Полный текст (3 038 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
• أيهما أفضل المسح أو الغَسل؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول. أن الغَسل أفضل
وهذا مذهب الشافعي، وذهب إليه جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري. [ذكر ذلك النووي].
أ-لأنه المفروض في كتاب الله.
ب-ولأنه الغالب من فعل رسول الله ﷺ .... [ذكر ذلك ابن قدامة].
القول الثاني: أن المسح أفضل.
وهذا مذهب أحمد.
قال النووي: وذهب إليه الحكم وحماد.
واختاره ابن المنذر، وقال: والذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن به المخالفون من السنن أفضل من تركه.
أ- لقوله ﷺ (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه) رواه أحمد.
ب- أن في المسح على الخفين مخالفة لأهل البدع الذين ينكرونه، كالخوارج والروافض.
ج- أنه أيسر، لحديث (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ). متفق عليه.
• ما الراجح من القولين؟
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الأفضل في حق كل واحد ما كان موافقاً للحال التي عليها قدمه، فإن كان لابساً للخف فالأفضل المسح، وإن كانت قدماه مكشوفتين فالأفضل الغسل، ولا يلبس الخف من أجل أن يمسح عليه.
ويدل لهذا حديث المغيرة بن شعبة ﵁ لما أراد أن ينزع خفي النبي ﷺ ليغسل قدميه في الوضوء فقال له النبي ﷺ (دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) فهذا يدل على أن المسح أفضل في حق من كان يلبس الخفين
стр. 142
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وفصل الخطاب: أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه. فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما ولا يتحرى لبس الخف ليمسح عليه، كما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابسا للخف (الإنصاف).
واختاره ابن القيم في زاد المعاد، وقال: ولم يكن يتكلف ضدّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانت في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانت مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه، وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل.
• ما حكم خلع الجوربين عند كل وضوء احتياطاً للطهارة؟
هذا خلاف السنة وفيه تشبه بالروافض الذين لا يجيزون المسح على الخفين، والنبي ﷺ ، قال للمغيرة حينما أراد نزع خفيه قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين. ومسح عليهما. (ابن عثيمين).
• ما حكم معاونة المتوضئ؟
جائزة.
أ-لحديث الباب وفيه (فصببتُ عليه فتوضأ وضوءه).
ب-ولحديث أسامة بن زيد (أن رسول الله ﷺ لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب فقضى حاجته، قال أسامة: فجعلت أصب عليه ويتوضأ، فقلت: يا رسول الله! أتصلي؟ فقال: المصلى أمامك) متفق عليه
قال النووي بعد حديث الباب: وفي هذا الحديث دليل على جواز الاستعانة في الوضوء.
ج- قال الحافظ: روى الحاكم في المستدرك من حديث الربيّع بنت معوذ قال (أتيت النبي ﷺ بوضوء فقال: اسكبي، فسكبت عليه).
قال الحافظ: وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب.
стр. 143
• هل جاءت أحاديث في النهي عن ذلك؟
جاء أحاديث ليست بثابتة النهي عن الاستعانة. (قال النووي).
من هذه الأحاديث:
أ-عن ابن عباس. قال (كان رسول الله ﷺ لا يكل طهوره إلى أحد، ولا صدقته التي تصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه) رواه ابن ماجه. (حديث ضعيف).
ب-وعن عمر. قال (رأيت رسول الله ﷺ يستقي ماء لوضوئه، فبادرته استقي له فقال: مه يا عمر، فإني أكره أن يشركني في طهوري أحد) رواه أبو يعلى. (حديث ضعيف).
ج- وعن العباس بن عبد الرحمن المدني. قال (خصلتان لم يكن رسول الله ﷺ يكلهما إلى أحد من أهله، كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور من الليل ويخمره) رواه ابن أبي شيبة. (حديث ضعيف).
• ما حكم تنشيف الأعضاء بعد الوضوء.
قيل: يكره.
وقيل: مباح ورجحه ابن المنذر.
وهذا هو الصحيح.
قال ابن قدامه ﵀ في المغني: لَا بَأْسَ بِتَنْشِيفِ أَعْضَائِهِ بِالْمِنْدِيلِ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ؛ وهو المنقول عن الإمام أحمد، وقد رُوِيَ أَخْذُ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ عن عُثْمَان وَالْحَسَن بْن عَلِيٍّ وَأَنَس، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وهو الأصح، لأن الأصل الإباحة.
وقال ابن القيم: ولم يكن رسول الله ﷺ يعتاد تنشيف أعضائه بعد الوضوء، ولا يصح عنه في ذلك حديث البتة، بل صح عنه خلافه.
يشير إلى ما رواه البخاري عن ابن عباس وخالته ميمونة: (أن النبي ﷺ أتي بالمنديل فلم يمسه، وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينفضه).
وقال ابن المنذر: هذا الخبر لا يوجب قصر ذلك، ولا المنع منه، لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، مع أن النبي ﷺ كان يدع الشيء المباح لئلا يشق على أمته.
стр. 144
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم تنشيف أعضاء الوضوء.
فأجاب: تنشيف الأعضاء لا بأس به؛ لأن الأصل عدم المنع، والأصل فيما عدا العبادات من العقود والأفعال والأعيان الحل والإباحة حتى يقود دليل على المنع.
فإن قال قائل: كيف تجيب عن حديث ميمونة ﵂، حينما ذكرت أن النبي ﷺ اغتسل، قالت: فأتيته بالمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيده؟
فالجواب: أن هذا الفعل من النبي ﷺ قضية عَيْن تحتمل عدة أمور: إما لأنه لسبب في المنديل، أو لعدم نظافته، أو يخشى أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، فهناك احتمالات ولكن إتيانها بالمنديل قد يكون دليلاً على أن من عادته أن ينشف أعضاءه، وإلا لما أتت به. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١١/ ٩٣).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز استخدام الأحرار ليحصل لهم التمرن على التواضع.
- جواز تنشيف الأعضاء بعد الوضوء.
- جواز اقتداء الفاضل بالمفضول.
- جواز صلاة النبي ﷺ خلف بعض أمته.
стр. 145
٥٩ - وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْهُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى اَلْخُفِّ وَأَسْفَلَه) وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْف.
٦٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ (لَوْ كَانَ اَلدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ اَلْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْه) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَن.
===
- (لَوْ كَانَ اَلدِّينُ بِالرَّأْيِ) المراد بالدين: أحكام الإسلام، والمراد بالرأي: ما يراه الإنسان صالحاً من غير نظر إلى الشرع.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث (مسح أعلى الخف وأسفله) ضعيف لا يصح. فقد رواه أبو داود من الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة … فذكر الحديث، وهذا السند أعل بعدة علل.
ولذلك ضعف هذا الحديث جهابذة الحديث ونقاده: مثل البخاري وأبو حاتم وأحمد وأبو زرعة وأبو داود والترمذي وغيرهم.
وأما حديث علي (لو كان الدين .. ) إسناده حسن.
• ما الذي يمسح أعلى الخف أم أسفله؟
السنة مسح أعلى الخف.
لقول علي، أما أسفل الخف فلا يشرع.
قال ابن القيم: لم يصح عنه أنه مسح أسفلهما، وإنما جاء في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه.
وقد ذهب بعض العلماء إلى استحباب مسح أسفل الخف، والصحيح الأول.
стр. 146
• ما كيفية المسح على الخف؟
لم يرد حديث تقوم به الحجة في كيفية المسح على الخف، فلذلك يكفي المسلم والمسلمة إمرار اليد على القدم اليمنى واليسرى بحيث يصدق عليه أنه مسح، كما هو قول الشافعي وأبي ثور وغيرهما.
قال الصنعاني: لم يرد في الكيفية ولا الكمية حديث يُعتمد عليه إلا حديث علي في بيان المسح، والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحاً على الخف لغة أجزأه.
وصفة المسح: أن يُمِرّ اليد اليمنى مبلولة بالماء مفرجة الأصابع على الرجِل اليمنى، واليسرى كذلك، ويكون المسح مرة واحدة، ولا يشرع تكراره.
وجاءت بعض الأحاديث في بيان المجزئ من المسح، ولكن لا يصح منها شيء، منها:
حديث علي: (أنه رأى النبي ﷺ يمسح على ظهر الخف خطوطاً بالأصابع).
وحديث جابر قال: (مرَّ رسول الله ﷺ برجل يتوضأ، فغسل خفيه، فنخسه برجله وقال: ليس هكذا السنة أمرنا بالمسح هكذا، وأمرَّ بيديه على خفيه).
стр. 147
• اختلف العلماء في مسح الخفين هل يمسحان كالأذنين جميعاً، أم تقدم اليمين؟ اذكر الخلاف؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: تقدم اليمين.
لأن المسح بدل من الغسل، والبدل له حكم المبدل، فكما أنه يشرع تقديم غسل اليمنى في الرجلين واليدين، فكذلك يشرع تقديم مسح اليمنى على اليسرى.
القول الثاني: يمسحان جميعاً.
اليد اليمنى تمسح الرجل اليمنى، واليد اليسرى تمسح الرجل اليسرى في نفس اللحظة.
أ-لأن في حديث المغيرة قال: (فمسح عليهما) ولم يقل: بدأ باليمين، ولو كان مشروعاً لنقلت هذه الصفة وحفظت، لأنه من شرع الله .
ب- القياس على الأذنين، فطهارة المسح لا تيمن فيها، فكما أن الأذنين عضوان مستقلان، ومع ذلك لم يشرع التيمن فيهما، فكذلك الرجلان في حالة المسح.
وهذا أرجح والله أعلم.
فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين: وكثير من الناس يمسح بكلا يديه على اليمين، وكلا يديه على اليسرى، وهذا لا أصل له فيما أعلم.
• ما الحكم إذا لبس جورب على جورب:
إذا كان لبس ذلك على طهارة، فالحكم في هذه الحالة للفوقاني وإن مسح على التحتاني صح ذلك على الصحيح.
وإن لبس الفوقاني على حدث، فلا يجوز له أن يمسح على الفوقاني عند جمهور أهل العلم، لأنه لبس ذلك على غير طهارة
وحكى ابن قدامة عدم الخلاف في هذه المسألة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الدين مبناه على النقل عن الله أو عن الرسول ﷺ ، وليس الرأي هو المحكم فيه.
- الذي يتبادر إلى الذهن هو أن الأولى بالمسح هو أسفل الخف لا أعلاه، لأن الأسفل هو الذي يباشر الأرض وربما أصابته النجاسة، فكان أولى بالإزالة، لكن عند التأمل تجد أعلاه أولى، لأن المسح لا يحصل به الغسل والإنقاء، فلا يزيد مسح الخف من أسفله إلا تلوثاً بخلاف الأعلى.
- الدين لا يخالف العقل، لكن الدين أحياناً يأتي بما لم يدركه العقل، والسبب أن العقول قاصرة، وقد يخفى على الإنسان حكمة هذا الشيء.
стр. 148
٦١ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْم) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاهُ.
٦٢ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَال (جَعَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. يَعْنِي: فِي اَلْمَسْحِ عَلَى اَلْخُفَّيْن) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٦٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنْ اَلنَّبِي ﷺ (أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ: أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَة.
===
(كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا) أي: يبيح لنا.
(إِذَا كُنَّا سَفْراً) بفتح السين وإسكان الفاء، أي: مسافرين.
(إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) أي: فننزعها ولو قبل مرور ثلاثة أيام، والجنابة: إنزال المني.
(وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْم) أي: ولكن لا ننزعها من غائط وبول ونوم إلا إذا مرت المدة المقررة.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث صفوان حسن، لأن في إسناده عاصم بن أبي النَّجُود، وهو صدوق له أوهام، والحديث له شواهد، وقد صححه البخاري والنووي وابن حجر.
وحديث أبي بكرة في إسناده المهاجر أبو مخلَد تكلم فيه العلماء، قال أبو حاتم: لين الحديث، وقد نقل الحافظ في التلخيص أن الشافعي والخطابي صححا الحديث، ونقل الترمذي في العلل الكبير عن البخاري ما نصه: حديث أبي بكرة حديث حسن.
стр. 149
• ماذا نستفيد من قوله (أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ … )؟
أن المسح على الخفين خاص بالوضوء دون الغسل، وهذا هو الشرط الثاني من شروط المسح على الخفين.
قال ابن قدامة: ولا يجزئ المسح في جنابة ولا غسل واجب ولا مستحب لا نعلم في هذا خلافاً.
وقال الحافظ ابن حجر: المسح على الخفين خاص بالوضوء لا مدخل للغسل فيه بإجماع.
• اذكر الشرط الثالث من شروط المسح على الخفين المذكورة في الأحاديث؟
أن يكون في المدة المحددة: ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم.
لحديث الباب (حديث علي) (جَعَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ).
ولحديث الباب (صفوان).
ولحديث الباب (أبي بكرة).
والقول بأن المسح على الخفين مؤقت للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن؛ هو مذهب الجمهور.
فهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء .... [قاله النووي].
وممن قال به من الصحابة: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة.
وممن قال به من التابعين: شريح القاضي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز.
قال ابن عبد البر: وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، وهو الأحوط عندي.
قال الخطابي: التوقيت قول عامة الفقهاء. [قاله النووي].
القول الثاني: لا توقيت في المسح على الخفين، فمن لبس خفيه وهو طاهر مسح عليهما ما بدا له.
وإليه ذهب الإمام مالك والليث بن سعد .... [ذكر ذلك ابن قدامة].
قال الشوكاني: ولعل متمسك أهل هذا القول ما أخرجه أبو داود من حديث أبيّ بن عمارة أنه قال للرسول ﷺ (أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوماً؟ قال: نعم، ويومين، وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت).
وهذا الحديث لا يصح. قال الدار قطني: هذا إسناد لا يثبت.
وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس له إسناد قائم.
والراجح قول الجمهور.
стр. 150
• هل يستثنى من ذلك شيء؟
يستثنى من ذلك التوقيت المسافر الذي يخشى فوات رفقة، أو يتضرر بالنزع، ونحو ذلك من الأعذار، فله أن يمسح إلى زوال عذره كما قال بذلك بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية.
لما روى الدار قطني والبيهقي في السنن الكبرى عن عقبة بن عامر (أنه وفد على عمر بن الخطاب عاماً، قال عقبة: وعليّ خفاف من تلك الخفاف الغلاظ، فقال لي عمر: متى عهدك بلبسهما؟ فقال: لبستهما يوم الجمعة، واليوم جمعة، فقال له عمر: أصبت).
• متى تبدأ مدة المسح على الخف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: من أول حدث يقع بعد اللبس.
وهذا مذهب الجمهور .... [ذكر ذلك الشنقيطي].
أ-واستدل هؤلاء بزيادة في حديث صفوان (من الحدث إلى الحدث)، قال النووي: وهي زيادة غريبة ليست ثابتة.
ب- وقالوا: إن الحدث سبب للمسح على الخفين، فعلق الحكم به.
القول الثاني: من حين لبس الخف.
وهذا محكي عن الحسن البصري.
القول الثالث: من أول مسح بعد الحدث.
وممن قال بهذا الأوزاعي وأبي ثور، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وداود، ورجح هذا القول النووي واختاره ابن المنذر.
واحتج هؤلاء بأحاديث التوقيت في المسح، ووجه احتجاجهم بها:
أن قوله ﷺ (يمسح المسافر ثلاثة أيام) صريح في أن الثلاثة كلها ظرف للمسح، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان ابتداء المدة من المسح، وهذا القول هو الراجح.
مثال يوضح ذلك:
رجل توضأ لصلاة الفجر، ولبس الخفين، وبقي على طهارته إلى الساعة (٩) ضحىً، ثم أحدث ولم يتوضأ، وتوضأ في الساعة (١٢).
المذهب تبتدئ المدة من الساعة (٩)، وعلى القول الراجح تبتدئ من الساعة (١٢). [الشرح الممتع]
стр. 151
• على القول الراجح كما سبق، إذا مسح بدأت المدة، لكن اختلف العلماء لو كان مسحه لتجديد الوضوء، هل تبدأ به المدة أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
فقيل: تبتدئ به المدة من المسح ولو لتجديد وضوء.
وقيل: لا بد أن يكون المسح لوضوء واجب. والله أعلم.
• ما الحكم فيمن مسح وهو مقيم ثم سافر؟
من مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر.
هذا مذهب الأحناف.
فلو مسح يوماً ثم سافر، فإنه يمسح يومين زيادة على اليوم، فيكون قد مسح ثلاثة أيام.
لأن رخص السفر قد حلت له.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يمسح مسح مقيم.
أ- قالوا: لأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فغلب جانب الحضر.
ب- قياساً على الصلاة، فلو أنه أحرم بالصلاة في سفينة في البلد، فسارت وفارقت البلد وهو في الصلاة، فإنه يتمها صلاة حضر.
والأول أصح.
• ما الحكم فيمن مسح وهو مسافر ثم أقام؟
من مسح وهو مسافر ثم أقام، فإنه يمسح مسح مقيم.
لأن رخص السفر قد انتهت بالوصول إلى بلده.
وهذا قول جمهور العلماء.
فلو مسح المسافر يوماً وليلة فما فوق ثم قدم بلده الذي يسكن فيه، فلا يجوز له في هذه الحالة المسح على الخفين بل ينزعهما.
стр. 152
• هل خلع الخف ينقض الوضوء؟
اختلف العلماء هل خلع الخف ينقض الوضوء؟
القول الأول: أن خلع الخف ينقض الوضوء.
وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق، ورجحه الشيخ ابن باز.
لأن القدم حكمه في الأصل الغسل، وإنما انتقل إلى المسح بدلاً من الغسل لتغطية القدم، فإذا خلع الخف فقد عاد حكمه إلى وجوب الغسل.
القول الثاني: أنه لا ينقض الوضوء.
وهو قول قتادة، والحسن، وابن أبي ليلى وجماعة، ونصره ابن حزم في (المحلى) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن المنذر، وقال النووي في (المجموع) وهو المختار الأقوى.
أ-ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي ظبيان قال (رأيت علياً بال قائماً، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن فخلعهما) زاد البيهقي: (ثم تقدم فأم الناس).
وهذا الفعل من خليفة رائد، وهو ممن أمرنا باتباع سنته.
ب- أن الطهارة لا تبطل إلا من حدث، وخلع الخف ليس بحدث.
ب-لعدم الدليل على النقض.
ج-قاس بعضهم بمن حلق رأسه بعد مسحه، فإنه لا يجب عليه إعادة مسح الرأس. (وهذا القياس كما قال الحافظ ابن حجر فيه نظر)
والراجح القول الأول.
• هل انتهاء المدة تعتبر من مبطلات المسح؟
اختلف العلماء هل إذا انتهت مدة المسح يستأنف الوضوء أم لا؟
القول الأول: يستأنف الوضوء.
وهذا مذهب الحنابلة.
قالوا: لأن المسح أقيم مقام الغَسل في المدة، فإذا انقضت المدة بطلت الطهارة في الممسوح، وإذا بطلت الطهارة في الممسوح، بطلت في سائر الأعضاء، لأن الحدث لا يتبعض.
القول الثاني: لا تبطل طهارته.
وهو اختيار ابن حزم ورجحه ابن تيمية.
أ-قالوا: إن أحاديث التوقيت للمقيم والمسافر تضمنت ابتداء وانتهاء مدة المسح لا الطهارة، فهي تنهى أن يمسح أحدنا أكثر من يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر.
ب- أن هذا الرجل قد تطهر بمقتضى الكتاب والسنة، فلا تنتقض طهارته إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع ولا دليل هنا.
والله أعلم.
стр. 153
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز المسح على الخفين في السفر كما يجوز في الحضر.
- أن البول والغائط من نواقض الوضوء.
- استدل بحديث الباب من قال أن النوم ينقض الوضوء. [وستأتي المسألة بإذن الله]
- في الحديث دليل على حكمة الشرع، وتنزيل الأمور منازلها، واعتبار الأحوال، فإن النبي ﷺ هنا فرق بين المسافر والمقيم، فجعل للمسافر مدة أطول من مدة المقيم مراعاة بحال المسافر ومشقته.
стр. 154
٦٤ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَال (بَعَثَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى اَلْعَصَائِبِ - يَعْنِي: اَلْعَمَائِمَ -وَالتَّسَاخِينِ- يَعْنِي: اَلْخِفَاف) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم.
===
(سَرِيَّةً) السرية القطعة من الجيش من خمسمائة إلى ثلاثمائة وقيل إلى أربعمائة، سميت بذلك لأن الغالب عليها أن تسير بالليل وتختفي بالنهار، وقيل: لأنها تكون من خلاصة الجيش وخيارهم.
(اَلْعَصَائِبِ) جمع عصابة، وهي العمامة، سميت بذلك لأن الرأس يعصب بها.
(وَالتَّسَاخِينِ) هي الخفاف.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث رواه أبو داود من طريق راشد بن سعد عن ثوبان عن النبي ﷺ ، ضعفه بعضهم بأن راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان، كما قال الإمام أحمد، وقد أثبت بعضهم سماعه منه، وقد صحح الحديث الحاكم والنووي.
• ما حكم المسح على العمامة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجوز الاقتصار على العمامة.
وهذا مذهب الجمهور .... [ذكر ذلك الحافظ ابن حجر].
فهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية.
قال الترمذي: وقال غير واحد من أصحاب النبي ﷺ لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة.
فعند أصحاب هذا القول أنه لا يجزئ المسح على العمامة وحدها، فلو مسح الإنسان على العمامة وحدها لم يجزئه، بل لا بد أن يمسح على جزءٍ من الرأس، ومن المعلوم أن مسح جزء من الرأس يجزئ عند أكثر هؤلاء الأئمة، واحتجوا:
أ- بقوله تعالى (وامسحوا برءوسكم). فأمر الله بمسح الرأس في الوضوء، وهذا يقتضي إمساسه بالماء ومباشرته به، والعمامة ليست برأس، فماسحها غير ما سح برأسه حقيقة.
ب-وبأن الله فرض المسح على الرأس، والحديث في العمامة محتمل التأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل.
стр. 155
القول الثاني: جواز المسح على العمامة.
وهذا مذهب الحنابلة.
وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود بن علي.
قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وأنس، واحتجوا بالأحاديث الواردة التي فيها المسح على العمامة.
قال ابن المنذر: وممن مسح على العمامة أبو بكر الصديق، وبه قال عمر وأنس وأبو أمامة.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث عمرو بن أمية قال (رأيت رسول الله ﷺ يمسح على عمامته وخفيه) رواه البخاري.
ج-ولحديث بلال قال (مسح رسول الله ﷺ على الخفين والخمار) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ مسح على العمامة، ولم يُذكر في الحديث أنه مسح على الناصية، أو على شيء مع العمامة، فدل على جواز الاقتصار على العمامة في المسح.
د-وعن المغيرة بن شعبة: (أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين). رواه مسلم
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 156
• اشترط بعض الفقهاء للمسح على العمامة شروطاً، اذكرها مع بيان الصحيح منها وغير الصحيح؟
اشترط بعض الفقهاء للمسح على العمامة شروطاً:
منها: أن يلبسها على طهارة.
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
قياساً على الخف.
واختار ابن تيمية أنه لا يشترط، واختاره ابن حزم.
لعدم الدليل، إذ ليس في الأحاديث إلا أن الرسول ﷺ مسح على العمامة مطلقاً، والتخصيص يحتاج إلى دليل.
ومنها: أنه يشترط لها توقيت.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
قياساً على الخف.
والصحيح أنه لا يشترط، لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ وقتها.
ومنها: أن تكون محنكة (هي التي دار منها تحت الحنك) ذات ذوابة [هي التي يكون أحد أطرافها متدلياً من الخلف].
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
أ-قالوا: لأن هذا هو الذي جرت العادة بلبسه عند العرب.
ب-ولأن المحنكة هي التي يشق نزعها.
ج- ولأنها إذا لم تكن محنكة أشبهت الكوفية (الطاقية) والكوفية لا يمسح عليها، فكذلك غير المحنكة. (المغني).
واختار شيخ الإسلام أنه لا يشترط ذلك.
لأن النص جاء وورد بالمسح على العمامة، ولم يذكر قيداً آخر، فمتى ثبتت العمامة جاز المسح عليها.
وأما تحنيكها زمن الصحابة فقد كان للحاجة إلى الجهاد، قال ابن تيمية: والسلف كانوا يحنكون عمائمهم، لأنهم كانوا يركبون الخيل، ويجاهدون في سبيل الله، فإن لم يربطوا العمائم بالتحنيك وإلا سقطت.
стр. 157
• ما مقدار ما يمسح من العمامة؟
لا بد أن يكون المسح شاملاً لأكثر العمامة، فلو مسح جزءاً منها لا يصح.
• هل يجوز للمرأة أن تلبس العمامة؟
لا يجوز ذلك لها، لأن هذا تشبه بالرجل.
وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
• ما حكم المسح على اللفافة؟ (وهي التي يلفها الإنسان على قدمه)؟
اختلف العلماء في حكم المسح على اللفافة على قولين:
القول الأول: لا يجوز مطلقاً.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- وذلك لأن اللفائف لا تثبت بنفسها. (قاله ابن قدامة).
ب-أن المسح إنما ورد على الخف، وما هو في معناه، وأما اللفائف والخِرَق التي تلف على الأرجل فلا تسمى خفاً، ولا هي في معناه، فلا يمسح عليها إلا بدليل.
قال النووي: لو لفّ على رجلهِ قطعة من أَدَم واستوثق شده بالرباط … لم يجز المسح عليه، لأنه لا يسمى خفاً، ولا هو في معناه.
ج- حكي الإجماع على عدم الجواز.
القول الثاني: يجوز المسح عليها.
واختار هذا القول ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
أ-لحديث الباب، حيث أمرهم رسول الله ﷺ بالمسح على التساخين، وهي كل ما يلف على القَدَم، ويشد عليها خفاً كان أو غيره.
ب-ولأن الغرض الموجود في المسح على الخفاف موجود في لبس اللفافة.
ج- أن اللفائف أولى بالجواز من الخفاف والجوارب، لأن نزعها أشق.
وهذا القول هو الصحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصواب أنه يمسح على اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر، إما إصابة البرد، وإما التأذي بالحفاء، وإما التأذي بالجرح، فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى.
стр. 158
• ما حكم المسح على الجوربين (وهما ما يلبس على رجل على هيئة الخف من غير الجلد، كتاناً كانتا أم قطناً أم صوفاً، وهو المعروف الآن بالشراب)؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين.
القول الأول: جواز ذلك إذا كانا صفيقين يمكن متابعة المشي بهما.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
أ- واستدلوا: بحديث الباب. حيث أمر النبي ﷺ بالمسح على التساخين، وهي كل ما يلف على القدم.
ب- وبحديث المغيرة بن شعبة (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أبو داود.
ووجه الدلالة منه ظاهر: حيث مسح ﷺ على الجوربين.
لكن هذا الحديث مختلف في صحته، فضعفه كبار الحفاظ، وصححه بعض المتأخرين كالألباني وأحمد شاكر وغيرهم.
القول الثاني: يجوز المسح عليهما إذا كانا منعلين أو مجلدين.
وهو مذهب أبي حنيفة.
قالوا: إن المسح على الخفين على خلاف القياس، فلا يصح أن يلحق به غيره إلا إذا كان في معناه من كل وجه، والجورب ليس كذلك، إلا إذا كان منعّلاً أو مجلداً.
القول الثالث: الجواز مطلقاً.
وهو قول بعض الصحابة منهم عمر، وعلي، وبعض التابعين منهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري.
واستدلوا بأدلة القول الأول، حيث وردت مطلقة من غير تقييد بأن يكونا منعلين أو مجلدين أو صفيقين، وتقييد ما أطلقه الشارع لا يجوز إلا بدليل، ولا دليل هنا.
وهذا القول هو الراجح:
قال ابن المنذر: رويَ إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ : علي، وعمار، وأبي مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء بن عازب، وبلال، وأبي أمامة، وسهل بن سعد.
стр. 159
٦٥ - وَعَنْ عُمَرَ -مَوْقُوفًا- و] عَنْ] أَنَسٍ -مَرْفُوعًا- (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلَا يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَه.
===
• حديث عمر الموقوف أخرجه الدارقطني وإسناده قوي.
• وأما حديث أنس المرفوع، فقد أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة.
وقال الذهبي: الحديث على شرط مسلم، تفرد به عبد الغفار وهو ثقة، والحديث شاذ.
وسبب الشذوذ: أن عبد الغفار بن داود تفر د بهذا الحديث عن حماد بن سلمة، فلم يروه أحدٌ غيره من أهل البصرة.
ومن شذوذه أيضاً: مخالفته للأحاديث الصحيحة الدالة على التوقيت في المسح على الخفين.
• استدل بهذا الحديث من قال بعدم التوقيت في المسح على الخفين لقوله (وَلَا يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) فما الجواب عنه؟
الجواب عليه من وجوه:
أولاً: أنه محمول على ما ورد في النصوص الأخرى التي فيها التوقيت.
ثانياً: ويمكن أن يجاب أن حديث أنس المرفوع شاذ.
ثالثاً: أن يكون قوله (إن شاء) إشارة إلى أن المسح ليس بواجب دفعاً لما يفيده ظاهره من الوجوب، وظاهر النهي من التحريم.
стр. 160
• ما الجواب عما ورد عن عمر من عدم التوقيت؟
الجواب عليه من وجوه:
أولاً: أنه ورد عن عمر ما يدل على التوقيت.
فقد أخرج عبد الرزاق عن أبي عثمان النهْدي قال (حضرت سعداً وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثلِ ساعتهِ من يومه وليلته) فهذا دليل بيّن على أن عمر يقول بالتوقيت.
وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عمر (أن عمر بن الخطاب قال في المسح على الخفين: للمسافر ثلاث، وللمقيم يوم إلى الليل) وإسناده صحيح.
وقد أجاب البيهقي عن هذا التعارض بقوله: وقد روينا عن عمر بن الخطاب التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه الثبت عن النبي ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله الذي يوافق السنة المشهورة أولى.
وقد نقل النووي هذا القول وارتضاه.
ثانياً: يمكن أن يحمل ما ورد عن عمر بعدم التوقيت على الضرورة أو على المشقة الكبيرة، وهذا اختيار ابن تيمية ﵀.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن هذا الحديث استدل به من قال باشتراط الطهارة في المسح على الخفين، وأنه لا يجوز المسح عليهما إلا إذا لُبسا جميعاً بعد كمال الطهارة. [وسبقت المسألة]
- أن المسح على الخفين خاص بالوضوء دون الغسل [وسبقت المسألة ودليلها حديث صفوان بن عسال]
- جواز الصلاة في النعال، لقوله ﷺ : (وليصل فيهما) والجمهور على استحباب ذلك لقوله ﷺ : (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم). رواه أبو داود. [وتأتي المسألة إن شاء الله].
- أن الأفضل للإنسان أن يصلي بخفيه إذا كانا عليه عند الصلاة، لقوله ﷺ : (وليصلّ فيهما).
стр. 161
٦٦ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى اَلْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَا شِئْتَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
===
• ما صحة الحديث؟
الحديث ضعيف ولا يصح.
جاء في تلخيص الحبير: قال أبو داود ليس بالقوي، وضعفه البخاري، فقال: لا يصح، وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد: رجاله لا يعرفون، وقال أبو الفتح الأزدي: هو حديث ليس بالقائم، وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس له إسناد قائم، ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق الأئمة على ضعفه.
• وهو من أدلة من قال بعدم التوقيت في المسح على الخفين، لكنه حديث ضعيف لا يصح.
• وسبق أن قول جماهير العلماء أن المسح على الخفين مؤقت.
стр. 162
بَابُ نَوَاقِضِ اَلْوُضُوءِ
النواقض جمع ناقض، والمراد بها مبطلات الوضوء.
وهي نوعان:
الأول: نوع مجمع عليه.
والثاني: مختلف فيه.
стр. 163
٦٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ- يَنْتَظِرُونَ اَلْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلدَّارَقُطْنِي.
وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم.
===
(عَلَى عَهْدِهِ) أي: في زمانه، فالحديث له حكم الرفع، لاطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره له.
(يَنْتَظِرُونَ اَلْعِشَاءَ) أي: صلاة العشاء.
(حَتَّى تَخْفِقَ) بكسر الفاء.
• حديث الباب أصله في مسلم، اذكره؟ ولماذا المصنف أورد لفظ أبي داود؟
عن أنس قال (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون).
وإنما أورد المؤلف ﵀ لفظ أبي داود لأنه أوضح من لفظ مسلم، فإن فيه (حتى تخفقَ) وهذا يبين نوع النوم الذي ورد في لفظ مسلم وهو أنه نعاس وخفْقٌ، وليس نوماً مستغرقاً ثقيلاً يزول معه الشعور بما قد يخرُج.
وفي رواية للبيهقي (لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون).
• هل النوم ناقض للوضوء أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال: (أوصلها النووي في شرحه على مسلم إلى ثمانية أقوال).
القول الأول: أنه لا ينقض الوضوء بأي حال.
ونسبه النووي لأبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وشعبة.
أ-لحديث عن أنس - عند مسلم قال (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون) وبقية رواياته.
ب- عن أنس. قال (أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم) رواه البخاري ومسلم.
стр. 164
قال الحافظ: وقع عند إسحاق بن راهوية في مسنده، عن ابن علية عن عبد العزيز في هذا الحديث (حتى نعس بعض القوم) وكذا هو عند ابن حبان من وجه آخر عن أنس، وهو يدل على أن النوم لم يكن مستغرقاً.
ج-عن عائشة قالت (أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم … ) متفق عليه.
القول الثاني: أنه ناقض مطلقاً.
ونسبه النووي للحسن البصري، والمزني، وأبي عبيد والقاسم بن سلام، وإسحاق بن راهوية.
قال ابن المنذر: وبه أقول.
لحديث صفوان بن عسال قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا … ولكن من بول وغائط وريح) رواه الترمذي.
وجه الدلالة: قرن النوم بالبول والغائط في إيجاب الوضوء منه.
القول الثالث: أنه إذا نام ممكناً مقعدته على الأرض لم ينقض، سواءً قل أو كثر.
قال النووي: وهذا مذهب الشافعي.
قال الشوكاني: وهذا أقرب المذاهب عندي، وبه يجمع بين الأدلة.
القول الرابع: أن كثير النوم ينقض الوضوء، وقليله لا ينقض بحال.
ونسبه النووي للزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
وهذا القول هو الراجح جمعاً بين الأدلة.
فحديث صفوان يدل على أن النوم ناقض مطلقاً.
وحديث أنس (حديث الباب) يحمل على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء.
ويؤيد هذا الجمع: أن النوم ليس حدثاً في نفسه وإنما هو دليل على خروج الريح، ولذلك إذا نام طويل ربما يخرج منه ريح، ويؤيد هذا حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) رواه أحمد
السه: اسم لحلقة الدبر. وكاء: الوكاء الخيط الذي يربط به، والمعنى: اليقظة وكاء الدبر، أي حافظة ما فيه من الخروج، لأنه ما دام مستيقظاً أحس بما يخرج منه.
стр. 165
• ما الحكم إذا زال العقل بجنون أو إغماء أو سكر؟
ينتقض الوضوء.
قال ابن قدامة: فأما غير النوم، وهو الجنون والإغماء والسكر وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل، فينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعاً.
وقال النووي: أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون والإغماء.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها، فقد جاء في الصحيحين أنه ﷺ كان يستحب أن يؤخر العشاء ويقول (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي).
- حرص الصحابة على البقاء في المسجد انتظاراً للصلاة.
стр. 166
٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي اِمْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ اَلصَّلَاةَ؟ قَالَ: "لَا. إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي اَلصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ اَلدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَلِلْبُخَارِيِّ: (ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ).
وَأَشَارَ مُسْلِمٌ إِلَى أَنَّهُ حَذَفَهَا عَمْداً.
===
(الاستحاضة) هي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة.
(فَلَا أَطْهُرُ) أي: فلا أنظف.
(قَالَ: لَا) أي: لا تدعي الصلاة.
(إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ) بكسر الكاف خطاب للمرأة السائلة.
(فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) أي: جاء وقت عادتك فدعي الصلاة.
• ما مراد الحافظ بقوله (وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمداً)؟
يقصد أن مسلم حذف جملة [ثم توضئي لكل صلاة] فلم يروها في صحيحه، وقد قال مسلم لما روى هذا الحديث من طريق حماد بن زيد عن هشام … قال (في حديث حماد حرف تركنا ذكره)، لأن مسلماً يرى أن حماد بن زيد انفرد بهذه الزيادة عن بقية الرواة عن هشام.
وقد قال النسائي في سننه: لفظ [ثم توضئي لكل صلاة] ما رواه أحد عن هشام إلا حماد بن زيد.
وقد حكم بشذوذها: مسلم والنسائي والبيهقي وابن رجب.
لكن الحافظ ابن حجر وأحمد شاكر قالا: ما فعله مسلم ليس بجيد، فإن حماد لم يتفرد بها، بل تابعه أربعة من الرواة كلهم رووا الحديث عن هشام وقالوا: وتوضئي لكل صلاة، منهم: أبو معاوية، حماد بن سلَمة رواه عن هشام عند الدارمي، ومنهم أبو عَوَانة رواه عن هشام بهذا اللفظ عند ابن حبان، ومنهم أبو حمزة وهو محمد بن ميْمون رواه عن هشام كما عند ابن حبان أيضاً.
стр. 167
• هل الاستحاضة توجب الوضوء أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يجب أن تتوضأ لكل صلاة.
وهذا قول جمهور العلماء.
قال ابن رجب: وقد روي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عن جماعة من الصحابة، منهم علي، ومعاذ، وابن عباس، وعائشة.
لقوله في هذا الحديث (ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة).
القول الثاني: لا يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة.
وهذا قول المالكية واختاره ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين أخيراً.
قال ابن عبد البر: إن صاحب الحدث الدائم كالاستحاضة وسلس البول لا يرتفع حدثه بالوضوء، فيكون في حقه مستحباً لا واجباً.
وأفتى الشيخ ابن عثيمين أنه لا يلزمها الوضوء لكل صلاة، ما لم ينتقض وضوءها، وأما حديث (ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة) فهي غير محفوظة، ومثلها من عنده استطلاق ريح وقال: ليس عليه دليل ولا يفيدهما شيئاً.
• على قول من قال: يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة، ما معنى (تتوضأ لكل صلاة)؟
معنى (لكل صلاة) أي: لوقت كل صلاة.
لأنه جاء إطلاق الصلاة على الوقت، كما في قوله ﷺ في حديث جابر (فأينما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) أي: أدركه وقت الصلاة.
فإن كانت الصلاة مؤقتة [كالصلوات الخمس] فإنها لا تتوضأ إلا إذا دخل وقت الصلاة ثم تصلي.
أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة [كصلاة الضحى مثلاً] فإنها تتوضأ عند إرادة فعلها.
стр. 168
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أنه يجب على المستحاضة أن تتحفظ من الدم.
- أن المستحاضة حكمها حكم الطاهرات، ولذلك تصلي مع جريان الدم.
- بين لها النبي ﷺ كيف تعرف حيضها التي تترك منه الصلاة، فردها إلى عادتها، فلا تصلي أيام عادتها [وسيأتي بحث هذه المسألة في بحث الحيض إن شاء الله].
- أن الدم الخارج من السبيلين ناقض للوضوء، لقوله ﷺ : (فاغسلي عنك الدم).
- أن الحائض يحرم عليها الصلاة.
- وجوب الغسل على المرأة إذا طهرت من الحيض.
стр. 169
٦٩ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ (كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ اَلْمِقْدَادَ بْنَ اَلْأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: "فِيهِ اَلْوُضُوءُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيّ.
===
(كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً) أي: كثير المذي، وفي رواية لأبي داود والنسائي بإسناد صحيح بعد (مذاء): فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أو ذُكر له - فقال: لا تفعل، إذا رأيت المذي، فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة)، والمذي: ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الشهوة وبلا دفق ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه.
(فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ) والمقداد هو ابن الأسود صحابي مشهور، من السابقين إلى الإسلام، مات سنة: ٣٣ هـ.
(أَنْ يَسْأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ جاء في مسلم سبب ذلك (قال علي: وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد) وفي رواية (من أجل فاطمة) وفي رواية النسائي (وكانت فاطمة ابنة النبي ﷺ تحتي، فاستحييت أن أسأله).
• في هذا الحديث أن علياً أمر المقداد أن يسأل الرسول ﷺ ، وفي رواية أنه هو الذي سأل، وفي رواية أنه أمر عماراً أن يسأل، فكيف الجمع؟
جمع ابن حبان بأن علياً أمر عماراً أن يسأل، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه.
وجمع الحافظ ابن حجر أنه أمر المقداد أن يسأل، وكذلك أمر عماراً أن يسأل، وأما علي فأسند السؤال إلى نفسه لأنه هو صاحبه فهو الذي أمرهم بالسؤال، وهذا الجمع رجحه أيضاً النووي.
стр. 170
• ما حكم المذي؟
الحديث يدل على أن المذي نجس وهو إجماع.
قال النووي ﵀: أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي. (المجموع).
لأنه أمره بغسل ذكره، وأمره بالوضوء، فدل هذا على أن حكم المذي كحكم البول في النجاسة.
• ما الذي يجب من خروج المذي؟
خروج المذي يوجب الوضوء.
وقد نقل ابن قدامة ﵀ في " المغني " (١/ ١٦٨) إجماع العلماء على أن خروج المذي ناقض للوضوء.
لقوله كما في الرواية الأخرى (اغسل ذكرك وتوضأ).
وفي الرواية التي ذكرها المصنف (فقال: فيه الوضوء).
• هل المذي يوجب الغسل؟
لا يوجب الغسل إجماعاً كما حكاه ابن عبد البر، ونقله ابن قدامة عن ابن المنذر.
• هل يجب غسل الذكر كله أم لا؟
اختلف العلماء هل يجب غسل الذكر كله أم لا؟
القول الأول: أنه يكتفَى بغسل رأس الذكر أو الموضع الذي أصابته النجاسة منه.
وهذا مذهب الجمهور.
إلحاقاً له بسائر النجاسات، فهو حدث من الأحداث فلا يغسل منه إلا المخرج.
القول الثاني: أنه يجب.
وهذا مذهب الحنابلة.
لقوله ﷺ (يغسل ذكره ويتوضأ).
القول الثالث: يغسل جميع الذكر والأنثيين.
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
فقد جاء عند أبي عوانة (يغسل ذكره وأنثييه)، قال الحافظ: إسناده لا مطعن فيه.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 171
• ما الحكمة من الأمر بغسل الذكر والأنثيين؟
قيل: إن المذي فيه لزوجة، فربما انتشر على الذكر والأنثيين ولم يشعر به الإنسان، قاله الخطابي.
وقيل: إن ذلك يخفف المذي أو يقطعه، ولا سيما إذا كان غسله بالماء البارد، فإنه من أسباب قطعه وعدم استمرار خروجه.
• ما كيفية تطهير الثوب الذي أصابه المذي؟
اختلف العلماء في كيفية تطهير الثوب الذي أصابه المذي على قولين:
القول الأول: أنه لا يجزاء فيه إلا الغَسل.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
لحديث الباب، وفيه الأمر بغسله.
القول الثاني: يكفي فيه النضح.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ- لحديث سهل بن حنيف قال (كنت ألقى من المذي شدة … فقلت: يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه). رواه أبو داود
قال المبارك فوري ﵀ (١/ ٣٧٣): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ يَكْفِي نَضْحُهُ وَرَشُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُه.
ب-ولأن الغسل ورد في الفرج لا في الثوب، ورواية نضح الثوب لا معارض لها.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: المذي يكفي فيه النضح، وهو أن يعم المحل الذي أصابه الماء بدون عصر وبدون فرك، وكذلك يجب فيه غسل الذكر كله والأنثيين وإن لم يصبهما.
стр. 172
• هل البول والغائط من نواقض الوضوء؟
نعم.
أ-لقوله تعالى (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).
ب-ولحديث صفوان بن عسال - وقد سبق - قال (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفْراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من بول وغائط ونوم) رواه الترمذي.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر وخروج البول من ذكر الرجل وقُبُل المرأة، وخروج المذي، وخروج الريح: أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوء.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أنه لا يكفي في إزالة المذي الاستجمار بالحجارة كالبول، بل لا بد من الماء.
- هذا الحديث من أدلة القاعدة (المشقة تجلب التيسير).
- جواز الاستنابة في الفتوى.
- سؤال أهل العلم عما استشكل.
فائدة: أنواع الحياء:
فأما حياء الجناية: فمنه حياء آدم ﵇ لما فر هاربا في الجنة قال الله تعالى: أفرارا مني يا آدم قال: لا يا رب بل حياء منك.
وحياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك.
وحياء الإجلال: هو حياء المعرفة وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه.
وحياء الكرم: كحياء النبي ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب وطولوا الجلوس عنده فقام واستحيى أن يقول لهم: انصرفوا.
وحياء الحشمة: كحياء علي بن طالب ﵁ أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي لمكان ابنته منه.
وحياء الاستحقار واستصغار النفس: كحياء العبد من ربه عز و جل حين يسأله حوائجه احتقار الشأن نفسه واستصغارا لها.
стр. 173
٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى اَلصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَضَعَّفَهُ اَلْبُخَارِي.
===
• ما صحة هذا الحديث؟
هذا الحديث جاء من طرق كثيرة، وقد اختلف العلماء ﵏ فيها:
فذهب بعضهم إلى تضعيفها كالبيهقي وغيره، وذهب بعضهم إلى تصحيحها لشواهدها الكثيرة.
فضَعَّفَهُ اَلْبُخَارِيِّ وأعله أبو حاتم وأبو داود ويحيي بن سعيد القطان والدار قطني والبيهقي والنووي وابن حجر وغيرهم.
وقال ابن تيمية: إسناده جيد، ومال ابن عبد البر إلى تصحيحه واحتج به الإمام أحمد.
وقال ابن تيمية: غاية ما في الإسناد نوع إرسال، وإذا أرسل الحديث من وجهين اعتضد أحدهما بالآخر، ولا سيما وقد رواه البزار بإسناد جيد عن عطاء عن عائشة مثله.
وصححه الشيخ أحمد شاكر والألباني.
• هل مس المرأة ينقض الوضوء أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه ينقض الوضوء.
وإلى ذلك ذهب ابن مسعود وابن عمر والزهري، وهو مذهب الشافعي.
أ-لقوله تعالى (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ).
قالوا: الآية صرحت بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء وهو حقيقة في لمس اليد، ويؤيد بقاؤه على معناه الحقيقي قراءة (أولمستم) فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع.
والأصل في معنى اللمس أنه اللمس باليد، وقد جاء في الأحاديث استعمال اللمس بمعنى لمس اليد، كما في قول النبي ﷺ لماعز ﵁: (لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ لَمَسْتَ) رواه أحمد.
وقوله ﷺ (وَالْيَدُ زِنَاهَا اللَّمْسُ) رواه أحمد.
القول الثاني: أنه لا ينقض الوضوء.
وإليه ذهب علي وابن عباس وعطاء وطاووس، وهو مذهب أبي حنيفة.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث عائشة قالت (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجْلايَ في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت وصلى .. ) متفق عليه.
стр. 174
وعند النسائي عنها (أن النبي ﷺ كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يوتر مسها برجله) متفق عليه.
ج-وعنها أيضاً قالت (فقدت رسول الله ﷺ يوماً، فخرجت تلتمسه وكانت شديدة الحب له … فذهبت تلتمسه فوجدته في المسجد يصلي وهو ساجد، وقدماه منصوبتان، قالت: فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك … ). رواه مسلم.
وفي رواية للبيهقي بإسناد صحيح (فَجَعَلْتُ أَطْلُبُهُ بِيَدِي فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ سَاجِدٌ .. ) وهي عند النسائي أيضاً.
وجه الدلالة: لمس عائشة لقدمي النبي ﷺ وهو في الصلاة، ولو كان المس ينقض الوضوء، لخرج النبي ﷺ من صلاته لانتقاض وضوئه بمجرد مس عائشة لقدميه، فاستمراره ﷺ في الصلاة، بعد مس عائشة له دليل على عدم نقض الوضوء بمجرد مس المرأة.
القول الثالث: أنه ينقض إذا كان لشهوة.
وهذا مذهب مالك وأحمد.
وهؤلاء حاولوا الجمع بين النصوص، الآية (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء) وهي دالة على نقض الوضوء بمس المرأة عندهم، والأحاديث التي استدل بها من رأى عدم النقض.
وهذا المسلك صحيح لو كانت الآية دالة على نقض الوضوء بمطلق المس - كما ذهبوا إليه - ولكن الصحيح في معنى الآية: أن المراد بها الجماع، كذا فسرها عبد الله بن عباس ﵄، واختاره ابن جرير، وتفسيره ﵁ مقدم على تفسيره غيره، لدعاء النبي ﷺ (اللهم فقّهه في الدين وعلمّه التأويل) رواه أحمد وأصله في البخاري، وصححه الألباني في تحقيق الطحاوية .... (الإسلام سؤال وجواب).
والراجح أنه لا ينقض مطلقاً.
• ما الجواب عن الآية (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ)؟
وأما الآية فالمراد بها الجماع، فقد ذهب إلى ذلك كثير من السلف.
فقد صح عن ابن عباس أنه فسرها بالجماع.
قال ابن كثير: وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك.
وذهب إليه أيضاً علي بن أبي طالب كما رواه عبد الرزاق في المصنف وابن جرير في التفسير.
وقد رجح ذلك أيضاً ابن جرير فقال في تفسيره: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) الجماع دون غيره.
وقال ابن تيمية: قوله تعالى (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) المراد به الجماع كما قاله ابن عباس وغيره من العرب، وهو يروى عن علي وغيره وهو الصحيح في معنى الآية، وليس في نقض الوضوء من مس النساء، لا كتاب ولا سنة.
стр. 175
• ما رأيك بقول بعض العلماء في قول عائشة ( … فإذا سجد غمزني) يحتمل أنه بحائل أو خاص به ﷺ -؟
غير صحيح وحمْل متكلف.
قال الزيلعي: والخصوم يحملون هذا الحديث على أن المس وقع بحائل، وهذا التأويل مع شدة بُعْده يدفعه بعض ألفاظه، … ثم ساق بعضاً من ألفاظ الحديث.
وقال الشوكاني: والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لقدمه ﷺ بما ذكره ابن حجر في (الفتح) من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل أو على أن ذلك خاص به تكلف، ومخالفة للظاهر.
• ماذا قال ابن تيمية عن قول من قال: إن مس المرأة ينقض الوضوء مطلقاً؟
قال ﵀ في الفتاوى (٢١/ ٢٣٦): وأما وجوب الوضوء من مجرد مس المرأة لغير شهوة فهو أضعف الأقوال، ولا يعرف هذا القول عن أحد من الصحابة، ولا روى أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين أن يتوضئوا من ذلك؛ مع أن هذا الأمر غالب لا يكاد يسلم فيه أحد في عموم الأحوال؛ فإن الرجل لا يزال يناول امرأته شيئاً وتأخذه بيدها، وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به، فلو كان الوضوء من ذلك واجباً لكان النبي ﷺ يأمر بذلك مرة ويشيع ذلك، ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو بأخبار الآحاد، فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحداً من المسلمين بشيء من ذلك ـ مع عموم البلوى به ـ علم أن ذلك غير واجب.
стр. 176
٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ اَلْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
(إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا) أي: إذا حسّ بتردد الريح في بطنه.
(فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ) أي: التبس عليه الأمر أوُجِد ناقض أم لا.
(فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ اَلْمَسْجِدِ) أي: لأجل أن يتوضأ.
(حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا) قال النووي: معناه وجود أحدهما ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. و (أو) للتنويع.
وقد جاء في الصحيحين من حديث عباد بن تميم عن عمه قال (شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على أن خروج الريح ناقض من نواقض الوضوء، فمن الأدلة:
أ- حديث الباب.
ب- وعنْ أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ) رواه البخاري ومسلم.
• هذا الحديث يقرر قاعدة عظيمة يذكرها العلماء، فما هي؟
قال النووي: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتعين خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ كلياً ....
فهذا الحديث يقرر قاعدة يذكرها أهل الأصول: (اليقين لا يزول بالشك).
من أمثلة ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي أن من يتيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة
ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة، ومن ذلك:
لو أن إنساناً تيقن الحدث وشك في الطهارة فالأصل الحدث، فيلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. [قاله النووي]
وكذلك الثياب لو كان عنده ثوب طاهر وشك هل تنجس أم لا، فالأصل الطهارة.
стр. 177
• هل خروج الريح توجب استنجاء؟
لا، لا توجب الاستنجاء، وهذا بالإجماع.
قال النووي: أجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر.
وقال ابن قدامة: ليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء، ولا نعلم في هذا خلافاً.
لأنها لا تُحدث أثراً فهي هواء فقط، وإذا لم تُحدث أثراً في المحل فلا يجب أن يُغسل. [الشرح الممتع]
• هل سماع الصوت أو وجدان الريح شرطاً في النقض؟
لا، ليس السمع أو وجدان الريح شرطاً في ذلك، بل المراد حصول اليقين.
قال العيني: ثم اعلم أن حقيقة المعنى في قوله (حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع، فإن الأصم لا يسمع صوتاً، والأخشم - الذي راحت حاسة شمه - لا يشم أصلاً.
• هل هذا الحكم خاص بالصلاة أو حتى لمن كان خارجها؟
الحديث عام لمن كان في الصلاة أو خارجها، وهو قول الجماهير.
وللمالكية تفاصيل وفروق بين من كان داخل الصلاة أو خارجها لا ينتهض عليها دليل.
• ما حكم خروج الريح باستمرار من الشخص؟
الأصل أن خروج الريح ينقض الوضوء، لكن إذا كان يخرج من شخص باستمرار وجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة عند إرادة الصلاة، ثم إذا خرج منه وهو في الصلاة لا يبطلها وعليه أن يستمر في صلاته حتى يتمها، تيسراً من الله تعالى لعباده ورفعاً للحرج عنهم، كما قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر) وقال: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (اللجنة الدائمة للبحوث).
• اذكر فائدة لهذا الحكم المذكور في الحديث؟
هذا الحكم فيه سد لباب الوسوسة التي تأتي كثيراً من الناس.
стр. 178
٧٢ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي أَوْ قَالَ اَلرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي اَلصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ وُضُوءٍ؟ فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ "لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ) أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
وَقَالَ اِبْنُ اَلْمَدِينِيِّ: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ.
٧٣ - وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂; (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ") أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّان.
وَقَالَ اَلْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا اَلْبَابِ.
===
(إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ) أي: قطعة منك كاليد والرجل ونحوهما، وقد علم أنه لا وضوء من مس البضعة منه.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث طلق حديث صحيح صححه ابن المديني كما ذكر المؤلف: والطحاوي، وابن حبان، والطبراني، وابن حزم، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والبيهقي.
حديث بسرة حديث صحيح، كما ذكر المصنف، صححه الترمذي وابن حبان والبخاري.
• هل مس الذكر ينقض الوضوء أم لا؟
اتفق الأئمة الأربعة ﵏ على أن مس الذكر من وراء حائل لا ينقض الوضوء
واختلف العلماء في مسه مباشرة هل يوجب الوضوء أم لا على أقوال:
القول الأول: أنه لا ينقض الوضوء.
وهو قول الحنفية واختاره ابن المنذر.
لحديث طلق بن علي وفيه (قَالَ اَلرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي اَلصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ وُضُوء؟ فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ).
القول الثاني: أنه ينقض الوضوء.
وإلى هذا ذهب عمر وابنه عبد الله وابن عباس وعائشة وسعيد وعطاء والشافعي وأحمد وداود وابن حزم.
لحديث بسرة.
القول الثالث: أنه ينقض الوضوء إذا كان لشهوة.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه، واختاره الألباني.
والراجح أن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقاً.
стр. 179
• ما الجواب عن حديث طلق الذي يفيد أنه لا ينقض الوضوء؟
الجواب عليه من أوجه:
أولاً: أنه ضعيف.
فقد ضعفه الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدار قطني، والبيهقي، وابن الجوزي، وادعى النووي أن الحفاظ اتفقوا على تضعيفه، وردّه ابن عبد الهادي فقال: أخطأ من حكى الاتفاق على ضعفه.
ثانياً: من العلماء من قال إنه منسوخ بحديث بسرة.
وممن قال بالنسخ: ابن حبان، والطبراني، وابن العربي، والحازمي، والبيهقي، وابن حزم.
لأن حديث طلق متقدم، وحديث بسرة متأخر، ودليل تقدمه أنه قدم المدينة على عهد رسول الله ﷺ وهم يبنون المسجد في أول الهجرة.
ثالثاً: أن حديث بسرة أكثر رواة وأصح إسناداً وأقرب إلى الاحتياط، فإن له شواهد كثيرة، وقد ذكر هذه الشواهد الزيلعي في (نصب الراية) وابن حجر في (تلخيص الحبير).
قال ابن حجر: وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وزيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وأم حبيبة وعائشة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وعلي بن طلق والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة وأروى بنت أنيس.
رابعاً: أن حديث النقض بالمس ناقل عن الأصل، وحديث عدم النقض مبق على الأصل، والناقل عن الأصل أولى بالترجيح، فإن معه زيادة علم.
• هل هذا الحكم عام للرجال والنساء؟
الصحيح أنه عام للرجال والنساء، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
أ-لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: قال رسول الله ﷺ (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) رواه أحمد والبيهقي، وقد نقل الترمذي في (العلل الكبير) عن الإمام البخاري تصحيحه.
ب- لعموم (من مس فرجه فليتوضأ) قال الشوكاني: ولفظ (من) يشمل الذكر والأنثى، ولفظ الفرج يشمل القبُل والدبر، من الرجل والمرأة، وبه يرد مذهب من خصص ذلك بالرجال وهو مالك.
ج- ما جاء عن عائشة قالت (إذا مست المرأة فرجها توضأت) رواه البيهقي وسنده صحيح.
стр. 180
• ما المراد بالمس في قوله (من مس ذكره … )؟
المراد مسه من غير حائل.
أ-لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إذا أفضى أحدكم إلى فرجه ليس دونها حجاب ولا ستر فقد وجب عليه الوضوء) رواه ابن حبان وصححه الحاكم وابن عبد البر.
ب-ولأن مع الحائل لا يسمى مساً. (قاله ابن عثيمين).
• هل المس يكون بباطن الكف فقط، أم بباطنه وظاهره؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا فرق بين باطن الكف وظهره.
وبه قال عطاء والأوزاعي وأحمد.
قال ابن قدامة: واحتج أحمد بحديث النبي ﷺ (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه - ليس بينهما - سترة فليتوضأ) وفي لفظ (إذا أفضى أحدكم إلى ذَكره، فقد وجب عليه الوضوء) رواه الشافعي في مسنده، وظاهر كفه من يده.
القول الثاني: لا ينقض مسه إلا بباطن كفه.
وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق.
قالوا: لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه.
وقالوا - كما قال الشافعي - إن الإفضاء المذكور في الحديث: إنما هو ببطنها كما يقال: أفضى بيده مبايعاً، وأفضى بيده إلى الأرض ساجداً، وإلى ركبتيه راكعاً.
والراجح الأول.
قال الصنعاني: وزعمت الشافعية أن الإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف، وأنه لا نقض إذا مس الذكر بظاهر كفه، ورد عليهم المحققون بأن الإفضاء لغة: الوصول، أعم من أن يكون بباطن الكف أو ظهرها.
• هل ينقض إذا مسه بذراعه؟
قيل: لا ينقض.
وقيل: أنه ينقض.
وهو قول عطاء والأوزاعي، لأنه من يده.
والراجح الأول.
قال ابن قدامة: والصحيح الأول، لأن الحكم المعلّق على مطلق اليد في الشرع لا يتجاوز الكوع، بدليل قطع السارق، وغسل اليد من نوم الليل، والمسح في التيمم.
следующие страницы →