Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
٩٣٠ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ اَلْعَطِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا; إِلَّا اَلْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ" - رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز رجوع الوالد في هبته لولده.
• ما حكم رجوعه إذا كان رجوعه يؤدي إلى التفضيل؟
حرام.
مثال: أعطى أولاده كل واحد ألف ريال، ثم رجع إلى واحد منهم وأخذ الألف، فهذا رجوع في الهبة، لكن يترتب عليه التفضيل، فهذا الرجوع حرام لأنه يؤدي إلى محذور.
• اذكر شروط رجوع الوالد في هبته؟
يشترط لرجوعه شروطاً:
الشرط الأول: أن لا يسقط حقه من الرجوع.
كما لو قال: وهبتك هذه السيارة ولن أرجع فيها.
الشرط الثاني: أن تكون الهبة باقية في ملك الابن.
فلو أن الأب وهب ابنه سيارة، ثم الابن وهبها أو باعها، فالأب في هذه الحالة لا يملك الرجوع، لأنه يلزم من رجوعه إبطال حق الغير.
الشرط الثالث: ألا يكون ما وهبه له نفقة: فلو أعطاه (١٠٠) ليشتري ثوباً، فهنا ليس للأب أن يرجع في هبته، لأنه رجوع في أمر واجب.
الشرط الرابع: ألا يتعلق بها حق الغير كما لو رهنها.
الشرط الخامس: ألا يتعلق بها رغبة الغير للولد.
مثال: وهب الأب ابنه ألف ريال، فرغب بعض الناس بهذا الولد فزوجوه مثلاً أو أصبح يجد من يقرضه، فهل للأب أن يرجع أم لا؟ فيه خلاف:
قيل: ليس له أن يرجع.
لأنه تعلق به حق لغير الابن، لما في ذلك من الإضرار بالناس، لأن الناس ربما يكونوا قد أقرضوه أو بايعوه.
وقيل: للأب أن يرجع.
لعموم حديث الباب.
وقيل: ليس له أن يرجع بقدر الرغبة، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وهذا اختيار ابن تيمية .... (مسائل مهمة في الهبة والهدية).
стр. 1682
• هل الرجوع في الهبة خاصة بالأب، أم يجوز للأم أيضاً؟
المشهور من المذهب أن الرجوع في الهبة جائز للأب خاصة دون الأم.
لأن الأب هو الذي يتملك من مال ولده دون الأم.
وذهب بعض العلماء إلى العموم، وقالوا: لا فرق بين الأب والأم في جواز الرجوع.
أ-واستدلوا بعموم الأدلة كقوله (إلا الوالد فيما يعطي ولده).
ب-وكقوله ﷺ (واعدلوا بين أولادكم) فيدخل فيه الأم، فإنها مأمورة بالتسوية والعدل، والرجوع في الهبة طريق التسوية.
ج-ولأنها دخلت في المعنى في حديث بشير فينبغي أن تدخل في جميع مدلوله؛ لقوله ﷺ (فأرجعه) أي: أن الهبة المذكورة كانت بمشورة من والدة النعمان كما سبق.
د- أنها لما ساوت الأب في تحريم التفضيل، وكلهم والد فيه البعضية وفضل الحنو فينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع تخليصا لها من الإثم، وإزالته للتفضيل المحرم.
• ما حكم هبة المجهول؟
مثال: لو وهبت لشخص حمل في بطن، أو طيراً في هواء.
قيل: لا يجوز.
لأنه غرر.
وقيل: يجوز.
وهذا الصحيح.
لأنه لا يترتب عليه شيء، ولا ضرر، لأنه إما غانم أو سالم.
стр. 1683
٩٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ اَلْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ.
٩٣٢ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: " رَضِيتَ"؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: "رَضِيتَ"؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ. قَالَ: "رَضِيتَ"؟ قَالَ: نَعَمْ). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: مشروعية قبول الهدية وعدم ردها إلا لعذر شرعي. لأمرين:
الأمر الأول: أن قبول الهدية هو هدي النبي ﷺ .
الأمر الثاني: أن في قبولها فوائد متعددة منها: إرضاء المهدي، وجبر خاطره، وتقديراً لهديته، والنظر إليها بعين الاعتبار، ولأن في ردها: مخالفة للسنة، وفيه كسر لقلب المهدي وإساءة إليه.
وقد جاء عنه ﷺ أنه قال (لَو دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبتُ، وَلَو أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ) رواه البخاري.
وَالْكُرَاع مِنْ الدَّابَّة مَا دُون الْكَعْب.
قَالَ اِبْن بَطَّال: هذا حض منه لأمته على المهاداة، والصلة، والتأليف، والتحاب، وإنما أخبر أنه لا يحقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدي، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك.
وقال النووي: واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب؟ على ثلاثة مذاهب والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحب.
قال ابن حجر: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ ﷺ وَتَوَاضُعِهِ وَجَبْرِهِ لِقُلُوبِ النَّاسِ وَعَلَى قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةِ مَنْ يَدْعُو الرَّجُلَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَيْهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ … وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّآلُفِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ لِمَا قَلَّ أَوْ كثر وَقبُول الْهَدِيَّة كَذَلِك .... (الفتح)
بل كان قبول الهدية إحدى علامات نبوته لدى أهل الكتب السابقة، حتى عرفه بها سلمان الفارسي ﵁ في قصة إسلامه، كما في مسند أحمد.
وقد أهدت أم الفضل للنبي ﷺ شربة لبن فقبلها. كما في البخاري ومسلم.
وأهدى له أبو طلحة ورك أرنب فقبله. رواه البخاري ومسلم.
ولا تكاد تحصى المواقف التي قبل النبي ﷺ فيها هدايا الناس ولو صغرت.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) متفق عليه. فرسن الشاة: حافرها.
قال ابن حجر: وقال الكرماني: يحتمل أن يكون النهي للمعطية، ويحتمل أن يكون للمُهدَى إليها، قلت (أي ابن حجر): ولا يتم حمله على المهدى إليها إلا بجعل اللام في قوله (لجارتها) بمعنى مِنْ، ولا يمتنع حمله على المعنيين.
بل جاء عن النبي ﷺ النهي عن رد الهدية:
فقد روى عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (أَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَلا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ، وَلا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ) رواه أحمد.
قال ابن حبان (روضة العقلاء) زجر النبي ﷺ في هذا الخبر عن ترك قبول الهدايا بين المسلمين، فالواجب على المرء إذا أهديت إليه هدية أن يقبلها ولا يردها، ثم يثيب عليها إذا قدر، ويشكر عنها.
стр. 1684
• ماذا يشترط لقبول الهدية؟
يشترط شروطاً:
أولاً: ألا يكون أهدى له حياء وخجلاً.
فإذا علم أنه وهب له حياء وخجلاً فلا يجوز له أن يقبلها.
ثانياً: ألا يتضمن محذوراً شرعياً.
كما لو وقعت موقع الرشوة، أو السكوت عن حق أو الدفاع عن باطل.
ثالثاً: ألا تكون محرمه (لعينها) مثل: الخنزير، والميتة، والدم (أو لحق الغير) مثل: المغصوب، والمسروق، والمختلس.
• أما المحرم لكسبه فإنه يجوز قبولها، لأن النبي ﷺ قبل هدية اليهودية، مع أن اليهود كانوا يتعاملون بالربا.
قال الشيخ ابن عثيمين: كان النبي ﷺ يتعامل مع اليهود بالبيع و الشراء، ويقبل منهم الهدية مع أنهم يتعاملون بالربا.
قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل).
ومع ذلك قَبِل النبي ﷺ هديّتهم. قَبِل هدية المرأة التي أهدت الشاة بخيبر وعاملهم ومات ودرعه مرهونة عند يهودي.
والقاعدة في هذا: أن ما حَرُمَ لكسبه فهو حرام على الكاسب فقط، دون من أخذه منه بطريق مباح، فعلى هذا يجوز قبل الهدية ممن يتعامل بالربا وأيضاً يجوز معه البيع والشراء إلا إذا كان في هجره مصلحة، يعني في عدم معاملته وعدم قبول هديته مصلحة فنعم. فنتبع هذا ابتغاء للمصلحة، أما ما حرم لعينه فهو حرام على الآخذ وغيره، فالخمر مثلاً لو أهداه إليّ يهودي مثلاً أو نصراني ممن يرون إباحة الخمر فلا يجوز لي قبوله لأنه حرام لعينه ولو أن إنساناً سرق مال شخص وجاء إليّ فأعطاني إياه، فهذا المال المسروق يحرم عليّ أخذه لأنه حرام لعينه.
هذه القاعدة تريحك من إشكالات كثيرة، ما حرم لكسبه فهو حرام على الكاسب دون من أخذه بطريق الحلال إلا إذا كان في هجره وعدم الأخذ منه وعدم قبول هديّته وعدم المبايعة معه والشراء مصلحة تردعه عن هذا العمل فهذا يهجر من أجل المصلحة.
• ما حكم الهدية؟
حكمها بالنسبة للمهدي مستحبة.
لقوله تعالى (إن الله يحب المحسنين).
وقال ﷺ (تهادوا تحابوا) رواه البخاري في الأدب المفرد.
وقال ﷺ (لو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت) متفق عليه.
• ماذا نستفيد من قولها (وَيُثِيبُ عَلَيْهَا)؟
نستفيد: استحباب الإثابة على الهدية.
стр. 1685
٩٣٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَلِمُسْلِمٍ: (أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَياً وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ).
وَفِي لَفْظٍ: (إِنَّمَا اَلْعُمْرَى اَلَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا).
وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ (لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ).
===
• عرف العمرى؟
العمرى: هي أن يهب الإنسان لشخص شيئاً مدة عمره.
مثال: أن يقول لشخص: أعرتك داري تسكنها مدة حياتي، أو مدة حياتك.
وسميت بذلك: لأنها معلقة بالعمر، وكذا قيل لها، رقبى، لأن كلاً منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه.
• ما حكم العمرى؟
جائزة.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث جابر قال (قضى النبي ﷺ بالعمرى، أنها لمن وهبت له) متفق عليه.
ب-ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (العمرى جائزة) رواه مسلم.
القول الثاني: عدم جوازها.
وهو قول بعض العلماء.
أ- لحديث الباب (أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَياً وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ).
ب- لحديث الباب (لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ).
والصحيح مذهب الجمهور.
• ما الجواب عن أحاديث القول الثاني؟
التخفيف في العمرى.
أو نقض ما كان عليه أهل الجاهلية من رد العُمَر. ففي الجاهلية: إذا أعمر الرجل الرجل داره، يعطونه مدة حياة العمر، فإذا مات رجع في عطيته.
• ما صور العمرى:
الصورة الأولى: أن يصرح بأنه لها ولعقبه.
فيقول: أعرتك هذا البيت لك ولعقبك.
ففي هذه الصورة تكون للمعمر ولعقبه، يجري فيها الميراث.
стр. 1686
الصورة الثانية: أن يطلق فيقول: أعمرتك هذا البيت.
جمهور العلماء على أنها تكون للمعمَر ولعقبه، كالصورة الأولى، فلا ترجع إلى المعمِر.
لحديث جابر.
وهذا هو الموافق للقواعد العامة.
الصورة الثالثة: أن يشترط فيقول: هي لك ما عشت، وليس لعقبك منها شيء، أو قال: فإذا مت فهي لي.
فهذه اختلف العلماء فيها:
قيل: يصح الشرط.
وهذا قول مالك، وداود، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه ابن عثيمين.
لحديث (المسلمون على شروطهم).
وقيل: الشرط لاغ وفاسد، ولا ترجع للواهب.
وهذا قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وبه قال طائفة، منهم: إسحاق، وأبو ثور.
لحديث جابر.
وأما الشرط فقد قال النبي ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله … ).
والراجح الأول.
• ماذا يشترط لصحة العمرى:
أولاً: أن يكون الموهوب ملكاً للمعمِر.
ثانياً: وجود الإيجاب والقبول.
أن يقول: أعمرتك داري تسكنها مدة حياتي، فقال: قبلت.
ثالثاً: أن يحصل القبض للمعمَر، لأن الهبة لا تملك إلا بالقبض.
стр. 1687
٩٣٤ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: " لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ … ) اَلْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
(حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) قال القرطبي: يعني أنه تصدق به على رجل ليجاهد عليه، ويتملكه لا على وجه الحبس، إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، وقد وجده عمر في السوق يباع، وقد قال ﷺ (لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك) فدل على أنه ملّكه إياه على جهة الصدقة ليجاهد عليه في سبيل الله.
(فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ) معنى إضاعته له، أنه لم يحسن القيام عليه، وقصّر في مؤونته وخدمته، وقد جاء في رواية (فوجده عند صاحبه، وقد أضاعه، وكان قليل المال).
(فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ) أي: بثمن قليل.
قال القرطبي: إنما ظن ذلك، لأنه هو الذي كان أعطاه إياه، فتعلق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذ يكون رجوعاً في عين ما تصدق به في سبيل الله، ولما فهِم النبي ﷺ هذا نهاه عن ابتياعه، وسمى ذلك عوْداً، فقال: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك.
(لَا تَبْتَعْهُ) وفي الرواية الثانية (لا تشتره) وفي الرواية التالية (ولا تعد في صدقتك).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم رجوع الإنسان في صدقته.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث ابن عبَّاس ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ (مثَل الذي يرجِع في صدقته، كمثَل الكلب يقيء، ثم يعود في قَيئه فيأكله).
ج-قال عمر بن الخطَّاب ﵁ قال (مَنْ وهب هِبةً لصلة رحِم أو على وجه صدقة، فإنَّه لا يرجع فيها).
د-أنها خرجت عن مِلكه على طريق الثواب وابتغاء وجه الله تعالى، ولا يصلح الرُّجوع عن ذلك
• متى يجوز الرجوع في الصدقة؟
إذا لم يقبضها الفقير.
فلا حرج من الرجوع في الصدقة قبل أن يقبضها الفقير بنفسه أو عن طريق وكيله؛ لأن الفقير لا يملك الصدقة إلا إذا قبضها، فإذا لم يقبضها فلا تزال على ملك صاحبها.
لقوله تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).
стр. 1688
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تفسيره: ومن فوائد الآية: أن الصدقة لا تعتبر حتى يوصلها إلى الفقير؛ لقوله تعالى: (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ).
وروى الإمام أحمد عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: (لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى إِلَّا هَدِيَّتِي مَرْدُودَةً عَلَيَّ فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ … ) قال الحافظ في فتح الباري: إسناده حسن.
قال في "دقائق أولي النهى" ومن ميز شيئاً للصدقة به أو وكل فيه ثم بدا له أن لا يتصدق به سن له إمضاؤه مخالفة للنفس والشياطين، ولا يجب عليه إمضاؤه; لأنها لا تملك قبل القبض" انتهى.
وهذا قول أكثر الفقهاء.
أما بعد قبضها بنفسه أو عن طريق وكيله، فلا يجوز الرجوع فيها باتفاق أهل العلم ﵏.
لما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِه) وفي لفظ (الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ).
وروى مالك في الموطأ: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها … ) وصحح إسناده الشيخ الألباني.
وقد بوب البخاري في صحيحه باب: (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته).
قال الحافظ ابن حجر: … وأما الصدقة، فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض.
стр. 1689
٩٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تَهَادُوْا تَحَابُّوا). رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ فِي " اَلْأَدَبِ اَلْمُفْرَدِ " وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَن.
٩٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (تَهَادَوْا، فَإِنَّ اَلْهَدِيَّةَ تَسُلُّ اَلسَّخِيمَةَ) رَوَاهُ اَلْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف.
٩٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَا نِسَاءَ اَلْمُسْلِمَاتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
• ماذا نستفيد من هذه الأحاديث؟
نستفيد: جواز واستحباب الهبة والهدية.
قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير؛ لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرا، وفيه استحباب المودة وإسقاط التكليف.
وقد جاءت الأدلة على مشروعيتها:
قال تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحلَة فَإِنْ طِبنَ لَكُمْ عَنْ شَيء مِّنهُ نَفسا فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً).
قال الطبري في معنى الآية: إن وهب لكم أيها الرجال، نساؤكم شيئاً من صدقاتهن، طيبة بذلك أنفسهن، فكلوه هنيئاً مريئاً.
وأحاديث الباب:
(تهادوا تحابوا).
(يَا نِسَاءَ اَلْمُسْلِمَاتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ).
قال ابن بطال: قال المهلب: فيه الحض على التهادي والمتاحفة ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهاب الشحناء، واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهل على المهدى لإطراح التكليف.
ولما في التهادي من استعمال الكرم وإزالة الشح عن النفس، وإدخال السرور على قلب الموهوب له، وإيراث المودة والمحبة بينهما، وإزالة الضغينة والحسد.
• هل قول: الهدية لا تهدى ولا تباع صحيحة؟
ليست صحيحة، ومخالفة للشرع، بل من تملَّك هدية بطريق شرعي فإن له الحق في التصرف بها بيعاً وإجارة وإهداءً ووقفاً، ولا حرج عليه في ذلك، ومن منع شيئاً من ذلك لم يُصب، وقد جاء في السنَّة النبوية الصحيحة ما يدل على هذا.
عن عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ، فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا، فَقَالَ (شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِم). رواه البخاري ومسلم. (أُكَيْدِرَ دُومَةَ) هو أكيدر بن عبد الملك الكندي، واختلف في إسلامه والأكثر على أنه لم يُسلم.
(الخُمُر) جمع خمار، (الفواطم) هن ثلاث: فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وفاطمة بنت أسد، وهي أم علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب.
стр. 1690
وفي الحديث أن النبيَّ ﷺ أهدى ما أُهدي إليه، وعليه: فهو يدل على بطلان من منع من إهداء الهدية.
وعن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ قَالَ (أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ) فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قُلْتَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ، وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الْجُبَّةِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَك) متفق عليه.
وفي الحديث نصٌّ على جواز بيع الهدية، حيث قال النبي ﷺ لعمر في الهدية التي أهداه إياها: تبيعها.
وعن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: بِعْنِيهِ. قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: بِعْنِيهِ. فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْت) رواه البخاري.
(بَكر): ولد الناقة أول ما يُركب، (صعب) كثير النفور.
فقول الرسول ﷺ لعبد الله بن عمر: (هُوَ لَكَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ) يدل على أن من أهدي إليه شيء فقد صار ملكاً له، يتصرف فيه كما يشاء، بالبيع أو الهدية أو غير ذلك.
стр. 1691
٩٣٨ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ وَهَبَ هِبَةً، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا) رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ اِبْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَوْلُه.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الصحيح أنه موقوف على عمر من قوله.
• ماذا نستفيد الحديث؟
نستفيد: أن من وهب هبة يريد بها العوض فإنه لابد من العوض أو ترد الهبة إليه، ويسمى هذا النوع من الهبة: هبة الثواب.
• ما هي هب الثواب؟
هي الهبة يدفعها الرجل يلتمس أفضل منها.
• هل يجوز الرجوع فيها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجوز للواهب أن يرجع بهبته إذا لم يعوّض.
القول الثاني: أنه لا يجوز الرجوع مطلقاً.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد.
للأدلة التي تقدمت في تحريم الرجوع بالهبة.
стр. 1692
بَابُ اَللُّقَطَةِ
اللقطة هي: هي المال يوجد بالطريق ونحوه لا يعرف صاحبه.
وشرعاً: مال ضل عن صاحبه.
٩٣٩ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (مَرَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي اَلطَّرِيقِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
٩٤٠ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ اَلْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: اِعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا.
قَالَ: فَضَالَّةُ اَلْغَنَمِ.
قَالَ: هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ.
قَالَ: فَضَالَّةُ اَلْإِبِلِ.
قَالَ: " مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ اَلْمَاءَ، وَتَأْكُلُ اَلشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) متفق عليه.
٩٤١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ اَلْجُهَنِيِّ) الصحابي المشهور.
(فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ) ووقع في رواية البخاري (فسأله عما يلتقطه).
(اعْرِفْ عِفَاصَهَا) بكسر العين، والعفاص الوعاء الذي تكون فيه النفقة.
(وَوِكَاءَهَا) الوِكاء هو الخيط الذي يشد به العفاص.
(ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً) هذا أمر بالتعريف، وسيأتي تعريفه إن شاء الله.
(فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) جاء في رواية (فأدِّها إليه) وذلك بعد معرفة صفاتها.
(وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا) أي: وإن لم يأت صاحبها فتصرف فيها.
(قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ) أي: ما حكمها؟ الضالة: أكثر ما يطلق على الحيوان، والضال: المال الضائع.
(قَالَ: لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ) أو هنا للتقسيم والتنويع، أي أن الشاة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، فهي إما لك: أيها المخاطب تأخذها وتنتفع بها. أو لأخيك: المراد أخوة الدين.
(قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ) أي ما حكمها؟
(قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا) هذا استفهام إنكاري، والمعنى: مالك ولها، لماذا تأخذها والحال أنها مستقلة بأسباب تمنعها من الهلاك، بدليل قوله (معها سقاؤها وحذاؤها … ). ويدل على أن هذا الاستفهام إنكاري ما جاء في رواية ( … فغضب النبي ﷺ حتى احمر وجنتاه أو احمر وجهه فقال: مالك ولها)، وفي رواية للبخاري (فتمعر وجه النبي ﷺ .
(مَعَهَا سِقَاؤُهَا) السقاء هو جوفها الذي يحمل الماء.
(وَحِذَاؤُهَا) الحذاء هو خفها.
стр. 1693
قال العلماء: وفي هذا تنبيه من النبي ﷺ إلى أن الإبل غير محتاجة إلى الحفظ بما ركب الله في طباعها من الجلادة على العطش وتناول الماء بغير تعب لطول عنقها وقوتها على المشيء.
(حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أي صاحبها الذي أضلها.
• اللقطة من حيث الالتقاط على ثلاثة أضرب اذكرها؟
اللقطة باعتبار الشيء الملقوط هل يملك أو لا؟ وهل يُعرّف أو لا؟ ثلاثة اضرب؟
الضرب الأول: ما تقل قيمتُه ولا تتبعه همة أوساط الناس، كالسوط والرغيف والقلم إذا كان رخيصاً كقلم الرصاص ونحوهمِا، فيُملك بلا تعريف.
فهذا النوع يملك بلا تعريف، أي يملكه واجده بمجرد التقاطه، ويباح له الانتفاع به، ولا يحتاج إلى تعريف.
لحديث - الباب - أنس (مَرَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي اَلطَّرِيقِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا).
فهذا دليل على أن التمرة ونحوها مما لا تتبعه همة أوساط الناس، إذا وجدها الإنسان ملقاة في الطريق يأخذها ويأكلها إن شاء، لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً، خشية أن تكون من الصدقة التي حرمت، لا لكونها مرمية في الطريق فقط، مما يدل على أنه ليس لها حكم اللقطة.
قال الحافظ ابن حجر: قوله (لأكلتها) ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقى في الطرقات، لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه، لا لكونها مرمية في الطريق فقط، فلو لم يخش ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفاً، فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف.
قال الصنعاني ﵀ في "سبل السلام": دل الحديث على جواز أخذ الشيء الحقير الذي يتسامح به، ولا يجب التعريف به، وأن الآخذ يملكه بمجرد الأخذ له.
قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به.
• لكن يشترط في هذا القسم أن لا يكون عالماً بصاحبه.
الضرب الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل، فلا تملك بالالتقاط مطلقاً.
فهذا يحرم التقاطه، ولا يملك بالتعريف.
صغار السباع: كالذئب والثعلب ونحوها.
والذي يمتنع من صغار السباع: إما لضخامته (كالإبل، والخيل، والبقر، والبغال)، وإما لطيرانه (كالطيور)، وإما لسرعة عدوها (كالظباء)، وإما لدفعها عن نفسها بنابها (كالفهد).
والدليل على تحريم أخذه حديث زيد بن خالد (أن النبي ﷺ سئل ضالة الإبل؟ فقال: مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها).
стр. 1694
• يستثنى من ذلك ما إذا وجد الضالة في مهلكة لا ماء فيها ولا مرعى أو أرض مسبغة، أو قريباً من دار الحرب يخاف عليها من أهلها، فإنه يردها أو يأخذها بقصد الإنقاذ لا الالتقاط، ولا ضمان عليه، لأن فيه إنقاذها من الهلاك، أشبه تخليصها من حريق ونحوه.
الضرب الثالث: بقية الأموال (كذهب ودراهم وأثاث ومتاع)، وما لا تمتنع من صغار السباع كالشاة ونحوها.
فهذا القسم يجوز التقاطه.
قال النووي: قَوْله: (فَضَالَّة الْغَنَم، قَالَ: لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ) مَعْنَاهُ الْإِذْن فِي أَخْذهَا، بِخِلَافِ الْإِبِل. وَفَرَّقَ ﷺ بَيْنهمَا، وَبَيَّنَ الْفَرْق بِأَنَّ الْإِبِل مُسْتَغْنِيَة عَنْ مَنْ يَحْفَظهَا لِاسْتِقْلَالِهَا بِحِذَائِهَا وَسِقَائِهَا وَوُرُودهَا الْمَاء وَالشَّجَر، وَامْتِنَاعهَا مِنْ الذِّئَاب وَغَيْرهَا مِنْ صِغَار السِّبَاع، وَالْغَنَم بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَك أَنْ تَأْخُذهَا أَنْتَ أَوْ صَاحِبهَا، أَوْ أَخُوك الْمُسْلِم الَّذِي يَمُرّ بِهَا أَوْ الذِّئْب فَلِهَذَا جَازَ أَخْذهَا دُون الْإِبِل.
وقال في الفتح: قوله (لَك أَوْ لِأَخِيك .... ) فيه إشارة إلى جواز أخذها كأنه قال هي ضعيفة لعدم الاستقلال معرضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك، والمراد به ما هو أعم من صاحبها أو من ملتقط آخر، والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع، وفيه حث له على أخذها، لأنه إذا علم أنه إن لم يأخذها بقيت للذئب كان ذلك أدعى له إلى أخذها، ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة كما سيأتي بعد أبواب (فقال خذها فإنما هي لك الخ) وهو صريح في الأمر بالأخذ.
- إذا كانت اللقطة حيواناً مأكولة اللحم كالشاة.
فإنه يخير في الشاة بين ذبحها وعليه القيمة، أو بيعها ويحفظ ثمنها أو ينفق عليها من ماله بنية الرجوع.
فإن كانت اللقطة مما يخشى فساده. (كأن يجد كراتين موز).
فله بيعه وحفظ ثمنه، أو أكله بقيمته، أو تجفيف ما يمكن تجفيفه.
• ما حكم التقاط ضالة الإبل؟
حرام.
لحديث الباب ( … قَالَ: فَضَالَّةُ اَلْإِبِلِ؟ قَالَ: " مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ اَلْمَاءَ، وَتَأْكُلُ اَلشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا).
وفي رواية للبخاري (فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَر).
وفي رواية لمسلم (وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا).
قال القرطبي: قوله في ضالَّة الإبل: (ما لك ولها؟) إلى آخر الكلام، وغضبه حين قال ذلك يدلُّ على تحريم التعرُّض لضالَّة الإبل؛ لأنَّها يؤمن عليها الهلاك لاستقلالها بمنافعها. وقد نصّ على ذلك بقوله في الرراية الأخرى (دعها عنك) ومقتضاه: المنع من التصرف فيها مطلقًا، وأن تترك حيث هي. لكن هذا إذا لم تكن بأرض مشبعة.
стр. 1695
• هل الأفضل التقاط اللقطة أم لا؟
أولاً: إن علم من نفسه الخيانة، فهنا يحرم عليه الالتقاط.
لأنه بمنزلة الغاصب.
ولأن في أخذها تضييعاً لمال غيره فيحرم كإتلافه.
ثانياً: أن يثق بأمانة نفسه، ولا يخشى على اللقطة، فهنا لا يحرم، واختلفوا في الأفضل على أقوال:
القول الأول: الأفضل أخذها.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية.
أ- واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( .... وقد جاء في هذا الحديث أسئلة عن الضالة، وفيه قال ﷺ : وسئل عن الضالة فقال: لك أو لأخيك أو للذئب، اجمعها إليك حتى يأتيَ باغيها) رواه أحمد.
فقالوا: فقوله (اجمعها .. ) دليل على استحباب التقاط القطة.
ب- وقالوا: إن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه، وفي التقاط اللقطة حفظ لمال أخيك.
القول الثاني: الترك الأفضل.
وهذا مذهب الحنابلة.
قالوا: لأنه إذا التقط اللقطة يكون قد عرضه للحرام، لأنه قد يقصر في حقها وفي تعريفها.
قال ابن قدامة: الأفضل ترك الالتقاط، روي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر … ولا نعرف لهما مخالفاً في الصحابة.
القول الثالث: يكره أخذها.
القول الرابع: أنه مخير.
وهذا مذهب المالكية.
لحديث زيد بن خالد فإن ظاهره أن الملتقط مخير.
والراجح: إن أمِنَ من نفسه الخيانة، ووثق بأنه سيحفظها ويعرفها التعريف الشرعي، فالأفضل الالتقاط، لأن في ذلك حفظ مال الغير.
• ما حكم أخذها إن خاف عليها من الخونة؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يجب أخذها.
لأن في تركها تضييعاً لها.
وقيل: لا يجب أخذها.
стр. 1696
• ما حكم تعريف اللقطة؟
واجب.
لقوله ﷺ (ثم عرفها سنة).
قال القرطبي: والتعريف واجبٌ؛ لأنَّه مأمورٌ به. ثمَّ يختص الوجوب بسنة في المال الكثير؛ الذى لا يفسد، ولا ينقص منها. وهو قول فقهاء الأمصار.
• كم مدة التعريف؟
سنة.
لقوله ﷺ (ثم عرفها سنة).
قال النووي: قَوْله ﷺ فِي رِوَايَات حَدِيث زَيْد بْن خَالِد: (عَرِّفْهَا سَنَة)، وَفِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب ﵁ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا (ثَلَاث سِنِينَ). وَفِي رِوَايَة: سَنَة وَاحِدَة) وَفِي رِوَايَة: أَنَّ الرَّاوِي شَكَّ قَالَ: (لَا أَدْرِي قَالَ حَوْل أَوْ ثَلَاثَة أَحْوَال) وَفِي رِوَايَة: (عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قِيلَ فِي الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات قَوْلَانِ:
أَحَدهمَا: أَنْ يُطْرَح الشَّكّ، وَالزِّيَادَة، وَيَكُون الْمُرَاد سَنَة فِي رِوَايَة الشَّكّ، وَتُرَدّ الزِّيَادَة لِمُخَالَفَتِهَا بَاقِي الْأَحَادِيث.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، فَرِوَايَة زَيْد فِي التَّعْرِيف سَنَة مَحْمُولَة عَلَى أَقَلّ مَا يَجْزِي، وَرِوَايَة أُبَيّ بْن كَعْب فِي التَّعْرِيف ثَلَاث سِنِينَ مَحْمُولَة عَلَى الْوَرَع وَزِيَادَة الْفَضِيلَة، قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الِاكْتِفَاء بِتَعْرِيفِ سَنَة، وَلَمْ يَشْتَرِط أَحَد تَعْرِيف ثَلَاثَة أَعْوَام إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُت عَنْهُ.
• ما كيفية التعريف؟
التعريف: هو أن ينادي في الموضع الذي وجدها فيه، وفي مجامع الناس، ويكون نهاراً.
قال القرطبي: تعريفها هو أن ينشدها في مجتمعات الناس، وحيث يظن: أن ربَّها هنالك، أو قربه، فيعرفها تعريفًا لا يضرُّ به، ولا يُخُفِي أمرها.
- وكيفيته: في الأسبوع الأول من التقاطها ينادي كل يوم، لأن مجيء صاحبها في ذلك الأسبوع أحرى، ثم بعد الأسبوع ينادي عليها على حسب عادة الناس في ذلك.
قال ابن قدامة: إذا ثبت هذا، فإنه يجب أن تكون هذه السنة تلي الالتقاط، وتكون متوالية في نفسها، لأن النبي ﷺ أمر بتعريفها حين سئل عنها، والأمر يقتضي الفور، ولأن القصد بالتعريف وصول الخبر إلى صاحبها، وذلك يحصل بالتعريف عقيب ضياعها متوالياً، لأن صاحبها في الغالب إنما يتوقعها ويطلبها عقب ضياعها، فيجب تخصيص التعريف به.
• ماذا يذكر الملتقط حين تعريف اللقطة؟
يذكر الملتقط جنسها لا غير، فيقول من ضاع له ذهب مثلاً، من ضاع له ثياب.
لأنه لو وصفها لعلم من يسمعها فلا تبقى دليلاً على ملكها.
стр. 1697
• ما الحكم إذا عرفها سنة؟
إذا عرف سنة كاملة فإنه يمتلكها قهراً، سواء كان الملتقط غنياً أو فقيراً، لكنه ملك مقيد بما إذا جاء صاحبها.
لحديث زيد ( .. ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة .. ).
وفي رواية (ثم عرفها سنة، فإذا جاء صاحبها وإلا شأنك بها). أي إن جاء صاحبها فأدها إليه، وإن لم يجيء فشأنك بها.
وفي رواية (فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها).
قال النووي: فَأَمَّا إِذَا عَرَّفَهَا سَنَة وَلَمْ يَجِد صَاحِبهَا، فَلَهُ أَنْ يُدِيم حِفْظهَا صَاحِبِهَا، وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكهَا، سَوَاء كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، فَإِنْ أَرَادَ تَمَلُّكهَا فَمَتَى يَمْلِكهَا؟ فِيهِ أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهَا: لَا يَمْلِكهَا حَتَّى يَتَلَفَّظ بِالتَّمَلُّكِ بِأَنْ يَقُول: تَمَلَّكْتهَا، أَوْ اِخْتَرْت تَمَلُّكهَا.
وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكهَا إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوه.
وَالثَّالِث يَكْفِيه نِيَّة التَّمَلُّك وَلَا يَحْتَاج إِلَى لَفْظ.
وَالرَّابِع يَمْلِك بِمُجَرَّدِ مُضِيّ السَّنَة. (شرح مسلم).
القول الأخير هو الصواب لظاهر الحديث.
• لماذا أمر النبي ﷺ بمعرفة صفات اللقطة؟
أمر النبي ﷺ بمعرفة ذلك لأمرين:
أ- لأجل أن يميزها من بين ماله، فلا تلتبس بماله.
ب- لأجل أن يعرف صدق واصفها من كذبه.
قال القرطبي: هذا الأمر للملتقط بتعرف هذه الأمور الثلاثة يُفيد إباحة حل وكائها، والوقوف على عينها، وعددها للملتقط. وفائدة ذلك: أنَّه إذا جاء من عرف أولئك الأوصاف دفعت له، كما قال (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها، ووكاءها، فادفعها إليه) وظاهره: اشتراط معرفة مجموع تلك الأوصاف، وأنها تدفع له بغير بيِّنة.
• ما الحكم إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها؟ هل يضمنها أم لا؟
الجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت.
لقوله ﷺ في رواية (ولتكن وديعة عندك).
وجاء عند مسلم (فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه).
قال ابن حجر: فإن ظاهر قوله (فإن جاء صاحبها … ) بعد قوله: (كلها) يقتضي وجوب ردها بعد أكلها، فيحمل على رد البدل.
قال ابن حجر: وأصرح من ذلك رواية أبي داود (فإذا جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء باغيها فأدها إليه) فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور.
стр. 1698
• اذكر أحوال تصرف الملتقط في اللقطة:؟
تصرف الملتقط في اللقطة له أحوال:
أولاً: أثناء الحول، لا يجوز أن يتصرف فيها، لأنها ليست ملكاً له.
ثانياً: بعد الحول، فله أن يتصرف فيها، لكن بعد أن يعرف صفاتها، من أجل إذا جاء صاحبها دفعها إليه
• ما الحكم إذا هلكت اللقطة؟
هلاك اللقطة له أحوال:
أولاً: إذا هلكت في حول التعريف من غير تعد ولا تفريط، فلا ضمان عليه.
ثانياً: إذا هلكت بعد تمام الحول، فلا ضمان عليه سواء فرط أو لم يفرط، لأنها دخلت في ملكه.
• ما الحكم إذا جاء من يدعي اللقطة، وعرف صفاتها، هل يطالب ببينة أم لا؟
تدفع إليه بدون بينة.
أ- لأن النبي ﷺ أطلق وقال (فإذا جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها، فادفعها إليه).
ب- ولأن وصفها يكفي، ولأن الرسول ﷺ لم يأمر بذلك.
قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله ﷺ وبه أقول.
ورجحه القرطبي فقال: ولا يلزمه بينة عند مالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا تدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له.
والأول أولى لنصّ الحديث على ذلك.
ولأنَّه لو كان إقامة البيِّنة شرطًا في الدَّفع لما كان لذكر العِفاص، والوكاء، والعدد معنًى؛ فإنَّه يستحقها بالبيِّنة على كل حال.
ولما جاز سكوت النبي ـ ﷺ عن ذلك، فإنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة. (المفهم).
• على من أجرة التعريف؟
على ربّ اللقطة.
هذا القول هو الصحيح، لأن التعريف من مصلحته.
• ما الحكم إذا التقطها ثم ردها؟
المشهور من المذهب: لا يملك ذلك لأنه لما التقطها أصبحت أمانة فكونه يردها إلى مكانها فيه تضييع لهذه الأمانة، فيقولون لا يملك أن يردها إلى مكانها.
وقيل بالتفصيل في هذه المسألة وهو: إن كان التقطها ليحفظها لصاحبها فإنه يملك أن يردها إلى مكانها، وإن كان التقطها ليتملك بع أن يعرفها فإنه لا يملك، وهذا قول الحنفية والمالكية.
والذي يظهر والله أعلم: أنه إذا التقطها فإنه لا يملك أن يردها إلى مكانها؛ لأنها أصبحت الآن أمانة في يده.
نعم يملك أن يردها إلى بيت المال أو الإمام أو الجهة إذا كانت جهة مسئولة تستقبل اللقطات، نقول هنا يملك أن يردها ما عدا ذلك لا يملك أن يردها
стр. 1699
فائدة:
• ما تعريف اللقيط؟
هو طفل ضل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ.
لا يعرف نسبه: لأنه لو عرف نسبه ليس بلقيط.
ولا رقه: لأنه إذا علمنا رقه فليس بلقيط، لأنه مال فيكون لبيت مال المسلمين.
• ما حكم التقاطه؟
التقاطه والقيام به: فرض كفاية. (إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي).
لأنه آدمي محترم.
قال في المغني: … وجوبه على الكفاية إذا قام به واحد سقط عن الباقين، فإن تركه الجماعة أثموا إذا علموا فتركوه مع إمكان أخذه.
• ما حكم اللقيط؟
حكمه: حر مسلم.
في قول عامة أهل العلم.
لأن الأصل في الآدميين الحرية.
مسلم: وهذا إذا كان في دار إسلام خالصة أو بالأكثرية.
لقوله ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة .. ) متفق عليه.
(واختلف إن وجد في دار كافرة: فقيل: يعتبر كافر تبعاً للدار، وقيل: يعتبر مسلم والراجح: ..... ).
• ما الحكم إن تعذر بيت المال؟
فعلى من علم بحاله.
• كيف ينفق على اللقيط؟
إن وجد معه شيء صرف عليه منه، وكذلك ما وجد منه قريباً أو متصلاً به.
فإن لم يكن معه شيء من ذلك فإنه ينفق عليه من بيت المال. (كما هو الحال الآن).
فإن تعذر بيت المال فعلى من علم بحاله من المسلمين، لأنه طفل مسلم يجب حفظه ورعايته.
فائدة:
تكون حضانته لواجده بشرط أن يكون أميناً.
لأن عمر أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين علم أنه رجل صالح.
وميراثه لبيت المال.
وهذا قول أكثر العلماء.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن ميراثه لملتقطه لحديث واثلة بن الأسقع. قال: قال رسول الله ﷺ (المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه) رواه أبو داود.
стр. 1700
٩٤٢ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّان.
===
(ثُمَّ لَا يَكْتُمْ) أي: لا يخفي اللقطة، وذلك بأن يجحدها ولا يعرفها.
(وَلَا يُغَيِّبْ) أي: لا يجعلها غائبة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: مشروعية الإشهاد لمن وجد اللقطة، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقيل: يجب.
وقيل: لا يجب، بل مستحب.
قال في المغني: قَالَ أَحْمَدُ، ﵀: لَا أُحِبُّ أَنْ يَمَسّهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا ضَمِنَهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ، أَوْ ذَوِي عَدْلٍ) وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْهِدْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ.
ثم قال ابن قدامة مرجحاً عدم الوجوب:
أ- وَلَنَا خَبَرُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنَّهُ أَمَرَهُمَا بِالتَّعْرِيفِ دُونَ الْإِشْهَادِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ سِيَّمَا وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ اللُّقَطَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِيُخِلَّ بِذَكَرِ الْوَاجِبِ فِيهَا، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ.
أ- وَلِأَنَّهُ أَخْذُ أَمَانَةٍ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْإِشْهَادِ، كَالْوَدِيعَةِ.
ورجح الصنعاني الوجوب فقال: وأفاد هذا الحديث زيادة وجوب الإشهاد بعدلين على التقاطها.
وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، فقالوا يجب الإشهاد على اللقطة وعلى أوصافها.
وذهب الهادي ومالك وهو أحد قولي الشافعي إلى أنه لا يجب الإشهاد.
قالوا لعدم ذكر الإشهاد في الأحاديث الصحيحة فيحمل هذا على الندب.
وقال الأولون هذه الزيادة بعد صحتها يجب العمل بها فيجب الإشهاد، ولا ينافي ذلك عدم ذكره في غيره من الأحاديث والحق وجوب الإشهاد. (سبل السلام)
• ما الحكمة من الإشهاد؟
قال ابن قدامة: وَفَائِدَةُ الْإِشْهَادِ صِيَانَةُ نَفْسِهِ عَنْ الطَّمَعِ فِيهَا، ووَحِفْظُهَا مِنْ وَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ، وَمِنْ غُرَمَائِهِ إنْ أَفْلَسَ.
فائدة:
وَإِذَا أَشْهَدَ عَلَيْهَا، لَمْ يَذْكُرْ لِلشُّهُودِ صِفَاتِهَا، لِئَلَّا يَنْتَشِرَ ذَلِكَ فَيَدَّعِيَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَيَذْكُرَ صِفَاتِهَا، كَمَا قُلْنَا فِي التَّعْرِيفِ، وَلَكِنْ يَذْكُرُ لِلشُّهُودِ مَا يَذْكُرُهُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ. (المغني).
стр. 1701
• ما الحكم إذا أخّر التعريف؟
قال ابن قدامة: إذَا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، مَعَ إمْكَانِهِ أَثِمَ.
أ- لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ فِيهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
ب-وَقَالَ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ (لَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ).
ج-وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى أَنْ لَا يَعْرِفَهَا صَاحِبُهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْحَوْلِ يَيْأَسُ مِنْهَا، وَيَسْلُو عَنْهَا، وَيَتْرُكُ طَلَبِهَا.
• ماذا نستفيد من قوله (فهو مال الله يؤتيه من يشاء)؟
نستفيد: أن اللقطة بعد الحول تصير ملكاً للملتقط، ولا يضمنها لو جاء صاحبها بعد ذلك.
وأجاب الجمهور بأن هذا النص المطلق مقيد بما تقدم من إيجاب الضمان في حديث زيد بن خالد، ويكون المراد بقوله (يؤتيه من يشاء) إباحة الانتفاع باللقطة بعد مرور حول التعريف. (منحة العلام).
• ما الحكم إذا أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها؟
قال في المغني: إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ، ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، ضَمِنَهَا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا: أَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا، فَإِذَا ضَيَّعَهَا لَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَا لَوْ ضَيَّعَ الْوَدِيعَةَ.
وَلِأَنَّهَا لَمَّا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، لَزِمَهُ حِفْظُهَا، وَتَرْكُهَا تَضْيِيعُهَا.
стр. 1702
٩٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ اَلْحَاجِّ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
• هل لقطة الحرم يختلف حكمها عن بقية البلاد أم كغيرها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجوز التقاطها إلا لمن أراد ينشدها ويعرفها دائماً وأبداً.
وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن القيم وقال: هذا هو الصحيح.
أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (لَمَّا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلنَّاسِ، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اَللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ اَلْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، … وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) متفق عليه. أي المعرّف على الدوام.
قال الحافظ ابن حجر: والمعنى: لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط، فأما من أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا.
وقال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث لَا تَحِلّ لُقَطَتهَا لِمَنْ يُرِيد أَنْ يُعَرِّفهَا سَنَة ثُمَّ يَتَمَلَّكهَا كَمَا فِي بَاقِي الْبِلَاد، بَلْ لَا تَحِلّ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفهَا أَبَدًا. وَلَا يَتَمَلَّكهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَأَبُو عُبَيْد وَغَيْرهمْ، وَقَالَ مَالِك: يَجُوز تَمَلُّكهَا بَعْد تَعَرُّفهَا سَنَة، كَمَا فِي سَائِر الْبِلَاد، وَبِهِ قَالَ بَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ، وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيث تَأْوِيلَات ضَعِيفَة.
ب-وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا) متفق عليه.
ب- ولحديث الباب (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ) رواه مسلم.
القول الثاني: أن لقطة الحرم والحل سواء.
وهذا قول الجمهور، فهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الحنابلة.
أ-لحديث زيد بن خالد. قال (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا) فلم يفرق رسول الله ﷺ بين لقطة الحرم وغيرها.
ب- وأنه أحد الحرمين، فأشبه حرم المدينة.
ج- ولأنها أمانة فلم يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة. (المغني).
والراجح القول الأول.
والجواب عن حديث زيد بن خالد: أنه عام، مخصوص بلقطة مكة لحديث (لا تحل ساقطتها إلا لمنشد).
стр. 1703
قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا الحكم حكم خاص في مكة ولو كان هو الحكم العام الذي يكون في مكة وغيرها لم يكن لتخصيصها بذلك فائدة، وعلى هذا القول فإن الإنسان إذا وجد لقطة بمكة، فإما أن يعرفها دائما حتى يجدها ربها، وإما أن يدفعها إلى المسؤولين عن الضائع، وإذا دفعها إليهم فقد برئت ذمته وقد رتب للُّقطِ التي حول الحرم رتب أناس يستقبلون هذه اللقط ويسمون فيما أظن لجنة حفظ الضائع أو كلمة نحوها.
فلقطة الحرم لها ثلاث أحوال:
أ-أن يأخذها للتملك من الآن، فهذا حرام.
ب-أن يأخذها للتملك بعد الإنشاد، فهذا حرام.
ج-أن يأخذها للإنشاد، فهذا حلال.
أما لقطة غير الحرم فيجوز أن يتملكها بعد الإنشاد الشرعي.
قال الشيخ ابن عثيمين: أما لقطة الحرم فإن النبي ﷺ قال (لا تحل ساقطتها إلا لمنشد) يعني لا تأخذ لقطة الحرم إلا إذا كنت ضامناً على نفسك أن تبقى تبحث عن صاحبها إلى أن تموت وإذا مت فأوص بأن هذه لقطة الحرم تبحث عن صاحبها ومعلومٌ ما في هذا من المشقة إذاً لا تأخذها دعها فربما يرجع صاحبها ويجدها ونحن إذا قلنا لكل واحدٍ في مكة لا تأخذ اللقطة بقيت اللقطة حتى يأتيها صاحبها فتكون من جنس الإبل في غير مكة تترك ويأتي صاحبها ويجدها
• ما الحكمة من هذا الحكم الخاص بلقطة مكة؟
حتى تبقى الأموال محترمة في أماكنها فيأتيها أهلها فيجدوها.
• هل حرم المدينة كحرم مكة؟
جمهور الشافعية، وهم القائلون بتحريم لقطة حرم مكة، كما سبق: على أن الحكم السابق من خصائص حرم مكة، فلا يشركه حرم المدينة فيه.
واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين.
стр. 1704
٩٤٤ - وَعَنْ اَلْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا اَلْحِمَارُ اَلْأَهْلِيُّ، وَلَا اَللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صححه الألباني.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن اللقطة من مال المعاهد كاللقطة من مال المسلم، لأنه معصوم، فلا تؤخذ لقطته، بل تعرّف كغيرها، لأن له عهداً وذمة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- تحريم كل حيوان ذي ناب من السباع.
- تحريم الحمار الأهلي.
- عدالة الإسلام.
بَابُ اَلْفَرَائِضِ
• تعريف الفرائض؟
الفرائض جمع فريضة، والفريضة في اللغة يأتي على معان متعددة، منها الإيجاب، والتقدير، والقطع.
واصطلاحاً: هي العلم بقسمة المواريث فقهاً وحساباً.
• وهذا العلم يسمى علم الفرائض، وعلم المواريث.
فيسمى علم الفرائض: لقوله تعالى (فريضة من الله) ولحديث (تعلموا الفرائض) وتغليباً لصاحب الفرض على التعصيب.
ويسمى علم المواريث: وهذا أعم.
• موضوعه:
التركات من حيث قسمتها، وبيان نصيب كل وارث منها.
• ثمرته:
إيصال ذوي الحقوق حقوقهم من التركة.
• حكم تعلمه:
فرض كفاية.
• فضله:
علم الفرائض من أفضل العلوم الشرعية، دل على فضله الكتاب والسنة وأقوال الصحابة:
فالكتاب دل على فضله من وجوه:
منها: أن الله تعالى تولى تقدير الفرائض بنفسه، فلم يتركها لنبي مرسل، ولا لِمَلَكٍ مقرب، بخلاف سائر الأحكام، كالصلاة، والزكاة، والحج، وغيرها، فإن الآيات فيها مجملة، بينتها السنة.
ومنها: أن الله تعالى بعد أن بين الفرائض في كتابه، قال (تِلْكَ حُدُودُ اللّه) أي: هذه أحكام الله قد بينها لكم.
стр. 1705
- وروي عن النبي ﷺ يدل على فضل هذا العلم لكن لا يصح منها شيء:
منها: حديث أَبِي هُرَيْرَة. قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ وَهُوَ يُنْسَى وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي) رواه ابن ماجه والدار قطني والحاكم والبيهقي، وضعفه الذهبي وابن الملقن والألباني.
ومنها: ومنها حديث عبد الله بن عمرو. قال: قال ﷺ (العلم ثلاثة: وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة) رواه أبو داود.
• معنى كونه (نصف العلم) أقوال:
فقيل: إن هذا الحديث من المتشابه، فلا نؤوله ولا نتكلم فيه، بل يجب علينا اتباعه.
وقيل: المراد المبالغة في فضله، كقوله (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) وقوله: (الْحَجُّ عَرَفَةُ).
وقيل: لأنه يُبتلى به الناس كلهم، قاله سفيان بن عيينة ﵀.
وقيل: لثبوته بالنص لا غير، وأما غيره فبالنص تارة، وبالقياس أخرى.
وقيل: لأن للإنسان حالتين، حالة حياة، وحالة موت، وفي الفرائض معظم الأحكام المتعلقة بالموت.
وقيل: باعتبار سبب الملك، لأن أسباب الملك نوعان: اختياري وهو: ما يملك رَدّه، كالشراء والهبة ونحوهما، وقهري وهو: ما لا يملك ردّه، وهو الإرث.
• الحقوق المتعلقة بعين التركة:
أولاً: مؤون التجهيز للميت نفسه من كفن، وأجرة مغسل، وأجرة حافر قبر ونحو ذلك.
ثانياً: الديْن برهن.
ثالثاً: الدين المرسل، كحقوق الآدميين، وحقوق الله تعالى.
رابعاً: الوصية.
خامساً: الإرث.
الديْن مقدم على الوصية بالإجماع.
• فلماذا قدم الله الوصية كما قال تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)؟
أجاب العلماء بأجوبة:
للعناية بها والاهتمام، ولأن إخراج الوصية قد يكون شاقاً على الورثة وربما تساهلوا فيه، فبدأ الله بها، ولأن صاحب الدين غالباً يكون قوياً مطالباً لأنه يطالب بحق.
قال الرازي: واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين: الأول: أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان إخراجها شاقا على الورثة، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا في اخراجها، ثم أكد في ذلك الترغيب بإدخال كلمة "أو" على الوصية والدين، تنبيها على أنهما في وجوب الإخراج على السوية.
• قال أبو السعود: وتقديمُ الوصيةِ على الديْن ذكراً مع تأخّرها عنه حُكماً لإظهار كمالِ العنايةِ بتنفيذها لكونها مظِنةً للتفريط في أدائها ولاطّرادها بخلاف الدَّين.
مثال: مات شخص وخلف (٣٠) ألف ريال، وعليه دين (٣٠) ألف وعنده وصية ألف ريال، فهنا نعطي المال لصاحب الدين وتسقط الوصية والورثة، لأن الدين استغرق التركة.
стр. 1706
• أركان الإرث:
الركن لغة: جانب الشيء الأقوى
واصطلاحاً: جزء الشيء الذي يتوقف وجوده عليه، كالركوع والسجود في الصلاة في حق القادر عليهما.
وأركان الإرث ثلاثة:
الأول: المورِّث: وهو الميت حقيقة، أو الملحق به حكماً كالمفقود.
الثاني: الوارث: وهو المستحق للإرث حين موت المورث.
الثالث: الحق الموروث، وهو التركة.
• أسباب الإرث.
السبب لغة: ما يتوصل به إلى غيره.
واصطلاحاً: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.
وأسباب الإرث ثلاثة:
النكاح، والولاء - والنسب.
الأول: النكاح.
والمراد به: عقد النكاح الصحيح، فيتوارثان به الزوجان ولو لم يحصل بينهما لقاء.
لقوله تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم … ).
الثاني: الولاء.
وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بالعتق.
لقوله ﷺ (إنما الولاء لمن أعتق) متفق عليه. ويورث بهذا السبب من جانب واحد: وهو جانب الْمُعْتِق دون الْمُعتَق.
ويرث المعتِق عتيقه إجماعًا، لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ (إنما الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَق) تفق عليه. ولا يرث المعتَق معتِقه اتفاقًا.
وقولهم (عصوبة) أي ارتباط بين المعتق والعتيق، كالارتباط بين الوالد والولد.
فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الولاء لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لا يُبَاعُ وَلا يُوْهَبُ) رواه الشافعي والحاكم والبيهقي، وصححه ابن حبان والحاكم والألباني. و (اللُّحْمة): القرابة.
ووجه التشبيه: أن السيد أخرج عبده بعتقه إياه، من حيز المملوكية، التي لا يَمْلِك فيها ولا يَتَصرَّف، إلى حيز المالكية، فأشبه بذلك الولادة، التي أخرجت المولود من العدم إلى الوجود
النسب:
وهي اتصال بين شخصين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة.
والقرابة ثلاثة أقسام:
فروع: وهم الذين تفرعوا من الميت، كالابن، والبنت، وابن الابن، وبنت الابن.
أصول: وهم الذين تفرع عنهم الميت، كالأب، والأم، والجد، والجدة.
حواشي: وهم الذين تفرعوا من أصول الميت، كالإخوة وأبناؤهم، والأعمام وأبناؤهم.
стр. 1707
٩٤٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَلْحِقُوا اَلْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَلْحِقُوا) أي: أعطوا.
(اَلْفَرَائِضَ) المراد بالفرائض هنا، الأنصاب المقدرة في كتاب الله، وهي: النصف، والربع، والثلث، والثلثان، والسدس، والثمن.
(بِأَهْلِهَا) أي من يستحقها بنص القرآن.
(فَمَا بَقِيَ) وفي رواية (فما تركت) أي: أبقت.
(فَهُوَ لِأَوْلَى) أي: لأقرب، أي لمن يكون أقرب في النسب إلى المورث. قال الخطابي: " المعنى أقرب رجل من العصبة.
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: الْمُرَاد بِأَوْلَى رَجُل: أَقْرَب رَجُل، مَأْخُوذ مِنْ الْوَلْي بِإِسْكَانِ اللَّام عَلَى وَزْن الرَّمْي، وَهُوَ الْقُرْب، وَلَيْسَ الْمُرَاد بِأَوْلَى هُنَا أَحَقَّ، بِخِلَافِ قَوْلهمْ: الرَّجُل أَوْلَى بِمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ هُنَا عَلَى (أَحَقَّ) لَخَلَى عَنْ الْفَائِدَة، لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ الْأَحَقّ.
١ - معنى الحديث:
في هذا الحديث يأمر النبي ﷺ القائمين على قسمة تركة الميت أن يوزعوها على مستحقيها بالقسمة العادلة الشرعية كما أراد الله، فيعطى أصحاب الفروض المقدرة فروضهم في كتاب الله، فما بقي يعطى الأقرب إلى الميت من الرجال.
قال النووي: وَهَذَا الْحَدِيث فِي تَوْرِيث الْعَصَبَات وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا بَقِيَ بَعْد الْفُرُوض فَهُوَ لِلْعَصَبَاتِ يُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب، فَلَا يَرِث عَاصِب بَعِيد مَعَ وُجُود قَرِيب، فَإِذَا خَلَّفَ بِنْتًا وَأَخًا وَعَمًّا، فَلِلْبِنْتِ النِّصْف فَرْضًا، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ، وَلَا شَيْء لِلْعَمِّ.
والفروض المقدرة في كتاب الله:
الثلثان - الثلث - السدس - النصف - الربع - الثمن.
الثلثان: قال تعالى (فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك).
النصف: قال تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم).
الربع: قال تعالى (فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن).
الثمن: قال تعالى (فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم).
الثلث: قال تعالى (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث).
السدس: قال تعالى (فإن كان له إخوة فلأمه السدس).
٢ - أن الإرث ينقسم إلى قسمين:
إرث بالفرض.
إرث بالتعصيب.
العصبة في اللغة: قرابة الرجل لأبيه، سموا بالعصبة لأنهم عصبوا به، أي أحاطوا.
واصطلاحاً: هو كل وارث ليس له سهم مقدر صريح في الكتاب والسنة، [يعني كل من يرث بلا تقدير].
الذين يرثون بالتعصيب:
الابن - وابن الابن - والأخ الشقيق - والأخ لأب - وابن الأخ الشقيق - وابن الأخ لأب - والعم الشقيق - والعم لأب - وابن العم الشقيق - وابن العم لأب.
стр. 1708
الدليل على توريث العصبات:
حديث الباب.
ومعناه: أي أعطوا كل ذي فرض فرضه، وما بقي بعد ذلك من الميراث فادفعوه لأقرب عصبة من الذكور.
أحكام العصبة:
أ- إذا انفرد أحدهم أخذ كل المال.
ب- يأخذ الباقي بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم.
أمثلة:
- مات شخص عن ابن فقط، يأخذ المال كله، لأنه انفرد.
- هلك هالك عن زوجة وعم: للزوجة الربع، والعم الباقي، لأنه معصب.
- هلك هالك عن زوجة وابن: للزوجة الثمن، والابن الباقي.
стр. 1709
٩٤٦ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يَرِثُ اَلْمُسْلِمُ اَلْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ اَلْكَافِرُ اَلْمُسْلِمَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
- في هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم.
فاختلاف الدين من موانع الإرث.
ويمنع الشخص من الميراثِ … واحدةٌ من عللٍ ثلاثِ
رقٌ وقتلٌ واختلافُ دينِ … فافهمْ فليس الشك كاليقينِ
وموانع الإرث ثلاثة: قال في الرحبية:
والمانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه الوجود.
الأول: اختلاف الدين.
قال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِر لَا يَرِث الْمُسْلِم.
وَأَمَّا الْمُسْلِم فَلَا يَرِث الْكَافِر أَيْضًا عِنْد جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى تَوْرِيث الْمُسْلِم مِنْ الْكَافِر، وَهُوَ مَذْهَب مُعَاذ بْن جَبَل وَمُعَاوِيَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَمَسْرُوق وَغَيْرهمْ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَالشَّعْبِيّ وَالزُّهْرِيّ وَالنَّخَعِيِّ نَحْوه عَلَى خِلَاف بَيْنهمْ فِي ذَلِكَ، وَالصَّحِيح عَنْ هَؤُلَاءِ كَقَوْلِ الْجُمْهُور.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ (الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ).
وَحُجَّة الْجُمْهُور هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح الصَّرِيح.
وَلَا حُجَّة فِي حَدِيث (الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ فَضْل الْإِسْلَام عَلَى غَيْره، وَلَمْ يَتَعَرَّض فِيهِ لِمِيرَاثٍ، فَكَيْفَ يُتْرَك بِهِ نَصُّ حَدِيث (لَا يَرِث الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ) وَلَعَلَّ هَذِهِ الطَّائِفَة لَمْ يَبْلُغهَا هَذَا الْحَدِيث. (نووي).
وقال القرطبي: قوله (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) تضمَّن هذا الحديث أمرين:
أحدهما: مجمع على منعه؛ وهو: ميراث الكافر للمسلم.
والثاني: مختلف فيه؛ وهو: ميراث المسلم الكافر؛ فذهب إلى منعه الجمهور من السَّلف ومن بعدهم؛ فمنهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وجمهور أهل الحجاز والعراق: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وابن حنبل، وعامة العلماء ..
وذهب إلى توريث المسلم من الكافر معاذ، ومعاوية، وابن المسيب، ومسروق، وغيرهم. وروي عن أبي الدرداء، والشعبي، والنخعي، والزهري، وإسحاق.
والحديث المتقدِّم حجُّةٌ عليهم. ويَعْضُده حديث أسامة بن زيد؛ وهو: أن رسول الله ﷺ قال (لا يتوارث أهل ملتين)، ونحوه في كتاب أبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. (المفهم).
فلو مات أب مسلم عن ابن نصراني، فإنه لا يرثه.
لو مات ابن نصراني عن أب مسلم فإنه لا يرثه.
وهذا مذهب جماهير العلماء، أنه لا يرث المسلم من الكافر، ولا الكافر من المسلم.
لحديث الباب، فهو نص في محل النزاع.
стр. 1710
• لو أسلم الكافر قبل قسمة التركة.
مثال: أن يموت ميت مسلم عن ابنين أحدهما مسلم يصلي، والثاني لا يصلي، وقبل أن تقسم التركة بين الابن المسلم وزوجة الميت، قبل ذلك صار الابن الثاني يصلي وتاب وعاد إلى الإسلام.
فهنا اختلف بعض العلماء هل يرث أم لا؟
والصحيح مذهب الجماهير من العلماء أنه لا يرث ولو أسلم قبل قسمة التركة.
لعموم قوله ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) فنفى إرث الكافر للمسلم، وهو مطلق، فيشمل ما إذا أسلم قبل قسمة التركة.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يرث ترغيباً له في الإسلام، لكن هذا القول ضعيف.
المانع الثاني: الرق.
والرق في اللغة: العبودية والملك.
واصطلاحاً: عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب كفره بالله.
فالمملوك لا يرث.
مثال: رجل مات عن أب مملوك، فالأب هنا لا يرث.
وإنما كان الرق مانعاً من الإرث، لأن الرقيق لا يملك، فإذا كان لا يملك لم يستحق الإرث، لأنه لو ورث لكان لسيده وهو أجنبي من الميت.
المانع الثالث: القتل.
إذا كان القتل عمداً فلا يرث إجماعاً.
فلو أن ابناً قتل والده عمداً، فإنه لا يرث منه.
وأما إذا كان بحق فإنه يرث.
مثال: رجل محصن زنى، فرجمه الناس، وكان ممن رجمه وارثه، فلا يمنع من الإرث، لأن القتل بحق.
وأما إذا كان القتل خطأ ففيه خلاف:
فالمشهور من المذهب أن القاتل خطأ لا يرث، كحوادث السيارات.
والراجح أنه يرث، ورجحه ابن القيم في إعلام الموقعين.
стр. 1711
٩٤٧ - وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (فِي بِنْتٍ، وَبِنْتِ اِبْنٍ، وَأُخْتٍ - قَضَى اَلنَّبِيُّ ﷺ " لِلِابْنَةِ اَلنِّصْفَ، وَلِابْنَةِ اَلِابْنِ اَلسُّدُسَ - تَكْمِلَةَ اَلثُّلُثَيْنِ- وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
١ - الحديث دليل على ميراث البنت وأن ميراثها النصف بشرطين:
الشرط الأول: عدم المشاركة وهي أختها أو أخواتها.
لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ).
الشرط الثاني: عدم المعصب، وهو أخوها.
فإن وجد فقد قال تعالى (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ).
- وإذا كن أكثر من واحدة فلهن الثلثان بشرطين:
الشرط الأول: عدم المعصب، وهو أخوهن، لقوله تعالى (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ).
الشرط الثاني: تعددهن، ودليل ذلك حديث سعد بن الربيع، أن النبي ﷺ أعطى ابنتي سعد الثلثين.
٢ - الحديث دليل على أن إرث بنت الابن مع البنت السدس تكملة الثلثين.
فميراث بنت الابن السدس بشرطين:
أ-أن تكون مع بنت وارثة النصف فرضاً.
ب-عدم المعصب وهو أخوها.
مثال: توفي شخص عن بنت، وبنت ابن، وأخ لأب.
فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وللأخ لأب الباقي تعصيباً.
٣ - الحديث دليل على الأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات عصبات.
فالأخت الشقيقة فأكثر ترث بالعصيب مع الغير بشروط:
الشرط الأول: عدم الأصل الوارث الذكر.
فإن وجد الأصل الوارث الذكر سقطت.
الشرط الثاني: عدم الفرع الوارث الذكر.
فإن وجد الفرع الوارث الذكر سقطت.
الشرط الثالث: وجود الفرع الوارث الأنثى (بنت فأكثر أو بنت ابن فأكثر).
الشرط الرابع: عدم وجود المعصب وهو الأخ الشقيق للميت.
مثال: توفي شخص عن زوجته وبنته وأخته الشقيقة.
فللزوجة الثمن، وللبنت النصف، وللأخت الشقيقة الباقي تعصيباً لوجود الفرع الوارث الأنثى.
стр. 1712
٩٤٨ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ.
وَأَخْرَجَهُ اَلْحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اَللَّفْظِ.
===
- الحديث دليل على أنه لا توارث بين أهل ملتين كافرتين، فاليهودي لا يرث قريبه النصراني ولا المجوسي وهكذا، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
وسبب الخلاف: اختلافهم في الكفر هل هو ملة واحدة أو ملل متعددة.
القول الأول: أن الكفر بجميع ملله ملة واحدة.
فعلى هذا القول: يتوارث الكفار فيما بينهم دون نظر إلى اختلافهم في الديانة.
وهذا قول الحنفية، والشافعية، ورواية في مذهب أحمد.
أ-لقوله تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض).
القول الثاني: أنه لا توارث بين أهل كل ملة من أهل الملة الأخرى.
وهذا قول عند المالكية، ورجحه ابن قدامة.
لحديث الباب.
وأجاب. أصحاب القول الأول عن حديث الباب، قالوا: إن المراد بإحدى الملتين الإسلام وبالأخرى الكفر، ليكون مساوياً لحديث (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)
стр. 1713
٩٤٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اِبْنَ اِبْنِي مَاتَ، فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ: " لَكَ اَلسُّدُسُ " فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "لَكَ سُدُسٌ آخَرُ" فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ. فَقَالَ: " إِنَّ اَلسُّدُسَ اَلْآخَرَ طُعْمَةٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ اَلْحَسَنِ اَلْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث من رواية الحسن عن عمران وقد اختلف في سماع الحسن من عمران.
وقد ذهب أحمد وأبو حاتم وابن المديني والبيهقي إلى أنه لم يسمع منه مطلقاً، فالحديث ضعيف.
- الحديث فيه ميراث الجد:
وميراثه كالتالي:
يرث السدس بشرطين:
الشرط الأول: وجود الفرع الوارث (ذكر).
وهذا دليله نفس دليل الأب، قال تعالى (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَد).
ومعلوم أن الجد أب فيأخذ ميراثه.
الشرط الثاني: عدم الأب.
ودليل هذا الشرط الإجماع، لأن الجد ينزل منزلة الأب فلا يرث مع وجوده.
مثال: توفي شخص عن جده وابنه.
فلجده السدس لوجود الفرع الوارث الذكر، ولابنه الباقي تعصيباً.
ويرث بالتعصيب فقط بشرطين:
الشرط الأول: عدم وجوب الأب، فإن وجد الأب سقط الجد.
الشرط الثاني: عدم وجود الفرع الوارث.
مثال: نوفي شخص عن أمه وجده.
فلأمه الثلث، ولجده الباقي تعصيباً.
ويرث بالفرض والتعصيب معاً بشرطين:
الشرط الأول: عدم وجود الأب كما تقدم.
الشرط الثاني: وجود فرع وارث أنثى.
إذا كان للميث فرع وارث أنثى لا ذكر معها.
مثال: أن يموت شخص عن جده وابنته، فللبنت النصف، وللجد السدس فرضاً، والباقي تعصيباً.
قاعدة:
كل وارث من الأصول يحجب من فوقه إذا كان من جنسه، فالأب يحجب الجد، والأم تحجب الجدة.
стр. 1714
٩٥٠ - وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ اَلسُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ، وَقَوَّاهُ اِبْنُ عَدِيٍّ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
سنده ضعيف، فيه عبيد الله بن عبد العتكي أبو المنيب، مختلف فيه والراجح أن روايته لا تقبل إذا انفرد.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن الجدة ميراثها السدس بشرط عدم وجود الأم، إذ لا ميراث للجدة مع وجود الأم.
стр. 1715
٩٥١ - وَعَنْ اَلْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى اَلتِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ اَلرَّازِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
٩٥٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: - كَتَبَ مَعِي عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ﵃ ﷺ قَالَ: " اَللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث اَلْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ حسن، لأجل علي بن أبي طلحة، وهو حسن الحديث.
• من هم ذوي الأرحام؟
كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة.
فكل قريب له صلة قرابة بالميت، ولا يرث بطريق الفرض أو التعصيب فهو من ذوي الأرحام.
كالخال، والخالة، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد بنات الابن، وأبي الأم وغيرهم.
قال ابن قدامة - عند حديثه عن ذوي الأرحام -: وهم الأقارب الذين لا فرض لهم ولا تعصيب.
وهم أحد عشر حيزاً: ولد البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وولد الإخوة من الأم، والعمات من جميع الجهات، والعم من الأم، والأخوال، والخالات، وبنات الأعمام، والجد أبو الأم، وكل جدة أدلت بأب بين أمين، أو بأب أعلى من الجد. فهؤلاء، ومن أدلى بهم، يسمون ذوي الأرحام، وكان أبو عبد الله يورثهم إذا لم يكن ذو فرض، ولا عصبة، ولا أحد من الوارث، إلا الزوج، والزوجة " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ذوو الأرحام كل قريب ليس له فرض ولا تعصيب.
وجميع الإناث سوى الأخوات، كالعمة والخالة وبنات الأخ وبنات الأخت وبنات العم من ذوي الأرحام.
• ما حكم توريث ذوي الأرحام؟
اختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام على قولين:
القول الأول: أنهم يرثون.
وهو مذهب الحنفية، والحنابلة.
جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية) مِمَّنْ قَال بِتَوْرِيثِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو عُبَيْدَة بْنُ الْجَرَّاحِ، وَمِنَ التَّابِعِينَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ.
стр. 1716
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَمِمَّنْ قَال بِتَوْرِيثِهِمْ: الْحَنَفِيَّةُ وَالإْمَامُ أَحْمَدُ، وَمُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَعِيسَى بْنُ أَبَانَ، وَأَهْل التَّنْزِيل ﵏.
أ-لقوله تعالى (وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ … ).
وجه الدلالة: أن الله تعالى ذكر الأقارب بأنهم أحق بميراث بعضهم من غيرهم، فإن لفظ (أولو الأرحام) عام يشمل جميع الأقارب سواء كانوا أصحاب فروض، أو عصبات، أو غير هؤلاء من الأقارب، فاللفظ يشمل الجميع دون تفريق بين ذوي الفروض أو العصبات أو سواهم.
ب-ولأحاديث الباب (الخال وارث من لا وارث له).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الخال وارثاً عند عدم الوارث بفرض أو تعصيب، والخال من ذوي الأرحام فيلحق به غيره منهم.
ج-واستدلوا بالمعقول أيضاً فقالوا: إن ذوي الأرحام أحق بالميراث من بيت مال المسلمين، وذلك لأن بيت مال المسلمين تربطه بالميت رابطة واحدة هي رابطة الإسلام، وأما ذوو الأرحام فتربطهم رابطتان، رابطة الإسلام ورابطة الرحم، ومن كانت له قرابة من جهتين فإنه أقوى ممن له قرابة من جهة واحدة.
القول الثاني: أنهم لا يرثون.
جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية) وَمِمَّنْ قَال بِعَدَمِ تَوْرِيثِهِمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ. وَلَكِنْ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإِنَّهُ حُكِيَ أَنَّ الْمُعْتَضِدَ سَأَل أَبَا حَازِمٍ الْقَاضِيَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَال أَبُو حَازِمٍ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ غَيْرَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الأْرْحَامِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بِمُقَابَلَةِ إِجْمَاعِهِمْ.
أ-لقوله ﷺ (إن الله أعطى لكل ذي حق حقه) رواه الترمذي وغيره.
وجه الدلالة: بيّن الحديث أن الله قد حدد الورثة والمواريث، بمعنى أن فيه إشارة إلى أن في القرآن كل المواريث، وليس في القرآن لذوي الأرحام شيء، فلا ميراث لهم حينئذ.
ب-عن عطاء بن يسار قال (أتى رجل من أهل العالية رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ان رجلا هلك وترك عمة وخالة انطلق تقسم ميراثه فتبعه رسول الله ﷺ على حمار وقال يا رب رجل ترك عمة وخالة ثم سار هنية ثم قال يا رب رجل ترك عمة وخالة ثم سار هنية ثم قال يا رب رجل ترك عمة وخالة ثم قال لا أرى ينزل علي شيء لا شيء لهما) رواه الحاكم والبيهقي.
وجه الدلالة: أن العمة والخالة من ذوي الأرحام، وقد بيّن الحديث صراحة أن لا ميراث لهما.
والحديث ضعيف، ضعفه ابن حجر، والشوكاني.
ج-قالوا: إن الله نص في آيات المواريث على بيان أصحاب الفروض والعصبات ولم يذكر لذوي الأرحام شيئاً.
والراجح القول بتوريثهم.
• ما شرط توريثهم؟
عدم الوارث بفرض أو تعصيب.
قال ابن قدامة: فمتى خلّف الميت عصبة، أو ذا فرضٍ من أقاربه، أخذ المال كله، ولا شيء لذوي الأرحام، وهذا قول عامة من وَرَّث ذوي الأرحام.
فائدة:
لا خلاف بين الفقهاء القائلين بتوريث ذوي الأرحام، أن ذا الرحم إذا انفرد فإنه يرث كل المال تعصيباً سواء أكان ذكراً أم أنثى.
стр. 1717
٩٥٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا اِسْتَهَلَّ اَلْمَوْلُودُ وُرِّثَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(إِذَا اِسْتَهَلَّ) الاستهلال الصراخ أو الصوت مطلقاً، كالعطاس والبكاء.
• اذكر أحكام ميراث الحمل؟
يشترط لإرث الحمل شرطان:
الشرط الأول: تحقق وجوده في الرحم حين موت المورث ولو نطفة.
وذلك يكون بأمرين:
الأول: أن تضع من فيه حياة مستقرة لدون ستة أشهر من موت مورثه مطلقاً.
الثاني: أن تضع من فيه حياة مستقرة لأربع سنين فأقل من موت مورثه بشرط أن لا توطأ بعد وفاته، فإن ولدته لأكثر من أربع سنين لم يرث مطلقاً على المذهب بناء على أن أكثر مدة الحمل أربع سنين.
الشرط الثاني: أن يولد حياً حياة مستقرة (ويعرف ذلك بالصراخ، والبكاء، والعطاس، والحركة الكثيرة) وتُعْلَمُ حياته باستهلاله وعطاسه ورضاعه ونحوها، فأما الحركة اليسيرة والاضطراب والتنفس اليسير الذي لا يدل على الحياة المستقرة فلا عبرة به.
ومتى شك في وجود الحياة المستقرة لم يرث لأن الأصل عدمها.
فللحمل عند خروجه من بطن أمه ثلاث حالات:
الأولى: أن يخرج ميتاً.
ففي هذه الحالة لا يرث.
الثانية: أن يخرج بعضه وهو حي ثم يموت قبل خروج بقيته.
ففي هذه الحالة لا يرث عند الجمهور مطلقاً، لأنه لا يثبت له حكم الدنيا قبل انفصال جميعه.
الثالثة: إن استهل صارخاً.
ففي هذه الحالة يرث.
في الحديث أنه إذا استهل ورث، فهل يقوم غير الاستهلال مقامه؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يقوم غير الاستهلال مقامه.
وهذا قول مالك، وطائفة من أهل العلم.
لمفهوم حديث الباب (إذا استهل … ) فمفهومه أنه لا يرث بغير الاستهلال.
ولأن الاستهلال لا يكون إلا من حي يقيناً بخلاف غيره كالحركة، فإنها قد تكون من غير حي، وقد تكون من حي حياة غير مستقرة كحركة المذبوح.
القول الثاني: إذا عرفت حياة المولود بتحرك أو صياح أو رضاع فأحكامه أحكام الحي.
وهذا قول الشافعي، وأبي حنيفة.
لأنه حي فثبتت له أحكام الحي كالمستهل.
وهذا الصحيح.
стр. 1718
• لماذا يشترط وجوده حين موت المورث؟
لأن الميراث خلافة عن الميت، والمعدوم لا يتصور أن يكون خليفة عن أحد - وأولى درجات الخلافة الوجود -.
• ما الحكم إن مات ميت عن ورثة فيهم حمل؟
إن رضوا بتأخير القسمة إلى وضع فهو أولى، خروجاً من الخلاف، ولتكون القسمة مرة واحدة.
وإن لم يرضوا وطالبوا بالقسمة فهل يمكنون من ذلك، اختلف العلماء على قولين:
قيل: إنهم لا يجابون إلى ذلك.
وهو المشهور عن الشافعي.
القول الثاني: أنهم يمكنون من ذلك.
وهذا قول الحنابلة والحنفية.
لأن في تأخير القسمة إضرار بهم.
وهذا القول هو الراجح.
• اذكر حكم إرث مع من الحمل؟
إرث من مع الحمل فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن لا يحجبه الحمل شيئاً فيعطى إرثه كاملاً.
الثانية: أن يحجبه عن بعض إرثه فيعطى اليقين وهو ما يرثه بكل حال.
الثالثة: أن يحجبه عن جميع إرثه فلا يعطى شيئاً.
فلو هلك هالك عن زوجة حامل وجدة وعم، فالجدة لا ينقصها الحمل شيئاً فتعطى إرثها السدس كاملاً والزوجة يحجبها الحمل عن بعض إرثها فتعطى اليقين وهو الثمن والعم يحجبه الحمل عن جميع إرثه فلا يعطى شيئاً.
стр. 1719
٩٥٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَوَّاهُ اِبْنُ عَبْدِ اَلْبَرِّ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ، وَالصَّوَابُ: وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
لا يصح رفعه.
• هل القتل مانع من موانع الإرث؟
من المتفق عليه بين عامة أهل العلم: أن القاتل عمداً لا يرث من المقتول شيئاً.
لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا)، رواه أبو داود
قال الإمام مالك: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَةِ مَنْ قَتَلَ شَيْئًا، وَلَا مِنْ مَالِهِ " انتهى
وقال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن القاتل عمداً لا يرث شيئاً من مال المقتول، ولا من ديته.
وقال ابن قدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا … ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَ الْقَاتِلِ يُفْضِي إلَى تَكْثِيرِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ رُبَّمَا اسْتَعْجَلَ مَوْتَ مَوْرُوثِهِ، لِيَأْخُذَ مَالَهُ، كَمَا فَعَلَ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ عَمَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ " انتهى من" المغني" (٩/ ١٥٠).
وهذا الحكم يشمل من قام بالقتل، أو أعان القاتل وشاركه بمباشرة أو تسبب.
قال ابن قدامة: فَالْمُشَارِكُ فِي الْقَتْلِ فِي الْمِيرَاثِ كَالْمُنْفَرِدِ بِه.
• ما القتل الذي يمنع من الميراث؟
اختلف العلماء في القتل الذي يمنع من الإرث على أقوال:
القول الأول: أن القاتل لا يرث بحال.
لعموم لحديث الباب.
وعند أبي داود (ليس للقاتل شيء).
ولأن القاتل حرم الإرث حتى لا يجعل القتل ذريعة إلى استعجال الميراث، فوجب أن يحرم بكل حال لحسم الباب.
القول الثاني: أن القتل المانع من الإرث هو القتل بغير حق وهو المضمون بقود أو دية أو كفارة كالعمد وشبه العمد والخطأ وما جرى مجرى الخطأ كالقتل بالسبب والقتل من الصبي والمجنون والنائم، وما ليس بمضمون بشيء مما ذكرنا لا يمنع الميراث كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه.
القول الثالث: أن القاتل له حالتان.
الأولى: أن يكون قتل مورثه عمداً عدواناً، ففي هذه الحالة لا يرث.
الثانية: أن يكون قتله خطأ، ففي هذه الحالة: يرث من ماله ولا يرث من ديته.
ووجه كونه ورث من المال، لأنه لم يتعجله بالقتل.
ووجه كونه لم يرث من ديته لأنها واجبة عليه، ولا معنى لكونه يرث شيئاً وجب عليه.
وهذا الراجح.
стр. 1720
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الْقَتْل الْخَطَأَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْحِرْمَانِ مِنَ الْمِيرَاثِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْقَاتِل لَا يَرِثُ، وَلأِنَّ الْقَتْل قَطَعَ الْمُوَالَاةَ، وَهِيَ سَبَبُ الإْرْثِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ مَنْ قَتَل مُوَرِّثَهُ خَطَأً، فَإِنَّهُ يَرِثُ مِنَ الْمَال، وَلَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْقَتْل الْمَضْمُونَ بِقِصَاصٍ، أَوْ دِيَةٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، لَا إرْثَ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ، كَمَنْ قَصَدَ مُوَلِّيَهُ مِمَّا لَهُ فِعْلُهُ مِنْ سَقْيِ دَوَاءٍ، أَوْ رَبْطِ جِرَاحَةٍ فَمَاتَ، فَيَرِثُهُ. اهـ.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " القول الراجح في مسألة القتل: أنه إذا تعمد الوارث قتل مورثه عمدا لا شك فيه، فإنه لا يرث. وإن كان خطأ فإنه يرث، ولكن هل يرث من الدية التي سيبذلها؟ لا يرث؛ لأن الدية غرم عليه، وقد جاء في حديث رواه ابن ماجه: (أنه يرث من تلاد ماله) يعني قديمه، فيرث من المال، لا من الدية.
следующие страницы →