Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
• هل يلزم الغاصب رد المغصوب بزيادته؟
نعم، يلزم الغاصب رد المغصوب بزيادته سواء كانت متصلة أو منفصلة.
لأنها من نماء المغصوب، وهو لمالكه، فلزمه ردها كالأصل.
مثال الزيادة المتصلة: غصب عناقاً صغيرة ثم كبرت وسمنت، فيجب عليه أن يردها بزيادتها.
مثال الزيادة المنفصلة: غصب شاة حائلاً، فولدت عنده، فيجب عليه أن يردها بزيادتها.
فيجب عليه الرد ولو غرم رده أضعاف قيمته.
يعني إذا لم يمكن رده إلا أن يخسر الغاصب قيمته عشر مرات، فإنه يلزمه رده.
لقوله ﷺ (ليس لعرق ظالم حق) رواه أبو داود.
• هل يلزم الغاصب ضمان نقص المغصوب ولو كان بغير فعله؟
نعم، يلزم الغاصب ضمان النقص ولو كان بغير فعله.
مثاله: غصب أمة شابة، وبقيت عنده لمدة شهرين، وأتاها ما يوحشها، فابيض شعرها، فكانت بالأول تساوي [١٠٠] درهم، والآن تساوي [٥٠] درهم، فيلزم الغاصب [٥٠] درهم، لأنها نقصت تحت استيلائه، فوجب عليه الضمان.
وأيضاً: لو أن هذه البهيمة هزلت وقل لحمها وجب عليه أرشها فيضمن النقص.
ومثل ذلك: ثوب تخرق، وبناء تهدم، وإناء تكسّر.
لأنه نقْص حصل في يد الغاصب فوجب ضمانه.
• ما الحكم لو غصب شيئاً له أجرة؟
إن غضب شيئاً له أجرة، كالعقار، والدواب ونحوها فعليه أجرة مثله، سواء استوفى المنافع أو تركها حتى ذهبت.
لأنها تلفت في يده العادية، فكان عليه عوضها.
فلو غصب أرضاً فعليه أجرتها منذ غصبها إلى وقت تسليمها.
• ما الحكم إذا غصب جارحاً أو كلباً فحصل بذلك صيداً؟
يكون الصيد لمالكه، لأن الكلب لمالكه.
وكذلك إذا غصب عبداً وصاد هذا العبد طيوراً، فإن الصيد لمالكه.
وأما إذا غصب فرساً: فصاد به، فإن الصيد للغاصب، لأن الفرس ليس هو الذي يصيد، بل يصاد عليه، والصائد هو الغاصب، لأن الغاصب صاد بسهمه، لكن على الغاصب أجرة الفرس.
стр. 1612
• هل يجب الضمان مطلقاً على الغاصب؟
نعم، يجب الضمان عليه مطلقاً، سواء تعدى أو فرط أو لم يتعدى ولم يفرط، لأن يده يد ظالم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. أن الأرضين سبع.
قال ﷺ ( … لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأراضين السبع وعامرهن … ).
وأما في القرآن فلم يرد تصريحاً، وإنما ورد تلميحاً كقوله تعالى (ومن الأرض مثلهن) أي في العدد.
٢. شدة تحريم الظلم.
٣. إثبات يوم القيامة.
٤. أن يوم القيامة لا يقاوم بأيام الدنيا.
٥. ليس اغتصاب الأموال مقصوراً على الاستيلاء عليها بقوة، بل ذلك يشمل الاستيلاء عليها بطريق الخصومة الباطلة والأيمان الفاجرة.
قال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون).
وقال ﷺ (من قضيت له بحق أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار).
стр. 1613
٨٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ اَلْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَكَسَرَتِ اَلْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا اَلطَّعَامَ. وَقَالَ: كُلُوا، وَدَفَعَ اَلْقَصْعَةَ اَلصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ، وَحَبَسَ اَلْمَكْسُورَةَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَسَمَّى اَلضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ) وَصَحَّحَهُ.
===
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ) وهي عائشة كما في رواية الترمذي.
(فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ اَلْمُؤْمِنِين) قال الطيبي: وإنما وصفت المرسلة بأنها أم المؤمنين إيذانًا بسبب الغيرة التي صدرت من عائشة وإشارة إلى غيرة الأخرى حيث أهدت إلى بيت ضرتها.
ولم يبين في هذه الرواية من المرسلة، ورجح الحافظ ابن حجر أنها زينب بنت جحش.
(فَكَسَرَتِ اَلْقَصْعَةَ) وفي رواية (غارت أمكم) وهذا اعتذار منه ﷺ لئلا يحمل صنيعها على ما يذم بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها.
قال ابن حجر: الغَيْرَة: بفتح المعجمة وسكون التحتانية بعدها راء قال عياض وغيره: هي مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن من أتلف لغيره شيئاً أنه يضمنه، فإن كان مثلياً ضمنه بمثله، وإن لم يكن مثلياً ضمنه بقيمته.
• ما هو المثلي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن المثلي كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه.
فقولنا: (كل مكيل أو موزون) خرج به ما سواهما كالمعدود، والمذروع، والحيوان، والثياب، وهلمّ جرّاً.
مثال: الأقلام متقومة، وكذلك الساعات متقومة؛ لأن فيها صناعة مباحة، فعلى المذهب يجب أن يرد قيمتها
وهذا المذهب.
القول الثاني: المثلي: ما له نظير أو مقارب من معدود أو مكيل أو موزون أو مصنوع أو غير ذلك.
وهذا قول ابن تيمية.
أ-لحديث الباب.
ب- ولأن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين وحصول مقصود صاحبه.
قال الشيخ ابن عثيمين: ولهذا كان القول الصحيح أن المثلي ما كان له مثل أو مقارب، وعلى هذا فالحيوان مثلي، ولهذا استسلف النبي ﷺ بَكْراً ورد خياراً رباعيّاً، فجعله مثليًّا، ولما جاء غلام إلى النبي ﷺ وهو عند إحدى نسائه بطعام، ضربت المرأة ـ التي كان النبي ﷺ في بيتها ـ يد الغلام حتى سقط الطعام وانكسرت الصحفة، فقال النبي ﷺ : إناء بإناء وطعام بطعام، وأخذ طعام التي كان عندها وصحفتها وردهما مع الغلام، فهنا ضمن الإناء بالمثل مع أن فيه صناعة، فجعله النبي ﷺ مثليّاً، ولا شك أن هذا القول هو الأقرب، وعلى هذا فإذا استقرض بعيراً ثبت في ذمته بعير مثله، وإذا استقرض إناء ثبت في ذمته إناء مثله، وهذا أقرب من القيمة.
стр. 1614
وقال ﵀: والصحيح أن المسجل من أقسام المثليات، والمذهب كل مصنوع فليس بمثلي، بل متقوم، والصواب أن الشيء المثلي هو الذي له مثل ونظير، ولهذا قال النبي ﷺ في الطعام الذي أرسلت به إحدى أمهات المؤمنين، وهو في بيت عائشة ﵂ وكسرت الإناء والطعام، أخذ النبي ﷺ طعامها وإناءها، وقال: طعام بطعام وإناء بإناء، وهذا يدل على أن المثلية تكون في المصنوعات، كما تكون في الحيوانات، فالرسول ﷺ استسلف بعيراً بكراً ورد خيراً منه رباعياً، وهذا يدل على أن المثل ـ أيضاً ـ في الحيوانات، وعندهم أن الحيوان متقوم؛ لأنهم يقيدون المثلي بكل مكيل، أو موزون لا صناعة مباحة فيه، يصح السلم فيه، وهذا ضيق جداً.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. شدة الغيْرة بين الضرات.
٢. فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة.
وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعاً (أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه).
٣. جواز إهداء الطعام.
٤. حل الهدية للرسول ﷺ ، وأما الصدقة فلا تحل، لأنها أوساخ الناس.
٥. أن الشيء المثلي يضمن بضمنه - كما تقدم - سواء كان مكيلاً أو معدوداً أو مزروعاً أو مصنوعاً أو غير ذلك، فالرسول ﷺ أرسل القصعة السليمة مكان القصعة التي كُسرتْ.
٦. سعة حلم النبي ﷺ .
стр. 1615
٨٩٧ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ اَلزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، ويقال: إن البخاري ضعفه.
• ما صحة حديث الباب؟
قال الخطابي: هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث.
وقال أيضاً: وضعفه البخاري أيضاً، وقال: تفرد بذلك شريك عن أبي إسحاق، وشريك يهم كثيراً أو أحياناً". (معالم السنن)
• ما حكم من غصب أرضاً وزرع فيها؟
حكم ذلك: أن الزرع يكون لصاحب الأرض، ويدفع للغاصب قيمة الزرع من بذر وحرث ونحو ذلك.
وهذا مذهب الإمام أحمد، واختاره ابن حزم.
قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق.
ولصاحب الأرض أن يبقي الزرع للغاصب بأجرة مثله إلى الحصاد مع أرش نقص الأرض.
لحديث الباب.
وذهب بعض العلماء إلى أن الزرع للغاصب وعليه أجرة الأرض.
والقول الأول أصح.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. تحريم الظلم ومن ذلك الغصب والاعتداء على حقوق الآخرين.
٢. أن ما كان حقاً للعباد، جاز لهم إسقاطه.
٣. أن تصرفات الغاصب باطلة.
стр. 1616
٨٩٨ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ اَلزُّبَيْرِ قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ مِنْ اَلصَّحَابَةِ; مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ : إِنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا، وَالْأَرْضُ لِلْآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَأَمَرَ صَاحِبَ اَلنَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ. وَقَال: لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
٨٩٩ - وَآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ " اَلسُّنَنِ " مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِين صَحَابِيِّهِ.
===
(لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ) أي: ليس لذي عرق ظالم حق، لأن العرق نفسه جماد، لا يعرف حقاً ولا باطلاً.
• ما صحة حديث الباب؟
سنده ضعيف.
• ما حكم إذا غرس الغاصب نخلاً في الأرض المغصوبة؟
إذا غرس الغاصب في الأرض المغصوبة، ألزِم بقلع الغرس.
لحديث الباب (لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ).
قال أبو عبيْد: فهذا الحديث مفسر للعرق الظالم، وإنما صار ظالماً لأنه غرس في الأرض وهو يعلم أنها ملك لغيره، فصار بهذا الفعل ظالماً غاصباً، فكان حكمه أن يقلع ما غرس.
وقد نقل ابن رشد الإجماع على ذلك.
وقال الموفق: لا نعلم فيه خلافاً.
• ما الحكم لو قلع النخل، وصارت الأرض غير مستوية وفيها حفر من الغرس؟
يجب عليه أن يسويها، وأن يرد الأرض إلى ما كانت عليه، لأنه ضرر حصل بفعله في ملك غيره.
стр. 1617
٩٠٠ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ; ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ اَلنَّحْرِ بِمِنًى (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ [وَأَعْرَاضَكُمْ] عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• على ماذا يدل الحديث؟
الحديث يدل على تحريم أكل أموال الناس بالباطل ومن ذلك الغصب.
وقد تقدم أدلة ذلك:
أ-قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ).
ب- حديث الباب.
ج-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا». وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه) رواه مسلم.
د-عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) متفق عليه.
هـ-وعن أَبي أمامة. أنَّ رَسُول الله ﷺ ، قَالَ (مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئ مُسْلِم بيَمينه، فَقدْ أوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الجَنَّةَ)) فَقَالَ رَجُلٌ: وإنْ كَانَ شَيْئاً يَسيراً يَا رَسُول الله؟ فَقَال: وإنْ قَضيباً مِنْ أرَاك) رواه مسلم.
ز- وعن أبي حُرة الرقاشي عن عمه. أن رسول الله ﷺ قال (إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد وله شواهد
• هل يدخل العقار في الغصب أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن العقار يدخل تحت الغصب، وأن الغصب كما يتصور في المنقولات فكذلك يتصور في العقارات.
وهذا قول جمهور العلماء.
أ- للحديث المتقدم (من ظلم قيد شبر طُوِّقه من سبع أرضين يوم القيامة).
هذا يدل على أن الغصب يدخل تحته العقار.
ب-ولحديث الباب (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) ويدخل في المال العقار.
القول الثاني: أن العقار لا يدخل تحت الغصب لا يتصور فيه الغصب.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
قالوا: لأن العقار لا يمكن نقله ولا تحويله.
والقول الأول أصح.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. الأصل في مال المسلم التحريم.
٢. تحريم دم المسلم بغير حق.
٣. تحريم عرض المسلم بغير حق.
٤. حرص النبي ﷺ على تبليغ العلم.
٥. التأكيد والنصح في المناسبات العامة.
стр. 1618
بَابُ اَلشُّفْعَةِ
٩٠١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ: (قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (اَلشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ).
وَفِي رِوَايَةِ اَلطَّحَاوِيِّ (قَضَى اَلنَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ) وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
===
(قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أي: حكم وألزم.
(فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ) الحدود جمع حد، والمراد به هنا: ما تُميز به الأملاك بعضها عن بعض.
(وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ) أي: بيّنت مصارف الطرق وشوارعها.
(اَلشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ) أي: في كل شيء مشترك، والشِرك: النصيب المشترك.
(أَرْضٍ) بيضاء مشتركة بين اثنين، فإذا باع أحد الشريكين فلشريكه الشفعة.
(أَوْ رَبْعٍ) بفتح الراء وهو المنزل، وإنما قيل للمنزل: رَبْعٌ، لأن الإنسان يربع فيه، أي: يقيم.
(أَوْ حَائِطٍ) الحائط: بستان النخل.
(لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ) وفي لفظ (لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه).
• ما صحة حديث الباب؟
حديث جابر رواه البخاري بهذا اللفظ، ورواه مسلم بلفظ آخر.
ورواية الطحاوي ذكرها الحافظ ابن حجر لأنها تدل على أن الشفعة تجوز في كل شيء.
• عرف الشفعة؟
الشفعة شرعاً: هي انتزاع الشريك حصة شريكه ممن اشتراها منه بالثمن الذي استقر عليه العقد.
قال ابن قدامة: وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الْمُنْتَقِلَةِ عَنْهُ مِنْ يَدِ مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ.
وقال في الفتح: وفي عُرف الشرع: انتقال حصة شريك إلى شريك، كانت انتقلت إلى أجنبي، بمثل العِوض المسمّى.
مثال الشفعة: زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه على خالد، فنقول لزيد أن ينتزع نصيب عمرو من خالد بالثمن الذي استقر عليه العقد.
• اذكر أدلة ثبوتها؟
قال ابن قدامة: وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
لحديث الباب.
قال ابن قدامة: أَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ، فِيمَا بِيعَ مِنْ أَرْضِ أَوْ دَارٍ أَوْ حَائِطٍ.
وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ، وَتَمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ لِشَرِيكِهِ، وَتَخْلِيصِهِ مِمَّا كَانَ بِصَدَدِهِ مِنْ تَوَقُّعِ الْخَلَاصِ وَالِاسْتِخْلَاصِ، فَاَلَّذِي يَقْتَضِيه حُسْنُ الْعِشْرَةِ، أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ، لِيَصِلَ إلَى غَرَضِهِ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ، وَتَخْلِيصِ شَرِيكِهِ مِنْ الضَّرَرِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَبَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، سَلَّطَ الشَّرْعُ الشَّرِيكَ عَلَى صَرْفِ ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ.
وقال في الفتح: ولم يختلف العلماء في مشروعيتها، إلا ما نُقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها.
стр. 1619
• بما تثبت الشفعة؟
تثبت الشفعة بالبيع، وهذا بالإجماع.
• هل تثبت الشفعة بالهبة؟
مثل أن يهب الشريك نصيبه لشخص.
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا تثبت بالهبة
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لأنها انتقلت بغير عوض مالي.
القول الثاني: أن الشفعة تثبت في الهبة.
وهذا قول ابن أبي ليلى وجماعة.
قالوا: لأن الضرر حاصل بالشريك الجديد.
• هل تثبت الشفعة إذا انتقل النصيب بالإرث؟
مثال: زيد وعمرو شريكان في أرض، فمات عمرو، فانتقل نصيبه إلى ورثته، فهل لزيد أن يشفع؟
الجواب: لا، لأنه انتقل بغير عوض، ولأنه انتقال غير اختياري.
• ما حكم التحايل لإسقاط الشفعة؟
حرام.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) رواه ابن بطة.
ولأن في التحيل: إسقاط لحق المسلم، والتحيل لإسقاط حق المسلم حرام، لأنه من باب العدوان على المسلمين.
• اذكر بعض صور التحايل؟
أولاً: أن يظهر الشريك والمشتري أن البيع بثمن كبير.
مثال: أن يبيعه بعشرة آلاف، ويقول أنني بعتها بخمسين ألف، فإن الشريك الآن لن يطالب بالشفعة، لأنه إذا طالب سوف يأخذها بالثمن الذي استقر عليه العقد.
ثانياً: أن يظهر الشريك والمشتري أن الانتقال بغير عوض، فيقول الشريك لشريكه: إنني قد وهبت فلان نصيبي من الأرض، وإذا قال: وهبت فلا شفعة على مذهب الجمهور.
ثالثاً: أن يوقف المشتري النصيب فوراً.
стр. 1620
• هل تثبت الشفعة في المنقولات (كالسيارات، والكتب، والأقلام) وغيرها؟
أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في العقارات، واختلفوا في غير العقارات كالمنقولات على قولين:
القول الأول: عدم ثبوت الشفعة في المنقول.
وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لحديث الباب (فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَة).
قالوا: إن وقوع الحدود وتصريف الطرق لا يتصور في المنقول.
ب- ولحديث (اَلشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ).
قالوا: جعل الشفعة في الربع والحائط، ولم يذكر المنقول.
القول الثاني: ثبوت الشفعة في المنقول.
وهذا اختيار ابن تيمية.
أ- لحديث الباب (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء).
قالوا: إن هذا الحديث عام، فيدخل فيه المنقول.
ب- أن الشفعة شرعت لإزالة الضرر، والضرر الثابت في العقار هو بعينه ثابت في المنقول.
وهذا القول هو الصحيح.
مثال: زيد وعمرو شريكان في سيارة، فباع عمرو نصيبه على بكر، فإنه - على القول الراجح - لزيد أن يشفع.
• ماذا نستفيد من قوله ( … فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ)؟
نستفيد: أنه لا شفعة للجار، وهذا قول جماهير العلماء، وستأتي المسألة إن شاء الله.
• هل تثبت الشفعة فيما لا يقبل القسمة؟
العقار المبيع إما أن يكون مما يقبل القسمة كالعقار الكبير من أرض أو دار أو مزرعة، وإما أن يكون مما لا يقبل القسمة بحيث لو قسم لم يعد كل قسم صالحاً للبيع وحده أو الانتفاع به، كالعقار الصغير من طريق ضيقة أو بئر أو نحو ذلك، فأما ما يقبل القسمة فلم يختلف أهل العلم في ثبوت الشفعة فيه، وأما ما لا يقبل القسمة فقد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: ثبوت الشفعة.
وبه قال الحنفية، والظاهرية، واختار ذلك ابن تيمية.
أ- لعموم حديث الباب (قضى النبي ﷺ في الشفعة في كل ما لم يقسم).
ب- أن الشفعة تثبت لإزالة الضرر بدخول شريك، والضرر متحقق في هذا النوع من العقار.
стр. 1621
القول الثاني: عدم ثبوت الشفعة.
وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لحديث الباب ( … في كل مالم يقسم).
قالوا: إن تعليقه ثبوت الشفعة في الشيء بما إذا لم يقسم دليل على أن ما لا يقبل القسمة لا تجري فيه الشفعة أصلاً.
ب- أن إثبات الشفعة هنا يلحق الضرر بالشريك البائع، لأنه لا يمكن أن يستقل بنصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع، وفي كل هذا ضرر على البائع.
• ما الواجب على الشريك إذا أراد أن يبيع نصيبه؟
يجب عليه أن يعرض على شريكه قبل أن يبيع.
لقوله ﷺ (لَا يحل أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ) رواه مسلم.
• هل للكافر شفعة على المسلم؟ (لو باع شريك الذمي شقصاً على مسلم، فهل للذمي الشفعة على المسلم أم لا).
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا شفعة لكافر على مسلم.
وهذا المذهب، واختيار ابن القيم.
أ- لما روي عن النبي ﷺ أنه قال (لا شفعة للنصراني) رواه البيهقي ولا يصح.
ب- أننا لو مكناه من الشفعة لجعلنا له سلطاناً على المسلم.
القول الثاني: أن له الشفعة.
وهذا قول جماهير العلماء.
لعموم الأدلة. وهو الصحيح.
• متى تسقط الشفعة؟
تسقط الشفعة بأمور:
أولاً: ترك طلب الشفعة.
ثانياً: إذا طلب الشفيع بعض العقار المبيع.
ثالثاً: الإبراء والتنازل عن الشفعة.
رابعاً: التنازل عن الشفعة مقابل تعويض أو صلح.
стр. 1622
٩٠٢ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَفِيهِ قِصَّةٌ.
٩٠٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (جَارُ اَلدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَلَهُ عِلَّةٌ
٩٠٤ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا - وَإِنْ كَانَ غَائِبًا - إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
===
(بِصَقَبِهِ) الصقب: بفتح الصاد والقاف، هو القرب والملاصقة.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث أنس إسناده ضعيف.
وحديث جابر ضعفه الشافعي، وابن معين، وأحمد وغيرهم.
• هل تثبت الشفعة للجار أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: عدم ثبوت الشفعة للجار مطلقاً.
وهذا قول، جماهير العلماء.
قال الشوكاني: وقد حكي هذا القول عن: علي، وعمر، وعثمان، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق.
أ- لحديث جابر السابق ( .... فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ).
فهذا الحديث دليل على أن ما قسِم لا شفعة فيه، وأن الحدود إذا وجدت بين الأملاك فلا شفعة.
ب- أن الضرر الذي شرعت من أجل رفعه الشفعة لا يتحقق بسبب الجوار، لتميز كل ملك عن الآخر، لصاحبه حرية التصرف فيه، بخلاف الملك المشترك.
القول الثاني: أن للجار الشفعة مطلقاً.
وهذا مذهب الحنفية.
أ- لحديث الباب - حديث أبي رافع - (اَلْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ).
ب- ولحديث الباب - حديث أنس - (جَارُ اَلدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ).
القول الثالث: ثبوت الشفعة للجار عند الاشتراك في حق من حقوق الارتفاق.
وهذا اختيار ابن تيمية، وابن القيم.
أ- لحديث الباب - جابر - (اَلْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا - وَإِنْ كَانَ غَائِبًا - إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا).
فهذا الحديث أثبت الشفعة للجار إذا كان الطريق مشتركاً بينهما.
ب- أن المشاركة في الحقوق كالمشاركة في الملك، من حيث كثرة المخالطة ووجود الضرر بين الشركاء، والشفعة إنما شرعت لرفع الضرر.
وهذا القول هو الصحيح.
• ما الجواب عن دليل الجمهور ( .... فَإِذَا وَقَعَتِ اَلْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ اَلطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ)؟
الجواب:
أولاً: أن قوله (فإذا وقعت … ) مدرجة من قول جابر.
ورد ذلك بأن الأصل، أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج.
ثانياً: قالوا: إن ذكر الحكم لبعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص، بمعنى: إذا جاء عموم ثم فرع عليه بذكر حكم يختص ببعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص.
стр. 1623
٩٠٥ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اَلشُّفْعَةُ كَحَلِّ اَلْعِقَالِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ، وَزَادَ: (وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ) وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
===
(العِقال) هو الحبل الذي يعقل به البعير.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف جداً.
من الأحاديث الواردة في الشفعة حديث ابن عمر عند ابن ماجه والبزار بلفظ (لا شفعة لغائب ولا لصغير والشفعة كحل عقال) وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني وله مناكير كثيرة. وقال الحافظ في إسناده ضعيف جدا وضعفه ابن عدي وقال ابن حبان لا أصل له. وقال أبو زرعة منكر. وقال البيهقي ليس بثابت
• ما معنى قوله (اَلشُّفْعَةُ كَحَلِّ اَلْعِقَالِ)؟
المعنى: أن الشفعة تفوت إذا لم يبادر إليها، كالبعير الشرود يحل عقاله.
• هل الشفعة على الفور أم على التراخي؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: أنها على الفور. (أي: من حين أن يعلم يجب أن يطالب).
وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.
أ- لحديث الباب، وقد تقدم أنه لا يصح.
ب- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (الشفعة لمن واثبها).
ج- ولأن الشفعة لدفع الضرر عن الشريك فكانت على الفور.
القول الثاني: أن الشفعة تثبت للشريك على التراخي.
وهذا مذهب المالكية.
أ- أن الشفعة حق من جملة الحقوق التي لا تسقط إلا بالرضا بإسقاطها بما يدل على الرضا من قول أو فعل.
فالشفعة لا تسقط إلا بما يدل على سقوطها، إما بقول صريح، أو قرينة ظاهرة.
القول الصريح: أن يقول: لما علم أن شريكه قد باع، أنا لست بمطالب.
القرينة الظاهرة: أن يسكت ويرى أن المشتري قد تصرف وعمل وهو ساكت، فهذه قرينة ظاهرة تدل على رضاه.
ب- أن إلجاء الشفيع إلى الفورية وعدم إعطائه الفرصة للنظر غير مناسب لما شرعت له الشفعة.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1624
• هل للشريك الشفعة بعد أن آذنه شريكه ثم باعه من غيره؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن له الشفعة.
قال الصنعاني: هذا قول الأكثر.
قالوا: لأن إسقاطه للشفعة كان قبل وجود السبب.
القول الثاني: أنه لا يستحق الشفعة.
وهذا قول الثوري، والحكم، وأبي عبيد، وطائفة من أهل الحديث (نيل الأوطار).
ورجح ذلك الصنعاني في سبل السلام، وقال: هو الأوفق.
стр. 1625
بَابُ اَلْقِرَاضِ
٩٠٦ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (ثَلَاثٌ فِيهِنَّ اَلْبَرَكَةُ: اَلْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ اَلْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ، لَا لِلْبَيْعِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ (أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى اَلرَّجُلِ إِذَا أَعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً: أَنْ لَا تَجْعَلَ مَالِي فِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ فِي بَطْنِ مَسِيلٍ، فَإِنْ فَعَلْتَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدَ ضَمِنْتَ مَالِي) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي " اَلْمُوَطَّأِ " عَنْ اَلْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: (أَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أَنَّ اَلرِّبْحَ بَيْنَهُمَا) وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ.
===
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث صهيب (ثَلَاثٌ فِيهِنَّ اَلْبَرَكَةُ: … ) حديث لا يصح.
قال البخاري: موضوع.
وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات.
وأثر حكيم بن حزام إسناده قوي كما قال ابن حجر.
وأثر اَلْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: موقوف صحيح.
• ما القراض؟
القراض لفظ يطلقه أهل الحجاز على شركة المضاربة.
وهو في اصطلاح الفقهاء: عقد بين اثنين، أحدهما يقدم مالاً، والآخر يتجر فيه على أن يكون للعامل جزء شائع من الربح. (هي أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه).
مثال: أعطى عمر زيداً (١٠٠) ريالاً ليتجر بها على أن يكون الربح بينهما.
• ما حكم هذه الشركة؟
جائزة بالإجماع.
قال في بداية المجتهد: ولا خلاف بين المسلمين في جواز القِراض.
وقال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة.
стр. 1626
• هل كانت المضاربة موجودة قبل الإسلام؟
نعم، كانت موجودة وأقرها الإسلام.
قال ابن القيم: وقد أقر النبي ﷺ المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام، فضارب أصحابه في حياته، وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة.
وقال ابن حزم: والقِراض كان في الجاهلية، … فأقر رسول الله ﷺ ذلك في الإسلام، وعمل به المسلمون عملاً متيقناً لا خلاف فيه،
• ما الحكمة من هذه الشركة؟
الناس بحاجة إلى هذه الشركة، حيث أن الأموال لا تنمو إلا بالتنقيب والتجارة، وليس كل من يملكها يحسن العمل بها، وكذلك هناك من يحسن العمل لكن لا مال له فكانت الحاجة لصالح الطرفين.
وقد تقدمت مباحث شركة المضاربة في باب الشركات.
• هل يشترط أن يكون رأس المال معلوم المقدار؟
نعم.
قال ابن قدامة: وَمَنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا وَلَا جُزَافًا، وَلَوْ شَاهَدَاهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَجْهُولٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشَاهِدَاهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ عِنْد الْمُفَاصَلَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْكِيسِ.
• هل يجوز للعامل أن يضارب بمال لآخر؟
لا يضارب العامل بمال لآخر إلا بشرطين:
الأول: إن رضي الأول.
الثاني: إن لم يضر بالأول.
مثال: أعطيتك مبلغاً من المال على أن تتجر به بالكتب، فأخذتها وضاربت، ثم عقد هذا الرجل عقد مضاربة مع رجل آخر في نفس السلعة، فهذا العقد يضر بالأول، لأن السلعة إذا كثرت رخصت.
لكن إن رضي الأول جاز.
стр. 1627
بَابُ اَلْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ
٩٠٧ - عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: فَسَأَلُوا أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ اَلثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللَّه ﷺ نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا "، فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ -.
وَلِمُسْلِمٍ: (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ شَطْرُ ثَمَرِهَا).
===
(عامل النبي ﷺ أهلَ خيبر) المعاملة: التعامل مع الغير، وخيبر: بلدة زراعية شمال المدينة، كان يسكنها طائفة من اليهود، فتحت في المحرم سنة سبع من الهجرة.
(بشطرِ ما يخرج منها) الشطر المراد هنا النصف، والمعنى: أنه عاملهم بنصف ما يخرج من ثمرها وزرعها مقابل عملهم ونفقتهم، والنصف الآخر للمسلمين لكونهم أصحاب الأصل.
(مِنْ ثَمَرٍ) وفي رواية لمسلم (ونخل وشجر) دليل على جواز المساقاة.
(أَوْ زَرْعٍ) دليل على جواز المزارعة.
• عرف المساقاة.
المساقاة لغة: مشتقة من السقي لأن السقي هو أهم الاعمال الذي يستفيد منها التمر.
واصطلاحاً: أن يدفع الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم من ثمره مشاع.
مثال: إنسان عنده أرض وعليها أشجار من نخيل وأعناب ورمان وغيرها، فأعطاها شخصاً ينميها بجزء من الثمرة. (كالثلث مثلاً).
• ما دليل جوازها؟
حديث الباب (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ).
فقوله (من ثمر) هذه مساقاة.
وقوله (أو زرع) هذه مزارعة.
فجمهور العلماء على جوازها.
قال ابن رشد: أما جوازها - يعني المساقاة - فعليه جمهور العلماء مالك، والشافعي، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وداود
لحديث الباب، وجاء في بعض الروايات (أنه ﷺ ساقاهم على نصف ما تخرجه الأرض من الثمرة).
وفي رواية للبخاري (أعطى النبي ﷺ خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها).
فقوله (أن عملوها) يراد به المساقاة، حيث يطلق أهل المدينة على المساقاة المعاملة.
وقوله (أن يزرعوها) يراد بها المزارعة، فالحديث جمع بين عقدي المساقاة والمزارعة.
وذهب أبو حنيفة إلى عدم جوازها، لأنها إجارة بثمرة لم تخلق، أو إجارة بثمرة مجهولة.
والراجح قول الجمهور.
стр. 1628
• ما حكم المزارعة؟
اختلف العلماء في حكم المزاعة على أقوال:
قال الشافعي: جائزة في النِّحل والكرى فقط.
وذهب الظاهرية إلى أنها لا تجوز إلا في النِّخل فقط.
والحق أن الحكم شامل لكل ما فيه نفع مقصود من الأشجار، لأن الحديث ورد بالثمر، وهو عام في كل ثمر.
• هل المساقاة عقد لازم أم عقد جائز؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه عقد جائز.
وهذا مذهب الحنابلة.
أ- لحديث الباب ( … فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا).
وجه الدلالة: أنه لو كان لازماً لم يجز بغيره تقدير مدة، ولا يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم.
ب- ولأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه قدر لهم ذلك بمدة، ولو قدر مدة لم يترك نقله، لأن هذا مما يحتاج إليه، وعمر أجلاهم من الأرض وأخرجهم من خيبر، ولو كانت لهم مدة مقدرة لم يجز إخراجهم منها.
القول الثاني: أنها عقد لازم.
وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختيار ابن تيمية.
أ- لأنه عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة.
ب-أنه لو كان جائزاً لجاز لرب المال فسخهما إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل فيستضر.
ج-أن الوفاء بالوعد واجب وإخلافه محرم، فإذا عقد معه على سنة لزمه الوفاء به من باب الوفاء بالشروط وهو واجب.
وهذا القول هو الراجح.
وعلى هذا القول لا يمكن لأحدهما الفسخ، فإن يقدر على العامل العمل لمرض أو نحوه، فإنه يقسم، ويقوم مقامه على حسابه.
• ماذا يشترط في المساقاة؟
يشترط أن يكون الجزء من الثمرة مشاعاً معلوماً، كالربع والثلث.
فلو قال: لي ثمرة هذا العام، ولك ثمرة العام القادم، لا يصح.
لو قال: لي ثمرة الجانب الشرقي، ولك ثمرة الجانب الغربي، لا يصح.
لو قال: للعامل ١٠٠ صاع، لا يصح.
إن قال: ساقيتك على أن لك الثلث، فإنه يجوز، ويكون لصاحب الأرض الثلثان.
فإذا عين حق أحدهما فالباقي للآخر.
стр. 1629
• هل يشترط أن يكون الشجر له ثمر؟
قيل: يشترط ذلك، وأن يكون الشجر له ثمر.
فلا تصح المساقاة على شجر لا ثمرة له، كشجر الزينة والزهور فلا تصح المساقاة.
لأنه لا يمكن أن يعطي العامل نصيبه.
وقيل: يصح على شجر ليس له ثمر. وحينئذ يقدر للعامل أجرة المثل.
وأن يكون الثمر مأكولاً.
وقيل: يصح.
نخل تين عنب رمان فيدفعها للعامل ويقوم عليها بجزء مشاع معلوم، فلو أعطى أرضاً لإنسان ليغرسها بمساقاة فلا يصح، فلا بد أن يكون على شجر موجود.
مشاع معلوم: كالثلث او الربع من الثمرة، كأن أقول: هذه ١٠٠ شجرة تين تقوم بسقيها والقيام عليها ولك ربع الثمرة.
فلو قال لي ثمرة هذا العام ولك ثمرة العام القادم لا يصح.
ولو قال لي ثمرة الجانب الشرقي ولك ثمرة الجانب الغربي لا يصح.
لو قال للعامل ١٠٠ صاع لا يصح.
لو قال ساقيتك على أن لك الثلث، فإنه يجوز، ويكون لصاحب الأرض الثلثان.
فإن كانت على ثمرة معينة لا تصح، كأن أقول هذه (١٠٠) شجرة تقوم بسقيها ولي ثمر ٣٠ شجرة
• هل تجوز المساقاة مدة مجهولة؟
واحْتَجَّ أَهْل الظَّاهِر بِهَذَا (نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا) عَلَى جَوَاز الْمُسَاقَاة مُدَّة مَجْهُولَة.
وَقَالَ الْجُمْهُور: لَا تَجُوز الْمُسَاقَاة إِلَّا إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة كَالْإِجَارَةِ.
وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. جَازَ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام خَاصَّة لِلنَّبِيِّ ﷺ .
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ لَنَا إِخْرَاجكُمْ بَعْد اِنْقِضَاء الْمُدَّة الْمُسَمَّاة، وَكَانَتْ سُمِّيَتْ مُدَّة، وَيَكُون الْمُرَاد بَيَان أَنَّ الْمُسَاقَاة لَيْسَتْ بِعَقْدٍ دَائِم كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاح، بَلْ بَعْد اِنْقِضَاء الْمُدَّة تَنْقَضِي الْمُسَاقَاة. فَإِنْ شِئْنَا عَقَدْنَا عَقْدًا آخَر، وَإِنْ شِئْنَا أَخْرَجْنَاكُمْ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذَا أَطْلَقَا الْمُسَاقَاة اِقْتَضَى ذَلِكَ سَنَة وَاحِدَة.
• ما الحكم إذا كان الفسخ من العامل؟
قيل: لا شيء له. (سواء فسخ بعذر أو بغير عذر).
وقيل: إذا كان فسخه لعذر شرعي فإنه يستحق الأجرة.
وهذا أقرب.
стр. 1630
• ما الواجب على العامل في المساقاة، وما الواجب على رب الأرض؟
على كل من العامل وصاحب الأرض ما جرت العادة به، لأنه لم يرد فيه نص (بأن على العامل كذا وعلى صاحب الأرض كذا) فيكون المرجع فيه إلى العرف، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
- العرف يدل على أن على العامل الحرث والسقي والتسميد وقطع الأغصان الرديئة، وإصلاح طرق الماء ونحو ذلك.
وعلى رب المال ما يحفظ الأصل كبناء حائط، أو بناء ما انهدم منه، وحفر البئر، وإحضار آلة رفع الماء.
- وما يلزم العامل ورب الأرض مما ليس فيه نص، فيرجع فيه إلى العرف، فما تعارف عليه الناس أنه من اختصاص العامل لزمه، أو من اختصاص رب الأرض لزمه، فإن لم يكن هناك عرف معلوم فعلى ما تشارطاه
• عرف المزارعة؟
المزارعة: مأخوذة من الزرع، وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها.
مثالها: إنسان عنده أرض بيضاء وليس فيها زرع، فأعطاها فلاحاً يزرعها وله نصف الزرع - مثلاً - فهذا يجوز.
стр. 1631
٩٠٨ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ (سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ عَنْ كِرَاءِ اَلْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ اَلنَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ اَلْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنْ اَلزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي اَلْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ اَلنَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ اَلْأَرْضِ.
٩٠٩ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ اَلضَّحَّاكِ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ اَلْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا.
===
(عَنْ كِرَاءِ اَلْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة) أي: أجرتها.
(الماذيانات) أي: الأنهار الكبار.
(أقبال الجداول) الأوائل.
(الجداول) جمع جدول، وهو النهر الصغير.
• عرف المزارعة؟
المزارعة: هي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم فيما يخرج منها.
• اذكر الخلاف في حكم المزارعة؟
اختلف العلماء في حكمها على أقوال:
القول الأول: أنها لا تصح.
وهذا مذهب أبي حنيفة وزفر.
أ- لحديث الباب - ثابت بن الضحاك - ( … أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ اَلْمُزَارَعَة).
ب-عن ابن عمر قال (ما كنا نرى بالمزارعة بأساً، حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله ﷺ عنها) متفق عليه.
ج- ولحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ (من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليزرعها أخاه). رواه مسلم
د- ان المزارعة استئجار للأرض بأجرة مجهولة معدومة، فلا نعلم هل ينبت الزرع أو لا، وإذا نبت لا نعلم مقداره، وهل هو كثير أو يسير، وكل هذا ينطوي على غرر.
القول الثاني: أنها جائزة.
وهذا مذهب الإمام أحمد، وقال به من الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابي، والنووي، واختاره ابن حزم.
قال النووي: وَقَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُف، وَمُحَمَّد، وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ، وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ، وَأَحْمَد، وَابْن خُزَيْمَةَ، وَابْن شُرَيْح وَآخَرُونَ: تَجُوز الْمُسَاقَاة وَالْمُزَارَعَة مُجْتَمِعَتَيْنِ، وَتَجُوز كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مُنْفَرِدَة. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار لِحَدِيثِ خَيْبَر، وَلَا يُقْبَل دَعْوَى كَوْن الْمُزَارَعَة فِي خَيْبَر إِنَّمَا جَازَتْ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ، بَلْ جَازَتْ مُسْتَقِلَّة، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّز لِلْمُسَاقَاةِ مَوْجُود فِي الْمُزَارَعَة قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاض؛ فَإِنَّهُ جَائِز بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ كَالْمُزَارَعَةِ فِي كُلّ شَيْء، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيع الْأَمْصَار وَالْأَعْصَار مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الْعَمَل بِالْمُزَارَعَةِ.
стр. 1632
أ-لحديث معاملة الرسول ﷺ ليهود خيبر، فإنها قصة مشهورة لا تقبل الرد ولا التأويل.
عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري (أعطى النبي ﷺ خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها).
فقوله (أن يعملوها) يراد به المساقاة، حيث يطلق أهل المدينة على المساقاة المعاملة.
وقوله (أن يزرعوها) يراد بها المزارعة، فالحديث جمع بين عقدي المساقاة والمزارعة.
ب- ولفعل السلف لها من غير نكير.
قال البخاري: باب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ قَالَ مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلاَّ يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِىٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِى بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِىٍّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا.
أراد البخاري من إيراد هذه الآثار المعلقة عن الصحابة، بيان أن الصحابة لم يختلفوا في جواز المزارعة، وهي آثار علقها جازماً بها، فتكون صالح للحجة.
القول الثالث: لا تجوز إلا تبعاً للمساقاة.
وها مذهب الشافعية والمالكية بشرط أن يكون البياض تبعاً للأصل وأن يكون البياض الثلث أو أقل.
واستدلوا بجوازها تبعاً للمساقاة بحديث معاملة النبي ﷺ لأهل خبير ( … من ثمر أو زرع).
قال النووي: قَوْله: (مِنْ ثَمَر أَوْ زَرْع) يَحْتَجّ بِهِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقُوهُ وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ فِي جَوَاز الْمُزَارَعَة تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُزَارَعَة عِنْدهمْ لَا تَجُوز مُنْفَرِدَة، فَتَجُوز تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ، فَيُسَاقِيه عَلَى النَّخْل، وَيُزَارِعهُ عَلَى الْأَرْض كَمَا جَرَى فِي خَيْبَر.
والراجح أنها جائزة.
• ما الجواب عن أحاديث النهي عن المزارعة؟
وأما حديث رافع بن خديج الذي فيه النهي عن المزارعة، فإنه محمول على المزارعة الفاسدة التي دخلها شيء من الغرر والجهالة.
ولذلك قال رافع (كنا نكري الأرض، على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه).
وقال أيضاً (لم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس).
وقال الخطابي في حديث رافع بن خديج في قوله في الإجارة: (في الماذيانات، اقبال الجداول) قال: فقد أعلمك رافع في هذا الحديث، أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم، وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا شروطاً فاسدة، وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول، فيكون خاصاً لرب المال.
أمثلة:
قال: أزارعك على أن لي شرقي الأرض ولك غربيها. لا يصح.
قال: أزارعك على أن لي ما حول الجداول والأنهار ولك ما بعد منها. لا يصح.
فيشترط في المزارعة أن يكون الجزء مشاع، كالثلث والربع والنصف.
فإذا قال للعامل: أعطيك هذه الأرض مزارعة ولك الثلث ولي الثلثان، فإنه يصح.
إن قال: إزرعها ولك بعض الزرع، لا يصح لأنه مجهول.
стр. 1633
• ماذا يشترط فيها؟
يشترط أن يكون الجزء معلوماً مشاعاً.
فلو قال له: خذ هذه الأرض ازرعها ولك شيء مما يخرج منها، فهذا لا يصح.
ولو قال: خذ هذه الأرض ازرعها، ولك ما يخرج من شمالها، ولي ما يخرج من جنوبها، فإنه لا يصح.
أو قال: لي زرع هذا العام ولك زرع العام الثاني، فإنه لا يصح.
وبها يتضح أن الشروط المفسدة للمزارعة هي ما اشتمل على أمرين:
الأول: ما يعود بجهالة نصيب كل من رب الأرض والعامل.
الثاني: أن يشترط أحدهما نصيباً مجهولاً، أو دراهم معلومة، أو ما يخرج من جانب معين من الأرض وللآخر ما يخرج من الجانب الآخر.
• هل يشترط أن يكون البذر من رب الأرض أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه يشترط.
وهذا المذهب، وهو مذهب الشافعية.
قالوا: قياساً على المضاربة، فكما أنه في المضاربة يكون العمل من شخص، والمال من شخص، فكذلك المزارعة.
القول الثاني: أنه لا يشترط، فيجوز من رب الأرض ويجوز من العامل.
ورجح هذا القول ابن قدامة وابن القيم.
لحديث الباب (أنه ﷺ عامل أهل خيبر … ) ولم يذكر النبي ﷺ البذر على المسلمين.
قال ابن تيمية: فإن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، على أن يعمروها من أموالهم، فكان البذر من عندهم.
وقد ذكر ابن القيم أن الحديث دليل على عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض، وإنما يجوز أن يكون من العامل، فإن النبي ﷺ ما كان ينقل البذر إليهم من المدينة قطعاً.
قال ابن القيم: والذين اشترطوا البذر من ربّ الأرض قاسوها على المضاربة، وهذا القياس مع أنه مخالف للسنة الصحيحة وأقوال الصحابة، فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة، وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه، بل يذهب نفع الأرض، فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي ....
وحديث ابن عمر: (أن النبي عامل أهل خيبر … ) ولم يذكر البذر على النبي ﷺ .
وهذا القول هو الراجح.
стр. 1634
٩١٠ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; أَنَّهُ قَالَ: (اِحْتَجَمَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَأَعْطَى اَلَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ) وَلَوْ كَانَ حَرَاماً لَمْ يُعْطِهِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٩١١ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كَسْبُ اَلْحَجَّامِ خَبِيثٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(كسب) أي ما يكتسبه من مال أو أجرة.
(الحجام). هو من يقوم بالحجامة، والحجامة: إخراج الدم الفاسد من الإنسان.
لفظ حديث رافع: قال: قال ﷺ (ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِىِّ خَبِيثٌ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيث) رواه مسلم.
• ما حكم كسب الحجام؟
اختلف العلماء في حكم كسب الحجام على قولين:
القول الأول: أنه حرام.
أ-لحديث الباب (كسب الحجام خبيث).
ب- ولحديث أبي هريرة (أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام) رواه أحمد.
القول الثاني: أنه حلال.
وهذا مذهب الجمهور.
قال النووي: فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف: لَا يَحْرُم كَسْب الْحَجَّام، وَلَا يَحْرُم أَكَلَهُ لَا عَلَى الْحُرّ وَلَا عَلَى الْعَبْد.
أ-لحديث الباب (اِحْتَجَمَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَأَعْطَى اَلَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ - وَلَوْ كَانَ حَرَاماً لَمْ يُعْطِهِ) متفق عليه.
وعند مسلم (وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
ب- ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال (حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْر) متفق عليه.
ج - عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ، حَتَّى أَمَرَهُ أَنْ أَعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَك) رواه أبو داود.
قال ابن قدامة: وقول النبي ﷺ في كسب الحجام (أطعمه رقيقك) دليل على إباحة كسبه، إذ غير جائز أن يُطعم رقيقه ما يحرم أكله، فإن الرقيق آدميون يحرم عليهم ما حرمه الله تعالى كما يحرم على الأحرار.
وهذا القول هو الصحيح.
قال النووي: وَحَمَلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي فِي النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه وَالِارْتِفَاع عَنْ دَنِيء الْأَكْسَاب، وَالْحَثّ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق وَمَعَالِي الْأُمُور. وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُفَرِّق فِيهِ بَيْن الْحُرّ وَالْعَبْد فَإِنَّهُ لَا يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يُطْعِم عَبْده مَا لَا يَحِلّ.
стр. 1635
وقال ابن قدامة: ويدل على أنه مباح وليس حراماً: ما روى ابن عباس قال (احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره ولو علمه حراماً لم يعطه) متفق عليه. وفي لفظ (لو علمه خبيثاً لم يعطه).
وقال ﵀: وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ (أَطْعِمْهُ رَقِيقَك) دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ كَسْبِهِ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، فَإِنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيُّونَ، يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَحْرَارِ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْجَارٍ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَتَسْمِيَتُهُ كَسْبًا خَبِيثًا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ، فَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الثُّومَ وَالْبَصَلَ خَبِيثَيْنِ، مَعَ إبَاحَتِهِمَا وَإِنَّمَا كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِلْحُرِّ تَنْزِيهًا لَهُ؛ لِدَنَاءَةِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ … وَأَمْرُهُ بِإِطْعَامِ الرَّقِيقِ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ نَهْيِهِ عَنْ أَكْلِهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ. (المغني).
وقال ابن القيم: وتسميته إياه خبيثاً كتسميته ﷺ للثوم والبصل خبيثين، ولم يلزم من ذلك تحريمهما.
والخبيث كما يطلق على المحرم، يطلق على الشيء الرديء والكسب الدنيء، كقوله تعالى (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُون).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. أن كسب الحجامة كسب رديء، لأن مهنته دنيئة.
٢. ينبغي للمسلم أن يترفع عن سفاسف الأمور.
٣. الحرص على معالي الأمور.
стр. 1636
٩١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (قَالَ اَللَّهُ ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا، فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اِسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ) رَوَاهُ البخاري.
===
(ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَة) أي: ثلاثة أنفس، وذكر هؤلاء الثلاثة ليس للتخصيص، لأن الله تعالى خصم لجميع الظالمين، ولكن لما أراد التشديد على هؤلاء صرح بهم.
(رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ) أي: أعطى يمينه بي، أي عاهد عهداً وحلف عليه بالله ثم نقضه.
(وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) أي: باع إنساناً على أنه عبد مع أنه في الواقع ليس رقيقاً وإنما هو حر فأكل ثمنه.
(وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) أي: فحصل من الأجير على العمل الذي استأجره من أجله.
(وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ) أي: لم يعطه عوضه وأجرته مقابل هذا العمل.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم أكل أجرة العامل وعدم إعطائها إياه بعد استيفاء العمل، وهذا من كبائر الذنوب.
ونستفيد جواز الإجارة.
• عرف الإجارة؟
تعريفها لغة: مشتقة من الأجر وهو العوض. قال تعالى (لو شئت لاتخذت عليه أجراً).
وشرعاً: عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم.
• اذكر أدلة جوازها؟
دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع.
أ- قال تعالى (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).
ب- وقال تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
ج- وحديث الباب (وَرَجُلٌ اِسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ).
د- عن عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ ( … وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ، هَادِياً خِرِّيتاً وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) رواه البخاري.
هـ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) رواه البخاري.
стр. 1637
- قال في المغني: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَكُلِّ مِصْرٍ عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ، إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، يَعْنِي أَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ تُخْلَقْ وَهَذَا غَلَطٌ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي سَبَقَ فِي الْأَعْصَارِ، وَسَارَ فِي الْأَمْصَارِ، وَالْعِبْرَةُ أَيْضًا دَالَّةٌ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَنَافِعِ كَالْحَاجَةِ إلَى الْأَعْيَانِ، فَلَمَّا جَازَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَجَبَ أَنْ تَجُوزَ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَلَا يَخْفَى مَا بِالنَّاسِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ دَارٌ يَمْلِكُهَا، وَلَا يَقْدِرُ كُلُّ مُسَافِرٍ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ يَمْلِكُهَا، وَلَا يَلْزَمُ أَصْحَابَ الْأَمْلَاكِ إسْكَانُهُمْ وَحَمْلُهُمْ تَطَوُّعًا، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ الصَّنَائِعِ يَعْمَلُونَ بِأَجْرٍ، وَلَا يُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ عَمَلُ ذَلِكَ، وَلَا يَجِدُ مُتَطَوِّعًا بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِجَارَةِ لِذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى طَرِيقًا لِلرِّزْقِ، حَتَّى إنَّ أَكْثَرَ الْمَكَاسِبِ بِالصَّنَائِعِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْغَرَرِ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْمَنَافِعِ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ وُجُودِهَا، لِأَنَّهَا تَتْلَفُ بِمُضِيِّ السَّاعَاتِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا قَبْلَ وُجُودِهَا، كَالسَّلَمِ فِي الْأَعْيَانِ.
• اذكر أنواع الإجارة؟
الإجارة ضربان:
الأول: الإجارة على العين يستوفي منافعها.
كأجرتك هذه الدار سنة.
الثاني: الإجارة على عمل، وهي عقد على عمل معلوم يقوم به العامل.
كحمل هذا المتاع إلى مكان كذا، أو بناء هذا الجدار ونحو ذلك.
• اذكر شروط الإجارة؟
أولاً: يشترط معرفة المنفعة المعقود عليها.
أ-لأنها المعقود عليها فاشترط العلم كالمبيع.
ب- ولأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر.
ج - ولأن المستأجر والمؤجر بين غانم وغارم.
مثال: استأجرت منك هذا البيت للسكنى، يصح.
مثال: استأجرتك أن تدلني على طريق مكة، يصح.
ثانياً: يشترط معرفة الأجرة (يعني تكون معلومة).
قال في المغني (لا نعلم فيه خلافاً).
وقد جاء في حديث - وسيأتي - (أنه من استأجر أجيراً فليعلمه أجره).
فلو استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم لم يصح.
لو استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الفرس لم يصح.
стр. 1638
ثالثاً: يشترط أن تكون المنفعة مباحة ..
فلا تصح على نفع محرم كالزنا والغناء، وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر.
لقوله تعالى (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
النفع إما أن يكون:
مباحاً: مثال: استأجرت بيتاً لأسكنه، يصح لأن سكنى البيت مباح.
حراماً: مثال: استأجرت دكاناً لبيع الدخان، لا يصح لأن بيع الدخان محرم.
مكروهاً: مثال: أن يستأجر شخصاً ليحلق له قزع، يصح مع الكراهة، لأن القزع مكروه.
• ماذا يشترط في العين المؤجرة؟
يشترط شروطاً:
أولاً: معرفتها برؤية أو صفة.
لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، ولأن عدم معرفتها يفضي إلى النزاع.
ثانياً: القدرة على التسليم.
لقوله ﷺ (لا تبع ما ليس عندك) والإجارة نوع من البيع.
مثال: إنسان له عبد آبق، فقال له آخر: أجرني عبدك فلان، فقال له: إن عبدي هرب، قال: أجرني وأنا أبحث عنه. قال: أجرتك، فهذا لا يصح.
ثالثاً: اشتمال العين على منفعة.
أ- لأنه لا يمكن استيفاء هذه المنفعة من هذه العين.
ب- كما أن أخذ أموال الناس في مقابل ما لا نفع فيه يعتبر من أكل أموال الناس بالباطل.
مثال: لا يجوز إجارة بهيمة زمنة لحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع.
قال النووي: أن يكون منتفعاً به، فما لا نفع فيه ليس بمال.
وقال ابن قدامة: لا يجوز بيع ما لا نفع فيه.
• هل يشترط في الإجارة الواردة على منفعة أن تكون المدة معلومة؟
نعم.
قال في الإنصاف: ويشترط كون المدة معلومة بلا نزاع في الجملة.
وقال في المغني: الْإِجَارَةِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى مُدَّةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ هِيَ الضَّابِطَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، الْمُعَرِّفَةُ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، كَعَدَدِ الْمَكِيلَاتِ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ.
لأن عدم تحديد المدة يؤدي إلى الغرر والجهالة المفضية إلى المنازعة.
وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر.
ولأن الأجرة تختلف باختلاف المدة فوجب العلم بها.
стр. 1639
• هل لعقد الإجارة حد أقصى لتأجير العين؟
ليس في عقد الإجارة حد أقصى لتأجير العين، فتصح الإجارة مهما طالت المدة، ولكن بشرط أن يغلب على الظن بقاء العين المؤجرة.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَا تَتَقَدَّرُ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، بَلْ تَجُوزُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُدَّةَ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ.
وَهَذَا قَوْلُ كَافَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ اخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، كَقَوْلِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
الثَّانِي لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى أَكْثَرَ مِنْهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَبْقَى أَكْثَرَ مِنْهَا، وَتَتَغَيَّرُ الْأَسْعَارُ وَالْأَجْرُ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ ﵇، أَنَّهُ قَالَ (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِك)، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى نَسْخِهِ دَلِيلٌ.
وَلِأَنَّ مَا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ سَنَةً، جَازَ أَكْثَرَ مِنْهَا، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَالتَّقْدِيرُ بِسَنَةٍ وَثَلَاثِينَ، تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّقْدِيرِ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهُ.
قال الشيخ ابن عثيمين: لو أجرها مدة طويلة يغلب على الظن أنها لا تبقى فيها، فظاهر كلام المؤلف أن الإجارة لا تصح … لو أجره البعير لمدة خمسين سنة فإنه لا يصح؛ لأن البعير لا يبقى إلى خمسين سنة، أو أجره سيارة لمدة مائة سنة فلا يصح؛ لأن الغالب أنها لا تبقى إلا أن توقف ولا تستعمل فهذا شيء آخر، لكن إذا استعملت فلا تبقى إلى هذه المدة.
فاشترط المؤلف في تأجير العين مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، فإن لم يغلب على الظن بقاء العين فيها فإنه لا يصح؛ لأنه لا يتم استيفاء المنفعة، ومن شرط الإجارة أن يمكن استيفاء المنفعة، فإذا استأجرها لمدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، ولكنها لم تبق؛ فإن الإجارة تنفسخ ويسقط عن المستأجر بقسطه من الأجرة. (الشرح الممتع)
• هل الإجارة عقد لازم أم عقد جائز؟
عقد لازم.
وها مذهب عامة العلماء.
فلا يملك أحد المتعاقدين الانفراد بفسخ العقد إلا برضا الطرف الآخر أو وجود ما يقتضي الفسخ.
أ-لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ويدخل في ذلك عقد الإجارة، لأنه عقد من العقود.
ب-ولقوله ﷺ (المسلمون على شروطهم).
ج-ولأنها نوع من البيع. (بيع منافع).
د- أن القول بعد لزوم عقد الإجارة فيه ضرر للمتعاقدين أو لأحدهما.
стр. 1640
• هل يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره لآخر؟
نعم يجوز.
مثال: استأجرت منك بيتاً لمدة (٥) سنوات وسكنت فيه لمدة سنة وانتهى غرضي منه، فإنه يجوز أن أؤجر هذا البيت لشخص لمدة (٤) سنوات.
لأن المستأجر ملك النفع، فمادام أنه يملك المنفعة فله أن يستوفيها بنفسه، وله أن يستوفيها بنائبه من يؤجرها عليه، بخلاف العارية، فالعارية إباحة نفع، يعني لو أن شخصاً أعارك هذا الدكان تبيع وتشتري فيه، فهل لك أن تؤجره أو تعيره؟
نقول: لا تملك أن تؤجره ولا أن تعيره؛ لأن العارية إباحة نفع، بخلاف الإجارة فإن المستأجر يملك المنفعة، وما دام أنه يملك المنفعة فله أن يستوفيها كما سلف بنفسه أو بنائبه عن طريق الإجارة أو عن طريق الإعارة.
• وهل يجوز أن يؤجرها أكثر من أجرة الأصل؟
هذه المسألة لها أحوال:
أولاً: أن يؤجرها بأقل، فهذا يصح.
ثانياً: أن يؤجرها بمثل الأصل، فهذا يصح.
ثالثاً: أن يؤجرها بأكثر، فيه خلاف والصحيح أنه يصح.
قال ابن تيمية: للمستأجر أن يؤجرها بمثل الأجرة، وإنما تنازعوا في إيجارها بأكثر من الأجرة، لئلا يكون ذلك ربحاً فيما لا يضمن، والصحيح جواز ذلك، لأنها مضمونة على المستأجر.
• هل يجوز للمستأجر أن يؤجرها لشخص أكثر منه ضرراً؟
لا، لا يجوز.
مثال: لو استأجر داراً للسكنى، جاز أن يؤجرها لغيره للسكنى أو دونها، ولا يجوز أن يؤجرها لمن يجعل فيها مصنعاً أو معملاً.
• ما الحكم إن حصل فسخ؟
إن كان الفسخ بلا عذر شرعي:
فإن كان من المستأجر فعليه الأجرة كاملاً.
وإن كان من المؤجر فلا شيء له.
مثال: إنسان استأجر بيتاً من شخص لمدة سنة بألف ريال، وفي أثناء السنة فسخ المستأجر، فيلزمه الأجرة كاملة.
وكذلك بالنسبة للمؤجر، فلو منع المستأجر بعض المدة أو كلها، فلا أجرة له.
وأما إن الفسخ بعذر شرعي:
فإن كان من قبل المؤجر: له من الأجرة بالقسط.
وكذلك إذا كان الفسخ من المستأجر.
مثال: استأجر منه بيتاً، وفي أثناء المدة انهدم، فيتعذر استيفاء المنفعة، فعليه من الأجرة بالقسط.
стр. 1641
• ما الحكم إن تلفت العين المؤجرة بغير تفريط من المستأجر؟
قال ابن قدامة: وَالْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، لَمْ يَضْمَنْهَا، … وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ يَسْتَحِقُّهَا مِنْهَا، فَكَانَتْ أَمَانَةً.
فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين: الأمين كل من حصل في يده مال بإذن من الشارع، أو إذن من المالك.
• ما الحكم إذا تلفت العين المستأجرة بفعل من المستأجر؟
إذا تعدى المستأجر (بأن فعل ما ليس له فعله) أو فرط (بأن ترك ما يجب عليه فعله) فإنه في هذه الحالة يجب عليه الضمان.
قال السعدي في القواعد الجامعة: التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد ولم يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقاً.
• ما الحكم إذا تلفت العين المستأجرة بعد الانتهاء من الإجارة؟
فهذا له حالتان:
الأولى: أن يترك الرد لعذر: ففي هذه الحالة لا ضمان عليه.
كأن يكون المالك غائباً.
الثانية: أن يمسك العين المستأجرة بغير عذر، ويطلبه المالك فيمتنع المستأجر.
ففي هذه الحالة يعتبر غاصباً، فعليه أجرة المدة التي بقيت فيها العين في يده، وإن تلفت العين فعليه ضمانها.
• هل يجوز للمرأة أن تؤجر نفسها بغير إذن زوجها.
لا يجوز.
أ-لقوله ﷺ (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) متفق عليه.
ب-ولما فيه من فوات الاستمتاع بها، وهي مملوكة المنافع للزوج إلا إذا اشترطت عليه عند العقد.
- متى تنفسخ الإجارة؟
تنفسخ بأحوال:
أولاً: بتلف العين المؤجرة.
كدار انهدمت، أو عبد مات.
لتعذر الاستيفاء، ويكون للمؤجر من الإجارة بالقسط.
ثانياً: بموت المرتضع.
مثال: استأجر امرأة على أن ترضع هذا الولد لمدة سنتين، فمات الولد بعد سنة، فليس لها من الأجرة إلا مقدار سنة واحدة.
ثالثاً: بانقلاع ضرس.
مثال: رجل استأجر شخصاً أن يقلع ضرسه، فواعده على أن يأتيه في الصباح، فلما كان في الليل انقلع الضرس، فهنا تنفسخ الإجارة، لأن المعقود عليه معين وتلف.
стр. 1642
• هل تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين أو أحدهما؟
لا، لا تنفسخ.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لأن المعقود عليه في الإجارة هي منفعة العين، وليس المعقود عليه ذات المؤجر أو المستأجر.
قال البخاري في صحيح: باب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضاً فَمَاتَ أَحَدُهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَيْسَ لأَهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَسَنُ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ تُمْضَى الإِجَارَةُ إِلَى أَجَلِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإِجَارَةَ بَعْدَ مَا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ .
مثال: رجل استأجر من آخر بيتاً، وفي أثناء المدة مات، فهنا لا تنفسخ الإجارة، ويكون حق الاستيفاء لورثته، وكذلك بالعكس، لو أن المؤجر مات، فإنها لا تنفسخ، ويكون بقية الأجرة للورثة.
• ما الحكم إذا طلب من المستأجر الخروج قبل انتهاء المدة وطلب عوضاً مقابل لك؟
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: إذا كان هذا المستأجر له مدة معينة، وجاءه صاحب الدكان يطلب منه الخروج قبل انتهاء هذه المدة: فلا حرج عليه أن يطلب عوضاً عن إسقاط حقه فيما بقي من المدة.
مثال ذلك: أن يكون قد استأجر هذا الدكان عشر سنين، ثم يأتيه صاحب الدكان بعد مضي خمس سنين، ويطلب منه أن يُفرِّغ الدكان له، فلا حرج على المستأجر حينئذٍ أن يقول: أنا لا أخرج وأدع بقية مدتي إلا بكذا وكذا؛ لأن هذا معاوضة على حق له ثابت بمقتضى العقد الذي أمر الله بالوفاء به في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
• هل يضمن الطبيب إذا مات المريض؟
لا يضمن لكن بشروط:
أ-أن لا تجنِ أيديهم.
ب-أن يعرف حذقهم. (أي إجادتهم للصنعة ومعرفتهم بها).
• ما الحكم إذا تسلم عيناً بإجارة فاسدة؟
هذه لها أحوال:
إن لم تبدأ المدة لم يلزمه شيء ويردها إلى صاحبها.
إن انتهت المدة يسلم أجرة المثل كاملة.
في أثناء المدة يسلم القسط من أجرة المثل.
стр. 1643
(تفسد الإجارة إما بفوات شرط أو وجود مانع).
مثال: رجل استأجر بيتاً من غير مالكه ولا قائم مقام مالكه. ﴿الإجارة هنا فاسدة﴾
إذا انتهت المدة، يثبت لصاحب البيت أجرة المثل سواء كان مثل ما اتفق عليه أو أكثر أو أقل.
(هذا المستأجر قد استأجر بـ ﴿١٠٠﴾ وأجرة المثل بـ ﴿٢٠٠﴾ فيلزم المستأجر ﴿٢٠٠﴾ ويرجع بالمائة الزائدة على الذي غره وخدعه، وهو الذي أجر بيت غيره بغير إذنه.
• هل يجوز استئجار آدمي ليدله على الطريق؟
نعم يجوز، لكن يشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف.
عن عائشة -في حديث الهجرة- (أن النبي ﷺ استأجر هو وأبو بكر عبد الله بن أريْقط الليثي، وكان هادياً خريتاً). رواه البخاري
(الخريت: الماهر بالدلالة).
• ما الواجب على الأجير؟
يجب على الأجير إتقان العمل وإتمامه، ويحرم عليه الغش في العمل والخيانة فيه.
وفي الحديث (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).
ويجب إعطاء الأجير أجره كاملة عندنا ينهي عمله.
لقوله ﷺ (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه).
стр. 1644
٩١٣ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ حَقًّا كِتَابُ اَللَّهِ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ -أَوْ سَلِيمٌ- فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلاً لَدِيغاً أَوْ سَلِيماً. فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْراً. حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْراً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْراً كِتَابُ اللَّهِ).
• ما حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: الجواز.
وهذا مذهب الشافعي، وبه قال ابن حزم.
قال الشنقيطي: وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي أُجُورِ الْمُعَلِّمِينَ: أَبُو قِلَابَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
أ- لحديث الباب.
ب- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِى. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئاً جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَال «فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ». فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْظُرْ وَلَوْ خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ. وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ». فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّياً فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - عَدَّدَهَا. فَقَالَ «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه مسلم.
وفي رواية (انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
ج- أنه يجوز أخذ الرزق على ذلك، فجاز أخذ الأجرة، ولا فرق.
وقال الشيخ ابن عثيمين: وأما أخذ الأجرة على إقراء القرآن أي على تعليم القرآن فهذا مختلف فيه، والراجح أنه جائز لأن الإنسان يأخذه على تعبه وعمله لا على قراءته القرآن، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال (إن أفضل ما أخذتم عليه أجراً أو قال أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) وثبت عنه ﷺ أنه قال للرجل الذي لم يجد مهراً، قال: زوجتكها بما معك من القرآن أي يعلمها ما معه من القرآن فتبين بهذا أن الاستئجار لقراءة القرآن محرم وفيه إثم وليس فيه أجر ولا ينتفع به الميت وأما الأجرة على تعليم القرآن فالصحيح أنها جائزة ولا بأس بها. انتهى.
стр. 1645
القول الثاني: التحريم.
وهذا مذهب الحنفية، وهو مذهب الحنابلة في تعليم القرآن.
أ- لقوله تعالى (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً).
وجه الدلالة: أنها دلت على تحريم تعاطي الأجر على آيات الله كالقرآن، وما في معناه من العلوم الشرعية.
ب- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ (عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَ، وَالْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَلأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا) رواه أبو داود.
ج- وعن أبي الدرداء. أن رسول الله ﷺ قال (من أخذ قوساً على تعليم القرآن، قلده الله قوساً من النار) رواه البيهقي.
د- وعن أبي بن كعب قال (علمت رجلاً القرآن، فأهدى إليّ قوساً، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: إن أخذتها أخذت قوساً من نار، فرددتها) رواه ابن ماجه.
فالحديث دل على تحريم الهدية، فمن باب أولى الأجرة المشروطة.
(الحديث حكم عليه ابن عبد البر والبيهقي بالانقطاع، وأعله ابن القطان بجهالة أحد رواته، وله طرق عن أبيّ، قال ابن القطان: لا يثبت منها شيء).
هـ- وعن سهل. قال: قال ﷺ ( … اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم، يتعجل أجره ولا يتأجله). رواه أبو داود
القول الثالث: الجواز للحاجة.
وهذا اختيار ابن تيمية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: تنازع العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه وفيه ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد وغيره أعدلها أنه يباح للمحتاج.
أ- استدلوا بأدلة الفريقين وجمعوا بينهما، فقيدوا الجواز بالحاجة ومنعوه في غير الحاجة.
ب- واستدلوا بأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، والحاجة للتعليم حاجة عامة للصغار والكبار.
ج-القياس على ولي اليتيم.
قال ابن تيمية: كما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر ويستغني مع الغنى.
د- أن الإنفاق على الأهل واجب، فمن عجز عن التكسب في حال تعليمه فيجوز له أخذ الأجرة لوجوب النفقة عليه إن لم نقل بالوجوب.
قال ابن تيمية: وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ - وَهُوَ أَقْرَبُ - قَالَ: الْمُحْتَاجُ إذَا اكْتَسَبَ بِهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْوِيَ عَمَلَهَا لِلَّهِ وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ؛ فَإِنَّ الْكَسْبَ عَلَى الْعِيَالِ وَاجِبٌ أَيْضًا فَيُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ بِهَذَا؛ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَسْبِ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُوهُ أَنْ يَعْمَلَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ بَلْ إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَغْنَاهُ وَهَذَا فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ: كَانَ هُوَ مُخَاطَبًا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ إلَّا بِهِ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 1646
قال الشنقيطي: الَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ تَدْعُهُ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ فَالْأَوْلَى لَهُ أَلَّا يَأْخُذَ عِوَضًا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَالْعَقَائِدِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، لِلْأَدِلَّةِ الْمَاضِيَةِ، وَإِنْ دَعَتْهُ الْحَاجَةُ أَخَذَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ المَأْخُوذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ قَبِيلِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالتَّعْلِيمِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأُجْرَةِ.
وَالْأَوْلَى لِمَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ أَنْ يَتَعَفَّفَ عَنْ أَخْذِ شَيْءٍ فِي مُقَابِلِ التَّعْلِيمِ لِلْقُرْآنِ، وَالْعَقَائِدِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
• بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة القول الثاني (المانعين)؟
أولاً: أن حديث عبادة في سنده المغيرة بن زياد، وقد تكلم فيه أحمد، والبخاري، وأبو حاتم.
ثانياً: أنه يحتمل أنه بدأ العمل مخلصاً محتسباً لله فلم يرد أن تغيير نيه.
قال الصنعاني: فذهب الجمهور ومالك والشافعي إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن سواء كان المتعلم صغيراً أو كبيراً، ولو تعين تعليمه على المعلم عملاً بحديث ابن عباس ويؤيده ما يأتي في النكاح من جعله ﷺ تعليم الرجل لامرأته القرآن مهراً لها، قالوا: وحديث عبادة لا يعارض حديث ابن عباس إذ حديث ابن عباس صحيح وحديث عبادة في رواية مغيرة بن زياد مختلف فيه واستنكر أحمد حديثه وفيه الأسود بن ثعلبة فيه مقال فلا يعارض الحديث الثابت.
قالوا: ولو صح فإنه محمول على أن عبادة كان متبرعاً بالإحسان وبالتعليم غير قاصد لأخذ الأجرة فحذره ﷺ من إبطال أجره وتوعده، وفي أخذ الأجرة من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة لأنهم ناس فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه.
وقال صاحب عون المعبود في شرح حديث عبادة: قال الخطابي اختلف قوم من العلماء في معنى هذا الحديث وتأويله:
فذهب بعضهم إلى ظاهره، فرأوا أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري، وأبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه.
وقال طائفة لا بأس به ما لم يشترط وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي.
وأباح ذلك آخرون وهو مذهب عطاء، ومالك، والشافعي، وأبي ثور واحتجوا بحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً زوجتكما على ما معك من القرآن.
وتأولوا حديث عبادة على أنه كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضالة لرجل أو استخرج له متاعاً قد غرق في بحر تبرعاً وحسبة، فليس له أن يأخذ عليه عوضاً ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً، وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب، وقال بعض العلماء أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه، لأن فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال أو في موضع لا يقوم به غيره لم تحل له الأجرة وعلى هذا يؤول اختلاف الأخبار فيه. انتهى.
وقال النووي: وأجاب المجوزون عن حديث عبادة بجوابين:
أحدهما: أن في إسناده مقالاً.
والثاني: أنه كان تبرع بتعليمه فلم يستحق شيئاً، ثم أهدي إليه على سبيل العوض فلم يجز له الأخذ بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم. والله أعلم
стр. 1647
• بماذا أجاب أصحاب القول الثاني عن أدلة القول الأول (الجواز).
أما حديث ابن عباس:
أ-فقالوا: إن المراد بالأجر هنا الثواب.
ب- أن الحديث منسوخ بما ورد من نصوص الوعيد في أخذ الأجرة.
ج- أن الرقية نوع من التداوي، فهي من الأمور المباحة، وليست مثل التعليم إذ هو عبادة، فالقياس عليها قياس مع الفارق.
والأكمل والافضل أن الإنسان لا يأخذ على تعليمه أجراً.
فائدة:
قال الشنقيطي: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ).
ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنَّهُ أَخْبَرَ قَوْمَهُ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُهُمْ مَالًا فِي مُقَابَلَةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْهُدَى، بَلْ يَبْذُلُ لَهُمْ ذَلِكَ الْخَيْرَ الْعَظِيمَ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ أَخْذِ أُجْرَةٍ فِي مُقَابِلِهِ.
وَبَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَأْنُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، كَقَوْلِهِ فِي «سَبَإٍ» عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ).
وَقَوْلِهِ فِيهِ أَيْضًا فِي آخِرِ «سُورَةِ ص» (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ).
وَقَوْلِهِ فِي «الطُّورِ»، وَ «الْقَلَمِ» (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ).
وَقَوْلِهِ فِي «الْفُرْقَانِ» (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا).
وَقَوْلِهِ فِي «الْأَنْعَامِ» (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ).
وَقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ فِي «سُورَةِ هُودٍ» (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي).
وَقَوْلِهِ فِي «الشُّعَرَاءِ» عَنْ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمْ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ).
وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ رُسُلِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي «يس» (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا).
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى أَتْبَاعِ الرُّسُلِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ أَخْذِ عِوَضٍ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَلَى تَعْلِيمِ الْعَقَائِدِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
تنبيه:
أخذ الأجرة على مجرد القراءة.
قال ابن تيمية: الاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة.
• ما حكم أخذ الأجرة على الرقية؟
يجوز.
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا في سَفَرٍ فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ. فَقَالُوا لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَىِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ نَعَمْ فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَبَرَأَ الرَّجُلُ فَأُعْطِىَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. وَقَالَ حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا رَقَيْتُ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. فَتَبَسَّمَ وَقَالَ «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ». ثُمَّ قَالَ «خُذُوا مِنْهُمْ وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ) رواه مسلم
وقد بوب عليه النووي ﵀ في شرحه لمسلم بقوله: باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار.
стр. 1648
وقال النووي ﵀ في شرحه للحديث: قوله ﷺ (خُذُوا مِنْهُمْ وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ) هذَا تَصْرِيح بِجَوَازِ أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى الرُّقْيَة بِالْفَاتِحَةِ وَالذِّكْر، وَأَنَّهَا حَلَال لَا كَرَاهَة فِيهَا، وَكَذَا الْأُجْرَة عَلَى تَعْلِيم الْقُرْآن، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَآخَرِينَ مِنْ السَّلَف وَمَنْ بَعْدهمْ، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَة فِي تَعْلِيم الْقُرْآن، وَأَجَازَهَا فِي الرُّقْيَة.
• ما الحكم إن كان ترك الإتمام من المستأجر لا من الأجير؟
الحكم: أنه يستحق جميع الأجرة، إلا إذا كان لعذر فله من الأجرة بقدر ما عمل.
مثال: استأجر شخص رجلاً ليبني له جداراً، فلما كان في أثناء العمل أتى السيل فهدم الجدار، وليس عند المستأجر شيء يبني به الجدار من جديد، فهنا لا يستحق العامل إلا مقدار ما عمل. (ابن عثيمين).
• ما الحكم إذا استأجر شخصاً لعمل محرّم، فهل يعطيه أجرته أم لا؟ (كأن يستأجره للعزف والزمر مثلاً، أو ليشهد له زوراً، أو ليضرب له بريئاً، أو كمن يستأجر امرأة للزنا ونحو ذلك من الأعمال المحرمة)
الحكم: أنه لا يجوز أن يدفع له الأجرة على العمل المحرم، ويلزمه أن يتصدق بهذا المال، لئلا يجمع بين العوضين: المنفعة المحرمة، والمال.
جاء في (الموسوعة الفقهية" (١/ ٢٩٠)): الإجارة على المنافع المحرمة كالزنى والنوح والغناء والملاهي محرمة وعقدها باطل، لا يستحق به أجرة.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن رجل حلق ذقنه عند الحلاق وقال: سوف أعطيك المال فيما بعد دينا عليّ، ثم هداه الله والتزم بأحكام الإسلام فهل يعطيه المال أم لا؟
فأجاب: يقول له: أنا لن أعطيك إياه لأن هذا مقابل عمل محرم، ويتصدق به.
• ما الحكم إن تاب من عمل محرم وقد اكتسب مالاً محرماً كأجرة الغناء أو شهادة الزور والأجرة على كتابة الربا؟
من تاب إلى الله تعالى من عمل محرم، وقد اكتسب منه مالاً، كأجرة الغناء والرشوة والكهانة وشهادة الزور، والأجرة على كتابة الربا، ونحو ذلك من الأعمال المحرمة، فإن كان قد أنفق المال، فلا شيء عليه، وإن كان المال في يده، فيلزمه التخلص منه بإنفاقه في وجه الخير، إلا إذا كان محتاجاً فإنه يأخذ منه قدر الحاجة، ويتخلص من الباقي.
قال ابن القيم ﵀: إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض، كالزانية والمغنى وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده.
فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لصاحبه في مقابلته نفع مباح.
وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين. (مدارج السالكين)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن أخذ عوضاً عن عين محرمة أو نفع استوفاه، مثل أجرة حَمَّال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البغيّ ونحو ذلك فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله، فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث، ولا يعاد إلى صاحبه؛ لأنه قد استوفى العوض، ويتصدق به كما نص على ذلك من نص من العلماء، كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر، ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم. (مجموع الفتاوى)
- فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: مسألة: لو أن الإنسان استؤجر على عمل في الذمة بأن قيل له: نريد تنظيف هذا البيت كل يوم، ولك في الشهر مائة ريال، فاستأجر من ينظف البيت كل يوم لكن بخمسين ريال، فهل يجوز أو لا؟
الجواب: نعم يجوز، هذا من جنس ما إذا قلنا: إنه يجوز أن يؤجر بقية المدة بأكثر من الأجرة، وعلى هذا عمل الناس اليوم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
أن الإسلام قد ضمن للعاملين حقوقهم وتوفير الحياة الكريمة لهم ولأسرهم فلا يجوز لرب العمل ان يؤذيه بل يجب ان يعطيه حقه في الاجر والراحة واداء العبادات والقيام بحق الزوجية والوالدين.
ليعلم كل انسان انه مسئول عن كل كبيرة وصغيرة يوم القيامة.
الأجر هو حق للعامل دون أن يمن عليه رب العمل.
стр. 1649
٩١٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنِ اِسْتَأْجَرَ أَجِيراً، فَلْيُسَلِّمْ لَهُ أُجْرَتَهُ) رَوَاهُ عَبْدُ اَلرَّزَّاقِ وَفِيهِ اِنْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَة.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف، لانقطاعه كما قال الحافظ ابن حجر ﵀.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن من شروط صحة الإجارة معرفة قدر الأجرة.
قال في المغني (لا نعلم فيه خلافاً).
أ-لحديث الباب (من استأجر أجيراً فليعلمه أجره).
ب-ولأن الجهالة بالأجرة يفضي إلى النزاع والخصام بين المؤجر والمستأجر.
فلو استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم لم يصح.
لو استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الفرس لم يصح.
• هل يصح استئجار الظئر بطعامها وكسوتها؟
الظئر: المرضعة.
مثال: أن أستأجر امرأة لترضع ولدي بطعامها وكسوتها).
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز.
وهذا مذهب أبي حنيفة والمالكية والحنابلة.
أ- لقوله تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ).
ب- ولقوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
القول الثاني: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الشافعية.
قالوا: إن العلم بالأجرة شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة.
والراجح الجواز.
стр. 1650
• هل يجوز استئجار الأجير بطعامه وشرابه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن حزم.
قالوا: إن العلم بالأجرة شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة.
القول الثاني: أنه جائز.
وهذا مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية.
قياساً على الظئر.
قال في الشرح: روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى ﵃ أنهم استأجروا الأُجراء بطعامهم وكسوتهم
والراجح الجواز، ويكون الطعام والكسوة بالعرف.
• هل يجوز استئجار حيواناً بطعامه وشرابه؟
مثاله: أن يستأجر شخص دابة لينتفع بها، وتكون الأجرة علفها وصيانتها وحفظها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: عدم الجواز.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ- قالوا: لأن العوض مجهول معدوم، ولا يدرى أيوجد أم لا؟ والأصل عدمه، ولا يصح أن يكون ثمناً.
ب- استدلوا بدليل الإجماع على ذلك، حيث ابن قدامة أنه لا يعلم مخالفاً في ذلك.
القول الثاني: الجواز.
وهو مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية.
أ- القياس على استئجار الأجير بطعامه.
ب-أن علف الدابة معروف بالعادة، وهذا يرفع عنه صفة الجهالة فيكون معلوماً.
وهذا القول هو الراجح.
следующие страницы →