Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
وهذه أدلتها مرتبة:
أولاً: عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى) متفق عليه.
ثانياً: عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِين) رواه البخاري.
قال المهلب: في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح. انتهى من (فتح الباري).
قال ابن بطال: اتفق العلماء على جواز اللهو في وليمة النكاح، مثل ضرب الدف وشبهه ما لم يكن محرمًا ". انتهى من " شرح صحيح البخاري" لابن بطال.
ثالثاً: عن بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ ﵁ قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلاَّ فَلَا) فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ). رواه الترمذي.
قال ابن القيم ﵀: حديث صحيح، وله وجهان:
أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح؛ تطييباً لقلبها؛ وجبراً، وتأليفاً لها على زيادة الإيمان، وقوته، وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ .
والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالماً، مؤيداً، منصوراً على أعدائه، قد أظهره الله، وأظهر دينه، وهذا من أفضل القُرَب، فأُمرت بالوفاء به. (إعلام الموقعين).
وقال العراقي في (طرح التثريب) وقد يقترن بالضرب بالدف قصد جميل كجبر يتيمة في عرسها، وإظهار السرور بسلامة من قد يعود نفعه على المسلمين، ومن ذلك: ضرب هذه المرأة بالدف، فهو مباح بلا شك" انتهى.
وقال زكريا الأنصاري في (أسنى المطالب) وضرب الدف مباح في العرس والختان وغيرهما مما هو سبب لإظهار السرور كعيد وقدوم غائب .... وذكر حديث الجارية المتقدم.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) تعقيباً على حديث الجارية: "وهذا نص في إباحة الغناء عند قدوم غائب تأكيداً للسرور" انتهى.
فهذه الأحاديث تدل على جواز الضرب بالدف في هذه المواطن الثلاثة، وما عدا ذلك فيبقى على الأصل وهو التحريم، وتوسع بعض العلماء فقالوا يجوز الضرب بالدف في الولادة والختان، وتوسع آخرون أكثر فقالوا بجوازه في كل ما سبب لإظهار السرور كشفاء مريض ونحوه. (انظر الموسوعة الفقهية ٣٨/ ١٦٩).
والأولى الاقتصار على ما ورد به النص والله اعلم .... (الإسلام سؤال وجواب).
стр. 1787
• ما حكم ضرب الدف للرجال؟
اختلف العلماء في حكم الضرب به للرجال في الأعراس:
فمذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة: الجواز.
لأن الأحاديث لم تفرق بين الرجال والنساء.
وذهب الحنفية، وبعض العلماء من المذاهب الأخرى إلى اختصاص الضرب به بالنساء؛ لأن المعهود في عهد النبي ﷺ والصحابة أن يضرب به النساء لا الرجال، وهو من الأعمال الخاصة بهن.
وهو اختيار الحافظ ابن حجر، وابن قدامة المقدسي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء.
قال ابن حجر: والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: وإنما الرخصة لهن في استعمال الدف خاصة، أما الرجال فلا يجوز لهم استعمال شيء من ذلك لا في الأعراس ولا في غيرها، وإنما شرع الله للرجال التدرب على آلات الحرب كالرمي وركوب الخيل والمسابقة بها وغير ذلك.
وقال أيضاً ﵀ أما الزواج فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد الذي ليس فيه دعوة إلى محرم ولا مدح لمحرم في وقت من الليل للنساء خاصة لإعلان النكاح والفرق بينه وبين السفاح كما صحت السنة بذلك عن النبي ﷺ .
فائدة:
قال ابن قدامة في المغني: فإن عقده بولي وشاهدين فأسروه أو تواصوا بكتمانه كره ذلك وصح النكاح.
وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر، وممن كره نكاح السر عمر ﵁، وعروة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والشعبي ونافع ـ مولى ابن عمر.
وقال أبو بكر عبد العزيز النكاح باطل، لأن أحمد قال: إذا تزوج بولي وشاهدين: لا، حتى يعلنه، وهذا مذهب مالك.
ولنا قوله: لا نكاح إلا بولي.
مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد الإظهار، ولأنه عقد معاوضة فلم يشترط إظهاره كالبيع، وأخبار الإعلان يراد بها الاستحباب، بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت، وليس ذلك بواجب فكذلك ما عطف عليه.
وقول أحمدـ: لا، نهي كراهة، فإنه قد صرح فيما حكينا عنه قبل هذا باستحباب ذلك، ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في الغالب بعد عقده ولو كان شرطاً لاعتبر حال العقد كسائر الشروط. (المغني).
فائدة:
ورد حديث (أسروا الخطبة وأَعْلِنُوا النِّكَاح) وهذا الحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس بلفظ: (أظهروا النكاح وأخفوا الخِطبة) وهو حديث ضعيف، ضعفه الألباني ﵀.
لكن الجملة الأولى منه صحت بلفظ: (أعلنوا) كما في حديث الباب.
وقد استحب بعض العلماء إخفاء الخِطبة خوفاً من الحسدة الذين يسعون للإفساد بينه وبين أهل المخطوبة.
ويشهد لهذا ما يروى عن النبي ﷺ (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمةٍ محسود) رواه الطبراني وهو ضعيف.
وهذا ليس خاصاًّ بالخطبة، بل ينبغي للإنسان أن لا يظهر نعمة الله عليه أمام من يحسده عليها.
стр. 1788
٩٨٢ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْمَدِينِيِّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ.
٩٨٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا اِمْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا اَلْمَهْرُ بِمَا اِسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث أبي موسى حديث صحيح بشواهده.
وأما حديث عائشة، فقد رواه الترمذي (١١٠٨) وحسّنه، وقال الحافظُ: "وصحّحه أبو عوانه وابنُ خزيمة، وابنُ حبان والحاكم" [الفتح ٩/ ١٨٤]
• ما حكم الولي في عقد النكاح؟
ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط الولي، وأنه لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها.
بل نقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر قوله: إنّه لا يُعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
وقال البغوي في (شرح السُنّة) والعمل على حديث النبي ﷺ : لا نكاح إلا بولي، عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم.
والأدلة على شرطية الولي كثيرة.
أ- قال تعالى (فَلا تَعْضُلُوهُن).
فقد جاء في سبب نزولها ما رواه البخاري: عن مَعْقِل بْن يَسَار (أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتاً لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَداً، وَكَانَ رَجُلاً لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاه). رواه البخاري
стр. 1789
قال الحافظ ابن حجر في شأن هذه الآية: وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لرفضه معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها.
وقال القرطبي: ففي الآية دليلٌ على أنّه لا يجوزُ النكاحُ بغير ولي لأنّ أُختَ معقل كانت ثيباً، ولو كان الأمرُ إليها دون وليها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل فالخطاب إذاً في قوله تعالى (فلا تعضلوهن) للأولياء، وأنّ الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن.
وقال الإمام الطبري: وفي هذه الآية الدلالةُ الواضحة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي من العصبة، وذلك لأنّ الله - تعالى ذكره - منع الوليّ من عضل المرأة إن أرادت النكاح ونهاه عن ذلك، فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها، أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم.
ب-وقال تعالى (ولا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .. ) فالذي يُنكح هو الولي، فالخطاب للأولياء.
قال الحافظ في الفتح: ووجه الاحتجاج من الآية والتي بعدها أنّه تعالى خاطب بالنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء فكأنه قال: لا تُنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين.
وقال ابن كثير: لا تُزوِّجوا الرجالَ المشركين النساء المؤمنات.
وقال القرطبي في الجامع: وفي هذه الآية دليل بالنصّ على أنه لا نكاح إلا بولي.
ج- وكذلك قول الشيخ الكبير لموسى (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ).
د- وعن أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله ﷺ (لا نكاح إلا بولي) رواه أبوداود.
هـ- وعن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) رواه أبوداود.
و- وقال ﷺ (لا تزوج المرأة نفسها) رواه ابن ماجه.
ك- وقول عمر لعثمان - بعد أن تأيمت حفصة - (إن شئت أنكحتك حفصة) رواه البخاري.
стр. 1790
• وذهب بعض العلماء وهو مذهب الحنفية إلى أنه لا يشترط الولي.
قالوا: قياساً على البيع.
والصحيح مذهب الجمهور، ويرجح ذلك عدة أمور:
أولاً: أن اشتراط الولي فيه صيانة للمرأة عما يشعر في وقاحتها وميلها إلى الرجال.
ثانياً: أن الرجال أقدر من النساء على البحث عن أحوال الخاطب، فإن المرأة قاصرة في فعلها وفي اختيارها، فقد لا توفق للرجل الكفء.
ثالثاً: أن اشتراط الولي فيه مزيد إعلان للنكاح.
رابعاً: أن ارتباط المرأة بالرجل الذي تختاره، ليس شأناً خاصاً بها، وإنما يهم الموضوع أباها وأخاها بل والأسرة بأكملها.
وأما قياسهم على البيع فهذا قياس لا يصح لأمرين:
أولاً: هذا قياس باطل، لأنه في مقابلة النص.
ثانياً: لأن عقد النكاح أخطر من عقد البيع.
قال الحافظ في الفتح: وذهب أبو حنيفة إلى انه لا يُشترط الولي أصلاً، ويجوز أن تُزوِّج المرأةُ نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤاً، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة وخصّ بهذا القياس عمومها-وهو عمل سائغ في الأصول وهو جواز تخصيص العموم بالقياس-لكنّ حديث معقل المذكور رفع هذا القياس.
قال ابن قدامة: النكاح لا يصح إلا بولي ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها فإن فعلت لم يصح النكاح.
روي هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، وعبيد الله العنبري، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد.
تنبيه: احتجاج بعضهم بحديث (الثيب أحق بنفسها من وليها) لا حجة لهم فيه؛ لأن معناه كما قال النووي (أن لها في نفسها حقاً، ولوليها حقاً، وحقها أوكد من حقه، فإنه لو أراد تزويجها كفئاً وامتنعت لم تجبر).
ونقل صاحب عون المعبود عن ابن الجوزي قوله (إنه أثبت لها حقاً، وجعلها أحق؛ لأنه لا يجوز للولي أن يزوجها إلا بإذنها)
وقال الصنعاني (أحقيته الولاية، وأحقيتها رضاها، فحقها آكد من حقه، لتوقف حقه على إذنها) فتأويل الحنفية لهذا الحديث ترده الأخبار الصحيحة المفيدة لاشتراط الولي.
стр. 1791
• ما الجواب عن حديث الواهبة، حيث قال الجصاص: ولم يسألها هل لها ولي أم لا؟ ولم يشترط الولي في جواز عقدها؟
الجواب: إنها قد وكلت النبي ﷺ في تزويجها، ويدل عليه قوله ﷺ (زوجناكها بما معك من القرآن) فترجم البخاري لهذا الحديث وقال: باب السلطان ولي، لقول النبي ﷺ : زوجناكها بما معك من القرآن.
قال الحافظ: وقد ورد التصريح بأن السلطان ولي في حديث عائشة المرفوع (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل … ).
وقال ابن القيم: فإن الواهبة كانت تحل لرسول الله ﷺ وقد جعلت أمرها إليه، فزوجها بالولاية.
• ما الحكمة من اشتراط الولي؟
جاء في روضة الناظر وجنة المناظر (١/ ٤٧٩) " … الضرب الثاني: ما يقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية حسن المناهج في العبادات والمعاملات، كاعتبار الولي في النكاح؛ صيانة للمرأة عن مباشرة العقد؛ لكونه مشعرًا بتوقان نفسها إلى الرجال، فلا يليق ذلك بالمروءة، ففوض ذلك إلى الولي؛ حملًا للخلق على أحسن المناهج.
وفي هذه المسألة بعينها يقول السبكي ﵀ … لأن الأليق بمحاسن العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد؛ لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، وذلك غير لائق بالمروءة، ففوضه الشرع إلى الولي حملاً للخلق على أحسن المناهج.
• ما شروط الولي؟
أن يكون مكلفاً (بالغاً عاقلاً): لأن غير المكلف يحتاج من يتولى أمره فكيف يتولى أمر غيره.
قال ابن قدامة: وأما العقل فلا خلاف في اعتباره.
أن يكون ذكراً: فالمرأة لا تكون ولية في النكاح، لأنها هي بحاجة إلى ولي فكيف تتولى أمر غيرها.
أن يكون رشيداً: وهو معرفة الكفء ومصالح النكاح.
الأمانة: أي ائتمان الولي على موليته، فلا يزوجها إلا بكفء.
اتفاق الدين: فلا يكون الكافر ولياً في النكاح. كما قال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض). لكن لو كان الولي مسلماً وابنته كافرة فإنه يعقد لها، والسبب: لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه
• من هو الولي؟
وولي المرأة هو: أبوها، ثم أبوه، ثم ابنها ثم ابنه (هذا إن كان لها ولد)، ثم أخوها لأبيها وأمها، ثم أخوها لأبيها فقط، ثم أبناؤهما، ثم العمومة، ثم أبناؤهم، ثم عمومة الأب، ثم السلطان.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: جهات الولاية في عقد النكاح خمس، أبوة، ثم بنوة، ثم أخوة، ثم عمومة، ثم ولاء، فإن كانوا في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة، والأقرب هو الذي يجتمع مع الآخر قبل المحجوب، فمن بينه وبين الجد ثلاثة أقرب ممن بينه وبين الجد أربعة، وهلم جرّاً، فإن كانوا في منزلة واحدة فالأقوى، فأخ شقيق وأخ لأب، الولي الأخ الشقيق. (الشرح الممتع).
стр. 1792
• ما الحكم إذا زوجها الولي الأبعد مع وجوب الأقرب؟
قال ابن قدامة ﵀: إذا زوجها الولي الأبعد مع حضور الولي الأقرب، فأجابته إلى تزويجها من غير إذنه: لم يصح. وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: يصح لأن هذا ولي له أن يزوجها بإذنها كالأقرب.
ولنا: أن هذا مستحق بالتعصيب، فلم يثبت للأبعد مع وجود الأقرب؛ كالميراث. وبهذا فارق القريب. (المغني).
وقال البهوتي ﵀: وإن زوج الأبعد أو (زوج أجنبي) ولو حاكما (من غير عذر) للأقرب (لم يصح) النكاح لعدم الولاية من العاقد عليها مع وجود مستحقها. (الروض المربع).
• متى يجوز تزويج الولي الأبعد؟
قال الحجاوي ﵀ في (زاد المستقنع) فَإِنْ عَضَلَ الأَقْرَبُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً، أَوْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ، وَمَشَقَّةٍ زَوَّجَ الأَبْعَدُ.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه: قوله: (أهلاً) يعني ليس أهلاً للولاية، مثل أن يكون صغيراً أو فاسقاً، أو مخالفاً في الدين، أو ما أشبه ذلك؛ فإن وجود من ليس بأهل كالعدم لا فائدة من وجوده. (الشرح الممتع).
وسئل ﵀: امرأة عقد لها ابنها مع وجود أبيها، ما حكم هذا العقد؟
فأجاب: "ننظر أيهما أولى أن يزوج المرأة أبوها أو ابنها؟ الجواب: أبوها هو الذي يزوجها، فإذا زوجها ابنها مع وجود الأب فإن كان الأب في مكان بعيد لا يمكن مراجعته فلا حرج، أو كان الأب منعها أن يزوجها من هذا الشخص الذي رضيته وهو كفء في دينه وخلقه فلا بأس أن يزوجها ابنها، أما إذا كان الأب حاضراً ولم يمتنع فالعقد غير صحيح وتجب إعادته. (لقاء الباب المفتوح لقاء).
فوائد:
- قال ابن قدامة ﵀: عن العقد بدون ولي: فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم، أو كان المتولي لعقده حاكماً، لم يجز نقضه، وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة. وذهب بعض العلماء إلى أنه ينقض، لأنه خالف نصاً. والأوّل أولى; لأنها مسألة مختلف فيها، ويسوغ فيها الاجتهاد
- إذا كان ولي المرأة في النكاح هو ابن عمها وأراد أن يتزوجها، فلا حرج في ذلك إن رضيت به.
- قال ابن قدامة ﵀: وليُّ المرأة التي يحل له نكاحها - وهو ابن العم، أو المولى، أو الحاكم، أو السلطان - إذا أذِنت له أن يتزوجها: فله ذلك.
- يشترط في الولي أن يكون عاصباً، أي: أن تكون قرابته من العصبة، أما ذوو الأرحام، والإخوة من الأم فليسوا من الأولياء. (ابن عثيمين).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- حرص الشريعة على المرأة.
- أن الرجل أقدر وأعرف بالأمور العامة.
- أن المرأة التي ليس ولي، فإن وليها السلطان.
- الحديث دليل على أن المرأة تستحق المهر بالدخول.
стр. 1793
٩٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تُنْكَحُ اَلْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ اَلْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: " أَنْ تَسْكُتَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٩٨٥ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (اَلثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ) لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ اَلثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
(لَا تُنْكَحُ اَلْأَيِّمُ) هي التي يموت زوجها، أو تبين منه وتنقضي عدتها، وأكثر ما تطلق على من مات زوجها. [قاله الحافظ ابن حجر]
(حَتَّى تُسْتَأْمَرَ) أصل الاستئمار طلب الأمر، فالمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، وتؤخذ من قوله (تستأمر) أنه لا يعقد إلا بعد أن تأمر بذلك.
(اَلْبِكْرُ) هي العذراء التي لم يسبق لها زواج ولا وطء، لكن خص العلماء بالبكر هنا البالغة التي تدرك أمور النكاح، وإنما حملت على البالغة لأن الشرع جعل لإذنها اعتباراً، ومعلوم أن الصغيرة [كمن عمرها ثمان أو تسع] لا تدرك مقاصد الزواج ولا تعرف صفات الأزواج.
(حَتَّى تُسْتَأْذَن) أي: يطلب الإذن منها ليعقد لها وليها الزواج، والفرق بين الإذن والاستئمار: أن الاستئمار طلب الأمر، ومعلوم أن طلب الأمر لا بد أن يكون بالقول، أما الإذن فلا يشترط أن يكون بالقول بل يكون بالقول وقد يكون بالسكوت، واكتفي بالسكوت من البكر: لان البكر قد تستحي ولا تصرح فاكتفي منها بالسكوت بعكس الثيب فطلب منها أن تصدع برأيها ..
• هل يشترط إذن المرأة في نكاحها؟
إذن المرأة في الزواج له أحوال:
أولاً: أن تكون البنت بكراً صغيرة، فهذه يجوز تزويجها من غير إذنها.
قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز، إذا زوجها من كفء.
وقال المهلب: وأجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها.
وقال ابن بطال: يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعاً، ولو كانت في المهد، لكن لا يمكّن منها حتى تصلح للوطء.
وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة ولا يشاورها، لتزويج رسول الله ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين، إلا أن العراقيين قالوا: لها الخيار إذا بلغت، وأبى ذلك أهل الحجاز، ولا حجة مع من جعل لها الخيار - عندي - والله أعلم.
وقال ابن حزم: وللأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر ما لم تبلغ بغير إذنها، ولا خيار لها إذا بلغت … ثم قال: قال ابن شبرمة: لا يجوز إنكاح الأب ابنته الصغيرة إلا حتى تبلغ وتأذن، ورأى أمر عائشة ﵂ خصوصاً للنبي ﷺ .
стр. 1794
ثم قال ابن حزم: الحجة في إجازة إنكاح الأب ابنته الصغيرة البكر، إنكاح أبي بكر ﵁ النبي ﷺ من عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين، وهذا أمر مشهور غنيناً عن إيراد الإسناد فيه، فمن ادعى أنه خصوص لم يلتفت لقوله، لقول الله (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) فكل ما فعله ﷺ فلنا أن نتأسى به فيه، إلا أن يأتي نص بأنه له خصوص.
(المحلى).
أ-عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِين) متفق عليه.
وجه الدلالة: تزويج أبي الصديق ابنته عائشة إلى رسول الله ﷺ وهي صغيرة، ومعلوم أنها لم تك في تلك الحال ممن يعتبر إذنها.
قال النووي: هَذَا صَرِيح فِي جَوَاز تَزْوِيج الْأَب الصَّغِيرَة بِغَيْرِ إِذْنهَا لِأَنَّهُ لَا إِذْن لَهَا، وَالْجَدّ كَالْأَبِ عِنْدنَا، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَاب الْمَاضِي بَسْط الِاخْتِلَاف فِي اِشْتِرَاط الْوَلِيّ، وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز تَزْوِيجه بِنْته الْبِكْر الصَّغِيرَة لِهَذَا الْحَدِيث، وَإِذَا بَلَغَتْ فَلَا خِيَار لَهَا فِي فَسْخه عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَسَائِر فُقَهَاء الْحِجَاز، وَقَالَ أَهْل الْعِرَاق: لَهَا الْخِيَار إِذَا بَلَغَتْ. أَمَّا غَيْر الْأَب وَالْجَدّ مِنْ الْأَوْلِيَاء فَلَا يَجُوز أَنْ يُزَوِّجهَا عِنْد الشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِك وَابْن أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَد وَأَبِي ثَوْر وَأَبِي عُبَيْد وَالْجُمْهُور قَالُوا: فَإِنْ زَوَّجَهَا لَمْ يَصِحّ.
ب- فعل الصحابة: فقد زوّج علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم وهي صغيرة، عمر بن الخطاب. أخرجه البيهقي.
ثانياً: أن تكون ثيباً.
فهذه لا بد من رضاها واستئمارها بذلك.
قال ابن تيمية: وأما البالغ الثيب فلا يجوز تزويجها بغير إذنها لا للأب ولا لغيره بإجماع المسلمين.
أ- لحديث الباب (لَا تُنْكَحُ اَلْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ).
وفي رواية (الأيم أحق بنفسها من وليها).
فعلق رسول الله ﷺ صحة نكاح الثيّب على إذنها، فدل على أنها لا تزوج إلا بإذنها.
ب- وعَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ (أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْىَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهَا) رواه البخاري.
وجه الدلالة: ردّ الرسول ﷺ نكاح خنساء، لأنها زوّجت بغير إذنها، مع أن المزوّج كان أباً.
ج- أن الثيب الكبيرة، رشيدة، عالمة بالمقصود من النكاح، وقد خبرت الرجال، وهي أدرى بمصلحتها، فلم يجز إجبارها على النكاح.
ثالثاً: البكر البالغ.
стр. 1795
فهنا اختلف العلماء، هل للأب أن يزوجها بغير إذنها أم لا على قولين:
القول الأول: لا يجب إذنها، وإنما يستحب، فيجوز للأب إجبارها.
وهذا مذهب مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وعليها جماهير أصحابه.
واستدلوا بحديث الباب بالمفهوم، لأنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها، وأما الاستئذان فهو تطييب لخاطرها.
القول الثاني: يجب استئذانها ولا تجبر على النكاح.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والثوري، ورجحه ابن المنذر.
أ-واستدلوا بالحديث (لا تنكح البكر حتى تستأذن).
وجه الدلالة: فعلق النبي ﷺ النكاح على الإذن، فدل على أنه واجب.
ورواية (والبكر يستأذنها أبوها في نفسها) وهذا نص في محل النزاع.
ب- وعن ابن عباس: (أن جارية أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ رواه أبو داود. (هذا الحديث أعله أبو حاتم، وأبو زرعة، والبيهقي بالإرسال، وقد رد ابن القيم التعليل بالإرسال).
ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ ردّ نكاح البكر التي زوجها أبوها وهي كارهة، فدل على أن إذن البكر لا بد منه في النكاح، وهذا الحديث مختلف فيه، وقد صححه ابن القيم.
وهذا القول هو الراجح.
ورجحه ابن القيم، وقال: وهو الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم الرسول ﷺ وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته.
تنبيه: أما غير الأب، فلا يجوز له أن يزوج البكر الكبيرة بالاتفاق.
قال الشافعي: ولم أعلم أهل العلم اختلفوا في أنه ليس لأحد من الأولياء غير الآباء أن يزوّج بكراً ولا ثيباً إلا بإذنها.
стр. 1796
• بم يكون إذن الثيب والبكر؟
أما الثيب، فقد اتفق الفقهاء أن إذنها بالنطق.
أ-لحديث الباب (لَا تُنْكَحُ اَلْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ اَلْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ .. ).
وجه الدلالة: إخبار الرسول ﷺ بأن إذن البكر هو السكوت، فدل بمفهومه على أن إذن الثيّب بالنطق
ب- قال ﷺ (الثيب تعرب عن نفسها) رواه أحمد وابن ماجه.
وجه الدلالة: أن الحديث صريح في أن الثيب تعرب عن نفسها، والإعراب لا يكون إلا بالكلام.
ج-من المعقول: أن البكر تستحي لعدم مخالطة الرجال، والحياء يمنعها من النطق، فلذلك جعل إذنها سكوتها، وأما الثيب فقد مارست الرجال، وخالطتهم فلم يبق لديها حياء الأبكار، فجعل إذنها بالنطق.
وأما البكر، فإذنها الصمت.
وبهذا قال عامة العلماء.
لحديث الباب.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن من شروط النكاح رضا الزوجين.
- حكمة الشرع، حيث فرق بين إذن البكر والثيب.
стр. 1797
٩٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُزَوِّجُ اَلْمَرْأَةُ اَلْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ اَلْمَرْأَةُ نَفْسَهَا) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
رجح ابن عبد الهادي وقفه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في النكاح، فلا تزوج نفسها، ولا تزوج غيرها.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الإشارة إلى قصور المرأة.
- حكمة الشرع في التفريق في بعض الأحكام بين الرجال والنساء.
стр. 1798
٩٨٧ - وَعَنْ نَافِعٍ، عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ; وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ اَلرَّجُلُ اِبْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ اَلْآخَرُ اِبْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ اَلشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِع.
===
• عرف نكاح الشغار؟
الشغار: بالتشديد والكسر من شغر الكلب برجله إذا رفعها، بال أو لم يبل، أو من شغر المكان من أهله، أو من شغرت القرية من أميرها.
واصطلاحاً: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق، وسمي نكاح الشغار شغاراً: لأن المتزوجين يرفعان المهر بينهما، أو أنهما يخليان النكاح من المهر.
• ما حكم هذا النكاح؟
حرام ويبطل النكاح.
أ- لحديث الباب.
ب-وعن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ) رواه مسلم.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز.
• ما الحكم إذا وقع نكاح الشغار؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن النكاح باطل، سواء وقع قبل الدخول أم بعده.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث الباب، وفيما معناه من الآثار التي تدل على النهي عن نكاح الشغار، وأن النهي عن الشيء حكم بفساده وبطلانه.
القول الثاني: أنه إذا وقع على صورة الشغار، فهو صحيح، ويجب فيه مهر المثل.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
والراجح الأول.
стр. 1799
• ما العلة من التحريم؟
قال ابن القيم ﵀: واختلف في علة النهي:
فقيل: هي جعل كل واحد من العقدين شرطاً في الآخر.
وقيل: العلة التشريك في البُضع، وجعل بضع كل واحدة مهراً للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب. (زاد المعاد).
وقال الشوكاني مبيناً علة النهي:
الأول: هي خلو بضع كل منهما من الصداق - وليس المقتضي للبطلان عندهم مجرد ترك ذكر الصداق؛ لأن النكاح يصح بدون
تسميته - بل المقتضي لذلك جعل البضع صداقاً.
ثانياً: التعليق والتوقيف؛ وكأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح ابنتي حتى ينعقد لي نكاح ابنتك. قال الخطابي: كان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة ويستثني عضوا منها، وهذا مما لا خلاف في فساده. قال الحافظ: وتقرير ذلك أنه يزوج وليته ويستثني بضعه، حيث يجعله صداقا للأخرى. وقال المؤيد بالله وأبو طالب: العلة كون البضع صار ملكاً للأخرى.
- ومن الحكم: أن الغالب أن الولي لا يختار الكفء لموليته، لأنه يريد شخصاً يزوجه ويبادله.
• ما الحكم لو سمي المهر؟
اختلف العلماء لو سمي المهر على قولين:
القول الأول: أنه يصح.
لتفسير نافع: (وليس بينهما صداق) فإذا جعل صداقاً فليس بشغار.
القول الثاني: أنه لا يصح ولو سمي مهراً.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1800
لما جاء أن العباس بن عبد الله بن العباس (أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقاً، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ . رواه أبو داود وهو حديث حسن
فهذا معاوية قضى بالتفريق بين الزوجين الذين تزوجا بالشغار وكانا جعلا صداقاً.
قال الشيخ ابن باز: فهذه الحادثة التي وقعت في عهد أمير المؤمنين معاوية توضح لنا معنى الشغار الذي نهى عنه الرسول ﷺ في الأحاديث المتقدمة، وأن تسمية الصداق لا تصحح النكاح ولا تخرجه عن كونه شغاراً؛ لأن العباس بن عبد الله، وعبد الرحمن بن الحكم قد سميا صداقاً، ولكن لم يلتفت معاوية ﵁ إلى هذه التسمية وأمر بالتفريق بينهما، وقال: (هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ومعاوية ﵁ أعلم باللغة العربية وبمعاني أحاديث الرسول ﷺ من نافع مولى ابن عمر رضي الله عن الجميع.
أما العلاج لمن وقع في نكاح الشغار وهو يرغب في زوجته وهي ترغب فيه: فهو تجديد النكاح بولي، ومهر جديد، وشاهدي عدل؛ وبذلك تبرأ الذمة وتحل الزوجة، مع التوبة إلى الله سبحانه مما سلف. (انتهى).
• قال النووي: وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء، كالبنات في هذا.
• قال بعض العلماء: إذا توفرت في هذا النكاح ثلاثة شروط فإنه يصح ولا محظور وهي:
رضا الزوجين، ومهر المثل، وأن يكون الزوج كفواً، وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀.
стр. 1801
٩٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ: أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا اَلنَّبِيُّ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صححه بعض العلماء.
وأعله جمع منهم بالإرسال، أعله أبو حاتم، وأبو زرعة، والبيهقي، وقد رد ابن القيم التعليل بالإرسال.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لا يجوز للأب أن يجبر ابنته البكر على النكاح، وقد تقدمت المسألة.
ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ ردّ نكاح البكر التي زوجها أبوها وهي كارهة، فدل على أن إذن البكر لا بد منه في النكاح.
стр. 1802
٩٨٩ - وَعَنْ اَلْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (أَيُّمَا اِمْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حَسَنٌ. وقالَ الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ. ووافَقَه الذَّهَبِيُّ، وصحَّحَه أيضاً أبو زُرْعَةَ وأبو حاتِمٍ.
وقالَ الحافِظُ: صِحَّتُه مُتوقِّفَةٌ على ثُبوتِ سَماعِ الحَسَنِ من سَمُرَةَ، فإنَّ رِجالَه ثقاتٌ، ويُرْوَى عن عليٍّ نحوُه مَوْقوفاً عندَ البَيْهَقِيِّ من طَريقِ خلاسِ بنِ عَمْرٍو الهَجَرِيِّ، وخلاسٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ، ولكنْ مَعَ انقِطاعِه، فإنَّ رِجالَ إسنادِه ثِقاتٌ.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن المرأة إذا زوجها وليان - وعلِم الأسبق - فإنها تكون زوجة للرجل الأول، ويكون الثاني باطلاً، لأنها بالزواج الأول صارت في عصمة زوج.
قال ابن قدامة: فإذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما، وجملة ذلك: أنه إذا كان للمرأة وليان فأذنت لكل واحد منهما في تزويجها، جاز، سواء أذنت في رجل معين أو مطلقاً، فقالت: قد أذنت لكل واحد من أوليائي في تزويجي من أراد.
فإذا زوجها الوليان لرجلين، وعلم السابق منهما، فالنكاح له، دخل بها الثاني أو لم يدخل.
وهذا قول الحسن، والزهري، وقتادة، وابن سيرين، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.
وبه قال عطاء، ومالك، ما لم يدخل بها الثاني، فإن دخل بها الثاني صار أولى.
ولنا، ما روى سمرة، وعقبة، عن النبي ﷺ أنه قال (أيما امرأة زوجها وليان، فهي للأول) أخرج حديث سمرة أبو داود، والترمذي، وأخرجه النسائي عنه وعن عقبة وروي نحو ذلك عن علي، وشريح.
ولأن الثاني تزوج امرأة في عصمة زوج، فكان باطلاً، كما لو علم أن لها زوجاً.
ولأنه نكاح باطل لو عري عن الدخول، فكان باطلاً وإن دخل، كنكاح المعتدة والمرتدة، وكما لو علم. (المغني).
стр. 1803
٩٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ أَوْ أَهْلِهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَكَذَلِكَ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
(بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) أي: أسياده.
(فَهُوَ عَاهِرٌ) أي: زاني.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث إسناده ضعيف، الراوي عن جابر هو: عبد الله بن محمد عقيل، وتفرد بهذا الحديث عن جابر، ولم يتابعه عليه أحد، ومثله لا يقبل عند التفرد.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لا يجوز للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنه ليس للعبد أن ينكح بغير إذن سيده.
وقال القرطبي: وقد أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده.
لحديث الباب.
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ شبّه زواج العبد بغير إذن سيده بالزنا، والزنا محرّم إجماعاً، فكذلك زواج العبد بغير إذن سيده.
ولأن نكاح العبد يُسبب نقص قيمته، ويستحق كسبه بالمهر والنفقة، وفي ذلك إضرار بالمولى، فلم يجز من غير إذنه.
• ما الحكمة من النهي؟
قال الخطابي: العاهر الزاني والعهر الزنى، وإنما بطل نكاح العبد من أجل أن رقبته ومنفعته مملوكتان لسيده، وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده، وكان في ذلك ذهاب حقه، فأبطل النكاح إبقاء لمنفعته على صاحبه، وممن أبطل عقد هذا النكاح الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال مالك وأصحاب الرأي إن أجازه السيد جاز وإن أبطله بطل، وعند الشافعي لا يثبت النكاح وإن أجازه السيد لأن عقد النكاح لا يقع عنده موقوفاً على إجازة الولي.
стр. 1804
• ما حكم زواج العبد بإذن سيده؟
جائز بالإجماع.
قال القرطبي: وأجمع أهل العلم على أن نكاح العبد جائز بإذن مولاه.
• ما الحكم إذا تزوج العبد بغير إذن سيده؟
اختلف العلماء في هذا النكاح على قولين:
القول الأول: نكاحه باطل.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد.
قال في المغني: وهو قول عثمان، وابن عمر، وبه قال شريح، وهو مذهب الشافعي.
أ- لحديث الباب.
وجه الدلالة: أن الرسول وصف العبد الذي ينكح بغير إذن سيده بأنه عاهر، فدل على بطلان نكاحه وتحريمه كالزنا.
ب- ولأنه نكاح فقد شرطه، فلم يصح كما لو تزوجها بغير شهود. (المغني).
القول الثاني: العقد صحيح، ولكنه موقوف على إجازة السيد، إن شاء أجاز، وإن شاء فسخ.
وهذا قول أبي حنيفة، ومالك.
وهو قول الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب.
أ- لحديث الباب.
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أخبر أن صحة نكاح العبد مرهونة بإذن المولى، فإذا نكح العبد، انعقد نكاحه موقوفاً على إجازة المولى، إن شاء أجاز، وإن شاء رد، والإجازة اللاحقة كالإذن السابق.
ب-من المعقول: العبد ممنوع من النكاح لحق المولى، إذ النكاح يعتبر عيباً في العبد يُنقص قيمته، فنكاحه موقوف على إذن سيده حفاظاً على حقه، فإذا أجاز النكاح فقد تنازل عن حقه برضاه.
والراجح الأول.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- إثبات الرق.
- مفهوم الحديث: أنه لو أذِن السيد لعبده بالزواج جاز.
стр. 1805
٩٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ اَلْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ اَلْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم أن يجمع الرجل في عصمته بين المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها.
قال النووي: في هذا دليل لمذهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها.
وقال ابن قدامة في بيان محرمات النكاح (والجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به وليس فيه - بحمد الله - اختلاف، إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافاً، وهم الرافضة والخوارج، لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهي ما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ (لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) متفق عليه، وفي رواية أبي داود (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، لا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى) ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب، وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم وهذا موجود فيما ذكرنا فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه (وأحل لكم ما وراء ذلكم) خصصناه بما رويناه. (المغني)
• ما الحكم إن جمع بينهما؟
- إن كان بعقد واحد بطلا.
- وإن كان كل واحدة بعقد، فنكاح الثاني مفسوخ باطل.
• ما الحكمة من النهي؟
بيّن ﷺ الحكمة من ذلك، فقال ﷺ (إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) رواه ابن حبان.
وذلك لما يكون بين الضرائر من الغيرة.
قال السعدي: … وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام.
• اذكر امرأة أخرى يحرم يجمع بينها وبين الزوجة؟
أخت الزوجة.
فيحرم على الرجل أن يجمع بين المرأة وبين أختها في الزواج.
стр. 1806
أ-قال تعالى (وأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
فالآية دليل على تحريم الجمع بين المرأة وأختها في الزواج.
قال ابن جرير: معناه: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح.
قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح.
قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين الأختين في التزويج حرام بالإجماع، سواء كانت شقيقتين أم من أب أم من أم، وسواء البنت من الرضاع.
ومن الأدلة على التحريم:
حديث أُمِّ حَبِيبَة بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ فَقَالَ «أَفْعَلُ مَاذَا». قُلْتُ تَنْكِحُهَا. قَالَ «أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ». قُلْتُ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي. قَالَ «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي». قُلْتُ فَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ. قَالَ «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) رواه مسلم.
[انكح أختي] أي تزوج، جاء في رواية عند مسلم (انكح أختي عزة بنت أبي سفيان). [أو تحبين ذلك] استفهام تعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها مع ما طبع عليه النساء من الغيرة. [لست لك بِمُخْلِيَة] أي لست بمنفردة بك، ولا خالية من ضرة. [وأحب من شاركني في الخير] المراد بالخير ذاته ﷺ ، فقد جاء في رواية: (وأحب من شركني فيك).
- فمن أسلم وتحته أختان خُيّر، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- إذا طلقت المرأة وانتهت عدتها، حلت أختها وعمتها وخالتها، لانتفاء الضرر.
- ومثل ذلك الرضاع فأخت زوجتك من الرضاع لا تجمعها مع زوجتك، كذلك عمة زوجتك من الرضاع لا يجوز، وكذلك خالة زوجتك من الرضاع لا يجوز.
- عمة الزوجة أو خالتها، هذه من المحرمات إلى أمد.
لأن المحرمات التي يحرم على الإنسان التزوج بهن قسمان:
القسم الأول: محرمات إلى الأبد، فلا تحل أبداً.
القسم الثاني: محرمات إلى أمد. أي إلى غاية، فمتى زال المانع فإنها تحل له.
وهذا القسم نوعان:
الأول: المحرمات لأجل الجمع.
الثاني: المحرمات إلى أمد، وهن المحرمات لعارض قابل للزوال.
стр. 1807
٩٩٢ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَنْكِحُ اَلْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (وَلَا يَخْطُبُ).
وَزَادَ اِبْنُ حِبَّانَ (وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ).
٩٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (تَزَوَّجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٩٩٤ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ).
===
(لَا يَنْكِحُ اَلْمُحْرِمُ) بفتح الياء، أي لا يتزوج لنفسه.
(وَلَا يُنْكِحُ) بضم الباء، لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة في مدة الإحرام.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن المحرِم محرّم عليه أن يَنكح - بفتح الياء - أي: يتزوج، أو يُنكِح - بضم الياء - أي: يعقد النكاح لغيره، أو يخطب، أي: يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها.
تحريم عقد النكاح للمحرم لنفسه سواء كان رجلاً أو امرأة كلاهما محرماً أو أحدهما محرماً والآخر حلالاً.
فلا يجوز أن يكون المُحْرِم ولياً في عقد النكاح، ولو كان الزوج والزوجة حلالاً.
• ما الجواب عن حديث ابن عباس (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهي محرم)؟
استدل بحديث ابن عباس هذا الحنفية وقالوا: يجوز للمحرم أن يتزوج أو يزوِّج.
لكن الجواب عن هذا الحديث من وجوه:
أولاً: أن ابن عباس وهِم إذ نسب إلى النبي ﷺ أنه تزوج ميمونة محرماً.
قال سعيد بن المسيب: وهِم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرِم.
ثانياً: أن ميمونة وهي صاحبة القصة قالت (أن النبي ﷺ تزوجها حلالاً).
ثالثاً: أن أبا رافع كان الرسول بينهما حيث قال (تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما) رواه الترمذي.
رابعاً: أن الرواة بأنه ﷺ تزوجها حلالاً كثيرون، منهم ميمونة نفسها، ومنهم أبو رافع، وسليمان بن يسار، ومنهم صفية بنت شيبة.
стр. 1808
قال ابن عبد البر: وما أعلم أحداً من الصحابة روى أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس، ورواية من ذكرنا معارضة لروايته، والقلب إلى رواية الجماعة أميل، لأن الواحد أقرب إلى الغلط.
وقال: والرواية أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال متواترة عن ميمونة بعينها، وعن أبي رافع مولى النبي ﷺ ، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها.
وقال عياض: الذي صححه أهل الحديث أن النبي ﷺ تزوجها حلالاً، وهو قول كبراء الصحابة ورواياتهم، ولم يأت عن أحد منهم أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده.
• ما حكم الخطبة للمحْرِم؟
لأهل العلم في خطبة المحرم قولان:
القول الأول: تكره الخطبة للمحرم، والمحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين.
وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واختيار ابن قدامة.
القول الثاني: أنه تحرم خطبة المحرم.
وهو مذهب المالكية، واختيار ابن حزم، وابن تيمية والصنعاني، والشنقيطي، وابن باز، وابن عثيمين.
أ-لحديث الباب ( … ولا يخطب).
فالنبي ﷺ نهى عن الجميع نهياً واحداً ولم يفصل وموجب النهي التحريم وليس لنا ما يعارض ذلك من أثر ولا نظر.
ب-أن الخطبة مقدمة النكاح وسبب إليه كما أن العقد سبب للوط، والشرع قد منع من ذلك كله حسما للمادة.
قال الشنقيطي: الأظهر عندي أن المحرِم لا يجوز له أن يخطب امرأة، وكذلك المحرمة لا يجوز للرجل خطبتها لما تقدم من حديث عثمان، وبه تعلم أن ما ذكره كثير من أهل العلم من أن الخطبة لا تحرم في الإحرام وإنما تكره أنه خلاف الظاهر من النص.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن المحرم يجوز له أن يشهد على عقد النكاح لرجل وامرأة ليسا مُحْرمين.
- يحرم عقد النكاح على الذكور والإناث، سواء كان المحرم الولي أو الزوج أو الزوجة، فالحكم يتعلق بهؤلاء الثلاثة).
- لو عقد لرجل محرم على امرأة حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لرجل محل على امرأة والولي محرم لا يصح.
стр. 1809
٩٩٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَحَقَّ اَلشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ، مَا اِسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ اَلْفُرُوجَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَنْ يُوَفَّى بِهِ) أي: تؤتوها وافية كاملة.
(ما استحللتم به الفروج) أي: أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح، لأن أمره أحوط وبابه أضيق
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه ينبغي لكل من الزوجين الوفاء بالشروط في النكاح، فأحق شرط يجب الوفاء به وأولاه، هو ما استحل به الفرج.
• اذكر بعض الشروط الصحيحة؟
كأن تشترط أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو اشترطت زيادة في مهرها أو زيادة في نفقتها، صح الشرط، ووجب الوفاء به، للحديث (إن أحق الشروط أن توفا به … ).
• ما الحكم إن شرطت أن لا يتزوج عليها؟
اختلف العلماء في هذا الشرط على قولين:
القول الأول: أنه شرط صحيح، فإن نكث بالشرط وتزوج عليها كان من حقها فسخ النكاح، لأنها إنما قبلت بالزواج منه على هذا الشرط.
وهذا المذهب عند الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم.
أ- لحديث الباب.
فهو صريح في وجوب الوفاء بشروط النكاح، ومنها اشتراط المرأة على ناكحها أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق، فإذا أخل بذلك فلها حق الفسخ.
وقد وقع في زمن الصحابة ﵃ اشتراط مثل ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولأن رجلا زَوَّج امرأة بشرط أن لا يتزوج عليها، فرفع ذلك إلى عمر، فقال: مقاطع الحقوق عند الشروط. انتهى من "الفتاوى الكبرى" (٣/ ١٢٤).
ب- ولحديث (المسلمون على شروطهم).
وهو صريح في وجوب أن يفي المسلم بما شرط عليه.
ج- أن اشتراط المرأة على ناكحها عدم تزوجه عليها فيه منفعة ومصلحة لها، وهذا الشرط لا يمنع المقصود من النكاح فكان صحيحاً لازماً.
стр. 1810
القول الثاني: أن الشرط باطل، والنكاح صحيح.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية.
أ-أن رسول الله ﷺ قال (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)، قالوا: وهذا الشرط الذي اشترط يحرم الحلال، وهو التزوج والتسري وغير ذلك.
ب- لحديث (لا تسأل المرأة طلاق أختها … ).
ج-ولقوله ﷺ (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط) متفق عليه.
وقالوا: وهذا ليس في كتاب الله، لأن الشرع لا يقتضيه.
د- وقالوا: إن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا مقتضاه.
والراجح الجواز، ورجحه ابن القيم.
قال ابن القيم: وتضمن حكمُه ﷺ بطلانَ اشتراط المرأة طلاقَ أختها، وأنه لا يجب الوفاءُ به. فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم هذا وأبطلتم شرط الضرة؟ قيل: الفرقُ بينهما أن في اشتراط طلاقِ الزوجة من الإضرار بِها، وكسرِ قلبها، وخرابِ بيتها، وشماتةِ أعدائها ما ليس في اشتراط عدمِ نكاحها، ونكاحِ غيرها، وقد فرق النصُّ بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسد.
قال ابن قدامة: (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا، وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا فَلَهَا شَرْطُهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) وَإِنْ تَزَوَّجَهَا، وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَلَهَا فِرَاقُهُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشُّرُوطَ فِي النِّكَاحِ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلاثَةً، أَحَدُهَا مَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهُوَ مَا يَعُودُ إلَيْهَا نَفْعُهُ وَفَائِدَتُهُ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهَا أَنْ لا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا أَوْ لا يُسَافِرَ بِهَا، أَوْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَلا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، فَهَذَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لَهَا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاح .... (المغني).
وسئل شيخ الإسلام ﵀ عن هذه المسألة وأجاب ففي الفتاوى الكبرى:
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلا يَنْقُلَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا، وَأَنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّهَا، فَدَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ وَإِذَا خَالَفَ هَذِهِ الشُّرُوطَ، فَهَلْ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخُ أَمْ لا؟
стр. 1811
الْجَوَابُ: نَعَمْ تَصِحُّ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ; كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ إذَا شَرَطَ لَهَا إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا .. أَنْ يَكُونَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا، أَوْ رَأْيُهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ صَحَّ هَذَا الشَّرْطُ أَيْضًا، وَمَلَكَتْ الْمَرْأَةُ الْفُرْقَةَ بِهِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَذَلِكَ لِمَا خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (إنْ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ"، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا تُسْتَحَلُّ بِهِ الْفُرُوجُ الَّتِي هِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَحَقَّ بِالْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِهَا، وَهَذَا نَصُّ مِثْلِ هَذِهِ الشُّرُوطِ.
• ما الحكم إن شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها؟
يصح.
لحديث سودة (أنها جعلت يومها لعائشة على أن تبقى زوجة للرسول ﷺ متفق عليه.
• ما الحكم إن شرط أن لا نفقة لها؟
قيل: لا يصح الشرط.
قال ابن قدامة: … ما يبطل الشرط، ويصح العقد، مثل أن يشترط أن لا مهر لها، أو أن لا ينفق عليها … ، فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها.
لأنها تنافي مقتضى العقد.
ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع، فأما العقد في نفسه فصحيح؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به، فلم يبطله. (المغني).
وقيل: يصح، لأن المرأة قد ترغب بالزوج لدينه وخلقه ويكون هو فقير.
стр. 1812
٩٩٦ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ (رَخَّصَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي اَلْمُتْعَةِ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٩٩٧ - وَعَنْ عَلَيٍّ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• عرف نكاح المتعة؟
المتعة: هي النكاح إلى أجل محدد بمهر.
قال ابن قدامة: معنى نكاح المتعة أن تزوج المرأة مدة، مثل أن يقول زوجتك ابنتي شهراً أو سنة.
وقال الحافظ ابن حجر: يعني تزويج المرأة إلى أجل، فإذا انقضى وقعت الفرقة.
• ما حكم نكاح المتعة؟
حرام.
وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل الفقه والحديث.
قال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة.
أ- عن الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عام الفتح فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً). وفي رواية (أن رسول الله ﷺ نهىَ يومَ الفتحِ عن مُتعَةِ النسَاء). رواه مسلم.
ب- وعَنْ سَلَمَةَ بن الأَكْوَع قَالَ (رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثاً ثُمَّ نَهَى عَنْهَا). رواه مسلم
[عام أوطاس] أي سنة غزوة أوطاس، وأوطاس واد في الطائف، غزوة أوطاس في شوال سنة ٨ هـ[فتح مكة في رمضان وأوطاس في شوال]
ج- وعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ)
• هل كان هذا وقد كان هذا النكاح مباحاً في أول الإسلام؟
نعم، كان مباحاً في أول الإسلام ثم نهى عنه النبي ﷺ .
كما في الحديث السابق [الربيع بن سبرة عن أبيه].
• ما سبب إذن النبي ﷺ للصحابة بالاستمتاع بالنساء؟
سبب ذلك: هو الحاجة والحرب.
أ- ففي حديث ابن مسعود قال (كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) متفق عليه.
ب-وذكر أبو ذر كما رواه عنه البيهقي بسند حسن: (أن الرسول ﷺ أذن لهم فيها لحربهم ولخوفهم).
ج- وعن أبي جمرة قال (سمعت ابن عباس يُسأل عن متعة النساء فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في حال الشديد وفي النساء قلة؟ فقال: نعم).
стр. 1813
د-وفي حديث جابر وسلمة بن الأكوع قالا (كنا في جيشٍ فأتانا رسولُ رسولِ الله ﷺ فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا) رواه البخاري.
فقوله (في جيش) تدل على أن الحال حال غزو.
هـ-ولحديث سبرة: (أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال: يا أيها الناس، إني قد كنت آذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة).
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر هذه الآثار: هذه أخبار يقوي بعضها بعضاً، وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العزبة في حال السفر.
• متى كان تحريم نكاح المتعة؟
وقع الخلاف بين العلماء متى كان تحريم نكاح المتعة وهل حرمت ثم أبيحت ثم حرمت أو حرمت مرة واحدة على أقوال:
القول الأول: أن تحريمها كان عام خيبر.
وهذا قول الشافعي وغيره.
لحديث عَلِىِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ).
القول الثاني: أنها حرمت عام الفتح.
ورجحه ابن القيم.
لحديث سبرة الماضي، فإن فيه التصريح أن التحريم كان عام الفتح.
والرواية الصحيحة عن سبرة أنها عام الفتح.
جاء في رواية لحديث سبرة: (أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع) رواه أبو داود.
لكن هذه الرواية شاذة، كما قال البيهقي، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: الرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر.
والراجح أنها حرمت عام الفتح كما قال ابن القيم.
• ما الحكمة من تحريم نكاح المتعة؟
لأن المقصود من النكاح هو العشرة الدائمة، وبناء البيت والأولاد، وهذا لا يمكن مع النكاح المؤجل في الحقيقة، كأنه استئجار للزنا.
стр. 1814
٩٩٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٩٩٩ - وَفِي اَلْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث ابن مسعود إسناده حسن.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: صححه ابن القطان، وابن دقيق العيد على شرط البخاري (التلخيص الحبير).
وحديث علي فيه ضعف، لضعف الحارث الأعور، وأخرجه الترمذي من طريقين عن الشعبي، وقرن مع علي جابر بن عبد الله، وقال: حديث علي وجابر حديث معلول.
• من هو المحلل، والمحلل له؟
والْمُحَلِّلَ هو من تزوجها ليحلها لزوجها الأول.
وَالْمُحَلَّلَ له هو زوجها الأول.
• ما هو نكاح التحليل؟
ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول.
• ما حكمه؟
حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول.
قال ابن قدامة ﵀: نكاح المحلل حرام باطل، في قول عامة أهل العلم، … فإن شُرط عليه التحليل قبل العقد، ولم يذكره في العقد، أو نوى التحليل من غير شرط، فالنكاح باطل أيضاً .... (المغني).
أ- لحديث الباب.
وجه الاستدلال: إن رسول الله ﷺ لعن المحلل، فعلم أن فعله حرام؛ لأن اللعن لا يكون إلا على معصية، بل لا يكاد يلعن إلا على فعل الكبيرة إذ الصغيرة تقع مكفرة بالحسنات إذا اجتنبت الكبائر - واللعنة هي الإقصاء والإبعاد عن رحمة الله - ولم يستوجب ذلك إلا بكبيرة.
وقال ابن القيم ﵀: ولعنه ﷺ لهما: إما خَبَر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما، أو دُعاء عليهما باللعنة، وهذا يدلُّ على تحريمه، وأنه من الكبائر. (زاد المعاد).
стр. 1815
وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً.
ب- وعن عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) رواه ابن ماجه.
فهذه الأحاديث تدل على تحريم نكاح التحليل، وأنه من كبائر الذنوب، وتدل أيضا على عدم صحته.
فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل.
فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو:
المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً.
والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٠/ ٢٥٦، ٢٥٧): وقد صرح الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية - بفساد هذا النكاح؛ للحديثين السابقين، ولأن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت، وشرط التأقيت في النكاح يفسده، وما دام النكاح فاسداً: فلا يقع به التحليل، ويؤيد هذا قول عمر ﵁: (والله لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما).
فائدة:
قال ابن القيم ﵀: ولا فرقَ عند أهل المدينة، وأهلِ الحديث، وفُقهائهم، بين اشتراط ذلك بالقول، أو بالتواطؤ، والقصدِ، فإن القُصود في العُقود عندهم معتبرة، والأعمالُ بالنيَّات، والشرطُ المتواطَأُ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان: كالملفوظِ عندهم، والألفاظُ لا تُراد لعينها، بل لِلدلالَة على المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصدُ: فلا عِبْرَة بالألفاظ؛ لأنها وسائل، وقد تحقَّقت غاياتُها، فترتَّبَتْ عليها أحكامُها .... (زاد المعاد).
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: إذا تزوج الرجل المرأة بشرط التحليل، أو نواه، أو اتفقا عليه: فالعقد باطل، والنكاح غير صحيح.
وروى البيهقي في " السنن الكبرى " (٧/ ٢٠٨): عن نافع أنه قال: " جاء رجل إلى ابن عمر ﵁ فسأله عن رجل طلَّق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخٌ له عن غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه: هل تحل للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنَّا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله ﷺ .
وسئل الإمام أحمد عن الرجل يتزوج المرأة، وفي نفسه أن يحلها لزوجها الأول، ولم تعلم المرأة بذلك. فقال: هو محلل، إذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون.
стр. 1816
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: إذا نوى الزوج الثاني أنه متى حلَّلها للأول طلقها: فإنها لا تحل للأول، والنكاح باطل، والدليل: أن هذا نوى التحليل، فيكون داخلاً في اللعن، وقد قال النبي ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). (الممتع).
قال ابن عبد البر ﵀: وفي قوله ﷺ لامرأة رفاعة: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) دليل على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضر العاقد عليها، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحق صاحبه اللعنة " انتهى. "التمهيد" (١٣/ ٢٢٧).
وقال ابن القيم ﵀: لا أثر لنية الزوجة ولا الولي وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللاً فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئاً. وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعاً من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك).
الخلاصة:
إذا تم الاتفاق مع الزوج الثاني أنه سيتزوجها ليحلها لزوجها الأول، أو نوى الزوج الثاني ذلك من غير اتفاق مع أحد، وليس له رغبة في نكاحها ولا البقاء معها، فهذا هو نكاح التحليل الذي لعن رسول الله ﷺ من فعله، ولا تحل المرأة بهذا النكاح المحرم لزوجها الأول، حتى لو جامعها الثاني.
• لكن هل نية المرأة معتبرة أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن النية المعتبرة في نكاح التحليل هي نية الزوج المحلل الناكح فقط.
وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، ورجحه ابن عبد البر.
لأن الطلاق والإمساك في عقد النكاح إنما هو للمحلل الناكح، وأما المرأة المحللة وكذا الزوج المحلل له فلا مدخل لهما في ذلك، فلزم أن لا يعتبر في نكاح التحليل سوى نية المحلل، لعدم تأثير من سواه في بقاء عقد النكاح وزواله.
قال ابن قدامة: ونية المرأة ليس بشيء، إنما قال النبي ﷺ (لعن الله المحلل والمحلل له) ولأن العقد إنما يبطل بنية الزوج؛ لأنه الذي إليه المفارقة والإمساك، أما المرأة فلا تملك رفع العقد، فوجود نيتها وعدمها سواء، وكذلك الزوج الأول لا يملك شيئاً من العقد، ولا من رفعه، فهو أجنبي كسائر الأجانب.
стр. 1817
فإن قيل: فكيف لعنه النبي ﷺ ؟ قلنا: إنما لعنه إذا رجع إليها بذلك التحليل؛ لأنها لم تحل له، فكان زانياً، فاستحق اللعنة لذلك.
القول الثاني: أن النية المعتبرة هي نية المرأة أو وليها أو الزوج الناكح.
وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب.
القول الثالث: أن النية المعتبرة هي نية الزوج المحلل والزوجة المحللة فقط.
ومال إلى هذا ابن تيمية.
لأن فعلها ذلك تحايل على ما حرمه الشرع، فإن الشرع منعها من الرجوع إلى الأول حتى يحصل النكاح الثاني المبني على الرغبة والتأبيد، لا النكاح المؤقت التي يتوصل به إلى الرجوع للزوج الأول، ولما في عملها هذا من غش الزوج الثاني وخداعه، وإلحاق الضرر به غالباً، فإنها قد لا تتوصل إلى الخلاص منه إلا بتنغيص عيشه والإساءة إليه حتى يطلقها أو يخلعها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقال الحسن والنخعي وغيرهما: إذا همّ أحد الثلاثة فهو نكاح محلل، ويروى ذلك عن ابن المسيب. ولفظ إبراهيم النخعي: إذا كانت نية أحد الثلاثة: (الزوج الأول، أو الزوج الثاني، أو المرأة) أنه محلل فنكاح هذا الأخير باطل، ولا تحل للأول.
ووجه هذا: أن المرأة إذا نكحت الرجل وليست هي راغبة فيه فليست هي ناكحة كما تقدم، بل هي مستهزئة بآيات الله متلاعبة بحدود الله، وهي خادعة للرجل ماكرة به، وهي إن لم تملك الانفراد بالفرقة فإنها تنوي التسبب فيها على وجه تحصل به غالباً بأن تنوي الاختلاع منه وإظهار الزهد فيه وكراهته وبغضه، وذلك مما يبعثه على خلعها أو طلاقها، ويقتضيه في الغالب، ثم إن انضم إلى ذلك أن تنوي النشوز عنه، وفعل ما يكره لها، وترك ما ينبغي لها، فهذا أمر محرم وهو موجب للفرقة في العادة، فأشبه ما لو نوت ما يوجب الفرقة شرعاً، وإن لم تنو فعل محرم ولا ترك واجب، فهي ليست مريدة له، ومثل هذه في مظنة أن لا تقيم حدود الله معه، ولا يلتئم مقصود النكاح بينهما، فيفضي إلى الفرقة غالباً.
وأيضاً: فإن النكاح عقد يوجب المودة بين الزوجين والرحمة كما ذكره الله سبحانه في كتابه، ومقصوده السكن والازدواج، ومتى كانت المرأة من حين العقد تكره المقام معه وتود فرقته لم يكن النكاح معقوداً على وجه يحصل به مقصوده.
وأيضاً: فإن الله سبحانه قال (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) فلم يبح إلا نكاحاً يظن فيه أن يقيم حدود الله ومثل هذه المرأة لا تظن أن تقيم حدود الله; لأن كراهيتها له تمنع هذا الظن، ولأن المرأة تستوفي منافع الزوج بالنكاح كما يستوفي الرجل منافعها، وإذا كانت إنما تزوجت لتفارقه وتعود إلى الأول لا لتقيم معه لم تكن قاصدة للنكاح ولا مريدة له، فلا يصلح هذا النكاح على قاعدة إبطال الحيل. (الفتاوى الكبرى) (٦/ ٢٩٨).
стр. 1818
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وماذا لو نوته الزوجة، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول؟ فظاهر كلام المؤلف أنه لا أثر لنية الزوجة؛ ووجهه: أنه ليس بيدها شيء، والزوج الثاني لا يطلقها؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة، فليس على باله هذا الأمر، فإن لم تنوه هي ولكن نواه وليها فكذلك.
ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة، قال: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما؛ لأنه لا فرقة بيدهما.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها كنية الزوج، وهو خلاف المذهب، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما، لكن قالوا: بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح، بأن تنكد على الزوج حتى يطلقها، أو يُغروه بالدراهم، والنكاح عقد بين زوج وزوجة، فإذا كانت نية الزوج مؤثرة فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً.
فعندنا ثلاثة: الزوج، والزوجة، والولي، والذي تؤثر نيته منهم هو الزوج على المذهب، والقول الراجح أن أي نية تقع من واحد من الثلاثة فإنها تُبطل العقد، لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) والولي حينما عقد لم ينو نكاحاً مستمراً دائماً، وكذلك الزوجة.
فإذا قال قائل: امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزبير ﵄ وجاءت تشكو للرسول ﵊ أن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها: (أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة)، فقالت: نعم، ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر؟ نقول: هذه الإرادة، هل هي قبل العقد، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب؟ الذي يظهر أنها بعد أن رأته؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها، وليس عندها أي ممانعة، ثم جاءت تشتكي، فظاهر الحال أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي، والله أعلم، وإن كان الحديث فيه احتمال " انتهى من "الشرح الممتع" (١٢/ ١٧٧).
• نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أوجه، اذكرها؟
قال ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أوجه:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعاً في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يشرع في زمن من الأزمان.
الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي ﷺ ، ولم يكن في الصحابة محلل قط.
الثالث: أن رسول الله ﷺ لم يجيء عنه في لعن المستمتِع والمستمتَع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلِل والمحلَل له.
الرابع: أن المستمتِع له غرض صحيح في المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح، فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس، فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولي، وإنما هو كما قال الحسن: مِسمار نار في حدود الله، وهذه التسمية مطابقة للمعنى.
الخامس: أن المستمتع لم يَحْتَل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهراً وباطناً، والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزواً، ولذلك جاء في وعيده ولعنه ما لم يجيء في وعيد المستمتع مثله، ولا قريب منه.
السادس: أن الفِطَر السليمة، والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد، تنفر من التحليل أشد نفار، وتُعيِّر به أعظم تعيير، حتى إن كثيراً من النساء تعيّر المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا.
السابع: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يُظهِر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهراً وباطناً، وهو في الباطن غير ملتزم به له، وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويُسمِّي المهر، ويُشهِد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك.
стр. 1819
١٠٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَنْكِحُ اَلزَّانِي اَلْمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
===
(لَا يَنْكِحُ اَلزَّانِي اَلْمَجْلُودُ) أي: الذي ظهر أمره حتى جُلد.
(إِلَّا مِثْلَهُ) أي: الزانية المجلودة عادة.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث إسناده صحيح.
• ما حكم نكاح الزانية؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يحرم على الرجل أن ينكح زانية، ويحرم على المرأة أن تنكح زانياً.
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، واختاره ابن قدامة، واختاره ابن تيمية.
أ- لقوله تعالى (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ).
وهذه الآية للعلماء كلام كثير، رجح بعض العلماء المعاصرين معناها: أن المرأة إذا تزوجت الرجل الزاني، فإن كانت مستحلة للزنا فهي مشركة، وإن كانت تقر بتحريم الزنا لكن رضيتْ به فهي زانية، لأن الراضي كالفاعل، وكذا الرجل إذا تزوج امرأة يعلم أنها زانية، فإن كان مستحلاً له فهو مشرك، وإن كان مقراً بتحريم الزنا لكنه رضي فهو زان.
وقد ورد في سبب نزول الآية ما يزيد الحكم بياناً.
ب- وهو ما رواه أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ كَانَ يَحْمِلُ الْأَسَارَى بِمَكَّةَ وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ. قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا).
стр. 1820
قال في "عون المعبود: فيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّج بِمَنْ ظَهَرَ مِنْهَا الزِّنَا، وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث لِأَنَّ فِي آخِرهَا: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فَإِنَّهُ صَرِيح فِي التَّحْرِيم" انتهى
قال السعدي ﵀ في تفسير الآية السابقة: هذا بيان لرذيلة الزنا، وأنه يدنس عرض صاحبه، وعرض من قارنه ومازجه، ما لا يفعله بقية الذنوب. فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء، إلا أنثى زانية، تناسب حالُه حالَها، أو مشركةٌ بالله، لا تؤمن ببعث ولا جزاء، ولا تلتزم أمر الله. والزانية كذلك، لا ينكحها إلا زان أو مشرك (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي: حرم عليهم أن يُنْكِحوا زانيا، أو يَنْكِحوا زانية.
ومعنى الآية: أن من اتصف بالزنا، من رجل أو امرأة، ولم يتب من ذلك، أن المقدم على نكاحه، مع تحريم الله لذلك، لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فذاك لا يكون إلا مشركا. وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه، فإن هذا النكاح زنا، والناكح زان مسافح. فلو كان مؤمنا بالله حقا، لم يقدم على ذلك.
وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية، حتى تتوب، وكذلك نكاح الزاني حتى يتوب. فإن مقارنة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، أشد الاقترانات، والازدواجات. وقد قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) أي: قرناءهم. فحرم الله ذلك، لما فيه من الشر العظيم. وفيه من قلة الغيرة، وإلحاق الأولاد، الذين ليسوا من الزوج، وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها، مما بعضه كاف في التحريم" انتهى.
القول الثاني: أنه يجوز نكاح الزانية قبل توبتها.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية.
أ- لأن المولى بعد من ذكر المحرمات من النساء قال (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاء ذَلِكُم).
• ما حكم نكاح الزانية بعد توبتها؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يحل نكاحها لمن زنا بها ولغيره.
وهذا هو قول الجمهور من العلماء وهو مذهب الأئمة الأربعة.
أ- لقوله تعالى (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً).
وجه الدلالة:
أولاً: أن الله صرح بأن الذين يزنون ومن ذكر معهم، إن تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات، فإن الله يتوب عليهم، ويبدل سيئاتهم حسنات.
ثانياً: إن القرآن الكريم ذكر أنه تقبل التوبة من الشرك وهو أعظم الذنوب، فلأن يقبل التوبة من الزنا من باب أولى وأحرى.
стр. 1821
القول الثاني: أن الزانية التائبة لا تحل لمن زنا بها أبداً.
وهو مروي عن ابن مسعود، والبراء، وعائشة.
والقول الأول أصح.
قال ابن قدامة: … ويحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة، أو قبل استبرائها، فيكون كقولنا.
فأما تحريمها على الإطلاق فلا يصح؛ لقوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم).
ولأنها محللة لغير الزاني، فحلت له، كغيرها. (المغني).
قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ إِنْ تَابَا مِنَ الزِّنَا وَنَدِمَا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمَا وَنَوَيَا أَنْ لَا يَعُوَدَا إِلَى الذَّنْبِ، فَإِنَّ نِكَاحَهُمَا جَائِزٌ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا، وَيَجُوزَ نِكَاحُ غَيْرِهِمَا لَهُمَا بَعْدَ التَّوْبَةِ; لِأَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا). فَقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِينَ يَزْنُونَ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ إِنْ تَابُوا وَآمَنُوا، وَعَمِلُوا عَمَلًا صَالِحًا يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الزِّنَا تُذْهِبُ أَثَرَهُ، فَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مَنْ زَنَا بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَقَوْلُهُمْ خِلَافُ التَّحْقِيقِ، وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ عَنِ الصَّحَابَةِ بِجَوَازِ تَزْوِيجِهِ بِمَنْ زَنَى بِهَا إِنْ تَابَا، وَضَرَبَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مَثَلًا بِرَجُلٍ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ بُسْتَانِ رَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرَى الْبُسْتَانَ فَالَّذِي سَرَقَهُ مِنْهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَالَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَلَالٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ مَا نَالَ مِنَ الْمَرْأَةِ حَرَامًا فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَمَا نَالَ مِنْهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالتَّزْوِيجِ حَلَالٌ لَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (أضواء البيان).
• ما كيفية توبة الزانية؟
اختلف العلماء في كيفية توبتها على قولين:
القول الأول: إن توبة الزانية كتوبة غيرها، وتكون بالإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى الذنب.
وهذا هو قول الجمهور.
القول الثاني: من تراود على الزنا فتمتنع.
وهو مروي عن عمر، وابنه، وابن عباس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
ودليلهم ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قيل له: "كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك، فإن طاوعته فلم تتب، وإن أبت فقد تابت.
والراجح القول الأول.
قال الشيخ ابن عثيمين عن القول الأول: هذا القول ضعيف لأسباب ذكرها الشيخ ابن عثيمين ﵀ منها: إنه بالمراودة قد تعود بعد أن تابت _ وأن هذا المراوِد لا يأمن على نفسه لو وافقته _ أن المراودة إما بخلوة وهذا حرام وإما بحضرة ناس فإنها لن تطيع.
стр. 1822
• ما حكم المرأة إذا زنت وهي متزوجة، هل ينفسخ نكاحها؟
إذا زنت المرأة وهي متزوجة فلا ينفسخ نكاحها ولا تطلق بمجرد وقوعها في هذه المعصية، لكن يؤمر زوجها إذا لم تتب وأصرت على هذه الفاحشة أن يطلقها، حفاظاً على عرضه، وأولاده.
قال ابن قدامة ﵀:، إن زنت امرأة رجل، أو زنى زوجها، لم ينفسخ النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده، في قول عامة أهل العلم. وبذلك قال مجاهد وعطاء والنخعي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي … ولكن أحمد استحب للرجل مفارقة امرأته إذا زنت، وقال: لا أرى أن يمسك مثل هذه. وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد فراشه، وتلحق به ولداً ليس منه. قال ابن المنذر: لعل من كره هذه المرأة إنما كرهها على غير وجه التحريم، فيكون مثل قول أحمد هذا.
قال أحمد: ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حيض.
والأولى أنه يكفي استبراؤها بالحيضة الواحدة. (المغني).
وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا عَفِيفَةً، ثُمَّ زَنَتْ وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ أَنَّ أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُفْسَخُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الدَّوَامُ عَلَى نِكَاحِهَا، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا بَعْضُ مَنْ مَنَعَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الدَّوَامِ عَلَى نِكَاحِهَا، وَبَيْنَ ابْتِدَائِهِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ هَذَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ «: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا».
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ هَذَا: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْمَذْكُورِ: وَحَدِيثُهُ فِي الْخُطْبَةِ صَحِيحٌ، اهـ، وَحَدِيثُهُ فِي الْخُطْبَةِ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَوَعَظَ، وَهَذَا التَّذْكِيرُ وَالْوَعْظُ هُوَ الْخُطْبَةُ; كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا الَّذِي فِيهِ: أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ «: طَلِّقْهَا»، فَقَالَ: نَفْسِي تَتْبَعُهَا، فَقَالَ «: أَمْسِكْهَا»، وَبَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي سَنَدِهِ، وَأَنَّهُ فِي الدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ، لَا فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ زَنَتْ زَوْجَتُهُ فُسِخَ نِكَاحُهَا وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ خِلَافُ التَّحْقِيقِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (أضواء البيان).
فائدة: قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ، لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ زَوْجُ الزَّانِيَةِ الْعَفِيفُ دَيُّوثًا; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا لِيَحْفَظَهَا، وَيَحْرُسَهَا، وَيَمْنَعَهَا مِنَ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي مَنْعًا بَاتًّا بِأَنْ يُرَاقِبَهَا دَائِمًا، وَإِذَا خَرَجَ تَرَكَ الْأَبْوَابَ مُقْفَلَةً دُونَهَا، وَأَوْصَى بِهَا مَنْ يَحْرُسُهَا بَعْدَهُ فَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا، مَعَ شِدَّةِ الْغَيْرَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِنَ الرِّيبَةِ، وَإِنْ جَرَى مِنْهَا شَيْءٌ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ مَعَ اجْتِهَادِهِ فِي صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ بِهِ دَيُّوثًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ كَعَكْسِهِ، وَأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا بِمَنْعِ ذَلِكَ.
стр. 1823
١٠٠١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: (طَلَّقَ رَجُلٌ اِمْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَا. حَتَّى يَذُوقَ اَلْآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ اَلْأَوَّلُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
• اذكر لفظ آخر للحديث؟
عن عَائِشَةَ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه) متفق عليه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على أنه لا يجوز للمطلقة ثلاثاً أن ترجع إلى زوجها الأول حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً، ثم يطلقها بعد ذلك، فيجوز للأول إعادتها.
فمن طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، فإنها لا ترجع إليه إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره.
لقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا [يعني الثالثة] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه).
ولحديث عَائِشَةَ - السابق - قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي ..... أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك).
[فبت طلاقي] البت بمعنى القطع. يحتمل أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أنه طلقها الطلقة الأخيرة، وهذا الراجح، فقد جاء عند البخاري: (طلقني آخر ثلاث تطليقات) فيكون طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها.
[عبد الرحمن بن الزَّبير] الزَّبِير: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة. [مثل هدبة الثوب] هدبة بضم الهاء وسكون الدال هو طرف الثوب، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. [عسيلته] العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، قال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.
الشرط الثاني: أن يجامعها في الفرج.
لقوله ﷺ (حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) فعلق النبي ﷺ الحل على ذواق العسيلة منها، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج.
ولقوله (حتى تنكح زوجاً غيره) فالمراد بالنكاح هنا الوطء لدلالة حديث عائشة السابق.
وهذا مذهب جمهور العلماء أنه لا بد من الجماع، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. يعني أنه قال: يكفي العقد.
стр. 1824
قال النووي ﵀: قَوْله ﷺ (لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك) كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع، شَبَّهَ لَذَّته بِلَذَّةِ الْعَسَل وَحَلَاوَته.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره، وَيَطَأهَا ثُمَّ يُفَارِقهَا، وَتَنْقَضِي عِدَّتهَا. فَأَمَّا مُجَرَّد عَقْده عَلَيْهَا فَلَا يُبِيحهَا لِلْأَوَّلِ. وَبِهِ قَالَ جَمِيع الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ، إلا سعيد بن المسيب، وَلَعَلَّه لَمْ يَبْلُغهُ هَذَا الْحَدِيث" انتهى.
وقال ابن قدامة ﵀: ومع تصريح النبي ﷺ ببيان المراد من كتاب الله تعالى، وأنها لا تحل للأول حتى يذوق الثاني عسيلتها وتذوق عسيلته، لا يعرج على شيء سواه، ولا يجوز لأحد المصير إلى غيره" انتهى من"المغني" (١٠/ ٥٤٩).
- يكفي لحلها لمطلقها ثلاثاً، تغييب حشفة الرجل في الفرج، ولا بد من انتشار الذكر.
- لا يشترط الإنزال، وهذا مذهب الجمهور خلافاً للحسن البصري.
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً.
فإن كان فاسداً كنكاح التحليل أو الشغار، فإنه لا يحلها وطئها.
ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول.
وهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول.
لحديث ابن مسعود قال: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). رواه أحمد والترمذي
وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً.
فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل.
فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو:
المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً.
والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً.
(وتقدمت المسألة).
стр. 1825
• ما الحكم لو وطأها الثاني بحيض أو نفاس أو إحرام، هل تحل؟
قيل: لا تحل بالوطء المحرَّم.
قالوا لأنه وطء حرام لحق الله، فلم يحصل به الإحلال.
وقيل: أنه يحلها.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، ورجحه ابن قدامة في المغني، حيث قال: وظاهر النص حلها، وهو قوله تعالى (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وهذه قد نكحت زوجاً غيره، وأيضاً قوله ﷺ : (حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتك) وهذا قد وُجِد، ولأنه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على سبيل التمام فأحلها كالوطء الحلال، وهذا أصح إن شاء الله، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
وهذا هو الصحيح.
• ما الحكمة من كون الزوج الأول لا يحل له نكاح مطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره؟
أولاً: تعظيم أمر الطلاق، حتى لا يكثر وقوعه، فإنه إذا علم أنه لا ترجع إليه بعد الثلاث حتى يتزوجها غيره، لم يستعجل بإيقاعه.
ثانياً: الرفق بالمرأة، فإن المرأة إذا طلقت ثلاثاً فإنها تتزوج غيره، وقد يكون خيراً من زوجها الأول فتسعد به.
следующие страницы →