Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
قال الشنقيطي: الَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ تَدْعُهُ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ فَالْأَوْلَى لَهُ أَلَّا يَأْخُذَ عِوَضًا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَالْعَقَائِدِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، لِلْأَدِلَّةِ الْمَاضِيَةِ، وَإِنْ دَعَتْهُ الْحَاجَةُ أَخَذَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ المَأْخُوذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ قَبِيلِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالتَّعْلِيمِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأُجْرَةِ.
وَالْأَوْلَى لِمَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ أَنْ يَتَعَفَّفَ عَنْ أَخْذِ شَيْءٍ فِي مُقَابِلِ التَّعْلِيمِ لِلْقُرْآنِ، وَالْعَقَائِدِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
• بماذا أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة القول الثاني (المانعين)؟
أولاً: أن حديث عبادة في سنده المغيرة بن زياد، وقد تكلم فيه أحمد، والبخاري، وأبو حاتم.
ثانياً: أنه يحتمل أنه بدأ العمل مخلصاً محتسباً لله فلم يرد أن تغيير نيه.
قال الصنعاني: فذهب الجمهور ومالك والشافعي إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن سواء كان المتعلم صغيراً أو كبيراً، ولو تعين تعليمه على المعلم عملاً بحديث ابن عباس ويؤيده ما يأتي في النكاح من جعله ﷺ تعليم الرجل لامرأته القرآن مهراً لها، قالوا: وحديث عبادة لا يعارض حديث ابن عباس إذ حديث ابن عباس صحيح وحديث عبادة في رواية مغيرة بن زياد مختلف فيه واستنكر أحمد حديثه وفيه الأسود بن ثعلبة فيه مقال فلا يعارض الحديث الثابت.
قالوا: ولو صح فإنه محمول على أن عبادة كان متبرعاً بالإحسان وبالتعليم غير قاصد لأخذ الأجرة فحذره ﷺ من إبطال أجره وتوعده، وفي أخذ الأجرة من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة لأنهم ناس فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه.
وقال صاحب عون المعبود في شرح حديث عبادة: قال الخطابي اختلف قوم من العلماء في معنى هذا الحديث وتأويله:
فذهب بعضهم إلى ظاهره، فرأوا أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري، وأبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه.
وقال طائفة لا بأس به ما لم يشترط وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي.
وأباح ذلك آخرون وهو مذهب عطاء، ومالك، والشافعي، وأبي ثور واحتجوا بحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً زوجتكما على ما معك من القرآن.
وتأولوا حديث عبادة على أنه كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضالة لرجل أو استخرج له متاعاً قد غرق في بحر تبرعاً وحسبة، فليس له أن يأخذ عليه عوضاً ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً، وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب، وقال بعض العلماء أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه، لأن فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال أو في موضع لا يقوم به غيره لم تحل له الأجرة وعلى هذا يؤول اختلاف الأخبار فيه. انتهى.
وقال النووي: وأجاب المجوزون عن حديث عبادة بجوابين:
أحدهما: أن في إسناده مقالاً.
والثاني: أنه كان تبرع بتعليمه فلم يستحق شيئاً، ثم أهدي إليه على سبيل العوض فلم يجز له الأخذ بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم. والله أعلم
стр. 1647
• بماذا أجاب أصحاب القول الثاني عن أدلة القول الأول (الجواز).
أما حديث ابن عباس:
أ-فقالوا: إن المراد بالأجر هنا الثواب.
ب- أن الحديث منسوخ بما ورد من نصوص الوعيد في أخذ الأجرة.
ج- أن الرقية نوع من التداوي، فهي من الأمور المباحة، وليست مثل التعليم إذ هو عبادة، فالقياس عليها قياس مع الفارق.
والأكمل والافضل أن الإنسان لا يأخذ على تعليمه أجراً.
فائدة:
قال الشنقيطي: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ).
ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنَّهُ أَخْبَرَ قَوْمَهُ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُهُمْ مَالًا فِي مُقَابَلَةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْهُدَى، بَلْ يَبْذُلُ لَهُمْ ذَلِكَ الْخَيْرَ الْعَظِيمَ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ أَخْذِ أُجْرَةٍ فِي مُقَابِلِهِ.
وَبَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَأْنُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، كَقَوْلِهِ فِي «سَبَإٍ» عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ).
وَقَوْلِهِ فِيهِ أَيْضًا فِي آخِرِ «سُورَةِ ص» (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ).
وَقَوْلِهِ فِي «الطُّورِ»، وَ «الْقَلَمِ» (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ).
وَقَوْلِهِ فِي «الْفُرْقَانِ» (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا).
وَقَوْلِهِ فِي «الْأَنْعَامِ» (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ).
وَقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ فِي «سُورَةِ هُودٍ» (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي).
وَقَوْلِهِ فِي «الشُّعَرَاءِ» عَنْ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمْ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ).
وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ رُسُلِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي «يس» (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا).
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى أَتْبَاعِ الرُّسُلِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ أَخْذِ عِوَضٍ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَلَى تَعْلِيمِ الْعَقَائِدِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
تنبيه:
أخذ الأجرة على مجرد القراءة.
قال ابن تيمية: الاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة.
• ما حكم أخذ الأجرة على الرقية؟
يجوز.
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا في سَفَرٍ فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ. فَقَالُوا لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَىِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ نَعَمْ فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَبَرَأَ الرَّجُلُ فَأُعْطِىَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. وَقَالَ حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا رَقَيْتُ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. فَتَبَسَّمَ وَقَالَ «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ». ثُمَّ قَالَ «خُذُوا مِنْهُمْ وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ) رواه مسلم
وقد بوب عليه النووي ﵀ في شرحه لمسلم بقوله: باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار.
стр. 1648
وقال النووي ﵀ في شرحه للحديث: قوله ﷺ (خُذُوا مِنْهُمْ وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ) هذَا تَصْرِيح بِجَوَازِ أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى الرُّقْيَة بِالْفَاتِحَةِ وَالذِّكْر، وَأَنَّهَا حَلَال لَا كَرَاهَة فِيهَا، وَكَذَا الْأُجْرَة عَلَى تَعْلِيم الْقُرْآن، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَآخَرِينَ مِنْ السَّلَف وَمَنْ بَعْدهمْ، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَة فِي تَعْلِيم الْقُرْآن، وَأَجَازَهَا فِي الرُّقْيَة.
• ما الحكم إن كان ترك الإتمام من المستأجر لا من الأجير؟
الحكم: أنه يستحق جميع الأجرة، إلا إذا كان لعذر فله من الأجرة بقدر ما عمل.
مثال: استأجر شخص رجلاً ليبني له جداراً، فلما كان في أثناء العمل أتى السيل فهدم الجدار، وليس عند المستأجر شيء يبني به الجدار من جديد، فهنا لا يستحق العامل إلا مقدار ما عمل. (ابن عثيمين).
• ما الحكم إذا استأجر شخصاً لعمل محرّم، فهل يعطيه أجرته أم لا؟ (كأن يستأجره للعزف والزمر مثلاً، أو ليشهد له زوراً، أو ليضرب له بريئاً، أو كمن يستأجر امرأة للزنا ونحو ذلك من الأعمال المحرمة)
الحكم: أنه لا يجوز أن يدفع له الأجرة على العمل المحرم، ويلزمه أن يتصدق بهذا المال، لئلا يجمع بين العوضين: المنفعة المحرمة، والمال.
جاء في (الموسوعة الفقهية" (١/ ٢٩٠)): الإجارة على المنافع المحرمة كالزنى والنوح والغناء والملاهي محرمة وعقدها باطل، لا يستحق به أجرة.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن رجل حلق ذقنه عند الحلاق وقال: سوف أعطيك المال فيما بعد دينا عليّ، ثم هداه الله والتزم بأحكام الإسلام فهل يعطيه المال أم لا؟
فأجاب: يقول له: أنا لن أعطيك إياه لأن هذا مقابل عمل محرم، ويتصدق به.
• ما الحكم إن تاب من عمل محرم وقد اكتسب مالاً محرماً كأجرة الغناء أو شهادة الزور والأجرة على كتابة الربا؟
من تاب إلى الله تعالى من عمل محرم، وقد اكتسب منه مالاً، كأجرة الغناء والرشوة والكهانة وشهادة الزور، والأجرة على كتابة الربا، ونحو ذلك من الأعمال المحرمة، فإن كان قد أنفق المال، فلا شيء عليه، وإن كان المال في يده، فيلزمه التخلص منه بإنفاقه في وجه الخير، إلا إذا كان محتاجاً فإنه يأخذ منه قدر الحاجة، ويتخلص من الباقي.
قال ابن القيم ﵀: إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض، كالزانية والمغنى وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده.
فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لصاحبه في مقابلته نفع مباح.
وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين. (مدارج السالكين)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن أخذ عوضاً عن عين محرمة أو نفع استوفاه، مثل أجرة حَمَّال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البغيّ ونحو ذلك فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله، فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث، ولا يعاد إلى صاحبه؛ لأنه قد استوفى العوض، ويتصدق به كما نص على ذلك من نص من العلماء، كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر، ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم. (مجموع الفتاوى)
- فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: مسألة: لو أن الإنسان استؤجر على عمل في الذمة بأن قيل له: نريد تنظيف هذا البيت كل يوم، ولك في الشهر مائة ريال، فاستأجر من ينظف البيت كل يوم لكن بخمسين ريال، فهل يجوز أو لا؟
الجواب: نعم يجوز، هذا من جنس ما إذا قلنا: إنه يجوز أن يؤجر بقية المدة بأكثر من الأجرة، وعلى هذا عمل الناس اليوم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
أن الإسلام قد ضمن للعاملين حقوقهم وتوفير الحياة الكريمة لهم ولأسرهم فلا يجوز لرب العمل ان يؤذيه بل يجب ان يعطيه حقه في الاجر والراحة واداء العبادات والقيام بحق الزوجية والوالدين.
ليعلم كل انسان انه مسئول عن كل كبيرة وصغيرة يوم القيامة.
الأجر هو حق للعامل دون أن يمن عليه رب العمل.
стр. 1649
٩١٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنِ اِسْتَأْجَرَ أَجِيراً، فَلْيُسَلِّمْ لَهُ أُجْرَتَهُ) رَوَاهُ عَبْدُ اَلرَّزَّاقِ وَفِيهِ اِنْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَة.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف، لانقطاعه كما قال الحافظ ابن حجر ﵀.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن من شروط صحة الإجارة معرفة قدر الأجرة.
قال في المغني (لا نعلم فيه خلافاً).
أ-لحديث الباب (من استأجر أجيراً فليعلمه أجره).
ب-ولأن الجهالة بالأجرة يفضي إلى النزاع والخصام بين المؤجر والمستأجر.
فلو استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم لم يصح.
لو استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الفرس لم يصح.
• هل يصح استئجار الظئر بطعامها وكسوتها؟
الظئر: المرضعة.
مثال: أن أستأجر امرأة لترضع ولدي بطعامها وكسوتها).
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز.
وهذا مذهب أبي حنيفة والمالكية والحنابلة.
أ- لقوله تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ).
ب- ولقوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
القول الثاني: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الشافعية.
قالوا: إن العلم بالأجرة شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة.
والراجح الجواز.
стр. 1650
• هل يجوز استئجار الأجير بطعامه وشرابه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن حزم.
قالوا: إن العلم بالأجرة شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة.
القول الثاني: أنه جائز.
وهذا مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية.
قياساً على الظئر.
قال في الشرح: روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى ﵃ أنهم استأجروا الأُجراء بطعامهم وكسوتهم
والراجح الجواز، ويكون الطعام والكسوة بالعرف.
• هل يجوز استئجار حيواناً بطعامه وشرابه؟
مثاله: أن يستأجر شخص دابة لينتفع بها، وتكون الأجرة علفها وصيانتها وحفظها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: عدم الجواز.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ- قالوا: لأن العوض مجهول معدوم، ولا يدرى أيوجد أم لا؟ والأصل عدمه، ولا يصح أن يكون ثمناً.
ب- استدلوا بدليل الإجماع على ذلك، حيث ابن قدامة أنه لا يعلم مخالفاً في ذلك.
القول الثاني: الجواز.
وهو مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية.
أ- القياس على استئجار الأجير بطعامه.
ب-أن علف الدابة معروف بالعادة، وهذا يرفع عنه صفة الجهالة فيكون معلوماً.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 1651
بَابُ إِحْيَاءِ اَلْمَوَاتِ
٩١٥ - عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنْ عَمَّرَ أَرْضاً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) قَالَ عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
٩١٦ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ) رَوَاهُ اَلثَّلَاثَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: رُوِيَ مُرْسَلاً. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّهِ، فَقِيلَ: جَابِرٌ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ، وَقِيلَ: عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَالرَّاجِحُ اَلْأَوَّلُ.
===
(مَنْ عَمَّرَ أَرْضاً) لفظ البخاري (أعمر)، وهذا مفسر لحديث (من أحيا).
(لَيْسَتْ لِأَحَدٍ) هذا شرط من شروط إحياء الأرض، كما في الحديث الثاني (أرضاً ميتة).
(فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) أي: من غيره.
(وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ) أي: قضى بأن الإحياء ملك شرعي.
• ماذا نستفيد من الأحاديث؟
نستفيد: أن من أحيا أرضاً وعمرها فهو أحق بها من غيره، ويملكها ملكاً شرعياً.
• ما معنى إحياء الموات؟
هي الأرض البائرة التي لا يعلم لها مالك.
والمَوَات بفتح الميم والواو الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد.
التي لا يعرف لها مالك: هذا شرط الموات، أن تكون الأرض التي يراد إحياؤها لا يعلم لها مالك معين.
تعريف الموات عند الفقهاء: هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم.
المنفكة عن الاختصاصات: أي التي لا يختص بها واحد بعينه، كالأرض الخراب الدارسة التي لا يملكها أحد ولا يتعلق بها مصلحة عامة.
فالأرض التي فيها مصلحة لأهل البلد فلا يجوز إحياؤها، كأن تكون الأرض مدفن الأموات لأهل البلد، أو كانت هذه الأرض يستنبطون منها الملح أو يأخذون منها الحجارة أو غير ذلك فلا يجوز إحياؤها.
وملك معصوم: أي: ما جرى عليه ملك معصوم بشراء أو عطية أو غيرها، فلا يملك بالإحياء لأنه ملك لصاحبه.
• ما دليل أن من أحياء أرض ميتة فهي له؟
أحاديث الباب.
قال ابن قدامة: وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ.
стр. 1652
• ما شروط إحياء الأرض الموات؟
يشترط لإحياء الأرض الموات شرطان:
الأول: أن تكون الأرض لا مالك لها.
فإن كان لها مالك فلا يجوز يصح إحياؤها إجماعاً.
قال ابن قدامة: فَهَذَا لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا عُرِفَ بِمِلْكِ مَالِكٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ لِأَحَدٍ غَيْرِ أَرْبَابِهِ
الثاني: ألا تكون الأرض من اختصاصات البلد.
فالأرض التي فيها مصلحة لأهل البلد فلا يجوز إحياؤها، كأن تكون الأرض مدفن الأموات لأهل البلد، أو كانت هذه الأرض يستنبطون منها الملح أو يأخذون منها الحجارة أو غير ذلك فلا يجوز إحياؤها.
ولذلك جاء في الحديث (الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والنار، والحطب).
• هل يشترط أن يكون المحيي مسلماً؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يشترط.
قال ابن قدامة: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
أ-وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ).
ب- وَلِأَنَّ هَذِهِ جِهَةً مِنْ جِهَاتِ التَّمْلِيكِ، فَاشْتَرَكَ فِيهَا الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، كَسَائِرِ جِهَاتِهِ.
القول الثاني: أنه يشترط أن يكون مسلماً.
واستدلوا بحديث (موتان الأرض لله ولرسوله ثم لكم) لكنه ضعيف.
والراجح الأول.
• هل يشترط إذن الإمام لإحياء الموات؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أنه لا يشترط.
وهذا مذهب الجمهور.
أ- لعُمُومُ قَوْلِهِ ﵇ (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ).
ب- وَلِأَنَّ هَذَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ، فَلَا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ، كَأَخْذِ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ، وَنَظَرُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ إذْنِهِ. (المغني)
القول الثاني: أنه يشترط إذن الأمام.
وهذا مذهب أبي حنيفة. وذلك لأمرين:
الأول: أن الأرض الموات في سلطان الإمام ويعتبر بولايته على البلدان واضع اليد عليها، فلا يُستولى على ما تحت يده إلا بإذنه.
الثاني: أن الإحياء من غير إذن الإمام قد يدفع إلى التزاحم والنزاع.
والصحيح الأول أنه لا يشترط، لكن في هذا الزمان ينبغي أن يكون بإذن الإمام لما يترتب من عدم الإذن المفاسد والنزاعات والخصومات.
стр. 1653
• هل تملك أرض الحرم بالإحياء كأرض عرفات ومنى؟
لا، لا تملك بالإحياء.
لأنها عامة مشتركة بين جميع المسلمين فهي كمختصات البلد وبقعها كبقع المساجد يشترك فيها كافة الناس فلا تملك بالإحياء، ولو قلنا أنها تملك بالإحياء لأدى ذلك إلى التضييق على الحجاج ونحوهم.
• بما يحصل الإحياء؟
أولاً: ببناء حائط.
أي: يبني جداراً منيع يحيط بها ويحميها، ويكون كما جرت به عادة أهل البلد، ومعنى منيع: ألا يدخل إلى ما وراءه إلا بباب.
ثانياً: أو بحفر بئر.
هذا الأمر الثاني مما يحصل به الإحياء، وهو حفر بئر في الأرض الموات ووصل إلى الماء، فهذا يكون إحياء.
ثالثاً: أو إجراء ماء إليها.
هذا الأمر الثالث مما يكون به الإحياء، وهو سوق الماء وإجراؤه إلى الأرض الموات من عين أو نهر ونحوهما.
- سقيها بماء المطر لا يكون إحياء.
رابعاً: أو منع ما لا تزرع معه.
هذا الأمر الرابع ما يحصل به الإحياء، وهو قلع الأشجار والأحجار المانعة من زرعها وسقيها، ويزيل عنها ما لا يمكن زرعها معه.
مثال: فيها أشجار وحشائش لا يمكن زرعها معها فجاء بجرافه وقلعها فهذا احياء.
• ما حكم إحياء ما قرب من البلد؟
قال ابن قدامة: وَمَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ، وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، مِنْ طُرُقِهِ، وَمَسِيلِ مَائِهِ، وَمَطْرَحِ قُمَامَتِهِ، وَمُلْقَى تُرَابِهِ وَآلَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وقيل: يجوز.
قال ابن قدامة: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ).
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ الْعَقِيقَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَيْنَ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ.
وَلِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَامِرِ، فَجَازَ إحْيَاؤُهُ، كَالْبَعِيدِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثُ.
لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ تَعَلُّقِ الْمَصْلَحَةِ بِهِ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى فَتْحِ بَابٍ فِي حَائِطِهِ إلَى فِنَائِهِ، وَيَجْعَلَهُ طَرِيقًا، أَوْ يَخْرُبَ حَائِطُهُ، فَيَضَعَ آلَاتِ الْبِنَاءِ فِي فِنَائِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبَعِيد. (المغني).
وقال: وَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِ الْقَرْيَةِ، كَفِنَائِهَا، وَمَرْعَى مَاشِيَتِهَا، وَمُحْتَطَبِهَا، وَطُرُقِهَا، وَمَسِيلِ مَائِهَا، لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
стр. 1654
٩١٧ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ; أَنَّ اَلصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
• ما معنى الحمى؟
قال ابن قدامة: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَحْمِيَ أَرْضًا مِنْ الْمَوَاتِ، يَمْنَعُ النَّاسَ رَعْيَ مَا فِيهَا مِنْ الْكَلَأِ، لِيَخْتَصّ بِهَا دُونَهُمْ.
• ما معنى (لا حمى إلا لله ولرسوله)؟
الصحيح أن معناه: لا حمى إلا على مثل ما حماه النبي ﷺ ، وليس المعنى أنه لا أحد يحمي بعد الرسول ﷺ ، بدليل أن عمر حمى بعد النبي ﷺ وكذا عثمان.
قال ابن قدامة: وَكَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْرِفُ ذَلِكَ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ إذَا انْتَجَعَ بَلَدًا أَوْفَى بِكَلْبٍ عَلَى نَشَزَ، ثُمَّ اسْتَعْوَاهُ.
وَوَقَفَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ بِالْعُوَاءِ، فَحَيْثُمَا انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِنَفْسِهِ، وَيَرْعَى مَعَ الْعَامَّةِ فِيمَا سِوَاهُ.
فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ.
وَرَوَى الصَّعْبُ بْن جَثَّامَةَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ (النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ، وَالنَّارِ، وَالْكَلَأِ) رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ سِوَى الْأَئِمَّةِ أَنْ يَحْمِيَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى.
فَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ (لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ).
لَكِنَّهُ لَمْ يَحْمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ (حَمَى النَّبِيُّ ﷺ النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ) رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَالنَّقِيعُ، بِالنُّونِ: مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ، فَيَكْثُرُ فِيهِ الْخِصْبُ، لِمَكَانِ مَا يَصِيرُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَأَمَّا سَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا مَوَاضِعَ لِتَرْعَى فِيهَا خَيْلُ الْمُجَاهِدِينَ، وَنَعَمُ الْجِزْيَةِ، وَإِبِلُ الصَّدَقَةِ وَضَوَالُّ النَّاسِ الَّتِي يَقُومُ الْإِمَامُ بِحِفْظِهَا، وَمَاشِيَةُ الضَّعِيفِ مِنْ النَّاسِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي صَحِيحِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَيْسَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْمِيَ؛ لِقَوْلِهِ (لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ).
وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ حَمَيَا، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمَا، فَكَانَ إجْمَاعًا. (المغني).
وقال في النهاية في معنى الحديث: أنه ﷺ نهى عما كانت تفعله الجاهلية، وأضاف الحمى لله ولرسوله أي: إلا ما يحمي للخيل التي ترصد للجهاد والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله.
وقال ابن عبد السلام في شرح ابن الحاجب لما ذكر الحديث: تأوله الجمهور على معنى أنه لا ينبغي أن يحمى إلا كما حماه رسول الله ﷺ لخيل المجاهدين وشبه ذلك مثل ما فعله الخلفاء بعده حموا لإبل الغزاة.
وقال السيوطي في حاشية البخاري قوله (لا حمى إلا لله ولرسوله) قال الشافعي يحتمل معنيين:
أحدهما: لا حمى إلا ما حماه ﷺ .
والثاني: لا حمى إلا مثل ما حماه، فعلى الأول ليس لأحد من الولاة أن يحمي بعده وعلى الثاني يختص بمن قام مقامه فهو الخليفة دون سائر نوابه.
وقال البيهقي: وفيه وفيما قبله دلالة على أن قول النبي ﷺ (لا حمى إلا لله ورسوله) أراد به أن لا حمى إلا على مثل ما حمى عليه رسوله في صلاح المسلمين والله أعلم.
стр. 1655
٩١٨ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
٩١٩ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ فِي اَلْمُوَطَّإِ مُرْسَلٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث جاء من عدة طرق.
حسن الحديث بمجموع طرقه: النووي، وابن الصلاح، وابن رجب، وابن الملقن.
وضعفه: ابن حزم، وابن عبد البر، والذهبي.
قال ابن عبد البر: وأما معنى هذا الحديث فصحيح في الأصول.
وقال ابن حزم: هذا خبر لا يصح.
• اذكر بعض الآيات التي تدل على ما دل عليه هذا الحديث؟
قاله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
وقال تعالى (لا تضار والدة بولدها).
وقال تعالى (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن).
وقال تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد).
وقال تعالى (أو دين غير مضار).
وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وغير ذلك كثير من الآيات والأحاديث الدالة على معنى هذه القاعدة.
• ما معنى (لا ضرر ولا ضرار)؟
اختلفت عبارات العلماء في الفرق ما بين الضرر والضرار.
فقيل: إن الضرر والضرار واحد، لكن كرر للتأكيد، فالضرر والضرار بمعنى واحد، وهو إيصال الأذى للغير. وقيل: الضرر أن يضر الرجل أخاه، والضرار: أن يضر كل واحد منهما صاحبه.
وقيل: الضرر إلحاق الإنسان مفسدة بغيره ابتداء، وأما الضرار فهو إلحاق الإنسن مفسدة بمن أضرَّ به على سبيل المجازاة على وجه غير جائز.
وقيل: الضرر: ما كان عن غير قصد، والضرار: ما كان عن قصد.
مثال ذلك: إنسان عنده شجرة في بيته يسقيها فانتشرت الرطوبة إلى بيت جاره بدون قصد، هذا نقول فيه: ضرر.
وإنسان آخر غرس شجرة وصار يسقيها من أجل أن ينتشر الماء والرطوبة إلى بيت جاره فيتأذى به، هذا ضرار، وكلاهما منفي شرعاً، فالضرر يزال وإن لم يقصد، والمضارة تزال وعليه إثم القصد. (اختاره ابن عثيمين).
وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع به أنت، والضرار، ما تضر به صاحبك من غير أن تنتفع به.
وهذا قول عدد من المحققين منهم العلامة ابن الصلاح، وقبله ابن عبد البر وجماعة من أهل العلم، وهذا التعريف أولى وأظهر لعدة أمور:
منها: أن فيه تفريقاً بين الضرر والضرار، والأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد.
والثاني: أن لفظ الضرر يختلف عن لفظ الضرار، في أن الضرر ظاهر منه أن الموصل لهذا الضرر منتفع به، وأما المضار بالشيء، فإنه غير منتفع به لمعنى المفاعلة في ذلك، وهذا -أيضاً- يعني: من جهة اللغة بين.
стр. 1656
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم إلحاق الضرر بالغير، وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون الغرض من ذلك: الضرر.
فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع:
منها: في الوصية.
قال تعالى (بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار).
والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه.
وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث فينقص حقوق الورثة.
ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث لم ينفذ ما وصى به إلا بإجازة الورثة.
ومنها: الرجعة في النكاح.
قال تعالى (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا).
فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة فإنه آثم بذلك، وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث: يطلق الرجل امرأته ثم يتركها حتى يقارب انقضاء عدتها ثم يراجعها ثم يطلقها، ويفعل ذلك أبداً بغير نهاية، فيدع امرأته لا مطلقة ولا ممسكة، فأبطل الله ذلك وحصر الطلاق في ثلاث مرات.
القسم الثاني: أن يكون الضرر من غير قصد. كأن يتصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره، وهذا على نوعين:
النوع الأول: أن يتصرف على وجه غير معتاد ولا مألوف، فلا يسمح له به.
كأن يؤجج ناراً في أرضه في يوم عاصف، فيحترق ما يليه.
النوع الثاني: أن يتصرف على الوجه المعتاد، وهذه تختلف وجهات نظر العلماء.
يدخل في عموم قوله ﷺ (لا ضرر) أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم البتة، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم، لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضار لهم في أبدانهم أيضاً.
ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وقال (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج).
وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، فقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
وأسقط اجتناب محظورات الإحرام كالحلق ونحوه عمن كان مريضاً أو به أذى من رأسه وأمر بالفدية.
- ما الحكمة من إيراد هذا الحديث في باب إحياء الموات؟
أتى به المصنف ﵀ ليبين أن الحمى إذا تضمن ضرراً على المسلمين وجب منعه، وإن كان لماشية المسلمين. (ابن عثيمين)
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
١. والحذر من ظلم الغير.
٢. الدين حماية للنفس والمال.
٣. النهي عن الضرر بالغير.
٤. مراعاة شعور الآخرين.
٥. فضل دفع الأذى.
٦. وجوب أداء حقوق الغير.
стр. 1657
٩٢٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْجَارُودِ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث في سنده ضعف، لعنعنة الحسن، وله شاهد من حديث جابر عند عبد بن حميد.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث يَدُلُّ على أحَدِ أنواعِ الإحياءِ، وهو إحاطةُ الأرضِ المَوَاتِ بحائِطٍ يَمْنَعُ الحيواناتِ مِنْ القَفْزِ مِنْ أعلاهُ، فمَن أَحَاطَ أَرْضاً بجِدَارٍ مَنِيعٍ؛ فَقَدْ أَحْيَا تِلْكَ الأرضَ.
وإذا أَحْيَا الأَرْضَ فَقَدْ مُلِّكَها مِلْكاً شَرْعِيًّا؛ لقولِه ﷺ (فهي له). (توضيح الأحكام).
والتحويط: بناء جدار منيع يحيط بها ويحميها، ويكون كما جرت به عادة أهل البلد.
ومعنى (منيع) أن لا يُدخل إلى ما وراءه إلا بباب.
وذكر الشيخ البسام أن العمل في المحاكم في المملكة أنه إذا كان ارتفاع الجدار متراً ونصف المتر فهو إحياء، لأنه منيع، وما كان دون ذلك فهو تحجير وليس بإحياء. (التسهيل).
قال الصنعاني: وَهَذَا الْحَدِيثُ بَيَّنَ نَوْعاً مِنْ أَنْوَاعِ الْعِمَارَةِ، وَلا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الأَرْضِ بِأَنَّهُ لا حَقَّ فِيهَا لأَحَدٍ كَمَا سَلَفَ.
стр. 1658
٩٢١ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
===
(مَنْ حَفَرَ بِئْرًا) المراد البئر التي تحفر في الأرض الموات للتمليك.
(عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ) العَطَن هو موطن الإبل ومبركها حول الحوض.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث كما قال المصنف – ﵀ – إسناده ضعيف.
وحسنه الألباني لأن له شاهداً.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن حريم البئر إذا حفرها لسقي ماشيته أربعون ذراعاً، وما عدا ذلك يكون هو والناس فيه سواء.
وذهب بعض العلماء إلى أن حريم البئر خمسة وعشرون ذراعاً إن كانت بئراً جديدة، وخمسون ذراعاً إن كانت بئراً قديمة أثرية.
قال ابن قدامة: وَلَنَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا) وَهَذَا نَصٌّ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَالْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، وَحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُمْلَكُ بِهِ الْمَوَاتُ، فَلَا يَقِفُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، كَالْحَائِطِ.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْبِئْرِ لَا تَنْحَصِرُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَا حَوْلَهَا عَطَنًا لَإِبِلِهِ، وَمَوْقِفًا لِدَوَابِّهِ وَغَنَمِهِ، وَمَوْضِعًا يَجْعَلُ فِيهِ أَحْوَاضًا يَسْقِي مِنْهَا مَاشِيَتَهُ، وَمَوْقِفًا لِدَابَّتِهِ الَّتِي يَسْتَقِي عَلَيْهَا وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَلَا يَخْتَصُّ الْحَرِيمُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَرْقِيَةِ الْمَاءِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَحَدِيثُنَا أَصَحُّ مِنْهُ، وَرَوَاهُمَا أَبُو هُرَيْرَة، فَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ. (المغني).
حديث أبي هريرة (حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، .. ) قال الدارقطني: الصحيح أنه مرسل.
- المراد بحريم البئر: ما حولها من مرافقها وحقوقها.
- قال الشيخ ابن عثيمين: إذا كان البئر للزرع، فإنه لا يتقيد بأربعين ذراعاً، ولا بخمسة وعشرين، ولا بخمسين، بل يتقيد بما يمكن أن يحييه بهذه البئر حسب العادة قلّ أو كثر.
стр. 1659
٩٢٢ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أقطعه أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ
٩٢٣ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ اَلزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى اَلْفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى سَوْطَهُ. فَقَالَ: أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ اَلسَّوْطُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ ضَعْفٌ.
===
(أقطعه أَرْضًا) الإقطاع: ما يعطيه الإمام لبعض الرعية من أراضي الموات، فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه.
التحجير: هو أن يشرع في الإحياء ولا يتمه.
والفرق بينه وبين الإحياء: أن المحيي يملك ما أحياء - وأما المتحجر فهو أحق بالأرض من غيره.
مثال: لو جاء إنسان إلى هذه الأرض وأدار حولها أحجاراً، فهذا تحجير وليس إحياء.
مثال: لو بنى حول الأرض جداراً قصيراً، فهذا يقال له تحجير ولا يقال له إحياء.
مثال آخر: او حفر بئراً للوصول إلى الماء (والماء ١٠٠ متر) فلما حفر ٧٠ متراً توقف، فهذا يسمى تحجيراً ولا يسمى إحياء فإذا أقطع الإمام أرضاً لإنسان فهو أحق بهذه الأرض من غيره، لكن ليس له أن يتصرف بها.
قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ الْمَوَاتِ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ، لَكِنْ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ، كَالْمُتَحَجِّرِ لِلشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، حَيْثُ اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْهُ مَا عَجَزَ عَنْ إحْيَائِهِ مِنْ الْعَقِيقِ، الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَجُزْ اسْتِرْجَاعُهُ.
وَرَدَّ عُمَرُ أَيْضًا قَطِيعَةَ أَبِي بَكْرٍ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، فَسَأَلَ عُيَيْنَةُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ كِتَابًا فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُجَدِّدُ شَيْئًا رَدَّهُ عُمَرُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
لَكِنَّ الْمُقْطَعَ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَوْلَى بِإِحْيَائِهِ، فَإِنْ أَحْيَاهُ، وَإِلَّا قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: إنْ أَحْيَيْته، وَإِلَّا فَارْفَعْ يَدَك عَنْهُ.
كَمَا قَالَ عُمَرُ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُقْطِعْك لِتَحْجُبَهُ دُونَ النَّاسِ
• اذكر أنواع الإقطاع؟
الإقطاع ٣ أنواع:
الأول: إقطاع تمليك: أن يملّك الإمام أو نائبه أحداً من المسلمين أرضاً (كأراضي المنح في هذا الوقت).
الثاني: إقطاع إرفاق: أن يعطيه أرضاً يرتفق بها (كالأراضي التي تعطى للباعة يبيعون عليها بضاعتهم) كأسواق الجمعة الموجودة الآن.
الثالث: إقطاع استغلال: أن يقطع ولي الأمر أو نائبه أحداً من المسلمين أرضاً يستغلها بالزراعة - مثلاً - ثم إن شاء رجع وإن ملكه إياها.
فمن اقطع أرضاً - غير إقطاع التمليك - فهو أحق بها من غيره، لكن ليس له أن يتصرف بها.
стр. 1660
٩٢٤ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ اَلصَّحَابَةِ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ (اَلنَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي اَلْكَلَأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
===
• ما المراد بالكلأ والماء والنار في هذا الحديث؟
الْمُرَاد الْمِيَاه الَّتِي لَمْ تَحْدُث بِاسْتِنْبَاطِ أَحَد وَسَعْيه كَمَاءِ الْآبَار وَلَمْ يُحْرَز فِي إِنَاء أَوْ بِرْكَة أَوْ جَدْوَل مَأْخُوذ مِنْ النَّهَر.
وَالْكَلَأ: وَهُوَ النَّبَات رَطْبه وَيَابِسه. (عون المعبود).
وَالنَّارِ الشَّجَر الَّذِي يَحْتَطِبهُ النَّاس مِنْ الْمُبَاح فَيُوقِدُونَه.
• اذكر معنى الحديث؟
قال الخطابي ﵀ فيه: هذا معناه الكلأ ينبت في موات الأرض يرعاه الناس ليس لأحد أن يُخص به دون أحد، ويحجزه عن غيره، وقد كان أهل الجاهلية إذا عز الرجل منهم حمى بقعة من الأرض لماشيته ترعاها يذود الناس عنها، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وجعل الناس فيه شركاء يتعاورونه بينهم، فأما الكلأ إذا نبت في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال ليس لأحد أن يشركه فيه إلا بإذنه. ا. هـ
وقال ابن عبد البر في التمهيد عند قول رسول الله ﷺ لا يمنع نقع بئر: وفي هذا الحديث دليل على أن الناس شركاء في الكلأ وهو في معنى الحديث الآخر: الناس شركاء في الماء والنار والكلأ. إلا أن مالكا ﵀ ذهب إلى أن ذلك في كلأ الفلوات والصحاري، وما لا تملك رقبة الأرض فيه، وجعل الرجل أحق بكلأ أرضه إن أحب المنع منه فإن ذلك له.
وقال المناوي: أي لا يجوز لأحد منعهن .. والكلأ بالهمز والقصر النبات أي المباح وهو النابت في موات فلا يحل منع أهل الماشية من رعيه لأنه مجرد ظلم، أما كلأ نبت بأرض ملكها بالإحياء فمذهب الشافعية حل بيعه.
وقال الصنعاني: والكلأ النبات رطباً كان أو يابساً، … والحديث دليل على عدم اختصاص أحد من الناس بأحد الثلاثة وهو إجماع في الكلأ في الأرض المباحة والجبال التي لم يحرزها أحد، فإنه لا يمنع من أخذ كلئها أحد إلا ما حماه الإمام … وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة ففيه خلاف بين العلماء. انتهى.
• ما الحكم إذا حازه الإنسان هل يجوز بيعه؟
نعم، لأنه حازه وملكه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: قوله (ولا يصح بيع نقع البئر) نقع البئر هو: ماؤه الذي نبع من الأرض، فلا يجوز بيع هذا الماء؛ لقول النبي ﷺ (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار) ولأن هذا الماء لم يخرج بقدرة الإنسان؛ بل بقدرة الله ، فقد يحفر الإنسان بئرا عميقا ولا يخرج الماء فليس من كده ولا فعله، بل هو سبب، فلذلك لا يملكه، وإذا كان لا يملكه فإنه لا يصح بيعه، أما إذا ملكه وحازه وأخرجه ووضعه في البركة فإنه يجوز بيعه؛ لأنه صار ملكا له بالحيازة. (الشرح الممتع)
الخلاصة: بيع الماء لا يخلو من حالتين:
الحال الأولى: أن يكون الماء في بئر أو نهر عام ليس ملكاً لأحد، فهذا لا يجوز بيعه.
стр. 1661
وَقَالَ السِّنْدِيُّ: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْم إِلَى ظَاهِره فَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة لَا تُمْلَك وَلَا يَصِحّ بَيْعهَا مُطْلَقًا، وَالْمَشْهُور بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَلَأِ هُوَ الْكَلَأ الْمُبَاح الَّذِي لَا يَخْتَصّ بِأَحَدٍ، وَبِالْمَاءِ مَاء السَّمَاء وَالْعُيُون وَالْأَنْهَار الَّتِي لَا تُمْلَك، وَبِالنَّارِ الشَّجَر الَّذِي يَحْتَطِبهُ النَّاس مِنْ الْمُبَاح فَيُوقِدُونَهُ، فَالْمَاء إِذَا أَحْرَزَهُ الْإِنْسَان فِي إِنَائِهِ وَمِلْكه يَجُوز بَيْعه وَكَذَا غَيْره.
الحال الثانية: أن يكون الماء في ملك الشخص، وهو الذي أخرجه وحازه في ملكه، فهذا يجوز له أن يبعه.
قال ابن القيم: فأما من حازه فى قِربته أو إنائه، فذاك غيرُ المذكور فى الحديث، وهو بمنزلة سائر المباحات إذا حازها إلى ملكه، ثم أراد بيعَها كالحطب والكلأ والملح، وقد قال ﷺ (لأنَ يَأخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتَى، بحُزْمَةِ حَطَبٍ على ظَهْرِهِ فيبيعها فَيكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهَ خَيْرٌ لَهُ منْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوه).
قال الشيخ ابن عثيمين: أما إذا ملكه وحازه وأخرجه ووضعه في البركة، فإنه يجوز بيعه؛ لأنه صار ملكاً له بالحيازة " انتهى
• ما حكم لو نبت الزرع في أرض مملوكة؟
يجوز للإنسان أن يرعى الكلأ الذي لم ينبته أحد، فإن كان في أرض مباحة فلا خلاف في ذلك.
وإن كان في أرض مملوكة ولم يكن صاحبها محتاجاً إليه للغير فيجوز على الراجح من قولي أهل العلم، ولا يلزمه في ذلك عوض.
لقول النبي ﷺ (الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: وقد اتفق المسلمون على أن الكلأ النابت في الأرض المباحة مشترك بين الناس، فمن سبق إليه فهو أحق به، وأما النابت في الأرض المملوكة، فإنه إن كان صاحب الأرض محتاجاً إليه فهو أحق به، وإن كان مستغنياً عنه، ففيه قولان مشهوران لأهل العلم، وأكثرهم يجوزون أخذه بغير عوض لهذا الحديث، ويجوزون رعيه بغير عوض.
стр. 1662
بَابُ اَلْوَقْفِ
٩٢٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا مَاتَ اَلْإِنْسَانُ اِنْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالَحٍ يَدْعُو لَهُ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(إذا مات الإنسان انقطع عمله) يعني بزوال التكليف بالموت وخروجه من دار العمل إلى البرزخ، وليس البرزخ مكاناً للعمل، ومعنى انقطع عمله: يعني انقطع ثوابه.
(إلا من ثلاثة) إلا من ثلاثة أشياء، فإن ثوابها يدوم للإنسان بعد موته لدوام أثرها.
(صدقة جارية) المراد بها الصدقة المتصلة التي استمر نفعها كوقف العقارات والكتاب والمصاحف والأواني ونحو هذا مما يستمر نفعه ببقاء عينه.
(أو علم ينتفع به) قوله (ينتفع به) هذا قيد، فهذا يخرج العلم الذي لا نفع فيه، أو العلم الذي فيه مضرة كعلم النجوم يتعلمه، وكذا العلوم المفسدة للدين والأخلاق فلا تدخل في الحديث. والمراد بالعلم الذي ينتفع به ما يلي: العلم الذي علمه الطلبة المستفيدين المستعدين للعلم - العلم الذي ينشره بين الناس - الكتب التي ألفها في نفع المسلمين، قال العلماء: والكتب أعظمها أثراً لطول بقائها.
(أو ولد صالح يدعو له) المراد بالصلاح الاستقامة على طاعة الله، (الحديث يشمل ولد الصلب وولد الولد، ويشمل الذكر والأنثى) وصْف الولد بالصلاح: ليكون دعاؤه مجاباً فينتفع والده بدعائه، وفائدة التقييد بالولد - مع أن دعاء غير الولد ينفع - هو تحريض الولد على الدعاء لوالديه.
• عرف الوقف؟
هو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
مثال: أن يقول هذا بيتي وقف على الفقراء، فأصل البيت محبوس (ثابت لا يباع ولا يوهب ولا يورث)، لا يمكن أن يتصرف فيه ببيع ولا هبة ولا غير ذلك، ومنفعته مطلقة للفقراء، فكل من كان فقيراً استحق هذا الوقف.
• تسبيل المنفعة: أي الغلة الناتجة عن ذلك الأصل كالثمرة والأجرة.
• اذكر أدلة مشروعية الوقف؟
أ-قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيء فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم).
والوقف داخل في الإنفاق.
ب- قال تعالى (وافعلوا الخير).
ج-ولحديث الباب في قوله (أو صدقة جارية).
والصدقة الجارية هي الوقف.
стр. 1663
• ما المقصود من الوقف؟
المقصود منه أمران:
الأمر الأول: الأجر الحاصل للواقف.
الأمر الثاني: نفع الموقوف عليه في عين الوقف أو غلته.
مثال: قلت هذا البيت وقف على زيد من الناس - لو أراد أن يسكنه فهنا انتفع بعين الوقف، ولو أجر الناظر البيت وأعطاه الغلة فهنا انتفع بغلته.
• ماذا يشترط في الوقف؟
أولاً: يشترط في الوقف أن يكون على جهة بر وطاعة، كالمساجد، والفقراء، واليتامى ونحوها.
لأن المقصود به التقرب إلى الله، كبناء مسجد أو مدرسة علمية، أو داراً ريعها للفقراء.
لو قال: هذا وقف على الأغنياء، فإنه لا يصح، لأنهم ليسوا محلاً للقربة.
• أما إذا كان على معين فإنه لا يشترط أن يكون على بر [لكن يشترط ألا يكون إثم].
مثال: وقفت هذا البيت على فلان الغني، فإنه يصح، لأنه ليس على جهة.
ثانياً: ومما يشترط في الوقف: أن يكون مما ينتفع به انتفاعاً مستمراً مع بقاء عينه.
قال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: الصدقة الجارية هي الوقف.
وقال الخطيب الشربيني ﵀: الصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف كما قاله الرافعي، فإن غيره من الصدقات ليست جارية.
قال ابن حزم في المحلى (٨/ ١٥١): الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ، الْبَاقِي أَجْرُهَا بَعْدَ الْمَوْت.
وقال ابن الأثير في "النهاية" (١/ ٧٣٩): (صَدَقة جارِية) أي دَارّة مُتَّصِلة كالوُقُوف المُرْصَدة لأبواب البِرّ.
وقال السرخسي في "المبسوط" (١٢/ ٣٢): مَقْصُودُ الْوَاقِفِ أَنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ جَارِيَةً لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وقال العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (١/ ١٣٥): وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ تُحْمَلُ عَلَى الْوَقْفِ وَعَلَى الْوَصِيَّةِ بِمَنَافِعِ دَارِهِ وَثِمَارِ بُسْتَانِهِ عَلَى الدَّوَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ، لِتَسَبُّبِهِ إلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ التَّسَبُّبِ.
وقال في أسنى المطالب (٢/ ٤٤٥٧): وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْوَقْفِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيّ.
وقال الشيخ ابن عثيمين: الصدقة الجارية: كل عمل صالح يستمر للإنسان بعد موته، والذي يتصدق به الإنسان من ماله، هو ماله الحقيقي الباقي له، الذي ينتفع به.
- والصدقة الجارية هي التي يستمر ثوابها بعد موت الإنسان، وأما الصدقة التي لا يستمر ثوابها ـ كالصدقة على الفقير بالطعام ـ فليست صدقة جارية.
وبناء عليه: فتفطير الصائمين وكفالة الأيتام ورعاية المسنين - وإن كانت من الصدقات - لكنها ليست صدقات جارية، ويمكنك أن تساهم في بناء دار لليتامى أو المسنين، فتكون بذلك صدقة جارية، لك ثوابها ما دامت تلك الدار ينتفع بها.
стр. 1664
وأنواع الصدقات الجارية وأمثلتها كثيرة، منها: بناء المساجد، وغرس الأشجار، وحفر الآبار، وطباعة المصحف وتوزيعه، ونشر العلم النافع بطباعة الكتب والأشرطة وتوزيعها.
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) رواه ابن ماجه قال المنذري: إسناده حسن.
د-ولحديث عمر الآتي، فقد أشار عليه النبي ﷺ بأحسن طرق الصدقات، وهو الوقف.
قال ابن حجر: وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف.
هـ- قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ عنده مقدرة إلا وقف.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم شرحه لحديث الباب: قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ عَمَل الْمَيِّت يَنْقَطِع بِمَوْتِهِ، وَيَنْقَطِع تَجَدُّد الْثوَاب لَهُ، إِلا فِي هَذِهِ الأَشْيَاء الثَّلاثَة; لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبهَا; فَإِنَّ الْوَلَد مِنْ كَسْبه، وَكَذَلِكَ الْعِلْم الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيم أَوْ تَصْنِيف، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة الْجَارِيَة، وَهِيَ الْوَقْف.
فإذا كان لا ينتفع به على سبيل الدوام فلا يصح وقفاً.
مثال: الطعام، لا يصح وقفه، لأنه ينفد.
فلو قلت: هذه الخبز وقف لله تعالى على الجائعين، فهذا لا يصح وقفاً، وتكون صدقة.
لو وقّف حماراً مقطع الأرجل، فإنه لا يصح، لأنه لا ينتفع به.
• بما ينعقد الوقف؟
ينعقد بالصيغة القولية، والصيغة الفعلية.
أولاً: الصيغة القولية.
قال في المغني: وَأَلْفَاظُ الْوَقْفِ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ صَرِيحَةٌ، وَثَلَاثَةٌ كِنَايَةٌ.
فَالصَّرِيحَةُ: وَقَفْت، وَحَبَسْت، وَسَبَّلْت.
مَتَى أَتَى بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، صَارَ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ أَمْرٍ زَائِدٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ثَبَتَ لَهَا عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ النَّاسِ، وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ عُرْفُ الشَّرْعِ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ (إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا، وَسَبَّلْت ثَمَرَتَهَا).
فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ
وأما الكناية: تصدقت، حرمت، أبدت.
فهذه لا يحصل بها الوقف إلا بشروط:
الشرط الأول النية، فيكون على ما نوى.
الثاني: أن ينضم إليها أحد الألفاظ الخمسة.
مثال: تصدقت بداري صدقة موقوفة.
تصدقت بهذه الدار محبسة.
الثالث: أن يصفها بصفات الوقف.
فيقول: تصدقت بهذا البيت صدقة لا تباع [الذي لا يباع هو الوقف].
ثانياً: الصيغة الفعلية.
أن يبني مسجداً ويأذن للناس في الصلاة فيه، فهذا يكون وقفاً، لأن هذا الفعل منه يدل على ذلك، ولا يشترط أن يقول هذا وقف، لأن فعله يدل على ذلك.
стр. 1665
٩٢٦ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْه قَالَ: " إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا " قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ [غَيْرَ] أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي اَلْفُقَرَاءِ، وَفِي اَلْقُرْبَى، وَفِي اَلرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ، وَابْنِ اَلسَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقاً - غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ).
===
(أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا فَأَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا) أي: يستشيره في التصرف في هذه الأرض.
(أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْه) أي أعز وأجود، لأن النفيس هو الشيء الجيد المغتبط به.
(إِنْ شِئْتَ) الأجر والمثوبة من الله.
(حَبَّسْتَ أَصْلَهَا) بتشديد الباء ويجوز التخفيف، وأصل الحبس لغة المنع، أي: وقفت تلك الأرض
(وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) أي: وتصدق بغلتها وبريعها أو بمنفعتها، وقد جاء في رواية عند النسائي (احبس أصلها وسبّل ثمرها) وفي رواية (تصدّق بثمره، وحبس أصله).
(فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي اَلْفُقَرَاءِ) وهو من لا يقدر على نصف كفايته وكفاية عائلته لا بماله ولا بكسبه.
(وَفِي اَلْقُرْبَى) أي: الأقارب، والمراد بهم قرابة عمر.
(وَفِي اَلرِّقَابِ) جمع رقبة، والمراد هنا فك الإنسان من الرق أو الأسر، والمعنى: أنه يشترى من غلة الوقف رقاباً فيعتقون، أو يعان المكاتبون الذين كاتبوا أسيادهم على مقدار من المال يعتقون بدفعه.
(وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ) اختلف في معناه فقيل: المراد به الجهاد فيشمل شراء الأسلحة وأدوات الحرب ونحو ذلك، وقيل: أن المراد قي سبيل الله، كل ما أعان على اعلاء كلمة الله ونشر دينه ونفع المسلمين، وعلى هذا التفسير يدخل فيه أبواب كثيرة جداً فيدخل فيه إعانة المجاهدين، وبناء المساجد والمدارس ودور الرعاية والمستشفيات ويدخل أيضاً شراء الكتب وتوزيعها أو المساهمة بطبعها، ورعاية الأيتام والمعوقين والأرامل.
(وَابْنِ اَلسَّبِيلِ) أي المسافر الذي انقطع به السفر ولم يستطع مواصلة السفر، فهذا يعطى من ريع الوقف ما يوصله إلى بلده.
(وَالضَّيْفِ) هو من ينزل بالقوم يريد القراء.
(لا جُنَاحَ) أي لا حرج ولا إثم.
(عَلَى مَنْ وَلِيَهَا) أي قام بحفظها وإصلاحها (أي الأرض).
(أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا) أي يأخذ من ريعها ما يحتاج إليه من طعام أو كسوة أو مركب.
(بِالْمَعْرُوفِ) هذا قيد، فأخْذه مقيد بالمعروف، وهو ما جرى به العرف وأقره الشرع.
(وَيُطْعِمَ صَدِيقاً) قيل: المراد صديق الناظر، وهذا الأقرب لرواية البخاري (أو يوصل صديقه) وقيل: المراد صديق الواقف، وهذا فيه بُعد.
(غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً) التمول: اتخاذ المال أكثر من حاجته، والمراد: أن الناظر يأكل من الوقف لكن لا يتملك منه شيئاً، فلا يأخذ - مثلاً - من الوقف ألف ريال، (٥٠٠) يأكلها، و (٥٠٠) يودعها في رصيده.
стр. 1666
• هل الوقف عقد لازم أم يجوز الرجوع فيه؟
الوقف عقد لازم بمجرد القول، فلا يملك الواقف الرجوع فيه.
وهذا قول الجمهور من العلماء.
أ- لحديث الباب. (إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا … أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ … ).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن النبي ﷺ أمر عمر أن يحبّس الأصل، والحبس هو المنع، والقول أن الوقف عقد جائز ينافي التحبيس.
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ ذكر أحكام الوقف فقال (تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ … ).
ب- حديث أبي هريرة السابق ( … أو صدقة جارية).
فالوقف إذا لم يرد به الدوام لم يكن صدقة جارية.
ج- إذا كان الرجوع في الصدقة بعد إخراجها من يده لا يجوز، لأن العطية لا يجوز الرجوع فيها بعد إخراجها من يده، فكذلك الوقف لا يجوز الرجوع فيه بعد أن يتصدق به.
وقال أبو حنيفة: إن الوقف عقد جائز، فللواقف أن يرجع في وقفه متى شاء.
واستدل بحديث ابن عباس. أن النبي ﷺ قال (لما نزلت سورة النساء وفرض فيها الفرائض (المواريث) قال النبي ﷺ : لا حبس عن فرائض الله) رواه الطحاوي وسنده ضعيف.
والصحيح القول الأول.
• ما حكم بيع الوقف؟
لا يجوز بيعه.
لقوله ﷺ (لا يباع أصلها).
وهذا مذهب جماهير العلماء.
وشذ أبو حنيفة فأجاز بيع الوقف والرجوع فيه.
وخالفه أصحابه في ذلك.
قال أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة حديث عمر، لقال به، ورجع عن بيع الوقف.
• ما حكم بيع الوقف إذا تعطلت منافعه؟
اختلف أهل العلم في بيع الوقف إذا تعطلت منافعه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: المنع من بيعه مطلقاً.
وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
أ- لحديث الباب (لا يباع أصلها، ولا تبتاع، ولا توهب، ولا تورث).
ب- قالوا: ولأنَّ ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها كالمعتق والمسجد أشبه الأشياء بالمعتق.
القول الثاني: رد الوقف إلى المتبرع به إذا تعطلت مصالحه.
وهذا قول محمد بن الحسن.
стр. 1667
واستدل بأنَّ الوقف إنَّما هو تسبيل المنفعة، فإذا زالت منفعته زال حق الموقوف عليه منه فزال ملكه عنه.
القول الثالث: جواز بيع الوقف للحاجة.
وهذا رواية عن الإمام أحمد، بشرط أن يشتري بقيمته ما يكون بدلاً عن الأول.
ودليلهم على ذلك ما فعله عمر ﵁ حين بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب فكتب إلى سعد: أن انقل المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد، وكان هذا العمل بمشهد من الصحابة فلم ينكر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة.
فلو كان الوقف بيتاً فانهدمت، أو كان مسجداً ورحل عنه أهل القرية فعلى هذا القول أنه يجوز بيعه وإبداله بشيء آخر يستمر فيه نفعه للواقف.
لما ورد عن عمر (كتب إلى سعد - لما بلغه أن بيت المال الذي في الكوفة قد نَقَب - تهدم - قال عمر: انقل المسجد الذي بالتمّارين، واجعل بيت المال في قِبلة المسجد، فإنه لا يزال في المسجد مصلٍّ) أخرجه الطبراني، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعاً [قاله في المغني].
ويؤيد هذا أن بقاء العين بلا منفعة لا فائدة فيه، وحرمان له من ثوابه.
• ما حكم الوقف على النفس؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: صحة ذلك.
وهذا اختيار ابن تيمية.
أ- لحديث جابر. قال: قال ﷺ لرجل (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك … ) رواه مسلم.
قالوا: أن النبي ﷺ جعل الصدقة على النفس هي المقدمة، والوقف نوع من الصدقة.
ب- أن المقصود من الوقف القربة، وهي حاصلة بالوقف على النفس.
القول الثاني: عدم صحة ذلك.
وهذا قول الجمهور.
لحديث الباب وفيه قال النبي ﷺ (حبّس الأصل وسبّل الثمرة) رواه أحمد.
قالوا: إن تسبيل الثمرة تمليكها للغير، ولا يتصور أن يملك الشخص من نفسه لنفسه.
والله أعلم.
стр. 1668
• اذكر شروط صحة الوقف؟
يشترط لصحة الوقف:
أولاً: أن يكون الواقف جائز التصرف. (بأن يكون بالغاً حراً رشيداً).
ثانياً: أن يكون الوقف على بر، لأن المقصود به التقرب إلى الله.
كالمساجد، والمساكين، وكتب العلم، والأقارب.
ثالثاً: أن يكون الموقف بما ينتفع به انتفاعاً مستمراً مع بقاء عينه.
فلا يصح وقف ما لا يبقى بعد الانتفاع به، كالطعام.
رابعاً: أن يكون الموقف معيناً.
فلا يصح وقف غير المعين.
مثال: وقفت إحدى بيتيّ، لا يصح.
• هل يجب العمل بشرط الواقف؟
نعم، يجب العمل بشرطه.
لأنه خرج من ملك الواقف على شرط معين.
فيجب العمل بشرطه في الجمع: قال: هذا وقف على زيد ومحمد وخالد وعلي، فإنهم يعطون سواء.
ويجب العمل بشرطه في التقديم: قال: هذا وقف على زيد ثم خالد.
إذا لم يشترط شيئاً: استوى في الاستحقاق الغني والفقير والذكر والأنثى من الموقوف عليهم.
• هل يشترط القبول للوقف؟
إذا كان على جهة كالفقراء والمساكين فإنه لا يشترط القبول.
قال ابن القيم: لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معين اتفاقاً.
وأما إذا كان على معين، أو على جماعة معينة محصورين ففيه قولان:
قيل: لا يشترط القبول.
وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، ورجحه النووي، وابن القيم.
وينتقل إلى من بعده.
مثال: لو قال: هذا وقف على زيد، ثم المساكين، وقال زيد: لا أريده، ينتقل فوراً إلى المساكين.
وقيل: يشترط قبوله.
لأنه تبرع لآدمي، فكان من شرطه القبول كالهبة والوصية.
والأول أصح.
стр. 1669
• هل يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه؟
ذهب عامة أهل العلم إلى أن شرط الواقف لا يصح تغييره ما دام في غير محذور شرعي.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جواز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح.
فقال ﵀: ويجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند.
والراجح القول الأول.
• من الناظر على الوقف:
إن عين الواقف شخصاً معيناً، فإنه هو يكون المسؤول.
إن لم يعين، فالناظر هو الموقوف عليهم.
لكن يستثنى: إذا كان الموقوف عليهم لا يمكن حصرهم، كالمساكين، وطلاب العلم، فهنا يكون القاضي، وإذا كان الموقوف عليهم جهة لا تملك، كالمساجد.
• هل يصح تعليق الوقف. (كقول: إن دخل رمضان فداري وقف).
قيل: يصح.
وهذا مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية.
لعدم المانع من ذلك.
وقيل: لا يصح.
وبهذا قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
قالوا: إن الوقف عقد يقتضي نقل الملك لله تعالى أو للموقوف عليه حالاً كالبيع والهبة فلا يصح إلا منجزاً.
والراجح الأول.
• هل يجب تعميم الموقوف عليهم بالتساوي؟
أولاً: إذا وقف على جماعة يمكن حصرهم، وجب تعميمهم بالتساوي. مثال:
هذا وقف على عيال أحمد، وكانوا خمسة، فهنا يجب التعميم والتساوي.
ثانياً: إذا وقف على جماعة لا يمكن حصرهم، فيجوز أن يقتصر على صنف واحد. مثال:
الفقراء - طلاب العلم.
(وإن وقف على ولده أو ولد غيره فهو لذكر وأنثى بالسوية).
стр. 1670
• هل يجوز أن يوقف على أولاده الذكور دون الإناث؟
المشهور من المذهب أنه يجوز أن يوقف على أولاده الذكور دون الإناث.
قال الشيخ ابن عثيمين: والصحيح أنه لا يجوز، لأنه ظلم وجور، وقال ﷺ : (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).
• ما الحكم لو قال: هذا وقف على أولاد زيد الذكور دون الإناث؟
يصح. لأنه لا يجب العدل، لأنهم ليسوا أبناءه.
• ما الحكم لو أوقف على قبيلة؟
إن أوقف على قبيلة، فإنه يشمل الجميع الذكور والإناث، إلا أولاد النساء من غيرهم.
• ما حكم وقف المبهم؟
قيل: لا يصح.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
قالوا: إذا كان المبهم لا يصح بيعه، فكذلك لا يصح وقفه.
وقيل: يصح.
وهذا اختيار البخاري.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فضيلة الوقف.
- فضيلة ظاهرة لعمر.
- مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير.
- فضيلة صلة الرحم والإنفاق عليهم.
- أن المشير يشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور.
- فضيلة الإنفاق من أحب المال.
- فضيلة الصدقة الجارية.
- أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءاً من ريع الموقوف، لأن عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف ولم يستثن.
стр. 1671
٩٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: - بَعَثَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى اَلصَّدَقَةِ .. - اَلْحَدِيثَ، وَفِيهِ (وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ اِحْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
الحديث تقدم شرحه ولفظه كاملاً:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيراً فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَىَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». ثُمَّ قَالَ «يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) متفق عليه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز وقف المنقولات، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: لا يصح وقفه.
وها قول أبي حنيفة.
لأن من شروط الوقف التأبيد، والمنقول لا يتأبد، لكونه قابلاً للفناء، فلا يجوز وقفه مقصوداً إلا إذا كان تابعاً للعقار.
القول الثاني: لا فرق بين العقار والمنقول في باب الوقف، والجميع يصح وقفه.
وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والمشهور في مذهب الحنابلة.
لحديث الباب.
قال الخطابي: وفي الحديث دليل على جواز إحباس آلات الحروب من الدروع والسيوف والحجف. وقد يدخل فيها الخيل والإبل لأنها كلها عتاد للجهاد. وعلى قياس ذلك الثياب والبسط والفرش ونحوها من الأشياء التي ينتفع بها مع بقاء أعيانها.
ب- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة) رواه البخاري.
قال ابن حجر: وفي حديث أبي هريرة دلالة على صحة وقف المنقولات، وأن الوقف لا يختص بالعقار، لعموم قوله: ما تركت بعد نفقة نسائي ....
ج- أن حقيقة الوقف: هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وهذا حاصل في المنقول، كما هو حاصل في العقار.
• ما معنى قوله ( … فَقَدْ اِحْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ)؟
قال النووي: قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْأَعْتَاد: آلَات الْحَرْب مِنْ السِّلَاح وَالدَّوَابّ وَغَيْرهَا.
وَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْ خَالِد زَكَاة أَعْتَادِهِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا لِلتِّجَارَةِ، وَأَنَّ الزَّكَاة فِيهَا وَاجِبَة، فَقَالَ لَهُمْ: لَا زَكَاة لَكُمْ عَلَيَّ، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ خَالِدًا مَنَعَ الزَّكَاة، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ تَظْلِمُونَهُ; لِأَنَّهُ حَبَسَهَا وَوَقَفَهَا فِي سَبِيل اللَّه قَبْل الْحَوْل عَلَيْهَا، فَلَا زَكَاة فِيهَا.
وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد: لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاة لَأَعْطَاهَا وَلَمْ يَشِحَّ بِهَا; لِأَنَّهُ قَدْ وَقَف أَمْوَاله لِلَّهِ تَعَالَى مُتَبَرِّعًا فَكَيْف يَشِحّ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ؟ وَاسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ مِنْ هَذَا وُجُوب زَكَاة التِّجَارَة، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف خِلَافًا لِدَاوُد.
стр. 1672
• ما موقف النبي ﷺ من هؤلاء الثلاثة الذين منعوا الزكاة؟
في هذا الحديث أحوال ثلاثة من الصحابة:
الأول: ابن جميل.
فهذا منعها وقد ذمه رسول الله.
الثاني: خالد بن الوليد.
قال النبي: (فإنكم تظلمون خالداً، فقد احتبس أدرعه … ).
هذا الكلام يحتمل أحد أمرين كما تقدم:
أولاً: أنهم طلبوا من خالد زكاة اعتاده ظناً منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة فيها، لأنه أوقفها وحبسها في سبيل الله قبل الحول عليه.
ثانياً: يحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه الزكاة لأعطاها ولم يشح بها، لأنه وقف أمواله لله تعالى متبرعاً، فكيف يشح بواجب عليه؟
الثالث: عم النبي العباس، قال النبي فيه: فهي عليّ ومثلها. اختلف العلماء في ذلك:
جاء في رواية (فهي عليه ومثلها معها). فعلى هذه الرواية يكون النبي ألزمه بتضعيف صدقته، فالمعنى: فهي صدقة ثابتة عليه سيصدق بها ويضيف إليها مثلها كرماً.
وجاء في رواية كما في رواية الباب (فهي علي ومثلها) قال الشيخ ابن عثيمين: " المعنى: أن النبي ﷺ ضمن زكاته لكن ضاعفها، لأن الرجل من قرابة النبي ﷺ فضاعف عليه الغرم، ونظير ذلك قول عمر حين ينهى الناس عن شيء يجمع أهله ويقول: إني نهيت الناس عن كذا وكذا فلا أرى أحداً منكم فعله إلا ضاعفت عليه العقوبة، وذلك لأن قريب السلطان قد يتجرأ على المعصية لقربه من السلطان ".
وقيل معنى (فهي عليّ) أي عندي قرض لأنني استسلفت منه صدقة عامين، وقد ورد ذلك صريحاً فيما أخرجه الترمذي من حديث علي وفي إسناده مقال أن النبي قال (إنا كنا احتجنا فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين).
وهذا لو ثبت لكان رافعاً للإشكال.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- مشروعية بعث السعاة لقبض الزكاة من ذوي الأموال.
- فضل عمر بن الخطاب حيث كان موضع الثقة من رسول الله ﷺ .
- جواز شكاية من امتنع من دفعها وإن كبر مقامه.
- ذم من امتنع من دفع الزكاة.
- قبح من جحد نعمة الله عليه شرعاً وعقلاً.
стр. 1673
بَابُ اَلْهِبَةِ
تعريفها:
قال ابن قدامة: تمليك في الحياة بلا عوض.
قولنا (تمليك) يخرج العارية، لأن العارية إباحة العين لا تمليكها، لأنه ينتفع بها ويردها.
وقولنا (في الحياة) هذا يخرج الوصية، لأن الوصية بعد الموت.
وقولنا (بلا عوض) وهذا يخرج البيع، لأنه تمليك بعوض معلوم.
قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض، واسم العطية شامل لجميعها وكذلك الهبة.
وقال ابن حجر: والهبة بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدين ممن هو عليه، والصدقة هي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية هي ما يكرم به الموهوب له ومن خصها بالحياة أخرج الوصية، وهي أيضا تكون بالأنواع الثلاثة، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض. ا هـ.
فائدة: ١
والهبة من عقود التبرعات.
وهي العقود التي يقوم التمليك فيها على التبرع من غير مقابل؛ إذ إن أحد طرفي العقد فيها لا يطلب عوضا عما يدفعه إلى الطرف الآخر، ويقابلها عقود المعاوضات، وهذا من حيث الغرض من العقد.
فائدة: ٢
اعلم أن تبرع الإنسان ماله لغيره بقع على أوجه:
أن يكون صدقة: وهي ما أريد بها ثواب الآخرة.
أن يكون هدية: وهي ما قصد بها التودد والتحبب للغير.
أن يكون هبة: وهي ما قصد بها مجرد النفع المحض. (والغالب تكون من الأعلى إلى الأدنى).
أن يكون عطية: وهي كالهبة، لكنها هي تكون في مرض الموت المخوف.
أن يكون وصية: هي التبرع بالمال بعد الموت.
أن يكون رشوة: وهي بذل المال للتوصل لأمر محرّم.
فائدة: ٣
الفرق بين الهدية والصدقة.
أن من أعطى شيئاً ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة، وإن حملت إلى المهدى إليه إكراماً وتودداً فهو هدية.
ويدل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال (كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه أهدية، أو صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم).
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على الفرق بين الصدقة، والهدية، وأنهما متغايران، فمن أعطى للمحتاج شيئاً لوجه الله فهو صدقة، وإن حمل إلى المملك إكراماً وتودداً فهو هدية.
стр. 1674
٩٢٨ - عَنْ اَلنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ (أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ: - إِنِّي نَحَلْتُ اِبْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَكُلُّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا"؟. فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : فَارْجِعْهُ).
وَفِي لَفْظٍ (فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي. فَقَالَ: "أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اِتَّقُوا اَللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ اَلصَّدَقَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ (فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي) ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي اَلْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَلَا إِذًا).
===
(إِنِّي نَحَلْتُ اِبْنِي هَذَا) النِحلة بكسر النون: العطية بغير عوض.
(غُلَامًا كَانَ لِي) أي: رقيقاً.
(فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَكُلُّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا) جاء في رواية (قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا) وفي رواية (فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا).
(فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَارْجِعْه) أي: ارتجع الغلام، وقد جاء في رواية (فاردده) وفي رواية (لا تشهدني على جوْر) وفي رواية (فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جوْر) وفي رواية (فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق) ولمسلم (اعدلوا بين أولادكم في النِّحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر) ولأحمد (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن) ولأبي داود (إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما لك عليهم من الحق أن يبروك).
قال الحافظ ابن حجر: واختلاف الألفاظ في هذه اللفظة الواحدة يرجع إلى معنى واحد.
(فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي) هذا للتوبيخ وليست للإباحة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: مشروعية العدل بين الأولاد [ذكوراً وإناثاً] في العطية، وهذا بالإجماع.
قال ابن قدامة: ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية وكراهة التفضيل.
• هل هذا واجب أم مستحب؟
واختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن المساواة واجبة في عطية الأولاد، ويحرم التفضيل.
فلا يجوز أن يعطي الولد دون البنت، أو البنت دون الولد، أو ولد دون ولد.
стр. 1675
وهو مروي عن عثمان بن عفان ﵁، وبه قال عبد الله بن شداد بن الهاد، وعروة بن الزبير، وإبراهيم النخعي، ومجاهد بن جبر، وعامر الشعبي، وطاووس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن شبرمة، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وهو رواية عن شريح، وسفيان الثوري.
وإليه ذهب الحنابلة، والظاهرية.
واختاره الشيخ المحدث أحمد بن عمر القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية، والشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وابناه الشيخ حسين، والشيخ عبدالله، واختاره أيضاً الشيخ محمد بن علي الشوكاني، والشيخ صديق حسن خان (٥) ·
قال الشوكاني: وبه صرح البخاري، وهو قول طاووس والثوري وأحمد وإسحاق وبعض المالكية.
أ-لحديث الباب (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).
وجه الدلالة من وجوه:
الأول: أمره بالعدل والأمر يقتضي الوجوب.
الثاني: بيانه أن تفضيل أحدهم أو تخصيصه دون الباقين ظلم وجور، إضافة إلى امتناعه عن الشهادة عليه وأمره برده وهذا كله يدل على تحريم التفضيل.
ب- واستدلوا أيضا بحجج عقلية فمنها: ما ذكره ابن حجر في (فتح الباري) حيث قال ﵀: ومن حجة من أوجب: أن هذا مقدمة الواجب لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون محرما والتفضيل مما يؤدي إلى ذلك ".
ويؤيد ذلك ما جاء في لفظ عند مسلم (قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً قَالَ بَلَى قَالَ فَلَا إِذًا).
ومنها: أن تفضيل بعضهم على بعض يورث العداوة والبغضاء فيما بينهم، وأيضاً فيما بينهم وبين أبيهم فمنع منه.
القول الثاني: أن التسوية مستحبة لا واجبة.
وهذا مذهب الجمهور.
وعلى هذا القول: فلو أعطى ولداً ولم يعط الآخر، فلا يحرم، وإذا أعطى ولداً دون بنت، فلا يحرم.
واستدلوا بقوله ﷺ (سووا بينهم).
وحملوا الأمر في حديث الباب على الاستحباب.
• بماذا أجابوا عن حديث الباب؟
أجابوا عن حديث الباب بأجوبة كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري:
منها: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، حكاه ابن عبد البر.
وتعقب:
بأن كثيراً من طرق الحديث مصرحة بالبعضية، كما في حديث الباب (تصدق علي أبي ببعض ماله).
ومنها: أن العطية المذكورة لم تنجز، وإنما جاء بشير يستشير النبي ﷺ في ذلك فأشار عليه بأن لا يفعل فترك. وتعقب:
بأن أمر النبي ﷺ له بالارتجاع يشعر بالتنجيز.
стр. 1676
ومنها: أن قوله ﷺ : (أشهد على هذا غيري) إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد لأن الإمام ليس من شأنه أن يحكم.
وتعقب:
أن الإذن المذكور المراد به التوبيخ، لما تدل عليه بقية الروايات.
وغيرها من الأجوبة الضعيفة.
والراجح القول الأول.
• ما كيفية التسوية بين الأولاد؟
اختلف العلماء في كيفية التسوية على قولين:
القول الأول: يعطي الأنثى قدر الذكر.
فإذا أعطى الذكر [١٠] يعطي الأنثى [١٠].
وهذا مذهب الأكثر.
لأن النبي ﷺ قال لبشير بن سعد (سوِّ بينهم)، وعلل ذلك بقوله (أيسرك أن يستووا في برك؟ قال: نعم، قال: فسوِّ بينهم). والبنت كالابن في استحقاق برها، وكذلك في عطيتها.
لقوله ﷺ (سووا بينهم).
القول الثاني: أن العدل أن يعطون على قدر ميراثهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
ورجح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.
لقوله ﷺ : (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). قالوا: ولا أحد أعدل من الله، حيث قال (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن).
ولأن حاجة الأنثى ليست كحاجة الذكر.
قال ابن قدامة ﵀: إذا ثبت هذا، فالتسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
وبهذا قال عطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن. قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه وقال عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى.
ثم قال: ولنا: أن الله تعالى قسم بينهم، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدى بقسمة الله، ولأن العطية في الحياة أحد حالي العطية، فيجعل للذكر منها مثل حظ الأنثيين، كحالة الموت، يعني الميراث .... (المغني)
قال ابن تيمية: ويجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم. وهو مذهب أحمد.
وهذا القول هو الراجح.
فإذا أعطى الذكر [١٠] أعطى الأنثى [٥].
стр. 1677
• ما الحكم إن فضل أو خص بعض الأولاد على بعض؟
إن فضل أو خص بعض الأولاد على بعض سوى بينهم.
التفضيل: أن يعطي بعضهم [١٠٠] والآخر يعطيه [٥٠].
التخصيص: أن يعطي أحدهم [١٠٠] والآخر لا يعطه شيئاً، فهنا يجب التعديل.
فإذا أعطى أحدهم [١٠٠] والآخر [٥٠] فيجب التعديل، ويكون كالتالي:
أولاً: أن يأخذ من صاحب المائة خمسين.
ثانياً: أن يعطي صاحب الخمسين خمسين أخرى.
ثالثاً: أن يأخذ من صاحب المائة خمس وعشرين يضعها على الناقص، فيكون نصيب كل واحد منهم خمس وسبعون.
قال ابن قدامة: يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية، إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل، فإن خص بعضهم بعطيته، أو فاضل بينهم فيها: أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما رد ما فَضَّل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر، قال طاوس: لا يجوز ذلك، ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك وروي معناه عن مجاهد، وعروة.
• ما الحكم إن مات الوالد قبل التسوية؟
قيل: تثبت الزيادة للمزيد، ولا يلزمه أن يرد الزائد في التركة.
قالوا: لأن المطالب بالرجوع الأب وقد مات.
وقيل: إنه إذا مات وجب على المفضّل أن يرد ما فضل به في التركة، فإن لم يفعل خصم من نصيبه.
وهذا الصحيح.
• ماذا نستفيد من قوله ( ..... بين أولادكم)؟
نستفيد أن العدل بين الأقارب غير واجب.
• هل الأم كالأب في التسوية بين أولادها في العطية؟
نعم، فيجب عليها العدل في العطية لأولادها.
قال ابن قدامة: وَالأُمُّ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الأَوْلادِ كَالأب، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (اتَّقُوا اللَّهِ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ).
وَلأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ، فَمُنِعَتْ التَّفْضِيلَ كَالأَبِ.
وَلأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِتَخْصِيصِ الأَبِ بَعْضَ وَلَدِهِ مِنْ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ، يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي تَخْصِيصِ الأُمِّ بَعْضَ وَلَدِهَا، فَثَبَتَ لَهَا مِثْلُ حُكْمِهِ فِي ذَلِك. (المغني).
• متى يجوز التفضيل؟
ذهب بعض العلماء إلى ن التفضيل إذا كان لسبب شرعي، فإنه يجوز.
واختار هذا القول ابن قدامة، وابن تيمية.
стр. 1678
واستدل هؤلاء بما رواه مالك في الموطأ بسنده عن عائشة ﵄ الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا أَبَتِ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنْ الأُخْرَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَة). قال ابن حجر في الفتح (٥/ ٢١٥) إسناده صحيح.
ووجه الدلالة منه ما ذكره ابن قدامة: " يحتمل أن أبابكر خصها بعطية لحاجتها وعجزها عن الكسب، مع اختصاصها بالفضل وكونها أم المؤمنين وغير ذلك من فضائلها.
وقال ابن عثيمين: الزواج من النفقة فمن احتاجه من الأولاد قام الوالد بحاجته فيه، ومن لم يحتجه فإنه لا يجوز له أن يعطيه شيئا، وعلى هذا فإذا كان للإنسان ثلاثة أبناء وزوج اثنين منهم في حياته، وبقي الصغير لم يصل إلى حد الزواج، ثم إن هذا الأب أوصى للصغير بمقدار المهر الذي أعطاه أخويه، فإن ذلك حرام، والوصية باطلة، فإذا مات فإن هذه الوصية ترد في التركة، إلا أن يسمح عنه بقية الورثة لقول النبي ﷺ (لا وصية لوارث).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- ينبغي أن يصدر المفتي ترغيبه أو ترهيبه بتقوى الله.
- أن من تقوى الله العدل بين الأولاد.
- وجوب تقوى الله في كل شيء.
- لا يجوز الإشهاد على المحرم.
- وجوب إنكار المنكر.
- سماحة الشريعة الإسلامية وحرصها على العدل وعدم الظلم.
- أن الشريعة جاءت بسد كل طريق يؤدي إلى التشاحن والتباغض.
- لا يجب العدل بين الأقارب.
стр. 1679
٩٢٩ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (اَلْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: (لَيْسَ لَنَا مَثَلُ اَلسَّوْءِ، اَلَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ).
===
(اَلْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ) أي: الراجع في هبته التي أعطاها وأقبضها للموهوب له. (وهذا هو المشبه)
(كَالْكَلْبِ يَقِيءُ) هذا هو المشبه به، والقيء: إخراج ما بداخله.
(ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) أي: ثم يعود فيما تقيأه فيأكله. الغرض من هذا التشبيه: هو تقبيح حال المشبّه والتنفير منه، هنا وقع التقبيح من وجهين:
أولاً: التشبيه بالكلب.
ثانياً: التشبيه بالكلب الذي يقي ثم يعود في قيئه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم الرجوع في الهبة بعد قبضها.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: تحريم الرجوع في الهبة.
وهذا مذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة.
قال ابن حجر: بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء.
أ-لحديث الباب (اَلْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) واستثنوا الوالد كما سيأتي.
قال الحافظ ابن حجر عن ترجمة البخاري: باب لا يحل لأحدٍ أن يرجع في هبته وصدقته، ثم ذكر البخاري حديث الباب (العائد في هبته … ).
قال الحافظ: كذا بت الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده.
وقال أيضاً قوله ﷺ (ليس لنا مثل السوء) أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدل على التحريم مما لو قال مثلا: لا تعودوا في الهبة.
وقال النووي: هَذَا ظَاهِر فِي تَحْرِيم الرُّجُوع فِي الْهِبَة وَالصَّدَقَة بَعْد إِقْبَاضهمَا. (شرح مسلم).
فقد شبه النبي ﷺ العائد في هبته في أقبح صورة، فإن الكلب من أخبث الحيوانات، ثم إن هذه الصورة من أبشع الصور، أن يقيء ثم يعود في قيئه.
ب- ولحديث ابن عمر وابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أبو داود.
القول الثاني: جواز الرجوع في الهبة.
وهذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول ضعيف.
стр. 1680
• متى يحرم الرجوع في الهبة؟
تحريم الرجوع في الهبة محمول على الهبة التي تم قبضها من المتهب، قالوا: لأن القيء في الحديث بمنزلة إقباض الهبة.
أما إذا لم تقبض فإنها تكون غير لازمة، لكن الحنابلة يرون كراهة الرجوع ولو كانت لم تقبض، وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى تحريم الرجوع في الهبة ولو لم تقبض، لان هذا من إخلاف الوعد، والنبي ﷺ يقول (آية المنافق ثلاث: وإذا وعد أخلف .. ) فدل هذا على إن إخلاف الوعد حرام.
• ويستدل على جواز الرجوع قبل القبض؟
أ- ما ورد عن أبي بكر وعمر وعلي وغيرهم ﷺ .
ب- أن النبي ﷺ (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) والرجوع في الموهوب إنما يكون في حق الأعيان دون الأقوال، والهبة قبل القبض رجوع في قول فلا يدخل في هذا الحديث؛ لأن عقد الهبة لم يتم.
ج-ويمكن أن يستدل لذلك أيضاً: بأن عقد الهبة من عقد التبرعات التي لا تلزم باتفاق، وإلزام المتبرع بقوله الصادر منه مصير إلى اللزوم دون حاجة تدعو إلى ذلك؛ لأن مجرد القول لم يترتب عليه استحقاق أو ظلم، وإنما هو مجرد وعد.
• من يستثنى من ذلك؟
الوالد، فإنه يجوز له أن يرجع في الهبة.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث ابن عباس - وسيأتي إن شاء الله - قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أبو داود.
• هل تصح هبة المعدوم؟
جمهور العلماء على عدم الجواز.
قال ابن قدامة: ولا تصح هبة المعدوم، كالذي تثمر شجرته، أو تحمل أمته، لأن الهبة عقد تمليك لم تصح في هذا كله كالبيع.
وذهب بعض العلماء إلى جواز ذلك، واختاره ابن تيمية.
لأن الهبة من عقود التبرعات لا من عقود المعاوضات، فيتوسع فيها ما لا يتوسع في عقود المعاوضات.
وهذا الراجح.
• هل يجوز للأب أن يتملك من مال ولده؟
نعم، يجوز للأب أن يتملك من مال ابنه ما شاء.
لقوله ﷺ (أنت ومالك لأبيك).
• لكن لتملك الأب من مال ولده شروط هي:
الأول: أن لا يضر الولد.
لحديث (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجه.
فلو كان الابن ليس عنده إلا سيارة يركبها، أو بيت يسكنه مثلاً، فليس للأب أن يتملكها، ويترك ولده بدون سيارة لحديث (لا ضرر ولا ضرار).
الثاني: أن لا يكون وسيلة للتفضيل.
فإذا كان الأب يمنع أن يخصص أحد أولاده من ماله، فكذلك يمنع كونه يتملكه من ابنه زيد ويعطيه عمراً، فهذا ممنوع من باب أولى.
الثالث: أن لا يكون في مرض أحدهما المخوف.
لأن الإنسان إذا مرض مرضاً مخوفاً لا يملك من ماله إلا الثلث، فهذا هو الذي يملك أن يتبرع به، وعلى هذا إذا مرض الأب مرضاً مخوفاً فليس له أن يتملك الآن، كذلك الابن إذا مرض مرضاً مخوفاً فليس للأب أن يتملك، لأننا لو قلنا يتملك، لكان تملك مال غيره، لأن هذا المال للورثة لانعقاد سبب الإرث.
стр. 1681
٩٣٠ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ اَلْعَطِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا; إِلَّا اَلْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ" - رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز رجوع الوالد في هبته لولده.
• ما حكم رجوعه إذا كان رجوعه يؤدي إلى التفضيل؟
حرام.
مثال: أعطى أولاده كل واحد ألف ريال، ثم رجع إلى واحد منهم وأخذ الألف، فهذا رجوع في الهبة، لكن يترتب عليه التفضيل، فهذا الرجوع حرام لأنه يؤدي إلى محذور.
• اذكر شروط رجوع الوالد في هبته؟
يشترط لرجوعه شروطاً:
الشرط الأول: أن لا يسقط حقه من الرجوع.
كما لو قال: وهبتك هذه السيارة ولن أرجع فيها.
الشرط الثاني: أن تكون الهبة باقية في ملك الابن.
فلو أن الأب وهب ابنه سيارة، ثم الابن وهبها أو باعها، فالأب في هذه الحالة لا يملك الرجوع، لأنه يلزم من رجوعه إبطال حق الغير.
الشرط الثالث: ألا يكون ما وهبه له نفقة: فلو أعطاه (١٠٠) ليشتري ثوباً، فهنا ليس للأب أن يرجع في هبته، لأنه رجوع في أمر واجب.
الشرط الرابع: ألا يتعلق بها حق الغير كما لو رهنها.
الشرط الخامس: ألا يتعلق بها رغبة الغير للولد.
مثال: وهب الأب ابنه ألف ريال، فرغب بعض الناس بهذا الولد فزوجوه مثلاً أو أصبح يجد من يقرضه، فهل للأب أن يرجع أم لا؟ فيه خلاف:
قيل: ليس له أن يرجع.
لأنه تعلق به حق لغير الابن، لما في ذلك من الإضرار بالناس، لأن الناس ربما يكونوا قد أقرضوه أو بايعوه.
وقيل: للأب أن يرجع.
لعموم حديث الباب.
وقيل: ليس له أن يرجع بقدر الرغبة، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وهذا اختيار ابن تيمية .... (مسائل مهمة في الهبة والهدية).
стр. 1682
• هل الرجوع في الهبة خاصة بالأب، أم يجوز للأم أيضاً؟
المشهور من المذهب أن الرجوع في الهبة جائز للأب خاصة دون الأم.
لأن الأب هو الذي يتملك من مال ولده دون الأم.
وذهب بعض العلماء إلى العموم، وقالوا: لا فرق بين الأب والأم في جواز الرجوع.
أ-واستدلوا بعموم الأدلة كقوله (إلا الوالد فيما يعطي ولده).
ب-وكقوله ﷺ (واعدلوا بين أولادكم) فيدخل فيه الأم، فإنها مأمورة بالتسوية والعدل، والرجوع في الهبة طريق التسوية.
ج-ولأنها دخلت في المعنى في حديث بشير فينبغي أن تدخل في جميع مدلوله؛ لقوله ﷺ (فأرجعه) أي: أن الهبة المذكورة كانت بمشورة من والدة النعمان كما سبق.
د- أنها لما ساوت الأب في تحريم التفضيل، وكلهم والد فيه البعضية وفضل الحنو فينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع تخليصا لها من الإثم، وإزالته للتفضيل المحرم.
• ما حكم هبة المجهول؟
مثال: لو وهبت لشخص حمل في بطن، أو طيراً في هواء.
قيل: لا يجوز.
لأنه غرر.
وقيل: يجوز.
وهذا الصحيح.
لأنه لا يترتب عليه شيء، ولا ضرر، لأنه إما غانم أو سالم.
стр. 1683
٩٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ اَلْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ.
٩٣٢ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: " رَضِيتَ"؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: "رَضِيتَ"؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ. قَالَ: "رَضِيتَ"؟ قَالَ: نَعَمْ). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: مشروعية قبول الهدية وعدم ردها إلا لعذر شرعي. لأمرين:
الأمر الأول: أن قبول الهدية هو هدي النبي ﷺ .
الأمر الثاني: أن في قبولها فوائد متعددة منها: إرضاء المهدي، وجبر خاطره، وتقديراً لهديته، والنظر إليها بعين الاعتبار، ولأن في ردها: مخالفة للسنة، وفيه كسر لقلب المهدي وإساءة إليه.
وقد جاء عنه ﷺ أنه قال (لَو دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبتُ، وَلَو أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ) رواه البخاري.
وَالْكُرَاع مِنْ الدَّابَّة مَا دُون الْكَعْب.
قَالَ اِبْن بَطَّال: هذا حض منه لأمته على المهاداة، والصلة، والتأليف، والتحاب، وإنما أخبر أنه لا يحقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدي، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك.
وقال النووي: واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب؟ على ثلاثة مذاهب والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحب.
قال ابن حجر: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ ﷺ وَتَوَاضُعِهِ وَجَبْرِهِ لِقُلُوبِ النَّاسِ وَعَلَى قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةِ مَنْ يَدْعُو الرَّجُلَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَيْهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ … وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّآلُفِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ لِمَا قَلَّ أَوْ كثر وَقبُول الْهَدِيَّة كَذَلِك .... (الفتح)
بل كان قبول الهدية إحدى علامات نبوته لدى أهل الكتب السابقة، حتى عرفه بها سلمان الفارسي ﵁ في قصة إسلامه، كما في مسند أحمد.
وقد أهدت أم الفضل للنبي ﷺ شربة لبن فقبلها. كما في البخاري ومسلم.
وأهدى له أبو طلحة ورك أرنب فقبله. رواه البخاري ومسلم.
ولا تكاد تحصى المواقف التي قبل النبي ﷺ فيها هدايا الناس ولو صغرت.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) متفق عليه. فرسن الشاة: حافرها.
قال ابن حجر: وقال الكرماني: يحتمل أن يكون النهي للمعطية، ويحتمل أن يكون للمُهدَى إليها، قلت (أي ابن حجر): ولا يتم حمله على المهدى إليها إلا بجعل اللام في قوله (لجارتها) بمعنى مِنْ، ولا يمتنع حمله على المعنيين.
بل جاء عن النبي ﷺ النهي عن رد الهدية:
فقد روى عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (أَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَلا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ، وَلا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ) رواه أحمد.
قال ابن حبان (روضة العقلاء) زجر النبي ﷺ في هذا الخبر عن ترك قبول الهدايا بين المسلمين، فالواجب على المرء إذا أهديت إليه هدية أن يقبلها ولا يردها، ثم يثيب عليها إذا قدر، ويشكر عنها.
стр. 1684
• ماذا يشترط لقبول الهدية؟
يشترط شروطاً:
أولاً: ألا يكون أهدى له حياء وخجلاً.
فإذا علم أنه وهب له حياء وخجلاً فلا يجوز له أن يقبلها.
ثانياً: ألا يتضمن محذوراً شرعياً.
كما لو وقعت موقع الرشوة، أو السكوت عن حق أو الدفاع عن باطل.
ثالثاً: ألا تكون محرمه (لعينها) مثل: الخنزير، والميتة، والدم (أو لحق الغير) مثل: المغصوب، والمسروق، والمختلس.
• أما المحرم لكسبه فإنه يجوز قبولها، لأن النبي ﷺ قبل هدية اليهودية، مع أن اليهود كانوا يتعاملون بالربا.
قال الشيخ ابن عثيمين: كان النبي ﷺ يتعامل مع اليهود بالبيع و الشراء، ويقبل منهم الهدية مع أنهم يتعاملون بالربا.
قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل).
ومع ذلك قَبِل النبي ﷺ هديّتهم. قَبِل هدية المرأة التي أهدت الشاة بخيبر وعاملهم ومات ودرعه مرهونة عند يهودي.
والقاعدة في هذا: أن ما حَرُمَ لكسبه فهو حرام على الكاسب فقط، دون من أخذه منه بطريق مباح، فعلى هذا يجوز قبل الهدية ممن يتعامل بالربا وأيضاً يجوز معه البيع والشراء إلا إذا كان في هجره مصلحة، يعني في عدم معاملته وعدم قبول هديته مصلحة فنعم. فنتبع هذا ابتغاء للمصلحة، أما ما حرم لعينه فهو حرام على الآخذ وغيره، فالخمر مثلاً لو أهداه إليّ يهودي مثلاً أو نصراني ممن يرون إباحة الخمر فلا يجوز لي قبوله لأنه حرام لعينه ولو أن إنساناً سرق مال شخص وجاء إليّ فأعطاني إياه، فهذا المال المسروق يحرم عليّ أخذه لأنه حرام لعينه.
هذه القاعدة تريحك من إشكالات كثيرة، ما حرم لكسبه فهو حرام على الكاسب دون من أخذه بطريق الحلال إلا إذا كان في هجره وعدم الأخذ منه وعدم قبول هديّته وعدم المبايعة معه والشراء مصلحة تردعه عن هذا العمل فهذا يهجر من أجل المصلحة.
• ما حكم الهدية؟
حكمها بالنسبة للمهدي مستحبة.
لقوله تعالى (إن الله يحب المحسنين).
وقال ﷺ (تهادوا تحابوا) رواه البخاري في الأدب المفرد.
وقال ﷺ (لو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت) متفق عليه.
• ماذا نستفيد من قولها (وَيُثِيبُ عَلَيْهَا)؟
نستفيد: استحباب الإثابة على الهدية.
стр. 1685
٩٣٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَلِمُسْلِمٍ: (أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَياً وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ).
وَفِي لَفْظٍ: (إِنَّمَا اَلْعُمْرَى اَلَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا).
وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ (لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ).
===
• عرف العمرى؟
العمرى: هي أن يهب الإنسان لشخص شيئاً مدة عمره.
مثال: أن يقول لشخص: أعرتك داري تسكنها مدة حياتي، أو مدة حياتك.
وسميت بذلك: لأنها معلقة بالعمر، وكذا قيل لها، رقبى، لأن كلاً منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه.
• ما حكم العمرى؟
جائزة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث جابر قال (قضى النبي ﷺ بالعمرى، أنها لمن وهبت له) متفق عليه.
ب-ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (العمرى جائزة) رواه مسلم.
القول الثاني: عدم جوازها.
وهو قول بعض العلماء.
أ- لحديث الباب (أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَياً وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ).
ب- لحديث الباب (لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ).
والصحيح مذهب الجمهور.
• ما الجواب عن أحاديث القول الثاني؟
التخفيف في العمرى.
أو نقض ما كان عليه أهل الجاهلية من رد العُمَر. ففي الجاهلية: إذا أعمر الرجل الرجل داره، يعطونه مدة حياة العمر، فإذا مات رجع في عطيته.
• ما صور العمرى:
الصورة الأولى: أن يصرح بأنه لها ولعقبه.
فيقول: أعرتك هذا البيت لك ولعقبك.
ففي هذه الصورة تكون للمعمر ولعقبه، يجري فيها الميراث.
следующие страницы →