Полный текст (3 038 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ اَلْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
(إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا) أي: إذا حسّ بتردد الريح في بطنه.
(فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ) أي: التبس عليه الأمر أوُجِد ناقض أم لا.
(فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ اَلْمَسْجِدِ) أي: لأجل أن يتوضأ.
(حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا) قال النووي: معناه وجود أحدهما ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. و (أو) للتنويع.
وقد جاء في الصحيحين من حديث عباد بن تميم عن عمه قال (شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على أن خروج الريح ناقض من نواقض الوضوء، فمن الأدلة:
أ- حديث الباب.
ب- وعنْ أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ) رواه البخاري ومسلم.
• هذا الحديث يقرر قاعدة عظيمة يذكرها العلماء، فما هي؟
قال النووي: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتعين خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ كلياً ....
فهذا الحديث يقرر قاعدة يذكرها أهل الأصول: (اليقين لا يزول بالشك).
من أمثلة ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي أن من يتيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة
ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة، ومن ذلك:
لو أن إنساناً تيقن الحدث وشك في الطهارة فالأصل الحدث، فيلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. [قاله النووي]
وكذلك الثياب لو كان عنده ثوب طاهر وشك هل تنجس أم لا، فالأصل الطهارة.
стр. 177
• هل خروج الريح توجب استنجاء؟
لا، لا توجب الاستنجاء، وهذا بالإجماع.
قال النووي: أجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر.
وقال ابن قدامة: ليس على من نام، أو خرجت منه ريح استنجاء، ولا نعلم في هذا خلافاً.
لأنها لا تُحدث أثراً فهي هواء فقط، وإذا لم تُحدث أثراً في المحل فلا يجب أن يُغسل. [الشرح الممتع]
• هل سماع الصوت أو وجدان الريح شرطاً في النقض؟
لا، ليس السمع أو وجدان الريح شرطاً في ذلك، بل المراد حصول اليقين.
قال العيني: ثم اعلم أن حقيقة المعنى في قوله (حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع، فإن الأصم لا يسمع صوتاً، والأخشم - الذي راحت حاسة شمه - لا يشم أصلاً.
• هل هذا الحكم خاص بالصلاة أو حتى لمن كان خارجها؟
الحديث عام لمن كان في الصلاة أو خارجها، وهو قول الجماهير.
وللمالكية تفاصيل وفروق بين من كان داخل الصلاة أو خارجها لا ينتهض عليها دليل.
• ما حكم خروج الريح باستمرار من الشخص؟
الأصل أن خروج الريح ينقض الوضوء، لكن إذا كان يخرج من شخص باستمرار وجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة عند إرادة الصلاة، ثم إذا خرج منه وهو في الصلاة لا يبطلها وعليه أن يستمر في صلاته حتى يتمها، تيسراً من الله تعالى لعباده ورفعاً للحرج عنهم، كما قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر) وقال: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (اللجنة الدائمة للبحوث).
• اذكر فائدة لهذا الحكم المذكور في الحديث؟
هذا الحكم فيه سد لباب الوسوسة التي تأتي كثيراً من الناس.
стр. 178
٧٢ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي أَوْ قَالَ اَلرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي اَلصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ وُضُوءٍ؟ فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ "لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ) أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
وَقَالَ اِبْنُ اَلْمَدِينِيِّ: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ.
٧٣ - وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂; (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ") أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّان.
وَقَالَ اَلْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا اَلْبَابِ.
===
(إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ) أي: قطعة منك كاليد والرجل ونحوهما، وقد علم أنه لا وضوء من مس البضعة منه.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث طلق حديث صحيح صححه ابن المديني كما ذكر المؤلف: والطحاوي، وابن حبان، والطبراني، وابن حزم، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والبيهقي.
حديث بسرة حديث صحيح، كما ذكر المصنف، صححه الترمذي وابن حبان والبخاري.
• هل مس الذكر ينقض الوضوء أم لا؟
اتفق الأئمة الأربعة ﵏ على أن مس الذكر من وراء حائل لا ينقض الوضوء
واختلف العلماء في مسه مباشرة هل يوجب الوضوء أم لا على أقوال:
القول الأول: أنه لا ينقض الوضوء.
وهو قول الحنفية واختاره ابن المنذر.
لحديث طلق بن علي وفيه (قَالَ اَلرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي اَلصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ وُضُوء؟ فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ).
القول الثاني: أنه ينقض الوضوء.
وإلى هذا ذهب عمر وابنه عبد الله وابن عباس وعائشة وسعيد وعطاء والشافعي وأحمد وداود وابن حزم.
لحديث بسرة.
القول الثالث: أنه ينقض الوضوء إذا كان لشهوة.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه، واختاره الألباني.
والراجح أن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقاً.
стр. 179
• ما الجواب عن حديث طلق الذي يفيد أنه لا ينقض الوضوء؟
الجواب عليه من أوجه:
أولاً: أنه ضعيف.
فقد ضعفه الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدار قطني، والبيهقي، وابن الجوزي، وادعى النووي أن الحفاظ اتفقوا على تضعيفه، وردّه ابن عبد الهادي فقال: أخطأ من حكى الاتفاق على ضعفه.
ثانياً: من العلماء من قال إنه منسوخ بحديث بسرة.
وممن قال بالنسخ: ابن حبان، والطبراني، وابن العربي، والحازمي، والبيهقي، وابن حزم.
لأن حديث طلق متقدم، وحديث بسرة متأخر، ودليل تقدمه أنه قدم المدينة على عهد رسول الله ﷺ وهم يبنون المسجد في أول الهجرة.
ثالثاً: أن حديث بسرة أكثر رواة وأصح إسناداً وأقرب إلى الاحتياط، فإن له شواهد كثيرة، وقد ذكر هذه الشواهد الزيلعي في (نصب الراية) وابن حجر في (تلخيص الحبير).
قال ابن حجر: وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وزيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وأم حبيبة وعائشة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وعلي بن طلق والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة وأروى بنت أنيس.
رابعاً: أن حديث النقض بالمس ناقل عن الأصل، وحديث عدم النقض مبق على الأصل، والناقل عن الأصل أولى بالترجيح، فإن معه زيادة علم.
• هل هذا الحكم عام للرجال والنساء؟
الصحيح أنه عام للرجال والنساء، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
أ-لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: قال رسول الله ﷺ (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) رواه أحمد والبيهقي، وقد نقل الترمذي في (العلل الكبير) عن الإمام البخاري تصحيحه.
ب- لعموم (من مس فرجه فليتوضأ) قال الشوكاني: ولفظ (من) يشمل الذكر والأنثى، ولفظ الفرج يشمل القبُل والدبر، من الرجل والمرأة، وبه يرد مذهب من خصص ذلك بالرجال وهو مالك.
ج- ما جاء عن عائشة قالت (إذا مست المرأة فرجها توضأت) رواه البيهقي وسنده صحيح.
стр. 180
• ما المراد بالمس في قوله (من مس ذكره … )؟
المراد مسه من غير حائل.
أ-لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إذا أفضى أحدكم إلى فرجه ليس دونها حجاب ولا ستر فقد وجب عليه الوضوء) رواه ابن حبان وصححه الحاكم وابن عبد البر.
ب-ولأن مع الحائل لا يسمى مساً. (قاله ابن عثيمين).
• هل المس يكون بباطن الكف فقط، أم بباطنه وظاهره؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا فرق بين باطن الكف وظهره.
وبه قال عطاء والأوزاعي وأحمد.
قال ابن قدامة: واحتج أحمد بحديث النبي ﷺ (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه - ليس بينهما - سترة فليتوضأ) وفي لفظ (إذا أفضى أحدكم إلى ذَكره، فقد وجب عليه الوضوء) رواه الشافعي في مسنده، وظاهر كفه من يده.
القول الثاني: لا ينقض مسه إلا بباطن كفه.
وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق.
قالوا: لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه.
وقالوا - كما قال الشافعي - إن الإفضاء المذكور في الحديث: إنما هو ببطنها كما يقال: أفضى بيده مبايعاً، وأفضى بيده إلى الأرض ساجداً، وإلى ركبتيه راكعاً.
والراجح الأول.
قال الصنعاني: وزعمت الشافعية أن الإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف، وأنه لا نقض إذا مس الذكر بظاهر كفه، ورد عليهم المحققون بأن الإفضاء لغة: الوصول، أعم من أن يكون بباطن الكف أو ظهرها.
• هل ينقض إذا مسه بذراعه؟
قيل: لا ينقض.
وقيل: أنه ينقض.
وهو قول عطاء والأوزاعي، لأنه من يده.
والراجح الأول.
قال ابن قدامة: والصحيح الأول، لأن الحكم المعلّق على مطلق اليد في الشرع لا يتجاوز الكوع، بدليل قطع السارق، وغسل اليد من نوم الليل، والمسح في التيمم.
стр. 181
• هل ينقض الوضوء إذا مس ذَكَرَ غيره؟
قيل: لا ينقض.
وهو قول أبي حنيفة وداود.
لأنه لا نص فيه، والأخبار إنما وردت في ذكر نفسه فيقتصر عليه.
وقيل: ينقض.
وهو قول الشافعية والحنابلة.
قال المرداوي: شمل قوله (مس الذكر) ذَكَر نفسه وذَكَر غيره، وهو الصحيح.
وقال ابن قدامة: ولنا أن مس ذكَر غيره معصية وأدعى إلى الشهوة وخروج الخارج، وحاجة الإنسان تدعو إلى مس ذكر نفسه، فإذا انتقض بمس ذكر نفسه فبمس ذكر غيره أولى، وهذا تنبيه يقدم على الدليل، وفي بعض ألفاظ خبر بسرة (من مس الذكر فليتوضأ).
وحديث بسرة بهذا اللفظ جاء عند النسائي وأحمد (يُتوضأ من مس الذكر) وسنده صحيح.
• هل هناك فرق بين مس ذَكَر الصغير والكبير؟
الصحيح أنه لا فرق.
قال ابن قدامة: وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور.
وقال النووي: فإذا مس الرجل أو المرأة قُبُل نفسه أو غيره من صغير وكبير حي أو ميت، ذكر أو أنثى، انتقض وضوء الماس
وذهب الأوزاعي والزهري: إلى أنه لا وضوء على من مس ذكر الصغير.
لأنه يجوز مسه والنظر إليه.
واستدل البعض بما روي عن النبي ﷺ (أنه قبّل زبيبة الحسن ولم يتوضأ).
والراجح الأول وأنه ينقض.
قال ابن قدامة: ولنا: عموم قوله (من مس الذكر فليتوضأ)، ولأنه ذكر آدمي متصل به أشبه الكبير، والخبر ليس بثابت.
стр. 182
• هل ينقض الوضوء بمس حلْقة الدبر؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه ينقض الوضوء.
وإليه ذهب عطاء والزهري والشافعي ورواية عن الإمام أحمد.
لعموم قوله (من مس فرجه فليتوضأ).
ولأنه أحد الفرجين أشبه الذكر. (قاله في المغني).
قال الشيخ ابن عثيمين: والدبر فرج، لأنه منفرج عن الجوف، ويخرج منه ما يخرج، وعلى هذا فإنه ينتقض الوضوء بمس حلقة الدبر.
القول الثاني: لا ينقض الوضوء.
وهو مذهب مالك.
لأن في الحديث (من مس ذكره .. ) وهو المبيّن لرواية (من مس فرجه .. )
• هل مس ما سوى ذلك كالأليتين والخصيتين ينقض الوضوء؟
مس الأليتين لا ينقض الوضوء، والخلاف إنما هو في مس حلقة الدبر، لأنه قد ورد حديث بسرة بنت صفوان بلفظ (من مس فرجه فليتوضأ) رواه النسائي.
فالخلاف في مس حلقة الدبر كالخلاف في مس الذكر.
وأما ما جاور ذلك فمسه لا ينقض الوضوء، كمس الخصيتين والصفحتين.
قال الإمام الشافعي ﵀ في "الأم" (١/ ٣٤): فإن مس أنثييه أو أليتيه أو ركبتيه ولم يمس ذكره لم يجب عليه الوضوء. انتهى.
وقال النووي ﵀: قال أصحابنا: والمراد بالدبر ملتقى المنفذ، أما ما وراء ذلك من باطن الأليين فلا ينقض بلا خلاف
وقال ابن قدامة ﵀: ولا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن، كالرُّفغ والأنثيين والإبط، في قول عامة أهل العلم; لأنه لا نص في هذا ولا هو في معنى المنصوص عليه فلا يثبت الحكم فيه.
والرُّفْغ: ما حول الفرج، أو أصول الفخذين من باطن. "مختار الصحاح".
стр. 183
٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلَسٌ، أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَه وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
===
-
(مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ) القي: هو خروج ما في المعدة عن طريق الفم.
(أَوْ رُعَافٌ) نزيف من الخيشوم.
(أَوْ قَلَسٌ) هو ما يخرج عند الجشاء ملء الفم أو دونه.
(فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ) أي: وليحسب ما كان قد صلى قبل الوضوء من ركعة أو أكثر، ويصلي ما كان باقياً.
(وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ) أي: في حال انصرافه ووضوئه.
• ما صحة الحديث؟
الحديث ضعيف.
قال ابن عبد الهادي: ضعفه الشافعي، وأحمد، والدارقطني، وابن معين، وابن عدي وغيرهم.
وهذا الحديث من أفراد ابن ماجه، وقد أشار ابن القيم إلى أن غالب ما انفرد به ابن ماجه ضعيف.
مما يدل على ضعف الحديث قوله (ثم ينصرف ويتوضأ ويبني على صلاته) وهذا ضعيف لا ينطبق على النصوص، فإن النبي ﷺ ثبت عنه كما سبق قال فيمن أشكل عليه شيء في الصلاة قال (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، وأيضاً الطهارة من شروط الصلاة، فإذا فقدت بطلت الصلاة.
стр. 184
• هل خروج الدم والقي الخارج من غير السبيلين ناقض للوضوء أم لا؟
تحرير محل النزاع:
أولاً: وجوب الوضوء من الخارج من السبيلين إذا كان معتاداً - كالغائط والبول والريح والمذي -.
ثانياً: عدم انتقاض الوضوء بالخارج الطاهر من غير السبيلين، كالدمع والريق والنخامة والعرق والمخاط.
واختلفوا في انتقاض الوضوء بخروج النجاسات الكثيرة - سوى البول والغائط - من غير السبيلين كالدم والقيء، على قولين:
القول الأول: أنه ينقض إذا كان فاحشاً.
وهذا هو المذهب.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعلقمة.
أ-لحديث أبي الدرداء قال: (أن النبي ﷺ قاء فتوضأ) رواه الترمذي
ب-حديث الباب (مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلَسٌ، أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأ) وهو حديث ضعيف.
ج-قول النبي ﷺ للمرأة المستحاضة (إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ).
قالوا: فَعَلَّلَ وجوبَ الوضوءِ بأنه دم عرق، وكلُّ الدماء كذلك.
القول الثاني: أنه لا ينقض الوضوء.
وهذا مذهب الشافعي.
أ-ما جاء في صحيح البخاري تعليقاً عن جابر (أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته) رواه أحمد وأبو داود.
ب- (وصلى عمر وجرحه يثعب دماً) رواه مالك.
ج-وقال الحسن (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم).
د-لعدم الدليل.
ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ السعدي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس مع الموجبين دليل صحيح، بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب، لكن الاستحباب متوجه ظاهر.
وقال الشيخ السعدي: الصحيح أن الدم والقيء ونحوهما لا ينقض الوضوء قليلها وكثيرها لأنه لم يرد دليل على نقض الوضوء بها والأصل بقاء الطهارة.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الدم الكثير الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، سواء خرج من الأنف أو من جرح أو من الرأس، أو من أي مكان من البدن، إلا ما خرج من السبيلين، وذلك لأنه لا دليل على أن خروج الدم من غير السبيلين ينقض الوضوء.
стр. 185
• ما الجواب عن حديث (قاء فتوضأ)؟
ما الجواب عن حديث (قاء فتوضأ) من وجهين:
أ-أنه ضعيف.
قال النووي في (المجموع): وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث أبي الدرداء فمن أوجه: أحسنها أنه ضعيف مضطرب، قاله البيهقي وغيره من الحفاظ.
ب-أنه -مع تقدير ثبوته وصحته- لا يدل على نقض الوضوء بخروج القيء، لأنه مجرد فعل من الرسول ﷺ فيدل على استحباب الوضوء من القيء، لا على وجوبه.
مع أن الاستدلال بهذا الحديث مبني على أن القيء نجس، لكن الراجح طهارته، لأنه لا دليل على القول بنجاسته.
• بماذا أجابوا عن حديث المستحاضة؟
أجابوا عنه بأن النبي ﷺ أراد بذلك نفي كونه دم حيض، أي ليس هذا الدم دم حيض وإنما هو دم عرق، وإذا كان كذلك فإنك لا تتركين الصلاة، بل تصلين، غير أنك تتوضأين لكل صلاة.
قال النووي في (المجموع): لو صح - يعني حديث المستحاضة- لكان معناه إعلامها أن هذا الدم ليس حيضاً، بل هو موجب للوضوء لخروجه من محل الحدث، ولم يُرِدْ أن خروج الدم - من حيث كان - يوجب الوضوء.
فائدة: هل القيء طاهر أم نجس؟
ذهب أكثر العلماء إلى نجاسة القيء.
أ- لحديث عمار قال: قال النبي ﷺ : (يا عمار إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم، والمني).
ب- واستدلوا على نجاسته أيضا: بقياسه على الغائط، لأنه قد ظهر فيه النتن والفساد.
стр. 186
وذهب بعض العلماء كابن حزم والشوكاني إلى طهارته.
لأن الأصل في الأشياء الطهارة، وليس هناك دليل صحيح على نجاسته.
وقد أجابوا عن حديث عمار بأنه ضعيف.
قال النووي في (المجموع): حديث عمار هذا رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والدار قطني والبيهقي، قال البيهقي: هو حديث باطل لا أصل له وبين ضعفه الدار قطني والبيهقي " انتهى.
وضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص.
وقال الشيخ الألباني في "تمام المنة" (ص ٥٣) معلقاً على قول صاحب "فقه السنة" إن من النجاسات القيء:
" قلت: لم يذكر المؤلف الدليل على ذلك اللهم إلا قوله: [إنه متفق على نجاسته] وهذه دعوى منقوضة فقد خالف في ذلك ابن حزم حيث صرح بطهارة قيء المسلم، وهو مذهب الإمام الشوكاني في "الدرر البهية" وصديق خان في شرحها، حيث لم يذكرا في النجاسات قيء الآدمي مطلقاً، وهو الحق، ثم ذكرا أن في نجاسته خلافاً ورجحا الطهارة بقولهما: (والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه) وذكر نحوه الشوكاني أيضاً في السيل الجرار.
وقد سئل الشيخ سليمان العلوان عن نجاسة القيء فقال: الصحيح أنه طاهر مطلقاً (يعني سواء كان متغيراً أم لا)، والاستقذار والاستحالة إلى روائح كريهة لا يعني النجاسة.
والأصل الجامع في هذا الباب طهارة كل الأعيان حتى يثبت الدليل على النجاسة، والقيء لم يثبت دليل على نجاسته فهو طاهر .... (الإسلام سؤال وجواب).
стр. 187
٧٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ (أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ اَلْغَنَمِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ اَلْإِبِل؟ قَالَ: نَعَمْ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
• هل الأكل من لحم الإبل ينقض الوضوء؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه ينقض الوضوء.
وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة، واختاره البيهقي وحكاه عن أصحاب الحديث مطلقاً.
قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أهل الحديث.
أ-لحديث الباب ( … قال: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ اَلْإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ).
ب-ولحديث البراء قال (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضئوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا فيها فإنها من الشياطين) رواه أبو داود وأحمد وابن خزيمة
قال النووي في المجموع: قال إمام الأئمة ابن خزيمة: لم نر خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح، وانتصر البيهقي لهذا المذهب.
وقال في شرحه على مسلم: قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية: صح عن النبي ﷺ في هذا حديثان، حديث جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاً، وإن كان الجمهور على خلافه.
القول الثاني: أنه لا ينقض الوضوء.
قال النووي: وهو قول جمهور العلماء.
فهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي.
أ-لحديث جابر قال (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) رواه أبو داود.
قالوا: أن هذا الحديث نسخ أحاديث الأمر بالوضوء من لحم الإبل.
ب-وبما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (الوضوء مما يخرج لا مما يدخل). رواه الدار قطني والبيهقي
والراجح القول الأول.
стр. 188
• ما الجواب عن أدلة القول الثاني؟
وأما حديث جابر (كان آخر الأمرين … ).
قال النووي: هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام.
وقال ابن قدامة: أن خبرهم عام، وخبرنا خاص، والعام لا يُنسخ به الخاص، لأن من شرط النسخ تعذر الجمع، والجمع بين الخاص والعام ممكن بتنزيل العام على ما عدا محل التخصيص.
وأما حديث ابن عباس (الوضوء مما يخرج … ) فضعيف لا يصح.
رواه البيهقي (١/ ١١٦) وضعفه، والدار قطني (ص ٥٥)، وهو حديث ضعيف فيه ثلاث علل، انظر تحقيقها في " السلسلة الضعيفة " (٩٥٩).
وإن صح - تنزلاً - فهو عام، وحديث إيجاب الوضوء خاص.
• ما رأيك بقول من قال إن المراد من قوله (توضئوا منها .. ) غسل اليدين والفم؟
هذا بعيد، لأن الظاهر منه هو الوضوء الشرعي لا اللغوي، وحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية واجب.
• هل نقض الوضوء خاص باللحم، أو شامل لجميع أجزاء الإبل كالكرش والكبد وغيرها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: عدم النقض.
وهذا مذهب أحمد، وجمهور العلماء، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم.
أ-قالوا: لأن النص لم يتناوله.
ب-ولأن العلة تعبدية فلا يقاس عليها.
стр. 189
القول الثاني: أنه ينقض.
وهذا اختيار الشيخ السعدي والشيخ بن عثيمين.
أ-أن اللحم في اللغة يشمل جميع الأجزاء، بدليل قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) فلحم الخنزير يشمل كل ما في جلده.
ب-أن في الإبل أجزاء كثيرة قد تقارب الهبر، ولو كانت غير داخلة؛ لبيَّن ذلك الرسول ﷺ ، لِعِلمهِ أن الناس يأكلون الهبر وغيره.
ج-أنه ليس في شريعة محمد ﷺ حيوان تتبعض أجزاؤه حلاً وحرمة، وطهارة ونجاسة، وسلباً وإيجاباً، وإذا كان كذلك فلتكن أجزاء الإبل كلها واحدة. (الشرح الممتع).
قال الشيخ السعدي مرجحاً هذا القول: والصحيح أن جميع أجزاء الإبل كالكرش والقلب والمصران ونحوها ناقض، لأنه داخل في حكمها ولفظها ومعناها، والتفريق بين أجزائها ليس له دليل ولا تعليل.
• هل لبن الإبل ينقض الوضوء؟
الصحيح أنه لا ينقض الوضوء، وهذا مذهب أكثر العلماء.
أ-لأن الحديث إنما ورد في اللحم.
ب-ولأن الأصل عدم النقض حتى يثبت أنه ناقض.
وأما حديث (توضئوا من ألبان الإبل) فهو حديث ضعيف رواه ابن ماجه وغيره.
• ما الحكمة من الوضوء من لحوم الإبل؟
قيل: الحكمة تعبدية.
قال المرداوي ﵀: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ تَعَبُّدِيٌّ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَاب … وَقِيلَ: هُوَ مُعَلَّل.
стр. 190
وقيل: معلل، وهو ما جاء في حديث البراء وقد سبق (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا فيها فإنها من الشياطين … ).
وفي لفظ ابن ماجه (فإنها خلقت من الشياطين).
وقد جاء في حديث: (على ذروة سنام كل بعير شيطان). رواه ابن خزيمة وأحمد.
قال ابن تيمية: أشار ﷺ في الإبل إلى أنها من الشياطين، يريد والله أعلم أنها من جنس الشياطين ونوعهم، فإنَّ كلَّ عاتٍ متمرِّدٍ شيطانٌ من أي الدواب كان، كالكلب الأسود شيطان، والإبل شياطين الأنعام، كما للإنس شياطين … فلعلَّ الإنسان إذا أكل لحم الإبل أورثته نفاراً وشماساً وحالاً شبيها بحال الشيطان، والشيطان خُلق من النار، وإنما تُطفئ النَّارُ بالماء، فأُمر بالوضوء من لحومها كسراً لتلك السَّورة، وقمعاً لتلك الحال، وهذا لأنَّ قلبَ الإنسان وخُلقه يتغير بالمطاعم التي يطعمها. (شرح عمدة الفقه: ١/ ١٨٥).
وقال أيضا: " فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في ذلك من إطفاء القوة الشيطانية ما يزيل المفسدة، بخلاف من لم يتوضأ منها، فإن الفساد حاصل معه، ولهذا يقال: إن الأعراب بأكلهم لحوم الإبل مع عدم الوضوء منها صار فيهم من الحقد ما صار (مجموع الفتاوى: ٢٠/ ٥٢٣).
• ما رأيك بالقصة المشهورة في سبب نقض الوضوء بلحم الإبل: أن النبي ﷺ كان يخطب ذات يوم، فخرج من أحدهم ريح، فاستحيا أن يقوم بين الناس، وكان قد أكل لحم جزور، فقال رسول الله ﷺ ستراً عليه!: من أكل لحم جزور فليتوضأ! فقام جماعة كانوا أكلوا من لحمه فتوضأوا؟
قال الشيخ الألباني ﵀: لا أصل لها في شيء من كتب السنة ولا في غيرها من كتب الفقه والتفسير فيما علمت. " السلسة الضعيفة " (٣/ ٢٦٨).
• هل يجب الوضوء فيما عدا لحم الإبل؟
ذهب بعض العلماء إلى وجوب الوضوء بأكل ما مسته النار.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (توضؤوا مما مست النار) متفق عليه.
وذهب جماهير العلماء إلى أن الوضوء لا ينتقض بأكل ما مسته النار.
وهذا قول أكثر العلماء، روي عن الخلفاء الراشدين، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وعامة الفقهاء.
قال الموفق: ولا نعلم اليوم فيه خلافاً.
أ-لحديث البراء قال (سئل رسول الله ﷺ عن لحوم الغنم؟ فقال: لا تتوضئوا منها).
стр. 191
ب-ولحديث جابر قال (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار).
ج-ولحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ). متفق عليه
د-ولحديث عمرو بن أمية قال (رأيت رسول الله ﷺ يحتز من كتف شاة يأكل منها، ثم صلى ولم يتوضأ). رواه البخاري ومسلم
هـ- ولحديث ميمونة (أن النبي ﷺ أكل عندها كتفاً ثم صلى ولم يتوضأ) رواه مسلم.
• ماذا أجاب جمهور العلماء عن حديث (توضئوا مما مست النار)؟
قال النووي: وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين:
أحدهما: أنه منسوخ.
الجواب الثاني: أن المراد بالوضوء: غسل الفم والكفين. ا ٠ هـ كلام النووي.
وقد أنكر ابن عبد البر والشوكاني الجواب الثاني.
جواب ثالث لابن تيمية: أجاب ابن تيمية بأن الأمر محمول على الاستحباب فقال: ولهذا أمر بالوضوء مما مست النار، وهو حديث صحيح، وقد ثبت في أحاديث صحيحة أنه أكل مما مست النار ولم يتوضأ، فقيل: إن الأول منسوخ، وقيل: بل الأمر بالتوضؤ مما مست النار استحباب كالأمر بالتوضؤ من الغضب، وهذا أظهر القولين
لكن هذا الحديث يحمل على الاستحباب.
стр. 192
٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا اَلْبَابِ شَيْءٌ.
===
• ما صحة الحديث؟
هذا الحديث مختلف في صحته.
وقد صحح بعض العلماء أنه موقوف، كالبيهقي، والبخاري، وابن أبي حاتم.
قال أبو حاتم: إنما هو موقوف عن أبي هريرة، لا يرفعه الثقات.
وقال البخاري بعد أن ساق الاختلاف على أبي هريرة في رفعه ووقفه، فقال: وهذا أشبه، يعني الموقوف.
وقال البيهقي: بعد أن رواه مرفوعاً وموقوفاً قال: هذا هو الصحيح موقوفاً على أبي هريرة.
وقال الإمام أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء.
وكذا قال علي بن المديني: لا يثبت فيه حديث.
وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت.
وقد حسنه بعض العلماء، كابن حبان، وابن القطان، وابن حزم، والألباني.
стр. 193
• ما حكم الغُسل من غسل الميت؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
لحديث الباب (من غسّل ميتاً فليغتسل).
القول الثاني: أنه لا يجب.
وهذا قول جماهير العلماء.
والصارف عن الوجوب:
أ-حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً وليس ينجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم). قال ابن حجر: إسناده حسن
ب - وحديث ابن عمر قال (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل). رواه الدار قطني. قال الحافظ: إسناده صحيح
قال الفقهاء: الغاسل هو من يقلبه ويباشره ولو مرّة، لا من يصب الماء ونحوه.
• هل تغسيل الميت ينقض الوضوء أم لا؟
القول الأول: أنه ناقض من نواقض الوضوء.
أ-واستدلوا بآثار وردت عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة أنهم أمروا بالوضوء من تغسيل الميت.
ب- ولأن العادة أن الغاسل لا تسلم يده أن تقع على فرج الميت.
стр. 194
القول الثاني: أنه لا ينقض الوضوء.
وهو قول جمهور العلماء، واختاره ابن تيمية.
قال الموفق: وهو الصحيح إن شاء الله.
لأن الوجوب من الشرع، ولم يرد في هذا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فبقي على الأصل.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فالراجح أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، وهو اختيار الموفق، وشيخ الإسلام، وجماعة من أهل العلم.
وأمّا ما ورد عن هؤلاء الصحابة فإنه يحمل على الاستحباب.
• هل يجب الوضوء من حمْل الميت؟
لا، لا يجب.
قال الصنعاني: فلا أعلم قائلاً يقول أنه يجب الوضوء من حمل الميت ولا يندب، ولكن مع نهوض الحديث لا عذر عن العمل به، ويفسر الوضوء بغسل اليدين.
لكن كلام الصنعاني فيه نظر، لأن تفسير الوضوء في كلام الشارع بغسل اليدين لا يستقيم، لأن الواجب حمْل ألفاظ الشرع على الحقيقة الشرعية، لا على الحقيقة اللغوية.
فالصحيح أنه لا يستحب الوضوء من حمل الميت، لأن ذلك يحتاج إلى دليل.
стр. 195
٧٧ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵀; (أَنَّ فِي اَلْكِتَابِ اَلَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ لَا يَمَسَّ اَلْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلاً، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ مَعْلُولٌ.
===
(عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، تابعي، ثقة عابد، مات سنة ١٣٥ هـ، وقد وهِم المغربي صاحب (البدر التمام) فترجم لعبد الله بن أبي بكر الصديق، وتبعه على هذا الصنعاني، وهذا وهْم فاحش، فإن عبد الله بن أبي بكر الصديق ليس من رواة هذا الحديث، لأنه صحابي مات في خلافة أبيه.
(لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) هو عمرو بن حزم بن زيد الخزرجي الأنصاري، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله الرسول ﷺ على أهل نجران، ليفقههم في الدين، وكتب له كتاباً في السنن والصدقات والفرائض والديات، وهو كتاب طويل.
(أَنْ لَا يَمَسَّ اَلْقُرْآنَ) المراد به نفس الحروف المكتوبة دون البياض الذي في الجوانب، ويراد به المصحف، فيشمل الحروف والحواشي.
(إِلَّا طَاهِرٌ) لفظ مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، ومن الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن.
مثال: إطلاقه على المؤمن قوله تعالى (إنما المشركون نجس) وقوله ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس).
ومن إطلاقه على الحدث الأكبر قوله تعالى (وإن كنتم جنباً فاطهروا).
ومن إطلاقه على الحدث الأصغر قوله ﷺ (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) وسيأتي أن الأظهر إطلاقه على المتوضاء.
стр. 196
• ما صحة الحديث؟
الحديث جاء من طرق كثيرة مسندة ومرسلة، لكن العلماء تلقوا هذا الحديث بالقبول وحكموا له بالصحة وعملوا به:
قال الشافعي: لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ .
وقال أحمد بن حنبل: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح.
وصححه إسحاق بن راهوية كما نقله عنه ابن المنذر.
وقال العفيْلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع ممن فوق الزهري.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل.
وقال في الاستذكار: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد، لأنه أشبه بالتواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة.
وقال ابن تيمية في شرح العمدة: وهذا الكتاب ذكر هذا فيه مشهور مستفيض عند أهل العلم، وهو عند كثير منهم أبلغ من خبر الواحد العدل المتصل، وهو صحيح بإجماعهم.
وقال الشنقيطي: والتحقيق صحة الاحتجاج به، لأنه ثبت أنه كتاب رسول الله ﷺ ، كتبه ليبين به أحكام الديات والزكوات وغيرها، ونسخته معروفة في كتب الفقه والحديث.
стр. 197
• ما حكم مس المحدث للمصحف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجوز للمحدث مس المصحف.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
أ-قوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون).
ب-ولحديث الباب (لا يمس القرآن إلا طاهر) وقد تقدم تلقي العلماء لهذا الحديث.
قالوا: والطاهر في الحديث هو المتطهر من الحدث الأصغر أو الغسل، لأن المؤمن طهارته معنوية، ولا يمس القرآن غالباً إلا المؤمنون، ولا يعرف بالشرع تسمية المؤمن بالطاهر، وإنما ورد وصفه بذلك، وفرق بين الوصف والتسمية.
فالأظهر أن قوله (إلا طاهر) أي: إلا متوضئ لما يلي:
أولاً: لأنه كثر في لسان الشرع إطلاق هذا اللفظ على المتوضئ.
ثانياً: ولأن الصحابة فهموا ذلك وأفتوا بأنه لا يمس القرآن إلا على طهارة.
ثالثاً: ولأنه لم يعهد على لسان الرسول ﷺ أن يعبر عن المؤمن بالطاهر.
رابعاً: أنه ورد في بعض الروايات (لا يمس القرآن إلا على طهر) وفي حديث حكيم بن حزام (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) وفي إسناده ضعف، لكن يفيد ترجيح المعنى المذكور. (منحة العلام).
ج- أنه ثابت عن الصحابة.
عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال (كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال: لعلك مسست ذكرك، قال، فقلت: نعم، فقال: قم فتوضأ) رواه مالك والبيهقي.
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال (كنا مع سلمان فخرج فقضى حاجته، ثم جاء، فقلت: يا أبا عبد الله، لو توضأت لعلنا أن نسألك عن آيات، قال: إني لست أمسه، إنما لا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا) رواه الدار قطني والبيهقي وابن أبي شيبة.
стр. 198
وروى نافع (أن ابن عمر كان لا يمس المصحف إلا وهو طاهر) رواه ابن أبي شيبة.
قال النووي: وهو قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف.
وقال ابن رجب: وهذا قول جماهير العلماء، وروي ذلك عن علي وسعد وابن عمر وسلمان، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة.
القول الثاني: يجوز للمحدث مسّ المصحف.
وبهذا قال ابن حزم.
أ-لما جاء في حديث هرقل الطويل (أن النبي ﷺ كتب له كتاباً جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد بعث هذا الكتاب إلى النصارى وفيه آية من القرآن، وقد أيقن أنهم سيمسونه مع أنهم على غير طهارة، فهذا يدل على جواز مس المحدث للقرآن.
ب- أنه يجوز للصبيان حمل الألواح التي كُتبَ عليها القرآن بلا إنكار، فكذلك يجوز لغيرهم ذلك.
• بماذا أجاب هؤلاء عن أدلة الجمهور:
أما الآية: بأن الضمير في قوله (يمسه) يعود إلى اللوح المحفوظ، والمراد بـ (المطهرون) الملائكة، فلا يكون في الآية دليل على منع المحدث من قراءة القرآن.
وقد رجح ابن القيم أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وذلك من عشرة أوجه:
منها: أن الله قال (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ولم يقل: إلا المتطهرون، ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال: إلا المتطهرون كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، ثم ذكر بقية الأوجه.
وأما الحديث: فقالوا ضعيف.
والراجح القول الأول للحديث وعمل الصحابة.
стр. 199
• ما الجواب عن قصة هرقل التي احتج بها من قال بالجواز؟
قال النووي: والجواب عن قصة هرقل: أن ذلك الكتاب كان فيه آية، ولم يمس مصحفاً.
وقال ابن قدامة: فأما الآية التي كتب بها النبي ﷺ ، فإنما قصد بها المراسلة، والآية في الرسالة أو كتاب فقه أو نحوه لا تمنع مسه، ولا يصير الكتاب بها مصحفاً، ولا تثبت له حرمته.
• هل يجوز للصغير مس المصحف من غير وضوء؟
اختلف في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز.
وبهذا قال الحنفية والمالكية.
قالوا: إذا لم نقل بجواز مس الصبيان للمصحف واللوح ونحوهما، فإما أن يمنعوا من مسه وفي هذا تضييع لحفظ كتاب الله، وإما أن يكلف الصبيان بالتطهر لمسه، وفي هذا حرج ومشقة عليهم، فيرخص لهم في هذه الحالة مسه على غير طهارة دفعاً للضرر عنهم.
القول الثاني: أنه لا يجوز.
وهو مذهب الحنابلة.
لعموم الأدلة الدالة على عدم جواز مس المحدث للمصحف.
والراجح الأول.
• هل يجوز مس كتب التفسير؟
يجوز مسها لأنها تعتبر تفسيراً، والآيات التي بها أقل من التفسير الذي فيها، ويستدل بهذا بكتابة النبي ﷺ الكتب للكفار، وفيها آيات من القرآن، فدل هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر.
وأما إذا تساوى التفسير والقرآن، فإنه إذا اجتمع مبيح وحاظر ولم يتميز أحدهما برجحان، فإنه يغلّب جانب الحظر فيُعطَى الحكم للقرآن. (الشرح الممتع).
стр. 200
• ما حكم مس المصحف بالحايل المتصل؟
جماهير العلماء على أنه حرام.
فغلاف المصحف المتصل به [أي: المثبت في المصحف بمادة لاصقة أو بالخياطة … أو غير ذلك] يأخذ حكم المصحف فلا يجوز مسه بغير وضوء، وكذا أطراف الأوراق.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يمتنع على غير المتطهر مس جلد المصحف المتصل، والحواشي التي لا كتابة فيها من أوراق المصحف، والبياض بين السطور، وكذا ما فيه من صحائف خالية من الكتابة بالكلية، وذلك لأنها تابعة للمكتوب وحريم له، وحريم الشيء تبع له ويأخذ حكمه.
وذهب بعض الحنفية والشافعية إلى جواز ذلك.
واختلفوا في الحايل المنفصل، والأرجح الجواز، كأن يمسه بخرقة.
فالغلاف المنفصل عن المصحف، الذي هو عبارة عن كيس يدخل فيه المصحف ويخرج منه، لا حرج في لمسه بدون طهارة، ولو كان المصحف بداخله، فيجوز مس المصحف بحائل منفصل عنه، كالكيس الذي يوضع فيه، والقفاز ونحو ذلك.
قال في "كشاف القناع" (١/ ١٣٥): "وللمحدث حمل المصحف بعلاقته وفي غلافه أي: كيسه من غير مس له; لأن النهي ورد عن المس والحمل ليس بمس وله تصفحه بكمه أو بعود ونحوه كخرقة وخشبة; لأنه غير ماس له. وله مسه أي: المصحف من وراء حائل لما تقدم.
стр. 201
٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُذْكُرُ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَلَّقَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(كَانَ رَسُولُ اَللَّه ﷺ يُذْكُرُ اَللَّهَ) صيغة المضارع بعد لفظة (كان) تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل، ما لم يوجد قرينة.
(يُذْكُرُ اَللَّهَ) المراد بذكر الله: كل ما يُذكّر بالله تعالى، من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار وتلاوة القرآن.
(عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) (على) للظرفية بمعنى (في)، أي: في كل أوقاته، والمراد معظم أحيانه.
• ما حكم ذكر الله وقراءة القرآن من غير وضوء؟
جائز، والأفضل والأكمل أن يكون على وضوء. (إلا قراءة القرآن لمن كان جنباً كما سيأتي إن شاء الله).
قال النووي: أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر، والأفضل أن يقرأ لها.
أ- لحديث ابن عباس (أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته - قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر آيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة فتوضأ منها … ) متفق عليه.
стр. 202
قال ابن عبد البر: وفيه قراءة القرآن على غير وضوء، لأنه ينام النوم الكثير الذي لا يختلف في مثله.
وقد بوّب الإمام البخاري على الحديث: باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره.
قال ابن حجر: أي الأصغر.
وقال النووي: وفيه جواز القراءة للمحدث، وهذا إجماع المسلمين، وإنما تحرم القراءة على الجنب والحائض.
ب- ولحديث الباب (كَان رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ).
قال النووي في شرح مسلم: هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض.
وقال الصنعاني: والحديث مقرر للأصل، وهو ذكر الله على كل حال من الأحوال، وهو ظاهر في عموم الذكر، فتدخل تلاوة القرآن - ولو كان جنباً - إلا أنه خصصه حديث علي (كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) وأحاديث أُخر في معناه، وكذلك هو مخصص بحالة الغائط والبول والجماع.
• قول عائشة (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) هل يستثنى من ذلك شيء؟
نعم، يستثنى حالات:
أ- حال قضاء الحاجة.
عن ابن عمر: (أن رجلاً مرَّ ورسول الله ﷺ يبول، فسلم عليه فلم يرد ﵇. رواه مسلم
وعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ) رواه أبو داود
ب-حال الجماع.
ج- إذا كان جنباً.، وهذه اختلف العلماء فيها (وستأتي المسألة إن شاء الله في باب الغسل).
стр. 203
• اذكر بعض فضائل ذكر الله؟
منها: أنه يورث العبد ذكر الله له.
كما قال تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).
قال ابن القيم: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً.
وقال ﷺ (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خير منهم) متفق عليه.
ومنها: أنه سبب لنزول السكينة وغشيان الرحمن.
كما في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
ومنها: أنه غرس الجنة.
كما في قوله ﷺ (لقيت ليلة أسري بي إبراهيم الخليل فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي.
ومنها: أن دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه وهو سبب شقاء العبد.
فإن نسيان الرب سبحانه يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
ومنها: أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال.
كما قال ﷺ (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي … ) متفق عليه.
ومنها: أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله.
كما في الحديث ( … وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك رجل خرج العدو في أثرهِ سراعاً، حتى أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله … ) رواه الترمذي.
قال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى.
وكما في الحديث السابق (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده … ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك)
ومنها: أن سيد المرسلين كان كثير الذكر.
كما في حديث الباب (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم.
ومنها: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله فيه.
كما سبق في حديث (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
стр. 204
وكما في حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إن لله ملائكة فُضُلاً سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادّوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا … ) رواه مسلم.
ومنها: أن الله يباهي بالذاكرين ملائكته.
كما في حديث معاوية (أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم استحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله ﵎ يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.
ومنها: أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.
كما في الحديث (أن النبي ﷺ علم ابنته فاطمة وعلياً أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادم، فعلمها ﷺ ذلك وقال: إنه خير لك من خادم) متفق عليه.
قال ابن القيم: قيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم.
ومنها: أن كثرة ذكر الله أمان من النفاق.
قال تعالى في المنافقين (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال كعب: من أكثر ذكر الله براء من النفاق.
ومنها: أن العبادات إنما شرعت لذكر الله.
ومنها: أنه من أحب الأعمال إلى الله.
كما أوصى ﷺ رجلاً بقوله (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) رواه الترمذي.
ومنها: أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل.
فإن العبد لابد أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضها.
قال تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم).
وقال تعالى: (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً).
• اذكر أحوال ذكر الله؟
ذكر الله يكون بثلاث أشياء:
بالقلب: أن يتفكر في آيات الله وأسمائه وصفاته.
باللسان: كأن يقرأ القرآن أو يسبح أو يهلل.
بالجوارح: كالراكع والساجد.
стр. 205
٧٩ - وَعَنْ أَنَس (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اِحْتَجَمَ وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَيَّنَهُ.
===
• ما صحة الحديث؟
الحديث ضعيف ولا يصح، ضعفه الدار قطني، والبيهقي، والنووي، والذهبي، والحافظ ابن حجر.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، كالرعاف ودم السن والجرح، وما أشبه ذلك سواء كان قليلاً أم كثيراً.
وقد سبقت المسألة:
فمذهب مالك والشافعي: لا ينقض الوضوء.
ومذهب أبي حنيفة وأحمد ينقض، لكن أحمد يقول: ينقض إذا كان كثيراً.
стр. 206
٨٠ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتْ اَلْعَيْنَانِ اِسْتَطْلَقَ اَلْوِكَاءُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ (وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ).
وَهَذِهِ اَلزِّيَادَةُ فِي هَذَا اَلْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ دُونَ قَوْلِهِ: (اِسْتَطْلَقَ اَلْوِكَاءُ) وَفِي كِلَا الْإِسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ.
٨١ - وَلِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا، عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا (إِنَّمَا اَلْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا) وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضاً.
===
(الْعَيْنُ وِكَاءُ) الوِكاء: بكسر الواو: الخيط الذي يشد به الصرة أو الكيس أو القربة.
(السَّهِ) يفتح السين، حلقة الدبر.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث معاوية (الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ … ) سنده ضعيف.
وأما حديث علي فأخرجه أبو داود قال: قال رسول الله ﷺ (وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ) وسنده ضعيف.
وأما حديث ابن عباس (إِنَّمَا اَلْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا) فهو ضعيف.
قال النووي في المجموع: هو ضعيف باتفاق أهل الحديث.
• ما معنى قوله ﷺ (الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتْ اَلْعَيْنَانِ اِسْتَطْلَقَ اَلْوِكَاءُ)؟
معناه: أن اليقظة تحفظ الدبر وتمنع من خروج الخارج منه وهو الريح، كما يحفظ الوكاءُ الماءً في السقاء ويمنع خروجه.
فالْيَقَظَة وِكَاء الدُّبُر، أَيْ حَافِظَة مَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوج، لأَنَّهُ مَا دَامَ مُسْتَيْقِظًا أَحَسَّ بِمَا يَخْرُج مِنْهُ، فَإِذَا نَامَ اِنْحَلَّ الوكاء.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا تَيَقَّظَ أَمْسَكَ مَا فِي بَطْنه، فَإِذَا نَامَ زَالَ اِخْتِيَاره وَاسْتَرْخَتْ مَفَاصِله. اِنْتَهَى من "عون المعبود".
فإذا كان الإنسانُ لم يُحكِمْ وكاءَه بحيث لو أحدث لم يحسَّ بنفسه فإن نومه ناقضٌ، وإلا فلا.
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديثان يدلان على أن النوم ليس ناقضاً بنفسه، وإنما هو مظنة للنقض، وذلك إذا كان الإنسان في حالة لا يملك نفسه فلا يشعر بما يخرج منه، فإذا كان كذلك فليتوضأ لأنه نام، وأما إذا كان الإنسان يقظاً فإنه يتحفظ ويعرف ما يخرج منه.
وقد سبقت المسألة وأن الراجح أن النوم القليل الذي يشعر به الإنسان لا ينقض الوضوء.
قال الشيخ ابن باز ﵀: النوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقاً قد أزال الشعور; لما روى الصحابي الجليل صفوان بن عسال المرادي قال (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) أخرجه النسائي، والترمذي واللفظ له، وصححه ابن خزيمة.
стр. 207
ولما روى معاوية عن النبي ﷺ أنه قال: «العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) رواه أحمد، والطبراني، وفي سنده ضعف، لكن له شواهد تعضده، كحديث صفوان المذكور، وبذلك يكون حديثا حسنا. (مجموع الفتاوى).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: النعاس لا ينقض النوم، وكذلك النوم الخفيف، أما النوم العميق فإنه ناقض للوضوء، والفرق بينهما: أنه إذا كان نائماً يحس بنفسه إذا أحدث فنومه خفيف سواء كان جالساً أو متكئاً أو مضطجعاً، وأما إذا كان لا يحس بنفسه لو أحدث فنومه عميق ينقض الوضوء. (فتاوى مجلة الدعوة).
• مَنْ الذي استدل بحديث ابن عباس (إِنَّمَا اَلْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا) على أن النوم الذي ينقض الوضوء هو ما كان في حالة الاضطجاع؟
الذي استدل به الحنفية وداود الظاهري: أن الوضوء لا ينتقض بالنوم إلا في حال الاضطجاع.
وجه الدلالة (إِنَّمَا اَلْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا) فهو نص صريح في عدم النقض بالنوم إلا إذا كان مضطجعاً، فإنه إذا نام مضطجعاً استرخت مفاصله فيخرج الحدث، بخلاف القعود والقيام والركوع والسجود، فإن الأعضاء متماسكة فلم يكن هناك سبب يقتضي خروج الخارج.
لكن كما تقدم أن الحديث ضعيف فلا تقوم به حجة.
стр. 208
٨٢ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) أَخْرَجَهُ اَلْبَزَّارُ.
٨٣ - وَأَصْلُهُ فِي اَلصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ زَيْد.
٨٤ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ.
٨٥ - وَلِلْحَاكِمِ. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا (إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ.
وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: (فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ).
===
(الشَّيْطَانُ) أي: جنس الشيطان.
(فِي صَلَاتِهِ) أي: حال كونه فيها.
(فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ) أي: يخرج منه الريح.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث ابن عباس سنده حسن.
والحديث كما قال المصنف ﵀ أصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، ولمسلم عن أبي هريرة.
أما حديث عبد الله بن زيد فلفظه: عن عبد الله بن زيد (أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ الَّذِى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّىْءَ فِى الصَّلَاةِ. فَقَالَ (لَا يَنْفَتِلْ - أَوْ لَا يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً) متفق عليه.
وأما حديث أبي هريرة فلفظه: عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً). أخرجه مسلم
وأما حديث أبي سعيد عند الحاكم وفي سنده ضعف.
والغرض من إيراد لفظ ابن حبان لبيان أنه يقول (كذبت) في نفسه ولا يتكلم.
• ما الذي تفيده هذه الأحاديث؟
هذه الأحاديث تفيد أن المتطهر إذا شك في وضوئه هل انتقض أو لا؟ فإن وضوءه باق، ولا يجب عليه أن يتوضأ حتى يتيقن أنه أحدث. (وسبقت المسألة).
• هذه الأحاديث فيها زيادة على حديث أبي هريرة الذي تقدم بأشياء؛ ما هي؟
أ- التصريح بأن هذه الشكوك في الطهارة من الشيطان.
ب-أنه بيّن محل هذه الشكوك وأنه مقعدة الإنسان.
ج- أنه بيّن طريقة الخروج من هذه الأوهام وهو تكذيب الشيطان.
• هناك حالات لا يلتفت فيها للشك، اذكرها؟
أ-إذا كان بعد العبادة.
ب-إذا كان الإنسان كثير الشكوك.
ج-إذا كان وهماً. (الشيخ ابن عثيمين).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- شدة عداوة الشيطان للإنسان.
- لا ينبغي للإنسان أن يستسلم لوساوس الشيطان.
стр. 209
باب قضاء الحاجة
٨٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﷺ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُول.
===
(إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ) أي: أراد دخول الخلاء، والخلاء بالمد المكان الخالي.
(وَضَعَ خَاتَمَهُ) أي: ألقاه، وكان ﷺ يضع خاتمه وقتئذٍ صيانة لاسم الله تعالى عن محل القاذورات، وقد ورد عن أنس قال: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث معلول ولا يصح، قال النووي في الخلاصة: ضعفه أبو داود والنسائي والبيهقي والجمهور.
• ما حكم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه مكروه.
وهذا مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة.
أ- لحديث الباب.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ إنما نزعه لأجل نقشه (محمد رسول الله) مما يدل على أن الخاتم لا يُدخل به الخلاء إذا كان عليه ذكر منعاً لامتهانه.
وقد تقدم أن الحديث ضعيف.
ب- عن عكرمة مولى ابن عباس قال (كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه) رواه ابن أبي شيبة، وسنده ضعيف.
القول الثاني: عدم الكراهة.
وهو قول كثير من السلف، وهو مذهب الحنفية.
أ- لأنه لم يرد دليل صحيح يدل على الكراهة.
ب- أن في نزع الخاتم عند دخول الخلاء من المفاسد ما لا يخفى.
القول الثالث: أن إزالة ذلك أفضل.
قال به بعض الحنابلة.
وهذا هو الصحيح.
стр. 210
• ما حكم الدخول إلى الحمام بأوراق فيها اسم الله إذا كانت مستورة؟
يجوز دخول الحمام بأوراق فيها اسم الله ما دامت في الجيب ليست ظاهرة، بل هي مخفية ومستورة. (الشيخ ابن عثيمين).
• ما الحكم لو خاف على ما معه أن يسرق أو يضيع؟
في هذه الحالة يجوز أن يدخل به الخلاء (هذا على القول بالكراهة).
• ما حكم الدخول بالمصحف للخلاء؟
قيل: يحرم، وهو مذهب الحنابلة.
وقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية.
والصحيح الأول.
قال الشيخ ابن عثيمين: الدخول بالمصحف إلى المرحاض والأماكن القذرة صرح العلماء بأنه حرام، لأن ذلك ينافي احترام كلام الله ، إلا إذا خاف أن يسرق لو وضعه خارج المرحاض، أو خاف أن ينساه فلا حرج أن يدخل به لضرورة حفظه.
أما الأشرطة فليست كالمصاحف، لأن الأشرطة ليس فيها كتابة، غاية ما هنالك أن ذبذبات معينة موجودة في الشريط إذا مرت بالجهاز المعين ظهر الصوت، فلذلك يدخل بها ولا إشكال في ذلك. (لقاءات الباب المفتوح).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: أما دخول الحمام بالمصحف فلا يجوز إلا عند الضرورة، إذا كنت تخشى عليه أن يسرق فلا بأس .... (مجموع فتاوى ابن باز).
• ما حكم ذكر الله بالحمام؟
يكره ذكر الله بلسانه، تعظيماً لله تعالى.
قال ابن المنذر في الأوسط: وقال عكرمة لا يذكر الله وهو على الخلاء بلسانه ولكن بقلبه.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: الذِّكر بالقلب مشروع في كل زمان ومكان، في الحمَّام وغيره، وإنما المكروه في الحمَّام ونحوه: ذكر الله باللسان تعظيماً لله سبحانه إلا التسمية عند الوضوء فإنه يأتي بها إذا لم يتيسر الوضوء خارج الحمَّام؛ لأنها واجبة عند بعض أهل العلم، وسنة مؤكدة عند الجمهور.
• ما حكم التسمية داخل الحمام لمن نسي أن يسمي قبل الدخول؟
قيل: يسمي بقلبه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع (١/ ١٣٠): إذا كان في الحمام، فقد قال الإمام أحمد: إذا عطس الرجل حمد الله بقلبه، فيُخَرَّج من هذه الرواية أنه يسمي بقلبه. أ. هـ
وقيل: يسمي بلسانه ولا كراهة حينئذ.
قال الشيخ ابن باز: لا بأس أن يتوضأ داخل الحمام إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويسمي عند أول الوضوء، يقول: (بسم الله) لأن التسمية واجبة عند بعض أهل العلم، ومتأكدة عند الأكثر، فيأتي بها وتزول الكراهة لأن الكراهة تزول عند الحاجة إلى التسمية، والإنسان مأمور بالتسمية عند أول الوضوء، فيسمي ويكمل وضوؤه. (مجموع فتاوى الشيخ ابن باز).
стр. 211
٨٧ - وَعَنْهُ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ قَالَ: (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ). أَخْرَجَهُ اَلسَّبْعَة
===
(كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ) أي: عند إرادة الدخول لا بعده، وقد صرح بهذا البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل … ).
(الخبْث) قيل: بضم الباء ومعناه: ذكران الشياطين وإناثهم. وقيل: بسكون الباء ومعناه: الشر.
(الخلاء) المكان المعد لقضاء الحاجة، وسمي خلاءً لأنه يتخلى به.
• ما معنى الخبث والخبائث؟
الخبُث بضم الباء جمع خبيث، وهم ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، وهن إناث الشياطين، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم.
وقيل: الخبْث: بإسكان الباء، الشر، والخبائث: الذوات الشريرة، فكأنه استعاذ من الشر وأهله.
قال الخطابي: الخبُث بضم الباء، وعامة المحدثين يقولون: الخبْث بإسكان الباء، وهو غلط والصواب الضم
قال النووي: وهذا الذي غلّطهم فيه ليس بغلط، وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، منهم أبو عبيْد إمام هذا الفن، والعمدة فيه.
• ما حكم قول هذا الدعاء (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) عند دخول الخلاء؟
مستحب.
قال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه، ويستوي فيه الصحراء والبنيان.
• متى يقال هذا الدعاء؟
هذا الدعاء يقال عند إرادة الدخول في الأماكن المعدة لذلك.
• ومتى يقال إذا كان في غير الأماكن المعدة لذلك كالصحراء؟
يقوله في أول الشروع عند تشمير الثياب، وهذا مذهب الجمهور. (قاله في الفتح).
لقوله (كان إذا دخل الخلاء … ) والخلاء هو الموضع الذي يخلو الإنسان بنفسه لقضاء الحاجة، ولا يشترط أن يكون معداً لقضاء الحاجة.
стр. 212
• ما الحكمة من الاستعاذة من الشياطين قبل دخول الخلاء؟
الحكمة أن هذه الأماكن تحضرها الشياطين.
كما في حديث زيد بن أرقم. قال: قال ﷺ (إن هذه الحشوش محتضَرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث) رواه أبو داود.
الحشوش: أماكن قضاء الحاجة. محتضرة: تحضرها الشياطين.
جاء في الموسوعة الفقهية (٤/ ١٠): قال الحطّاب: وخصّ هذا الموضع بالاستعاذة لوجهين:
الأوّل: بأنّه خلاءٌ، وللشّياطين بقدرة اللّه تعالى تسلّطٌ بالخلاء ما ليس لهم في الملأ.
الثّاني: أنّ موضع الخلاء قذرٌ ينزّه ذكر اللّه تعالى فيه عن جريانه على اللّسان، فيغتنم الشّيطان عدم ذكره، لأنّ ذكر اللّه تعالى يطرده، فأمر بالاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمةً بينه وبين الشّيطان حتّى يخرج.
وقال الشيخ ابن عثيمين: فائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إلى الله من الخبث والخبائث لأن هذا المكان خبيث، والخبيث مأوى الخبثاء فهو مأوى الشياطين فصار من المناسب إذا أراد دخول الخلاء أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث حتى لا يصيبه الخبث وهو الشر، ولا الخبائث وهو النفوس الشريرة. (الشرح الممتع).
• هل يقال هذا الدعاء حتى لو دخل الخلاء لغير قضاء الحاجة؟
نعم.
فإن العلة تقتضي من المسلم أن يحافظ على الاستعاذة عند كل دخول للخلاء، سواء كان بقصد قضاء الحاجة، أو كان لغير ذلك من الأمور التي يستعمل الناس اليوم لها دورات المياه من أمور النظافة المتنوعة، وبذلك يحفظ المسلم نفسه من أذى الشياطين.
جاء في "المغني" (١/ ١٩٠) قال أحمد: يقول إذا دخل الخلاء: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وما دخلت قط المُتَوَضَّأ [يعني: مكان الوضوء] ولم أقلها إلا أصابني ما أكره.
• ما الحكم إذا نسي أن يقول هذا الذكر؟
قيل: يرجع ويقوله.
وقيل: إنه سنة فات محلها، وهذا أرجح.
• هل لابد من هذا الذكر النطق باللسان؟
نعم، لابد من هذا الذكر النطق باللسان، فلا يكفي إمراره بنفسه.
стр. 213
• هل وردت أدعية أخرى تقال قبل دخول الخلاء؟
أ-وردت التسمية (بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث … ) وهي شاذة لا تصح، فقد روى الحديث جماعة عن عبد العزيز بن صهيب دون ذكر التسمية، منهم شعبة، وحماد بن زيد، وهشيْم بن بَشير، وإسماعيل بن عُبيّة، وحماد بن سلمة، وعبد الوارث، وحماد بن واقد.
ب-ووردت في حديث علي. قال: قال النبي ﷺ (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله) رواه الترمذي، وهو ضعيف.
ج-ما جاء عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يعجز أحكم إذا دخل مرفقَه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم). لكنه حديث ضعيف
• هل هناك أدب آخر يفعل قبل دخول الخلاء؟
نعم، أن يقدم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً.
فيسن لمن دخل الخلاء أن يقدم رجله اليسرى دخولاً، لأن القاعدة أن اليمين تقدم في كل ما هو من باب التكريم، واليسار ضد ذلك.
ويدل لهذه القاعدة:
أ-حديث عائشة قالت (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله). متفق عليه
ب- وحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين وإذا خلع فليبدأ بالشمال) متفق عليه.
ج- وحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا توضأتم وإذا لبستم فابدؤا بميامنكم) رواه أبوداود.
قال النووي: يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم؛ كالوضوء والغسل والخروج من الخلاء، ويستحب تقديم اليسار ضد ذلك؛ كالاستنجاء ودخول الخلاء .....
فعند الخروج يقدم اليمني، لأن الخروج أكمل وأفضل.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- كان ﷺ يستعيذ إظهاراً للعبودية، ويجهر بها للتعليم.
- أن أماكن قضاء الحاجة هي أماكن الشياطين.
- أن الذكر من أعظم الأسباب التي تنجي من الشيطان.
- إثبات وجود الجن.
стр. 214
٨٨ - وَعَنْهُ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ اَلْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
(وَغُلَامٌ نَحْوِي) مقارب لي في السن.
(إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ) إناء صغير من جلد.
(وَعَنَزَةً) عصا أقصر من الرمح، وقيل: الحربة الصغيرة.
(فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) أي: يتطهر بالماء ما أصاب السبيلين من أثر البول أو الغائط.
• ما المراد بالخلاء في الحديث في قول أنس (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ اَلْخَلَاءَ)؟
المراد به هنا الفضاء، ويدل لذلك:
أ-قوله في الرواية الأخرى (كان إذا خرج لحاجته).
ب-وقرينة حمل العنزة مع الماء.
ج-وأيضاً في الأخلية في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله.
• ما المراد بالغلام في قول أنس (وَغُلَامٌ نَحْوِي)؟
اختلف ما المراد بالغلام:
فقيل: ابن مسعود، ورجحه البخاري حيث ذكر عند هذا الحديث قول أبي الدرداء (أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد)، والمراد بصاحب النعلين: ابن مسعود، لأنه كان يتولى خدمة النبي ﷺ .
ويشكل على هذا رواية: (من الأنصار).
وقيل: أبو هريرة.
فقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: (كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة فاستنجى).
وأيضاً جاء في قصة ذكر الجن من حديث أبي هريرة: (أنه كان يحمل مع النبي ﷺ الإداوة لوضوئه وحاجته).
وقيل: جابر.
لأنه جاء عند مسلم في حديث جابر الطويل الذي في آخر الكتاب: (أن النبي ﷺ انطلق لحاجته فأتبعه جابر بإداوة).
стр. 215
• هل يجوز الاقتصار على الماء بالاستنجاء؟
نعم، فحديث الباب يدل على ذلك.
وقد كان هناك خلاف لبعض السلف بكراهته.
ومما يدل على جواز الاستنجاء بالماء:
أ-حديث الباب.
ب-حديث عائشة أنها قالت لنسوة (مرن أزواجكنّ أن يستنجوا بالماء فإني أستحييهم فإن النبي ﷺ كان يفعل ذلك). رواه أبو داود
• اذكر حالات قاضي الحاجة من حيث استعمال الماء والحجارة؟
لقاضي الحاجة ثلاث حالات:
الأولى: أن يقتصر على الماء.
وهذا جائز وسبقت أدلته.
الثانية: أن يقتصر على الحجارة فقط.
وهذا جائز.
وقد نقل ابن القيم ﵀: إجماع المسلمين على جواز الاستجمار بالأحجار في زمن الشتاء والصيف.
ومن أدلة الجواز:
أ-حديث سلمان (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) رواه مسلم.
ب-وحديث ابن مسعود قال (أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) رواه البخاري.
ج- وحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، … وكان يأمر بثلاثة أحجار). رواه أحمد.
قال ابن قدامة ﵀: وإن أراد الاقتصار على أحدهما، فالماء أفضل; لما روينا من الحديث; ولأنه يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف، وإن اقتصر على الحجر أجزأه، بغير خلاف بين أهل العلم; لما ذكرنا من الأخبار; ولإجماع الصحابة ﵃. (المغني).
الثالثة: أن يجمع بين الحجارة والماء.
وهذا أفضل عند أكثر العلماء.
قال النووي: فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى وأئمة الأمصار، أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولاً لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء.
وقال العيني: مذهب جمهور السلف والخلف الذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار، أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر.
وقد ورد في ذلك حديث لكنه لا يصح.
следующие страницы →