الشركة وأخذ أجرة على هذه الدلالة. (الإسلام سؤال وجواب)

стр. 1506

٨٤٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ. ٨٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ (أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتْ اَلْإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ اَلصَّدَقَةِ. قَالَ: فَكُنْتُ آخُذُ اَلْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ اَلصَّدَقَةِ) رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَات. === (عَلَى قَلَائِصِ اَلصَّدَقَةِ) القلوص الناقة الشابة القوية. • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث سمرة، من طريق الحسن عن سمرة، وهذا فيه خلاف هل سمع منه أم لم يسمع. حسنه بعض العلماء بشواهده. وحديث عبد الله بن عمرو حديث حسن. • ما حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يحرم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وهذا مذهب الحنفية، ورجحه الشوكاني. أ-لحديث سمرة (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ). ب- وروي عن ابن عباس ﵄ قال (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة). القول الثاني: يجوز بيع الحيوان بالحيوان مطلقاً، ولو كان من جنسه، متفاضلاً يداً بيد، أو متفاضلاً نسيئة، كمن يبيع بعيراً ببعيرين حالا أو إلى أجل. وهذا مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة. أ-واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو (فَكُنْتُ آخُذُ اَلْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ اَلصَّدَقَةِ). ب-ما رواه مالك والشافعي عن علي ﵁ أنه باع جملا يدعى (عصيفيراً) بعشرين بعيراً إلى أجل. ج-ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً، أن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة، يوفيها صاحبها بالربذة. د-ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقا، ووصله عبد الرزاق، أن رافع بن خديج اشترى بعيراً ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غداً. هـ - ما رواه البخاري ومالك، عن سعيد بن المسيب أنه قال (لا ربا في الحيوان). • بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة القول الثاني؟ قال الشوكاني: لا شك أن أحاديث النهي وإن كان كل واحد منها لا يخلو من مقال، لكنها ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة، سمرة، وجابر بن سمرة، وابن عباس، وبعضها يقوي بعضاً، فهي أرجح من حديث واحد غير خال من المقال، وهو حديث عبد الله بن عمرو، ولا سيما وقد صحح الترمذي وابن الجارود حديث سمرة، وقد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة وأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حجة فيها، وعلى فرض ذلك فهي مختلفة. (مجلة البحوث الإسلامية)

стр. 1507

• ما حكم بيع اللحم بالحيوان؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه. وهذا مذهب الشافعية، وهو قول الفقهاء السبعة. أ- لما روى سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ (أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان) رواه مالك والبيهقي، وهو مرسل. ب- ولحديث سهل بن سعد. أن النبي ﷺ (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) أخرجه الدارقطني، وضعفه وأقره الحافظ ابن حجر والبيهقي بالغلط في إسناده، قال ابن عبد البر: إنه حديث موضوع. القول الثاني: أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، ويجوز بغير جنسه. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة. وقد استدلوا بأدلة أصحاب القول الأول، لكنهم خالفوهم في أن اللحم كله جنس واحد، بل قالوا: هو أجناس، فلذا حرم في بيعه بجنسه وجاز بغير جنسه لقوله ﷺ (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم). القول الثالث: أنه إذا كان المقصود اللحم، فيحرم سواء بيع بجنسه أو بغير جنسه، أما إذا لم يقصد اللحم (كركوب أو تأجير أو حرث) فيجوز. وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم. وسبب التحريم إذا أريد بالحيوان اللحم، لأنه باع لحماً بلحم من غير تماثل. وأما بيع اللحم باللحم، فإن اللحم أجناس، فلحم الإبل جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الضأن جنس، فلا يجوز بيع اللحم بلحم من جنسه إلا بالتساوي، فلا يباع كيلو من لحم الضأن بكيلوين منه، ويجوز كيلو من البقر بكيلوين من لحم الضأن لاختلاف الجنس.

стр. 1508

٨٤٤ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ اَلْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ اَلْجِهَادَ، سَلَّطَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَلِأَحْمَدَ: نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْقَطَّانِ. === • ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث فيه ضعف، وقد جاء من غير وجه، ولا يصح، وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم، إلى تقويته بمجموع طرقه ٠ الحديث صححه الطبري في "مسند ابن عمر" (١/ ١٠٨) وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٣٠) والألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/ ١١). • عرف العينة؟ العينة مشتقة من العين، لأن صاحبها محتاج إلى العين، وهي النقد وما يقوم مقامه، وقيل: مشتقة من العَون، لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مقاصده. واصطلاحاً: أن يقوم البائع ببيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها ممن باعها عليه بأقل من ذلك الثمن نقداً. وقال الشيخ ابن عثيمين: مثال بيع العينة: أنا بعت على زيد سيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، ثم إني اشتريتها من هذا الرجل بثمانية عشر ألفاً، فهذا حرام لا يجوز؛ لأنه يتخذ حيلة إلى أن أبيع السيارة بيعاً صورياً بعشرين ألفاً، ثم أعود فأشتريها بثمانية عشر ألفاً نقداً، فيكون قد أخذ مني ثمانية عشر ألفاً وسيوفيني عشرين ألفاً وهذا ربا، فهذا لا يجوز؛ لأنه حيلة واضحة، ولذلك قال ابن عباس ﵄: (دراهم بدراهم وبينهما حريرة) وهذه تسمى مسألة العِينة؛ لأن الرجل أعطى عيناً وأخذ عيناً، والعين: النقد؛ الذهب والفضة. (الممتع) وقال ﵀: وهي: مثل أن يكون محتاج إلى دراهم فلا يجد من يقرضه، فيقوم ويشتري من شخص سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على صاحبها الذي اشتراها منه بثمن أقل منه نقداً، سميت بذلك لأن البائع رجع إليه عين ماله. • ما حكم بيع العينة؟ اختلف العلماء في حكمها على قولين: القول الأول: أنها حرام. وهذا قول جماهير العلماء. لظهور الحيلة الربوية في هذا النوع من البيوع. قال محمد بن الحسن الشيباني في إحدى صور العينة - كما في "فتح القدير" (٧/ ٢١٣) هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال، اخترعه أَكَلَةُ الربا. قال ابن قدامة: أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

стр. 1509

وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا فَجَازَ مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا. (المغني). أ- لحديث الباب. ب-وقد عقد الإمام عبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (٨/ ١٨٤) باباً قال فيه: " باب الرجل يبيع السلعة ثم يريد اشتراءها بنقد: أخبرنا معمر والثوري عن أبي إسحاق عن امرأته: أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين! كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بستمائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمانمائة، فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريت! وبئس والله ما اشترى! أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل، قالت: (من جاءه موعظة من ربه فانتهى) الآية، أو قالت: (إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم). قال ابن عبد الهادي في "تنقيح التعليق" (٢/ ٥٥٨): إسناد جيد. وصححه الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ١٦) وصححه ابن القيم في (إعلام الموقعين) ورد على المخالفين في ذلك ج- أن القول بالتحريم هو المنقول عن عدد من الصحابة، كعائشة، وابن عباس، وأنس. - عائشة سبق في الأثر السابق. - وأما ابن عباس: حين سئل ابن عباس عن حريرة بيعت إلى أجل، ثم اشتريت بأقل. فقال: دراهم بدراهم، دخلت بينهما حريرة. رواه سعيد وغيره، وجاء نحوه عند عبد الرزاق في مصنفه. وسئل أنس عن العينة، فقال: إن الله لا يُخْدَع هذا مما حرم الله ورسوله. عزاه ابن القيم لمطين في كتاب البيوع ٠ د- حديث أبي هريرة. (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة) رواه الترمذي، والعينة هي المقصودة في هذا الخبر. هـ-ولأنه ذريعة إلى الربا، ليستبيح بيع ألف بنحو خمسمائة إلى أجل، والذريعة معتبرة في الشرع بدليل منع القاتل من الإرث. (المغني) هـ- أن الله تعالى حرم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا، بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام، ولهذا نقل عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة. القول الثاني: أنها حلال. وهذا المشهور من مذهب الشافعي. أ- لقوله تعالى (وأحل الله البيع). والصحيح قول الجمهور، وأما الآية فهي عامة، وقد جاءت الأدلة الخاصة بتحريم العينة.

стр. 1510

• اذكر مسألة عكس العينة؟ مثاله: أن يبيع السلعة نقداً بـ ١٠٠ ثم يشتريها ممن اشتراها بأكثر منه مؤجل. مثاله: بعتك بيتي (٨٠) ألف نقداً، ثم اشتريته منك (١٠٠) ألف مؤجلة (عكس مسألة العينة). مثال آخر: أن يشتري شخص سيارة بـ (٥٠ ألف) نقداً، ثم يأتي البائع ويشتري هذه السيارة ٧٠ مؤجلة. وقد اختلف العلماء في هذه الصورة هل هي جائزة أم لا؟ القول الأول: الجواز إذا لم تكن حيلة. قالوا: لأن الأصل حل البيع، وحرمت العينة بالنص، ولأنه ليس فيها محذور شرعي. واختار هذا الموفق ابن قدامة اذا لم يكن هذا مواطأة واتفاق بينهما. القول الثاني: إنها حرام. وهو قول الحنفية، والحنابلة. لأن المقصود بالمنع هو سد ذريعة الربا. - مسألة: إذا باعه سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها منه نقداً بأكثر فإن هذا يجوز، لأن ليس فيه حيلة. • ما هو بيع التورق، وما حكمه؟ التورق مأخوذ من الورق، والمراد به المال بجميع أنواعه. ومعنى التورق: أن يشتري من يحتاج مالاً سلعة مؤجلة بأكثر من قيمتها حالة، ثم يبيعها على أجنبي نقداً. فالتورق هو: شراء سلعة بثمن مؤجل بقصد بيعها على غير البائع تحرير محل النزاع: أولاً: إذا كان المشتري غرضه التجارة، أو غرضه الانتفاع، أو القينة، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق كما قال ابن تيمية. ثانياً: أن يكون مقصوده الدراهم لحاجته لها، وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضاً أو غيره، فيشتري سلعة ليبيعها ويأخذ ثمنها، فهذا هو التورق، وقد اختلف العلماء في حكمه على أقوال: القول الأول: أنها حرام. وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم، وهو قول بعض السلف. أ- قالوا: إن هذا من بيع المضطر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر، والنهي يقتضي التحريم. ب- أن الله حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج، وهو في حقيقته أخذ دراهم بدراهم، وهذا المعنى موجود في التورق، لأنه يريد به الدراهم، والنية معتبرة في الأحكام. قال ابن تيمية: وإنما الذي أباحه الله البيع والتجارة، وهو أن يكون المشتري غرضه أن يتجر فيها، فأما إذا كان قصده مجرد الدراهم بدراهم أكثر منها، فهذا لا خير فيه. قال ابن القيم: وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه.
следующие страницы →