Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
٨٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَاناً قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ، فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ بِنَسِيئَةٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
===
- (بَزٌّ مِنَ الشَّامِ) بفتح الباء والزاي المشددة، نوع من الثياب الغليظة.
(بِنَسِيئَةٍ) أي: يؤخر تسليم الثمن.
(إِلَى مَيْسَرَةٍ) أي: مؤجلاً إلى وقت اليسر والسعة والغنى.
• ما صحة حديث الباب؟
حديث صحيح، أخرجه الترمذي وأحمد أيضاً.
• ما حكم البيع إلى ميسرة؟
البيع إلى الميسرة محل خلاف بين أهل العلم.
فإن الميسرة أجل مجهول فلا يصح عند جماهير العلماء.
قال الشيرازي في المهذب: إن باع بثمن مؤجل لم يجز إلى مجهول، كالبيع إلى العطاء، لأنه عوض في بيع، فلم يجز إلى أجل مجهول كالمسلم فيه. اهـ.
وقال النووي في شرحه: اتفقوا على أنه لا يجوز البيع بثمن إلى أجل مجهول. انتهى.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) اتفق الفقهاء على عدم جواز التأجيل إلى ما لا يعلم وقت وقوعه ـ حقيقة أو حكماً ـ ولا ينضبط، وهو الأجل المجهول وذلك كما لو باعه بثمن مؤجل إلى قدوم زيد من سفره، أو نزول مطر، أو هبوب ريح، وكذا إذا باعه إلى ميسرة، واختلفوا في أثر هذا التأجيل على التصرف فيرى الحنفية والمالكية والشافعية ـ وهو رأي للحنابلة ـ أنه لا يصح العقد أيضا، وذلك لأنه أجل فاسد فأفسد العقد.
ويرى الحنابلة أن الأجل المجهول في البيع يفسد، ويصح البيع، وفي السلم يفسد الأجل والسلم. انتهى.
ومن أهل العلم من يستثني البيع إلى ميسرة من اشتراط معلومية الأجل.
لحديث الباب.
قال الصنعاني: فيه دليل على بيع النسيئة وصحة التأجيل إلى ميسرة. اهـ.
والراجح هو قول الجمهور وأن البيع إلى الميسرة لا يصح، وهو من الأجل المجهول.
وأما حديث الباب فالجواب عنه:
قال البيهقي: هذا محمول على أنه استدعى البيع إلى الميسرة، لا أنه عقد إليها بيعا، ثم لو أجابه إلى ذلك أشبه أن يوقت وقتاً معلوماً، أو يعقد البيع مطلقاً ثم يقضيه متى ما أيسر. اهـ.
قال ابن قدامة: إن قيل: فقد روي عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله ﷺ بعث إلى يهودي أن ابعث إلي بثوبين إلى الميسرة، قلنا: قال ابن المنذر: رواه حرمي بن عمارة، قال أحمد: فيه غفلة هو صدوق. قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته إذ لم يتابع عليه. ثم لا خلاف في أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. اهـ.
وقال ابن حجر في فتح الباري، والعيني في عمدة القاري: الحق أنه لا دلالة فيه على المطلوب، لأنه ليس في الحديث إلا مجرد الاستدعاء فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشروطه، ولذلك لم يصف الثوبين. انتهى.
стр. 1542
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. جواز معاملة الكفار، والشراء منهم، والبيع لهم، وغير ذلك من التصرفات، وأنَّها لا تعتبر من موالاتهم والركون إليهم.
٢. فيه دليل على جواز الاستقراض، وأنه ليس من المسألة المذمومة.
٣. فيه دليل على أنَّ ما يأتي من الكفار من ثياب مصبوغة، أو أواني مُموَّهة، فالأصل في ذلك الطهارة.
٤. جواز بيع النسيئة.
٥. بيان لؤم اليهود وشحهم، وفساد طويتهم، وأنَّ هذه الأخلاق الذميمة والصفات الدنيئة متأصلة بأولهم وآخرهم، إلاَّ من أنقذه الله تعالى منهم باتباع الرسل، وهدي الأنبياء.
ففي الحديث: عن عائشة قالت: (إنَّ فلانًا جاءه بزٌّ، فابعثْ إليه يبيعك ثوبين إلى الميسرة، فبعث إليه، فقال: قد عرفت ما يريد محمَّد، إنما يريد أن يذهب بثوبي -أي لا يعطيني دراهمي-. فبلغ ذلك النَّبي ﷺ فقال: قد كذب، لقد عرفوا أني أتقاهم لله " أو قال: "أصدقهم حديثًا، وآداهم للأمانة).
٦. حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه وتحمله.
стр. 1543
٨٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ اَلدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى اَلَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ اَلنَّفَقَةُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(اَلظَّهْرُ) المراد به الحيوان المعد للركوب.
(بِنَفَقَتِهِ) أي: مقابل نفقته.
(وَعَلَى اَلَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ اَلنَّفَقَةُ) النفقة: هي المؤنة من علف وسقي ورعاية ونحو ذلك.
• عرف الرهن؟
الرهن: هو توثقة دينٍ بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.
مثال: في ذمتي لزيد (١٠٠) درهم فأرهنتك مسجل.
فإذا كان الرهن أكثر من الدين فإنه يمكن استيفاء الدين من بعضها.
وإذا الدين أكثر من العين المرهونة فإنه يمكن استيفاء بعضه منها.
وإذا كان الدين بقدر العين فإنه يمكن استيفاؤه كله منها.
• ما الحكمة من الرهن؟
توثقة الدين، فكما أن الدين يوثق بالشهود طمأنينة لقلب الدائن حفاظاً لحقه فكذلك يوثق بالرهن.
• ما حكم الرهن؟
الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة).
وعن عائشة. (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعاً من حديد) متفق عليه.
وقال ابن قدامة: أجمع المسلمون على جواز الرهن.
- جماهير العلماء على جواز الرهن في الحضر كما يشرع في السفر، لفعل الرسول ﷺ له وهو مقيم بالمدينة، وأما تقيده بالسفر في الآية فإنه خرج مخرج الغالب، لأن الرهن غالباً يكون في السفر.
- قال ابن حجر ﵀ في قول البخاري في التبويب للحديث (في الحضر).
فيه إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له، لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر، وهو قول الجمهور، واحتجوا له من حيث المعنى بأن الرهن شرع توثقة على الدين لقوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيده بالسفر لأنه مظنة فقد الكاتب فأخرجه مخرج الغالب.
وخالف في ذلك مجاهد والضحاك فيما نقله الطبري عنهما فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر.
стр. 1544
• ما الذي يصح رهنه؟
كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه.
لأن الرهن إذا كان مما لا يصح بيعه - كالخمر، والكلب والوقف - فإنه لا يمكن الاستيفاء منه إذا تعذر السداد.
مثال: أقرضت شخصاً (١٠٠) ريال، وقلت له أعطني رهناً، فقال: أعطيك كلب صيد، فهذا لا يجوز، لأن الكلب لا يجوز بيعه، لأن مقصود الرهن لا يحصل منه.
فيصح رهن السيارات والساعات والفرش والطاولات وكل شيء يجوز بيعه.
- لا يصح رهن المجهول، وكذلك لا يصح رهن الوثائق الرسمية كبطاقة الأحوال، وجواز السفر ونحوهما، لأن هذه الوثائق الرسمية لا يمكن بيعها عند تعذر استيفاء الديْن.
• ماذا يكون الرهن عند المرتهن؟
يكون أمانة عند المرتهن لا يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط كسائر الأمانات، فإذا احترقت أو سرقت من غير تعد ولا تفريط فإنه لا يضمنها.
مثال: إنسان أخذ السيارة رهناً، لكن قدر أنها سرقت، فلا يضمنها لأنه لم يتعد ولم يفرط.
مثال آخر: إنسان أخذ كتاباً رهناً، ووضع الكتاب في مكان آمن مع كتبه، لكن هذا الكتاب سرق، فإنه لا يضمن لأنه لم يتعد ولم يفرط.
- التعدي: أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط: أن يترك ما يجب (في الحفظ).
- فإن فرط أو تعدى فإنه يضمن.
مثال: أخذ كتاباً رهناً ووضعه في الحوض، فجاء المطر فأتلفه، فهنا يضمن الكتاب لأنه مفرط.
مثال آخر: أخذ السيارة رهناً، فاستعملها ففعل حادثاً فيها، فإنه يضمن، لأنه اعتدى، لأن هذه السيارة أمانة عنده، والأمانة صفتها لا تستعملها ولا تقصر في حفظها.
- قاعدة (كل من قبض مال غيره بإذن من الغير أو من الشارع فهو أمانة عنده فلا يضمن إلا بتعد أو تفريط)
• ما حكم انتفاع المرتهن بالرهن؟
يحرم على المرتهن أن ينتفع بالرهن، وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين:
الأولى: ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه، فهذا لا يجوز الانتفاع به بغير إذن الراهن.
قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافاً.
الثانية: ما يحتاج إلى نفقة مما يركب ويحلب.
فهذا اختلف العلماء في حكم انتفاع المرتهن بهذه الأشياء مقابل النفقة بغير إذنٍ من الراهن على قولين:
القول الأول: يجوز للمرتهن الانتفاع إذا قام بنفقته ولو لم يأذن المالك، ويكون الانتفاع بقدر النفقة.
كأن يكون الرهن دابة (بعيراً) واحتاج المرتهن إلى الركوب، فإنه يركبه ولو لم يستأذن من الراهن، لأن الشارع هو الذي أذن له، لأن الشارع جعل الانتفاع مقابل النفقة.
وهذا مذهب الحنابلة.
стр. 1545
لحديث الباب (اَلظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ اَلدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا … ).
وجه الدلالة: أن الحديث جعل المنفعة بدلاً وعوضاً عن النفقة، ومعلوم أن الراهن يستحق المنافع بملك الرقبة، لا بالنفقة، مما يدل على أن المراد المرتهن.
القول الثاني: لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمركوب، أو المحلوب إذا لم يأذن له الراهن.
إلى هذا ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية.
أ- لحديث الآتي (لا يغلق الرهن من صاحبة، له غنمه وعليه غرمه).
وجه الدلالة: أن الحديث جعل الغنم للراهن، ولا شك أن منافع الرهن من غنمه، والحديث لم يفرق بين مركوب أو محلوب.
ب-إن الرهن لم يخرج المرهون من ملك الراهن، والراهن لم يأذن للمرتهن بالانتفاع، فالمرتهن كالأجنبي، والرهن كالوديعة.
• ماذا أجاب جمهور العلماء عن حديث الباب؟
أجابوا بعدة أجوبة:
أولاً: أن هذا الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين:
أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه.
الثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر: لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه.
ثانياً: أن المراد بالحديث: أن الرهن مركوب ومحلوب للمرتهن بإذن الراهن.
ثالثاً: إن الحديث مجمل، لم يبيّن من الذي يركب ويشرب، هل هو الراهن أم المرتهن؟
• بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن هذه الاعتراضات؟
أما قولهم: إنه على خلاف القياس.
فالجواب: بأن السنة الصحيحة من جملة الأدلة والأصول، فلا يجوز ردها بدعوى المخالفة للأصول، وهي لا ترد إلا بمعارض أرجح.
وأما قولهم: إن المراد بإذن المالك.
فالجواب: أن الحديث مطلق، إذ ليس فيه تعليق بالإذن.
وأما قولهم: إن الحديث مجمل لم يبين هل هو الراهن أم المرتهن.
فالجواب: إن الذي يركب ويشرب هو المرتهن لأمرين:
الأول: أن الحديث يجعل الركب واللبن بدل النفقة، فإذا أنفق المرتهن ركب وشرب.
الثاني: أنه قد ورد في رواية هشيم عن زكريا بلفظ (إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها … ).
والقول الأول هو الراجح.
وقد ذهب بعض العلماء إلى حمل الحديث على أنه يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن مركوباً ولبناً واستخدامه عند تعذر الإنفاق عليه من الراهن لامتناعه.
قال ابن حجر في الفتح: وقد ذهب الأوزاعي، والليث، وأبو ثور إلى حمله على ما إذا أمتنع الراهن من الإنفاق على المرهون فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظاً لحياته، ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن بشرط أن لا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه وهي من جملة مسائل الظفر.
стр. 1546
• هل القبض شرط للزوم أم لا؟
مثاله: قلت لشخص: بعتك سيارتي بشرط أن ترهنني هذه الساعة، قال: قبلت (ولم يقبض المرتهن الساعة).
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن قبض الرهن شرط للزوم.
وهذا مذهب أكثر العلماء.
وعلى هذا القول: فإن للراهن أن يتصرف بالرهن (وهو الساعة كما في المثال السابق) بيعاً أو هبة لأنه لم يقبضه.
لقوله تعالى (فرهان مقبوضة). وعلى هذا الرهان التي لم تقبض لا أثر لها ولا تنفع.
واستدلوا بحديث النبي ﷺ (الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً ..... ) فالحديث ظاهر في صورة ما إذا قبض المرتهن الرهن.
وقالوا: إن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي أقبضه أياه، فالرسول ﷺ أقبض اليهودي الدرع، ولو لم يكن القبض شرطاً لما أقبضه إياه.
القول الثاني: أن القبض ليس شرطاً للزوم، بل يلزم الرهن بمجرد عقد الرهن.
وعلى هذا القول فلا يجوز للراهن أن يتصرف فيه، ولو تصرف فيه فإن تصرفه غير صحيح.
وهذا مذهب المالكية وهو اختيار ابن تيمية ﵀.
أ-لعموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وعقد الرهن تام بالاتفاق فيجب الوفاء به.
ب-ولقوله تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً). والعقد عهد وقد تعاقدا على الرهن فيجب الوفاء به.
ج- ولحديث (المسلمون على شروطهم) وجه الاستدلال: أنه لما شرط عليه الرهن وقَبِل هذا الرهن فإنه يجب العمل بمقتضاه، ومقتضاه عدم التصرف فيه بغير إذن المرتهن.
ج- ولقوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) وهذا دليل على أنه إذا حصل الائتمان لم يلزم القبض اكتفاء بالائتمان عليه، ولهذا أكد الله تعالى على المؤتمن أن يؤدي أمانته حيث أمره بالأداء وبتقوى الله.
فهذا المرتهن الذي شرط الرهن وتركه عند الراهن قد ائتمنه عليه وتركه عنده، وإذا كان قد ائتمنه عليه فإنه يجب الوفاء بما يقتضيه الرهن وهو أن يبقى عنده أمانة.
وقالوا: إن القول باشتراط القبض يؤدي إلى الخصومة والنزاع وفتح باب التحايل، لأن هذا الشخص إذا عقد العقد وعلم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض فإنه سيعقد هذا العقد ويتحايل في تأخير قبض الرهن ثم بعد ذلك يتصرف فيه ببيع أو غيره، فينشأ عن ذلك النزاع والخصومة.
وهذا القول هو الراجح، وأما الجواب عن الآية (فرهان مقبوضة .. ) فقالوا: إن الله لم يذكر في الآية القبض على وجه الإطلاق، وإنما ذكره في حال معين وهو السفر، فهنا لا يمكن التوثقة إلا برهن مقبوضة، لأنك إذا لم تقبض الرهن وليس بينكما مكاتبة صار ذلك عرضة بأن يجحدك الراهن، ومما يدل على ذلك بقية الآية (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته) فهذا يدل على أنه إذا حصل الإئتمان بيننا فإننا يجب أن نعتمد على أداء الأمانة سواء حصل القبض أم لم يحصل، وإلا لكانت هذه الجملة لا معنى لها.
стр. 1547
٨٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَغْلَقُ اَلرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ اَلَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَرِجَالهُ ثِقَاتٌ. إِلَّا أَنَّ اَلْمَحْفُوظَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ إِرْسَالُهُ.
===
(لَا يَغْلَقُ اَلرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ) بفتح الياء وسكون الغين ثم لام مفتوحة، ومعناه: لا يستحق المرتهن الرهن بمجرد حلول الأجل.
(لَهُ غُنْمُهُ) أي: زيادته وكسبه.
(وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) أي: هلاكه ونقصه ونفقته.
• ما صحة حديث الباب؟
صححه جمع من الحفاظ إرساله.
• ما معنى حديث الباب؟
مَعْنَى الحديثِ: أنَّ المُرْتَهِنَ لا يَسْتَحِقُّ الرَّهْنَ إذا عَجَزَ الراهِنُ عن أداءِ ما رَهَنَهُ به؛ لأنَّ الرَّهْنَ مِلْكٌ للراهنِ لا يَزَالُ مِلْكُه عليه، وإنَّما هو وَثِيقَةٌ بيَدِ المُرْتَهِنِ، لحِفْظِ مالِه من الدَّيْنِ عندَ الراهِن. (توضيح الأحكام).
ومن معانيه:
أولاً: أن المرتهن يأخذ الرهن ويستعمله فيأخذ أجرته إن كان يؤجر ومنافعه إن كان ينتفع به ولا يكون للراهن منها شيء، وهذا إغلاق، لأنك حِلت بينه وبين صاحبه.
ثانياً: أنه إذا حل الدين ولم يوفِ الدين أخذه المرتهن رغماً عن أنف الراهن سواء كان ذلك بقدر الدين أو بأقل أو بأكثر، وهذا إغلاق، لأنك منعتَ صاحبه منه، وكلا الصورتين حرام وأكل للمال بالباطل.
• ماذا نستفيد من قوله (عليه غنمه وغرمه)؟
نستفيد: أنَّ نَفَقَةَ الحَيَوانِ المَرْهونِ ومُؤْنَتَه على الراهنِ، فليسَ على المُرْتَهِنِ شَيْءٌ منها، كما أنَّ لَهُ غُنْمُه من ثَمَرَةٍ وزِيادَةٍ وكَسْبٍ، كما جاءَ في الحديثِ السابق (الْخَرَاجُ بالضَّمَان).
• ماذا يكون إذا حل الأجل؟
يطالب الراهن بالسداد، فإذا سدد المبلغ كاملاً انفك الرهن.
ومعنى: انفك الرهن: أن يسلمه المرتهن إلى الراهن (وهو صاحبه الأصلي).
وإن لم يحصل الوفاء، وطلب صاحب الحق بيع الرهن: فإن كان الراهن أذن للمرتهن في بيعه باعه ووفى دينه.
وإن لم يأذن فإنه ترفع القضية للحاكم فيجبره الحاكم على أمرين: وفاء الدين أو بيع الرهن، فإن أبى فإنه يبيعه الحاكم ويوفي دينه.
• ما الحكم لو قال صاحب الرهن للمرتهن إذا حل الأجل ولم أوفك فالرهن لك ووافق على ذلك المرتهن، فهل يجوز أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا قول جماهير العلماء.
стр. 1548
قال ابن قدامة: وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى حَلَّ الْحَقُّ وَلَمْ يُوَفِّنِي فَالرَّهْنُ لِي بِالدَّيْنِ أَوْ: فَهُوَ مَبِيعٌ لِي بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك، فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ. (المغني).
لحديث الباب (لا يغلق الرهن على صاحبه) رواه الدارقطني.
القول الثاني: أنه يجوز.
وهذا اختيار ابن القيم.
أ-لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
ب- ولحديث (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حل حراماً أو حرم حلالاً).
ويرى ابن القيم ﵀ أن الحديث جاء لإبطال عادة كانت في الجاهلية، وهي أن المرتهن يأخذ الرهن إذا حل الأجل ولم يؤد الراهن الدين من غير رضا الراهن ولا اشتراط ذلك عليه في عقد الرهن.
قال ﵀ في اعلام الموقعين: إذا رهنه رهناً بدين وقال: إن وفيتك الدين إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك بما عليه صح ذلك، وفعله الامام أحمد، وقال أصحابنا: لا يصح، وهو المشهور من مذاهب الائمة الثلاثة، واحتجوا بقوله (لا يغلق الرهن).
ولا حجة لهم فيه، فإن هذا كان موجبه في الجاهلية، أن المرتهن يتملك الرهن بغير إذن المالك إذا لم يوفه، فهذا هو غلق الرهن الذي أبطله النبي ﷺ ، وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند الحلول فلم يبطله كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، ولا مفسدة ظاهرة، وغاية ما فيه أنه بيع علق على شرط، ونعم فكان ماذا؟ وقد تدعو الحاجة والمصلحة إلى هذا من المرتهنين، ولا يحرم عليهما ما لم يحرمه الله ورسوله، ولا ريب أن هذا خير للراهن والمرتهن من تكليفه الرفع إلى الحاكم وإثباته الرهن، واستئذانه في بيعه والتعب الطويل الذي لا مصلحة فيه سوى الخسارة والمشقة، فإذا اتفقا على أنه بالدين عند الحلول كان أصلح لهما وأنفع وأبعد من الضرر والمشقة والخسارة.
• هل يضمن المرتهن الرهن إذا هلك في يده؟
اتفق الفقهاء على أن الرهن إذا تلف عند المرتهن بتعدٍ منه أو بتقصير في حفظه، فإنه ضامن له.
واختلفوا فيما إذا هلك بغير تعد منه ولا تفريط على أقوال:
القول الأول: إذا تلف الرهن في يد المرتهن فإنه مضمون عليه مطلقاً، أي: سواء مما يخفى - كالثياب والجواهر - أو مما لا يخفى كالعقار.
وهذا مذهب الحنفية.
القول الثاني: أن الرهن أمانة في يد المرتهن فلا يضمنه ولا يسقط بتلفه شيء من الدين.
وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وابن المنذر.
وهذا القول هو الراجح.
• من الذي ينفق على المرهون؟
اتفق الفقهاء على أن مؤونة المرهون على الراهن، فطعام المرهون وشرابه وكسوته وكفنه على الراهن.
لحديث الباب ( … له غنمه وعليه غرمه).
فجعل الحديث لمالك الرهن غنمه من نماء وزيادة، وجعل عليه غرمه من مؤونة أو نقص أو هلاك.
ولأن هذه الأشياء من حقوق الملك، ومؤونات الملك على المالك، والمالك الراهن فكانت المؤونة عليه.
стр. 1549
٨٦٣ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنَ اَلصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ اَلرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ إِلَّا خَيَارًا، قَالَ: " أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خِيَارَ اَلنَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ) أي: اقترض.
(مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا) بفتح الباء، وهو الصغير من الإبل، قال النووي: أَمَّا الْبَكْر مِنْ الْإِبِل: فَبِفَتْحِ الْبَاء وَهُوَ الصَّغِير كَالْغُلَامِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ، وَالْأُنْثَى بَكْرَة وَقَلُوص، وَهِيَ الصَّغِيرَة كَالْجَارِيَةِ.
(فَقَالَ: لَا أَجِدُ إِلَّا خَيَارًا) الخيار: هو الجيد، وفي رواية (خياراً رباعياً) والرَّبَاعي من الإبل: هو الذكر منها إذا أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة حين طلعت رباعيته.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز الزيادة بالوفاء بما هو أفضل من الشي المقترض، وأن ذلك من حسن القضاء.
قال النووي: وَفِيهَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْن مِنْ قَرْض وَغَيْره أَنْ يَرُدّ أَجْوَد مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ السُّنَّة وَمَكَارِم الْأَخْلَاق، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَرْض جَرَّ مَنْفَعَة فَإِنَّهُ مَنْهِيّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَا كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْد الْقَرْض، وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الزِّيَادَة فِي الْأَدَاء عَمَّا عَلَيْهِ. وَيَجُوز لِلْمُقْرِضِ أَخْذهَا سَوَاء زَادَ فِي الصِّفَة أَوْ فِي الْعَدَد بِأَنْ أَقْرَضَهُ عَشَرَة فَأَعْطَاهُ أَحَد عَشَر، وَمَذْهَب مَالِك: أَنَّ الزِّيَادَة فِي الْعَدَد مَنْهِيّ عَنْهَا، وَحُجَّة أَصْحَابنَا عُمُوم قَوْله ﷺ (خَيْركُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاء). (نووي)
فالزيادة في القرض على نوعين:
الأول: أن تكون مشترطة في أصل العقد، وهذا ربا بالإجماع، كما سيأتي إن شاء الله.
الثاني: أن تكون الزيادة غير مشروطة في أصل العقد، وإنما بذلها المقترض من باب حسن الأداء، فهذا مستحب ومن مكارم الأخلاق، كما في حديث الباب.
• هل الزيادة يجوز أن تكون في الصفة والعدد، أم فقط في الصفة دون العدد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز أن تكون الزيادة في القدر أو في الصفة.
وهذا قول جماهير العلماء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لحديث الباب.
وجه الدلالة: فعل النبي ﷺ في قضائه القرض بالسن الخيار، وثناءه على حسن القضاء يدل على استحباب تطوع المقترض بزيادة على ما اقترضه عند الوفاء، ويدل على جواز قبول المقرض لذلك سواء كانت الزيادة في المقدار أو في الصفة، لأن النص أطلق ولم يقيد.
فقوله ﷺ (إن خيار الناس أحسنهم قضاء) عام يتناول حسن القضاء في الصفة كما يتناول حسن القضاء في القدر.
ب-عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي) متفق عليه.
стр. 1550
وجه الدلالة: أن الحديث يدل على جواز الزيادة على الديْن عند الوفاء، والزيادة في هذا الحديث هي زيادة في القدر، كما تدل عليه الروايات الأخرى للحديث.
القول الثاني: يجوز أن تكون الزيادة من جهة الوصف، كأن يوفيه المقترض أجود عيناً أو أرفع صفة، ولا يجوز أن تكون الزيادة من جهة المقدار.
وهذا قول جمهور المالكية.
قالوا: إن الحديث ورد في الجمل الخيار وهو أجود صفة.
والراجح القول الأول.
• اذكر ما يسن للمدين تجاه المقرض؟
أولاً: حسن القضاء، كما في حديث الباب.
ثانياً: أخذ الدين بنية الوفاء.
لحديث أبي هريرة -وفد تقدم- (من أخذ أموال الناس يريد أداها أدى الله عنه).
ولحديث ميمونة -وقد تقدم- (من أخذ ديْناً وهو يريد أن يؤديَه أعانه الله رواه النسائي.
ثالثاً: الدعاء للدائن والثناء عليه.
أ- عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْهُ حِينَ غَزَا حُنَيْنًا ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا قَدِمَ قَضَاهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ) رواه النسائي وابن ماجه.
ب-وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسُولُ اللهِ ﷺ (مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ، فَأعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ، فأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ، فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكَافِئُونَهُ بِهِ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوه) حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي.
• ما حكم قرض الحيوان؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين: وجمهور العلماء على جواز ذلك، لحديث الباب.
قال الشوكاني: وفي الحديث جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور.
• اقتراض النبي ﷺ على ماذا يدل؟
يدل على جواز الاقتراض والاستدانة، وإنما استدان النبي ﷺ للحاجة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. جواز المطالبة بالديْن إذا حل الأجل.
٢. حسن خلق النبي ﷺ وعظم حلمه.
٣. جواز القرض.
стр. 1551
٨٦٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، فَهُوَ رِبًا) رَوَاهُ اَلْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِط.
===
• ما صحة حديث؟
لا يصح كما قال المصنف ﵀، وإسناده ضعيف جداً، فيه سوّار بن مصعب هو الهمداني الكوفي أبو عبد الله، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك.
وممن حكم بضعفه: الصنعاني في سبل السلام، والشوكاني في نيل الأوطار، والألباني، وابن باز.
قال عمر بن بدر الموصلي في المغني (لم يصح فيه شيء عن النبي ﷺ .
• ما حكم اشتراط منفعة في القرض؟
حرام بالإجماع.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف في ذلك أن أخْذه الزيادة على ذلك ربا.
وقال ابن عبد البر: وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلّف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك.
وقال ابن قدامة: وكل قرض شرط فيه أن يزيده، فهو حرام بغير خلاف.
وقال القرطبي: أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف.
وقال ابن تيمية: وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراماً.
وقال ابن حجر: وفيه جوزا وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ اتفاقاً.
وقال الشوكاني: وأما إذا كانت الزيادة مشروطة فتحرم اتفاقاً.
لأن القرض عقد إرفاق وهو قربة، فإذا أخذ عليه الزيادة لم يكن إرفاقاً ولا قربة. بل يكون بيعاً ورباً صريحاً.
قال ابن قدامة: لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه.
قال ابن حزم في المحلى: وصح النهي عن ابن سيرين وقتادة والنخعي.
- والمنفعة قد تكون بدنية، أو مالية، أو عين.
مثال البدنية: أن يقول أقرضتك ألف ريال بشرط أن تشتغل عندي يوماً واحداً.
مثال المالية: أقرضتك ألف ريال بشرط أن تعطيني ساعتك
مثال عين: أقرضتك ألف ريال بشرط أن أسكن بيتك يوم واحد.
- وسواء كانت الزيادة في الصفة أو في القدر.
مثال الزيادة في الصفة: أن يشترط رد المقترض أجود مما أخذ، كأن يقارض دابة ويشترط عليه رد أجود منها، وكشرط قضاء شيء عفن بشيء سالم.
ومثال الزيادة في القدر: أن يشترط رد المقترض أكثر مما أخذ من جنسه، كأن يقترض عشرة دراهم، ويشترط عليه أن يرد أحد عشر درهماً.
стр. 1552
• ما الحكم لو اشترط الوفاء بالأقل؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجوز اشتراط الوفاء بالأقل.
وهذا مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم.
أ- أن مقتضى القرض رد المثل، فإذا شرط النقصان عما أقرضه فقد شرط ما ينافي مقتضاه فلم يجز.
ب- القياس على اشتراط الزيادة.
القول الثاني: يجوز اشتراط الوفاء بالأقل.
لأن القرض شرع رفقاً بالمقترض، واشتراط الوفاء بالأقل منفعة للمقترض، ونفع المقترض لا يمنع منه.
وهذا الصحيح.
• ما حكم القرض إذا كان من المعلوم عن المقترض أنه يزيد في الوفاء؟
كره بعض الفقهاء ذلك.
وهذا قول الحنفية.
قالوا: إن المقرض إذا أقرض للمعروف بحسن القضاء، فإنه إنما فعل ذلك لأنه يطمع في حسن عادته.
والصحيح عدم الكراهة، ورجحه ابن قدامة.
قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، لَمْ يُكْرَهْ إقْرَاضُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَطْمَعُ فِي حُسْنِ عَادَتِهِ.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، فَهَلْ يَسُوغُ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ إقْرَاضَهُ مَكْرُوهٌ، وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِحُسْنِ الْقَضَاءِ خَيْرُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ، وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهِ، وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَشْرُوطَةِ. (المغني).
• ما الحكم إذا أقرضه واشترط عليه الوفاء في بلد آخر؟
هذه المسألة لها صور:
الصورة الأولى: تمحض المنفعة للمقرض، حيث يكون غاية المقرض من اشتراط الوفاء في بلد غير بلد القرض نفع نفسه فقط، ليستفيد به سقوط خطر الطريق، الذي قد يتعرض له ماله، كما ينتفع المقرض - أيضاً - بإسقاء كراء الحمل فيما يحتاج حمله إلى مؤنة لنقله من بلد إلى آخر.
ففي هذه الحالة لا يجوز اشتراط الوفا في غير بلد القرض، وهذا بالإجماع.
لأن كل قرض جر نفعاً فهو ربا.
الصورة الثانية: تمحض المنفعة للمقترض، حيث يكون غاية المقرض من اشتراط الوفاء في غير بلد القرض نفع المقترض فقط.
وفي هذه الحالة: يجوز اشتراط الوفاء في غير بلد القرض، لأن هذا إرفاق مع إرفاق.
стр. 1553
الصورة الثالثة: أن يكون اشتراط الوفاء في غير بلد القرض لمنفعة المقرض والمقترض معاً.
وهذه محل خلاف بين العلماء:
فقيل: يكره.
وقيل: يحرم.
وقيل: يجوز، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم.
وقيل: لا يجوز اشتراط الوفاء في غير بلد القرض إذا كان لحمل مال الوفاء مؤنة، ويجوز اشتراط الوفاء في غير بلد القرض إذا لم يكن لحمل الوفاء مؤنة. واختاره ابن قدامة.
• ما الحكم لو اشترط عقداً آخر مع القرض كالبيع والإجارة (كأن يقول: أقرضك ألفاً على أن تبيع عليّ بيتك)؟
حرام.
أ-لحديث (لا يحل سلف ولا بيع) وقد تقدم الحديث وشرحه.
ومعنى السلف في الحديث القرض.
ب- أن اشتراط عقد البيع في عقد القرض ذريعة إلى الزيادة في القرض، لأنه ربما يحابيه في الثمن من أجل القرض، فيكون القرض جاراً لمنفعة مشروطة فيكون ربا.
قال ابن القيم: وحرم الجمع بين السلف والبيع، لما فيه من الذريعة إلى الربح في السلف، بأخذ أكثر مما أعطى، والتوسل إلى ذلك بالبيع أو الإجارة كما هو الواقع.
ج- أن اشتراط عقد البيع في عقد القرض يخرج القرض عن موضوعه وهو الإرفاق.
• ما الحكم لو قال المقرض للمقترض: أقرضك كذا بشرط أن تقرضني بعد ذلك غيره؟
حرام.
لأن هذا الاشتراط يجر منفعة للمقرض، وقد تقدم أن كل قرض يجر منفعة مشروطة للمقرض فهو حرام.
والمنفعة في هذا الاشتراط، أن المقرض ينتفع بالقرض الثاني من المقترض.
• ما حكم بذل المقترض للمقرض منفعة غير مشروطة أثناء مدة القرض (قبل الوفاء) كهدية؟
الصحيح: إن أهدى المقترض هدية للمقرض فإن كانت بعد الوفاء فجائز، وإن كانت قبل الوفاء فلا يجوز إلا أن تكون قد جرت العادة بينهما بمثل هذا، فكان بينهما تهاد قبل الاستقراض، لأن جريان العادة بذلك بينهما قرينة ظاهرة على أنه لم يرد مجازاته على قرضه.
وعلى هذا، فلا يجوز للمقترض أن يعد المقرض بأن يعطيه هدية عند الوفاء، وله أن يعطيه ذلك إذا كان بدون اتفاق سابق.
أما إذا كان هذا الشخص لم تجر العادة بأن يهدي لك فلا يجوز لك قبولها لأنها قد تكون بسبب القرض، فإذا قبلتها تكون قد وقعت في الربا لأن القاعدة في القرض أن "كل قرض جَرَّ نفعاً فهو ربا" وهذا القرض قد جر لك نفعاً.
وأيضاً: لأنه قد يكون دفعها إليك حتى تؤجل مطالبته بالدَّيْن، وهذا أيضاً من الربا.
وقد دل على ذلك ما رواه ابن ماجه عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأَهْدَى لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلا يَرْكَبْهَا وَلا يَقْبَلْهُ، إِلا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ). حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد ورد هذا المعنى عن جماعة من الصحابة.
стр. 1554
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٣/ ١٣٦): "وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ (يعني الصحابة) كَأُبَيّ بن كعب وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ نَهَوْا الْمُقْرِضَ عَنْ قَبُولِ هَدِيَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَجَعَلُوا قَبُولَهَا رِبًا" اهـ.
وقال الشوكاني: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْهَدِيَّةَ وَالْعَارِيَّةَ وَنَحْوَهُمَا إذَا كَانَتْ لِأَجْلِ التَّنْفِيسِ فِي أَجَلِ الدَّيْنِ (أي تأخير السداد)، أَوْ لأَجْلِ رِشْوَةِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، أَوْ لأَجْلِ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مَنْفَعَةٌ فِي مُقَابِلِ دَيْنِهِ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ; لأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الرِّبَا أَوْ رِشْوَةٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لأَجْلِ عَادَةٍ جَارِيَةٍ بَيْنَ الْمُقْرِضِ وَالْمُسْتَقْرِضِ قَبْلَ التَّدَايُنِ فَلا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَرَضٍ أَصْلا فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ لإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ" اهـ.
• هل يوجد حل آخر غير رد الهدية وغير الوقوع في الربا؟
فالجواب: نعم، إن أبيت إلا قبولها فأمامك أحد خيارين: إما أن تكافئه عليها بمثلها أو أكثر، وإما أن تحتسبها من الدين، فتسقط قيمة الهدية من الدين الذي على صاحبك.
رَوَى سَعِيدٌ بن منصور فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي أَقْرَضْت رَجُلا بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَأَهْدَى إلَيَّ هَدِيَّةً جَزْلَةً. قَالَ: رُدَّ إلَيْهِ هَدِيَّتَهُ، أَوْ احْسبهَا لَهُ.
وروى سعيد بن منصور أيضاً عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنِّي أَقْرَضْت رَجُلا يَبِيعُ السَّمَكَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَأَهْدَى إلَيَّ سَمَكَةً قَوَّمْتهَا بِثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا. فَقَالَ: خُذْ مِنْهُ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ.
انظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (٦/ ١٥٩).
قال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٩/ ٦١):
"فإن قال قائل: ما دامت المسألة حراماً فلماذا لا يردها أصلاً؟
قلنا: لأنه قد يمنعه الحياء والخجل وكسر قلب صاحبه من الرد، فنقول: خذها وانو مكافأته عليها بمثلها أو أكثر، أو احتسبها من دَيْنه، وهذا لا بأس به" اهـ بتصرف.
وما سبق من التحريم إذا كانت الهدية قبل وفاء القرض، فإذا كنت بعد الوفاء فلا بأس بقبولها.
قال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٩/ ٥٩):
"إذا أعطى هدية بعد الوفاء قليلة أو كثيرة فإن ذلك جائز" اهـ. وانظر: "المغني" (٦/ ٤٣٧) "الشرح الممتع" (٩/ ٥٩ - ٦١)
• ما الحكم لو انفضت العملة، وكذلك لو تغيرت ولم يعمل بها؟
لا يجوز لمن استدان من أحدٍ مالاً أن يلتزم بإرجاع قيمته وقت القرض، بل يجب عليه أداء القرض بمثل ما أخذه لا بقيمته، وهذا قول جمهور العلماء قديماً وحديثاً، وهو ما تفتي به المجامع الفقهية المعاصرة، وهذا في حال أن تبقى العملة متداولة، كما هي ولو تغير سعر صرفها.
أما إذا ألغيت العملة بالكلية وصار الناس لا يتعاملون بها: فهنا للعلماء فيها أقوال:
فمنهم من قال: على المدين القيمة وقت القرض.
ومنهم من قال: إن المعتبر قيمتها وقت المنع.
وقال آخرون: المعتبر قيمتها وقت الوفاء.
стр. 1555
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: وأقرب شيء أن المعتبر: القيمة وقت المنع؛ وذلك لأنه ثابت في ذمته " عشرة فلوس " إلى أن مُنعت، يعني: قبل المنع بدقيقة واحدة لو طلبه لأعطى عشرة فلوس، ولكان الواجب على المقرض قبولها، فإذا كان كذلك: فإننا نقدرها وقت المنع. (الشرح الممتع)
فائدة:
جاءت الأحاديث النبوية بالتحذير من الدين، والاستعاذة بالله منه، والترغيب في القناعة والرضا باليسير، وأن ينظر المسلم في أمر دنياه إلى من هو دونه، ولا ينظر إلى من فوقه.
فروى النسائي (٤٦٠٥) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ ﵁ قَالَ: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ؟ فَسَكَتْنَا وَفَزِعْنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ سَأَلْتُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ رَجُلا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ) حسنه الألباني.
وعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ: الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ) رواه الترمذي.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) رواه الترمذي.
وروى النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ).
وروى أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاهَدْتُ بِنَفْسِي وَمَالِي فَقُتِلْتُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَعَادَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ: (إِنْ لَمْ تَمُتْ وَعَلَيْكَ دَيْنٌ لَيْسَ عِنْدَكَ وَفَاؤُهُ) حسنه البوصيري.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ، وَآخِرَهُ حَرْبٌ) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٧٠)
وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟! فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ [أي: استدان] حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) رواه البخاري ومسلم.
قال ابن عمر ﵄ (يا حمران! اتق الله ولا تمت وعليك دين، فيؤخذ من حسناتك، لا دينار ثَمَّ ولا درهم).
ولم يأت كل هذا التشديد في أمر الدين إلا لما فيه من المفاسد على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع.
قال القرطبي: قال علماؤنا: وإنما كان شينا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال، والهم اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمل منته بالتأخير إلى حين أوانه، وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف، أو يحدث الغريم بسببه فيكذب، أو يحلف له فيحنث، إلى غير ذلك، وأيضا فربما قد مات ولم يقض الدين فيرتهن به، كما قال ﵇: (نسمة المؤمن مرتهنة في قبره بدينه حتى يقضى عنه) رواه الترمذي ١٠٧٨ وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص كماله " انتهى.
стр. 1556
بَابُ اَلتَّفْلِيسِ وَالْحَجْرِ
٨٦٥ - عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَالِكٌ: مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ مُرْسَلًا بِلَفْظِ (أَيُّمَا رَجُلٌ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ اَلَّذِي اِبْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ اَلَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ اَلْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ اَلْمَتَاعِ أُسْوَةُ اَلْغُرَمَاءِ) وَوَصَلَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ، وَضَعَّفَهُ تَبَعًا لِأَبِي دَاوُدَ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ: مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَضَعَّفَ أَبُو دَاوُدَ هَذِهِ اَلزِّيَادَةَ فِي ذِكْرِ اَلْمَوْتِ.
===
- (بِعَيْنِهِ) أي: لم يتغير ولم يتبدل.
(فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) أي: كائناً من كان وارثاً وغريماً.
(قد أفلس) المفلس شرعاً: ما تزيد ديونه على موجوده، سمي مفلساً لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال وهي الفلوس، أو سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس، لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلساً.
• من هو المفلس في عرف الفقهاء؟
المفلس: هو من دينه أكثر من ماله.
قال ابن حجر: المفلس شرعاً من تزيد ديونه على موجوده، سمي مفلساً لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال وهي الفلوس، أو سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس، لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلساً.
وقال ابن قدامة: وَالْمُفْلِسُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ، وَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَخْلِهِ.
وَسَمَّوْهُ مُفْلِسًا وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ عَدَمِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ، كَالْفُلُوسِ وَنَحْوِهَا. (المغني).
• هل يحجر على المفلس؟
إذا كانت ديون الإنسان أكثر من ماله فإنه يحجر عليه، إذا طلب الغرماء ذلك [الغرماء] أصحاب الديون.
- ومعنى الحجر: منع الإنسان من التصرف في جميع ماله، ويمنع من التصرف في ماله فقط، فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يهب، أما في الذمة فلا بأس، فلو استدان من غيره شيء فإن له ذلك.
стр. 1557
ولأن في الحجر عليه حماية لحق الدائن، وحماية لذمة المدين، لئلا تبقى ذمته مشغولة بالدين.
ثم يصفي ماله، فيباع ما وراءه، فإذا كان عنده دكان تباع البضاعة التي فيه، وإذا كان عنده عقار فإنه يباع، وأما البيت الذي يسكنه والسيارة التي يركبها لا تباع، لأن هذه بمثابة الأمور الضرورية.
ويقسم ماله على الغرماء بقدر ديونهِم.
• اذكر أنواع الحجر؟
الحجر ينقسم إلى قسمين:
الأول: حجر لمصلحة الغير: (وهم الغرماء).
الثاني: وحجر لمصلحة المحجور عليه، كالحجر على السفيه والمجنون والصغير.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن من باع متاعه [كسيارة، أو ثوباً، أو غيره] لأحد مؤجلاً، أو ودعه، فأفلس المشتري، بأن كان ماله لا يفي بديونه، فللبائع أخذ متاعه إذا وجد عينه، بأن كان بحالة لم تتغير صفاته بما يخرجه عن اسمه، ولم يقبض من ثمنه شيئاً، فحينئذٍ يكون أحق به من الغرماء.
وهذه المسألة وقع فيها خلاف بين العلماء:
القول الأول: أن من وجد عين ماله عند من أفلس، فهو أحق به من غيره.
وهذا مذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة.
قال ابن عبد البر: وممن قال بهذا الحديث، واستعمله وأفتى به، فقهاء المدينة، وفقهاء الشام، وفقهاء البصرة، وجماعة من أهل الحديث.
لحديث الباب.
القول الثاني: أن البائع غير مستحق لأخذ عين ماله حين يجده، بل يكون أسوة بين الغرماء.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لكن هذا قول ضعيف مصادم للنص.
والراجح مذهب الجمهور.
وقد جاء في رواية (إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها دون الغرماء) رواه ابن حبان.
• ماذا نستفيد من قوله (بعينه)؟
نستفيد: أن تقديم صاحب السلعة على غيره يكون بشرط: أن يجد ماله بعينه، أي لم يتغير ولم يتبدل، فإن تغير فهو أسوة الغرماء.
مثال: باع رجل على رجل بعيراً، ثم أفلس هذا الرجل، لكن البعير سمنت أكثر، فهنا لا يستحق هذا المال، بل يكون أسوة الغرماء.
كذلك إذا قبض من ثمنه شيئاً، فإنه في هذه الحالة لا حق له، ويكون أسوة الغرماء.
стр. 1558
فقد جاء في رواية: (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئاً فوجده بعينه فهو أحق به) فمفهومه أنه إذا قبض من ثمنه شيئاً كان أسوة الغرماء.
إذاً يشترط:
أولاً: أن تكون عين المتاع موجودة عند المشتري المفلس لم تتغير لقوله (بعينه).
الثاني: أن يكون الثمن غير مقبوض من المشتري، فإن قبض البائع شيئاً من الثمن فلا رجوع له على المفلس بعين ماله، لرواية أبي داود (ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً).
الثالث: أن يكون المشتري حياً، فإن مات فلا رجوع للبائع بل هو أسوة الغرماء. (وهذا المذهب كما سيأتي).
• ما الحكم إذا مات المفلس، هل يكون الرجل أحق بماله أو يكون أسوة الغرماء؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقال بعض العلماء: هو أحق بماله.
وهذا مذهب الشافعي.
قال الحافظ ابن حجر: واحتج الشافعي بحديث أبي هريرة قال (قضى رسول الله ﷺ أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه) وهو حديث حسن يحتج بمثله، أخرجه أحمد وأبو داود.
وقيل: بل يكون أسوة الغرماء.
وهذا مذهب مالك وأحمد.
لقوله (من أدرك ماله بعينه عند رجل) وبعد موته لا يكون أدركه عند هذا الرجل، وإنما أدركه عند الورثة.
وهذا الراجح.
• ما الحكم إذا مات صاحب المتاع؟ فهل تسقط حق ورثته، أو أن الورثة ينزلون منزلة المورث؟
قولان للعلماء، والراجح فيها أنه يورث فيكون الورثة أحق به من بقية الغرماء.
стр. 1559
٨٦٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ اَلشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيُّ اَلْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَلَّقَهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(لَيُّ) اللي: المطل.
(اَلْوَاجِدِ) أي: القادر على قضاء دينه.
(يُحِلُّ عِرْضَهُ) أي: لصاحب الدين أن يذمه ويصفه بسوء القضاء، وفسره وكيع في هذا الحديث بشكايته، وكذا سفيان عند البخاري معلقاً.
(وَعُقُوبَتَهُ) أي: حبسه.
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث في إسناده محمد بن عبد الله بن ميمون وفيه ضعف، ولذا علقه البخاري بصيغة التمريض فقال: ويُذكر.
وقد صحح الحديث الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان، وقال ابن حجر في الفتح: إسناده حسن، وذكر الطبراني أنه لا يروى إلا بهذا الإسناد.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم المماطلة في أداء الديْن لصاحبه.
وقد دل على تحريم ذلك:
أ- حديث الباب.
ب- حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (مطل الغني ظلم) متفق عليه.
والمطل في اصطلاح الفقهاء: منع أداء ما استحق أداؤه.
ج- حديث أبي هريرة -وقد تقدم- ( … ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري.
قال ابن قدامة: إذَا امْتَنَعَ الْمُوسِرُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلِغَرِيمِهِ مُلَازَمَتُهُ، وَمُطَالَبَتُهُ، وَالْإِغْلَاظُ لَهُ بِالْقَوْلِ، فَيَقُولُ: يَا ظَالِمُ، يَا مُعْتَدٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لَيُّ الْوَاجِدِ، يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ)، فَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ، وَعِرْضُهُ أَيْ يُحِلُّ الْقَوْلَ فِي عِرْضِهِ بِالْإِغْلَاظِ لَهُ، وَقَالَ النبي ﷺ (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) وَقَالَ (إنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا).
وقد تقدم أن المدين ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
مدين غير قادر على الوفاء معسر معدم، فهذا لا يجوز مطالبته.
مدين قادر مليء فهذا يجب عليه وفاء دينه، يحرم عليه المماطلة.
ومدين معسر غير معدم، له من المال ما يكفي لبعض ديونه لا كلها، فهذا يحق للغرماء أن يرفعوا أمره إلى القاضي، وهو موضوع الحديث السابق (من أدرك ماله بعينه .. ).
• ماذا نستفيد من قوله (لي الواجد)؟
أن غير الواجد المعسر الذي لا يجد وفاء، لا يعد مماطلاً، بل هذا يجب إنظاره، كما في الحديث السابق (مطل الغني ظلم) مفهومه مطل غير الغني ليس بظلم.
стр. 1560
• متى يحصل المطل؟
يحصل المطل بأمرين:
الأول: أن يطالب المستحق المدينَ بالوفاء، لأنه لا يقال مطله إلا إذا طالبه فدافعه.
الثاني: أن يمتنع المدين عن الوفاء بلا عذر.
فإذا كان امتناع المدين عن الوفاء لعذر، كعدم تمكنه من إحضار المال الغائب، أو كان معسراً فلا يعد مماطلاً بامتناعه.
قال النووي: وَمَطْل غَيْر الْغَنِيّ لَيْسَ بِظُلْمٍ وَلَا حَرَام لِمَفْهُومِ الْحَدِيث، وَلِأَنَّهُ مَعْذُور، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْأَدَاء لِغِيبَةِ الْمَال أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ جَازَ لَهُ التَّأْخِير إِلَى الْإِمْكَان، وَهَذَا مَخْصُوص مِنْ مَطْل الْغَنِيّ. أَوْ يُقَال: الْمُرَاد بِالْغَنِيِّ الْمُتَمَكِّن مِنْ الْأَدَاء، فَلَا يَدْخُل هَذَا فِيهِ.
• ماذا نستفيد من قوله (وعقوبته)؟
نستفيد أن المدين إذا امتنع عن الوفاء، وماطل وهو معلوم الملاءة، فإنه يحبس.
وبهذا قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
وهو مروي عن عدد من قضاء السلف منهم: شريح القاضي، والشعبي، وابن أبي ليلى.
قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ قولهم من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين.
لحديث الباب ( … وعقوبته) والحبس عقوبة.
- وقوله ﷺ (مطل الغني ظلم) والظالم يستحق العقوبة، لوجوب دفع الظلم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. التحذير من مماطلة الغني بالديْن.
٢. أن لي غير الواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته. (الأحد: ١٤/ ٤/ ١٤٣٤ هـ)
стр. 1561
٨٦٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ اِبْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ " فَتَصَدَّقَ اَلنَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(أُصِيبَ رَجُلٌ) قيل: هو معاذ بن جبل، قاله النووي، وقال القرطبي: هذا الرجل هو معاذ بن جبل، وكان غرماؤه يهود.
(فِي ثِمَارٍ اِبْتَاعَهَا) أي: اشتراها، يعني لحقه خسران، بسبب إصابة آفة ثماراً اشتراها، ولم ينقد ثمنها.
(فَكَثُرَ دَيْنُهُ) أي: فطالبه البائع بثمن تلك الثمرة، وكذا طالبه بقية غرمائه، وليس له مال يؤديه.
(تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ) أي: على الرجل المدين، والصدقة: التبرع بالمال ابتغاء وجه الله.
(تَصَدَّقَ اَلنَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أي: ما تصدقوا عليه.
(وَفَاءَ دَيْنِهِ) أي: لكثرته.
(فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ) أي: مما تصدق الناس عليه.
(وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) أي: إلا أخْذ ما وجدتم.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على أن المعسر لا تحل مطالبته، ولا ملازمته، ولا سجنه، وبهذا قال الشافعي ومالك وجمهور العلماء.
كما قال تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
ولقوله (وليس لكم إلا ذلك).
• ماذا نستفيد من قوله (خذوا ما وجدتم)؟
ونستفيد: أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد له، ويستثنى من ذلك ما كان من ضرورته.
ونستفيد أيضاً: أنه لا حق للغرماء في ما زاد على ما عنده.
• لكن هل هذا يعني سقوط بقية الدين؟
الجواب: لا، ولكن المراد سقوط الطلب ببقية الديْن، وليس المراد سقوط بقية الدين.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. أنه ينبغي لذي الجاه المطاع أن يشفع لمن أصيب.
٢. مبادرة الصحابة إلى امتثال أمر النبي ﷺ .
стр. 1562
٨٦٨ - وَعَنِ اِبْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا، وَرُجِّحَ إرساله.
===
(حَجَرَ) الحجر المنع.
(عَلَى مُعَاذٍ) ابن جبل.
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث مختلف فيه، صححه ابن كثير في (إرشاد الفقيه).
وضعفه جماعة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن من قلّ ماله وكثر دينه، وطلب غرماؤه الحجر عليه، أن الحاكم يحجر عليه.
• عرف الحجر؟
الحجر لغة: المنع.
وشرعاً: منع الإنسان من التصرف في ماله إما لمصلحته أو لمصلحة الغير.
• اذكر أقسام الحجر؟
ينقسم الحجر إلى قسمين:
الأول: حجر لمصلحة الغير.
فيمنع الإنسان من التصرف في ماله فقط، فإذا كان الإنسان مدين، وديْنه أكثر من ماله، حُجر عليه لمصلحة الغرماء، ويمنع من التصرف في ماله فقط، فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يهب، أما في الذمة فلا بأس، فلو استدان من غيره شيء فإن له ذلك.
الثاني: وحجر لمصلحة المحجور عليه (كالحجر على السفيه والمجنون والصغير)، وسيأتي بالحديث القادم إن شاء الله.
• ما الدليل على الحجر على المفلس؟
أ- حديث الباب.
ب-ولأن في الحجر عليه حماية لحق الدائن، وحماية لذمة المدين، لئلا تبقى ذمته مشغولة بالدين.
• ماذا يفعل الحكم إذا حجر على المفلس؟
يبيع ماله ويوزعه فوراً على الغرماء، لحديث الباب.
ويُترك للمفلس من ماله: ما يحتاج إليه ولا يستغني عنه مثل: الثياب، والكتب، والبيت الذي يسكنه، وآلات الصنعة، والقوت الضروري، ورأس مال التجارة .... إلخ
ويؤخذ الزائد عن حاجته من هذه الأشياء، ويترك له ما يكفيه بلا زيادة.
وذهب بعض العلماء (الإمامان مالك والشافعي) إلى أنه إذا كان يقيم في بيت يملكه فإنه يؤخذ منه ويُباع، ويُستأجر له بيت يسكنه.
стр. 1563
• ما كيفية توزيع ماله على الغرماء؟
يقسمه على الغرماء بقدر ديونهِم.
قال الحافظ في الفتح: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ ظَهْر فَلَسُهُ فَعَلَى الْحَاكِمِ الْحَجْر عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَتَّى يَبِيعَهُ عَلَيْهِ وَيَقْسِمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ عَلَى نِسْبَةِ دُيُونِهِم. (الفتح).
كيفية التوزيع: أن يُنسب الموجود من مال المفلس إلى الديُن ونعطي كل واحد من الغرماء بقدر نسبته.
مثال: إذا كان رجل عليه دين، ومحمد يطلبه ﴿٢٠٠٠﴾ وخالد ﴿٣٠٠٠﴾ وأحمد ﴿٥٠٠٠﴾ المجموع: ١٠٠٠٠، ولم نجد عنده إلا ﴿٥٠٠٠﴾ فيكون التوزيع كالتالي.
ننسب ﴿٥٠٠٠﴾ إلى ﴿١٠٠٠﴾، يخرج النصف فيصير محمد له: ١٠٠٠، وخالد: ١٥٠٠ وأحمد: ٢٥٠٠.
مثال آخر: الديون خمسمائة ألف، كل واحد من الغرماء الخمسة له مائة ألف، فلما أحصينا مال المفلس فإذا هو مائة ألف، انسب الموجود من مال المفلس إلى مال الديون يساوي الخمس، فنعطي كل واحد من الغرماء الخمس (فيأخذ كل واحد منهم عشرون ألفاً).
• هل يقدم أحد من الغرماء؟
لا، فلا يقدم صاحب دين على آخر، فلا يقدم السابق على اللاحق، أو صاحب الكثير على القليل. فلا فرق بين هؤلاء.
فلو واحد دينه (مائة ألف، والثاني دينه خمسة آلاف، كل واحد من هؤلاء يأخذ الخمس).
• هل يستثنى أحد؟
إلا صاحبُ الرهن برهنهِ.
ومن وجد ماله بعينه عنده (كما تقدم).
• إذا تم توزيع مال المفلس على الغرماء، ولم يف بجميع الدين، فهل يبقى الباقي ديناً عليه أم يسقط؟
بل يبقى ديناً، متى قدِر أن يقضيها وجب عليه أن يقضيها.
قال ابن قدامه: وإذا فُرِّق مال المفلس وبقيت عليه بقية وله صنعة فهل يجبره الحاكم على إيجار نفسه ليقضي دينه؟ على روايتين.
ثم ذكر القولين بأدلتهما، ولم يصرح بالراجح منهما، غير أنه يظهر من كلامه أنه يميل إلى القول بأن الحاكم يجبره على العمل ليقضي دينه.
ثم قال ابن قدامة: وإن فُكَّ الحجر عليه (يعني: بعد بيع ماله) لم يكن لأحد مطالبته ولا ملازمته حتى يملك مالاً.
• هل يستحب إظهار الحجر؟
نعم يستحب لفائدتين:
الأولى: ليظهر من له دين عند هذا الرجل.
الثانية: ألا يتصرف أحد معه في هذا المال الذي عنده، لأن تصرفه بعد الحجر باطل.
• هل يحل الديْن المؤجل بفلس المدين؟
لا يحل، لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه.
فلو أن رجلاً أفلس وحجرنا عليه، ولشخص آخر عليه دين مؤجل لا يحل إلا بعد سنة، فلا يحل هذا الديْن المؤجل لتفليس المدين.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. حرص الشريعة على حقوق الناس.
٢. خطر الدين.
٣. أنه لا يفك الحجر إلا الحاكم، لأنه ثبت بحكم الحاكم فلا يرتفع إلا بحكمه.
стр. 1564
٨٦٩ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (عُرِضْتُ عَلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا اِبْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ، وَأَنَا اِبْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ (فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ) وَصَحَّحَهَا اِبْنُ خُزَيْمَةَ.
٨٧٠ - وَعَنْ عَطِيَّةَ اَلْقُرَظِيِّ ﵁ قَالَ (عُرِضْنَا عَلَى اَلنَّبِيِّ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
===
(عُرِضْتُ عَلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ أي: قُدّمتُ إلى الرسول ﷺ ، لينظر إليّ ويعرف حالي ومقدرتي على القتال.
(يَوْمَ أُحُدٍ) أي: غزوة أحد، وكانت سنة ٣ هـ في شوال.
(فَلَمْ يُجِزْنِي) أي: لم يأذن لي بالخروج إلى القتال في أحد، وفي رواية لمسلم (فاستصغرني).
(وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ) أي: في غزوة الخندق، سنة خمس.
(عَطِيَّةَ اَلْقُرَظِيِّ) بضم القاف وفتح الراء، نسية إلى قريظة، وهم بطن من اليهود كانوا يسكنون المدينة.
(عُرِضْنَا عَلَى اَلنَّبِيِّ يَوْمَ قُرَيْظَةَ) وهي الغزوة المعروفة، وسببها هو ما وقع من بني قريظة من نقض عهده ﷺ ، وممالأتهم لقريش، وغطفان عليه، فتوجه إليهم النبي ﷺ بعد غزوة الأحزاب لسبع بقين من ذي القعدة، وخرج إليهم في ثلاثة آلاف.
• اذكر النوع الثاني من أنواع الحجر؟
الحجر لمصلحة المحجور عليه (كالحجر على السفيه والمجنون والصغير).
السفيه: الذي لا يحسن التصرف في ماله بأن يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة.
الصغير: هو من لم يبلغ.
المجنون: من لا عقل له.
فهؤلاء يمنعون من التصرف في المال والذمة.
لقوله تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً). وهذا خطاب للأولياء، والسفيه كل من لا يحسن التصرف، فيدخل في عموم الآية الصغير والمجنون.
- قوله (أموالكم) أي أموال السفهاء وليست أموال الأولياء، لكن أضاف أموالهم إلى الأولياء، لأمرين:
الأمر الأول: لأنها تحت نظرهم وتصرفهم. الأمر الثاني: إشارة إلى أنها مثل أموالهم في وجوب العناية بها.
• متى يزول الحجر عن الصبي؟
يزول الحجر عن الصبي بشرطين:
الأول: البلوغ.
الثاني: الرشد، لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ).
قال ابن قدامة: وجوب دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ ليس فيه خلاف، وإذا بلغ الصغير غير رشيد لا تسلم إليه أمواله بل يحجر عليه بسبب السفه باتفاق المذاهب.
стр. 1565
• اذكر علامات البلوغ؟
أولاً: إنزال المني بجماع أو احتلام
قال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام.
قال تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا).
وقال ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: … وعن الصبي حتى يحتلم) رواه أبو داود.
ثانياً: الحيض.
قال ابن قدامة: وأما الحيض فهو علم على البلوغ، لا نعلم فيه خلافاً.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء.
لحديث عائشة. قالت: قال ﷺ (لا يقبل الله صلاة حائض من غير خمار).
ثالثاً: بالبلوغ بالسن.
• اختلف العلماء في السن الذي يكون به البلوغ: على أقوال:
القول الأول: البلوغ بالأربع عشرة سنة. وهو قول الثوري.
القول الثاني: بالخمس عشرة سنة.
قال ابن حجر: وقال الشافعي وأحمد وابن وهب والجمهور: حده فيها استكمال خمس عشرة سنة.
وقال النووي: وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب وأحمد وغيرهم، قالوا: باستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفاً وإن لم يحتلم.
لحديث الباب ( … وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ، وَأَنَا اِبْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي … ).
قَالَ نَافِعٌ فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
القول الثالث: البلوغ بالسبع عشرة سنة.
قال الشوكاني: وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة.
وقال ابن حجر: وقال أكثر المالكية: حده فيها سبع عشرة أو ثمان عشرة.
القول الرابع: البلوغ بالثمانية عشرة سنة.
وهذا القول عزي لأبي حنيفة إلى أن حد البلوغ في استكمال ثمان عشرة سنة إلا أن يحتلم قبل ذلك.
القول الخامس: البلوغ بالإنبات. وقال به جمع من أهل العلم.
قال ابن حجر: فاعتبر مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور الإنبات.
وقال ابن حزم: والإنبات بلوغ صحيح.
لحديث الباب -عطية- ( … فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي).
стр. 1566
٨٧١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه. أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَجُوزُ لِاِمْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا).
وَفِي لَفْظٍ (لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا، إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ اَلسُّنَنِ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
• ما حكم تصرف المرأة في مالها بغير إذن زوجها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: إن الزوج له حق منعها فيما زاد على الثلث وليس له الحق فيما دون ذلك.
وبه قال المالكية والحنابلة على إحدى الروايتين.
أ-لما ورد أن خيرة امرأة كعب بن مالك أتت النبي ﷺ بحلي لها فقال لها النبي ﷺ : " لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ فِي مَالِهَا إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا فَهَلْ اسْتَأْذَنْتِ كَعْبًا قَالَتْ نَعَمْ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ زَوْجِهَا فَقَالَ هَلْ أَذِنْتَ لِخَيْرَةَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّهَا فَقَال نَعَمْ فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا) رواه ابن ماجه، وفي إسناده عبد الله ابن يحيى وأبوه مجهولان.
- ولحديث الباب.
قيّد هؤلاء المنع بما زاد على الثلث لوجود نصوص أخرى داله على أن المالك له حق التصرف في ماله في الثلث وما دونه بالوصية، وليس له ذلك في ما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة كما في قصة سعد بن أبي وقاص المشهورة، حينما سأل النبي ﷺ هل يتصدق بجميع ماله قال لا، قال فالثلثين، قال لا؟ قال: فبالشطر قال لا قال فبالثلث، قال: الثلث والثلث كثير.
وأما استدلالهم بالقياس فهو أن حق الزوج متعلق بمالها بدليل قوله ﷺ (تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها) أخرجه السبعة، والعادة أن الزوج يزيد في مهرها من أجل مالها وينبسط فيه وينتفع به، فإذا أعسر بالنفقة أنظرته فجرى ذلك مجرى حقوق الورثة المتعلقة بمال المريض.
القول الثاني: للزوج منع زوجته مطلقاً إلا بإذن زوجها.
وبه قال طاوس.
قال ابن حجر في الفتح: واحتج طاوس بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .. ثم ذكر حديث الباب.
القول الثالث: للمرأة التصرف في مالها مطلقاً سواء كان بعوض أو بغير عوض، أكان ذلك بمالها كله أو بعضه.
وبه قال الجمهور ومنهم الحنفية، والشافعية، والحنابلة في المذهب، وابن المنذر.
أ- لقوله تعالى (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً).
فأباح الله للزوج ما طابت له به نفس امرأته.
ب- ولحديث ابن عباس ( .. فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، … ) وقبِل النبي ﷺ صدقتهن، ولم يسأل عن إذن أزواجهن لهن في الصدقة، فدل على أنه لا يشترط.
стр. 1567
ج-وعن مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ -رضى الله عنها- (أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي قَالَ «أَوَ فَعَلْتِ». قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِك) رواه البخاري ومسلم.
وجه الدلالة: أن ميمونة أعتقت ولم تستأذن النبي ﷺ ، ولم يستدرك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو أولى لها.
وهذا القول هو الصحيح.
قال في الفتح: وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة.
• بماذا أجاب جمهور العلماء عن حديث الباب؟
الجواب الأول: بأنّ ذلك محمول على الأدب وحسن العشرة ولحقّه عليها ومكانته وقوة رأيه وعقله.
قال السندي في شرحه على النسائي في الحديث المذكور: وهو عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج
الجواب الثاني: تضعيف الحديث.
ونقل عن الشافعي أن الحديث ليس بثابت، وكيف نقول به والقرآن يدل على خلافه ثم السنة ثم الأثر ثم المعقول .. وقد أعتقت ميمونة قبل أن يعلم النبي ﷺ فلم يعب ذلك عليها، فدل هذا مع غيره على أن هذا الحديث إن ثبت فهو محمول على الأدب والاختيار.
стр. 1568
٨٧٢ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ [اَلْهِلَالِيِّ]﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : إِنَّ اَلْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ اَلْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اِجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ اَلْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ اَلْمَسْأَلَةُ) رواه مسلم.
===
(وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ اَلْهِلَالِي) صحابي سكن البصرة.
(إِنَّ اَلْمَسْأَلَةَ) وعند النسائي (إن الصدقة) وأول الحديث (عن قبيصة قال: تحملتُ حمالةً فأتيتُ رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة إن المسألة … ).
(حَتَّى يُصِيبَهَا) أي: ينال من المال ما يقضي به تلك الحمالة.
(ثُمَّ يُمْسِكَ) أي: يترك مسألة الناس، لانقضاء سبب حل مسألتهم.
(وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) الجائحة: هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال، وتستأصلها، كالغرق والحرْق والبرد المفسد للزروع والثمار.
(حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) أي: ما يقوم بحاجته الضرورية.
(وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) أي: رجل كان غنياً ثم افتقر، وأصابته حاجة ولم يعرف حاله.
(حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ) وفي رواية النسائي (حتى يشهد ثلاثة).
(مِنْ ذَوِي الْحِجَى) أي العقل.
(مِنْ قَومِهِ) لأنهم أعلم بحاله.
(فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ اَلْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) السحت: كل مال حرام، وسمي به لأنه يسحت ويمحق المال.
• ما معنى قوله (تحملتُ حمالةً)؟
أي: تكلفت ديْناً.
قال الخطابي: تفسير الحَمَالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويحدث بسببهما العداوة والشحناء، ويُخاف من ذلك الفتق العظيم، فيتوسط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين، ويضمن مالاً لأصحاب الطوائل، يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة، وتعود بينهم الألفة.
وقال النووي: الحَمالة: هِيَ بِفَتْحِ الْحَاء، وَهِيَ الْمَال الَّذِي يَتَحَمَّلهُ الْإِنْسَان أَيْ يَسْتَدِينُهُ وَيَدْفَعهُ فِي إِصْلَاح ذَات الْبَيْن كَالْإِصْلَاحِ بَيْن قَبِيلَتَيْنِ وَنَحْو ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَحِلّ لَهُ الْمَسْأَلَة، وَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاة بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَدِينَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
• اذكر أحوال تجوز فيها المسألة؟
الحالة الأول: رجل تحمل حمالة.
الحالة الثانية: الرجل إذا أصابت ماله جائحة أو آفة سماوية أهلكت تجارته وزرعه.
لأن هذا مما ينبغي فيها التعاون بين المسلمين.
الحالة الثالثة: رجل ادعى أنه أصابته فاقة وفقر بعد الغنى.
стр. 1569
• اذكر شروط إعطاء من ادعى فاقة بعد غنى؟
الشرط الأول: أن يشهد ثلاثة رجال.
الشرط الثاني: من ذوي العقول.
الشرط الثالث: أن يكونوا من قومه.
• لماذا اشترط النبي ﷺ أن يكونوا من ذوي العقول؟
قال النوي: وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحِجَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَط فِي الشَّاهِد التَّيَقُّظ فَلَا تُقْبَل مِنْ مُغَفَّلٍ.
وقال الشوكاني: وإنما جعل العقل معتبراً، لأنه من لا عقل له لا تحصل الثقة بقوله.
• لماذا اشترط النبي ﷺ أن يكونوا من قومه؟
قال النووي: وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ (مِنْ قَوْمه) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْخِبْرَة بِبَاطِنِهِ، وَالْمَال مِمَّا يَخْفَى فِي الْعَادَة فَلَا يَعْلَمهُ إِلَّا مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِصَاحِبِهِ.
• لماذا لم يشترط في الجائحة هذه الشروط (لم يحتج إلى بيّنة)؟
قال القرطبي: ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا، لظهور أمر الجائحة، وأما أمر الفاقة فقد تخفى.
• لماذا ذكر المصنف ﵀ هذا الحديث في هذا الباب، مع أنه قد ذكره في كتاب الزكاة؟
لأن الإنسان إذا أصيب بجائحة صار مفلساً، فتحل له المسألة.
• المال المحرّم لا بركة فيه، اذكر بعض الأدلة على ذلك؟
أ-قوله تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات).
ب- حديث الباب (فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ اَلْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا).
ج- حديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِي قال (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ! إِلاَّ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا … الحديث وفيه: فَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَع) متفق عليه.
وفي لفظ (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ).
قال ابن حجر ﵀: وفيه أن المكتسب للمال من غير حله لا يُبارك له فيه، لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع، وفيه ذم الإسراف، وكثرة الأكل والنهم فيه، وأن اكتساب المال من غير حله، وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه فيصير غير مبارك، كما قال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات).
د- حديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال (يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَع) متفق عليه.
هـ-عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) متفق عليه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. تحريم السؤال إلا في هذه الحالات الثلاثة.
٢. جواز المسألة لمن وجدت فيه إحدى القرائن المذكورة.
٣. من جازت له المسألة لا يسأل أكثر مما يسد حاجته.
٤. يعتبر ثلاثة شهود على الإعسار، وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة وجماعة.
وذهب الجمهور على أنه تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات، وحملوا حديث الباب على الاستحباب.
стр. 1570
بَابُ اَلصُّلْحِ
٨٧٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ اَلْمُزَنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (اَلصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحاً حَرَّمَ حَلَالاً وَ أَحَلَّ حَرَاماً، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطاً حَرَّمَ حَلَالاً وَأَحَلَّ حَرَاماً) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ.
وَكَأَنَّهُ اِعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ
٨٧٤ - وَقَدْ صَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف
قال الشوكاني بعد أن ذكر طرق الحديث ورواياته: ولا يخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسناً.
• عرف الصلح؟
الصلح: هو معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم، ويُتوصل بها إلى الموافقة بين المختلفين.
• اذكر بعض النصوص التي تدل على فضل الصلح؟
قال تعالى) وَالصُّلْحُ خَيْرٌ).
وقال تعالى) لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ).
وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).
وقال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).
وقال ﷺ (كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَة) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِم.
وقال ﷺ (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى؟ قال: إصلاح ذات البين) رواه أحمد.
وعن سهل بن سعد (أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم) رواه البخاري.
قال أنس: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة.
وقال أبو أمامة: امش ميلاً وعد مريضاً، وامش ميلين وزر أخاً في الله، وامش ثلاثة أميال وأصلح بين اثنين.
وقال بعض العلماء: من أراد فضل العابدين فليصلح بين الناس، ولا يوقع بينهم العداوة والبغضاء.
стр. 1571
• اذكر بعض أنواع الصلح؟
الصلح في الأموال: ويتكلم عنه الفقهاء في كتاب البيوع.
الصلح بين الزوجين: وهذا يتكلم عليه الفقهاء في باب عشرة النساء.
الصلح بين المتخاصمين: وهذا يتكلم عليه الفقهاء في كتاب القضاء.
الصلح بين أهل البغي وأهل العدل: وهذا يتكلم عليه الفقهاء باب حكم البغاة.
الصلح بين أهل الإسلام والكفار: وهذا يتكلم عليه الفقهاء في باب أحكام الجهاد.
• ما المقصود بالصلح في كتب الفقه؟
يقصد الفقهاء في باب الصلح، الصلح على الأموال.
• ما نستفيد من قوله (الصلح جائز بين المسلمين .... )؟
أي: أن الصلح جائز ونافذ ما لم يخالف الشريعة.
• متى يكون الصلح غير جائز؟ مع ذكر بعض الأمثلة؟
كما جاء في الحديث ( … إِلَّا صُلْحاً حَرَّمَ حَلَالاً وَ أَحَلَّ حَرَاماً) لأن ذلك مضادة لله ولرسوله.
أمثلة:
أ- إذا صالحت المرأة زوجها على ألا يطلقها. فهذا صلح حرم حلالاً، لأن الطلاق حلال.
ب- إذا صالح الرجل امرأة على مال لكي تقر له بالزوجية (هذا صلح لا يجوز، لأنه صلح يحل حراماً).
ج-رجل حصل بينه وبين زوجته شقاق ونزاع، فقالت: أصالحك وأصير لك امرأة طيبة بشرط أن تطلق زوجتك فلانة، فهذا حرام (لأنه أحل حراماً) فهي تريد أن تصالحه على إحلال أمر محرم (لأنها تريد منه أن يطلق زوجته الأخرى وهذا محرم).
• اذكر أنواع الصلح في الأموال؟
الصلح ينقسم إلى قسمين:
النوع الأول: الصلح مع الإقرار.
وهو جائز باتفاق الفقهاء.
بأن يقر الطرفان بالحق ثم يتصالحا عليه، فهذا حكمه حكم البيع.
مثال: اذا أقر أحمد لخالد أن في ذمته له ألف ريال، فأسقط خالد ٥٠٠ ريال منها، فهنا أقرا جميعاً بالحق.
فهنا صالحه عن الحق بجنسه.
- يصالحه بالحق بغير جنسه: إذا أقر له بألف ريال فصالحه عنها بسيارة فهنا صالحه عن الحق بغير جنسه.
- أو صالحه عن الديْن المؤجل ببعضِه حالاً، هذه تسمى عند العلماء مسألة (ضع وتعجل)، وهي جائزة على القول الراجح.
لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه كما لا يمنع من استيفائه.
لأن النبي ﷺ كلم غرماء جابر وسألهم أن يقبلوا ثمر حائطه ويحللوا أباه.
وكلم كعب بن مالك فوضع عن غريمه الشطر.
стр. 1572
• ماذا يشترط في هذا النوع من هذا الصلح؟
يشترط أن لا يكون ذلك بشرط.
كأن يقول له: نعم أنا مقر لك بهذا الديْن أو هذه العيْن، ولكن لا أوفيك إلا بأن تصالحني على شيء منها هبة منك لي، أو تبرأني على شيء منها.
فهذا لا يصح ولا يحل.
أ-لأن هذا من أكل أموال الناس بالباطل.
ب- ولأنه في هذه الحالة تحولت المسألة إلى معاوضة فتؤدي إلى ربا.
النوع الثاني: الصلح على إنكار.
أن يدعي شخص على آخر ديناً أو عيناً فينكر المدعَى عليه ثم يتصالحان على شيء معين.
فهي في حق المدعِي في حكم البيع، لأنه يأخذ المال عوضاً عن حقه، وفي حق المدعى عليه إبراء، لأنه يدفع هذا العوَض من أجل قطع الخصومة والنزاع وافتداء ليمينه.
مثال: ادعى محمد على إبراهيم أن الأرض التي بيد إبراهيم له، فقال ابراهيم: ليس لك (أنكر أن يكون له) لكن من أجل ألا يرفع الأمر إلى المحاكم، وخوفاً من اليمين، وقطعاً للخصومة قال: خذ هذه ٥٠٠٠ آلاف لك، فتصالحا على ذلك، فهذا في حق محمد بيع وفي حق إبراهيم إبراء.
- ويشترط في هذا الصلح (على الإنكار) أن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق، والمدعَى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع، فإن كان أحدهما عالماً بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه، وما أخذه حرام عليه، لأنه من أكل المال بالباطل.
- وهذا الصلح اختلف فيه الفقهاء على قولين:
القول الأول: أن هذا الصلح جائز.
وهذا مذهب المالكية، والحنفية، والحنابلة.
أ-لقوله تعالى (والصلح خير).
ب-ولحديث الباب.
ج-ولأن الصلح إنما شرع للحاجة إلى قطع الخصومة والمنازعة، والحاجة الداعية إلى ذلك أولى من الصلح في حال الإقرار، لأن الإقرار مسالمة ومساعدة، فهذا أولى بالجواز.
القول الثاني: أن الصلح على الإنكار باطل.
وهذا مذهب الشافعية، وابن حزم.
قالوا: بأن المدعي إن كان كاذباً فقد استحل مالَ المدعَى عليه، وهو حرام، وإن كان صادقاً فقد حرّم على نفسه ماله الحلال - لأنه يستحق جميع ما يدعيه -.
والراجح قول الجمهور.
• ما حكم المصالحة عن الديْن ببعضه حالاً؟
يجوز على القول الراجح، وقد تقدمت المسألة.
стр. 1573
• ما حكم الصلح على الحقوق المجهولة؟
جائز.
مثال: زيد وعمرو بينهما دين، ولكن كل منهما لا يعلم مقدار الدين، فتصالحا على شيء معين.
فزيد يقول أذكر أني أخذت منك دراهم لكن لا أذكر كم، وعمرو يقول أذكر أني أعطيتك دراهم، لكن لا أذكر كم هي؟ فتصالحا على ألف ريال وينتهي الأمر بذلك.
- وأما إذا كان أحدهما يعلم قدر الديْن ولكنه أخفى وجحد فإنه لا يصح في حقه باطناً.
• ما حكم الصلح على حد من الحدود (كحد السرقة أو الزنا)؟
لا يجوز، والصلح باطل.
مثال: رجل سرق من بيت رجل ثم أمسكه فبدلاً أن يرفع أمره إلى القاضي، قال: أعطيك كذا وكذا من المال ولا ترفع أمري إلى القاضي.
مثال آخر: رجل زنى بمولية رجل فصالحه على أن يعطيه شيء من المال، هذا كله صلح باطل.
بل الحدود يجب إقامتها.
• ما حكم الصلح على ترك الشهادة؟
لا يجوز.
مثال: قال له: أنت ستشهد مع زيد، خذ هذه ألف ريال، ولا تشهد.
• هل يجب الوفاء بالشروط؟
نعم، يجب بالوفاء بالشروط الصحيحة التي لا تخالف الشريعة، سواء كانت في البيع أو النكاح أو الإجارة أو الوقف أو غيرها.
أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) والأمر بالوفاء بالعقد أمر به وبأوصافه وشروطه التي تشترط فيه.
ب- وقال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) والشرط الذي التزمه الإنسان هو عهد على نفسه.
ج-وقال ﷺ (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) مفهومه أن كل شرط في كتاب الله يجب الوفاء به.
د - ولحديث الباب (المسلمون على شروطهم … ).
هـ- وعن عقبة بن عامر. قال: قال ﷺ (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) متفق عليه.
• ما حكم الشروط التي تخالف الشريعة؟
حرام وتكون باطلة.
لقوله ﷺ (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) متفق عليه.
• اذكر بعض الأمثلة على الشروط الصحيحة وغير الصحيحة؟
من الشروط الصحيحة:
أن تشترط المرأة على الرجل أن يسكنها في بيتاً لوحدها.
أو تشترط أن تُكمل دراستها.
أو أن يشترط البائع سكنى الدار لمدة شهر.
ومن الشروط الفاسدة:
أن تشترط الزوجة طلاق ضرتها.
أو أن يشترط البائع على المشتري ألا يتصرف في المبيع.
стр. 1574
٨٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَا يَمْنَعُ جَارٌ) الجار المراد به هنا الملاصق. والجار يطلق على عدة معان: يطلق ويراد به القريب.
قال تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً … والجار الجنب) أي القريب كما ذكر أهل التفسير. ويطلق ويراد به الشريك. كقوله ﷺ : (الجار أحق بسقبه) فإن المراد بالجار هنا الشريك في العقار.
(خَشَبَةً) أي من خشب سقفه الذي يسقف به داره.
(فِي جِدَارِهِ) الضمير يعود على الجار.
(عَنْهَا) الضمير يعود إلى السنة المذكورة في كلامه، قال النووي: أي عن هذه السنة.
قال القرطبي: هذا القول من أبي هريرة إنكار عليهم لما رأى منهم الإعراض، واستثقال ما سمعوه منه، وذلك أنهم لم يُقْبِلوا عليه، بل طأطؤوا رؤوسهم، كما رواه الترمذي في هذا الحديث.
(مُعْرِضِينَ): أي غير مسارعين للعمل بها وتضييعها.
(وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) قال القرطبي: أي لأحدثنّكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة، ولا تَقيّة، وأوقعها بينكم كما يُوقَع السهم بين الجماعة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: نهي الجار عن منع غرز جاره خشبه في جداره.
وهذا الحكم اختلف فيه العلماء:
تحرير محل النزاع:
أولاً: لا يدخل في هذا النزاع الانتفاع الذي ينتج عنه إلحاق ضرر بجدار الجار كتهديمه أو وهنه، فذلك غير جائز، لحديث (لا ضرر ولا ضرار).
ثانياً: كذلك لا يدخل في هذا النزاع الانتفاع الذي ليس له به حاجة، فليس للجار أن يضع خشبة على جدار جاره إن كان به غنية عن ذلك، لأنه انتفاع بملك غيره بغير إذنه من غير حاجة، فلم يجز.
ثالثاً: الخلاف وقع: في الانتفاع غير المضر بالجار، وهو الذي يحتاج إليه المنتفع لتسقيف بيته أو قيام بنائه.
فهذا اختلف فيه العلماء على قولين:
القول الأول: لا يجوز وضع الخشب على حائط الجدار إلا بإذنه، وإن لم يأذن فلا يجز، لكن يستحب له بذله.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، والقول الجديد عند الشافعية.
أ-لعموم الآيات التي تنهى عن الظلم والتعدي على أموال الآخرين وحقوقهم.
كقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً).
ب- وعموم الأحاديث التي تنهى عن أخذ أموال الآخرين ظلماً وعدواناً.
كقوله ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
وقوله ﷺ (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام).
стр. 1575
القول الثاني: أنه يجب على الجار أن يبذل حائطه لجاره مع الحاجة وقلة الضرر، وأنه يجبر على ذلك إذا امتنع.
وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال أبو ثور، وإسحاق، وابن حزم.
لحديث الباب.
وجه الدلالة: أنه نهي صريح عن منع الجار من الانتفاع بجدار جاره، وظاهر النهي يقتضي التحريم، وبالتالي فلا يجوز للجار منع جاره من الانتفاع بجداره عند الحاجة.
قال ابن حجر: استدل به على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار، فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر، وبه قال أحمد، وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية، والشافعي في القديم.
وهذا القول هو الصحيح.
• ما الجواب عن أدلة القول الأول؟
الجواب: أنها نصوص عامة، وحديث (لا يمنع … ) خاص، والخاص يقضي على العام.
قال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن نخصها وقد حمله الراوي على ظاهره وهو أعلم بالمراد
• بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن حديث الباب؟
أ-قال ابن حجر: وحملوا الأمر في الحديث على الندب، والنهي على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه.
ب- قالوا: إن الضمير في (جداره) يعود لصاحب الخشب، أي: لا يمنع جاره أن يغرز خشبه على جدار نفسه وإن تضرر به من جهة منع الضرر ونحوه.
لكن هذا خلاف الظاهر، ويؤيد رجوع الضمير إلى الجار، أن الراوي للحديث - أبو هريرة - قد حمل الضمير على ظاهره وهو عودته للجار، وأنكر على من أعرض عن ذلك، فدل على عودته للجار لا لصاحب الخشب.
• اذكر اهتمام الإسلام بالجار؟
أ-عن عائشة قالت. قال ﷺ (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
قوله (سيورثه): قيل: يجعل له مشاركة في المال، وقيل: أن ينزل منزلة من يرث بالبر والصلة، والأول أصح.
ب-وعَنْ أَبِى شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ». قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الَّذِى لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ) رواه البخاري.
قال ابن بطال: في هذا الحديث تأكيد على حق الجار لقسمه ﷺ على ذلك وتكرير اليمين ثلاث مرات، وفيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل.
وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) متفق عليه.
ج-وقال ﷺ (حسن الأخلاق وحسن الجوار يزيدان في الأعمار) رواه أحمد.
د- وقال ﷺ (يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) رواه مسلم.
стр. 1576
• اذكر أقسام الجيران؟
قسم الفقهاء ﵏ الجيران إلى ثلاثة أقسام:
أ- جار له حق واحد، وهو الذمي الأجنبي.
ب- جار له حقان، وهو المسلم الأجنبي، له حق الجوار، وحق الإسلام.
ج- جار له ثلاثة حقوق، وهو المسلم القريب، له حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة.
• ما حدود الجوار:
اختلفت عبارات أهل العلم اختلفت في حد الجوار المعتبر شرعًا على أقوال:
القول الأول: إن حد الجوار المعتبر شرعًا أربعون دارًا من كل جانب.
وقد جاء ذلك عن عائشة ﵂ كما جاء ذلك عن الزهري والأوزاعي.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (حق الجار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا … ) رواه أبو يعلى وهو ضعيف.
القول الثاني: الجار هو الملاصق فقط.
وبه قال أبو حنيفة وزفر.
قالوا: لأن الجار من المجاورة وهي الملاصقة حقيقة، والاتصال بين الملكين بلا حائل بينهما، فأما مع الحائل فلا يكون مجاوراً حقيقة.
القول الثالث: أن الجار هو الملاصق وغيره ممن يجمعهم المسجد إذا كانوا أهل محلة واحدة.
وبه قال القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني.
القول الرابع: الجار هو من قاربت داره دار جاره، ويرجع في ذلك إلى العرف.
وهذا اختيار ابن قدامة، وصوبه في الإنصاف.
وهذا القول هو الراجح.
قال الألباني: وقد اختلف العلماء في حد الجوار على أقوال ذكرها في "الفتح" (١٠/ ٣٦٧)، وكل ما جاء تحديده عنه ﷺ بأربعين ضعيف لا يصح، فالظاهر أن الصواب تحديده بالعرف.
стр. 1577
٨٧٦ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ اَلسَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) رَوَاهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
===
• ما مناسبة الحديث لباب الصلح؟
مناسبة الحديث لباب الصلح، أن المؤلف ﵀ قصد بيان أن النهي في الحديث الذي قبله محمول على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه. (منحة العلام).
• اذكر بعض النصوص التي تدل على تحريم مال المسلم بغير حق؟
أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ).
ب- وعن أَبي بكْرة عن النَّبيّ ﷺ قَال (إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَاً، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ … فَإنَّ دِمَاءكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عليكم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا). متفق عليه
ج-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا». وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه) رواه مسلم.
د-عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) متفق عليه.
هـ-وعن أَبي أمامة. أنَّ رَسُول الله ﷺ ، قَالَ (مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئ مُسْلِم بيَمينه، فَقدْ أوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الجَنَّةَ) فَقَالَ رَجُلٌ: وإنْ كَانَ شَيْئاً يَسيراً يَا رَسُول الله؟ فَقَال: (وإنْ قَضيباً مِنْ أرَاك) رواه مسلم.
و-وعن أبي هُريرةَ ﵁ (أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (أتدرونَ مَنِ المُفْلِسُ؟) قالوا: المفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرهَمَ لَهُ ولا مَتَاع، فَقَالَ: (إنَّ المُفْلسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يَومَ القيامَةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزَكاةٍ، ويأتي وقَدْ شَتَمَ هَذَا، وقَذَف هَذَا، وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وهَذَا مِنْ حَسناتهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قَبْل أنْ يُقضى مَا عَلَيهِ، أُخِذَ منْ خَطَاياهُم فَطُرِحَتْ عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّار) رواه مُسلم.
ز- وعن أبي حُرة الرقاشي عن عمه. أن رسول الله ﷺ قال (إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد.
стр. 1578
بَابُ الْحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ
٨٧٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَطْلُ اَلْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعُ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ (فَلْيَحْتَلْ).
===
(وَإِذَا أُتْبِعُ أَحَدُكُمْ) أي: أحِيل.
(عَلَى مَلِيٍّ) أي: قادر على الوفاء كما سبأتي إن شاء الله.
(فَلْيَتْبَعْ) أي: فليتحول، كما في رواية أحمد (فليحتل).
• ما معنى قوله (مَطْلُ اَلْغَنِيِّ ظُلْمٌ)؟
(مَطْلُ) المطل: المنع، يعني منع ما يجب على الإنسان دفعه من دين. (اَلْغَنِيِّ) القادر على السداد.
(ظُلْمٌ) الظلم شرعاً: نقص كل حق حقه.
ففيه دليل على تحريم المماطلة بالحق، لقوله (ظلم) فإذا كان ظلم وجب أن يزال، فإن أبى حبس بطلب صاحب الدين لأن الحق له.
وقال ﷺ (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) رواه أبوداود.
(لي) يعني مطل. (الواجد) القادر على الوفاء.
(عرضه) أي لصاحب الدين أن يذمه ويصفه بسوء القضاء. (عقوبته) حبسه.
مفهوم الحديث أن مطل غير الغني (العاجز) ليس بظلم. (وقد تقدم شرحه).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز الحوالة.
والحوالة ثابتة بالسنة والإجماع.
لحديث الباب.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة.
وقال النووي: أصلها مجمع عليه.
• عرف الحوالة؟
الحوالة: هي نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
مثال: زيد يطلب عمر مائة ريال، وعمر يطلب خالد مائة ريال، فجاء زيد إلى عمر وقال أعطني حقي فقال عمر: إن لي حقاً عند خالد هو مائة درهم وقد أحلتك عليه.
إذاً تحول الحق من ذمة عمر إلى ذمة خالد.
- والحوالة من عقود الإرفاق، فيها إرفاق للطالب والمطلوب، أما الطالب فوجه الإرفاق في حقه أنه ربما يكون المطلوب ذا صلة بالطالب بقرابة أو غيره فيشق عليه أن يطالبه، فيحيل المطلوب على الثالث فيكون إرفاقاً بالمحيل ﴿الطالب﴾.
أما بالنسبة للمطلوب فلأن الطالب قد يكون سيء المعاملة بالنسبة للمطلوب يضايقه ويكثر الترداد عليه فيتخلص منه بالتحويل إلى ذمة الآخر فيكون إرفاقاً بالمطلوب.
стр. 1579
• ما أركان الحوالة؟
محيل: وهو من عليه الحق وله حق.
محال: وهو من له الحق.
محال عليه: وهو المطلوب للمحيل.
• هل يشترط رضا المحيل؟
نعم يشترط رضاه.
قال ابن قدامة: ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف.
وقال ابن حجر: ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف.
وقال الشوكاني: ويشترط في صحة الحوالة رضا المحيل بلا خلاف.
لأن الديْن عليه فلا يلزمه أن يسدد عن طريق الحوالة.
• هل يشترط رضا المحال عليه؟
لا يشترط رضاه.
لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه أو بوكيله، وقد أقام المحال مقام نفسه بالقبض فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل.
• هل يجب على من أحيل بحقه أن يتحول أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجب أن يتحول إذا كان على مليء.
وهذا مذهب الحنابلة.
لأمر النبي ﷺ بذلك (فليحتل .. ) وهذا أمر والأمر للوجوب.
القول الثاني: أنه لا يجب بل يستحب.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
ونسبه ابن عبد البر لأكثر الفقهاء.
وقال ابن حجر: وهو قول الجمهور.
والقول الأول هو الصحيح لظاهر الحديث، إذا كان المحال عليه مليء.
• ماذا أجاب الجمهور عن حديث الباب؟
أ- قالوا: الأمر محمول على الاستحباب.
قال ابن الملقن: مذهب الشافعي وغيره أنه إذا أحيل على مليء استحب له قبول الحوالة، وحملوا الحديث على الندب، لأنه من باب التيسير على المعسر.
وقال القرطبي: وهذا الأمر عند الجمهور محمول على الندب، لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر.
стр. 1580
• عرف المليء؟
المليء: هو القادر على الوفاء بماله وبقوله وببدنه.
بماله: يكون عنده القدرة على الوفاء، أي: أن يكون عنده مال.
بقوله: ألا يكون مماطلاً.
ببدنه: معناه أن يمكنَ محاكمته شرعاً وعادة (يمكن إحضاره لمجلس الحكم)، فإن لم يمكن إحضاره لمجلس الحكم، فإن المحال لا يلزمه قبول الحوالة.
مثال: كأن يقول أحلتك على أبيك، فإنه هنا لا يلزمه قبول الحوالة، لأنه لا يمكن شرعاً إحضار الأب لمجلس لقضاء، وقد قال النبي ﷺ (أنت ومالك لأبيك).
وكذلك لو أحاله على أمير البلد، فإنه لا يلزمه قبول الحوالة، لأن أمير البلد لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم عادة.
• لو أحيل على غير مليء (كمماطل) هل يلزمه أن يتحول؟
من أحيل على غير مليء لا يلزمه التحول، لأمرين:
الأمر الأول: لمفهوم الحديث ( .. على مليء) فمفهومه أنه لو أحيل على غير مليء فلا يلزمه القبول.
الأمر الثاني: لأن في ذلك ضرراً عليه، وقد قال النبي ﷺ (لا ضرر ولا ضرار).
• إذا تمت الحوالة ماذا يترتب عليها؟
إذا تمت الحوالة بأن تمت شروطها، نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويبرأ المحيل براءة كاملة.
قال الموفق: وهو قول عامة الفقهاء.
وعلى هذا فلو قدر أن المحال عليه افتقر بعد تمام الحوالة، فإن المحال لا يرجع على المحيل، لأن الحق انتقل انتقالة كاملة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
следующие страницы →