← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

٨٤٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ. ٨٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ (أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتْ اَلْإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ اَلصَّدَقَةِ. قَالَ: فَكُنْتُ آخُذُ اَلْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ اَلصَّدَقَةِ) رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَات. === (عَلَى قَلَائِصِ اَلصَّدَقَةِ) القلوص الناقة الشابة القوية. • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث سمرة، من طريق الحسن عن سمرة، وهذا فيه خلاف هل سمع منه أم لم يسمع. حسنه بعض العلماء بشواهده. وحديث عبد الله بن عمرو حديث حسن. • ما حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يحرم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وهذا مذهب الحنفية، ورجحه الشوكاني. أ-لحديث سمرة (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ). ب- وروي عن ابن عباس ﵄ قال (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة). القول الثاني: يجوز بيع الحيوان بالحيوان مطلقاً، ولو كان من جنسه، متفاضلاً يداً بيد، أو متفاضلاً نسيئة، كمن يبيع بعيراً ببعيرين حالا أو إلى أجل. وهذا مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة. أ-واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو (فَكُنْتُ آخُذُ اَلْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ اَلصَّدَقَةِ). ب-ما رواه مالك والشافعي عن علي ﵁ أنه باع جملا يدعى (عصيفيراً) بعشرين بعيراً إلى أجل. ج-ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً، أن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة، يوفيها صاحبها بالربذة. د-ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقا، ووصله عبد الرزاق، أن رافع بن خديج اشترى بعيراً ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غداً. هـ - ما رواه البخاري ومالك، عن سعيد بن المسيب أنه قال (لا ربا في الحيوان). • بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة القول الثاني؟ قال الشوكاني: لا شك أن أحاديث النهي وإن كان كل واحد منها لا يخلو من مقال، لكنها ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة، سمرة، وجابر بن سمرة، وابن عباس، وبعضها يقوي بعضاً، فهي أرجح من حديث واحد غير خال من المقال، وهو حديث عبد الله بن عمرو، ولا سيما وقد صحح الترمذي وابن الجارود حديث سمرة، وقد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة وأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حجة فيها، وعلى فرض ذلك فهي مختلفة. (مجلة البحوث الإسلامية)

стр. 1507

• ما حكم بيع اللحم بالحيوان؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه. وهذا مذهب الشافعية، وهو قول الفقهاء السبعة. أ- لما روى سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ (أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان) رواه مالك والبيهقي، وهو مرسل. ب- ولحديث سهل بن سعد. أن النبي ﷺ (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) أخرجه الدارقطني، وضعفه وأقره الحافظ ابن حجر والبيهقي بالغلط في إسناده، قال ابن عبد البر: إنه حديث موضوع. القول الثاني: أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، ويجوز بغير جنسه. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة. وقد استدلوا بأدلة أصحاب القول الأول، لكنهم خالفوهم في أن اللحم كله جنس واحد، بل قالوا: هو أجناس، فلذا حرم في بيعه بجنسه وجاز بغير جنسه لقوله ﷺ (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم). القول الثالث: أنه إذا كان المقصود اللحم، فيحرم سواء بيع بجنسه أو بغير جنسه، أما إذا لم يقصد اللحم (كركوب أو تأجير أو حرث) فيجوز. وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم. وسبب التحريم إذا أريد بالحيوان اللحم، لأنه باع لحماً بلحم من غير تماثل. وأما بيع اللحم باللحم، فإن اللحم أجناس، فلحم الإبل جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الضأن جنس، فلا يجوز بيع اللحم بلحم من جنسه إلا بالتساوي، فلا يباع كيلو من لحم الضأن بكيلوين منه، ويجوز كيلو من البقر بكيلوين من لحم الضأن لاختلاف الجنس.

стр. 1508

٨٤٤ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ اَلْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ اَلْجِهَادَ، سَلَّطَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَلِأَحْمَدَ: نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْقَطَّانِ. === • ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث فيه ضعف، وقد جاء من غير وجه، ولا يصح، وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم، إلى تقويته بمجموع طرقه ٠ الحديث صححه الطبري في "مسند ابن عمر" (١/ ١٠٨) وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٣٠) والألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/ ١١). • عرف العينة؟ العينة مشتقة من العين، لأن صاحبها محتاج إلى العين، وهي النقد وما يقوم مقامه، وقيل: مشتقة من العَون، لأن البائع يستعين بالمشتري على تحصيل مقاصده. واصطلاحاً: أن يقوم البائع ببيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها ممن باعها عليه بأقل من ذلك الثمن نقداً. وقال الشيخ ابن عثيمين: مثال بيع العينة: أنا بعت على زيد سيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، ثم إني اشتريتها من هذا الرجل بثمانية عشر ألفاً، فهذا حرام لا يجوز؛ لأنه يتخذ حيلة إلى أن أبيع السيارة بيعاً صورياً بعشرين ألفاً، ثم أعود فأشتريها بثمانية عشر ألفاً نقداً، فيكون قد أخذ مني ثمانية عشر ألفاً وسيوفيني عشرين ألفاً وهذا ربا، فهذا لا يجوز؛ لأنه حيلة واضحة، ولذلك قال ابن عباس ﵄: (دراهم بدراهم وبينهما حريرة) وهذه تسمى مسألة العِينة؛ لأن الرجل أعطى عيناً وأخذ عيناً، والعين: النقد؛ الذهب والفضة. (الممتع) وقال ﵀: وهي: مثل أن يكون محتاج إلى دراهم فلا يجد من يقرضه، فيقوم ويشتري من شخص سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على صاحبها الذي اشتراها منه بثمن أقل منه نقداً، سميت بذلك لأن البائع رجع إليه عين ماله. • ما حكم بيع العينة؟ اختلف العلماء في حكمها على قولين: القول الأول: أنها حرام. وهذا قول جماهير العلماء. لظهور الحيلة الربوية في هذا النوع من البيوع. قال محمد بن الحسن الشيباني في إحدى صور العينة - كما في "فتح القدير" (٧/ ٢١٣) هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال، اخترعه أَكَلَةُ الربا. قال ابن قدامة: أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

стр. 1509

وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا فَجَازَ مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا. (المغني). أ- لحديث الباب. ب-وقد عقد الإمام عبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (٨/ ١٨٤) باباً قال فيه: " باب الرجل يبيع السلعة ثم يريد اشتراءها بنقد: أخبرنا معمر والثوري عن أبي إسحاق عن امرأته: أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين! كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بستمائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمانمائة، فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريت! وبئس والله ما اشترى! أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل، قالت: (من جاءه موعظة من ربه فانتهى) الآية، أو قالت: (إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم). قال ابن عبد الهادي في "تنقيح التعليق" (٢/ ٥٥٨): إسناد جيد. وصححه الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ١٦) وصححه ابن القيم في (إعلام الموقعين) ورد على المخالفين في ذلك ج- أن القول بالتحريم هو المنقول عن عدد من الصحابة، كعائشة، وابن عباس، وأنس. - عائشة سبق في الأثر السابق. - وأما ابن عباس: حين سئل ابن عباس عن حريرة بيعت إلى أجل، ثم اشتريت بأقل. فقال: دراهم بدراهم، دخلت بينهما حريرة. رواه سعيد وغيره، وجاء نحوه عند عبد الرزاق في مصنفه. وسئل أنس عن العينة، فقال: إن الله لا يُخْدَع هذا مما حرم الله ورسوله. عزاه ابن القيم لمطين في كتاب البيوع ٠ د- حديث أبي هريرة. (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة) رواه الترمذي، والعينة هي المقصودة في هذا الخبر. هـ-ولأنه ذريعة إلى الربا، ليستبيح بيع ألف بنحو خمسمائة إلى أجل، والذريعة معتبرة في الشرع بدليل منع القاتل من الإرث. (المغني) هـ- أن الله تعالى حرم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا، بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام، ولهذا نقل عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة. القول الثاني: أنها حلال. وهذا المشهور من مذهب الشافعي. أ- لقوله تعالى (وأحل الله البيع). والصحيح قول الجمهور، وأما الآية فهي عامة، وقد جاءت الأدلة الخاصة بتحريم العينة.

стр. 1510

• اذكر مسألة عكس العينة؟ مثاله: أن يبيع السلعة نقداً بـ ١٠٠ ثم يشتريها ممن اشتراها بأكثر منه مؤجل. مثاله: بعتك بيتي (٨٠) ألف نقداً، ثم اشتريته منك (١٠٠) ألف مؤجلة (عكس مسألة العينة). مثال آخر: أن يشتري شخص سيارة بـ (٥٠ ألف) نقداً، ثم يأتي البائع ويشتري هذه السيارة ٧٠ مؤجلة. وقد اختلف العلماء في هذه الصورة هل هي جائزة أم لا؟ القول الأول: الجواز إذا لم تكن حيلة. قالوا: لأن الأصل حل البيع، وحرمت العينة بالنص، ولأنه ليس فيها محذور شرعي. واختار هذا الموفق ابن قدامة اذا لم يكن هذا مواطأة واتفاق بينهما. القول الثاني: إنها حرام. وهو قول الحنفية، والحنابلة. لأن المقصود بالمنع هو سد ذريعة الربا. - مسألة: إذا باعه سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها منه نقداً بأكثر فإن هذا يجوز، لأن ليس فيه حيلة. • ما هو بيع التورق، وما حكمه؟ التورق مأخوذ من الورق، والمراد به المال بجميع أنواعه. ومعنى التورق: أن يشتري من يحتاج مالاً سلعة مؤجلة بأكثر من قيمتها حالة، ثم يبيعها على أجنبي نقداً. فالتورق هو: شراء سلعة بثمن مؤجل بقصد بيعها على غير البائع تحرير محل النزاع: أولاً: إذا كان المشتري غرضه التجارة، أو غرضه الانتفاع، أو القينة، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق كما قال ابن تيمية. ثانياً: أن يكون مقصوده الدراهم لحاجته لها، وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضاً أو غيره، فيشتري سلعة ليبيعها ويأخذ ثمنها، فهذا هو التورق، وقد اختلف العلماء في حكمه على أقوال: القول الأول: أنها حرام. وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم، وهو قول بعض السلف. أ- قالوا: إن هذا من بيع المضطر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر، والنهي يقتضي التحريم. ب- أن الله حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج، وهو في حقيقته أخذ دراهم بدراهم، وهذا المعنى موجود في التورق، لأنه يريد به الدراهم، والنية معتبرة في الأحكام. قال ابن تيمية: وإنما الذي أباحه الله البيع والتجارة، وهو أن يكون المشتري غرضه أن يتجر فيها، فأما إذا كان قصده مجرد الدراهم بدراهم أكثر منها، فهذا لا خير فيه. قال ابن القيم: وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه.

стр. 1511

القول الثاني: أنها جائزة عند الحاجة، مكروهة عند عدمها. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وهو مذهب الحنابلة. جاء في الموسوعة الفقهية: جمهور العلماء على إباحتها، لعموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) ولأنه لم يظهر فيها قصد الربا ولا صورته. أ- لعموم قوله تعالى (وأحل الله البيع). ب- ولقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً). وجه الدلالة: أن التورق نوع من المداينات التي تدخل في عموم الآية. ج- أن الأصل في المعاملات الحل إلا ما قام دليل صريح صحيح على منعه. د- قال ابن قدامة: ولأن الحاجة العامة إذا وجدت أثبتت الحكم في حق من ليست له حاجة، كالسلم، وإباحة اقتناء الكلب للصيد والماشية في حق من لا يحتاج إليهما. وقد أجازها الشيخ ابن باز ﵀، فقال: وأما مسألة التورق فليست من الربا، والصحيح حلها، لعموم الأدلة، ولما فيها من التفريج والتيسير وقضاء الحاجة الحاضرة، أما من باعها على من اشراها منه، فهذا لا يجوز بل هو من أعمال الربا، وتسمى مسألة العينة، وهي محرمة لأنها تحايل على الربا. وقد توسط الشيخ ابن عثيمين ﵀، فقال بجوازها بشروط معينة. قال ﵀ في رسالة المداينة: " القسم الخامس - أي من أقسام المداينة -: أن يحتاج إلى دراهم ولا يجد من يقرضه فيشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيع السلعة على شخص آخر غير الذي اشتراها منه، فهذه هي مسألة التورق. وقد اختلف العلماء ﵏ في جوازها، فمنهم من قال: إنها جائزة؛ لأن الرجل يشتري السلعة ويكون غرضه إما عين السلعة وإما عوضها وكلاهما غرض صحيح. ومن العلماء من قال: إنها لا تجوز؛ لأن الغرض منها هو أخذ دراهم بدراهم ودخلت السلعة بينهما تحليلاً، وتحليل المحرم بالوسائل التي لا يرتفع بها حصول المفسدة لا يغني شيئاً، وقد قال النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). والقول بتحريم مسألة التورق هذه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد. بل جعلها الإمام أحمد في رواية أبي داود من العينة كما نقله ابن القيم في "تهذيب السنن" (٥/ ٨٠١). ولكن نظراً لحاجة الناس اليوم وقلة المقرضين ينبغي القول بالجواز بشروط: ١ - أن يكون محتاجا إلى الدراهم، فإن لم يكن محتاجاً فلا يجوز، كمن يلجأ إلى هذه الطريقة ليدين غيره. ٢ - أن لا يتمكن من الحصول على المال بطرق أخرى مباحة كالقرض، فإن تمكن من الحصول على المال بطريقة أخرى لم تجز هذه الطريقة لأنه لا حاجة به إليها. ٣ - أن لا يشتمل العقد على ما يشبه صورة الربا مثل أن يقول: بعتك إياها العشرة أحد عشر أو نحو ذلك، فإن اشتمل على ذلك فهو إما مكروه أو محرم، نقل عن الإمام أحمد أنه قال في مثل هذا: كأنه دراهم بدراهم، لا يصح. هذا كلام الإمام أحمد. وعليه فالطريق الصحيح أن يعرف الدائن قيمة السلعة ومقدار ربحه ثم يقول للمستدين: بعتك إياها بكذا وكذا إلى سنة. ٤ - أن لا يبيعها المستدين إلا بعد قبضها وحيازتها؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع السلع قبل أن يحوزها التجار إلى رحالهم. فإذا تمت هذه الشروط الأربعة فإن القول بجواز مسألة التورق متوجه كيلا يحصل تضييق على الناس. وليكن معلوماً أنه لا يجوز أن يبيعها المستدين على الدائن بأقل مما اشتراها به بأي حال من الأحوال؛ لأن هذه هي مسألة العينة.

стр. 1512

٨٤٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيماً مِنْ أَبْوَابِ اَلرِّبَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. === (الشفاعة) السعي للغير في جلب نفع أو دفع مضرة. • ما صحة حديث الباب؟ في إسناده ضعف. • ماذا نستفيد من الحديث؟ الحديث دليل على أنه لا يجوز أخذ هدية مقابلة الشفاعة. قال الصنعاني: وفيه دليل على تحريم الهدية في مقابلة الشفاعة، وظاهره سواء كان قاصداً لذلك عند الشفاعة أو غير قاصد. معنى الحديث: أنَّ مَنْ شفع لأخيه المسلم شفاعة، بأن توسَّط له عند الغير لقضاء مصلحة بجلب منفعة أو دفع مضرَّة، فأَهْدَى المشفوع له هديَّة للشافع، نظير هذه الشفاعة والوساطة، فقَبِلها الشافِع؛ فحرامٌ عليه؛ لأنه أمرٌ يسيرٌ لا يجوز أخذ العِوَض عليه في الدنيا، وقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الرِّبا قال العلماء: وَذَلِكَ لأَنَّ الشَّفَاعَةَ الْحَسَنَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً، فَأَخْذُ الْهَدِيَّةِ عَلَيْهَا يُضَيِّعُ أَجْرَهَا، كَمَا أَنَّ الرِّبَا يُضَيِّعُ الْحَلَالَ .... (عون المعبود) وهناك وَجْهٌ آخر لجعل قبول الهديَّة على الشفاعة من الرِّبا، وهو أنَّ " الرِّبا هو الزيادة في المال من الغير، لا في مقابلة عِوَض، وهذا مثله. يعني: أن الشافع أخذ مالاً بدون مقابل فهو يشبه المرابي الذي أخذ الزيادة بدون مقابل. ممَّا جاء عن السلف في معنى الحديث: قول ابن مسعود ﵁ في تفسير قوله تعالى عن اليهود: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ): "السُّحت: أَنْ تطلبَ لأخيك الْحَاجة فتُقضَى؛ فيهدي إِلَيْك هَدِيَّة فتقبلها مِنْه. وعن مَسْرُوق ﵀ تلميذ ابن مسعود ﵁: أنَّه شفعَ لرجل في حاجةٍ، فأهدى له جاريةً؛ فغضبَ مسروقٌ غضبًا شديدًا، وقال: " لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَفْعَلُ هَذَا مَا كَلَّمْتُ فِي حَاجَتِك، وَلَا أُكَلِّمُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ حَاجَتِكَ. سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ شَفَعَ شَفَاعَةً لِيَرُدَّ بِهَا حَقًّا أَوْ يَرْفَعَ بِهَا ظُلْمًا، فَأُهْدِيَ لَهُ، فَقَبِلَ؛ فَهُوَ سُحْت. وقد أخذ بعض العلماء بظاهر هذا الحديث، فمنعوا أخذ الهدية على الشفاعة، سواء كانت الشفاعة واجبة أو غير واجبة. وذهب بعض العلماء: إلى جواز أخذ الهدية على الشفاعة إذا كانت غير واجبة. وحملوا هذا الحديث على: الشفاعة الواجبة - كالشفاعة عند السلطان في إنقاذ مظلوم من يد ظالم، أو الشفاعة المحرَّمة - كالشفاعة عند السلطان في تولية ظالم على الرَّعيَّة. لأنَّ الشفاعة إذا كانت في واجب فهي واجبة، فأخذ الهديَّة في مقابلها محرّم، وإذا كانت في أمر محرَّم؛ فأخذ الهديَّة في مقابلها محرَّم. أما إذا كانت الشفاعة في أمر مباح؛ فأخذ الهديَّة عليها مباح؛ قالوا: لأنها مكافأة على إحسانٍ غير واجب. وهذا اختيار ابن تيمية.

стр. 1513

قال الصنعاني: فيه دليل على تحريم الهدية في مقابلة الشفاعة … ولعل المراد إذا كانت الشفاعة في واجب كالشفاعة عند السلطان في إنقاذ المظلوم من يد الظالم، أو كانت في محظور كالشفاعة عنده في تولية ظالم على الرعية، فإنها في الأولى واجبة فأخذ الهدية في مقابلها محرم، والثانية محظورة فقبضها محظور، وأما إذا كانت الشفاعة في أمر مباح فلعله جائز أخذ الهدية لأنها مكافأة على إحسان غير واجب، ويحتمل أنها تحرم لأن الشفاعة شيء يسير لا تؤخذ عليه مكافأة. (سبل السلام) تنبيه: ومحل المنع إذا كانت الهدية مقابل الشفاعة وبذل الجاه، أما إذا كانت مقابل جهد وعمل؛ فإنه لا حرج فيها. • ما الجمع بين حديث الباب، وحديث (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه)؟ أولاً: لا يوجد تعارض في القرآن بين آياته، وأيضاً لا يوجد تعارض بين السنة الصحيحة، هذه قاعدة معروفة عند أهل العلم، وإذا قرأت آيتين ظننت أنهما متعارضتان فأعد النظر مرة بعد أخرى، فإن لم تصل إلى نتيجة فاسأل أهل العلم، وكذلك يقال في الحديثين الصحيحين كذلك أنه لا يمكن التعارض بينهما، فإن أشكل عليك شيء فأعد النظر مرة بعد أخرى، فإن لم يظهر لك الجمع فانظر أي الحديثين أقوى؛ لأن الأحاديث الواردة عن الرسول ﵇ ليست كالقرآن، فهي منقولة بخبر الآحاد وبخبر التواتر، وخبر الآحاد من المعلوم أن بعض المخبرين أقوى من البعض، فانظر أيهما أقوى، فإذا كانا سواءً في القوة فاحمل أحدهما على محمل لا يتعارض مع الآخر، فهذا الحديث وهو: هدية من شفع له أن يهدى إلى الشافع يراد بذلك الشفاعة التي يريد بها الإنسان وجه الله فإنه لا يقبل؛ لأن ما أريد به الآخرة لا يكون سبباً لنيل الدنيا، ولأن الشافع الذي يشفع يريد بذلك وجه الله إذا أعطي هدية فإن نفسه قد تغلبه في المستقبل فينظر في شفاعته إلى ما في أيدي الناس، فلهذا حذر من قبول الهدية. وأما (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه) فالمراد به ما سوى الشفاعة التي منحت، فيكون هذا عاماً وهذا مخصصاً. • هل يؤجر على الشفاعة السيئة؟ لا يؤجر بل يأثم. قال اللَّهِ تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا). كِفْلٌ: نَصِيبٌ، أي: من الإثم. قال الحافظ ابن حجر ﵀: الأجر على الشفاعة ليس على العموم بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة، وهي الشفاعة الحسنة، وضابطها: ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه كما دلت عليه الآية، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن مجاهد قال: هي في شفاعة الناس بعضهم لبعض، وحاصله: أن من شفع لأحدٍ في الخير كان له نصيب من الأجر، ومن شفع له بالباطل كان له نصيب من الوزر " انتهى. • ما حكم الشفاعة فيما يقدر عليه الإنسان؟ مستحبة. بشرط: أن تكون في شيء مباح، فلا تصح الشفاعة في شيء يترتب عليه ضياع حقوق الخلق أو ظلمهم، كما لا تصح الشفاعة في تحصيل أمر محرم، كمن يشفع لأناس قد وجب عليهم الحد أن لا يقام عليهم، قال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). وفي الحديث عن عائشة ﵂ " أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " رواه البخاري ومسلم. ومن الأدلة على استحبابها: قوله تعالى (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها). و عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ" اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَب) متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ في قِصَّة برِيرَةَ وزَوْجِها. قال: قال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ راجَعْتِهِ؟» قَالتَ: يا رَسُولَ اللَّه تأْمُرُنِي؟ قال: «إِنَّما أَشْفعُ» قَالَتْ: لا حاجة لِي فِيهِ. رواه البخاري.

стр. 1514

٨٤٦ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. === (الراشي) هو دافع الرشوة. (والمرتشي) هو آخذها. • عرف الرشوة؟ الرشوة: هي ما يدفع من مال ونحوه كمنفعة، ليتوصل به إلى ما لا يحل. قال ابن حجر: الرشوة: بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح وهي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب أخذه. وقال ابن العربي: الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عوناً على ما لا يحل، والمرتشي قابضه، والراشي معطيه والرائش الواسطة. (الفتح). وقال الصنعاني: والراشي هو الذي يبذل المال ليتوصل به إلى الباطل، مأخوذ من الرشا وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء في البئر. وقال أيضاً: وفي النهاية لابن الأثير قال: الراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل والمرتشي الآخذ والرائش هو الذي يمشي بينهما وهو السفير بين الدافع والآخذ، وإن لم يأخذ على سفارته أجراً فإن أخذ فهو أبلغ (أي بالإثم والحرمة). (سبل السلام) • ما حكم الرشوة؟ حرام وكبيرة من كبائر الذنوب. أ- لحديث الباب. ب-ولحديث ثوبان ﵁ قال (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما) رواه أحمد، وهو ضعيف بهذه الزيادة. ج-وقال تعالى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْت) قال الحسن وسعيد بن جبير: هو الرشوة. د-وقوله تعالى (وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون). • قال الشيخ ابن عثيمين: وهي محرمة لما يلي: أولاً: للحديث الصحيح: أن النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا يقتضي أن تكون الرشوة من كبائر الذنوب. ثانياً: أن فيها فساد الخلق؛ فإن الناس إذا كانوا يُحكم لهم بحسب الرشوة فسد الناس، وصاروا يتباهون فيها أيهم أكثر رشوة، فإذا كان الخصم إذا أعطى ألفاً حكم له، وإذا أعطى ثمانمائة لم يحكم له، فسيعطي ألفاً، وإذا ظن أن خصمه سيعطي ألفاً أعطى ألفين، وهكذا فيفسد الناس. ثالثاً: أنها سبب لتغيير حكم الله ؛ لأنه بطبيعة الحال النفس حيّافة ميّالة، تميل إلى من أحسن إليها، فإذا أعطي القاضي رشوة حكم بغير ما أنزل الله، فكان في هذا تغيير لحكم الله . رابعاً: أن فيها ظلماً وجَوراً؛ لأنه إذا حكم للراشي على خصمه بغير حق فقد ظلم الخصم، ولا شك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الجور من أسباب البلايا العامة، كالقحط وغيره.

стр. 1515

خامساً: أن فيها أكلاً للمال بالباطل، أو تسليطاً على أكل المال بالباطل، لأنه ليس من حق القاضي أن يأخذ شيئاً على حكمه؛ لأننا نقول: هذا الذي أخذه القاضي إما أن يحمله على الحكم بالحق، والحكم بالحق لا يجوز أن يأخذ عليه عوضاً دنيوياً، وإما أن يحمله على الحكم بخلاف الحق، وهذا أشد وأشد، فكان أخذ الرشوة أكلاً للمال بالباطل، وبذلها أعانةً لأكل المال بالباطل. سادساً: أن فيها ضياع الأمانات، وأن الإنسان لا يؤتمن، والإنسان لا يدري أيحكم له بما معه من الحق، أو يحكم عليه؟ وهذا فساد عظيم، ولذلك استحق الراشي والمرتشي لعنة الله ـ والعياذ بالله ـ. • متى يجوز دفع الرشوة؟ يجوز دفع الرشوة، إذا لم يتمكن الإنسان من الوصول إلى حقه إلى بها، وتكون حينئذ حراماً على الآخذ دون المعطي. قال ابن حزم ﵀: ولا تحل الرشوة: وهي ما أعطاه المرء ليحكم له بباطل، أو ليولي ولاية، أو ليظلم له إنسان، فهذا يأثم المعطي والآخذ. فأما من منع من حقه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباح للمعطي، وأما الآخذ فآثم. (المحلى). وقال ابن تيمية ﵀: إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه، أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراماً على الآخذ، وجاز للدافع أن يدفعها إليه، كما كان النبي ﷺ يقول (إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً، قيل: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل) ومثل ذلك: إعطاء من أعتق وكتم عتقه، أو كان ظالماً للناس فإعطاء هؤلاء جائز للمعطي، حرام عليهم أخذه. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " أما الرشوة التي يتوصل بها الإنسان إلى حقه، كأن لا يمكنه الحصول على حقه إلا بشيء من المال، فإن هذا حرام على الآخذ وليس حراماً على المعطي، لأن المعطي إنما أعطى من أجل الوصول إلى حقه، لكن الآخذ الذي أخذ تلك الرشوة هو الآثم لأنه أخذ ما لا يستحق " انتهى نقلا عن "فتاوى إسلامية" (٤/ ٣٠٢). قال الخطابي: الراشي: المعطي، والمرتشي: الأخذ، وإنما تلحقهما العقوبة معًا إذا استويا في القصد والإرادة، فرشا المعطي لينال به باطلًا، ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا رشا ليتوصل به إلى حق، أو يدفع به عن نفسه ظلمًا، فإنه غير داخل في هذا الوعيد، وقد روي أن ابن مسعود أخذ في سبي وهو بأرض الحبشة، فأعطى دينارين حتى خلي سبيله. ومما يدل على ذلك: واستدلوا ما رواه أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَسْأَلُنِي الْمَسْأَلَةَ فَأُعْطِيهَا إِيَّاهُ فَيَخْرُجُ بِهَا مُتَأَبِّطُهَا، وَمَا هِيَ لَهُمْ إِلا نَارٌ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلِمَ تُعْطِيهِمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ يَأْبَوْنَ إِلا أَنْ يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ). فكان النبي ﷺ يعطي هؤلاء المال مع أنه حرام عليهم، حتى يدفع عن نفسه مذمة البخل. • فإن كان القاضي ليس له رزق، أي: راتب ـ من بيت المال، من الدولة، وهو إنسان ليس له مال، وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بكذا وكذا، حسب القضية إن كانت كبيرة قال: أقضي بينكما بشيء كثير، وإذا كانت صغيرة بشيء قليل، فهل يجوز ذلك أو لا؟ في ذلك خلاف، المشهور من المذهب أنه يجوز، والصحيح أنه لا يجوز؛ لأن هذا أخذُ عوض على أمر واجب عليه، فإن الحكم بين الناس واجب، وهو إذا عود نفسه هذا، هل سيقتصر على مقدار الكفاية؟ أبداً سيطمع، وإذا جعل الجُعل مثلاً على الألف خمسة في اليوم الأول، جعل على الألف في اليوم الثاني عشرة وازداد طمعاً، فالصواب أن هذا لا يجوز، ويقال له: اتق الله بقدر ما تستطيع، اعمل في السوق، واقض بين الناس في وقت آخر، (الشرح الممتع)

стр. 1516

٨٤٧ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ; أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلاً بِتَمْرٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ كَرْماً أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ زَرْعاً أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (الْمُزَابَنَةِ) بضم الميم، وهي مأخوذة من الزبن، وهو الدفع الشديد. قيل للبيع المخصوص مزابنة كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من العين أراد دفع البيع لفسخه، أو أراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع (حائطهِ) قالَ في (النهايةِ): الحائِطُ ههنا البُسْتانُ من النَّخيلِ، إذا كانَ عليه حَائِطٌ: وهو الجِدَارُ، وجَمْعُه حَوَائِط. (كَرْماً) بفَتْحِ الكافِ وسُكونِ الراءِ آخِرَه مِيمٌ، شَجَرُ العِنَبِ، وأُرِيدَ به هنا العِنَبُ نَفْسُه. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم المزابنة. وهي بيع التمر على النخل بتمر مجذوذ. مثال: أن يبيع رطباً على رؤوس النخل، بثمر في الزنبيل، فهذا لا يجوز. مثال آخر: رجل عنده شجر من الأعناب، وآخر عنده أكياس من الزبيب، فقال أحدهما للآخر: نتبايع هذه الأشجار من الأعناب بهذه الأكياس من الزبيب، فهذا لا يجوز. • ما الحكمة من النهي: مظنة الربا لعدم التساوي. لأن بيع تمر بتمر يشترط فيه التساوي، والتساوي هنا معدوم. لأنه لو فرضنا أن أكياس الزبيب معلومة المقدار، لكن أشجار العنب غير معلومة المقدار. أ- حصول الغرر به، وكل ما حصل به غرر فهو غير صحيح. • اذكر بعض فوائد الحديث؟ -الحديث دليل على تحريم بيع كل نوعين ربويين جهل تساويهما. - يشترط في الربوي إذا بيع بجنسه أن يكون متماثلاً، وأن يكون يداً بيد.

стр. 1517

٨٤٨ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ (سُئِلَ عَنِ اِشْتِرَاءِ اَلرُّطَبِ بِالتَّمْرِ. فَقَالَ: أَيَنْقُصُ اَلرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ " قَالُوا: نَعَمَ. فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْمَدِينِيِّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. === (أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟) ليسَ سُؤالاً يُقْصَدُ منه المَعْرِفَةُ، فإِنَّه ﷺ يَعْرِفُ أنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ، وإِنَّما يَقْصِدُ ﷺ بَيانَ مَناطِ الحُكْمِ ووَجْهِ العِلَّةِ بتَحْرِيمِ البَيْع. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أنه لا يجَوَزِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ؛ لِعَدَمِ التَّسَاوِي.

стр. 1518

٨٤٩ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، يَعْنِي: اَلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) رَوَاهُ إِسْحَاقُ، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. === • ما صحة حديث الباب؟ الحديث ضعفه أحمد، والشافعي، وابن عدي، وابن تيمية، وابن حجر، والألباني. ولكن الأمة تلقت معناه بالقبول وعليه العمل والله أعلم. • ما معنى بيع الكالئ بالكالاء؟ أن المراد ببيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه في الحديث هو بيع الدين بالدين. كما فسر ذلك كثير من العلماء بالدين بالدين منهم نافع. قال البيهقي: "قال نافع: وهو بيع الدين بالدين. ومنهم الإمام أبو جعفر الطحاوي، وابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهم الله تعالى- حيث قال ابن تيمية بعد أن ذكر الحديث: أي المؤخر وهو بيع الدين بالدين. ولكن هذا الحديث مع ضعف سنده لعلة تفرد موسى بن عبيدة به فقد تلقته الأمة بالقبول بين عامل به على عمومه وبين متأول له، ولقد اتفقت المذاهب الأربعة على الأخذ بمضمونه والاحتجاج به، وإن كان بينهم خلاف فيما يتناوله من الصور التي يصدق عليها. قال الإمام مالك - رحمه الله تعالى- في الموطاً: وقد نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. قال الشافعي - رحمه الله تعالى- في الأم عن حكم صرف ما في الذمة: لا يجوز لأنه بيع دين بدين. قال ابن عبد البر: ومما نهي عنه الكالئ بالكالئ وهو بيع الدين بالدين. قال الشيرازي: ولا يجوز بيع نسيئة بنسيئة. وقال المرداوي: لا يجوز بيع الكالئ بالكالئ وهو بيع الدين بالدين. فتلقي الأمة لهذا الحديث يغني عن صحة الإسناد. ثانياً: دليلهم من الإجماع: انعقد إجماع العلماء على تحريم يبع الدين بالدين كما حكى ذلك الإمام أحمد، وابن المنذر، وابن رشد، وابن قدامة، وابن تيمية رحمهم الله تعالى. قال ابن قدامة: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، قال أحمد: إنما هو إجماع. قال ابن رشد: فأما النسيئة من الطرفين لا يجوز بإجماع، لا في العين ولا في الذمة؛ لأنه الدين بالدين المنهي عنه. ولكن بعض العلماء مثل ابن تيمية - رحمه الله تعالى- يرى أن هذا الإجماع المنعقد على تحريم بيع الدين بالدين خاص ببعض صوره دون بعضها، وهو بيع الواجب بالواجب

стр. 1519

• اذكر بعض صور بيع الكالئ بالكالاء؟ بيع الدين لغير من هو عليه بثمن مؤجل. فهذه لا يجوز بل نقل بعضهم الاتفاق على ذلك. لأن فيه شغلاً للذمتين بغير فائدة. بيع الديْن لغير من هو عليه بثمن حال. صورة المسألة: أن يكون لزيد مائة ألف ريال في ذمة إبراهيم، فيبيعها على عمرو بسيارة معينة ويقبض السيارة، وتكون المائة ألف لعمرو في ذمة إبراهيم. اختلف العلماء فيها: القول الأول: لا يجوز. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية في الأظهر عندهم، والحنابلة. أ-أن الدائن لا يقدر على تسليم المبيع للمشتري؛ لأن الدين شيء متعلق بذمة المدين، وهي غير مقدورة للدائن، وقد يجحد المدين الدين، أو يماطل، أو يكون معسرًا فيتعذر تخليص الدين منه، وبهذا يكون الدين غير مقدور على تسليمه، فهو كبيع الطير في الهواء وبيع الآبق والشارد ونحوهما مما لا يقع تحت تصرف البائع وقدرته، وما لا يقدر على تسليمه فبيعه غير جائز لما فيه من المخاطرة. القول الثاني: يجوز بشروط ثمانية. وهو قول المالكية: القول الثالث: أنه يجوز، بشرط أن يبيعه بسعر يومه. وهذا قول عند الشافعية رجحه جمع من أئمتهم، وهو رواية عند الحنابلة، وهو ظاهر كلام ابن عباس، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. والله أعلم. بيع دين مؤجل بأقل منه حالًا على أجنبي غير صاحب الدين. لا يجوز، وهو ربا وقد نص عليه ابن تيمية. بيع الدين الحال بدين آخر بزيادة. حرام، وهو من ربا الجاهلية. جعل ما في الذمة رأس مال سَلمِ. - ومنها: لو كان لكل واحد من الاثنين دين على الآخر من غير جنس دينه، كالذَّهب والفضة، فتصارفا، ولم يُحضرَا أحد العوضين. - ومنها: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل لم يجد وفاءه، فيقول: بِعْنيه إلى أجل آخر بزيادة، فيبيعه، ولا يجري بينهما تقابض. قال النووي: وَأَمَّا الْعَرَايَا فَهِيَ أَنْ يَخْرُص الْخَارِص نَخَلَات فَيَقُول: هَذَا الرُّطَب الَّذِي عَلَيْهَا إِذَا يَبِسَ تَجِيء مِنْهُ ثَلَاثَة أَوْسُق مِنْ التَّمْرَة مَثَلًا، فَيَبِيعهُ صَاحِبه لِإِنْسَانٍ بِثَلَاثَةِ أَوْسُق تَمْر، وَيَتَقَابَضَانِ فِي الْمَجْلِس، فَيُسَلِّم الْمُشْتَرِي التَّمْر وَيُسَلِّم بَائِع الرُّطَب الرُّطَب بِالتَّخْلِيَةِ. الشرط الثاني: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وهذه لها أحوال: أولاً: الزيادة على خمسة أوسق، لا يجوز بلا خلاف. ثانياً: أقل من خمسة أوسق، يجوز. ثالثاً: في خمسة أوسق، هذه فيها خلاف: قيل: لا يجوز. وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، ورجحه ابن المنذر. قالوا: الأصل أن بيع التمر بالرطب حرام، وتبقى الخمسة مشكوكاً فيها، والأصل المنع. وقيل: يجوز. عملاً برواية الشك (خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق). والراجح الأول. قال النووي: وَهَذَا جَائِز فِيمَا دُون خَمْسَة أَوْسُق، وَلَا يَجُوز فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَة أَوْسُق، وَفِي جَوَازه فِي خَمْسَة أَوْسُق قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحّهمَا لَا يَجُوز لِأَنَّ الْأَصْل تَحْرِيم بَيْع التَّمْر بِالرُّطَبِ وَجَاءَتْ الْعَرَايَا رُخْصَة، وَشَكَّ الرَّاوِي فِي خَمْسَة أَوْسُق أَوْ دُونهَا فَوَجَبَ الْأَخْذ بِالْيَقِينِ وَهُوَ دُون خَمْسَة أَوْسُق وَبَقِيَتْ الْخَمْسَة عَلَى التَّحْرِيم. (شرح مسلم). الشرط الثالث: أن يكون المشتري محتاجاً إلى الرطب، فإن لم يكن محتاجاً فإنها لا تجوز. لأن بيع العرايا رخص فيه للحاجة. الشرط الرابع: التقابض بين الطرفين. لأن الأصل في بيع التمر بالتمر أنه لا بد من شرطين: التساوي والتقابض. فالتساوي عرفنا أنه رخص فيه، ويبقى التقابض على الأصل لم يرخص فيه. (والتقابض يكون في النخل: بالتخلية، وفي التمر بالكيل لأخذ). • هل العرايا خاصة بالتمر، أم يجوز في جميع الثمار؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: أن العرايا خاصة بالتمر، فيقتصر الجواز على النخل فقط دون غيرها من الثمار.

стр. 1520

بَابُ اَلرُّخْصَةِ فِي اَلْعَرَايَا وَبَيْعِ اَلْأُصُولِ وَالثِّمَارِ ٨٥٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي اَلْعَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ (رَخَّصَ فِي اَلْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ اَلْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا). ٨٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ اَلْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (رخص) الرخصة التسهيل في أمر ملزم به، إما في تركه وإما في فعله. (العرايا) جمع عريّة، مشتقة من التعري، وهو التجرد، لأنها عريت عن حكم باقي البستان. • ماذا يشترط في بيع التمر بالرطب؟ من المعلوم أن بيع الرطب بالتمر (وهو المزابنة) لا يجوز، لأن الرطب ينقص إذا جف، وبيع التمر بالتمر يشترط فيه شرطان: التساوي - والتقابض. والتساوي هنا معدوم. • ما يستثنى من ذلك؟ يستثنى من ذلك: العرايا. وهي: بيع رطب في روؤس نخله بتمر كيلاً. أن يخرص الخارص نخلات فيقول: هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلاً، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر، ويسلم بائع الرطب الرطب بالنخلة. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: جواز بيع العرايا (وهو بيع رطب بتمر يابس) وهو مستثنى من بيع المزابنة، وهذا مذهب أكثر العلماء. لحديث الباب. وخالف أبو حنيفة وقال: لا يجوز. لكن الصحيح مذهب الجمهور. • اذكر شروط حل العرايا؟ الشرط الأول: أن تباع النخلة بخرصها، ولا بد أن يكون من عالم به. لقوله (أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً). فلا يجوز أن يأتي أي أحد من الناس، لا بد أن يكون الخارص خبيراً.

стр. 1521

وهذا المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال الليث بن سعد، والظاهرية. أ-واستدلوا بأحاديث الباب، حيث إنها صريحة في حصر الجواز بالتمر دون غيره. ب-أن الأصل يقتضي تحريم العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة، ولا يصح قياس غيرها عليها لوجهين: الأول: أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها، وسهولة خرصها. الثاني: أن القياس لا يعمل به إذا خالف نصاً. القول الثاني: أنه عام في جميع الثمار. فلو أن شخصاً عنده زبيب جاز أن يشتري به عنباً يتفكه به. وهذا مذهب مالك، واختاره من الحنابلة أبو يعلى، وهو مذهب الأوزاعي، واختاره ابن تيمية. واستدلوا بالقياس على النخل بجامع الحاجة في كلٍ والاقتيات، وهذا المعنى موجود في غير النخل، وعليه فلا يصح قصر الحكم على النخل. القول الثالث: أنه يجوز في العنب وحده، فيباع العنب في الشجر بزبيب .... وهو قول الشافعي، واختاره النووي. قالوا: قياساً على التمر، بجامع أنه يخرص مثله وييبس ويقتات ويوسق ويحتاج لأكله كالتمر، أما غير العنب فليس كذلك. والراجح: الله أعلم. • ما حكم بيع الرطب على وجه الأرض بتمر كيلاً؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن البيع صحيح. ونسبه النووي للجمهور. القول الثاني: المنع. واختاره ابن دقيق العيد. • ماذا نستفيد من حل العرايا؟ نستفيد: أن ما حُرِّم تحريم وسائل فإنه يباح للحاجة. وقد ذكر العلماء شرطاً لإباحة المحرم للحاجة، وهو: أن يكون هذا المحرم محرماً تحريم الوسائل، لا المقاصد. وذلك أن المحرمات نوعان: الأول: محرم تحريم مقاصد، كأكل الميتة، وشرب الخمر، فهذا لا يباح للحاجة، وإنما يباح للضرورة. والثاني: محرم تحريم وسائل، كلبس الحرير، وربا الفضل … فهذا يباح للحاجة. قال أبو عبد الله الزركشي ﵀: فالضرورة: بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب كالمضطر للأكل، واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم. والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرَّم. "المنثور في القواعد" (٢/ ٣١٩).

стр. 1522

ومثال ذلك: جواز لبس الرجل لثوب حرير من أجل حكة به. وقد جاءت السنة بذلك. مثال آخر: إباحة ربا الفضل للحاجة، فقد رخص الرسول ﷺ في بيع الرطب على رؤوس النخل بتمر كيلاً، مع أن الأصل تحريم هذه المعاملة، لأنه لا يمكن حصول التساوي بين الرطب والتمر، لأن الرطب ينقص إذا جف، فتكون هذه الصورة داخلة في ربا الفضل، إلا أن الرسول ﷺ رخص فيها للحاجة. انظر: "إعلام الموقعين" (٢/ ١٣٧). وقد نظم ذلك القول والمثال: الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في منظومته في أصول الفقه وقواعده، فقال: لكنَّ ما حُرِّمَ للذَّرِيعَةِ … يَجُوزُ للحَاجَةِ كَالعَريَّةِ وقد شرح ذلك بقوله: "هذا مستثنى من قوله: (وكل ممنوع فللضرورة يباح) لأن ظاهره أنه لا يباح المحرم إلا عند الضرورة، فاستثنى من ذلك ما كان محرماً للذريعة، فإن حكمه حكم المكروه، يجوز عند الحاجة. مثاله: العَرِيَّة وهي: عبارة عن بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، وأصل بيع الرطب بالتمر حرام، لأن النبي ﷺ سئل عن بيع التمر بالرطب فقال: (أينقص إذا جف؟) قالوا: نعم، فنهى عن ذلك. ووجهه: أن بيع التمر بالتمر لابد فيه من التساوي، ومعلوم أن الرطب مع التمر لا يتساويان، فإذا كان هذا الفلاح عنده الرطب على رؤوس النخل، وجاء شخص فقير ليس عنده دراهم يشتري رطباً يتفكه به مع الناس، لكن عنده تمر من العام الماضي، فلا حرج أن يشتري الرطب بالتمر للحاجة لأنه ليس عنده دراهم، ولو باع التمر أولاً ثم اشترى رطباً ففيه تعب عليه، وربما ينقص ثمن التمر، فيجوز له أن يشتري الرطب بالتمر للحاجة بشروط: ١ - أن لا يتجاوز خمسة أوسق. ٢ - وأن لا يدع الرطب حتى يتمر. ٣ - وأن يكون الرطب مخروصاً بما يؤول إليه تمراً، مثل أن يقال: هذا الرطب إذا صار تمراً صار مماثلاً للتمر الذي بذله للمشتري ٤ - وأن لا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر. ٥ - وأن يكون الرطب على رؤوس النخل، لئلا يفوته التفكه شيئاً فشيئاً. فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يبيع التمر ويشتري الرطب كما أرشد النبي ﷺ إلى ذلك فيما إذا كان عند الإنسان تمر رديء، وأراد تمراً جيداً أنه لا يبيع التمر الرديء بتمر جيد أقل منه، بل أمر أن يباع الرديء بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمراً جيداً، فلماذا نقول بالعَرِيَّة، ولا نقول: بع التمر ثم اشتر بالدراهم رطباً؟ فالجواب على هذا: أولاً: أن السنة فرقت بينهما، وكل شيء فرق الشرع فيه فإن الحكمة بما جاء به الشرع، لأننا نعلم أن الشرع لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، وما فرق الشرع بينهما وظننا أنهما متماثلان، فإن الخطأ في فهمنا، فيكفي أن نقول: جاء الشرع بحل هذا ومنع هذا، لكن مع ذلك يمكن أن نجيب عقلاً عن هذا، فيقال: إن الصحابة ﵁ كانوا يبيعون التمر الرديء بالتمر الجيد مع التفاضل، وهذا ربا صريح لا يحل.

стр. 1523

أما في مسألة العَرِيَّة فيجب أن يخرص الرطب بحيث يساوي التمر لو أتمر، بمعنى: أننا نخرص الرطب بحيث يكون هذا الرطب إذا يبس وصار تمراً على مقدار التمر الذي اشترى الرطب به. ثانياً: أن نقول: إن ربا الفضل إنما حُرم لكونه ذريعة إلى ربا النسيئة، وذلك لأن ربا الفضل لا يمكن أن يقع بين متماثلين جنساً ووصفاً، بل لابد أن يكون هناك فرق بينهما في الوصف من أجل زيادة الفضل، وتتشوف النفوس إلى زيادة الدين إذا تأجل، وتقول النفس: إذا كانت الزيادة تجوز لطيب الصفة، والنقص يجوز لرداءة الصفة، فلتجز الزيادة لزيادة المدة بتأخير الوفاء، فترتقي النفس من هذا إلى هذا، والنفس طماعة لا سيما في البيع والشراء، ولا سيما مع قلة الورع كما في الأزمنة المتأخرة، لذلك سُدَّ الباب، وقيل: لا يجوز ربا الفضل، ولو مع التقابض في المجلس. والذي يمكن أن يقع في العرية هو ربا الفضل، وتحريم ربا الفضل علمنا من التقرير الذي ذكرناه أنه إنما يحرم لئلا يكون ذريعة إلى ربا النسيئة، والذي حرم لكونه ذريعة فإنه يباح عند الحاجة. فإن قال قائل: الفقير الذي لا دراهم عنده ما ضرورته إلى أن يشتري الرطب بالتمر؟ الجواب: ليس هناك ضرورة، لأنه يمكن أن يعيش على التمر، لكن هناك حاجة، يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس، فلهذا رخِّص له في العرية. مثال آخر: النظر إلى وجه المرأة الأجنبية حرام، لأنه وسيلة إلى الفاحشة، ولهذا جاز للحاجة، فالخاطب يجوز أن يرى وجه مخطوبته، والشاهد إذا أراد أن يعرف عين المرأة المشهود عليها، يجوز أن يرى وجهها ليشهد على المرأة بعينها، لأن التحريم هنا تحريم وسيلة، وما كان تحريمه تحريم وسيلة فإنه يجوز عند الحاجة. مثال آخر: الحرير على الرجال حرام، لأنه وسيلة إلى أن يتخلق الرجل بأخلاق النساء من الليونة والرقة، والتشبه بالنساء حرام، فلما كان تحريمه تحريم وسيلة جاز عند الحاجة، فإذا كان الإنسان فيه حكة يجوز أن يلبس الحرير من أجل أن تبرد الحكة، لأن تحريمه تحريم وسائل" انتهى. "شرح منظومة أصول الفقه وقواعده" (ص ٦٤ - ٦٧).

стр. 1524

٨٥٢ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اَلثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى اَلْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا؟ قَالَ: " حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ ". ٨٥٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلثِّمَارِ حَتَّى تُزْهَى. قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: " تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. ٨٥٤ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اَلْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ اَلْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. === (حَتَّى يَبْدُوَ) أي: يظهر. (صَلَاحُهَا) صلاح كل شيء بحسبه، منها ما يكون صلاحه باللون، ومنها ما يكون بالطعم، ومنها ما يكون باللمس. (نَهَى اَلْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ) أي: المشتري. (تُزْهَى) قال ابن الأثير: زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. • ما الحكمة من النهي؟ قال في الفتح: أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري، فلئلا يضيع ماله، ويساعد البائع على الباطل، وفيه أيضاً قطع النزاع والتخاصم .... (الفتح). وقال بعض العلماء: الحكمة في النهي قبل بدو صلاحها: أنه في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها غرراً وخطراً ظاهراً يفضي إلى المفاسد الكثيرة بين المسلمين من إيقاع التشاحن والتشاجر وأكل مال الغير بغير حق. فالبائع إذا باع قبل بدو الصلاح وتعجل البيع فإنه ستقل قيمتها عما لو أخر البيع إلى ما بعد الصلاح والنضج فيكون في ذلك خسارة عليه. وأما المشتري: ففي ذلك حفظ لماله من الضياع والمخاطر والتغرير، لأن الثمرة قد تتلف وتنالها الآفات قبل الانتفاع بها فيذهب ماله، فنهي عن ذلك تحصيناً للأموال من الضياع وحفظاً للحقوق، وقطعاً للمخاصمات والمنازعات بين المتبايعين. فالخلاصة أن حكمة النهي ترجع إلى ثلاثة أمور: أولاً: لما فيه من الغرر. ثانياً: أنه سبب في تنازع الناس. ثالثاً: أنه طريق إلى أكل أموالهم بالباطل. - وقد قسم ابن قدامة بيع الثمر قبل بدو صلاحه إلى أقسام، فقال ﵀: لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إجْمَاعًا. (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 1525

والنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِهَا؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهُوَ. قَالَ: أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعًا وَلَا تَبْقِيَةً، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. ثم قال مرجحاً رأي الجمهور: وَلَنَا: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْلَقَ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النزاع. • متى يجوز بيع الثمار؟ يجوز بيع الثمر بعد بدو صلاحه، وبدو صلاحه جاء بيانه في بعض الأحاديث: فقد جاء في حديث (حتى يزهو). وفي رواية (حتى يبدو صلاحها). وأجمع هذه الألفاظ حديث جابر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَطعَمَ). وفي رواية (حَتَّى تَطِيبَ). فالضابط أن يطيب أكله ويطهر نضجه. قال النووي: بدو الصلاح يرجع إلى تغير صفة في الثمرة، وذلك يختلف باختلاف الأجناس، وهو على اختلافه راجع إلى شيء واحد مشترك بينها، وهو طيب الأكل. (المجموع). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الضابط يدور على إمكان أكلها واستساغته؛ لأنه إذا وصل إلى هذا الحد أمكن الانتفاع به، وقبل ذلك لا يمكن الانتفاع به إلا على كره، وهو أيضا إذا وصل هذه الحال من النضج قَلَّت فيه الآفات والعاهات. (الشرح الممتع) • متى يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها؟ أولاً: إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع في الحال. قال ابن قدامة ﵀: القسم الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع; لأن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها; بدليل ما روى أنس، أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو. قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟. رواه البخاري. وهذا مأمون فيما يقطع، فصح بيعه كما لو بدا صلاحه. ثانياً: إذا بيعت الثمرة مع أصلها، أو بيع الزرع مع الأرض، فلا يشترط بدو الصلاح في الثمر والزرع. قال ابن قدامة ﵀: أَنْ يَبِيعَهَا مَعَ الْأَصْلِ، فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ). وَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَالُ الْغَرَرِ فِيهَا، كَمَا احْتَمَلَتْ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ بَيْعِ الشَّاةِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَ التَّمْرِ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ فِي بَيْعِ الدَّارِ. (المغني).

стр. 1526

• ما الحكم لو وقع العقد على هذا البيع؟ لو وقع العقد على هذا البيع لكان البيع باطلاً، لأن النهي عائد إلى ذات المنهي عنه. لكن استثنى العلماء: إذا باعه بشرط القطع، لأن عاهته مضمونة، لأنه سيقطع الآن قبل أن يتعرض للعاهات، وهذا ليس من إضاعة المال، لأنه يمكن أن يجعله علفاً لبهائمه، لكن لو علمنا أنه سيأخذه ليرميه في الأرض، فهذا يمنع. • ما الحكم لو باع البستان جميعاً؟ تحرير محل النزاع: أولاً: لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز بيع جنس، ببدو الصلاح في جنس آخر. ثانياً: لا خلاف بين العلماء في أن الشجرة إذا بدا صلاحها يجوز بيعها. ثالثاً: اختلف العلماء في جواز بيع النوع الواحد والجنس الواحد، بصلاح بعض أشجاره: القول الأول: أنه إذا بدا الصلاح في الشجرة جاز سائر أنواعها من الجنس الواحد، فإذا بدا في السكري - مثلاً - جاز بيع جميع النخيل في البستان مهمات أنواعه. وهذا مشهور مذهب الشافعية، ومذهب المالكية. أ- قالوا: إن أنواع الجنس الواحد يتلاحق طيبها عادة. ب- لو لم نقل بجواز بيع الجنس الواحد ببدو الصلاح في بعضه، لأدى ذلك إلى المشقة والضرر بسوء المشاركة، والمشقة والضرر مرفوعان في الشريعة الإسلامية. القول الثاني: إذا بدا في شجرة جاز بيع سائر أنواعها في البستان، دون الأنواع الأخرى. فلو بدأ الصلاح في النخل السكري جاز بيعه، لكن لو بدأ في السكري لم يجز بيع غيره لم يبدو صلاحه. وهذا قول عند الشافعية، ومشهور مذهب الحنابلة. أ-القياس على الشجرة الواحدة. ب- اعتبار بدو الصلاح في الجميع يشق، ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي، فوجب أن يتبع مالم يبد صلاحه من نوعه ما بدا. القول الثالث: يشترط لجواز بيع الثمرة أن يبدو الصلاح في كل شجرة من شجر الثمرة المبيعة. وهذا قول عند الحنابلة. أ- لدخول ما لم يبدو صلاحه في عموم النهي ب- مالم يبدو صلاحه لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع كالجنس الآخر. والراجح القول الأول … (الجوائح وأحكامها).

стр. 1527

٨٥٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا. بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: - أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ اَلْجَوَائِحِ -. === (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ) (من) بمعنى (على). (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي: أصابت ذلك الثمر آفة. (فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا) أي: من أخيك، وهذا صريح في التحريم. (بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي: في مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة. (بِغَيْرِ حَقٍّ) تأكيد للإنكار في أخذه. • ما تعريف الجائحة؟ قال ابن قدامة: الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها. وقال ابن تيمية: الجائحة هي الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد. وقال القرطبي: الجائحة ما اجتاحت المال، وأتلفته إتلافاً ظاهراً، كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو، وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهراً. فالجائحة إذاً: هي كل آفة لا صنع للآدمي فيها، فيدخل في ذلك المطر الشديد، والحر والبرد، والريح، والجراد، والغبار المفسد ونحو ذلك من الآفات السماوية. مثالها: انسان باع على أخيه ثمر عنب فقدر أنه جاء حر شديد فتلفت هذه العنب أو مطر مصحوباً ببرد فأتلفه. • ما معنى (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ اَلْجَوَائِحِ)؟ أي: أمر بإسقاطها، وعدم المطالبة بها، يعني أن من اشترى ثماراً فأصابتها آفة سماوية كالبَرَد - بفتحتين - والحر الشديدين والجراد ونحو ذلك من الآفات التي تعرض للثمار، فإنه لا يحل للبائع أن يُطالب بثمنها. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: الأمر بوضع الجوائح، (أي: أن تلف الثمار المبيعة بجائحة يكون من مال البائع)، وهذا قول أكثر العلماء. قال ابن قدامة: ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع. وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم: يحيي بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الشافعي في القديم. قال الحافظ في الفتح: استُدل بهذا الحديث على وضع الجوائح في الثمر يُشترَى بعد بدو صلاحه، ثم تصيبه جائحة. فهذا مذهب المالكية، والحنابلة، والشافعية في القديم. أ- لقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل … ). وجه الدلالة: أن الله نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وأخْذ البائع الثمن من المشتري بعد أن تلفت الثمرة بجائحة قبل تمام نضجها نوع مما نهى الله عنه، لأنه أخذه بدون مقابل، حيث لم يحصل للمشتري مقصوده من العقد، وهو أخذ الثمرة بعد تمام نضجها. ب- لحديث الباب (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟). ج- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ اَلْجَوَائِحِ).

стр. 1528

وجه الدلالة من الحديثين: دل الحديثان على وجوب وضع الجوائح بالنص الصريح، أما الأول فقد جاءت دلالته على وجوب وضع الجوائح بصريح التحريم، حيث نفى النبي ﷺ حل أخذ شيء من مشتري الثمرة إذا أجيحت، ثم أكد حرمته بصيغة الاستفهام الإنكاري، ووصفه بأنه غير حق. ودل عليه الحديث الثاني بالأمر الصريح، والأمر يقتضي الوجوب مالم يصرفه صارف، ولم يوجد، فدل الحديثان على وجوب وضع الجوائح. قال الشيخ عبد الله الفوزان: وجه الاستدلال: أولاً: أن النبي ﷺ نفى حل أخذ شيء من مشتري الثمرة إذا اصابتها جائحة. ثانياً: أن النبي ﷺ أكّد حرمة أخذ مال المشتري بصيغة الاستفهام الإنكاري، ووصفه بأنه غير حق. ثالثاً: أنه أمر أمراً صريحاً بوضع الجوائح، والأمر يقتضي الوجوب. • هل هناك فرق بين قليل الجائحة وكثيرها؟ اختلف العلماء بذلك على قولين: القول الأول: يوضع قليل الجائحة وكثيرها. وإليه ذهب الإمام أحمد في أشهر الروايتين عنه، وأبو عبيد وغيره من فقهاء الحديث. أ- لعموم الأحاديث الواردة في الأمر بوضع الجوائح، فإن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح، وما دون الثلث داخل فيه فيجب وضعه. ب- ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها، فكان ما تلف منها من مال البائع وإن كان قليلاً. القول الثاني: لا توضع الجائحة إلا إذا بلغت الثلث. وهو قول مالك في جوائح الثمار. أ-قالوا: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْكُلَ الطَّيْرُ مِنْهَا، وَتَنْثُرَ الرِّيحُ، وَيَسْقُطَ مِنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَابِطٍ وَاحِدٍ فَاصِلٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْجَائِحَةِ، وَالثُّلُثُ قَدْ رَأَيْنَا الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا؛ الْوَصِيَّةُ، وَعَطَايَا الْمَرِيضِ، وَتَسَاوِي جِرَاحِ الْمَرْأَةِ جِرَاحَ الرَّجُلِ إلَى الثُّلُثِ. ب-وَلِأَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَمَا دُونَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوَصِيَّةِ (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ آخِرُ حَدِّ الْكَثْرَةِ، فَلِهَذَا قُدِّرَ بِهِ. والراجح الأول، لعموم أحاديث وضع الجوائح. تنبيه: قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا تَلِفَ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَادَةِ، وَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ، فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. • ما الحكم لو فرط المشتري وتأخر في جذاذ النخل مثلاً؟ لو فرط المشتري وتأخر في جذاذ النخل - مثلاً - عن وقته المعتاد فأصابته جائحة بمطر - مثلاً - فهو من ضمانه لا من ضمان البائع، لتفريطه بترك نقل الثمرة في وقت نقلها مع قدرته. • ما حكم الجائحة إذا كانت بفعل آدمي؟ إذا كانت الآفة بفعل الآدمي فيطالب به الجاني. • هل السرقة تعتبر جائحة؟ السرقة لا تعتبر جائحة على القول الراجح.

стр. 1529

٨٥٦ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنِ اِبْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ اَلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ اَلْمُبْتَاعُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (مَنِ اِبْتَاعَ) أي: اشترى. (نَخْلًا) أي: باع أصل النخل. (بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ) التأبير هو التلقيح، وهو وضع طلع الفحل من النخل بين طلع الإناث. (اَلْمُبْتَاعُ) أي: المشتري. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن من اشترى نخلاً بعد التأبير فثمرتها للبائع. وأنه لو باعها قبل التأبير فثمرتها للمشتري لمفهوم الحديث. وهذا مذهب جماهير العلماء. لحديث الباب، فهو صريح بذلك، فهو يدل على أن ثمرة النخل المبيع يكون للبائع بعد التأبير ما لم يشترطه المبتاع. قال ابن حجر: وقد استدل بمنطوقه على أن من باع نخلاً وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع بل تستمر على ملك البائع، وبمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة أنها تدخل في البيع وتكون للمشتري وبذلك قال جمهور العلماء. وقال القرطبي: وإذا تقرَّر هذا، فظاهر هذا الحديث يقتضي بلفظه: أن الثمرة المأبورة لا تدخل مع أصولها إذا بيعت الأصول إلا بالشرط، ويقتضي دليل خطابه: أن غير المأبورة داخلة في البيع. وهو مذهب مالك، والشافعي، والليث. وذهب أبو حنيفة: إلى أن الثمرة للبائع قبل الإبار وبعده. وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري قبل الإبار وبعده. وهذا القول مخالف للنص الصحيح، فلا يلتفت إليه. وأما أبو حنيفة فالخلاف معه مبين على القول بدليل الخطاب، فهو ينفيه، وخصمه يثبته. والقول بدليل الخطاب في مثل هذا ظاهر؛ لأنه لو كان حكم غير المؤبر حكم المؤبر لكان تقييده بالشرط لغوًا لا فائدة له. فإن قيل: فائدته التنبيه بالأعلى على الأدنى. قيل له: ليس هذا بصحيح لغة ولا عرفًا، ومن جعل هذا بمنزلة قوله تعالى (فلا تقل لهما أفّ) تعين أن يقال لفهمه: أفّ، وتف. (المفهم) • ما الحكمة من ذلك؟ الحكمة: لأن البائع عمل في هذه الثمرة عملاً يصلحها، لأن التأبير يصلح الثمرة، فلما عمل فيها عملاً يصلحها، تعلقت بها وصار له تأثير فيها، وبذلك جعلها الشارع له. • ما الحكم لو اشترط المشتري أن تكون له الثمرة بعد التأبير؟ يصح ذلك. لقوله (إلا أن يشترط المبتاع). • هل يجوز للبائع إبقاء الثمرة على رؤوس الشجر إلى وقت الجذاذ؟ قيل: للبائع إبقاؤها إلى الجذاذ. وهذا مذهب جمهور العلماء. وقيل: يجب على البائع قطع ثمرته من أصل المبيع في الحال. وإليه ذهب الحنفية. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ ١. يلحق بالتمر ما عداه كالعنب، والتين، والبرتقال. ٢. جواز الشروط في البيع، لكن بشرط ألا تخالف الشريعة. لقوله ﷺ (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط) متفق عليه. ٣. هذا الحكم في هذا الحديث إنما هو لعام واحد، وأما السنوات القادمة فهي للمشتري.

стр. 1530

أَبْوَابُ اَلسَّلَمِ وَالْقَرْضِ، وَالرَّهْنِ ٨٥٧ - عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (قَدِمَ اَلنَّبِيُّ ﷺ اَلْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي اَلثِّمَارِ اَلسَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه وَلِلْبُخَارِيِّ (مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ) ٨٥٨ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَا (كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ -وَفِي رِوَايَةٍ: وَالزَّيْتِ- إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. === (قَدِمَ اَلنَّبِيُّ ﷺ اَلْمَدِينَةَ) أي: جاء إليها مهاجراً. (وَهُمْ يُسْلِفُونَ) الواو فيه للحال، أي: وأهل المدينة من الأوس والخزرج وغيرهم يتعاملون بالسلف، أي بالسلم. (وسيأتي تعريفه إن شاء الله) (اَلسَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ) أي: مدة سنة أو مدة سنتين، يعني يدفعون المال إلى من يتعاملون معه بالسلم، ويكون تسليم الثمار مؤجلاً إلى سنة أو إلى سنتين بعد تسليم الثمن. (أسلف) وعد في عقد صفقة سلم. (كيل معلوم) مقدار محدد من الكيل مع ضبط نوع الكيل. (ووزن معلوم) أي: فيما يوزن. (أجل معلوم) أي: وقت محدد. (الْمَغَانِمَ) جمع مغنم، وهي الأموال التي يأخذها المسلمون من الكفار قهراً. (أَنْبَاطٌ) هم قوم من العرب دخلوا في العجم فاستعجموا فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، سموا بذلك لكثرة معرفتهم بإنباط الماء، أي: استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة. • عرف السلم؟ السلَم لغة: هو السلف وزناً ومعنى، وسميَ سلماً لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفاً لتقديم رأس المال. وشرعاً: عقد على موصوف في الذمة مؤجل، بثمن مقبوض في مجلس العقد. (عقد على موصوف) خرج به العقد على معين، فليس بسلم (مؤجل) لا بد أن يكون هناك تأجيل. (بثمن مقبوض في مجلس العقد) لا بد أن يقبض الثمن كاملاً في مجلس العقد. • اذكر أدلة مشروعيته. السلم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوه). وأما السنة: فلحديث الباب. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز. وقال الحافظ في الفتح: واتفقوا على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب. مثاله: أن أعطي رجل ١٠٠ ريال، على أن يعطيني بعد سنة ١٠٠ كيلو من الأرز.

стр. 1531

• ما الحكمة منه؟ من أجل التوسعة، لأن الإنسان يحتاج إلى نقود وعنده تمر أو صنعة تتأخر، فيحتاج إلى شراء أدوات لصنعته أو ثمرته. فالزارع يبدأ زرعه في شهر ربيع الثاني مثلاً، ولا يحصده إلا في شهر شعبان أو بعده، ففي هذه المدة هو بحاجة إلى دراهم لشراء البذور أو نفقة عماله أو عياله، أو آلاته، وأنت عندك دراهم لست بحاجة إليها، فنقول له: أنا أشتري منك براً بأنقص من قيمته [مثلاً يساوي الصاع ريالين، وأنت تقول: أشتريه الآن بريال] فكل منكما انتفع، فالأول احتاج المال وأخذه، والثاني اشتراه رخيصاً. • اذكر شروط صحة السلم؟ أولاً: أن يكون لأجل معلوم. لقوله ﷺ (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) كشهر أو شهرين أو أكثر أو أقل بحسب الاتفاق. فلا يصح أن يكون مجهولاً. لو قال: أسلمت إليك مائة درهم بمائة صاع من البر إلى قدوم زيد، فهذا لا يجوز، لأن مقدم زيد غير معلوم. • اختلف العلماء في مقدار الأجل في السلم على أقوال: فقيل: لا فرق بين الأجل القريب والبعيد، فلو قدره بنصف يوم جاز. وقيل: أقله ثلاثة أيام. والصحيح أنه لا بد من أجل له وقع في الثمن، يعني أن الثمن ينقص به، أما ما لا يتأخر به الثمن فهذا غير مؤجل، وبناء على ذلك يمكن أن تختلف المدة باعتبار المواسم. • ما الحكم لو قال: إلى الجذاذ أو إلى الحصاد؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يصح. وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي. قالوا: لأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد فلا يجوز. القول الثاني: أنه يصح. وهذا مذهب مالك واختيار ابن تيمية. قالوا: إنه أجل يتعلق بوقت من الزمن يعرف في العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتاً كثيراً، فأشبه إذا قال: إلى رأس السنة. وهذا القول هو الصحيح. • ما الحكم إذا أسلم في جنس إلى أجلين وبالعكس؟ يجوز، لكن لابد أن يبين قسط كل أجل. مثال: أن يقول أسلمت إليك مائة درهم بمائة صاع من البر حنطة، لكن إلى أجلين، يحل بعضها في رجب وبعضها في شوال، فهذا يصح، لكن لابد أن يبين قسط كل أجل، فيقول: يحل منه خمسون في رجب، وخمسون في شوال، حتى لا يكون فيه جهالة.

стр. 1532

• ما الحكم إذا أسلم في جنسين إلى أجل واحد؟ يجوز. مثال: أسلمت إليك مائة درهم في تمر سكري، وبرحي، يحل في شوال، فهذا يصح، لكن لابد أن يبين كل جنس وثمنه، فيقول مثلاً: أسلمت إليك في البر والتمر، خمسين صاعاً من البر، وخمسين صاعاً من التمر. الشرط الثاني: أن يكون معلوم القدر. لقوله ﷺ (مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ). فإذا لم يكن معلوم القدر فسد السلم، لجهالة قدر المسلم فيه، وإفضاء ذلك إلى الخصومة والنزاع. مثال: إذا قال: أسلمت إليك ألف ريال بمائة صاع بر أو بمائة كيلو قطن صح. - فإن كان مما لا يكال ولا يوزن فلابد فيه من عد معلوم، أو ذرع معلوم، إلحاقاً للعد والذرع بالكيل والوزن، بجامع عدم الجهالة بالقدر في كلٍّ، فيجوز السلم في البيض ونحوه عدداً. الشرط الثالث: أن يقبض الثمن بمجلس العقد. وهذا موضع إجماع بين العلماء، إلا أن مالكاً أجاز تأخيره نحو يوم أو يومين أو ثلاثة بناء على أنه شيء يسير. - وجمهور العلماء قالوا: بفساد عقد السلم بالتفرق قبل القبض، لأنه يصير من باب بيع الدَّيْن بالدّين. - إذا قبض بعض الثمن ثم تفرقا ثم قبض البقية، فالراجح في هذه المسألة أنه يصح فيما قبض ويبطل فيما لم يقبض. فلو أسلم في مائة كيلو من التمر بألف ريال، وأعطاه خمسمائة ريال في المجلس، صح في نصف المسلم فيه، ومالم يقبض بطل فيه ويعقد عليه عقداً آخر. الشرط الرابع: ضبط صفات المسلم فيه - وهو الشيء المبيع -. والمراد الصفات التي لها أثر في اختلاف الثمن، بأن يذكر كل وصف يختلف بسببه الثمن اختلافاً ظاهراً، مثل ذكر اللون في الثياب، أو أنه قديم أو جديد، ولابد أن يبين النوع إن كان للجنس أكثر من نوع، فيبين أن الأرز من النوع الهندي مثلاً، وفي السمن يبين أنه سمن بقر أو غنم، والتمر يبين أنه سكري أو شقراء أو نحوهما. أ- لترتفع الجهالة. ب- وتسد الأبواب التي تفضي إلى المنازعة عند التسليم. الشرط الخامس: أن يكون المسلم فيه عام الوجود. قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه خلافاً، وذلك أنه إذا كان كذلك أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه. فالقدرة على التسليم شرط، ولا يتحقق إلا إذا كان عام الوجود. فلو أسلم إليه مائة ريال بمائة كيلو عنب يحل وسط الشتاء لم يجز، لأن المسلم فيه لا يوجد وقت حلول الأجل.

стр. 1533

• وهل يشترط كون المسلم فيه موجوداً حال السلم؟ القول الأول: لا يشترط. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. أ-لأن النبي ﷺ قال (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم). ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطاً لذكره ولنهاهم عن السلف سنتين. ب- ولأنه ليس وقت وجوب التسليم. القول الثاني: أنه يشترط. وهذا قول الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. والأول أصح. مثال: لو أجرى عقد السلم في وقت الشتاء على رطب صح. • ما حكم بيع المسلم فيه قبل قبضه؟ قال ابن قدامة: أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافاً. • ما حكم الإسلام في الحيوانات؟ اختلف العلماء في حكم الإسلام في الحيوانات على قولين: القول الأول: لا يصح السلم في الحيوانات. وهذا مذهب أبي حنيفة. أ- لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ نهى عن السلم في الحيوان) رواه الحاكم وهو ضعيف. ب-ولأن الحيوانات تختلف اختلافاً متبايناً فلا يمكن ضبطه. القول الثاني: أنه يصح السلم في الحيوان. قال ابن المنذر: ومما روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوانات، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ومالك، وأحمد. قالوا: قياساً على جواز القرض فيه، فقد روى مسلم أنه ﷺ اقترض بكراً. وهذا القول هو الصحيح. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ ١. حرصت الشريعة على سد كل باب يؤدي إلى التنازع والتباغض والخصومات. ٢. السلم من بيوع الجاهلية التي أقرها الشرع، لكن أضاف بعض الشروط التي تبعد الخصومات والتنازع.

стр. 1534

٨٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اَللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اَللَّهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ اَلنَّاسِ) هذا عام في أخذ الأموال عن طريق القرض، أو البيع إلى أجل، أو الشركة، أو العارية، أو أي معاملة من وجوه المعاملات الأخرى. (يُرِيدُ أَدَاءَهَا) أي: عند أخذه لها كانت نيته الوفاء والأداء مما يرزقه الله تعالى. (أَدَّى اَللَّهُ عَنْهُ) تأدية الله عنه يشمل تيسيره تعالى لقضائها في الدنيا بأن يعينه الله يوسع رزقه، ويسوق له من المال ما يقضي به دينَه لحسن نيته، ويشمل أداءها عنه في الآخرة بإرضائه غريمه بما شاء الله، فإن فاته الأول في دار الدنيا لم يفته الثاني - إن شاء الله - في الدار الآخرة لحسن نيته. (وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا) أي: عند أخذه لها لم تكن نيته الوفاء، بل يريد إتلاف ما أخذ على صاحبه، وهو يشمل ما إذا إدّان وليس عنده نية الوفاء، أو أخذها بلا حاجة وإنما يريد إتلافها على صاحبها. (أَتْلَفَهُ اَللَّهُ) في الدنيا بإتلاف الشخص نفسه وإهلاكه، ويدخل فيه إتلاف ماله وجاهه وطيب عيشه وتضييق أموره وتعسيره مطالبه. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: الترغيب في حسن النية عند الاستدانة من الناس، وأن من استدان ونيته الوفاء أعانه الله. فقد روى النسائي: عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ (أَنَّ مَيْمُونَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَدَانَتْ فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تَسْتَدِينِينَ وَلَيْسَ عِنْدَكِ وَفَاءٌ، قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَخَذَ دَيْنًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، أَعَانَهُ اللَّهُ • اذكر حالات المدين؟ للمدين له حالات: الحالة الأولى: إذا أخذ الدين بنية عدم الوفاء. فإنه آثم سواء مات ولم يوفه أو أعسر في حياته، فإنه يؤاخذ يوم القيامة. لأنه غير معذور بالاستدانة، ولأنه قصد استهلاك مال المسلم بغير وجه حق، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال الله تعالى (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ … ) ومما يدل على ذلك أيضاً: أ-حديث أَبي هُرِيْرَةَ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قال (مَنْ كَانتْ عِنْدَه مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ، مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيتَحَلَّلْه منْه الْيوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَملٌ صَالحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقدْرِ مظْلمتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيِّئَاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) رواه البخاري ب-وعنه. قال: قال ﷺ (أتدْرُون من الْمُفْلِسُ؟ قالُوا: الْمُفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ. فقال: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقيامةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وزَكَاةٍ، ويأْتِي وقَدْ شَتَمَ هذا، وقذَف هذَا وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسفَكَ دَم هذَا، وَضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذَا مِنْ حسَنَاتِهِ، وهَذا مِنْ حسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حسناته قَبْلَ أَنْ يقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرحَتْ علَيْه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ) واه مسلم. ج-وعن أَبِي هريرة أَنْ رسولَ اللَّه ﷺ قال (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقيامَةِ حَتَّى يُقَادَ للشَّاةِ الْجَلْحَاء مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاء) رواه مسلم

стр. 1535

فهذه الأحاديث تبين عظمة حقوق الغير، سواء كانت في النفس، أو في العرض، أو في المال، وأن من ظلم مسلماً في شيء منها فإنه مؤاخذ به يوم القيامة، وأن الله يقتص منه لخصمه، وأن هذا الأمر سبب عظيم لدخول النار كما نصت عليه الأحاديث. الحالة الثانية: إذا الدين في مباح وبنيته الوفاء. فإن مات قبل الوفاء من غير تقصير منه، فإن الله يقضي عنه دينه يوم القيامة، فيعوض دائنيه فضلاً منه وتكرماً، وأما المدين فلا مؤاخذة عليه لعدم تقصيره أو تفريطه. قال ابن حجر: من مات قبل الوفاء بغير تقصير منه كأن يُعسر مثلاً … وكانت بنيته وفاء دينه، ولم يوفَ عنه في الدنيا، … الظاهر أنه لا تبِعة عليه والحالة هذه في الآخرة، بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين، كما دل عليه حديث الباب. وقال ابن عبد البر: ومن أدَان في حق واجب لفاقة أو عسرة، ومات ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه عن الجنة -إن شاء الله- لأن على السلطان فرضاً أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء. • الحديث دليل على وجوب المسارعة في أداء الديون، وتحريم المماطلة. أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (مطل الغني ظلم) متفق عليه. المطل: منع أداء ما استحق أداؤه. الغني: القادر على السداد. ب- وعن عمرو بن الشريد عن أبيه. قال: قال ﷺ (لي الواجد يحل عرضَه وعقوبَته) رواه ابن ماجه. (لَيْ) اللي: المطل. (الواجد) الواجد: هو القادر على قضاء دينه. (عرضه) أي: لصاحب الدين أن يذمه ويصفه بسوء القضاء، وفسره وكيع في هذا: بشكايته، وكذا سفيان عند البخاري معلقاً. (وعقوبَته) أي: حبسه، كما فسره وكيع في هذا الحديث. ففي هذه الأحاديث تحريم المماطلة، ولذلك قسم بعض الفقهاء المدين إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مدين غني قادر مقتدر على الوفاء بجميع ديونه. فهذا يجب عليه وفاء دينه لغريمه في وقته. فإن لم يفِ وأراد المماطلة، فلصاحب الحق أن يغلظ عليه بالقول، لأنه صاحب حق، وصاحب الحق له مقال، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، فقد روى البخاري عن أبي هريرة (أن رجلاً أنى النبي ﷺ يتقاضاه، فأغلظ له، فهمّ به الصحابة، فقال: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً) قال ابن عبد البر: والدليل على أن مطل الغني ظلم لا يحل، ما أبيح منه لغريمه من أخذ عوضه والقول فيه بما هو عليه من الظلم وسوء الأفعال، ولولا مطله له كان ذلك فيه غيبة وقد قال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) يريد من بعضكم على بعض ثم أباح لمن مطل بدينه أن يقول فيمن مطله قال ﷺ (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) واللي المطل والتسويف والواجد الغني. (التمهيد)

стр. 1536

وقال ابن قدامة: إذَا امْتَنَعَ الْمُوسِرُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلِغَرِيمِهِ مُلَازَمَتُهُ، وَمُطَالَبَتُهُ، وَالْإِغْلَاظُ لَهُ بِالْقَوْلِ، فَيَقُولُ: يَا ظَالِمُ، يَا مُعْتَدٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لَيُّ الْوَاجِدِ، يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ) فَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ، وَعِرْضُهُ أَيْ: يُحِلُّ الْقَوْلَ فِي عِرْضِهِ بِالْإِغْلَاظِ لَهُ، وَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) وَقَالَ (إنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا). (المغني). فإذا امتنع المدين عن الوفاء، وماطل وهو معلوم الملاءة، فإنه يحبس، وبهذا قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. وهو مروي عن عدد من قضاء السلف منهم: شريح، والشعبي، وابن أبي ليلى. قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ قولهم من علما الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الديْن. القسم الثاني: مدين معسر معدم. فهذا إذا تحقق إعساره فلا يجوز تغليظ القول عليه، بل يجب تركه وإنظاره إلى ميسرة. لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ). قال السعدي ﵀: (وَإِنْ كَانَ) المدين (ذُو عُسْرَةٍ) لا يجد وفاء (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) وهذا واجب عليه أن ينظره حتى يجد ما يوفي به. وقال الشيخ محمد بن عثيمين: ومن فوائد الآية: وجوب إنظار المعسر - أي: إمهاله حتى يوسر، لقول الله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) فلا تجوز مطالبته بالدين، ولا طلب الدين منه. ولأن التغليظ في القول والحبس لدفع الظلم لإيصال الحق إلى مستحقه، والمعسر لا ظلم منه لعدم قدرته على الوفاء، ولأنه إذا كان غير مستطيع وفاء دينه لا يكون الحبس مفيداً في حقه، لأن الحبس شرع للتوصل إلى قضاء الديْن، لا لعينه، وهذا أمر قد قال به عامة الفقهاء. القسم الثالث: مدين معسر غير معدم، له من المال ما يكفي لبعض ديونه لا كلها. فهذا المدين يحق لدائنيه رفع أمره إلى القاضي متى ما ركبته الديون وزادت عن ماله، وهذا القسم سياتي الكلام عليه - إن شاء الله - في باب الحجر إن شاء الله، (والمفلس: من كان دينه أكثر من ماله). • ما حكم إعانة المدين المعسر؟ مستحب وفيه أجر كبير. عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم. (نفّس) أي: فرّج. (كُربة) أي: الكربة الخصلة الي يحزن بها. قال الإمام النووي في شرح الحديث: ومعنى نفس الكربة: أزالها. وفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على المسلمين، وقد سبق تفصيله، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، إن كان هذا شرطاً في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيدون هذه المسألة به، لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس ويغفل عنه بعض المبتدئين ونحوهم. (شرح مسلم)

стр. 1537

• ماذا يستحب للدائن؟ أولاً: يستحب له السماحة في طلب الدين. لحديث جابر. قال: قال ﷺ (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) رواه البخاري. ولفظ الترمذي (غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى) زاد أحمد (سهلاً إ). قوله (سمحاً) قال ابن حجر: أي سهلاً وهي صفة مشبهة تدل على الثبوت، فلذلك كرر أحوال البيع والشراء والتقاضي، والسمح الجواد، يقال: سمح بكذا أي: إذا أجاد، والمراد هنا المساهلة. (وإذا اقتضى) أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف. ثانياً: إنظاره إذا كان معسراً. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا. فَلَقِىَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْه) متفق عليه. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيماً لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَقَالَ إِنِّى مُعْسِرٌ. فَقَالَ آللَّهِ قَالَ آللَّهِ. قَالَ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ) رواه مسلم. وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أظَلَّهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ) رواه الترمذي. وعن أبي اليسر. قال: قال ﷺ (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ) رواه مسلم. ثالثاً: الوضع عنه. للحديث السابق (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ). ولحديث أبي قتادة السابق (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ). أنظر معسراً: أي أمهله في قضاء الدي، وضع عنه: أي تجاوز عن الدين أو بعضه. • ماذا يستحب للمدين؟ أولاً: أخذ الدين بنية الوفاء. لحديث الباب. ولرواية النسائي (من أخذ ديْناً وهو يريد أن يؤديه أعانه الله . ثانياً: حسن القضاء. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً - فَقَالَ لَهُمُ - اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ». فَقَالُوا إِنَّا لَا نَجِدُ إِلاَّ سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ. قَالَ «فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ - أَوْ خَيْرَكُمْ - أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) متفق عليه.

стр. 1538

عَنْ أَبِى رَافِعٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْراً فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَاراً رَبَاعِياً. فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً) متفق عليه. • عرف القرض؟ القرض لغة: هو القطع، ومنه المقراض الذي يقطع به. القرض: هو إعطاء مال لمن ينتفع به ويرد بدله. قول (ويرد بدله) خرج بذلك العارية، لأن العارية لا يرد بدلها وإنما يرد عينها. - وسمي قرضاً: لأن المقرض يقطع جزءاً من ماله للمقترض. • هل القرض من عقود المعاوضات أو من عقود التبرعات؟ القرض من عقود التبرعات. العقود تنقسم إلى (٣) أقسام: الأول: عقود تبرعات (كالقرض، والهبة، والوصية). الثاني: عقود معاوضات (كالبيع، والإجارة). الثالث: عقود توثيقات (كالرهن، والضمان). • ما حكم القرض؟ حكمه للمقرِض: سنة. قال الشوكاني: وفي فضيلة القرض أحاديث وعموميات الأدلة القرآنية والحديثية القاضية بفضل المعاونة وقضاء حاجة المسلم وتفريج كربته وسد فاقته شاملة له، ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته. أ-قال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، والقرض إحسان. ب-وقال تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة). وجه الدلالة: أن هذه الآية عامة في الصدقة والإنفاق في سبيل الله، ويدخل في ذلك القرض، ولهذا قالوا: إن الله ﵎ شبه الأعمال الصالحة والإنفاق في سبيل الله بالمال المقرض، وشبه الجزاء المضاعف على ذلك ببدل القرض وهذا يدل على فضيلة القرض. ج-وقال تعالى (وأقرضوا الله قرضاً حسناً). د- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم. هـ- وعن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من منح منيحة لبن أو ورِق، أو هدى زقاقاً كان له مثل عتق رقبة) رواه الترمذي. قال الترمذي: ومعنى قوله (من منح منيحة ورق) إنما يعني به قرض الدراهم. (أو هدى زقاقاً) يعني به هداية الطريق.

стр. 1539

قال الحافظ في الفتح: المنيحة بالنون والمهملة وزن عظيمة هي في الأصل العطية، قال أبو عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين: أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، والآخر: أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنا ثم يردها، وقال القزاز: قيل لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة والأول أعرف. وقال المباركفوري: قوله: (من منح) أي أعطى (منيحة لبن أو ورق) بكسر الراء وسكونها أي فضة، قال الجزري في النهاية منحة الورق القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثم يردها، ومنه الحديث (المنحة مردودة). د- وعن ابن مسعود. قال: قال ﷺ (ما من مسلم يقرض قرضاً مرتين إلا كصدقتها مرة) رواه ابن ماجه. وأما بالنسبة للمقترض فمباح. • ما الذي يصح قرضه؟ كل شيء يصح بيعه يصح قرضه إلا بني آدم: فيصح قرض الحيوانات، والأواني، والكتب، والطاولات، .. (إلا بني آدم) أي الأرقاء، قالوا: لئلا يؤدي إلى أن يستقرض أمَة فيجامعها. • هل يتأجل القرض بالتأجيل؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن القرض لا يلزم تأجيله بالتأجيل، ولا يكون إلا حالاً. وهذا قول جمهور العلماء، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة. أ- لقوله تعالى (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ). قالوا: نفي السبيل عنهم على وجه نصوصية الاستغراق، فلو لزم تحقق سبيل عليه. ب- أن القرض من عقود التبرعات، فهو صلة في الابتداء، فلو لزم لكان سبباً في الخروج عن باب الإرفاق. ج- القياس على العارية في عدم لزومها. القول الثاني: صحة التأجيل ولزومه. وهذا قول مالك، والليث بن سعد، وهو قول بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم. أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وبقية النصوص الواردة في وجوب الوفاء بالعهد والوعد ب- ولقوله ﷺ (المسلمون على شروطهم) رواه الترمذي. ج-ولأن المطالبة به وهو مؤجل إخلاف للوعد، وقد قال ﷺ (آية المنافق ثلاث: .. وإذا وعد أخلف) متفق عليه. فالوعد يجب الوفاء به. د- القياس على سائر الدين، حيث لا يحق لصاحب الحق تعجيلها قبل أجلها، كثمن المبيع المؤجل (باتفاق) والأجرة المؤجلة. هـ-ما ثبت عن ابن عمر (أنه سئل عن القرض إلى أجل، فقال: لا بأس به، قال: وإن أعطى أفضل من دراهمه ما لم يشترط) أخرجه البخاري تعليقاً. و- أن الأصل في الديون جواز التأجيل، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ) وإخراج القرض من ذلك يحتاج إلى دليل، لأنه ديْن من الديون. وهذا القول هو الراجح، وقد نصره الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين.

стр. 1540

• ما الجواب عن قول أصحاب القول الأول: أن القرض من عقود التبرعات؟ الجواب: أن تأجيل القرض لا ينافي موضوع التبرعات، إذ القرض إحسان، وتأجيله إحسان آخر، وكون المقرِض ملزماً بالكف عن المطالبة حتى ينتهي الأجل، لا ينافي كونه متبرعاً، إذ هو ألزم نفسه برضاه مع علمه بأن النفع للمقترض. • ما حكم قرض المنافع؟ مثال: كأن يقول: احصد عندي هذا اليوم وأحصد عندك غداً، أو أن ينسخ له كتاباً على أن ينسخ له كتاباً آخر مثله. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز قرض المنافع. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة. أ- قالوا: إن من صحة القرض أن يكون معلوم القدر حتى يمكن رد بدله، والمنافع يصعب تقديرها، فلا تتحقق المماثلة الوا. ب- لأنه يكون من قبيل القرض الذي جر نفعاَ، وهو محرم. ج- أنه غير معهود في العادة والعرف. القول الثاني: أنه يجوز. وهو مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية. أ- أن القرض عقد إرفاق وقربة، ويتسامح فيه ما لا يتسامح في غيره من عقود المعاوضات. ب- أن الأصل في المعاملات الإباحة، وإذا قيل هذا في باب المعاوضات فباب الإرفاق والتبرع أولى بذلك وأحرى. والله أعلم بالراجح. • ما حكم إذا شرط المقرِض أن يوفيه في بلد آخر؟ كأن يقول: أقرضك بشرط أن توفيني به في مكان كذا. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: ستأتي المسألة إن شاء الله. • ما حكم ما يسمى بجمعية الموظفين؟ اختلف العلماء المعاصرين في حكم هذه الجمعية على قولين: القول الأول: الجواز. وإليه ذهب غالب هيئة كبار العلماء، وفي مقدمتهم الشيخ ابن باز ﵀ والشيخ ابن عثيمين ﵀. لأن الأصل في العقود الحل، فكل عقد لم يرد دليل شرعي يدل على تحريمه فهو جائز. أن في هذه المعاملة تعاوناً على البر والتقوى، فهي طريق لسد حاجة المحتاجين، وإعانة لهم على البعد عن المعاملات المحرمة كالربا أو التحايل عليه ببيع العينة. القول الثاني: أنها حرام.

стр. 1541

٨٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَاناً قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ، فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ بِنَسِيئَةٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. === - (بَزٌّ مِنَ الشَّامِ) بفتح الباء والزاي المشددة، نوع من الثياب الغليظة. (بِنَسِيئَةٍ) أي: يؤخر تسليم الثمن. (إِلَى مَيْسَرَةٍ) أي: مؤجلاً إلى وقت اليسر والسعة والغنى. • ما صحة حديث الباب؟ حديث صحيح، أخرجه الترمذي وأحمد أيضاً. • ما حكم البيع إلى ميسرة؟ البيع إلى الميسرة محل خلاف بين أهل العلم. فإن الميسرة أجل مجهول فلا يصح عند جماهير العلماء. قال الشيرازي في المهذب: إن باع بثمن مؤجل لم يجز إلى مجهول، كالبيع إلى العطاء، لأنه عوض في بيع، فلم يجز إلى أجل مجهول كالمسلم فيه. اهـ. وقال النووي في شرحه: اتفقوا على أنه لا يجوز البيع بثمن إلى أجل مجهول. انتهى. وجاء في (الموسوعة الفقهية) اتفق الفقهاء على عدم جواز التأجيل إلى ما لا يعلم وقت وقوعه ـ حقيقة أو حكماً ـ ولا ينضبط، وهو الأجل المجهول وذلك كما لو باعه بثمن مؤجل إلى قدوم زيد من سفره، أو نزول مطر، أو هبوب ريح، وكذا إذا باعه إلى ميسرة، واختلفوا في أثر هذا التأجيل على التصرف فيرى الحنفية والمالكية والشافعية ـ وهو رأي للحنابلة ـ أنه لا يصح العقد أيضا، وذلك لأنه أجل فاسد فأفسد العقد. ويرى الحنابلة أن الأجل المجهول في البيع يفسد، ويصح البيع، وفي السلم يفسد الأجل والسلم. انتهى. ومن أهل العلم من يستثني البيع إلى ميسرة من اشتراط معلومية الأجل. لحديث الباب. قال الصنعاني: فيه دليل على بيع النسيئة وصحة التأجيل إلى ميسرة. اهـ. والراجح هو قول الجمهور وأن البيع إلى الميسرة لا يصح، وهو من الأجل المجهول. وأما حديث الباب فالجواب عنه: قال البيهقي: هذا محمول على أنه استدعى البيع إلى الميسرة، لا أنه عقد إليها بيعا، ثم لو أجابه إلى ذلك أشبه أن يوقت وقتاً معلوماً، أو يعقد البيع مطلقاً ثم يقضيه متى ما أيسر. اهـ. قال ابن قدامة: إن قيل: فقد روي عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله ﷺ بعث إلى يهودي أن ابعث إلي بثوبين إلى الميسرة، قلنا: قال ابن المنذر: رواه حرمي بن عمارة، قال أحمد: فيه غفلة هو صدوق. قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته إذ لم يتابع عليه. ثم لا خلاف في أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. اهـ. وقال ابن حجر في فتح الباري، والعيني في عمدة القاري: الحق أنه لا دلالة فيه على المطلوب، لأنه ليس في الحديث إلا مجرد الاستدعاء فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشروطه، ولذلك لم يصف الثوبين. انتهى.

стр. 1542

• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ ١. جواز معاملة الكفار، والشراء منهم، والبيع لهم، وغير ذلك من التصرفات، وأنَّها لا تعتبر من موالاتهم والركون إليهم. ٢. فيه دليل على جواز الاستقراض، وأنه ليس من المسألة المذمومة. ٣. فيه دليل على أنَّ ما يأتي من الكفار من ثياب مصبوغة، أو أواني مُموَّهة، فالأصل في ذلك الطهارة. ٤. جواز بيع النسيئة. ٥. بيان لؤم اليهود وشحهم، وفساد طويتهم، وأنَّ هذه الأخلاق الذميمة والصفات الدنيئة متأصلة بأولهم وآخرهم، إلاَّ من أنقذه الله تعالى منهم باتباع الرسل، وهدي الأنبياء. ففي الحديث: عن عائشة قالت: (إنَّ فلانًا جاءه بزٌّ، فابعثْ إليه يبيعك ثوبين إلى الميسرة، فبعث إليه، فقال: قد عرفت ما يريد محمَّد، إنما يريد أن يذهب بثوبي -أي لا يعطيني دراهمي-. فبلغ ذلك النَّبي ﷺ فقال: قد كذب، لقد عرفوا أني أتقاهم لله " أو قال: "أصدقهم حديثًا، وآداهم للأمانة). ٦. حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه وتحمله.

стр. 1543

٨٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ اَلدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى اَلَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ اَلنَّفَقَةُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (اَلظَّهْرُ) المراد به الحيوان المعد للركوب. (بِنَفَقَتِهِ) أي: مقابل نفقته. (وَعَلَى اَلَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ اَلنَّفَقَةُ) النفقة: هي المؤنة من علف وسقي ورعاية ونحو ذلك. • عرف الرهن؟ الرهن: هو توثقة دينٍ بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها. مثال: في ذمتي لزيد (١٠٠) درهم فأرهنتك مسجل. فإذا كان الرهن أكثر من الدين فإنه يمكن استيفاء الدين من بعضها. وإذا الدين أكثر من العين المرهونة فإنه يمكن استيفاء بعضه منها. وإذا كان الدين بقدر العين فإنه يمكن استيفاؤه كله منها. • ما الحكمة من الرهن؟ توثقة الدين، فكما أن الدين يوثق بالشهود طمأنينة لقلب الدائن حفاظاً لحقه فكذلك يوثق بالرهن. • ما حكم الرهن؟ الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع: قال تعالى (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة). وعن عائشة. (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعاً من حديد) متفق عليه. وقال ابن قدامة: أجمع المسلمون على جواز الرهن. - جماهير العلماء على جواز الرهن في الحضر كما يشرع في السفر، لفعل الرسول ﷺ له وهو مقيم بالمدينة، وأما تقيده بالسفر في الآية فإنه خرج مخرج الغالب، لأن الرهن غالباً يكون في السفر. - قال ابن حجر ﵀ في قول البخاري في التبويب للحديث (في الحضر). فيه إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له، لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر، وهو قول الجمهور، واحتجوا له من حيث المعنى بأن الرهن شرع توثقة على الدين لقوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيده بالسفر لأنه مظنة فقد الكاتب فأخرجه مخرج الغالب. وخالف في ذلك مجاهد والضحاك فيما نقله الطبري عنهما فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر.

стр. 1544

• ما الذي يصح رهنه؟ كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه. لأن الرهن إذا كان مما لا يصح بيعه - كالخمر، والكلب والوقف - فإنه لا يمكن الاستيفاء منه إذا تعذر السداد. مثال: أقرضت شخصاً (١٠٠) ريال، وقلت له أعطني رهناً، فقال: أعطيك كلب صيد، فهذا لا يجوز، لأن الكلب لا يجوز بيعه، لأن مقصود الرهن لا يحصل منه. فيصح رهن السيارات والساعات والفرش والطاولات وكل شيء يجوز بيعه. - لا يصح رهن المجهول، وكذلك لا يصح رهن الوثائق الرسمية كبطاقة الأحوال، وجواز السفر ونحوهما، لأن هذه الوثائق الرسمية لا يمكن بيعها عند تعذر استيفاء الديْن. • ماذا يكون الرهن عند المرتهن؟ يكون أمانة عند المرتهن لا يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط كسائر الأمانات، فإذا احترقت أو سرقت من غير تعد ولا تفريط فإنه لا يضمنها. مثال: إنسان أخذ السيارة رهناً، لكن قدر أنها سرقت، فلا يضمنها لأنه لم يتعد ولم يفرط. مثال آخر: إنسان أخذ كتاباً رهناً، ووضع الكتاب في مكان آمن مع كتبه، لكن هذا الكتاب سرق، فإنه لا يضمن لأنه لم يتعد ولم يفرط. - التعدي: أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط: أن يترك ما يجب (في الحفظ). - فإن فرط أو تعدى فإنه يضمن. مثال: أخذ كتاباً رهناً ووضعه في الحوض، فجاء المطر فأتلفه، فهنا يضمن الكتاب لأنه مفرط. مثال آخر: أخذ السيارة رهناً، فاستعملها ففعل حادثاً فيها، فإنه يضمن، لأنه اعتدى، لأن هذه السيارة أمانة عنده، والأمانة صفتها لا تستعملها ولا تقصر في حفظها. - قاعدة (كل من قبض مال غيره بإذن من الغير أو من الشارع فهو أمانة عنده فلا يضمن إلا بتعد أو تفريط) • ما حكم انتفاع المرتهن بالرهن؟ يحرم على المرتهن أن ينتفع بالرهن، وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين: الأولى: ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه، فهذا لا يجوز الانتفاع به بغير إذن الراهن. قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً. الثانية: ما يحتاج إلى نفقة مما يركب ويحلب. فهذا اختلف العلماء في حكم انتفاع المرتهن بهذه الأشياء مقابل النفقة بغير إذنٍ من الراهن على قولين: القول الأول: يجوز للمرتهن الانتفاع إذا قام بنفقته ولو لم يأذن المالك، ويكون الانتفاع بقدر النفقة. كأن يكون الرهن دابة (بعيراً) واحتاج المرتهن إلى الركوب، فإنه يركبه ولو لم يستأذن من الراهن، لأن الشارع هو الذي أذن له، لأن الشارع جعل الانتفاع مقابل النفقة. وهذا مذهب الحنابلة.

стр. 1545

لحديث الباب (اَلظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ اَلدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا … ). وجه الدلالة: أن الحديث جعل المنفعة بدلاً وعوضاً عن النفقة، ومعلوم أن الراهن يستحق المنافع بملك الرقبة، لا بالنفقة، مما يدل على أن المراد المرتهن. القول الثاني: لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمركوب، أو المحلوب إذا لم يأذن له الراهن. إلى هذا ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية. أ- لحديث الآتي (لا يغلق الرهن من صاحبة، له غنمه وعليه غرمه). وجه الدلالة: أن الحديث جعل الغنم للراهن، ولا شك أن منافع الرهن من غنمه، والحديث لم يفرق بين مركوب أو محلوب. ب-إن الرهن لم يخرج المرهون من ملك الراهن، والراهن لم يأذن للمرتهن بالانتفاع، فالمرتهن كالأجنبي، والرهن كالوديعة. • ماذا أجاب جمهور العلماء عن حديث الباب؟ أجابوا بعدة أجوبة: أولاً: أن هذا الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. الثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر: لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه. ثانياً: أن المراد بالحديث: أن الرهن مركوب ومحلوب للمرتهن بإذن الراهن. ثالثاً: إن الحديث مجمل، لم يبيّن من الذي يركب ويشرب، هل هو الراهن أم المرتهن؟ • بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن هذه الاعتراضات؟ أما قولهم: إنه على خلاف القياس. فالجواب: بأن السنة الصحيحة من جملة الأدلة والأصول، فلا يجوز ردها بدعوى المخالفة للأصول، وهي لا ترد إلا بمعارض أرجح. وأما قولهم: إن المراد بإذن المالك. فالجواب: أن الحديث مطلق، إذ ليس فيه تعليق بالإذن. وأما قولهم: إن الحديث مجمل لم يبين هل هو الراهن أم المرتهن. فالجواب: إن الذي يركب ويشرب هو المرتهن لأمرين: الأول: أن الحديث يجعل الركب واللبن بدل النفقة، فإذا أنفق المرتهن ركب وشرب. الثاني: أنه قد ورد في رواية هشيم عن زكريا بلفظ (إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها … ). والقول الأول هو الراجح. وقد ذهب بعض العلماء إلى حمل الحديث على أنه يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن مركوباً ولبناً واستخدامه عند تعذر الإنفاق عليه من الراهن لامتناعه. قال ابن حجر في الفتح: وقد ذهب الأوزاعي، والليث، وأبو ثور إلى حمله على ما إذا أمتنع الراهن من الإنفاق على المرهون فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظاً لحياته، ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن بشرط أن لا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه وهي من جملة مسائل الظفر.
следующие страницы →