Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
وقد تزوج النبي ﷺ وأكثر من النساء.
وقال ﷺ (حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه النسائي.
قال ابن حجر: والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه تقدمت الإشارة إلى بعضها:
أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عندما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك.
ثانيها: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم.
ثالثها: للزيادة في تألفهم لذلك.
رابعها: للزيادة في التكليف حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ.
خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزاد أعوانه على من يحاربه.
سادسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله.
سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه.
ثامنها: ما تقدم مبسوطا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته فانخرقت هذه العادة في حقه صلى الله عليه و سلم.
تاسعها وعاشرها: ما تقدم نقله عن صاحب الشفاء من تحصينهن والقيام بحقوقهن.
• اذكر خطر ومضار الغلو والتنطع؟
أولاً: أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله.
قال ﷺ (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) رواه أبو داود.
ثانياً: أن مصير الغالي المتشدد الهلاك.
قال ﷺ (هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً) رواه مسلم.
قال النووي: هلك المتنطعون: أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
ثالثاً: أن عاقبة الغلو والتشدد الانقطاع.
قال ﷺ (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا … ) رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق، إلا عجز وانقطع فيغلب.
رابعاً: السآمة والملل.
стр. 1752
ويدل لذلك ما ورد في قصة عبد الله بن عمرو من قوله بعد ما كبر (يا ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ .
قال النووي: ومعناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله ﷺ ، فشق عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنى لو قبل بالرخصة فأخذ بالأخف.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحث على النكاح.
- تتبع أحوال الأكابر للتأسي بأفعالهم.
- حرص الصحابة على الخير.
- تقديم الحمد والثناء على الله عند الخطب.
- الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل.
- وجوب إنكار المنكر.
- أن العلم بالله، ومعرفة ما يجب من حقه، أعظم قدراً من مجرد العبادة البدنية. (الثلاثاء/ ٢٠/ ٣/ ١٤٣٥ هـ).
стр. 1753
٩٦٩ - وَعَنْهُ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا اَلْوَدُودَ اَلْوَلُودَ. إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ اَلْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
٩٧٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ: عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ.
===
• اذكر حديث معقل بن يسار؟
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا، قَالَ: لَا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَم).
• ما هو التبتل، وما حكمه؟
التبتل: هو الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعاً إلى عبادة الله.
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: التَّبَتُّل هُوَ الِانْقِطَاع عَنْ النِّسَاء وَتَرْك النِّكَاح اِنْقِطَاعًا إِلَى عِبَادَة اللَّه، وَأَصْل التَّبَتُّل: الْقَطْع، وَمِنْهُ مَرْيَم الْبَتُول، وَفَاطِمَة الْبَتُول؛ لِانْقِطَاعِهِمَا عَنْ نِسَاء زَمَانهمَا دِينًا وَفَضْلًا وَرَغْبَة فِي الْآخِرَة، وَمِنْهُ: صَدَقَة بَتْلَة، أَيْ: مُنْقَطِعَة عَنْ تَصَرُّف مَالِكهَا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: التَّبَتُّل: هُوَ تَرْك لَذَّات الدُّنْيَا وَشَهَوَاتهَا، وَالِانْقِطَاع إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَتِهِ.
• وما حكمه؟
منهي عنه.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث سعد قال (رَدّ رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى عُثْمَان بْن مَظْعُون التَّبَتُّل وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) متفق عليه.
قَوْله: (رَدّ عَلَيْهِ التَّبَتُّل) مَعْنَاهُ: نَهَاهُ عَنْهُ، وَهَذَا عِنْد أَصْحَابنَا مَحْمُول عَلَى مَنْ تَاقَتْ نَفْسه إِلَى النِّكَاح، وَوَجَدَ مُؤَنه كَمَا سَبَقَ إِيضَاحه، وَعَلَى مَنْ أَضَرّ بِهِ التَّبَتُّل بِالْعِبَادَاتِ الْكَثِيرَة الشَّاقَّة. أَمَّا الْإِعْرَاض عَنْ الشَّهَوَات وَاللَّذَّات مِنْ غَيْر إِضْرَار بِنَفْسِهِ وَلَا تَفْوِيت حَقّ لِزَوْجَةٍ وَلَا غَيْرهَا، فَفَضِيلَة لِلْمَنْعِ مِنْهَا، بَلْ مَأْمُور بِهِ.
وَأَمَّا قَوْله (لَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) فَمَعْنَاهُ: لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْقِطَاع عَنْ النِّسَاء وَغَيْرهنَّ مِنْ مَلَاذ الدُّنْيَا لَاخْتَصَيْنَا؛ لِدَفْعِ شَهْوَة النِّسَاء، لِيُمْكِنَنَا التَّبَتُّل، وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ جَوَاز الِاخْتِصَاء بِاجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ظَنّهمْ هَذَا مُوَافِقًا، فَإِنَّ الِاخْتِصَاء فِي الْآدَمِيّ حَرَام صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا يَحْرُم خِصَاء كُلّ حَيَوَان لَا يُؤْكَل، وَأَمَّا الْمَأْكُول فَيَجُوز خِصَاؤُهُ فِي صِغَره، وَيَحْرُم فِي كِبَره. (نووي).
• اذكر بعض الصفات التي يستحب وجودها في الزوجة؟
أولاً: أن تكون ودوداً.
قال الخطابي: (الودود) هي التي تحب زوجها.
ثانياً: أن تكون ولوداً.
- ويمكن معرفة المرأة الولود بأحد طريقين:
الأولى: من النظر في حال أمها وأخواتها.
والثانية: أن تكون تزوجت قبل ذلك، فيُعلم ذلك من زواجها المتقدم.
стр. 1754
- ذكر الغزالي أن الرجل إذا تزوج ونوى بذلك حصول الولد كان ذلك قربة يؤجر عليها من حسنت نيته، وبَيَّن ذلك بوجوه:
الأول: موافقة محبة الله في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
الثاني: طلب محبة الرسول ﷺ في تكثير من يباهي بهم الأنبياء والأمم يوم القيامة.
الثالث: طلب البركة، وكثرة الأجر، ومغفرة الذنب بدعاء الولد الصالح له بعده. (الإحياء).
- ومن المعلوم أن الأولاد منذ القديم كانوا أمنية الناس حتى الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين، وسيظلون كذلك ما سلمت فطرة الإنسان، فالأولاد نعمة تتعلق بها قلوب البشر وترجوها.
دعا إبراهيم ﵇ ربه قائلاً (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِين).
وقال تعالى عن زكريا ﵇ (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِياً).
وأثنى الله تعالى على عباده الصالحين بمحامد كثيرة منها قوله (والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً).
وأخبر الله تعالى أن شعيباً ﵇ أمر قومه أن يذكروا نعمة الله عليهم إذ جعلهم كثرة بعد قلة، فقال (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُم).
قال في عود المعبود: وَقَيَّدَ بِهَذَيْنِ لأَنَّ الْوَلُود إِذَا لَمْ تَكُنْ وَدُودًا لَمْ يَرْغَب الزَّوْج فِيهَا، وَالْوَدُود إِذَا لَمْ تَكُنْ وَلُودًا لَمْ يَحْصُل الْمَطْلُوب وَهُوَ تَكْثِير الأُمَّة بِكَثْرَةِ التَّوَالُد، وَيُعْرَف هَذَانِ الْوَصْفَانِ فِي الأَبْكَار مِنْ أَقَارِبهنَّ إِذْ الْغَالِب سِرَايَة طِبَاع الأَقَارِب بَعْضهنَّ إِلَى بَعْض ا. هـ
ثالثاً: أن تكون بكراً.
أ-لقوله ﷺ لجابر (هل تزوجت يا جابر؟ قال: نعم، قال: بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً، قال: فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك).
قال النووي: وفيه فضيلة تزوج الأبكار وثوابهن أفضل.
وقال الحافظ: وفي الحديث الحث على نكاح الأبكار.
ب-وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِياً وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَراً لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ قَالَ «فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا». تَعْنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْراً غَيْرَهَا) رواه البخاري.
ج- وقال عثمان لابن مسعود: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكراً تُذكرك ما كنت تعهد.
د- وفي الحديث عن جابر قال: قال ﷺ (عليكم بالأبكار، فإنهنَّ أنتق أرحامًا، وأعذب أفواهًا، وأقل خبًا، وأرضى باليسير).
ولأن البكر تحب الزوج وتألفه أكثر من الثيب، وهذه طبيعة جُبِل الإنسان عليها - أعني الأنس بأول مألوف.
وقد مدح الله الأبكار وجعل هذه الصفة من صفات نساء الجنة قال تعالى (إنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً).
يقول الغزالي: في البكر خواص لا توجد في الثيب:
منها: أنها لا تحن أبدًا إلا للزوج الأول، وآكد الحب ما يقع في الحبيب الأول.
ومنها: إقبال الرجل عليها، وعدم نفوره منها، فإن طبع الإنسان النفور عن التي مسها غيره، ويثقل عليه ذلك.
стр. 1755
ومنها: أنها ترضى في الغالب بجميع أحوال الزوج؛ لأنها أنست به ولم تر غيره، وأما التي اختبرت الرجال ومارست معهم الأحوال فربما لا ترضى بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته.
رابعاً: أن تكون ديّنة.
لحديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله ( … فَاظْفَرْ بِذَاتِ اَلدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ).
- وحث النبي ﷺ على الزواج بذات الدين لحكم:
أولاً: فهي تعين على طاعة الله.
ثانياً: تُصلح من يتربى علي يديها.
ثالثاً: ويأمن أولاده عندها.
رابعاً: تحفظ ماله وبيته في غيبته.
قال الغزالي: وليس أمره ﷺ بمراعاة الدين نهيًا عن مراعاة الجمال، ولا أمرًا بالإضراب عنه، وإنما هو نهي عن مراعاته مجردًا عن الدين، فإن الجمال في غالب الأمر يرغب الجاهل في النكاح دون الالتفات إلى الدين، فوقع في النهي عن هذا. (الإحياء)
وقد جاء في حديث ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ قَالُوا: فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا فِي أَثَرِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ (لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ) رواه الترمذي.
قال المباركفوري – ﵀ (وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه) أي: على دينه، بأن تذكره الصلاة، والصوم، وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا، وسائر المحرمات .... " تحفة الأحوذي " (٨/ ٣٩٠).
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَرْبَعٌ مِنَ اَلسعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ ألوَاسِعُ، وَاَلجَار الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ اَلهَنِيءُ، وَأَرْبَع مِنَ اَلشًقَاوَةِ: اَلْجَارُ السُّوءُ، والمرأة اَلسُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ اَلضيقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ) رواه ابن حبان.
• هل يسن للإنسان أن يتزوج أكثر من واحدة؟
نعم يسن بشروطه.
قال ابن قدامة في المغني: ولأن النبي ﷺ تزوج وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي ﷺ وأصحابه إلا بالأفضل. ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل، والاشتغال بالأدنى.
وقال الشيخ ابن باز: الأصل في ذلك شرعية التعدّد لمن استطاع ذلك، ولم يخف الجور، لما في ذلك من المصالح الكثيرة في عفة فرجه، وعفة من يتزوجهن، والإحسان إليهن، ويكثر النسل الذي به تكثر الأمة. وكثير من يعبد الله وحده، ولأنه ﷺ تزوج أكثر من واحدة.
стр. 1756
• ما رأيك بمن قال: يسن أن تكون أجنبية؟
استحب جماعة من الفقهاء أن ينكح الرجل امرأة أجنبية عنه، أي ليس بينه وبينها نسب، وعللوا ذلك بأمور:
الأول: نجابة الولد، أي حسن صفاته، وقوة بدنه، لأنه يأخذ من صفات أعمامه وأخواله.
الثاني: أنه لا يؤمن أن يقع بينهما فراق، فيؤدي إلى قطيعة الرحم.
قال في (الإنصاف): ويستحب تخيّر ذات الدين الولود البكر الحسيبة الأجنبية.
وقال في (مطالب أولي النهى) (الأجنبية) لأن ولدها يكون أنجب، ولأنه لا يأمن الفراق، فيفضي مع القرابة إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها. وقد قيل: إن الغرائب أنجب، وبنات العم أصبر.
، قال النووي في "المنهاج": ويستحب ديّنة بكر نسيبة ليست قرابة قريبة.
وقال الجلال المحلي في شرحه: " (ليست قرابة قريبة) بأن تكون أجنبية أو قرابة بعيدة … والبعيدة أولى من الأجنبية.
لكن هذا فيه نظر:
فقد تزوج علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله ﷺ (وأبوها رسول الله ﷺ ابن عم علي) وأنجبا سيدا شباب الجنة.
وتزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش وهي ابنة عمته.
وقد جاء في بعض الأحاديث الحث على تغريب النكاح، إلا أن هذه الأحاديث لم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ
قال الحافظ ابن الملقن ﵀: لم أر أنا في الباب في كتاب حديثي ما يستأنس به" انتهى من "البدر المنير" (٧/ ٥٠٠).
وهذه بعض الأحاديث الواردة في هذا:
حديث: (غربوا النكاح).
سئل عنه الشيخ الألباني ﵀ فقال: ضعيف.
السائل: هل وردت أحاديث صحيحة تحض على زواج الأباعد؟
فأجاب الشيخ بقوله: "لا". انتهى من (سلسلة الهدى والنور).
حديث: (لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوياً).
قال الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح ﵀: لم أجد له أصلا معتمدا" انتهى.
نقله الحافظ ابن الملقن في "البدر المنير" (٧/ ٤٩٩).
وذكره السبكي في " طبقات الشافعية " (٦/ ١٥٤) ضمن الأحاديث التي ذكرها أبو حامد الغزالي في " إحياء علوم الدين " ولم يجد لها إسناداً.
وقال الشيخ الألباني ﵀: لا أصل له مرفوعاً، وقد اشتهر اليوم عند متفقهة هذا الزمن ودكاترته، الذين لا يتقون الله في طلابهم، فيلقون عليهم من الأقوال والآراء ما لا حجة عليه ولا برهان، ومن الأحاديث ما لا سنام له ولا خطام، وما لا أصل له من كلامه ﵊، كهذا الحديث؛ فإني سئلت عنه مراراً من بعض طلابهم" انتهى من (السلسلة الضعيفة).
стр. 1757
وقد ذكر بعض العلماء استحباب أن تكون الزوجة من غير الأقارب.
قال الغزالي ﵀: أن لا تكون من القرابة القريبة، فإن ذلك يقلل الشهوة .... (الإحياء).
وقال ابن قدامة ﵀: يختار الأجنبية، فإن ولدها أنجب، ولهذا يقال: اغتربوا لا تضووا يعني: انكحوا الغرائب كي لا تضعف أولادكم، وقال بعضهم: الغرائب أنجب، وبنات العم أصبر; ولأنه لا تؤمن العداوة في النكاح، وإفضاؤه إلى الطلاق، فإذا كان في قرابته أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها) (المغني).
غير أن هذا الحكم لم يتفق عليه الفقهاء، فقد رَدَّه بعضهم، مستدلين بتزويج النبي ﷺ ابنته فاطمة من ابن عم أبيها علي بن أبي طالب، وتزويجه ابنته زينب من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع، وغير ذلك.
قال السبكي ﵀ معلقا على القول باستحباب تغريب النكاح -:
"ينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل، وقد زوج النبي ﷺ علياً بفاطمة رضي الله تعالى عنهما، وهي قرابة قريبة.
وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀:
قرأتُ قولاً يقول: (اغتربوا لا تضووا) هل هو حديث صحيح، وهل هناك أحاديث أخرى حول هذا الموضوع؟ نرجو توضيح السنة الصحيحة في مسألة اختيار الزوجة؟
فأجاب: ليس لهذا أصل، بل كونها تتزوج من الأقارب أفضل، والنبي ﷺ زوج من أقاربه ﵊، أما قول بعض الفقهاء هذا لا أصل له، بل هو مخير، إن شاء تزوج قريبة كبنت عمه وخاله، وإن شاء تزوج بعيداً، لا حرج في ذلك.
وأما قول من قال: الأجنبية أنجب وأفضل، فهذا لا أصل له، ولا دليل عليه، فإن تيسرت قريبة طيبة فهي أولى، وهي من هذا الباب صلة رحم، أما إن كانت الأجنبية أزين، وأكثر خيراً، فالأجنبية أفضل.
المقصود أن يتحرى المرأة الصالحة قريبة أو غير قريبة، لقوله ﷺ (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فالمؤمن يلتمس ذات الدين الطيبة وإن كانت من غير أقاربه، والزوجة كذلك تلتمس الزوج الصالح، وتسأل عنه، وإن كان من غير أقاربها .... (فتاوى نور على الدرب).
стр. 1758
٩٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ اَلْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ اَلدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ اَلسَّبْعَةِ.
===
(تُنْكَحُ اَلْمَرْأَةُ) أي: يُرغب بالنكاح بها، وعند النسائي (النساء).
(لِأَرْبَعٍ) أي: لأربع خصال، واللام للتعليل، والمعنى الناس يراعون هذه الخصال، بعضهم يختار كذا وبعضهم يختار كذا، فالحديث سيق لبيان مراعاة الناس.
(وَلِحَسَبِهَا) الحسب في الأصل الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد على غيره. وقيل: المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة.
(فَاظْفَرْ بِذَاتِ اَلدِّينِ) أي: احرص بالزواج بالمرأة ذات الدين، تكتسب بها مصالح الدنيا والآخرة.
قال الحافظ: والمعنى، أن اللائق بذي الدين والمروءة، أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء، لا سيّما فيما تطول صحبته.
(تَرِبَتْ يَدَاكَ) لصقت يداك بالتراب، والعرب تعني به حصول الفقر – كلمة دعاء لا يراد معناها – يقصدون بها التحريض بها، واللوم من جهة أخرى.
• ما معنى الحديث؟
قال النووي: الصَّحِيح فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلهُ النَّاس فِي الْعَادَة فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْخِصَال الْأَرْبَع وَآخِرهَا عِنْدهمْ ذَات الدِّين، فَاظْفَرْ أَنْتَ أَيّهَا الْمُسْتَرْشِد بِذَاتِ الدِّين. لَا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ.
وقال القرطبي: أي: هذه الأربع الخصال هي الْمُرغِّبة في نكاح المرأة، وهي التي يقصدها الرِّجال من النساء، فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك، وظاهره إباحة النكاح؛ لقصد مجموع هذه الخصال أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهم؛ ولذلك قال (فاظفر بذات الدِّين).
• كيفية العمل بهذا الحديث:
يبدأ بالسؤال عن الصفات التي يرغب بها - يسأل مثلاً عن جمالها – فإذا تحقق سأل عن الدين، فان تحقق أقدم وإلا أحجم، بخلاف ما إذا سأل عن الدين أولاً وتحقق ثم سأل عن الجمال ولم يتحقق الجمال ثم أحجم، فيكون رد المرأة، مع أنها ذات دين والرسول ﷺ يقول فاظفر بذات الدين تربت يداك.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- ينبغي للإنسان أن يحرص على قبول وصية النبي ﷺ في الحرص على ذات الدين، قال تعالى (وإن تطيعوه تهتدوا).
- مصاحبة أهل الدين والاستقامة خير وبركة لأنه يستفيد من أخلاقهم وطباعهم.
- على الإنسان أن ينظر في عواقب الأمور.
- أنه لا يَحْرم على الإنسان أن يرغب في نكاح ذات الحسب والجمال والمال. (الأربعاء/ ٢١: ٣/ ١٤٣٥ هـ).
стр. 1759
٩٧٢ - وَعَنْهُ; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اَللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
===
(أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا) (رفأ) بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دعا له. (الفتح)، والرفاء الموافقة وحسن المعاشرة وهو من رفأ الثوب، وقيل من رفوت الرجل إذا سكنت ما به من روع، فالمراد إذا دعا للمتزوج بالموافقة بينه وبين أهله وحسن العشرة بينهما قال ذلك.
قال ابن الأثير: الرفاء الالتئام والاتفاق والبركة والنماء وهو من قولهم: رفأت الثوب رفأ ورفوته ورفوا.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أنه يسن الدعاء للمتزوج بالبركة.
أ-كما في حديث الباب.
ب-وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ «مَا هَذَا». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) متفق عليه.
وقد بوب البخاري على حديث أنس (باب كيف يدعى للمتزوج).
قال ابن بطال: إنما أراد بهذا الباب والله أعلم رد قول العامة عند العرس بالرفاء والبنين فكأنه أشار إلى تضعيفه، ونحو ذلك كحديث معاذ بن جبل أنه شهد أملاك رجل من الأنصار فخطب رسول الله ﷺ وأنكح الأنصاري وقال " على الألفة والخير والبركة والطير الميمون والسعة في الرزق " الحديث أخرجه الطبراني في " الكبير " بسند ضعيف، وأخرجه في " الأوسط " بسند أضعف منه، وأخرجه أبو عمرو البرقاني في كتاب معاشرة الأهلين من حديث أنس وزاد فيه " والرفاء والبنين " وفي سنده أبان العبدي وهو ضعيف. (الفتح).
• ما الدعاء الذي جاء النهي عنه؟
الدعاء أن يقال للمتزوج: بالرفاء والبنين.
• لماذا نهي عن قول (بالرفا والبنين)؟
قيل: لأنه لا حمد فيه ولا ثناء ولا ذكر لله.
وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر.
وأما الرفاء فمعناه الالتئام من رفأت الثوب ورفوته رفوا ورفاء وهو دعاء للزوج بالالتئام والائتلاف فلا كراهة فيه.
قال الإمام النووي في كتاب الأذكار: فصل: ويُكره أن يُقال له بالرَّفاء والبنين.
وقال أيضاً في الأذكار: فصل: يُكره أن يُقال للمتزوّج: بالرِّفاءِ والبنينَ، وإنما يُقال له: باركَ اللّه لك وباركَ عليك.
стр. 1760
٩٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: (عَلَّمَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلتَّشَهُّدَ فِي اَلْحَاجَةِ: " إِنَّ اَلْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اَللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
===
(وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ) لم يذكرها المصنف ﵀ اختصاراً للحديث، وهذه الآيات هي:
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).
وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب خطبة الحاجة عند النكاح.
قال ابن بطال ﵀: واستحب جمهور العلماء الخطبة في النكاح، فقال مالك: وهى من الأمر القديم وما قل منها فهو أفضل، قال ابن حبيب: كانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلى على نبيه ثم يخطب المرأة.
وقال ابن قدامة ﵀: يستحب أن يخطب العاقد أو غيره، قبل التواجب [أي: قبل الإيجاب والقبول]، ثم يكون العقد بعده .... والمستحب أن يخطب بخطبة عبد الله بن مسعود التي قال: (علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة، قال: التشهد في الحاجة ....
стр. 1761
• ما الدليل على عدم وجوبها؟
الدليل على عدم وجوبها: حديث الواهبة نفسها، فإن الرسول ﷺ قال (زوجتكها بما معك من القرآن) ولم يذكر الخطبة.
• هل يستحب إجراء عقد الزواج بالمسجد؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن عقد النكاح في المسجد مستحب.
لحديث استدلوا به، ولمعنى قالوا بوجوده.
جاء في (الموسوعة الفقهية) استحب جمهور الفقهاء عقد النكاح في المسجد؛ للبركة، ولأجل شهرته، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف) انتهى.
أما الحديث: فقد رواه الترمذي، وهو حديث ضعيف، ضعفه الترمذي، وابن حجر، والألباني، وغيرهم.
وأما المعنى: فهو قولهم بأن عقد النكاح في المسجد بركة، لكن يُشْكِل على ذلك أنه لو كان الأمر كذلك لحرص النبي ﷺ على عقد الأنكحة لنفسه في المسجد، ولحرص على تبيين ذلك لأصحابه.
وعليه، فالأظهر هنا أن يقال:
أن إنشاء عقد الزواج في المسجد جائز من حيث الأصل، لا سيما إن كان ذلك في بعض الأحيان، أو كان أبعد لهم عن المنكر، مما لو عقد في مكان آخر. وأما التزام ذلك في كل عقد، أو اعتقاد أن له فضلاً خاصاً: فهو بدعة، ينبغي التنبيه عليها، ونهي الناس عن فعله على هذا الوجه.
وإن كان أثناء العقد وُجد اختلاط بين الرجال والنساء، أو حصل استعمال للمعازف: صار عقده في المسجد أشد حرمة من عقده خارجه؛ لما في ذلك من التعدي على حرمة بيت الله.
ودليل مشروعية عقد النكاح في المسجد، من حيث الأصل: حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ ، والذي رواه البخاري ومسلم، حيث ثبت أنه زوجها لأحد أصحابه في المسجد، ولا يُحفظ أنه كرر ذلك في عقدٍ غيره.
стр. 1762
سئل علماء اللجنة الدائمة:
أرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح حكم الشرع في إقامة عقد القران في المسجد، مع العلم أن العقد سوف يكون مقروناً بالالتزام بالتعاليم الإسلامية، وهي عدم الاختلاط بين الرجال والنساء، أو اصطحاب المعازف.
فأجابوا:
إذا كان الواقع ما ذكر: فلا بأس بإجراء عقد النكاح في المسجد.
وسئلوا:
هل المواظبة على عقد عقود الزواج في المساجد يعتبر من السنَّة المستحبة، أم يعتبر من البدع؟.
فأجابوا:
الأمر في إبرام عقد النكاح في المساجد وغيرها: واسع شرعاً، ولم يثبت فيما نعلم دليل يدل على أن إيقاعها في المساجد خاصة سنَّة، فالتزام إبرامها في المساجد: بدعة.
وقالوا:
ليس من السنَّة عقد النكاح بالمساجد، والمداومة على عقد النكاح داخل المسجد واعتقاده من السنَّة: بدعة من البدع؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
وإن كان يحضر حفلة عقد النكاح نساء متبرجات، وأطفال يؤذون في المسجد: منع عقد ذلك النكاح في المسجد؛ لما في ذلك من المفسدة.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ استحباب عقد النكاح في المسجد لا أعلم له أصلاً، ولا دليلاً عن النبي ﷺ ، لكن إذا صادف أن الزوج والولي موجودان في المسجد وعقد: فلا بأس؛ لأن هذا ليس من جنس البيع والشراء، ومن المعلوم أن البيع والشراء في المسجد حرام، لكن عقد النكاح ليس من البيع والشراء، فإذا عقد في المسجد: فلا بأس، أما استحباب ذلك بحيث نقول: اخرجوا من البيت إلى المسجد، أو تواعدوا في المسجد ليعقد فيه: فهذا يحتاج إلى دليل، ولا أعلم لذلك دليلاً.
стр. 1763
• هل تسن خطبة الحاجة في بداية التأليف والتصنيف والمراسلات؟
اختلف العلماء في " خطبة الحاجة " ومشروعيتها في بداية التأليف والتصنيف أو المراسلات بين الناس، وذلك على قولين:
القول الأول: " خطبة الحاجة " ليست سنة في ابتداء الكتابة والتأليف
يقول ابن علان ﵀: الخطبة المعروفة من خطبة الجمعة والعيد ونحوهما، وخطبة الحاجة ونحوها؛ لأنها المعهودة في عهد الشارع، دون خطب نحو الكتب، وقد ترك الإتيان بها - أي بالشهادة - الترمذي في جامعه وشمائله، وكذا أبوداود، وهما راويا الحديث، فدل صنيعهما على تخصيصه بما ذكر
ويقول الملا علي القاري ﵀: لما ترك أكثر المصنفين العمل بظاهر هذا الحديث (كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء) دل على أن ظاهره غير مراد، فيؤول بأحد التأويلات، والأظهر عندي أن تحمل الخطبة في هذا الحديث على الخطب المتعارفة في زمانه ﷺ أيام الجمع والأعياد وغيرها، فإن التصنيف حدث بعد ذلك.
واستدلوا:
الدليل الأول: كُتب النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء ليس فيها البداءة بهذه الخطبة، كما أنه ﵊ في كثير من كتبه التي أمر بكتابتها للمسلمين في بيان الصدقات والديات وغيرها لم يأمر ببداءتها بخطبة الحاجة، وليس فيها الحمد والتشهد، وإنما فقط البسملة.
يقول ابن حجر ﵀: جمعت كتب النبي ﷺ إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد، بل بالبسملة.
الدليل الثاني: أن أحداً من أهل العلم المصنفين في الحديث كالبخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل أو الفقه كالشافعي، أو التفسير أو علوم القرآن أو النحو، كلهم لم نجد أحداً منهم يبتدئ كتابه بخطبة الحاجة، كما لم نقف على من يذكر خطبة الحاجة في كتب الآداب، أو يقرر استحبابها في التأليف والمراسلات، وإنما يذكرونها في كتاب " النكاح " فحسب، فإذا كان ذلك سنة فكيف تغيب عن علماء الإسلام الذين هم مادته وقوامه؟
يقول ابن حجر ﵀ " تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخه، وأهل عصره، كمالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، وأحمد في المسند، وأبي داود في السنن، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة، ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة .... أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصاً بالخطب دون الكتب، كما تقدم، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حمد وتشهد كما صنع مسلم … وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل.
стр. 1764
القول الثاني: خطبة الحاجة " سنة مستحبة في أوائل المصنفات والمراسلات.
وهو قول الإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀ (ت ٢٢٩ هـ).
هو ظاهر ما يذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد افتتح الكثير من رسائله بإحدى صيغ خطبة الحاجة الثابتة، وهي من الكثرة بحيث يشق حصرها، تجدها في " مجموع الفتاوى "، و " جامع الرسائل "، وكذلك كتبه " درء التعارض "، و" بيان تلبيس الجهمية "، و" الأخنائية ".
وكذلك العلامة ابن قيم الجوزية ﵀، افتتح كتبه " الطرق الحكمية "، و" الصلاة وأحكام تاركها " بهذه الخطبة.
يقول الطحاوي ﵀ " ابتدأته - يعني كتابه - بما أمر ﷺ بابتداء الحاجة به، مما قد روي عنه بأسانيد أنا ذاكرها بعد ذلك إن شاء الله، وهو: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - وذكر الآيات الكريمات.
ويقول ابن تيمية ﵀: لهذا استُحبت - يعني خطبة الحاجة - وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموماً وخصوصاً، من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك، وموعظة الناس ومجادلتهم، أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية، وكان الذي عليه شيوخ زماننا الذين أدركناهم وأخذنا عنهم وغيرهم يفتتحون مجلس التفسير أو الفقه في الجوامع والمدارس وغيرها بخطبة أخرى. مثل: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله عنا وعنكم وعن مشايخنا وعن جميع المسلمين، أو وعن السادة الحاضرين وجميع المسلمين، كما رأيت قوما يخطبون للنكاح بغير الخطبة المشروعة، وكل قوم لهم نوع غير نوع الآخرين، فإن حديث ابن مسعود لم يخص النكاح، وإنما هي خطبة لكل حاجة في مخاطبة العباد بعضهم بعضاً، والنكاح من جملة ذلك، فإن مراعاة السنن الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع العبادات والعادات هو كمال الصراط المستقيم، وما سوى ذلك إن لم يكن منهيا عنه فإنه منقوص مرجوح، إذ خير الهدي هدي محمد ﷺ .
стр. 1765
ويقول الشيخ الألباني ﵀: "هذه الخطبة تفتتح بها جميع الخطب، سواء كانت خطبة نكاح، أو خطبة جمعة، أو غيرها، فليست خاصة بالنكاح - كما قد يظن - وفي بعض طرق حديث ابن مسعود التصريح بذلك كما تقدم.
واستدلوا:
الدليل الأول: الأحاديث الكثيرة الواردة في افتتاح النبي ﷺ بعض خطبه ومواعظه وكلامه بخطبة الحاجة. ولم يخصها بالنكاح، فقد تكلم بها النبي ﷺ بين يدي ضمام بن ثعلبة، ولم يكن في ذلك نكاح ولا جمعة ولا عيد.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ … فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ)، قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ. فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ) رواه مسلم.
ومن ذلك أيضاً حديث ابن مسعود ﵁ قال: (عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الحَاجَةِ).
فقالوا: إن كلمة (الحاجة) تشمل كل حاجة، سواء كانت درساً وموعظة وخطبة، أم مصنفاً وتأليفاً ورسالة، أم غيرها.
يقول السندي ﵀: " الظاهر عموم الحاجة للنكاح وغيره، فينبغي للإنسان أن يأتي بهذا ليستعين به على قضائها وتمامها.
الدليل الثاني: العموم الوارد في بعض الروايات، منها ما ورد في سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود قوله: (عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطبَةَ الحَاجَةِ فِي النِّكَاحِ وَغَيرِهِ … ).
الدليل الثالث: افتتاح بعض العلماء كتبهم بهذه الخطبة، كما سبق عن كل من الإمام الطحاوي، وابن تيمية، وابن القيم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- هذه الخطبة ليست خاصة بعقد النكاح بل هي عامة في النكاح وغيره.
- وهذه الخطبة قصد بها: إظهار النكاح وإشهاره، وبيان خطر هذا العقد.
- لم يرد عن أحد من السلف أنه كان يزيد على هذه الخطبة بشيء مما يزيده بعض الناس من الخطب المطولة إما في فضل النكاح أو في الترغيب في الطاعات أو الترهيب من المعاصي عند عقد النكاح، وهذه بدعة وقد قال النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).
- عقد النكاح يصح في أي مكان، ولا يستحب أن يكون في المسجد كما يظن بعض العوام، والحديث الوارد في ذلك ضعيف .... (الخميس/ ٢٢/ ٣/ ١٤٣٥ هـ)
стр. 1766
٩٧٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
٩٧٥ - وَلَهُ شَاهِدٌ: عِنْدَ اَلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ; عَنِ الْمُغِيرَةِ.
٩٧٦ - وَعِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ: مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
٩٧٧ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً: أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: اِذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا).
===
• اذكر ألفاظ الأحاديث التي ذكرها المصنف ﵀؟
حديث جابر:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ، قَالَ: فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا) هذا لفظ أبي داود.
حديث المغيرة:
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا) هذا لفظ الترمذي.
حديث محمد بن مسلمة:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، قَالَ (خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهَا فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا) رواه ابن ماجه.
حديث أبي هريرة:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئاً». قَالَ قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا. قَالَ «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا». قَالَ عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ فَبَعَثَ بَعْثاً إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ) رواه مسلم.
- قوله (فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئاً) اختلف في المراد بقوله (شيئاً) فقيل: عمش، وقيل: صغر، قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه، فهو المعتمد.
стр. 1767
• ماذا نستفيد من هذه الأحاديث؟
نستفيد: جواز نظر الرجل للمرأة التي يريد أن يخطبها وأن ذلك مستحب.
قال النووي: وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ قَوْم كَرَاهَته، وَهَذَا خَطَأ مُخَالِف لِصَرِيحِ هَذَا الْحَدِيث. (نووي).
وقال (روضة الطالبين) إذا رغب في نكاحها استحب أن ينظر إليها لئلا يندم، وفي وجه: لا يستحب هذا النظر بل هو مباح، والصحيح الأول للأحاديث.
وقال الصنعاني: دلت الأحاديث على أنه يُندب تقديم النظر إلى من يريد نكاحها، وهو قول جماهير العلماء.
أ-لهذه الأحاديث، فإنها تدل على استحباب النظر إلى المخطوبة، كما في قوله (فاذهب فانظر إليها).
ب-ولأن النبي ﷺ علل الحكم بعلة تدل على الطلب وهي قوله (فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما).
• متى يكون النظر؟
الصحيح أنه يكون بعد العزم وقبل الخِطبة.
قال ابن تيمية: ينبغي أن يكون النظر بعد العزم على نكاحها وقبل الخطبة.
ويدل لذلك:
أ- حديث محمد بن مسلمة السابق (إِذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ … ).
ففي هذا الحديث رتب الإذن بالنظر بمجرد الإلقاء في القلب، والإلقاء يكون قبل الخطبة، مما يدل على أن وقت النظر بعد العزم وقبل الخطبة.
ب- وحديث جابر - حديث الباب - في قوله (إذا خطب أحدكم المرأة … ) أي: إذا أراد أن يخطب.
ج- وأيضاً من أجل أن يُقدِمَ أو يحجِم، ولا يكون بعد الخطبة، لأنه لو خطب امرأة ثم نظر إليها ولم تعجبه وتركها، فهذا يؤثر عليه وعليها.
стр. 1768
• هل يشترط رضا المخطوبة؟
لا يشترط رضا المخطوبة في النظر، وهذا مذهب جمهور العلماء، ينظر إليها ولو لم ترض.
فهو قول الشافعية، والحنابلة، والظاهرية.
قال النووي: … ثُمَّ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِي جَوَاز هَذَا النَّظَر رِضَاهَا، بَلْ لَهُ ذَلِكَ فِي غَفْلَتهَا، وَمَنْ غَيْر تَقَدُّم إِعْلَام، لَكِنْ قَالَ مَالِك: أَكْرَه نَظَرَهُ فِي غَفْلَتهَا مَخَافَة مِنْ وُقُوع نَظَره عَلَى عَوْرَة. وَعَنْ مَالِك رِوَايَة ضَعِيفَة أَنَّهُ لَا يَنْظُر إِلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَدْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَشْتَرِط اِسْتِئْذَانهَا، وَلِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي غَالِبًا مِنْ الْإِذْن، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا، فَرُبَّمَا رَآهَا فَلَمْ تُعْجِبهُ فَيَتْرُكهَا فَتَنْكَسِر وَتَتَأَذَّى. (نووي).
أ- لحديث أبي حميد قال: قال ﷺ (إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها لخطبته وإن كانت لا تعلم) رواه أحمد.
وحديث جابر - السابق وفيه ( … فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها، فتزوجتها).
ففي هذين الحديثين دلالة على جواز النظر بدون رضاها وإعلامها، للتصريح بذلك في الحديث الأول، وتخبأ جابر في الحديث الثاني، ولو كان النظر بإعلامها لما احتاج إلى ذلك، مما يدل على عدم اشتراط إعلامها قبل النظر.
• ما الذي يباح للخاطب أن يرى من مخطوبته؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
فقيل: ينظر إلى الوجه والكفين فقط.
وهذا مذهب الشافعي.
قال النووي: ثم إنه يباح النظر إلى وجهها وكفيها فقط، لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها.
وقيل: ينظر إلى جميع بدنها.
وهو قول داود.
وقيل: ينظر إلى ما يظهر غالباً، كالوجه واليدين والرأس والرقبة والقدمين.
وهذا الراجح، لأنه ﷺ لما أذن في النظر إليها من غير علمها عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر غالباً، إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره في الظهور، ولأنه يظهر غالبا أشبه الوجه. (كشاف القناع).
ورجح هذا القول الألباني، وهو الصحيح.
стр. 1769
• ما شروط النظر إلى المخطوبة:
أولاً: أن يغلب على ظنه الإجابة.
ثانياً: أن لا يقصد التلذذ، لأن المقصود الاستعلام لا الاستمتاع.
ثالثاً: أن لا يكون بخلوة، لأنها أجنبية عنه.
رابعاً: أن يكون عازماً على الخطبة.
خامساً: ألا تكون المرأة متجملة، لأمرين:
الأمر الأول: أنه تدليس بالنسبة للرجل، والأمر الثاني: أنه فتنة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فشروط جواز النظر إلى المرأة ستة:
الأول: أن يكون بلا خلوة.
الثاني: أن يكون بلا شهوة، فإن نظر لشهوة فإنه يحرم؛ لأن المقصود بالنظر الاستعلام لا الاستمتاع.
الثالث: أن يغلب على ظنه الإجابة.
الرابع: أن ينظر إلى ما يظهر غالباً.
الخامس: أن يكون عازما على الخطبة، أي: أن يكون نظره نتيجة لعزمه على أن يتقدم لهؤلاء بخطبة ابنتهم، أما إذا كان يريد أن يجول في النساء، فهذا لا يجوز.
السادس: ويخاطب به المرأة، ألا تظهر متبرجة أو متطيبة، مكتحلة أو ما أشبه ذلك من التجميل؛ لأنه ليس المقصود أن يرغب الإنسان في جماعها حتى يقال: إنها تظهر متبرجة، فإن هذا تفعله المرأة مع زوجها حتى تدعوه إلى الجماع، ولأن في هذا فتنة، والأصل أنه حرام؛ لأنها أجنبية منه، ثم في ظهورها هكذا مفسدة عليها؛ لأنه إن تزوجها ووجدها على غير البهاء الذي كان عهده رغب عنها، وتغيرت نظرته إليها، لا سيما وأن الشيطان يبهي من لا تحل للإنسان أكثر مما يبهي زوجته، ولهذا تجد بعض الناس، والعياذ بالله، عنده امرأة من أجمل النساء، ثم ينظر إلى امرأة قبيحة شوهاء؛ لأن الشيطان يبهيها بعينه حيث إنها لا تحل له، فإذا اجتمع أن الشيطان يبهيها، وهي ـ أيضاً تتبهى وتزيد من جمالها، وتحسينها، ثم بعد الزواج يجدها على غير ما تصورها، فسوف يكون هناك عاقبة سيئة.
فإن قيل: كيف يغلب على ظنه الإجابة؟
الجواب: الله جعل الناس طبقات، كما قال تعالى (نحن قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا)، فلو تقدم أحد الكناسين إلى بنت وزير، فالغالب عدم إجابته، وكذلك إنسان كبير السن زَمِن، أصم، يتقدم إلى بنت شابة جميلة، فهذا يغلب على ظنه عدم الإجابة. (الشرح الممتع).
стр. 1770
• هل يجوز تكرار النظر للمخطوبة؟
يجوز للخاطب أن ينظر للمخطوبة، ويجلس معها، ويحادثها، ولو تكرر ذلك أكثر من مرة، ما دام متردداً ويهدف للوصول إلى قناعة تامة، وقَبول كلٍّ منهما بالآخر، شريطة أن يكون ذلك دون خلوة، وفي حدود الكلام المباح والمعتاد.
فإذا جزم بالخطبة أو عدمها، رجع الحكم إلى الأصل وهو تحريم النظر إليها، لأن سبب الإباحة قد زال.
ويدل على هذا قوله ﵊ (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ).
قال الشيخ ابن عثيمين: يجوز أن يكرر النظر إليها … فإذا كان في أول مرة ما وجد ما يدعوه إلى نكاحها، فلينظر مرة ثانية، وثالثة. (الشرح الممتع).
وقال الشيخ ابن باز: يجوز للرجل إذا أراد خطبة المرأة أن يتحدث معها، وأن ينظر إليها من دون خلوة … ، فإذا كان الكلام معها فيما يتعلق بالزواج والمسكن وسيرتها، حتى تعلم هل تعرف كذا، فلا بأس بذلك إذا كان يريد خطبتها.
وفي (الموسوعة الفقهية) يَجُوزُ تَكْرَارُ النَّظَرِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ هيئتها، فَلَا يَنْدَمُ بَعْدَ النِّكَاحِ، إِذْ لَا يَحْصُل الْغَرَضُ غَالِبًا بِأَوَّل نَظْرَة.
فوائد:
-الصورة لا تقوم مقام النظر، لأن التصوير حرام، ولأن الصورة لا تقوم مقام الحقيقة، فإن الصورة تجمل الإنسان أكثر مما هو عليه.
- قال أبو الفرج المقدسي: ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها .. مجمع المحاسن، وموضع النظر.
- قال ابن قدامة: ولا يجوز له الخلوة بها لأنها مُحرّمة، ولم يَرد الشرع بغير النظر فبقيت على التحريم، ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور، فإن النبي ﷺ قال (لا يخلون رجل بإمراة فإن ثالثهما الشيطان) ولا ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة، ولا ريبة.
قال أحمد في رواية صالح: ينظر إلى الوجه، ولا يكون عن طريق لذة، وله أن يردّد النظر إليها، ويتأمل محاسنها، لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك.
• هل يجوز أن ترسل امرأة صورتها بالإنترنت لرجل خاطب في مكان بعيد ليراها فيقرر هل يتزوجها أم لا؟
الجواب: لا أرى هذا:
أولا: لأنه قد يشاركه غيره في النظر إليها.
ثانيا: لأن الصورة لا تحكي الحقيقة تماماً، فكم من صورة رآها الإنسان فإذا شاهد المصوَّر وجده مختلف تماماً.
ثالثا: أنه ربما تبقى هذه الصورة عند الخاطب ويعدل عن الخطبة ولكن تبقى عنده يلعب بها كما شاء. والله أعلم. (ابن عثيمين).
• وسئل الشيخ ابن عثيمين عن حكم لبس دبلة الخطوبة فقال:
دبلة الخطوبة عبارة عن خاتم، والخاتم في الأصل ليس فيه شيء إلا أن يصحبه اعتقاد كما يفعله بعض الناس يكتب اسمه في الخاتم الذي يعطيه مخطوبته، وتكتب اسمها في الخاتم الذي تعطيه إياه زعماً منهما أن ذلك يوجب الارتباط بين الزوجين، ففي هذه الحال تكون هذه الدبلة محرّمة، لأنها تعلّق بما لا أصل له شرعاً ولا حسّاً، كذلك أيضاً لا يجوز في هذا الخاتم أن يتولى الخاطب إلباسه مخطوبته، لأنها لم تكن زوجه بعد، فهي أجنبيّة عنه، إذ لا تكون زوجة إلا بعد العقد. (الجمعة/ ٢٣/ ٣/ ١٤٣٥ هـ).
стр. 1771
٩٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ اَلْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ اَلْخَاطِبُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه.
لحديث الباب.
ولفظه عند مسلم (لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ) متفق عليه.
وله عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ).
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) رواه مسلم.
قال النووي: هَذِهِ الْأَحَادِيث ظَاهِرَة فِي تَحْرِيم الْخِطْبَة عَلَى خِطْبَة أَخِيهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمهَا إِذَا كَانَ قَدْ صُرِّحَ لِلْخَاطِبِ بِالْإِجَابَةِ، وَلَمْ يَأْذَن، وَلَمْ يَتْرُك. فَلَوْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَته، وَتَزَوَّجَ وَالْحَالَة هَذِهِ عَصَى، وَصَحَّ النِّكَاح، وَلَمْ يُفْسَخ. هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور.
وَقَالَ دَاوُدَ: يُفْسَخ النِّكَاح. وَعَنْ مَالِك رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب مَالِك: يُفْسَخ قَبْل الدُّخُول لَا بَعْده. (شرح مسلم).
وقال ابن حجر: قال الجمهور، هذا النهي للتحريم. (الفتح).
وقال ابن قدامة: وَخِطْبَةُ الرَّجُلِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ فِي مَوْضِعِ النَّهْيِ مُحَرَّمَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: هِيَ مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، وَهَذَا نَهْيُ تَأْدِيبٍ لَا تَحْرِيمٍ.
وَلَنَا، ظَاهِرُ النَّهْيِ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيمُ، وَلِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْإِضْرَارِ بِالْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ، فَكَانَ عَلَى التَّحْرِيمِ، كَالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ مَالِهِ وَسَفْكِ دَمِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَدَاوُد، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ: هُوَ بَاطِلٌ.
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نِكَاحٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَكَانَ بَاطِلًا كَنِكَاحِ الشِّغَارِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ. (المغني).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن رجل خطب على خطبته رجل آخر فهل يجوز ذلك؟
فأجاب: الحمد لله، ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال (لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه) ولهذا اتفق الأئمة الأربعة في المنصوص عنهم وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك.
وإنما تنازعوا في صحة نكاح الثاني على قولين:
أحدهما: أنه باطل، كقول مالك، وأحمد في إحدى الروايتين
والآخر: أنه صحيح، كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى، بناء على أن المحرّم هو ما تقدم على العقد وهو الخطبة. ومن أبطله قال إن ذلك تحريم للعقد بطريق الأولى.
ولا نزاع بينهم في أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله، والإصرار على المعصية مع العلم بها يقدح في دين الرجل وعدالته وولايته على المسلمين.) مجموع الفتاوى).
стр. 1772
• متى يجوز أن يخطب الرجل على خطبة أخيه؟
دلت الأحاديث على أنه في حالتين يجوز أن يخطب الثاني وهما:
الأولى: إذا أذِن له.
لرواية (إلا أن يأذن له).
الثانية: إذا ترك الخاطب الأول الخطبة لرواية.
لرواية (حتى يذر).
وجاء في رواية للبخاري عن أبي هريرة (ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يَنكِح أو يترك).
قال الحافظ: قوله (حتى ينكح) أي: حتى يتزوج الخاطب الأول، فيحصل اليأس المحض، وقوله (حتى يترك) أي: الخاطب الأول التزويج، فيجوز حينئذ للثاني الخطبة، فالغايتان مختلفتان، الأولى ترجع إلى اليأس، والثانية ترجع إلى الرجاء.
• أجمع العلماء على أن المخطوبة إذا ردت خاطبها كان للآخر أن يخطبها.
• ما الحكم إذا علم الخاطب الثاني أن فلاناً خطب من هؤلاء القوم، لكن لا يعلم هل ردوه أم قبلوه هل يخطب أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز أن يخطب.
القول الثاني: لا يجوز، وهذا الصحيح لأمرين:
الأول: لأن هذا يعتبر خطبة على خطبة أخيه.
الثاني: لأنهم قد يكونون على وشك الموافقة.
стр. 1773
• ما الحكمة من تحريم الخطبة على خطبة المسلم؟
الحكمة الأولى: أن هذا التصرف من أسباب العداوة والبغضاء بين الناس.
الحكمة الثانية: أن هذا التصرف فيه ظلم للخاطب الأول وفيه تعد عليه لأن الحق له ما دام أنه هو الخاطب.
وفيه حكمة ثالثة ألمح إليها العلماء وهي: أن هذا التصرف فيه تزكية لنفس الإنسان إذا خطب علي خطبة أخيه كأنه يزكي نفسه بهذا التصرف ويذم غيره وكأن لسان حاله يقول أنا أولى من هذا الخاطب الأول ومعلوم أن تزكية النفس أمر مذموم.
وحديث عقبة ابن عامر ﵁ إشارة إلى هذا المعني وهو قول النبي ﷺ (المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع علي بيع أخيه ولا يخطب علي خطبة أخيه حتى يذر) هذا فيه إشارة إلي أن الأخوة الإيمانية تقتضي أن لا تكون سببًا في مثل هذا التصرف.
• هل يجوز أن يخطب على خطبة غير المسلم أم لا؟
مثال: أن يخطب يهودي يهودية، فهل يجوز للمسلم أن يذهب ويخطب هذه اليهودية؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أنه يجوز.
قال النووي: وبه قال الأوزاعي، ورجحه ابن المنذر، والخطابي.
أ- لقوله (على خِطبة أخيه) والكافر ليس أخاً للمسلم.
ويؤيده رواية (الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ).
قال الخطابي: قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم.
ب- ولأن الكافر ليس له حرمة.
стр. 1774
القول الثاني: أنه لا يجوز.
وبه قال جمهور العلماء.
لرواية (ولا يخطب الرجل على خطبة الرجل).
وأما التقييد (بأخيه) فيحمل على الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق).
وهذا القول هو الصحيح.
فائدة:
يحرم أن تخطب المرأة على خطبة المرأة لنفس العلة.
مثال: امرأة عرضت نفسها على رجل، فلا يحل لامرأة أخرى أن تأتي وتعرض نفسها عليه وتزهده في التي قبلها.
فائدة:
الجواب عن قصة فاطمة بنت قيس، أنها جاءت تستشير النبي ﷺ لما خطبها ثلاثة: أبو جهم، ومعاوية، وأسامة، الجواب: أن تحمل هذه القصة على أن الواحد منهم لم يعلم بخطبة الآخر.
فائدة:
قال ابن قدامة المقدسي: وَلَا يُكْرَه لِلْوَلِيِّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ، إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَهُوَ نَائِبٌ عَنْهَا فِي النَّظَرِ لَهَا، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ الرُّجُوعُ الَّذِي رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ … وَلَا يُكْرَه لَهَا أَيْضًا الرُّجُوعُ إذَا كَرِهَتْ الْخَاطِبَ; لِأَنَّهُ عَقْدُ عُمْرٍ يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ، فَكَانَ لَهَا الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا، وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا.
وَإِنْ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ، كُرِهَ; لِمَا فِيهِ مِنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ الْقَوْلِ، وَلَمْ يُحَرَّمْ; لِأَنَّ الْحَقَّ بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا. (المغني) .... (الأحد/ ٢٤/ ٣/ ١٤٣٥ هـ).
• ما معنى قوله (اِذْهَبْ، فَقَدَ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)؟
يحتمل: أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقدار معين منه، ويكون ذلك صداقها.
ويؤيد هذا ما جاء في الرواية الأخرى (انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
ويحتمل: أن تكون الباء بمعنى اللام، أي لأجل ما معك من القرآن، فأكرمه.
стр. 1775
٩٧٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ اَلسَّاعِدِيِّ ﵄ قَالَ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ اَلنَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ اَلْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. قَالَ: " فَهَلْ عِنْدكَ مِنْ شَيْءٍ؟ " فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، فَقَالَ: " اِذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ " فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ؟ فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ " انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ "، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَالُهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَجَلَسَ اَلرَّجُلُ، وَحَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ; فَرَآهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ. قَالَ: " مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ " قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: " تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اِذْهَبْ، فَقَدَ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (اِنْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ).
٩٨٠ - وَلِأَبِي دَاوُدَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (مَا تَحْفَظُ؟ قَالَ: سُورَةَ اَلْبَقَرَةِ، وَاَلَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: قُمْ. فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً).
===
(جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قال الحافظ: هذه المرأة لم أقف على اسمها، وعند الإسماعيلي (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وهو في المسجد) فأفاد تعيين المكان الذي وقعت فيه القصة.
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي) أي: أتزوجك من غير عوض.
(فَصَعَّدَ اَلنَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ) بتشديد العين من صعّد، والواو من صوّبه، والمراد أنه نظر أعلاها وأسفلها.
(ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ) أي: خفضه، لعدم ما يدعو للنظر إليها.
(فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه.
(فَهَلْ عِنْدكَ مِنْ شَيْءٍ؟) وفي رواية (هل عندك شيء تصدقها؟) وفي رواية (ألك مال).
(فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اَللَّهِ) جاء في رواية (قال: فلا بد لها من شيء).
(انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) (لو) تقليلية.
(قَالَ: " مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟)
(قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا) جاء في رواية سعيد بن المسيب عن سهل (أن النبي ﷺ زوّج رجلاً امرأة على سورتين من القرآن، يعلمها إياهما).
(فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟) إنما سأله النبي ﷺ عن قراءته عن ظهر القلب، ليتمكن من تعليمها بذلك.
(فَقَدَ مَلَّكْتُكَهَا) وفي رواية للبخاري (زوجتكها) وعنده أيضاً (اذهب، فقد أنكحتكها بما معك من القرآن)
(بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) وفي الرواية الأخرى (اِنْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
стр. 1776
• ما معنى قوله (اِذْهَبْ، فَقَدَ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)؟
يحتمل: أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقدار معين منه، ويكون ذلك صداقها.
ويؤيد هذا ما جاء في الرواية الأخرى (انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
ويحتمل: أن تكون الباء بمعنى اللام، أي لأجل ما معك من القرآن، فأكرمه.
والأول أرجح:
أولاً: لأنه هو الموافق لقوله تعالى (أن تبتغوا بأموالكم).
ثانياً: يؤيد ذلك رواية مسلم (انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
ثالثاً: أنه على القول الثاني تصير بمعنى الموهوبة، والهبة من خصائص النبي ﷺ .
• ما حكم الصداق؟
واجب، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه.
أ-لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
ب-وقال تعالى (فانكحوهن … ).
ج-ولأن الله تعالى قيّد الحل بقوله (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ).
د-ولأن النبي ﷺ لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن كما في حديث الباب.
هـ- ولأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهاً بالهبة، والزواج بالهبة من خصائص النبي ﷺ .
• اذكر بعض أسماء الصداق؟
وللصداق عدة أسماء:
فيسمى نِحلة كما قال تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
ويسمى فريضة كما قال تعالى (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً).
ويسمى أجراً كما قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً).
ويسمى طوْلاً كما قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ).
стр. 1777
• ما الحكمة من الصداق؟
أن الصداق إظهار لشرف هذا العقد وأهميته.
أن فيه إعزاز للمرأة وتشريف لها.
أن فيه الدليل على الرغبة في الزوجة.
تمكين المرأة من تجهيز نفسها بما أحبت من لباس ونفقة وزينة.
• من أركان النكاح الإيجاب والقبول، فما الإيجاب وما القبول؟
الإيجاب: وهو اللفظ الصادر من الولي، كقوله: زوجتك أو أنكحتك.
والقبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج أو نائبه كقوله: قبلت هذا الزواج، أو قبلت، ونحوه.
• هل يشترط أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ الإنكاح والتزويج أو لا يشترط؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشترط أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ الإنكاح أو التزويج.
وهذا مذهب الشافعي وجماهير أصحابه، وهو الصحيح من مذهب أحمد وعليه جماهير الأصحاب.
أ- لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن الكريم.
قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا .. ).
وقال تعالى (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ … ).
وقال ابن مفلح: ولا ينعقد الإيجاب إلا بلفظ النكاح والتزويج إجماعاً، لورودهما في نص القرآن في قوله تعالى (زَوَّجْنَاكَهَا) (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم) ولا ينعقد بغيرهما، إذ العادل عنهما - مع معرفته لهما - عادل عن اللفظ الذي ورد القرآن بهما مع القدرة.
стр. 1778
ب- قال الله تعالى (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين).
وجه الاستدلال: أنّ الآية دلَّت أنّ النبي ﷺ مخصوصٌ بلفظ الهبة، فلا يجوز أن تشاركه الأمة في ذلك.
وقال ابن قدامة: ولنا: قوله تعالى (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين)، فذكر ذلك خالصًا لرسول الله ﷺ .
ج-عن جابر بن عبدالله ﵁ في حديثه في صفة حجة النبي ﷺ أنه قال (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) رواه مسلم.
وجه الاستدلال: قال الماوردي: فموضوع الدليل من هذا الحديث قوله (واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، وليس في كتاب الله إلا لفظ النكاح والتزويج، فدلَّ على أنه لم يستحل الفرج إلا بهما.
وقال البيهقي: وفيه الدليل على أنّ الفرج لا يُستباح إلا بكلمة الله: النكاح أو التزويج، وهما اللذان قد ورد بهما القرآن.
القول الثاني: أنه لا يشترط، وأنه يجوز بغير لفظ الإنكاح والتزويج، فأي لفظ يدل على النكاح فإنه يجوز
وبه قال الحنفية، والمالكية، وهو اختيار ابن تيمية ﵀.
أ- لحديث الباب لقوله ﷺ للرجل (فقد ملكتكها بما معك من القرآن).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عقد للرجل النكاح بلفظ (ملكتكها) وهو غير الوارد في القرآن من لفظي الإنكاح والتزويج، فدل على جواز ذلك.
قال الخطابي: وفيه دليلٌ على أنّ العقد قد يصح بغير لفظ النكاح والتزويج، ألا تراه يقول (قد ملكتكها بما معك من القرآن).
وقال الباجي: ووجه الدليل من الحديث: أنه ﷺ زوَّجه إياها بلفظ التمليك.
ب-ولحديث أنس (أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها) متفق عليه.
ج- ولأن العبرة في العقود المعاني، لا بالألفاظ والمباني، فألفاظ البيع والشراء والإجارة والهبة والنكاح ليست ألفاظاً تعبدية لا يجوز تجاوزها إلى غيرها، وإنما المرجع فيها إلى ما تعارف الناس عليه.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1779
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن حديث الباب (، فَقَدَ مَلَّكْتُكَهَا … ).
أولاً: بأنّ لفظة (ملكتكها) وهمٌ في هذا الحديث، وأنّ الصواب فيه هو رواية من رواه بلفظ (زوَّجتكها).
قال الدارقطني: إنّ رواية من رواه (ملكتكها) وهمٌ، ورواية من قال (زوجتكها) الصواب، وهُمْ أكثر وأحفظ.
ثانياً: أنه على فرض صحتها وأنّ الروايتين متساويتان ولا مكان للترجيح، فإنه يسقط الاحتجاج بها للفريقين ويُطلب الدلالة من أدلة أخرى.
قال ابن حجر: فرواية التزويج أو الإنكاح أرجح، وعلى تقدير أن تساوي الروايات يقف الاستدلال بها لكل من الفريقين.
قال ابن قدامة: وأما الخبر فقد روي (زوجتكها) و (أنكحتكها) و (زوجناكها) من طرق صحيحة، والقصة واحدةٌ، والظاهر أنّ الراوي روى بالمعنى ظنًّا منه أنّ معناهما واحدٌ، فلا تكون حجة، وإن كان النبي ﷺ جمع بين الألفاظ فلا حجة لهم فيه، لأن النكاح انعقد بأحدها والباقي فضلة.
وأجاب أصحاب القول الثاني عن أدلة القول الأول:
- أما قولهم: إنه لم يرد في القرآن سوى لفظي الإنكاح والتزويج، فيجاب عنه: بأن عدم الورود لا يدل على الحصر فيهما.
- وأما قول الله تعالى (خَالِصَةً لَك … ) ليس المراد منه تخصيص النكاح بلفظ الهبة، ولكن يعني: بدون المهر يجوز له ولا يجوز لأمته.
وقال الجصاص: وقال آخرون: بل كان النبي ﷺ وأمته في عقد النكاح بلفظ الهبة سواء، وإنما خصوصية النبي ﷺ كانت في جواز استباحة البُضع بغير بدل، وقد روي نحو ذلك عن مجاهد، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وهذا هو الصحيح؛ لدلالة الآية والأصول عليه.
- وأما حديث جابر ( … واستحللتم فروجهن بكلمة الله) فتعقب هذا: بأنّ المعنى الذي ذكروه للكلمة منازعٌ فيه، فهو غير متعين في الحديث.
قال الخطابي: قوله: (استحللتم فروجهن بكلمة الله) يريد - والله أعلم - ما شرطه لهنَّ في كلمته، وهو قوله تعالى (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان).
قال ابن التركماني: لا نسلم أنّ المراد بالكلمة ما ذكروه، بل ذكر الهروي وغيره أنّ المراد بها قوله تعالى (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان)
قال الخطابي: قيل فيها وجوه، هذا أحسنها. وقيل: المراد بها كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ لولا إسلام الزوج لما حلت له، وقال القرطبي: وأشبه من هذه الأقوال أنها عبارة عن حكم الله تعالى بجواز النكاح، ثم لو سلمنا أنّ المراد بالكلمة ما ذكروه فهذا لا ينفي الحل بغيرها، وقد دلّ قول تعالى (إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي) على جواز النكاح بلفظ الهبة على ما قدمنا في أبواب الخصائص: أنّ الخصوصية للنبي ﷺ في الانعقاد بغير صداق لا في لفظ الهبة.
وقال النووي: قَوْله ﷺ (وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه) قِيلَ: مَعْنَاهُ قَوْله تَعَالَى (فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ) وَقِيلَ: الْمُرَاد كَلِمَة التَّوْحِيد وَهِيَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه ﷺ إِذْ لَا تَحِلّ مُسْلِمَة لِغَيْرِ مُسْلِم، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِإِبَاحَةِ اللَّه وَالْكَلِمَة قَوْله تَعَالَى (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء) وَهَذَا الثَّالِث هُوَ الصَّحِيح، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمَا. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْكَلِمَةِ الْإِيجَاب وَالْقَبُول، وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا بِالْكَلِمَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
стр. 1780
• كم أقل الصداق؟
اختلف العلماء في أقل الصداق، مع اتفاقهم على أنه لا حد لأكثره، كما نقل الإجماع القرطبي.
القول الأول: أقله عشرة دراهم.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم) رواه الدار قطني وهو حديث ضعيف.
القول الثاني: أقله ربع دينار.
وهذا مذهب مالك.
قياساً على نصاب القطع في السرقة، وهذا قياس في مقابل النص.
القول الثالث: يصح الصداق بكل ما يسمى شيئاً ولو حبة شعير.
وهذا مذهب ابن حزم.
لقوله ﷺ للرجل (التمس شيئاً).
القول الرابع: كل ما صح العقد عليه بيعاً، أو إجارة، فإنه يصح أن يكون صداقاً، سواء كان عيناً أو منفعة.
فالعين مثل: أن يعطيها دراهم أو يعطيها متاعاً.
والمنفعة مثل: استخدامها إياه، أو تستوفي منه بغير الخدمة أن يبني لها بيتاً.
وهذا القول هو الصحيح.
• هل يجوز أن يكون تعليم القرآن مهراً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية.
أ-لقوله تعالى (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ … ).
ب-وقال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَات .... )، فالفروج لا تستباح إلا بالأموال.
ج-وروي أن رسول الله ﷺ زوج امرأة على سورة من القرآن، ثم قال (لا تكون لأحد بعدك مهراً) رواه سعيد بن منصور ولا يصح.
د- وقالوا: إن تعلم القرآن لا يقع إلا قربة، فلا يجوز أن يكون صداقاً كالصلاة.
هـ-أن تعليم القرآن أمر يختلف ولا ينضبط فأشبه المجهول، والمجهول لا يصح جعله مهراً.
стр. 1781
القول الثاني: يجوز.
وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن القيم.
لحديث الباب (قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
والراجح - والله أعلم - أنه لا يصح جعل تعليم القرآن صداقاً إذا كان المال متيسراً على الزوج، فإن لم يتيسر المال صح جعله صداقاً، وهذا هو الذي يدل عليه حديث الباب، فإن الرسول ﷺ ما جعل تعليم القرآن صداقاً لهذا الرجل إلا حينما تعذر عليه المال ولم يجد شيئاً.
• ما حكم لبس خاتم الحديد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: تحريم لبسه.
قال ابن بطال في شرحه على البخاري: (خاتم الحديد كان يُلبَسُ في أول الإسلام ثم أمر النبي ﷺ بطرحه).
أ-عن بُرَيْدَة (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ، فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ؛ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ، فَطَرَحَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالاً).
(خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ) هو الخاتم من النحاس الأصفر، والشبه أرفع النحاس وسُمِّيَ بذلك لشبهه بالذهب في لونه، وعند الترمذي: " خاتم من صفر ". (مالي أجد منك ريح الأصنام) قال الخطابي والبيهقي في الشعب: لأن الأصنام كانت تتخذ من الشبه). حِلية أهل النار) قيل: هو زينة بعض الكفار في الدنيا، وقيل: زينتهم في النار بملابسة السلاسل والأغلال، وقيل: إنما كرهه النبي ﷺ لنتنه. (ولا تتمَّه مثقالاً) أي لا يكون الخاتم ثقيلاً مبالغاً في وزنه.
ب- ولما جاء عند ابن سعد في (الطبقات) (أن عمراً ضرب يد رجل لأنه يلبس خاتم ذهب، فقال رجل بجانبه: يا أمير المؤمنين، أنظر أما أنا فخاتمي من حديد، فقال له عمر: ذلك شر، إنه حلية أهل النار).
القول الثاني: أنه مكروه.
وهذا قول جمهور العلماء.
القول الثالث: جواز لبسه من غير كراهة.
لحديث الباب في قوله ﷺ (التمس ولو خاتماً من حديد).
قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا دليل على جواز التختم بالخاتم - أي الحديد - إذ أن الخاتم لا ينتفع به إلا بالتختم، فلولا أنه جائز ما قال له النبي ﷺ التمس ولو خاتما من حديد .... (نور على الدرب).
стр. 1782
وقد جرى الاستدلال بهذا الحديث على جواز التختم بالحديد جمعٌ من أهل العلم كالبخاري – كما تقدم – وابن عبد البر في الاستذكار، والنووي في المجموع، وابن رجب في أحكام الخواتم وجماعة.
وأصحاب هذا القول ضعفوا أحاديث التحريم.
قال ابن عبد البر: وعن عمر بن الخطاب أنه قال في خاتم الذهب وخاتم الحديد " جمرة من نار " أو قال: " حلية أهل النار "، وقد روي مثل هذا مرفوعاً، ولا يتصل عن النبي ﷺ ، ولا عن عمر، وليس بثابت، والأصل: أن الأشياء على الإباحة حتى يثبت النهي، وهذا في كل شيء، إلا أن النهي عن التختم بالذهب صحيح، ولا يختلف في صحته. (التمهيد).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ولا حرج في لبس الحديد من الساعة والخاتم لما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال للخاطب (التمس ولو خاتماً من حديد) أما ما يروى عنه ﷺ في التنفير من ذلك: فشاذ، مخالف لهذا الحديث الصحيح. (فتاوى إسلامية).
وقال ابن رجب في رسالته أحكام الخواتم: (والصحيح عدم التحريم، فإن الأحاديث فيه لا تخلو عن مقال، وقد عارضها ما هو أثبت منها).
وقال النووي في شرحه على مسلم – في شرح حديث الواهبة نفسها - (وفي هذا الحديث جوازُ اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف حكاه القاضي، ولأصحابنا في كراهته وجهان: أصحهما: لا يُكره لأن الحديث في النهي عنه ضعيف).
• هل يجوز أن يعرض الرجل موليته على الرجل الصالح؟
نعم يجوز.
ومما يدل على ذلك:
أ-عن ثابت البناني قال: (كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض عليه نفسها قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقلّ حياءها، واسوأتاه، قال: هي خير منك، رغبت في النبي ﷺ فعرضت عليه نفسها) رواه البخاري.
ب-وقال تعالى عن الشيخ الصالح لموسى (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج).
قال القرطبي: فيه عرض الولي ابنته على الرجل، وهذه سنة قائمة، عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر، وعثمان، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي ﷺ .
ج-وعن ابن عمر: (أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من حنيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي في المدينة، فقال عمر: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري … قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة … ).
قال الحافظ: وفيه عرض الإنسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه، لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه، وأنه لا استحياء في ذلك، وفيه أنه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوجاً، لأن أبا بكر كان حينئذٍ متزوجاً).
стр. 1783
• ما سبب سكوته ﷺ لما وهبت المرأة نفسها له؟
إما حياء من مواجهتها بالرد، وكان ﷺ شديد الحياء، وإما انتظاراً للوحي، وإما تفكراً في جواب يناسب المقام.
• هل الهبة في النكاح خاصة بالنبي ﷺ فقط؟
نعم.
أ-لقول الرجل (زوجنيها) ولم يقل: هبها لي.
ب-ولقولها هي (وهبت نفسي لك) وسكت ﷺ على ذلك، فدل على جوازه له خاصة.
ج- وقد قال تعالى (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الإمام يزوج من ليس لها ولي خاص لمن يراه كفؤاً، ولكن لا بد من رضاها، لأنه جاء في رواية أن النبي ﷺ قال للمرأة: (إني أريد أن أزوجك هذا إن رضيت، فقالت: ما رضيت لي فقد رضيت).
- أن النكاح لا بد فيه من الصداق.
- فطنة الصحابي وحسن أدبه، حيث قال (زوجنيها يا رسول الله) ثم بالغ في الاحتراز، فقال (إن لم يكن لك بها حاجة) وإنما قال ذلك بعد تصريحه بنفي الحاجة، لاحتمال أن يبدو له بعد ذلك ما يدعوه إلى إجابتها.
- الحديث دليل على أن خطبة النكاح غير واجبة.
- أن طالب الحاجة لا ينبغي أن يلح في طلبها، بل يطلبها برفق وتأن.
- فيه نظر الإمام في مصالح رعيته وإرشاده إلى ما يصلحهم.
стр. 1784
٩٨١ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (أَعْلِنُوا اَلنِّكَاحَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
صحيح.
قال الهيثمي في المجمع: ورجال أحمد ثقات.
قال ابن حجر في الفتح: صححه ابن حبان والحاكم.
وحسنه السيوطي في الجامع الصغير.
• ما معنى إعلان النكاح؟
إظهاره وإشهاره.
والمقصود بإشهار النكاح وإعلانه ضرب الدف عليه والغناء المباح، وجعله ظاهراً بين الناس لا خفية لا يعلم به إلا بعض الناس. وهذا الإشهار مستحب في النكاح لحديث الباب.
• ومن إعلان النكاح الضرب عليه بالدف للنساء؟
أ-قال ﷺ (فصل ما بين الحلال والحرام الصوت بالدف) رواه أحمد وغيره، وحسنه الألباني.
ب-وقال ﷺ كما في حديث الباب - (أعلنوا النكاح).
ج-وعَنْ عَائِشَةَ (أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْو) رواه البخاري.
د-عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّى، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ، يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِين) رواه البخاري.
وهذا إنما كان في عرس الرُّبيِّع بنت مُعوَّذ ﵂.
стр. 1785
هـ- (وكان عمر ﵁ إذا استمع صوتا أنكره وسأل عنه، فإن قيل عرس أو ختان أقرّه) رواه معمر بن راشد في كتاب الجامع وابن أبي شيبة.
وفي رواية للبيهقي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا سمع صوتاً أو دُفّاً قال: ما هذا؟ فإن قالوا: عرس أو ختان صمت.
ففسّرت رواية البيهقي الصوت الذي يُنكره عمر ﵁، وأنه صوت الدفّ.
و- وعن عامر بن سعد قال (دخلت على ابن مسعود وقرظة بن كعب وعندهما جوارٍ تغنين فقلت: أتفعلون هذا وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: فقال: إنه رُخِّص لنا في اللهو عند العرس) رواه النسائي وابن أبي شيبة والحاكم.
ك- وعن عمرو بن ربيعة أنه قال (كنت مع ثابت بن وديعة وقرظة بن كعب في عرس فسمعت صوت غناء، فقلت: ألا تسمعان؟ فقال: إنه قد رخص لنا في الغناء عند العرس والبكاء على الميت من غير نياحة). رواه ابن أبي شيبة والحاكم في المستدرك
فائدة:
قال بعض العلماء:
روى البخاري أن النَّبِيَّ ﷺ قال: لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ.
و (الْحِرَ) أي الزنا.
فهذا الحديث يدل على تحريم كل الآلات الموسيقية ومنها الدف.
وقال عبد الله بن عباس ﵄ قال: الدف حرام، والمعازف حرام، والكوبة [أي الطبل] حرام، والمزمار حرام. رواه البيهقي (١٠/ ٢٢٢).
ولكن وردت أحاديث تدل على إباحة الضرب بالدف في بعض المواطن وهي:
العيد، والعرس، وقدوم الغائب.
стр. 1786
وهذه أدلتها مرتبة:
أولاً: عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى) متفق عليه.
ثانياً: عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِين) رواه البخاري.
قال المهلب: في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح. انتهى من (فتح الباري).
قال ابن بطال: اتفق العلماء على جواز اللهو في وليمة النكاح، مثل ضرب الدف وشبهه ما لم يكن محرمًا ". انتهى من " شرح صحيح البخاري" لابن بطال.
ثالثاً: عن بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ ﵁ قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلاَّ فَلَا) فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ). رواه الترمذي.
قال ابن القيم ﵀: حديث صحيح، وله وجهان:
أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح؛ تطييباً لقلبها؛ وجبراً، وتأليفاً لها على زيادة الإيمان، وقوته، وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ .
والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالماً، مؤيداً، منصوراً على أعدائه، قد أظهره الله، وأظهر دينه، وهذا من أفضل القُرَب، فأُمرت بالوفاء به. (إعلام الموقعين).
وقال العراقي في (طرح التثريب) وقد يقترن بالضرب بالدف قصد جميل كجبر يتيمة في عرسها، وإظهار السرور بسلامة من قد يعود نفعه على المسلمين، ومن ذلك: ضرب هذه المرأة بالدف، فهو مباح بلا شك" انتهى.
وقال زكريا الأنصاري في (أسنى المطالب) وضرب الدف مباح في العرس والختان وغيرهما مما هو سبب لإظهار السرور كعيد وقدوم غائب .... وذكر حديث الجارية المتقدم.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) تعقيباً على حديث الجارية: "وهذا نص في إباحة الغناء عند قدوم غائب تأكيداً للسرور" انتهى.
فهذه الأحاديث تدل على جواز الضرب بالدف في هذه المواطن الثلاثة، وما عدا ذلك فيبقى على الأصل وهو التحريم، وتوسع بعض العلماء فقالوا يجوز الضرب بالدف في الولادة والختان، وتوسع آخرون أكثر فقالوا بجوازه في كل ما سبب لإظهار السرور كشفاء مريض ونحوه. (انظر الموسوعة الفقهية ٣٨/ ١٦٩).
والأولى الاقتصار على ما ورد به النص والله اعلم .... (الإسلام سؤال وجواب).
стр. 1787
• ما حكم ضرب الدف للرجال؟
اختلف العلماء في حكم الضرب به للرجال في الأعراس:
فمذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة: الجواز.
لأن الأحاديث لم تفرق بين الرجال والنساء.
وذهب الحنفية، وبعض العلماء من المذاهب الأخرى إلى اختصاص الضرب به بالنساء؛ لأن المعهود في عهد النبي ﷺ والصحابة أن يضرب به النساء لا الرجال، وهو من الأعمال الخاصة بهن.
وهو اختيار الحافظ ابن حجر، وابن قدامة المقدسي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء.
قال ابن حجر: والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: وإنما الرخصة لهن في استعمال الدف خاصة، أما الرجال فلا يجوز لهم استعمال شيء من ذلك لا في الأعراس ولا في غيرها، وإنما شرع الله للرجال التدرب على آلات الحرب كالرمي وركوب الخيل والمسابقة بها وغير ذلك.
وقال أيضاً ﵀ أما الزواج فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد الذي ليس فيه دعوة إلى محرم ولا مدح لمحرم في وقت من الليل للنساء خاصة لإعلان النكاح والفرق بينه وبين السفاح كما صحت السنة بذلك عن النبي ﷺ .
فائدة:
قال ابن قدامة في المغني: فإن عقده بولي وشاهدين فأسروه أو تواصوا بكتمانه كره ذلك وصح النكاح.
وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر، وممن كره نكاح السر عمر ﵁، وعروة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والشعبي ونافع ـ مولى ابن عمر.
وقال أبو بكر عبد العزيز النكاح باطل، لأن أحمد قال: إذا تزوج بولي وشاهدين: لا، حتى يعلنه، وهذا مذهب مالك.
ولنا قوله: لا نكاح إلا بولي.
مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد الإظهار، ولأنه عقد معاوضة فلم يشترط إظهاره كالبيع، وأخبار الإعلان يراد بها الاستحباب، بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت، وليس ذلك بواجب فكذلك ما عطف عليه.
وقول أحمدـ: لا، نهي كراهة، فإنه قد صرح فيما حكينا عنه قبل هذا باستحباب ذلك، ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في الغالب بعد عقده ولو كان شرطاً لاعتبر حال العقد كسائر الشروط. (المغني).
فائدة:
ورد حديث (أسروا الخطبة وأَعْلِنُوا النِّكَاح) وهذا الحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس بلفظ: (أظهروا النكاح وأخفوا الخِطبة) وهو حديث ضعيف، ضعفه الألباني ﵀.
لكن الجملة الأولى منه صحت بلفظ: (أعلنوا) كما في حديث الباب.
وقد استحب بعض العلماء إخفاء الخِطبة خوفاً من الحسدة الذين يسعون للإفساد بينه وبين أهل المخطوبة.
ويشهد لهذا ما يروى عن النبي ﷺ (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمةٍ محسود) رواه الطبراني وهو ضعيف.
وهذا ليس خاصاًّ بالخطبة، بل ينبغي للإنسان أن لا يظهر نعمة الله عليه أمام من يحسده عليها.
стр. 1788
٩٨٢ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْمَدِينِيِّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ.
٩٨٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا اِمْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا اَلْمَهْرُ بِمَا اِسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث أبي موسى حديث صحيح بشواهده.
وأما حديث عائشة، فقد رواه الترمذي (١١٠٨) وحسّنه، وقال الحافظُ: "وصحّحه أبو عوانه وابنُ خزيمة، وابنُ حبان والحاكم" [الفتح ٩/ ١٨٤]
• ما حكم الولي في عقد النكاح؟
ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط الولي، وأنه لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها.
بل نقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر قوله: إنّه لا يُعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
وقال البغوي في (شرح السُنّة) والعمل على حديث النبي ﷺ : لا نكاح إلا بولي، عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم.
والأدلة على شرطية الولي كثيرة.
أ- قال تعالى (فَلا تَعْضُلُوهُن).
فقد جاء في سبب نزولها ما رواه البخاري: عن مَعْقِل بْن يَسَار (أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتاً لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَداً، وَكَانَ رَجُلاً لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاه). رواه البخاري
стр. 1789
قال الحافظ ابن حجر في شأن هذه الآية: وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لرفضه معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها.
وقال القرطبي: ففي الآية دليلٌ على أنّه لا يجوزُ النكاحُ بغير ولي لأنّ أُختَ معقل كانت ثيباً، ولو كان الأمرُ إليها دون وليها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل فالخطاب إذاً في قوله تعالى (فلا تعضلوهن) للأولياء، وأنّ الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن.
وقال الإمام الطبري: وفي هذه الآية الدلالةُ الواضحة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي من العصبة، وذلك لأنّ الله - تعالى ذكره - منع الوليّ من عضل المرأة إن أرادت النكاح ونهاه عن ذلك، فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها، أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم.
ب-وقال تعالى (ولا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .. ) فالذي يُنكح هو الولي، فالخطاب للأولياء.
قال الحافظ في الفتح: ووجه الاحتجاج من الآية والتي بعدها أنّه تعالى خاطب بالنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء فكأنه قال: لا تُنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين.
وقال ابن كثير: لا تُزوِّجوا الرجالَ المشركين النساء المؤمنات.
وقال القرطبي في الجامع: وفي هذه الآية دليل بالنصّ على أنه لا نكاح إلا بولي.
ج- وكذلك قول الشيخ الكبير لموسى (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ).
د- وعن أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله ﷺ (لا نكاح إلا بولي) رواه أبوداود.
هـ- وعن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) رواه أبوداود.
و- وقال ﷺ (لا تزوج المرأة نفسها) رواه ابن ماجه.
ك- وقول عمر لعثمان - بعد أن تأيمت حفصة - (إن شئت أنكحتك حفصة) رواه البخاري.
стр. 1790
• وذهب بعض العلماء وهو مذهب الحنفية إلى أنه لا يشترط الولي.
قالوا: قياساً على البيع.
والصحيح مذهب الجمهور، ويرجح ذلك عدة أمور:
أولاً: أن اشتراط الولي فيه صيانة للمرأة عما يشعر في وقاحتها وميلها إلى الرجال.
ثانياً: أن الرجال أقدر من النساء على البحث عن أحوال الخاطب، فإن المرأة قاصرة في فعلها وفي اختيارها، فقد لا توفق للرجل الكفء.
ثالثاً: أن اشتراط الولي فيه مزيد إعلان للنكاح.
رابعاً: أن ارتباط المرأة بالرجل الذي تختاره، ليس شأناً خاصاً بها، وإنما يهم الموضوع أباها وأخاها بل والأسرة بأكملها.
وأما قياسهم على البيع فهذا قياس لا يصح لأمرين:
أولاً: هذا قياس باطل، لأنه في مقابلة النص.
ثانياً: لأن عقد النكاح أخطر من عقد البيع.
قال الحافظ في الفتح: وذهب أبو حنيفة إلى انه لا يُشترط الولي أصلاً، ويجوز أن تُزوِّج المرأةُ نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤاً، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة وخصّ بهذا القياس عمومها-وهو عمل سائغ في الأصول وهو جواز تخصيص العموم بالقياس-لكنّ حديث معقل المذكور رفع هذا القياس.
قال ابن قدامة: النكاح لا يصح إلا بولي ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها فإن فعلت لم يصح النكاح.
روي هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، وعبيد الله العنبري، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد.
تنبيه: احتجاج بعضهم بحديث (الثيب أحق بنفسها من وليها) لا حجة لهم فيه؛ لأن معناه كما قال النووي (أن لها في نفسها حقاً، ولوليها حقاً، وحقها أوكد من حقه، فإنه لو أراد تزويجها كفئاً وامتنعت لم تجبر).
ونقل صاحب عون المعبود عن ابن الجوزي قوله (إنه أثبت لها حقاً، وجعلها أحق؛ لأنه لا يجوز للولي أن يزوجها إلا بإذنها)
وقال الصنعاني (أحقيته الولاية، وأحقيتها رضاها، فحقها آكد من حقه، لتوقف حقه على إذنها) فتأويل الحنفية لهذا الحديث ترده الأخبار الصحيحة المفيدة لاشتراط الولي.
следующие страницы →