Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَمِمَّنْ قَال بِتَوْرِيثِهِمْ: الْحَنَفِيَّةُ وَالإْمَامُ أَحْمَدُ، وَمُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَعِيسَى بْنُ أَبَانَ، وَأَهْل التَّنْزِيل ﵏.
أ-لقوله تعالى (وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ … ).
وجه الدلالة: أن الله تعالى ذكر الأقارب بأنهم أحق بميراث بعضهم من غيرهم، فإن لفظ (أولو الأرحام) عام يشمل جميع الأقارب سواء كانوا أصحاب فروض، أو عصبات، أو غير هؤلاء من الأقارب، فاللفظ يشمل الجميع دون تفريق بين ذوي الفروض أو العصبات أو سواهم.
ب-ولأحاديث الباب (الخال وارث من لا وارث له).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الخال وارثاً عند عدم الوارث بفرض أو تعصيب، والخال من ذوي الأرحام فيلحق به غيره منهم.
ج-واستدلوا بالمعقول أيضاً فقالوا: إن ذوي الأرحام أحق بالميراث من بيت مال المسلمين، وذلك لأن بيت مال المسلمين تربطه بالميت رابطة واحدة هي رابطة الإسلام، وأما ذوو الأرحام فتربطهم رابطتان، رابطة الإسلام ورابطة الرحم، ومن كانت له قرابة من جهتين فإنه أقوى ممن له قرابة من جهة واحدة.
القول الثاني: أنهم لا يرثون.
جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية) وَمِمَّنْ قَال بِعَدَمِ تَوْرِيثِهِمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ. وَلَكِنْ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإِنَّهُ حُكِيَ أَنَّ الْمُعْتَضِدَ سَأَل أَبَا حَازِمٍ الْقَاضِيَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَال أَبُو حَازِمٍ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ غَيْرَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الأْرْحَامِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بِمُقَابَلَةِ إِجْمَاعِهِمْ.
أ-لقوله ﷺ (إن الله أعطى لكل ذي حق حقه) رواه الترمذي وغيره.
وجه الدلالة: بيّن الحديث أن الله قد حدد الورثة والمواريث، بمعنى أن فيه إشارة إلى أن في القرآن كل المواريث، وليس في القرآن لذوي الأرحام شيء، فلا ميراث لهم حينئذ.
ب-عن عطاء بن يسار قال (أتى رجل من أهل العالية رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ان رجلا هلك وترك عمة وخالة انطلق تقسم ميراثه فتبعه رسول الله ﷺ على حمار وقال يا رب رجل ترك عمة وخالة ثم سار هنية ثم قال يا رب رجل ترك عمة وخالة ثم سار هنية ثم قال يا رب رجل ترك عمة وخالة ثم قال لا أرى ينزل علي شيء لا شيء لهما) رواه الحاكم والبيهقي.
وجه الدلالة: أن العمة والخالة من ذوي الأرحام، وقد بيّن الحديث صراحة أن لا ميراث لهما.
والحديث ضعيف، ضعفه ابن حجر، والشوكاني.
ج-قالوا: إن الله نص في آيات المواريث على بيان أصحاب الفروض والعصبات ولم يذكر لذوي الأرحام شيئاً.
والراجح القول بتوريثهم.
• ما شرط توريثهم؟
عدم الوارث بفرض أو تعصيب.
قال ابن قدامة: فمتى خلّف الميت عصبة، أو ذا فرضٍ من أقاربه، أخذ المال كله، ولا شيء لذوي الأرحام، وهذا قول عامة من وَرَّث ذوي الأرحام.
فائدة:
لا خلاف بين الفقهاء القائلين بتوريث ذوي الأرحام، أن ذا الرحم إذا انفرد فإنه يرث كل المال تعصيباً سواء أكان ذكراً أم أنثى.
стр. 1717
٩٥٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا اِسْتَهَلَّ اَلْمَوْلُودُ وُرِّثَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(إِذَا اِسْتَهَلَّ) الاستهلال الصراخ أو الصوت مطلقاً، كالعطاس والبكاء.
• اذكر أحكام ميراث الحمل؟
يشترط لإرث الحمل شرطان:
الشرط الأول: تحقق وجوده في الرحم حين موت المورث ولو نطفة.
وذلك يكون بأمرين:
الأول: أن تضع من فيه حياة مستقرة لدون ستة أشهر من موت مورثه مطلقاً.
الثاني: أن تضع من فيه حياة مستقرة لأربع سنين فأقل من موت مورثه بشرط أن لا توطأ بعد وفاته، فإن ولدته لأكثر من أربع سنين لم يرث مطلقاً على المذهب بناء على أن أكثر مدة الحمل أربع سنين.
الشرط الثاني: أن يولد حياً حياة مستقرة (ويعرف ذلك بالصراخ، والبكاء، والعطاس، والحركة الكثيرة) وتُعْلَمُ حياته باستهلاله وعطاسه ورضاعه ونحوها، فأما الحركة اليسيرة والاضطراب والتنفس اليسير الذي لا يدل على الحياة المستقرة فلا عبرة به.
ومتى شك في وجود الحياة المستقرة لم يرث لأن الأصل عدمها.
فللحمل عند خروجه من بطن أمه ثلاث حالات:
الأولى: أن يخرج ميتاً.
ففي هذه الحالة لا يرث.
الثانية: أن يخرج بعضه وهو حي ثم يموت قبل خروج بقيته.
ففي هذه الحالة لا يرث عند الجمهور مطلقاً، لأنه لا يثبت له حكم الدنيا قبل انفصال جميعه.
الثالثة: إن استهل صارخاً.
ففي هذه الحالة يرث.
في الحديث أنه إذا استهل ورث، فهل يقوم غير الاستهلال مقامه؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يقوم غير الاستهلال مقامه.
وهذا قول مالك، وطائفة من أهل العلم.
لمفهوم حديث الباب (إذا استهل … ) فمفهومه أنه لا يرث بغير الاستهلال.
ولأن الاستهلال لا يكون إلا من حي يقيناً بخلاف غيره كالحركة، فإنها قد تكون من غير حي، وقد تكون من حي حياة غير مستقرة كحركة المذبوح.
القول الثاني: إذا عرفت حياة المولود بتحرك أو صياح أو رضاع فأحكامه أحكام الحي.
وهذا قول الشافعي، وأبي حنيفة.
لأنه حي فثبتت له أحكام الحي كالمستهل.
وهذا الصحيح.
стр. 1718
• لماذا يشترط وجوده حين موت المورث؟
لأن الميراث خلافة عن الميت، والمعدوم لا يتصور أن يكون خليفة عن أحد - وأولى درجات الخلافة الوجود -.
• ما الحكم إن مات ميت عن ورثة فيهم حمل؟
إن رضوا بتأخير القسمة إلى وضع فهو أولى، خروجاً من الخلاف، ولتكون القسمة مرة واحدة.
وإن لم يرضوا وطالبوا بالقسمة فهل يمكنون من ذلك، اختلف العلماء على قولين:
قيل: إنهم لا يجابون إلى ذلك.
وهو المشهور عن الشافعي.
القول الثاني: أنهم يمكنون من ذلك.
وهذا قول الحنابلة والحنفية.
لأن في تأخير القسمة إضرار بهم.
وهذا القول هو الراجح.
• اذكر حكم إرث مع من الحمل؟
إرث من مع الحمل فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن لا يحجبه الحمل شيئاً فيعطى إرثه كاملاً.
الثانية: أن يحجبه عن بعض إرثه فيعطى اليقين وهو ما يرثه بكل حال.
الثالثة: أن يحجبه عن جميع إرثه فلا يعطى شيئاً.
فلو هلك هالك عن زوجة حامل وجدة وعم، فالجدة لا ينقصها الحمل شيئاً فتعطى إرثها السدس كاملاً والزوجة يحجبها الحمل عن بعض إرثها فتعطى اليقين وهو الثمن والعم يحجبه الحمل عن جميع إرثه فلا يعطى شيئاً.
стр. 1719
٩٥٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَوَّاهُ اِبْنُ عَبْدِ اَلْبَرِّ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ، وَالصَّوَابُ: وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
لا يصح رفعه.
• هل القتل مانع من موانع الإرث؟
من المتفق عليه بين عامة أهل العلم: أن القاتل عمداً لا يرث من المقتول شيئاً.
لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا)، رواه أبو داود
قال الإمام مالك: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَةِ مَنْ قَتَلَ شَيْئًا، وَلَا مِنْ مَالِهِ " انتهى
وقال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن القاتل عمداً لا يرث شيئاً من مال المقتول، ولا من ديته.
وقال ابن قدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا … ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَ الْقَاتِلِ يُفْضِي إلَى تَكْثِيرِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ رُبَّمَا اسْتَعْجَلَ مَوْتَ مَوْرُوثِهِ، لِيَأْخُذَ مَالَهُ، كَمَا فَعَلَ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ عَمَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ " انتهى من" المغني" (٩/ ١٥٠).
وهذا الحكم يشمل من قام بالقتل، أو أعان القاتل وشاركه بمباشرة أو تسبب.
قال ابن قدامة: فَالْمُشَارِكُ فِي الْقَتْلِ فِي الْمِيرَاثِ كَالْمُنْفَرِدِ بِه.
• ما القتل الذي يمنع من الميراث؟
اختلف العلماء في القتل الذي يمنع من الإرث على أقوال:
القول الأول: أن القاتل لا يرث بحال.
لعموم لحديث الباب.
وعند أبي داود (ليس للقاتل شيء).
ولأن القاتل حرم الإرث حتى لا يجعل القتل ذريعة إلى استعجال الميراث، فوجب أن يحرم بكل حال لحسم الباب.
القول الثاني: أن القتل المانع من الإرث هو القتل بغير حق وهو المضمون بقود أو دية أو كفارة كالعمد وشبه العمد والخطأ وما جرى مجرى الخطأ كالقتل بالسبب والقتل من الصبي والمجنون والنائم، وما ليس بمضمون بشيء مما ذكرنا لا يمنع الميراث كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه.
القول الثالث: أن القاتل له حالتان.
الأولى: أن يكون قتل مورثه عمداً عدواناً، ففي هذه الحالة لا يرث.
الثانية: أن يكون قتله خطأ، ففي هذه الحالة: يرث من ماله ولا يرث من ديته.
ووجه كونه ورث من المال، لأنه لم يتعجله بالقتل.
ووجه كونه لم يرث من ديته لأنها واجبة عليه، ولا معنى لكونه يرث شيئاً وجب عليه.
وهذا الراجح.
стр. 1720
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الْقَتْل الْخَطَأَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْحِرْمَانِ مِنَ الْمِيرَاثِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْقَاتِل لَا يَرِثُ، وَلأِنَّ الْقَتْل قَطَعَ الْمُوَالَاةَ، وَهِيَ سَبَبُ الإْرْثِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ مَنْ قَتَل مُوَرِّثَهُ خَطَأً، فَإِنَّهُ يَرِثُ مِنَ الْمَال، وَلَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْقَتْل الْمَضْمُونَ بِقِصَاصٍ، أَوْ دِيَةٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، لَا إرْثَ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ، كَمَنْ قَصَدَ مُوَلِّيَهُ مِمَّا لَهُ فِعْلُهُ مِنْ سَقْيِ دَوَاءٍ، أَوْ رَبْطِ جِرَاحَةٍ فَمَاتَ، فَيَرِثُهُ. اهـ.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " القول الراجح في مسألة القتل: أنه إذا تعمد الوارث قتل مورثه عمدا لا شك فيه، فإنه لا يرث. وإن كان خطأ فإنه يرث، ولكن هل يرث من الدية التي سيبذلها؟ لا يرث؛ لأن الدية غرم عليه، وقد جاء في حديث رواه ابن ماجه: (أنه يرث من تلاد ماله) يعني قديمه، فيرث من المال، لا من الدية.
стр. 1721
٩٥٤ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَا أَحْرَزَ اَلْوَالِدُ أَوْ اَلْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْمَدِينِيِّ، وَابْنُ عَبْدِ اَلْبَرِّ.
===
(مَا أَحْرَزَ اَلْوَالِدُ أَوْ اَلْوَلَدُ) أي: ما جمعه وحصله.
(فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ) أي: لعصبة ذلك المحرِز، والعصبة جمع عاصب: وهو من يرث المال بلا تقدير.
وعصبة الرجل: قرابته لأبيه.
(مَنْ كَانَ) أي: ذلك العاصب قرُبَ أو بعُد.
• ما صحة حديث الباب؟
سنده حسن.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد ميراث العصبة، وأن ما جمعه الوالد أو الولد فإنه يكون لعصبته، وهم قرابته الذكور.
لكن هذا بعد أخذ أهل الفروض حقوقهم كما تقدم في حديث (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر).
• اذكر أحكام العصبة بالنفس؟
التعصيب: هو الإرث بلا تقدير.
وهم:
الأب، الجد من قبل الأب وإن علا بمحض الذكور، الابن، ابن الابن وإن نزل، الأخ الشقيق، الأخ لأب، ابن الأخ الشقيق وإن نزل، ابن الأخ لأب وإن نزل، العم الشقيق وإن علا، العم لأب وإن علا، ابن العم الشقيق وإن نزل، ابن العم لأب وإن نزل؟
وأحكام العصبة بالنفس ثلاثة أحكام:
أولاً: من انفرد منهم أخد جميع المال.
ودليل هذا الحكم: قوله ﷺ (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر).
وجه الاستدلال: أنه جعل للعاصب ما تُبقي الفروض، وإذا لم يكن هناك فروض كان كل المال باقياً، فيكون للعاصب.
ثانياً: أنهم يأخذون ما تبقيه الفروض.
للحديث السابق (ألحقوا الفرائض … ) فإنه نص في تقديم أصحاب الفروض على العصبة، وأخذ العصبة جميع ما تبقيه الفروض.
ثالثاً: أنهم يسقطون إذا استغرقت الفروض المسألة.
أمثلة:
زوج وأب وابن، للزوج الربع، وللأب السدس، وللابن الباقي.
стр. 1722
٩٥٦ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (اَلْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ اَلنَّسَبِ، لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ) رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ: مِنْ طَرِيقِ اَلشَّافِعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ اَلْبَيْهَقِيُّ.
===
• ما الولاء؟
عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.
• ما صحة حديث الباب؟
معلول لا يصح.
وفي الصحيحين عن ابن عمر (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
تحريم بيع الولاء وهبته.
قال الصنعاني: ومعنى تشبيهه بلحمة النسب، أنه يجري الولاء مجرى النسب في الميراث كما تخالط اللحمة سدى الثوب حتى يصير كالشيء الواحد كما يفيده كلام النهاية.
والحديث دليل على عدم صحة بيع الولاء ولا هبته، فإن ذلك أمر معنوي كالنسب ولا يتأتى انتقاله كالأبوة والأخوة لا يتأتى انتقالهما، وقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك، وعليه جماهير العلماء، وروي عن بعض السلف جواز بيعه وعن آخرين منهم جواز هبته وكأنهم لم يطلعوا على الحديث أو حملوا النهي على التنزيه وهو خلاف أصله. (سبل السلام)
• ما كيفية الإرث بالولاء؟
يكون الإرث من جهة المعتق دون الرقيق، فلا يرث من سيده.
ودليله الإرث بالولاء قوله ﷺ (إنما الولاء لمن أعتق)
• ما حكم بيع الولاء؟
حرام.
مثال: لو أن شخصاً أعتق عبداً، ثبت له الولاء، فلو جاءه شخص وقال: بع علينا ولاء عبدك الذي أعتقت، فإن البيع لا يصح، كما لو جاء شخص إلى آخر وقال: بع عليّ نسب ابنك، فإن هذا لا يصح، كذلك الولاء، ولو أن المعتِق وهب الولاء لشخص آخر فكذلك لا يصح.
стр. 1723
٩٥٧ - وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الصواب أنه مرسل.
فقد رجح الإرسال: الخطيب، والدارقطني، وابن عبد الهادي، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية،
، ومما يدل على ضعفه مع كلام هؤلاء الذين هم أعلم بالعلل ممن خالفهم فيه في الجملة: أن البخاري ومسلماً رويا الحديث بدون هذه الزيادة فإن هذه الزيادة جزء من الحديث، قلَّت زيادة يُعرِض عنها الشيخان - مع روايتهم الحديث نفسه بنفس الطريق - تسلم من قادح.
قال البخاري في صحيحه: باب مناقب أبي عبيدة.
قال الحافظ في الفتح: أورد الترمذي وابن حبان هذا الحديث من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء بهذا الإسناد مطولاً وأوله: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقرأهم لكتاب الله أبي وأفرضهم زيد وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ الا وإن لكل أمة أميناً … ) الحديث، وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ قالوا إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري والله أعلم.
قال ابن تيمية: (أفرضكم زيد) ضعيف لا أصل له، ولم يكن زيد على عهد النبي ﷺ معروفاً بالفرائض.
• ما معنى (أفرضكم زيد)؟
اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل قَوْله ﷺ (أفرَضُكُمْ زيد) عَلَى أقوالٍ خَمْسَة، ذكرهَا الماورديُّ فِي (حاويه).
أَحدهَا: أَنه قَالَ ذَلِك حثًّا عَلَى (مناقشته) وَالرَّغْبَة فِي تعلمه كَرَغْبَتِهِ؛ لِأَن زيدا كَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْفَرَائِض.
ثَانِيهَا: أَنه قَالَ ذَلِك تَشْرِيفًا لَهُ، وإنْ شَاركهُ غيرُهُ فِيهِ.
ثَالِثهَا: أَنه أَشَارَ بذلك إِلَى جماعةٍ من الصَّحَابَة كَانَ زيدٌ أفرضَهُمْ، وَيرد هَذِه الرِّوَايَة السالفة (أفْرَضُ أُمَّتي زيد بن ثَابت).
رَابِعهَا: أَنه أَرَادَ بذلك أَنْ زيدا كَانَ أَشَّدهم عناية وحرصاً عليه.
خَامِسهَا: أَنه قَالَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ كَانَ أصحَّهُم حسابا وأسرعَهُمْ جَواباً.
فائدة:
قال الشيخ ابن عثيمين: … وأما حديث (أفرضكم زيد) فإنه ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ .
وعلى تقدير صحته فإنه يخاطب قوما محصورين وليس يخاطب جميع الأمة، وعلى تقدير أنه يخاطب جميع الأمة فلا يعني هذا أن زيداً معصوم من الخطأ وإن كان أفرض الأمة، لأنه لا معصوم من الخطأ إلا الرسول ﵊.
وإنما قلت ذلك لأن بعض العلماء قال: إن ما قاله زيد في الفرائض فإنه يجب المصير إليه، لأن النبي ﷺ قال (أفرضكم زيد).
стр. 1724
فالجواب على هذا القول من وجوه ثلاثة:
أولا: ضعف الحديث، وهذا مهم، يعني أن صحة النقل المثبت للحكم أو النافي له هذه مهمة جدا.
الثانية: على تقدير صحته فهو يخاطب قوما خاصة.
الثالث: على تقدير صحته وعمومه فإنه لا يستلزم أن يكون زيد معصوما وإن كان أفرض الأمة، لأنه لا مصوم إلا رسول
الله ﷺ .
وبناء على هذا نقول إن مذهب زيد ﵁ في ميراث الجد والأخوة ليس ملزما لنا، وهو ضعيف كما سيأتي إن شاء الله، والصحيح أن الجد أب الأب بمنزلة الأب يحجب جميع الإخوة لا يرث معه أحد منهم.
بَابُ اَلْوَصَايَا
الوصايا جمع وصية هي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت.
قوله (بعد الموت) احترازاً من الهبة، فإنها تبرع في حال الحياة.
مثال تبرع بمال: أوصيت لفلان بعد موتي بـ (١٠٠) ريال.
مثال التصرف: وصيي على أولادي الصغار فلان.
стр. 1725
٩٥٨ - عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مَا حَقُّ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(مَا حَقُّ اِمْرِئٍ) ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده.
(مُسْلِمٍ) هذا الوصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فإن وصية الكافر جائزة عند أهل العلم.
(لَهُ شَيْءٌ) جاء في رواية في غير الصحيحين بلفظ (له مال). يتناول المال والقرض والكفارات والدين.
(يَبِيتُ) جاء عند أحمد (حق على كل مسلم ألا يبيت .... ).
(لَيْلَتَيْنِ) عند مسلم (يبيت ثلاث ليال) قال القرطبي: المقصود بذكر الليلتين، أو الثلاث: التقريب، وتقليل المدَّة ترك كتب الوصية. ولذلك لَمَّا سمعه ابن عمر ـ رضى الله عنه، لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيته، والحزم المبادرة إلى كتبها أول أوقات الإمكان، لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة، ويحتمل أن يكون إنما خصَّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له وما عليه، فيتحقق بذلك، ويروي فيها ما يوصي به، ولمن يوصي، إلى غير ذلك.
(مَكْتُوبَةٌ) سواء كتبها بنفسه أو كتبها له غيره.
جاء عند مسلم: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَىَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: مشروعية الوصية.
والوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين).
قال تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية).
وحديث الباب.
وقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية [قاله ابن قدامة].
• لكن اختلف العلماء هل هي واجبة أم مستحبة؟
القول الأول: أنها غير واجبة إلا من عليه حقوق للناس.
وهذا قول أكثر العلماء.
قال ابن قدامة: وَلَا تَجِبُ الْوَصِيَّةُ إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، أَوْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ يُوصِي بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ، وَطَرِيقُهُ فِي هَذَا الْبَابِ الْوَصِيَّةُ، فَتَكُونُ مَفْرُوضَةً عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَأَمَانَةٌ بِغَيْرِ إشْهَادٍ، إلَّا طَائِفَةً شَذَّتْ فَأَوْجَبَتْهَا.
قال ابن قدامة: وَلَنَا، أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ وَصِيَّةٌ، وَلَمْ يُنْقَلْ لِذَلِكَ نَكِيرٌ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُخِلُّوا بِذَلِكَ، وَلَنُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا ظَاهِرًا، وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَا تَجِبُ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَعَطِيَّةِ الْأَجَانِبِ.
فَأَمَّا الْآيَةُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ.
وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
стр. 1726
القول الثاني: أنها واجبة.
وهو قول داود الظاهري، وابن حزم.
قال ابن حجر: واستدل بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصية وبه قال الزهري، وأبو مجلز، وعطاء، وطلحة بن مصرف في آخرين وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم وبه قال إسحاق، وداود، واختاره أبو عوانة الاسفرايني وبن جرير وآخرون. (الفتح).
أ-لقوله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً … ).
قالوا: معنى كتب يعني فرض.
ب-ولحديث الباب.
وجه الدلالة: قالوا معناه: ليس من حق المسلم أن يبيت ليلتين إلا وقد أوصى، ويؤيد معنى الحديث رواية عند الدارقطني (لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).
والأرجح القول الأول.
لكن تجب فقط: على من عليه دين، وفي ذمته حقوق ولديه أمانات وعهد، فإنه يجب أن يوضح ذلك كله بالكتابة الواضحة الجلية، التي تحدد الديون إن كانت حالة أو مؤجلة.
• لماذا حث النبي ﷺ على المبادرة لكتابة الوصية؟
بياناً لها، وامتثالاً لأمر الشرع، واستعداداً للموت.
• ما الحكمة من مشروعيتها؟
فلأمور جليلة، ومقاصد شريفة، تجمع بين مصالح العباد في الدنيا، ورجاء الثواب والدرجات العلى في الآخرة، ففي الوصية يصل الموصي رحمه وأقرباءه الذين لا يرثون، ويُدخل السعة على المحتاجين، ويخفف الكرب على اليتامى والمساكين. وفي الوصية مصلحة للموصي حيث جعل الإسلام له جزءاً من ماله يبقى ثوابه عليه بعد وفاته، وبهذا يتدارك ما فاته من أعمال البر والإحسان في حياته.
• اذكر بعض الأمثلة على تطبيق السلف للعمل بالعلم؟
أ-عنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا». قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «عَجِبْتُ لَهَا فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ. رواه مسلم.
ب- عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِىَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) رواه مسلم.
قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ. وَقَالَ عَمْرٌو مَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ. وَقَالَ النُّعْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ.
стр. 1727
ج-عن سالم عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) متفق عليه.
قال سالم: (فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً).
د-ولما علم النبي ﷺ علياً وفاطمة: (أن يسبحا ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين قبل النوم قال علي: ما تركته منذ سمعته من النبي ﷺ قيل: ولا ليلة صفين: قال: ولا ليلة صفين) رواه مسلم.
هـ-حديث الباب (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ثلاث ليال، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه).
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَىَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.
و-وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ (من قرأ آية الكرسي عقيب كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت). رواه النسائي
قال ابن القيم: بلغني عن شيخ الإسلام أنه قال: ما تركتها عقب كل صلاة إلا نسياناً أو نحوه.
قال البخاري: ما اغتبت أحداً منذ علمت أن الغيبة حرام.
وقال الإمام أحمد: ما كتبت حديثاً إلا قد عملت به، حتى مرّ بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبى طيبة ديناراً فاحتجمت وأعطيت الحجام ديناراً.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحديث دليل على أن الكتابة تكفي لإثبات الوصية والعمل بها ولا يحتاج إلى إشهاد.
- العمل بالعلم.
стр. 1728
٩٥٩ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ (قُلْتُ: - يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا اِبْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: " لَا " قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: " لَا " قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: " اَلثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ اَلنَّاسَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(سعْدِ بْنِ أبي وَقَّاص) أحد العشرة المبشرين بالجنة، مات بالعقيق سنة (٥٥) هـ.
الحديث ذكره المصنف ﵀ مختصراً ولفظة كاملاً:
عن سعد قَالَ (عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَني مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِيي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ «لَا». قَالَ قُلْتُ أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ قَالَ «لَا الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي امْرَأَتِكَ». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ». قَالَ رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّىَ بِمَكَّة) متفق عليه.
(يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَنَا ذُو مَالٍ) وفي الحديث (جاءني رسولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي) أي: يزوروني، وفي رواية للبخاري (من وجع أشفيتُ منه على الموت) أي: قاربت الموت من أجل شدته.
(عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ) وفي الرواية الأخرى (وأنا بمكة) وحجة الوداع كانت في العام العاشر للهجرة، وسميت بذلك لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، قال في الفتح: واتفق أصحاب الزهري على أن ذلك في حجة الوداع إلا ابن عيينة فقال (في فتح مكة) أخرجه الترمذي وغيره من طريقه، واتفق الحفاظ على أنه وهِم فيه.
(وَأَنَا ذُو مالٍ) أي عندي مال كثير.
(وَلا يَرِثُني إلا ابْنَةٌ لي) أي ليس لي وارث إلا هذه البنت، قال النووي: معناه لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة، أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات، لأنه من بني زهرة وكانوا كثيراً.
(أفأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي) أي اثنين من ثلاثة، والمراد الوصية، ففي الرواية الأخرى (أوصي بمالي كله).
(قَالَ: لا) أي: لا ينبغي لك أن تتصدق بثلثي مالك.
(قُلْتُ: فالشَّطْرُ) أي: في النصف.
(قُلْتُ: فالثُّلُثُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: أتصدق بالثلث.
(قال: الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثيرٌ) وفي رواية عند البخاري (قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير).
(إنَّكَ إنْ تَذَرْ) أي: تترك.
(عَالَةً) أي: فقراء.
(يتكفَّفُونَ النَّاسَ) أي يسألون الناس بأكفِهم، قال القرطبي (يتكففون الناس) يسألون الصدقة من أكف الناس، أو يسألونهم بأكفهم.
стр. 1729
الذي وقع، فإن سعداً عمر زمناً طويلاً، حتى ذكر العلماء أنه خلّف سبعة عشر ذكراً واثنتي عشرة بنتاً، وفي رواية (وعسى الله أن يرفعك) أي: يطيل عمرك، وكذلك اتفق، فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة، مات بمكة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها لله مع حبهم لها.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم الوصية بأكثر من الثلث لغير الوارث.
وتحرم الوصية في حالتين:
الحال الأولى: بأكثر من الثلث لغير وارث.
لحديث الباب.
وإنما مُنع الموصي من الزيادة على الثلث لأمرين:
أ- أن النبي ﷺ لم يأذن لسعد إلا بالثلث، فدل على أن الثلث هو النهاية وما زاد فهو ممنوع منه.
ب- أن ما زاد على الثلث داخل في المضارة التي قال الله فيها (من بعد وصية يوصى أو دين غير مضار).
الحال الثانية: لوارث بشيء.
لقوله ﷺ (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) رواه أبو داود.
• ما حكم الوصية للفقير وورثته بحاجة؟
مكروهة.
لأن هذا يضر بالورثة.
لقوله ﷺ لسعد ( … إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).
قال العلماء: والوصية تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة:
أ- تحرم: وقد تقدم ذلك.
ب-وتكره: وقد تقدم ذلك.
ج-وتستحب: لمن ترك خيراً وهو المال الكثير.
لقوله تعالى (كتب عليكم إن حضر أحدكم الموت ..... ).
د- وتجب: على من عليه دين، وفي ذمته حقوق ولديه أمانات وعهد، فإنه يجب أن يوضح ذلك كله بالكتابة الواضحة الجلية، التي تحدد الديون إن كانت حالة أو مؤجلة.
هـ-وتجوز: بكل ماله، لمن لا وارث له، وهذا مذهب جمهور العلماء.
стр. 1730
• ما الأفضل في مقدار الوصية؟
الأفضل الوصية بأقل من الثلث، وإن كان الثلث جائزاً.
لقوله ﷺ (الثلث والثلث كثير).
قال العلماء: الأفضل أن يوصي بالخمس أو الربع، وإن أوصى بالثلث جاز.
لقوله ﷺ لسعد (الثلث والثلث كثير) مع إخباره إياه بكثرة ماله وقلة عياله.
ب-وقال أبو بكر (أرضى ما رضيه الله لنفسه). يعني الخمس.
قال ابن قدامة: فالأفضل للغني الوصية بالخمس، ونحو هذا يروى عن أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وهو ظاهر قول السلف.
قال الشيخ بن عثيمين ﵀: ولهذا نعرف أن عمل الناس اليوم، وكونهم يوصون بالثلث خلاف الأولى، وإن كان هو جائزاً، لكن الأفضل أن يكون أدنى من الثلث، إما الربع، وإما الخمس.
وقد قال ابن عباس (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن الرسول ﷺ قال: الثلث والثلث كثير).
• ماذا نستفيد من قوله (إنك أن تذر ورثتك أغنياء .... )؟
نستفيد جواز الوصية بكل المال لمن لا وارث له.
لقوله ﷺ (إنك أن تذر ورثتك أغنياء … ).
ب-وقد صح ذلك عن بعض الصحابة كابن مسعود.
ولأن علة المنع من الوصية بما هو أكثر من الثلث هو حق المخلوق وهم الورثة، فإذا لم يوجد منهم أحد جازت.
وهذا اختيار جمع من المحققين كابن القيم.
• ما الحكمة من منع الوصية للوارث.
أشار قوله ﷺ (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) إلى الحكمة من منع الوصية للوارث، وهي: أنه يأخذ بذلك أكثر من الحق الذي جعله الله له في الميراث، فكان في الوصية للوارث زيادة على ما شرعه الله.
وذكر ابن قدامة ﵀ في "المغني" حكمة أخرى، حاصلها: أن هذا التفضيل لبعض الورثة سيكون على حساب سائر الورثة، مما قد يكون سبباً لإيقاع العداوة والحسد بينهم.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: منع الإسلام الوصية للوارث لأنه من تعدي حدود الله ، فإن الله حدد الفرائض والمواريث بحدود قال فيها (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِين).
стр. 1731
• ما الحكمة من منع الوصية بأكثر من الثلث لغير الوارث؟
أشار الرسول ﷺ في الحديث إلى الحكمة من هذا المنع، وهي أن يترك المال للورثة، فلا يحتاجون معه لسؤال الناس، وأن هذا خير له من أن يوصي ثم يترك ورثته فقراء.
فأراد الرسول ﷺ بذلك: تحقيق العدل بين الوصية وبين حق الورثة في المال، وإذا كان الموصي يريد بالوصية الثواب، فإن تركه المال لورثته الفقراء المحتاجين إليه أكثر ثواباً، فإن إعطاء القريب الفقير أفضل من إعطاء من ليس قريباً.
ولهذا يستحب لمن كان ورثته فقراء، وكان ماله قليلاً بحيث لا يغني الورثة، يستحب له أن لا يوصي، ويترك المال لورثته.
قال علي بن أبي طالب ﵁ لرجل أراد أن يوصي: إنك لن تدع طائلاً إنما تركت شيئاً يسيراً، فدعه لورثتك)، ذكره ابن قدامه ﵀ في (المغني) ثم قال: متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة، فلا تستحب الوصية، لأن النبي ﷺ علل المنع من الوصية بقوله: أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة.
ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم، كان تركه لهم كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصية به لغيرهم. (المغني).
• هل يجب تنفيذ وصية الميت؟
نعم، يجب تنفيذ وصية الميت، وعدم تنفيذها أو تغيير حكمها، مع توفر شروط صحتها لا يجوز، ومرتكب ذلك آثم.
لقول الله تعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
لكن إن كان تغييرها لأفضل مما أوصى به الموصي، فقد اختلف أهل العلم في جوازه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
تغيير الوصية لما هو أفضل فيه خلاف بين أهل العلم:
فمنهم من قال: إنه لا يجوز.
لعموم قوله تعالى (فمن بدله بعد ما سمعه) ولم يستثن إلا ما وقع في إثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير.
ومنهم من قال: بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل.
لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله ، ونفع الموصى له، فكل ما كان أقرب إلى الله، وأنفع للموصى له، كان أولى أيضاً، والموصي بشر قد يخفى عليه ما هو الأفضل، وقد يكون الأفضل في وقت ما غير الأفضل في وقت آخر، ولأن النبي ﷺ أجاز تحويل النذر إلى ما هو أفضل مع وجوب الوفاء به …
والذي أرى في هذه المسألة: أنه إذا كانت الوصية لمعين، فإنه لا يجوز تغييرها، كما لو كانت الوصية لزيد فقط، أو وقف وقفاً على زيد، فإنه لا يجوز أن تُغير، لتعلق حق الغير المعين بها.
أما إذا كانت لغير معين - كما لو كانت لمساجد، أو لفقراء - فلا حرج أن يصرفها لما هو أفضل " انتهى.
стр. 1732
٩٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ رَجُلاً أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
(أَنَّ رَجُلاً أَتَى اَلنَّبِيَّ ﷺ هو سعد بن عبادة.
(إِنَّ أُمِّي) هي: عمرة بنت سعد بن عمرو.
(اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا) أي: ماتت فجأة، وأُخذتْ نفسُها فلْتة.
(وَلَمْ تُوصِ) تقدم في رواية النسائي سبب ذلك، وأن لا مال لها.
(وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ) أي: لو اتسع وقت مرضها، ولم يفجأها الموت.
(تَصَدَّقَتْ) أي: أوصت بالصدقة
(أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) وفي رواية النسائي (هل ينفعها أن أتصدق عنها؟).
(قَالَ: نَعَمْ) في رواية النسائي (فتصدق عنها).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه.
ومن الأدلة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيّ ﷺ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالا وَلَمْ يُوصِ فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ قَالَ نَعَم). رواه النسائي
وعَنْ سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ (قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ سَقْيُ الْمَاءِ) رواه النسائي.
وعن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ سَعدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵃ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ (اسم لبستانه سمي بذلك لكثرة ثمره) صَدَقَة عَلَيْهَا) رواه البخاري.
قال النووي عن حديث الباب: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ الصَّدَقَة عَنْ الْمَيِّت تَنْفَع الْمَيِّت وَيُصَلِّهِ ثَوَابهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء، وَكَذَا أَجْمَعُوا عَلَى وُصُول الدُّعَاء وَقَضَاء الدِّين بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَة فِي الْجَمِيع.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الصدقة عن الموتى ونحوها تصل إليهم باتفاق المسلمين.
ومما يصل للميت: الدعاء والاستغفار له، وهذا مجمع عليه.
لقول الله تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم).
وقول الرسول ﷺ (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء).: …
وقول الرسول ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ......... أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
وحُفِظَ من دعاء رسول الله ﷺ (اللهم اغفر لحينا وميتنا).
ولا زال السلف والخلف يدعون للأموات ويسألون لهم الرحمة والغفران دون إنكار من أحد.
стр. 1733
• هل ينتفع الميت بما يهدى من قرَب، كصلاة، وقراءة قرآن وغيرها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يصل للميت شيء إلا ما ورد به النص.
قال النووي: وَأَمَّا قِرَاءَة الْقُرْآن وَجَعْل ثَوَابهَا لِلْمَيِّتِ وَالصَّلاة عَنْهُ وَنَحْوهمَا فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّهَا لا تَلْحَق الْمَيِّت.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن وهذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم.
ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء.
ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما. (تفسير ابن كثير).
ورجحه ابن باز ﵀، وقال: أما قراءة القرآن فقد اختلف العلماء في وصول ثوابها إلى الميت على قولين لأهل العلم، والأرجح أنها لا تصل لعدم الدليل، لأن الرسول ﷺ لم يفعلها لأمواته من المسلمين، كبناته اللاتي متن في حياته ﵇، ولم يفعلها الصحابة ﵃ وأرضاهم فيما علمنا، فالأولى للمؤمن أن يترك ذلك ولا يقرأ للموتى ولا للأحياء ولا يصلي لهم، وهكذا التطوع بالصوم عنهم. لأن ذلك كله لا دليل عليه، والأصل في العبادات التوقيف إلا ما ثبت عن الله سبحانه أو عن رسوله ﷺ شرعيته، أما الصدقة فتنفع الحي والميت بإجماع المسلمين، وهكذا الدعاء ينفع الحي والميت بإجماع المسلمين. (الفتاوى)
القول الثاني: أنه يصل للميت كل ما يهدى له.
وهذا المذهب، ورجحه ابن عثيمين.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن ترك الوصية جائز.
- ما كان عليه الصحابة من استشارة النبي ﷺ في أمور الدين.
- أن بر الوالدين بعد موتهما يكون بالدعاء والصدقة.
стр. 1734
٩٦١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ اَلْبَاهِلِيِّ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ.
٩٦٢ - وَرَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَزَادَ فِي آخِرِهِ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اَلْوَرَثَةُ) وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث أبي أمامة سنده حسن من أجل إسماعيل بن عياش فروايته عن أهل بلده مفبولة.
وحديث ابن عباس سنده ضعيف، عطاء الخرساني لم يدرك ابن عباس.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم الوصية للوارث، وقد تقدم هذا.
• ما الحكمة من منع الوصية للوارث؟
أشار الحديث إلى الحكمة من منع الوصية للوارث، وهي: أنه يأخذ بذلك أكثر من الحق الذي جعله الله له في الميراث، فكان في الوصية للوارث زيادة على ما شرعه الله.
وذكر ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٨/ ٣٩٦) حكمة أخرى، حاصلها: أن هذا التفضيل لبعض الورثة سيكون على حساب سائر الورثة، مما قد يكون سبباً لإيقاع العداوة والحسد بينهم.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: منع الإسلام الوصية للوارث لأنه من تعدي حدود الله ، فإن الله حدد الفرائض والمواريث بحدود قال فيها: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِين).
• متى يجوز ذلك؟
يجوز ذلك برضاء بقية الورثة، وهذا قول جمهور العلماء.
قال ابن قدامة: إذا وصى لوارثه بوصية، فلم يُجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا. وجاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك فروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) وإن أجازها، جازت، في قول الجمهور من العلماء. (المغني)
وقال ﵀: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا وَصَّى لِوَارِثِهِ بِوَصِيَّةٍ، فَلَمْ يُجِزْهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، لَمْ تَصِحَّ. بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا.
وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ.
فَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
стр. 1735
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَعَ مِنْ عَطِيَّةِ بَعْضِ وَلَدِهِ، وَتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَقُوَّةِ الْمِلْكِ، وَإِمْكَانِ تَلَافِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ بِإِعْطَاءِ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ بَيْنَهُمْ، فَفِي حَالِ مَوْتِهِ أَوْ مَرَضِهِ، وَضَعْفِ مِلْكِهِ، وَتَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهِ، وَتَعَذُّرِ تَلَافِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ، أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَإِنْ أَجَازَهَا، جَازَتْ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، إلَّا أَنْ يُعْطُوهُ عَطِيَّةً مُبْتَدَأَةً.
أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ).
وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ".
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ، وَالْخَبَرُ قَدْ رُوِيَ فِيهِ: إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ. (المغني)
وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، ولا تصح لوارث، إلا أن يشاء الورثة المرشدون بنصيبهم؛ لقوله ﷺ (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث).
• متى يعتبر رضا الورثة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الوقت المعتبر لإجازة الورثة هو ما كان بعد موت الموصي، وأما ما كان قبله فغير معتبر.
وبهذا قال الجمهور، وهم الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
قالوا: أن حق الورثة في المال لا يثبت إلا بعد موت الموصي
القول الثاني: أن الوقت المعتبر هو ما كان بعد موت الموصي، أو ما كان في مرض موته.
وهذا مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية.
قالوا: إن الإجازة تصح من الورثة في حال مرض الموصي، لأن حقهم قد تعلق بماله في هذه الحال، بخلاف حال الصحة.
وقول الجمهور أحوط.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- تحريم الوصية لوارث كما تقدم.
- جواز الوصية لغير الوارث.
- أن تحريم الوصية للوارث إنما هو لحفظ حقوق الورثة.
- لابد من إجازة جميع الورثة حتى تنفذ الوصية، فإن أجاز بعضهم دون بعض نفذت الإجازة في نصيبه فقط دون نصيب الثاني.
стр. 1736
٩٦٣ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ اَللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ; زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ.
٩٦٤ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ.
٩٦٥ - وَابْنُ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ قَدْ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذه الأحاديث كلها ضعيفة لا تصح.
لكن كما قال الحافظ باجتماعها قد تتقوى.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب الوصية، لكن تقدم أن ذلك لمن ترك خيراً كثيراً.
قال ابن قدامة: وَتُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَالِ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)
فَنُسِخَ الْوُجُوبُ، وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَرِثُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا ابْنَ آدَمَ، جَعَلْت لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكِ حِينَ أَخَذْت بِكَظْمِك، لِأُطَهِّركَ وَأُزَكِّيَكَ).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ) رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ، فَلَمْ يَجُرْ، وَلَمْ يَحُفَّ، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لَوْ أَعْطَاهَا وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ مُحْتَاجُونَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ (إنْ تَرَكَ خَيْرًا).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ (إنَّك أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ).
وَقَالَ (ابْدَأْ بِنَفْسِك، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ).
وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ: إنَّك لَنْ تَدَعَ طَائِلًا، إنَّمَا تَرَكْت شَيْئًا يَسِيرًا، فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ. (المغني).
• ما القدر الذي لا يستحب معه الوصية؟
قال ابن قدامة: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا تُسْتَحَبُّ لِمَالِكِهِ.
فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: إذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ، أَرْبَعمِائَةِ دِينَارٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَا يُوصِي.
وَقَالَ: مَنْ تَرَكَ سِتِّينَ دِينَارًا، مَا تَرَكَ خَيْرًا.
وَقَالَ طَاوُسٌ: الْخَيْرُ ثَمَانُونَ دِينَارًا.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَلِيلُ أَنْ يُصِيبَ أَقَلُّ الْوَرَثَةِ سَهْمًا خَمْسُونَ دِرْهَمًا.
وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي، أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَتْرُوكُ لَا يَفْضُلُ عَنْ غِنَى الْوَرَثَةِ، فَلَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ (أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً).
وَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَاءِ الْأَجْنَبِيِّ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ، كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِغَيْرِهِمْ، فَعِنْدَ هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ، وَغِنَاهُمْ وَحَاجَتِهِمْ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ. (المغني).
стр. 1737
بَابُ اَلْوَدِيعَةِ
٩٦٦ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
ضعيف كما قال المصنف ﵀.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن المودَع لا ضمان عليه إذا تلفت الوديعة بغير تعد ولا تفريط.
• عرف الوديعة؟
لغة: من ودع الشيء إذا تركه، سميت بذلك لأنها متروكة عند المودع.
وشرعاً: اسم للمال المودَع عند من يحفظه بلا عوض.
وعلى هذا فالشرط في الوديعة أن تكون على سبيل التبرع، فخرج بذلك الأجير على حفظ المال.
وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه أبوداود.
وأجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع.
• ما حكمها؟
مستحبة، لمن كان أميناً وعلم من نفسه القدرة على حفظها.
• ما الواجب على من أُودِع وديعة؟
من أودع وديعة فعليه:
أولاً: حفظها.
ثانياً: وأن يكون هذا الحفظ في حرز مثلها.
لقال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ولا يمكن أداؤها إلا بحفظها.
(حرز مثلها) المكان الذي تحفظ فيه عادة، فالغنم مثلاً تحفظ في الأحواش، الذهب في الصناديق.
• هل يسن للمودَع قبول الوديعة؟
نعم، يستحب أن يقبلها إذا علم من نفسه الثقة على حفظها.
لأن في ذلك ثواباً جزيلاً.
أ-قال رسول الله ﷺ ( .. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم.
ب- وقال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).
ج- ولأن ذلك من باب إعانة المسلم.
أما من لا يقدر على حفظها فإنه لا يجوز أن يأخذها.
стр. 1738
• ما الحكم إذا تلفت الوديعة عند المودَع؟
إن تلفت بغير تعد ولا تفريط فلا يضمن، لأنها أمانة عند المودَع.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ، فَإِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمُودَعِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمُودِعِ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (المغني).
أ-لقوله تعالى (ما على المحسنين من سبيل)، والمودع محسن، فإذا كان محسناً فلا ضمان عليه.
قال السعدي: ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في [نفسه] أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان.
ب- ولقوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانة … ) والوديعة أمانة، والضمان ينافي الأمانة.
ج- ولأن المودع يحفظها لمالكها، فتكون يده كيده.
• متى يضمن المودَع؟
إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن.
(التعدي: فعل ما لا يجوز). (والتفريط: ترك ما يجب).
قال ابن قدامة: فَأَمَّا إنْ تَعَدَّى الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا، أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ، فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيدَاعٍ. (المغني).
مثال التعدي: أودعت عند شخص إبريق، وكان عنده أباريق، فصار يستعمل إبريقي. (هذا تعدي).
أو أن يستعملها بغير إذن صاحبها، كأن يستعمل السيارة أو الدابة أو يقرأ الكتاب، فإنه يضمن، لأن فعله هذا تعدٍّ يستوجب الضمان.
مثال التفريط: جعل الإبريق الذي أودعته عنده عند باب الشارع. (هذا تفريط).
أن يحفظها بدون حرزها، كأن يحفظ الدراهم في السيارة بدلاً من الصندوق، فإنه يضمن، لأنه فرط حيث لم يحفظها في حرز مثلها.
• هل له أن يسافر بالوديعة؟
له أن يسافر بها إلا في حالتين:
الأولى: إذا نهاه ربها قال لا تسافر بها.
الثانية: إن كان عدم السفر بها أحفظ لها.
• ما الحكم إذا قال ربها: خذ الوديعة فاحفظها في مكان كذا وكذا، فخالف؟
إذا خالف المودَع فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يخالف إلى أعلى.
مثال: قال احفظها في صندوق الخشب، فحفظها في صندوق الحديد.
فلا ضمان عليه.
стр. 1739
الحالة الثانية: أن يخالف إلى مساوٍ.
مثال: قال احفظها في صندوق الخشب الأول فحفظها في صندوق الخشب الثاني.
فإنه في هذه الحالة يضمن.
الحالة الثالثة: أن يخالف إلى أدنى.
قال احفظها في صندوق الحديد، فحفظها في صندوق الخشب ونحو ذلك.
فإنه يضمن.
• ما الحكم إذا دفع المودَع الوديعة لأجنبي؟
إذا دفع المودَع الوديعة لأجنبي فتلفت فإنه يضمن: لأنه خالف المودِع، فإنه أمره أن يحفظها بنفسه ولم يرض لها غيره.
• ما الحكم إذا قطع العلف عن الدابة حتى ماتت؟
الحكم أنه يضمن.
لأنه مفرط.
أ-لأن العرف يقتضي علفها وسقيها، فكأنه مأمور به عرفاً.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه، لأنه استحفظه ولم يأمره بعلفها.
• ما الحكم إن قال صاحبها لا تعلفها فماتت؟ فهل يضمن المودَع؟
قيل: لا يضمن.
وهذا مذهب الحنابلة، وهو أكثر أصحاب الشافعي.
لأنه متمثل لقول صاحبها.
وقيل: بل يضمن.
وهو قول ابن المنذر.
لأنها نفس محترمة تتألم، وحبس الطعام عنها إيذاء لها، فيجب الضمان.
وقول صاحبها في هذه الحال معصية لله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
стр. 1740
كِتَابُ اَلنِّكَاحِ
(الثلاثاء/ ٢٠/ ٣/ ١٤٣٥ هـ)
تعريفه:
النكاح في اللغة: الضم والجمع والتداخل، ومنه: تناكحت الأشجار: إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض.
ويقال (نكح المطر الأرض: اعتمد عليها) ونكحت القمح في الأرض: إذا حرثتها، وبذرته فيها، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل.
وفي المصباح (نكحه الدواء إذا خامره وغلبه) وسواء كان التداخل حسياً كما سبق أو معنوياً، ففي القاموس (نكح النعاس عينه غلبها والنكح بالفتح: البضع، والمناكح: النساء).
وأما اصطلاحاً: فأدق ما قيل فيه: إنه عقد وضعه الشارع ليفيد حل استمتاع كل من الزوج والزوجة بالآخر على الوجه المشروع.
стр. 1741
٩٦٧ - عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ لَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَا مَعْشَرَ اَلشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ اَلْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ; فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(يَا مَعْشَرَ اَلشَّبَابِ) خص الشباب لأن الشباب هم مظنة الشهوة والرغبة في الزواج فلهذا خصهم بالذكر.
(مَنِ اسْتَطَاعَ) أي: من قدر.
(اَلْبَاءَةَ) سيأتي معناها.
(فَإِنَّهُ) أي: الزواج.
(أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) أي: أن المتزوج أغض بصراً وأحصن فرجاً ممن لم يتزوج.
(وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ) يعني أدعى إلى إحصان الفرج وإحصان الفرج منعه من الوقع في المحظور.
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: الباءة المذكورة في أول الحديث.
(لَهُ وِجَاءٌ) له: يعني الصوم، والوجاء: هو رض الخصيتين، بحجر أو نحوه، لكنها إذا رضت العروق ضعفت الشهوة لأن الخصيتين هما اللتان تهيجان الشهوة لأنهما هما اللتان تصلحان المني فتزداد الشهوة وتقوى.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث يدل على مشروعية النكاح والحث عليه لمن استطاع الباءة.
وقد جاءت النصوص الكثيرة في الحث عليه والترغيب فيه.
فهو من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً).
وقال تعالى (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء).
وعن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس (هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء). رواه البخاري
قوله (فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء) قال الحافظ ابن حجر: قيل المعنى: خير أمة محمد من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل، والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير النبي ﷺ ، وبالأمة أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحاً ما آثر النبي ﷺ غيره.
стр. 1742
ومن النصوص:
قوله في عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا).
وقوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
وقوله تعالى (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
وعن أنس. قال ( … ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)
وعن معقل بن يسار. قال: قال رسول الله ﷺ (تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم) رواه أبو داود.
وعند أحمد (إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة).
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ (حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه أحمد
وعن أبي ذر (أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، … الحديث وفيه: وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم.
• … (البضع) المراد به هنا الفرج ويراد به الجماع، فالجماع يكون عبادة ويثاب عليه المرء إذا قصد به إعفاف نفسه وغض بصره وإعفاف زوجته وطلب الذرية الصالحة.
وعن عبد الله بن عمرو. أن رسول الله ﷺ قال (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
وعن أنس (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة وله تسع نسوة) رواه البخاري.
وقال ابن مسعود (لو لم يبق من الدهر إلا ليلة لأحببت أن يكون لي في تلك الليلة امرأة).
وقال أحمد بن حنبل (ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير التزوج فقد دعاك إلى غير الإسلام.
стр. 1743
• هل يجب النكاح أم لا؟
اختلف في وجوبه عندما تتوفر الدواعي وتنتفي الموانع على قولين:
فقال بعض العلماء: إنه واجب.
وهو قول أهل الظاهر، كابن حزم وداود الظاهري.
قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) قالوا هذا أمر.
وقال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) هذا أمر.
ولحديث الباب: (يا معشر الشباب … فليتزوج) وهذا أمر ولا يوجد صارف يصرفه.
القول الثاني: أنه سنة مؤكدة غير واجب.
وهو مذهب جماهير العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة.
قال في المغني: وهو قول عامة الفقهاء.
و استدلوا بحديث الباب.
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أقام الصوم مقام الزواج، ومعلوم أن الصوم ليس بواجب، فدل على أن الزواج غير واجب، لأن القاعدة أن غير الواجب لا يقوم مقام الواجب، لأنه إذا قام مقام الواجب يصير واجباً.
والقول الأول قول قوي. [لكن أصحاب القول الثاني - وهم الجمهور - يقولون: إذا خاف على نفسه الزنا فإنه يجب النكاح].
ولهذا قال بعض العلماء: أن النكاح تجري فيه الأحكام الخمسة:
أولاً: مستحب، وهذا هو الأصل.
ثانياً: واجب، على من خاف الزنا بتركه، لأن ترك الزنا واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزوج، لا يُختلف في وجوب التزويج عليه
وقال المرداوي ﵀ في كتابه الإنصاف: الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ خَافَ الْعَنَتَ. فَالنِّكَاحُ فِي حَقِّ هَذَا: وَاجِبٌ. قَوْلا وَاحِدًا .. " الْعَنَتُ " هُنَا: هُوَ الزِّنَا. عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: هُوَ الْهَلاكُ بِالزِّنَا … الثَّانِي: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " إلا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ " إذَا عَلِمَ وُقُوعَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّهُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ إذَا عَلِمَ وُقُوعَهُ فَقَطْ.
ثالثاً: مكروه، إذا كان فقيراً لا شهوة له، لأنه سوف يرهق نفسه بالنفقات وليس لديه شهوة.
رابعاً: مباح، إذا كان غنياً لا شهوة له، لأنه قادر على الإنفاق، فهو قد ينفع المرأة بالإنفاق عليها.
خامساً: حرام، وذلك فيما إذا كان بدار حرب، لأنه قد يؤدي إلى أن يكون له أولاد، فيقتل أولاده أو يخطفون - ويحرم أيضاً إذا أراد أن يتزوج ثانية وهو يعلم أنه غير قادر على العدل.
стр. 1744
• ما المراد بالباءة في الحديث؟
اختلف العلماء في المراد بها على قولين:
القول الأول: القدرة على الوطء.
القول الثاني: القدرة على مؤن النكاح، وهو الصحيح لأمور ثلاثة:
أولاً: أن الخطاب إنما جاء للقادر على الجماع وهم الشباب أصلاً.
ثانياً: أن الرسول ﷺ قال في آخر الحديث (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) لو فسرنا الباءة بالجماع يصير المعنى: ومن لم يستطع الجماع فعليه بالصوم ولا ريب أن الذي لا يستطيع الجماع لا معنى لكونه يؤمر بالصوم.
ثالثاً: جاء في رواية عند النسائي (من كان ذا طول فليتزوج).
قال شيخ الإسلام: وَاسْتِطَاعَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَئُونَةِ لَيْسَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَطْءِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ الْوَطْءِ، وَلِهَذَا أُمِرَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُومَ فَإِنَّهُ وِجَاءٌ.
ذهب بعض العلماء إلى الجمع بين القولين:
قال النووي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِد أَصَحّهمَا: أَنَّ الْمُرَاد مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ وَهُوَ الْجِمَاع، فَتَقْدِيره: مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاع لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنه وَهِيَ مُؤَن النِّكَاح فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاع لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنه فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَع شَهْوَته، وَيَقْطَع شَرّ مَنِيّه، كَمَا يَقْطَعهُ الْوِجَاء. ا. هـ.
وقال ابن القيم: وقوله (من استطاع منكم الباءة فليتزوج) فسرت الباءة بالوطء، وفسرت بمؤن النكاح، ولا ينافي التفسير الأول إذ المعنى على هذا مؤن الباءة.
• اذكر بعض الحكم للنكاح؟
للنكاح حكم عظيمة:
الحكمة الأولى: طلب النسل، لأنه ليس المقصود من الزواج التلذذ قضاء الوطر وإنما من مقاصده العظيمة طلب النسل.
الحكمة الثانية: الاستمتاع، استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر.
الحكمة الثالثة: تحصيل النسل لتكثير الأمة ولا ريب أن تكثير الأمة هو مصدر قوتها وعزتها وهيبتها بين الأمم فهذا مقصد عظيم من مقاصد الزواج وهو تكثير الأمة.
الحكمة الرابعة: حفظ المرأة والإنفاق عليها لأن الزواج يهيئ للمرأة حياة سعيدة كريمة في ظل الزوج.
الحكمة الخامسة: تحصين كل من الزوجين الآخر كما قال ﷺ : فإنه أغض للبصر وأحصن لفرج، فما حفظ الفرج وغض البصر بمثل الزواج.
стр. 1745
• ما الأفضل النكاح أو التخلي لنوافل العبادة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: التخلي لنوافل العبادة أفضل.
وهذا مذهب الشافعي.
أ-لأن الله مدح عيسى بقوله (وسيداً وحصوراً) والحصور الذي لا يأتي النساء، فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه.
ب-ولأن الله سبحانه ذكر النساء من جملة المزّينات فقال (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِين).
القول الثاني: أن النكاح أفضل.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لأن النكاح من سنن المرسلين.
ب-والأحاديث في الحث عليه، والأمر به، والرغبة في الولد، أكثر من أن تحصر.
ج-ولأن أثر النكاح يصل إلى المرأة، وإلى المجتمع، فضلاً عن الزوج نفسه.
• ماذا نستفيد من قوله (فإنه أغض للبصر)؟
نستفيد: وجوب غض البصر عما حرم الله.
أ-قال تعالى (قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ … ).
ب-وقال النبي ﷺ (إياكم والجلوس في الطرقات … ثم قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام … ).
ج-وعن جرير قال (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري) رواه مسلم.
د- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَي مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُه) متفق عليه.
• اذكر بعض فوائد غض البصر؟
في غض البصر فوائد:
أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره دامت حسرته.
ثانيها: أنه يورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين وفي الوجه.
ثالثها: أنه يورث حجة الفراسة.
فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله إطلاق نور بصيرته.
رابعها: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه.
خامسها: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، وفي الأثر: أن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله.
стр. 1746
سادسها: أنه يورث القلب سروراً وفرحة وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر.
سابعها: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة.
قال ابن القيم: فتنة النظر أصل كل فتنة.
وقال: من أطلق بصره دامت حسرته.
• ماذا نستفيد من قوله (وأحصن للفرج)؟
نستفيد: وجوب تحصين الفرج عما حرم الله.
قال تعالى (قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ … ).
• وحفظ الفرج يكون بأمرين:
الأول: يمنعه من الزنا.
كما قال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ).
ثانياً: وتارة بحفظه من الانكشاف أمام الناس.
كما قال ﷺ (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك).
قوله (يغضوا من أبصارهم) قدم غض البصر على حفظ الفرج، لأن غض البصر وسيلة إلى حفظ الفرج، وإطلاق البصر سبب لعدم حفظ الفرج.
• اذكر حديثاً يدل على أن الزواج سبب للإحصان؟
عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهْىَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِه) رواه مسلم.
قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ رَأَى اِمْرَأَة فَتَحَرَّكَتْ شَهْوَته أَنْ يَأْتِي اِمْرَأَته أَوْ جَارِيَته إِنْ كَانَتْ لَهُ، فَلْيُوَاقِعهَا لِيَدْفَع شَهْوَته، وَتَسْكُن نَفْسه، وَيَجْمَع قَلْبه عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ.
قَوْله ﷺ : (إِنَّ الْمَرْأَة تُقْبِل فِي صُورَة شَيْطَان وَتُدْبِر فِي صُورَة شَيْطَان) قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ: الْإِشَارَة إِلَى الْهَوَى وَالدُّعَاء إِلَى الْفِتْنَة بِهَا لِمَا جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى فِي نُفُوس الرِّجَال مِنْ الْمَيْل إِلَى النِّسَاء، وَالِالْتِذَاذ بِنَظَرِهِنَّ، وَمَا يَتَعَلَّق بِهِنَّ، فَهِيَ شَبِيهَة بِالشَّيْطَانِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الشَّرّ بِوَسْوَسَتِهِ وَتَزْيِينه لَهُ. وَيُسْتَنْبَط مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَلَّا تَخْرُج بَيْن الرِّجَال إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْغَضّ عَنْ ثِيَابهَا، وَالْإِعْرَاض عَنْهَا مُطْلَقًا.
стр. 1747
وقال القرطبي: ( … في صورة شيطان) أي: في صفته من الوسوسة، والتحريك للشهوة؛ بما يبدو منها من المحاسن المثيرة للشهوة النفسية، والميل الطبيعي، وبذلك تدعو إلى الفتنة التي هي أعظم من فتنة الشيطان، ولذلك قال ﷺ (ما تركت في أمتي فتنة أضر على الرجال من النساء) فلمّا خاف ﷺ هذه المفسدة على أمته أرشدهم إلى طريق بها تزول وتنحسم، فقال (إذا أبصر أحدكم المرأة فأعجبته فليأت أهله)، ثم أخبر بفائدة ذلك، وهو قوله (فإن ذلك يردّ ما في نفسه)، وللردّ وجهان:
أحدهما: أنَّ المنَّي إذا خرج؛ انكسرت الشهوة، وانطفأت، فزال تعلُّق النَّفْس بالصّورة الْمَرئية.
وثانيهما: أن محل الوطء والإصابة متساوٍ من النساء كلِّهن، والتفاوت إنما هو من خارج ذلك، فليُكْتَف بمحلِّ الوطء، الذي هو المقصود، ويُغْفَل عمَّا سواه، وقد دلّ على هذا ما جاء في هذا الحديث في غير "الأم" بعد قوله (فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها).
• ما حكم الاستمناء؟
استدل بعض العلماء بحديث الباب على تحريم الاستمناء.
وهذه العادة قديمة معروفة في الجاهلية قبل الإسلام، فقد كانوا يجلدون عُمَيْرَة إذا خلوا بواد لا أنيس به.
كما قال الشاعر:
إذا ما خلوتَ بوادٍ لا أنيسَ به فاجْلدْ عُمَيْرةَ لا عيبٌ ولا حرجُ
وعميرة كناية عن الذكر.
ومعنى الاستمناء: هو استدعاء خروج المني بغير جماع، سواء كان باليد أو بغيرها.
وقد اختلف العلماء في حكمه:
القول الأول: أنه حرام.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُون).
فأوجب الله على المسلم أن يحفظ فرجه إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه، فإذا تجاوز زوجته وملك يمينه إلى غيرهما فإنه من العادين.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد استدل الإمام الشافعي ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية
ب-ولحديث الباب، فالرسول ﷺ أمر بالصيام، ولو كان الاستمناء جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ .
ج-ومن الأدلة: أن الله أباح للصحابة المتعة في أول الأمر، ثم نسخت بعد، وسبب إباحتها ما لقوه من شدة العزوبة في أسفارهم، وقد جعلها الله حلاً مؤقتاً لدفع حاجتهم، ولو كان الاستمناء مباحاً لبينه لهم، وهو أيسر وأقل مؤونة وأثراً.
стр. 1748
وسئل ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الاستمناء هل هو حرام أم لا؟
فأجاب: أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء وهو أصح القولين في مذهب أحمد، وكذلك يعزر مَنْ فعله وفي القول الآخر هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت ولا غيره، ونقل عن طائفة من الصحابة والتابعين أنهم رخَّصوا فيه للضرورة مثل أن يخشى الزنا فلا يعصم منه إلا به، ومثل أنْ يخاف إن لم يفعله أن يمرض وهذا قول أحمد وغيره وأما بدون الضرورة فما علمتُ أحداً رخَّص فيه.
وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ آيَةَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ هَذِهِ الَّتِي هِيَ (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى مَنْعِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ.
لِأَنَّ مَنْ تَلَذَّذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَنْزَلَ مَنِيَّهُ بِذَلِكَ، قَدِ ابْتَغَى وَرَاءَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، فَهُوَ مِنَ الْعَادِينَ بِنَصِّ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى مَنْعِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عَمِيرَةَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَى قَوْلِهِ الْعَادُونَ).
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ اسْتِدْلَالَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، عَلَى مَنْعِ جَلْدِ عَمِيرَةَ الَّذِي هُوَ الِاسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يُعَارِضُهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. (أضواء البيان).
وقال الشيخ الألباني: وأما نحن فنرى أن الحق مع الذين حرموه مستدلين بقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُون) ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنا، إلا إذا استعمل الطب النبوي وهو قوله ﷺ للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج (فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ولذلك فإننا ننكر أشد الإنكار على الذين يفتون الشباب بجوازه خشية الزنى، دون أن يأمروهم بهذا الطب النبوي الكريم.
القول الثاني: أنه مباح.
وهو قول لبعض أهل الظاهر.
لعدم الدليل المانع، حيث لم يثبت دليل على المنع.
وهو قول ابن حزم.
والراجح القول الأول.
- لكن يباح الاستمناء في حالتين:
الحالة الأولى: خوف الوقوع بالزنا.
الحالة الثانية: التضرر بحبس هذا الماء.
стр. 1749
• لماذا حث النبي ﷺ على الصيام لمن لا يستطيع على مؤن النكاح؟
لأمرين:
أولاً: لأن الصيام يورث التقوى. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون).
ثانياً: لأن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوته وتضعف بضعفه.
- استدل العلماء بهذا الحديث بأنه لا ينبغي أن يستقرض من أجل الزواج.
فإن النبي ﷺ قال: من لم يستطع فعليه بالصوم، ولم يقل: فليستقرض.
ويدل لذلك قوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) فأمره الله بالتعفف حتى يغنيه الله، ولم يأمر بالاستدانة. [المراد بالتعفف: حفظ الفرج وغض البصر].
• هل يجوز استعمال دواء لدفع الشهوة؟
المسألة تنقسم إلى حالتين:
الحالة الأولى: أن يستعمل دواء لقطعها، فهذا حرام.
لأنه قد يقدر بعدُ فيندم.
الحالة الثانية: أن يستعمل دواء لتخفيفها.
فقيل: لا يجوز.
لأن النبي ﷺ أرشد إلى الصيام لمن عجز عن مؤن النكاح، فهو العلاج النبوي، فلا يجوز غيره.
وقيل: يجوز. وهذا هو الصحيح.
стр. 1750
٩٦٨ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اَللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ (لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ اَلنِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
عن أنس ﵁ قَالَ (جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيّ ﷺ ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبيّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِروا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا وَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ وَقدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ. قَالَ أحدُهُم: أمَّا أنا فَأُصَلِّي اللَّيلَ أبداً. وَقالَ الآخَرُ: وَأَنَا أصُومُ الدَّهْرَ أَبَداً وَلا أُفْطِرُ. وَقالَ الآخر: وَأَنا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أتَزَوَّجُ أبَداً. فجاء رسولُ الله ﷺ إليهم، فَقَالَ: ((أنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا واللهِ إنِّي لأخْشَاكُمْ للهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أصُومُ وَأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
ولفظ مسلم:
عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّى أُصَلِّى وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّى).
(جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ) وفي الرواية الثانية (أنَّ نفراً من أصحاب النبي ﷺ : جاء في رواية: (جاء ثلاثة رهط) قال ابن حجر: ولا منافاة بين الروايتين، فالرهط من ثلاثة إلى عشرة، والنفر من ثلاثة إلى تسعة. (يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبيّ ﷺ وفي الرواية الثانية (عن عمله في السر) أي: فيما لا يطلع عليه إلا أزواجه. (فَلَمَّا أُخْبِروا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا) أي: استقلوها، أي رأى كل واحد منهم أنها قليلة. (قَالَ أحدُهُم: أمَّا أنا فَأُصَلِّي اللَّيلَ أبداً. وَقالَ الآخَرُ: وَأَنَا أصُومُ الدَّهْرَ أَبَداً وَلا أُفْطِرُ. وَقالَ الآخر: وَأَنا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أتَزَوَّجُ أبَداً) وفي لفظ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاش). (فجاء رسولُ الله ﷺ إليهم) وفي رواية (فحمد الله) وفي رواية النسائي (فبلغ ذلك النبي ﷺ فحمد الله). (فَمَنْ رَغِبَ) الرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. (عَنْ سُنَّتِي) المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض. (فَلَيْسَ مِنِّي) أي: ليس على طريقتي ومنهجي.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: الحث على النكاح وأنه سنة النبي ﷺ .
وقد روى البخاري عن سعيد بن جبير. قال: قال لي ابن عباس (هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء) رواه البخاري.
قوله (فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء):
قال الحافظ ابن حجر: قيل المعنى: خير أمة محمد من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل، والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير النبي ﷺ ، وبالأمة أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحاً ما آثر النبي ﷺ غيره.
стр. 1751
وقد تزوج النبي ﷺ وأكثر من النساء.
وقال ﷺ (حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه النسائي.
قال ابن حجر: والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه تقدمت الإشارة إلى بعضها:
أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عندما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك.
ثانيها: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم.
ثالثها: للزيادة في تألفهم لذلك.
رابعها: للزيادة في التكليف حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ.
خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزاد أعوانه على من يحاربه.
سادسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله.
سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه.
ثامنها: ما تقدم مبسوطا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته فانخرقت هذه العادة في حقه صلى الله عليه و سلم.
تاسعها وعاشرها: ما تقدم نقله عن صاحب الشفاء من تحصينهن والقيام بحقوقهن.
• اذكر خطر ومضار الغلو والتنطع؟
أولاً: أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله.
قال ﷺ (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) رواه أبو داود.
ثانياً: أن مصير الغالي المتشدد الهلاك.
قال ﷺ (هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً) رواه مسلم.
قال النووي: هلك المتنطعون: أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
ثالثاً: أن عاقبة الغلو والتشدد الانقطاع.
قال ﷺ (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا … ) رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق، إلا عجز وانقطع فيغلب.
رابعاً: السآمة والملل.
стр. 1752
ويدل لذلك ما ورد في قصة عبد الله بن عمرو من قوله بعد ما كبر (يا ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ .
قال النووي: ومعناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله ﷺ ، فشق عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنى لو قبل بالرخصة فأخذ بالأخف.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحث على النكاح.
- تتبع أحوال الأكابر للتأسي بأفعالهم.
- حرص الصحابة على الخير.
- تقديم الحمد والثناء على الله عند الخطب.
- الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل.
- وجوب إنكار المنكر.
- أن العلم بالله، ومعرفة ما يجب من حقه، أعظم قدراً من مجرد العبادة البدنية. (الثلاثاء/ ٢٠/ ٣/ ١٤٣٥ هـ).
стр. 1753
٩٦٩ - وَعَنْهُ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا اَلْوَدُودَ اَلْوَلُودَ. إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ اَلْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
٩٧٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ: عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ.
===
• اذكر حديث معقل بن يسار؟
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا، قَالَ: لَا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَم).
• ما هو التبتل، وما حكمه؟
التبتل: هو الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعاً إلى عبادة الله.
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: التَّبَتُّل هُوَ الِانْقِطَاع عَنْ النِّسَاء وَتَرْك النِّكَاح اِنْقِطَاعًا إِلَى عِبَادَة اللَّه، وَأَصْل التَّبَتُّل: الْقَطْع، وَمِنْهُ مَرْيَم الْبَتُول، وَفَاطِمَة الْبَتُول؛ لِانْقِطَاعِهِمَا عَنْ نِسَاء زَمَانهمَا دِينًا وَفَضْلًا وَرَغْبَة فِي الْآخِرَة، وَمِنْهُ: صَدَقَة بَتْلَة، أَيْ: مُنْقَطِعَة عَنْ تَصَرُّف مَالِكهَا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: التَّبَتُّل: هُوَ تَرْك لَذَّات الدُّنْيَا وَشَهَوَاتهَا، وَالِانْقِطَاع إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَتِهِ.
• وما حكمه؟
منهي عنه.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث سعد قال (رَدّ رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى عُثْمَان بْن مَظْعُون التَّبَتُّل وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) متفق عليه.
قَوْله: (رَدّ عَلَيْهِ التَّبَتُّل) مَعْنَاهُ: نَهَاهُ عَنْهُ، وَهَذَا عِنْد أَصْحَابنَا مَحْمُول عَلَى مَنْ تَاقَتْ نَفْسه إِلَى النِّكَاح، وَوَجَدَ مُؤَنه كَمَا سَبَقَ إِيضَاحه، وَعَلَى مَنْ أَضَرّ بِهِ التَّبَتُّل بِالْعِبَادَاتِ الْكَثِيرَة الشَّاقَّة. أَمَّا الْإِعْرَاض عَنْ الشَّهَوَات وَاللَّذَّات مِنْ غَيْر إِضْرَار بِنَفْسِهِ وَلَا تَفْوِيت حَقّ لِزَوْجَةٍ وَلَا غَيْرهَا، فَفَضِيلَة لِلْمَنْعِ مِنْهَا، بَلْ مَأْمُور بِهِ.
وَأَمَّا قَوْله (لَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) فَمَعْنَاهُ: لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْقِطَاع عَنْ النِّسَاء وَغَيْرهنَّ مِنْ مَلَاذ الدُّنْيَا لَاخْتَصَيْنَا؛ لِدَفْعِ شَهْوَة النِّسَاء، لِيُمْكِنَنَا التَّبَتُّل، وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ جَوَاز الِاخْتِصَاء بِاجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ظَنّهمْ هَذَا مُوَافِقًا، فَإِنَّ الِاخْتِصَاء فِي الْآدَمِيّ حَرَام صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا يَحْرُم خِصَاء كُلّ حَيَوَان لَا يُؤْكَل، وَأَمَّا الْمَأْكُول فَيَجُوز خِصَاؤُهُ فِي صِغَره، وَيَحْرُم فِي كِبَره. (نووي).
• اذكر بعض الصفات التي يستحب وجودها في الزوجة؟
أولاً: أن تكون ودوداً.
قال الخطابي: (الودود) هي التي تحب زوجها.
ثانياً: أن تكون ولوداً.
- ويمكن معرفة المرأة الولود بأحد طريقين:
الأولى: من النظر في حال أمها وأخواتها.
والثانية: أن تكون تزوجت قبل ذلك، فيُعلم ذلك من زواجها المتقدم.
стр. 1754
- ذكر الغزالي أن الرجل إذا تزوج ونوى بذلك حصول الولد كان ذلك قربة يؤجر عليها من حسنت نيته، وبَيَّن ذلك بوجوه:
الأول: موافقة محبة الله في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
الثاني: طلب محبة الرسول ﷺ في تكثير من يباهي بهم الأنبياء والأمم يوم القيامة.
الثالث: طلب البركة، وكثرة الأجر، ومغفرة الذنب بدعاء الولد الصالح له بعده. (الإحياء).
- ومن المعلوم أن الأولاد منذ القديم كانوا أمنية الناس حتى الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين، وسيظلون كذلك ما سلمت فطرة الإنسان، فالأولاد نعمة تتعلق بها قلوب البشر وترجوها.
دعا إبراهيم ﵇ ربه قائلاً (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِين).
وقال تعالى عن زكريا ﵇ (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِياً).
وأثنى الله تعالى على عباده الصالحين بمحامد كثيرة منها قوله (والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً).
وأخبر الله تعالى أن شعيباً ﵇ أمر قومه أن يذكروا نعمة الله عليهم إذ جعلهم كثرة بعد قلة، فقال (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُم).
قال في عود المعبود: وَقَيَّدَ بِهَذَيْنِ لأَنَّ الْوَلُود إِذَا لَمْ تَكُنْ وَدُودًا لَمْ يَرْغَب الزَّوْج فِيهَا، وَالْوَدُود إِذَا لَمْ تَكُنْ وَلُودًا لَمْ يَحْصُل الْمَطْلُوب وَهُوَ تَكْثِير الأُمَّة بِكَثْرَةِ التَّوَالُد، وَيُعْرَف هَذَانِ الْوَصْفَانِ فِي الأَبْكَار مِنْ أَقَارِبهنَّ إِذْ الْغَالِب سِرَايَة طِبَاع الأَقَارِب بَعْضهنَّ إِلَى بَعْض ا. هـ
ثالثاً: أن تكون بكراً.
أ-لقوله ﷺ لجابر (هل تزوجت يا جابر؟ قال: نعم، قال: بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً، قال: فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك).
قال النووي: وفيه فضيلة تزوج الأبكار وثوابهن أفضل.
وقال الحافظ: وفي الحديث الحث على نكاح الأبكار.
ب-وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِياً وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَراً لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ قَالَ «فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا». تَعْنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْراً غَيْرَهَا) رواه البخاري.
ج- وقال عثمان لابن مسعود: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكراً تُذكرك ما كنت تعهد.
د- وفي الحديث عن جابر قال: قال ﷺ (عليكم بالأبكار، فإنهنَّ أنتق أرحامًا، وأعذب أفواهًا، وأقل خبًا، وأرضى باليسير).
ولأن البكر تحب الزوج وتألفه أكثر من الثيب، وهذه طبيعة جُبِل الإنسان عليها - أعني الأنس بأول مألوف.
وقد مدح الله الأبكار وجعل هذه الصفة من صفات نساء الجنة قال تعالى (إنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً).
يقول الغزالي: في البكر خواص لا توجد في الثيب:
منها: أنها لا تحن أبدًا إلا للزوج الأول، وآكد الحب ما يقع في الحبيب الأول.
ومنها: إقبال الرجل عليها، وعدم نفوره منها، فإن طبع الإنسان النفور عن التي مسها غيره، ويثقل عليه ذلك.
стр. 1755
ومنها: أنها ترضى في الغالب بجميع أحوال الزوج؛ لأنها أنست به ولم تر غيره، وأما التي اختبرت الرجال ومارست معهم الأحوال فربما لا ترضى بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته.
رابعاً: أن تكون ديّنة.
لحديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله ( … فَاظْفَرْ بِذَاتِ اَلدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ).
- وحث النبي ﷺ على الزواج بذات الدين لحكم:
أولاً: فهي تعين على طاعة الله.
ثانياً: تُصلح من يتربى علي يديها.
ثالثاً: ويأمن أولاده عندها.
رابعاً: تحفظ ماله وبيته في غيبته.
قال الغزالي: وليس أمره ﷺ بمراعاة الدين نهيًا عن مراعاة الجمال، ولا أمرًا بالإضراب عنه، وإنما هو نهي عن مراعاته مجردًا عن الدين، فإن الجمال في غالب الأمر يرغب الجاهل في النكاح دون الالتفات إلى الدين، فوقع في النهي عن هذا. (الإحياء)
وقد جاء في حديث ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ قَالُوا: فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا فِي أَثَرِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ (لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ) رواه الترمذي.
قال المباركفوري – ﵀ (وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه) أي: على دينه، بأن تذكره الصلاة، والصوم، وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا، وسائر المحرمات .... " تحفة الأحوذي " (٨/ ٣٩٠).
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَرْبَعٌ مِنَ اَلسعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ ألوَاسِعُ، وَاَلجَار الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ اَلهَنِيءُ، وَأَرْبَع مِنَ اَلشًقَاوَةِ: اَلْجَارُ السُّوءُ، والمرأة اَلسُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ اَلضيقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ) رواه ابن حبان.
• هل يسن للإنسان أن يتزوج أكثر من واحدة؟
نعم يسن بشروطه.
قال ابن قدامة في المغني: ولأن النبي ﷺ تزوج وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي ﷺ وأصحابه إلا بالأفضل. ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل، والاشتغال بالأدنى.
وقال الشيخ ابن باز: الأصل في ذلك شرعية التعدّد لمن استطاع ذلك، ولم يخف الجور، لما في ذلك من المصالح الكثيرة في عفة فرجه، وعفة من يتزوجهن، والإحسان إليهن، ويكثر النسل الذي به تكثر الأمة. وكثير من يعبد الله وحده، ولأنه ﷺ تزوج أكثر من واحدة.
следующие страницы →