Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
القول الثاني: أن الزانية التائبة لا تحل لمن زنا بها أبداً.
وهو مروي عن ابن مسعود، والبراء، وعائشة.
والقول الأول أصح.
قال ابن قدامة: … ويحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة، أو قبل استبرائها، فيكون كقولنا.
فأما تحريمها على الإطلاق فلا يصح؛ لقوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم).
ولأنها محللة لغير الزاني، فحلت له، كغيرها. (المغني).
قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ إِنْ تَابَا مِنَ الزِّنَا وَنَدِمَا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمَا وَنَوَيَا أَنْ لَا يَعُوَدَا إِلَى الذَّنْبِ، فَإِنَّ نِكَاحَهُمَا جَائِزٌ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا، وَيَجُوزَ نِكَاحُ غَيْرِهِمَا لَهُمَا بَعْدَ التَّوْبَةِ; لِأَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا). فَقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِينَ يَزْنُونَ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ إِنْ تَابُوا وَآمَنُوا، وَعَمِلُوا عَمَلًا صَالِحًا يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الزِّنَا تُذْهِبُ أَثَرَهُ، فَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مَنْ زَنَا بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَقَوْلُهُمْ خِلَافُ التَّحْقِيقِ، وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ عَنِ الصَّحَابَةِ بِجَوَازِ تَزْوِيجِهِ بِمَنْ زَنَى بِهَا إِنْ تَابَا، وَضَرَبَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مَثَلًا بِرَجُلٍ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ بُسْتَانِ رَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرَى الْبُسْتَانَ فَالَّذِي سَرَقَهُ مِنْهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَالَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَلَالٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ مَا نَالَ مِنَ الْمَرْأَةِ حَرَامًا فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَمَا نَالَ مِنْهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالتَّزْوِيجِ حَلَالٌ لَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (أضواء البيان).
• ما كيفية توبة الزانية؟
اختلف العلماء في كيفية توبتها على قولين:
القول الأول: إن توبة الزانية كتوبة غيرها، وتكون بالإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى الذنب.
وهذا هو قول الجمهور.
القول الثاني: من تراود على الزنا فتمتنع.
وهو مروي عن عمر، وابنه، وابن عباس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
ودليلهم ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قيل له: "كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك، فإن طاوعته فلم تتب، وإن أبت فقد تابت.
والراجح القول الأول.
قال الشيخ ابن عثيمين عن القول الأول: هذا القول ضعيف لأسباب ذكرها الشيخ ابن عثيمين ﵀ منها: إنه بالمراودة قد تعود بعد أن تابت _ وأن هذا المراوِد لا يأمن على نفسه لو وافقته _ أن المراودة إما بخلوة وهذا حرام وإما بحضرة ناس فإنها لن تطيع.
стр. 1822
• ما حكم المرأة إذا زنت وهي متزوجة، هل ينفسخ نكاحها؟
إذا زنت المرأة وهي متزوجة فلا ينفسخ نكاحها ولا تطلق بمجرد وقوعها في هذه المعصية، لكن يؤمر زوجها إذا لم تتب وأصرت على هذه الفاحشة أن يطلقها، حفاظاً على عرضه، وأولاده.
قال ابن قدامة ﵀:، إن زنت امرأة رجل، أو زنى زوجها، لم ينفسخ النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده، في قول عامة أهل العلم. وبذلك قال مجاهد وعطاء والنخعي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي … ولكن أحمد استحب للرجل مفارقة امرأته إذا زنت، وقال: لا أرى أن يمسك مثل هذه. وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد فراشه، وتلحق به ولداً ليس منه. قال ابن المنذر: لعل من كره هذه المرأة إنما كرهها على غير وجه التحريم، فيكون مثل قول أحمد هذا.
قال أحمد: ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حيض.
والأولى أنه يكفي استبراؤها بالحيضة الواحدة. (المغني).
وقال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا عَفِيفَةً، ثُمَّ زَنَتْ وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ أَنَّ أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُفْسَخُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الدَّوَامُ عَلَى نِكَاحِهَا، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا بَعْضُ مَنْ مَنَعَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الدَّوَامِ عَلَى نِكَاحِهَا، وَبَيْنَ ابْتِدَائِهِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ هَذَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ «: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا».
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ هَذَا: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْمَذْكُورِ: وَحَدِيثُهُ فِي الْخُطْبَةِ صَحِيحٌ، اهـ، وَحَدِيثُهُ فِي الْخُطْبَةِ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَوَعَظَ، وَهَذَا التَّذْكِيرُ وَالْوَعْظُ هُوَ الْخُطْبَةُ; كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا الَّذِي فِيهِ: أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ «: طَلِّقْهَا»، فَقَالَ: نَفْسِي تَتْبَعُهَا، فَقَالَ «: أَمْسِكْهَا»، وَبَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي سَنَدِهِ، وَأَنَّهُ فِي الدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ، لَا فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ زَنَتْ زَوْجَتُهُ فُسِخَ نِكَاحُهَا وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ خِلَافُ التَّحْقِيقِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (أضواء البيان).
فائدة: قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ، لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ زَوْجُ الزَّانِيَةِ الْعَفِيفُ دَيُّوثًا; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا لِيَحْفَظَهَا، وَيَحْرُسَهَا، وَيَمْنَعَهَا مِنَ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي مَنْعًا بَاتًّا بِأَنْ يُرَاقِبَهَا دَائِمًا، وَإِذَا خَرَجَ تَرَكَ الْأَبْوَابَ مُقْفَلَةً دُونَهَا، وَأَوْصَى بِهَا مَنْ يَحْرُسُهَا بَعْدَهُ فَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا، مَعَ شِدَّةِ الْغَيْرَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِنَ الرِّيبَةِ، وَإِنْ جَرَى مِنْهَا شَيْءٌ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ مَعَ اجْتِهَادِهِ فِي صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ بِهِ دَيُّوثًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ كَعَكْسِهِ، وَأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا بِمَنْعِ ذَلِكَ.
стр. 1823
١٠٠١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: (طَلَّقَ رَجُلٌ اِمْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَا. حَتَّى يَذُوقَ اَلْآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ اَلْأَوَّلُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
• اذكر لفظ آخر للحديث؟
عن عَائِشَةَ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه) متفق عليه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على أنه لا يجوز للمطلقة ثلاثاً أن ترجع إلى زوجها الأول حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً، ثم يطلقها بعد ذلك، فيجوز للأول إعادتها.
فمن طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، فإنها لا ترجع إليه إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره.
لقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا [يعني الثالثة] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه).
ولحديث عَائِشَةَ - السابق - قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي ..... أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك).
[فبت طلاقي] البت بمعنى القطع. يحتمل أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أنه طلقها الطلقة الأخيرة، وهذا الراجح، فقد جاء عند البخاري: (طلقني آخر ثلاث تطليقات) فيكون طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها.
[عبد الرحمن بن الزَّبير] الزَّبِير: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة. [مثل هدبة الثوب] هدبة بضم الهاء وسكون الدال هو طرف الثوب، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. [عسيلته] العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، قال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.
الشرط الثاني: أن يجامعها في الفرج.
لقوله ﷺ (حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) فعلق النبي ﷺ الحل على ذواق العسيلة منها، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج.
ولقوله (حتى تنكح زوجاً غيره) فالمراد بالنكاح هنا الوطء لدلالة حديث عائشة السابق.
وهذا مذهب جمهور العلماء أنه لا بد من الجماع، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. يعني أنه قال: يكفي العقد.
стр. 1824
قال النووي ﵀: قَوْله ﷺ (لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك) كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع، شَبَّهَ لَذَّته بِلَذَّةِ الْعَسَل وَحَلَاوَته.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره، وَيَطَأهَا ثُمَّ يُفَارِقهَا، وَتَنْقَضِي عِدَّتهَا. فَأَمَّا مُجَرَّد عَقْده عَلَيْهَا فَلَا يُبِيحهَا لِلْأَوَّلِ. وَبِهِ قَالَ جَمِيع الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ، إلا سعيد بن المسيب، وَلَعَلَّه لَمْ يَبْلُغهُ هَذَا الْحَدِيث" انتهى.
وقال ابن قدامة ﵀: ومع تصريح النبي ﷺ ببيان المراد من كتاب الله تعالى، وأنها لا تحل للأول حتى يذوق الثاني عسيلتها وتذوق عسيلته، لا يعرج على شيء سواه، ولا يجوز لأحد المصير إلى غيره" انتهى من"المغني" (١٠/ ٥٤٩).
- يكفي لحلها لمطلقها ثلاثاً، تغييب حشفة الرجل في الفرج، ولا بد من انتشار الذكر.
- لا يشترط الإنزال، وهذا مذهب الجمهور خلافاً للحسن البصري.
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً.
فإن كان فاسداً كنكاح التحليل أو الشغار، فإنه لا يحلها وطئها.
ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول.
وهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول.
لحديث ابن مسعود قال: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). رواه أحمد والترمذي
وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً.
فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل.
فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو:
المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً.
والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً.
(وتقدمت المسألة).
стр. 1825
• ما الحكم لو وطأها الثاني بحيض أو نفاس أو إحرام، هل تحل؟
قيل: لا تحل بالوطء المحرَّم.
قالوا لأنه وطء حرام لحق الله، فلم يحصل به الإحلال.
وقيل: أنه يحلها.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، ورجحه ابن قدامة في المغني، حيث قال: وظاهر النص حلها، وهو قوله تعالى (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وهذه قد نكحت زوجاً غيره، وأيضاً قوله ﷺ : (حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتك) وهذا قد وُجِد، ولأنه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على سبيل التمام فأحلها كالوطء الحلال، وهذا أصح إن شاء الله، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
وهذا هو الصحيح.
• ما الحكمة من كون الزوج الأول لا يحل له نكاح مطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره؟
أولاً: تعظيم أمر الطلاق، حتى لا يكثر وقوعه، فإنه إذا علم أنه لا ترجع إليه بعد الثلاث حتى يتزوجها غيره، لم يستعجل بإيقاعه.
ثانياً: الرفق بالمرأة، فإن المرأة إذا طلقت ثلاثاً فإنها تتزوج غيره، وقد يكون خيراً من زوجها الأول فتسعد به.
стр. 1826
بَابُ اَلْكَفَاءَةِ وَالْخِيَارِ
• تعريف الكفاءة:
الكفاءة لغة: المماثلة و المساواة، فيقال: فلان كفء لفلان، أي مساوٍ له، وكل شيء يساوي شيئاً فهو مكافئ له، وكُفء و كَفء و كِفء والجمع أكفاء و كِفاء بمعنى مثلٌ و نظير. و في الحديث (المؤمنون تتكافأ دماؤهم).
والكفاءة اصطلاحاً:
عرّف الفقهاء الكفاءة تعريفات عدّة، منها:
الكفاءة: هي المماثلة بين الزوجين في أمور مخصوصة.
الكفاءة: أمر يوجب عدمه عاراً.
стр. 1827
١٠٠٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّه ﷺ (اَلْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ) رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم.
١٠٠٣ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ اَلْبَزَّارِ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ.
١٠٠٤ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا (اِنْكِحِي أُسَامَةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
١٠٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إِلَيْهِ" وَكَانَ حَجَّامًا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.
===
(بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ) أي: بعضهم لبعض كفء، والمعنى: أن العرب يتماثلون ويتساوون فيما بينهم، فيتزوج بعضهم من بعض.
(وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ) جمع مولى، والمراد هنا العتيق الذي سبق مسه الرق ثم عتق.
(إِلَّا حَائِكٌ) الحياكة: نسج الثياب.
(أَوْ حَجَّامٌ) وهو معروف، والمعنى: أن الحائك والحجام ليس بكفء للعربية وإن كان عربياً.
(بني بياضة) بطن من بطون الخزرج، إحدى قبيلتي الأنصار.
(أنكحوا) أي: زوجوه بناتكم.
(أبا هند) مولى فروة بن عمرو، واسمه عبد الله وكان حجاماً، حجم النبي ﷺ ، كما جاء في رواية عند أبي داود.
(وانكحوا له) أي: اخطبوا إليه بناته ولا تخرجوه منكم بسبب مهنة الحجامة.
• ما صحة حديث الباب؟
حديث (العرب بعضهم أكفاء … ) حديث لا يصح.
فيه راو لم يسم، وفيه تدليس ابن جريْج.
قال البيهقي: هذا منقطع بين شجاع وابن جريج، حيث لم يسم شجاع بعض أصحابه.
وقال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح.
وأما حديث معاذ فهو كما قال المصنف منقطع.
قال أبو حاتم الرازي: خالد بن معدان عن معاذ بن جبل مرسل، لم يسمع منه، وربما كان بينهما اثنان.
وقال عبد الحق الاشبيلي: ولم يسمع خالد من معاذ.
وقد قال ابن حجر في - فتح الباري - إسناده ضعيف.
стр. 1828
• هل الكفاءة في النسب معتبرة أم لا؟
اختلف العلماء في النسب هل يعتبر في الكفاءة بين الزوجين أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن الكفاءة في النسب غير معتبرة، وكذلك المهنة، وأن المعتبر هو الدين فقط.
وبهذا قال المالكية، وهذا اختيار الخطابي، وابن تيمية، وابن القيم.
أ- لقوله تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
ب- حديث الباب (يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه، وكان حجاماً).
فأمر النبي ﷺ هذه القبيلة، وهي القبيلة القحطانية الأزدية العربية أن ينكحوا أبا هند، وهو أحد موالي بني بياضة المذكورين، وكان حجاماً والحجامة عند العرب صناعة ومهنة دنيئة.
قال الخطابي: في هذا الحديث حجة لمالك ولمن ذهب مذهبه في أنّ الكفاءة بالدِّين وحده دون غيره، وأبو هند مولى بني بياضة ليس من أنفسهم.
وقال الصنعاني: فهو من أدلة عدم اعتبار كفاءة الأنساب.
ج- حديث فاطمة بنت قيس. أن النبي ﷺ قال لها (انكحي أسامة بن زيد).
وكان مولى، فهو غير كفؤاً لها، لأنها قرشية وهو قد مسه الرق.
قال الخطابي: وفيه دليل على جواز نكاح المولى القرشية.
قال القرطبي: وقوله (انكحي أسامة) فيه ما يدلُّ على جواز نكاح المولى للقرشية، فإنّ أسامة مولى وفاطمة قرشية كما تقدم، وإنّ الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدِّين لا النسب، كما هو مذهب مالك. (المفهم).
وقال ابن عبد البر: وهذا أقوى شيء في نكاح المولى العربية والقرشية ونكاح العربي القرشية.
د- عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ قَالَتْ وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلاَّ وَجِعَةً فَقَالَ لَهَا حُجِّي وَاشْتَرِطِي قُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ) رواه البخاري.
стр. 1829
وجه الاستدلال: أنّ المقداد بن الأسود من حلفاء قريشٍ، وضباعة هاشميَّة، فلمَّا تزوج بها دلَّ على أنّ الكفاءة في النسب غير معتبرة.
قال ابن حجر: فلولا أنّ الكفاءة لا تعتبر بالنسب لَمَا جاز له أن يتزوجها؛ لأنها فوقه في النسب.
هـ-عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهْوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) رواه البخاري.
وجه الاستدلال: أنّ سالمًا كان مولى، في حين أنّ هندًا قرشية.
قال العيني: مطابقته للترجمة تؤخذ من تزويج أبي حذيفة بنت أخيه هندًا لسالم الذي تبناه وهو مولى لامرأة من الأنصار، ولم يعتبر فيه الكفاءة إلا في الدِّين.
وقال ابن العربي: فدلّ على جواز نكاح المولى العربية، وإنما تُراعى الكفاءة في الدِّين.
قال ابن القيم في زاد المعاد مبيناً أدلة من قال: إن الكفاءة المعتبرة هي الدين فقط:
قالَ اللّهُ تَعَالَى (يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ).
وَقَالَ تَعَالَى (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).
وَقَالَ (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
وَقَالَ تَعَالَى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ).
وَقَالَ ﷺ (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيّ عَلَى عَجَمِيّ وَلَا لِعَجَمِيّ عَلَى عَرَبِيّ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ. وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إلّا بِالتّقْوَى النّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ).
وَقَالَ ﷺ (إنّ آلَ بَنِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إنّ أَوْلِيَائِي الْمُتّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا).
وقال ﷺ (إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ فَقَالَ إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرّاتٍ).
стр. 1830
وَقَالَ النّبِيّ ﷺ لِبَنِي بَيَاضَةَ (أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ وَكَانَ حَجّامًا).
وَزَوّجَ النّبِيّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الْقُرَشِيّةَ مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ.
وَزَوّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ الْفِهْرِيّةَ الْقُرَشِيّةَ مِنْ أُسَامَةَ ابْنِهِ.
وَتَزَوّجَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ بِأُخْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَقَدْ قَالَ اللّهُ تَعَالَى (وَالطّيّبَاتُ لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبُونَ لِلطّيّبَاتِ).
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النّسَاءِ).
فَاَلّذِي يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ ﷺ اعْتِبَارُ الدّينِ فِي الْكَفَاءَةِ أَصْلًا وَكَمَالًا فَلَا تُزَوّجُ مُسْلِمَةٌ بِكَافِرٍ وَلَا عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ فِي الْكَفَاءَةِ أَمْرًا وَرَاءَ ذَلِكَ فَإِنّهُ حَرّمَ عَلَى الْمُسْلِمَةِ نِكَاحَ الزّانِي الْخَبِيثِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ نَسَبًا وَلَا صِنَاعَةٌ وَلَا غِنًى وَلَا حُرّيّةً فَجَوّزَ لِلْعَبْدِ الْقِنّ نِكَاحَ الْحُرّةِ النّسِيبَةِ الْغَنِيّةِ إذَا كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا وَجَوّزَ لِغَيْرِ الْقُرَشِيّينَ نِكَاحَ الْقُرَشِيّات وَلِغَيْرِ الْهَاشِمِيّينَ نِكَاحَ الْهَاشِمِيّاتِ وَلِلْفُقَرَاءِ نِكَاحَ الْمُوسِرَات. (زاد المعاد).
القول الثاني: أن النسب معتبر في الكفاءة. (شرط لزوم).
وبه قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة في المشهور.
أ- لحديث الباب، (اَلْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، إِلَّا حَائِكٌ) وقد تقدم أنه حديث لا يصح، بل حكم بعض العلماء بوضعه.
ب- عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (تخيَّروا لنطفكم، أنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم) رواه ابن ماجه.
وجه الاستدلال: أنّ النبي ﷺ أمر بإنكاح الأكفاء، والكفاءة إذا أطلقت انصرفت إلى النسب؛ لأنّ العرب يعدُّون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصًا وعارًا، فإذا أطلقت الكفاءة وجب حملها على المتعارف، وهو النسب.
لكن الحديث لا يصح.
ج- عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ (لا تنكح النساء إلا من الأكفاء، ولا يزوِّجهن إلا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم) رواه البيهقي والدارقطني وهو لا يصح.
стр. 1831
قال ابن عبد البر: حديث ضعيف لا يحتج بمثله، ولا أصل له.
وقال السخاوي: سنده واهٍ؛ لأنّ فيه مبشر بن عبيد، وهو كذاب.
د- عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: قال عمر بن الخطاب: (لأمنعنَّ فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء) أخرجه عبد الرزاق.
وجه الاستدلال: ظاهر في منع عمر ذوات الأحساب - وهي الأنساب - إلا ممن كافأهنّ في ذلك.
لكن هذا لا يثبت عن عمر.
فيه تدليس حبيب. قال ابن حجر: ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس.
وفيه الانقطاع بين إبراهيم وعمر، فإنه لم يدركه فضلاً عن أن يسمع منه.
قال المزي: روى عن … وعمر بن الخطاب ولم يدركه.
هـ- قال ابن قدامة: ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصاً وعاراً، فإذا أطلقت الكفاءة، وجب حملها على المتعارف، ولأن في فقد ذلك عاراً ونقصاً، فوجب أن يعتبر في الكفاءة كالدين.
فائدة: قوله (اِنْكِحِي أُسَامَةَ) هذا حديث طويل ونصه:
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ. فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ». فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ قَالَ «تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّى عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي». قَالَتْ فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتَقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ «انْكِحِي أُسَامَةَ». فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ) متفق عليه.
стр. 1832
١٠٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا (أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا).
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: - كَانَ حُرًّا -. وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ.
وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ اَلْبُخَارِيِّ; أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا.
===
(خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ) أي: خيّرها رسول الله ﷺ ، كما في رواية أبي داود، وبريرة هي بنت صفوان، مولاة عائشة، اشترتها فأعتقتها.
(عَلَى زَوْجِهَا) مغيثاً.
(حِينَ عَتَقَتْ) أي: زال الرق عنها وصارت حراً.
(وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: كَانَ حُرًّا) اختلف في هذه الجملة هل هي من قول عائشة، أو من قول الأسود بن يزيد، والصواب أنه من قول الأسود بن يزيد الراوي عن عائشة.
(وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ) أي: أنه كان عبداً، لأنه قول الأكثر، وهو أيضاً قول ابن عباس.
• ما حكم الأمة إذا عتقت تحت عبد؟
إذا عتقت الأمَة وكان زوجها عبداً، فإن لها الخيار بين البقاء معه وبين فراقه.
لحديث الباب، ولفظه كاملاً:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وكان زوجها عبداً. قَالَتْ وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِى لَنَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ) رواه مسلم.
قال ابن قدامة: ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت العبد فكان لها الخيار، وهذا مما لا خلاف فيه.
стр. 1833
• ما حكم الأمة لو عتقت تحت حر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا خيار لها. وهذا قول الجمهور.
قال ابن قدامة: وإن عتقت تحت حر، فلا خيار لها، وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار، وأبي قلابة، وابن أبي ليلى ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق.
وقال ابن حجر عند قول البخاري (باب خيار الأمة تحت العبد) واقتضت الترجمة بطريق المفهوم أن الأمة إذا كانت تحت حر فعتقت لم يكن لها خيار، وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب الجمهور إلى ذلك.
أ- أنه لا خيار لها، لأن الحديث (كان زوجها عبداً) فمفهومه أنه إذا كانت تحت حر فعتقت لم بكن لها خيار.
ب- لأنها كافأت زوجها في الكمال، فلم يثبت لها الخيار، كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم.
القول الثاني: أن لها الخيار. وهذا قول الحنفية.
أ- واحتجوا برواية (وكان زوجها حراً) وتقدم أن الصواب أن زوجها كان عبداً.
ب- ولأنها كملت بالحرية، فكان لها الخيار، كما لو كان زوجها عبداً.
والراجح الأول.
• هل يحتاج الفراق إلى طلاق؟
قال العلماء: ولا يحتاج الفراق إلى طلاق، لأن الأمر راجع إليها، والطلاق بيد الرجال.
стр. 1834
• إلى متى يكون الخيار للأمَة إذا عتقت عبد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن الأمَة إذا عتقت تحت العبد فلها الخيار في نكاحها منه إلى أن يمسها بالوطء أو مقدماته.
وهذا مذهب المالكية، والحنابلة.
أ-لحديث عَائِشَة (أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ لَهَا: إِنْ قَرِبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ). رواه أبو داود
وهو صريح في أن الأمة إذا عتقت تحت العبد فلها الخيار في نكاحها منه إلى أن يمسها.
ب- أن هذا القول هو قول حفصة أم المؤمنين وأخيها ابن عمر، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة.
القول الثاني: أن لها الخيار في نكاحها منه في المجلس الذي علمت فيه بعتقها.
وهو قول الحنفية.
القول الثالث: أن لها الخيار في نكاحها منه ثلاثة أيام.
والراجح الأول.
• هل الكفاءة في الحرية شرط في صحة النكاح؟
الكفاءة في الحرية ليست شرطاً لصحة النكاح، وإنما هي شرط للزومه، فيتوقف ذلك على رضا المرأة والأولياء.
стр. 1835
١٠٠٧ - وَعَنِ اَلضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَعَلَّهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ذكره البخاري في التاريخ الكبير وقال: في إسناده نظر.
وفي النهذيب نقل الحافظ عن البخاري قوله: الضحاك بن فيروز عن أبيه وعنه ابن وهب لا يعرف سماع بعضهم من بعض.
وحسنه الترمذي والألباني.
• ما حكم الجمع بين الأختين في النكاح؟
حرام.
قال تعالى (وأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
فالآية دليل على تحريم الجمع بين المرأة وأختها في الزواج.
قال ابن جرير: معناه: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح.
قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح.
قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين الأختين في التزويج حرام بالإجماع، سواء كانت شقيقتين أم من أب أم من أم، وسواء البنت من الرضاع.
ومن الأدلة على التحريم: حديث أُمِّ حَبِيبَة بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ فَقَالَ «أَفْعَلُ مَاذَا». قُلْتُ تَنْكِحُهَا. قَالَ «أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ». قُلْتُ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي. قَالَ «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي». قُلْتُ فَإِنّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ. قَالَ «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) رواه مسلم.
[انكح أختي] أي تزوج، جاء في رواية عند مسلم (انكح أختي عزة بنت أبي سفيان). [أو تحبين ذلك] استفهام تعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها مع ما طبع عليه النساء من الغيرة. [لست لك بِمُخْلِيَة] أي لست بمنفردة بك، ولا خالية من ضرة. [وأحب من شاركني في الخير] المراد بالخير ذاته ﷺ ، فقد جاء في رواية: (وأحب من شركني فيك).
стр. 1836
• ما حكم من أسلم وتحته أختان؟
من أسلم وتحته أختان خُيّر، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة.
لحديث الباب.
قال ابن قدامة: ومن أسلم وتحته أختان لزمه أن يختار إحداهما.
لما روى الضاحك بن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال: (طلق أيهما شئت) رواه أبو داود.
ولأن الجمع بينهما محرم فأشبه الزيادة على الأربع.
وهذا القول في المرأة وعمتها والمرأة وخالتها لأن جمعهما محرم. (الكافي).
• هل تحريم أخت الزوجة إلى أبد أو إلى أمد؟
تحريم أخت الزوجة إلى أمد.
فإذا توفيت زوجة الرجل، أو طلقها، فله نكاح أختها سواء كانت الصغرى أو الكبرى؛ لأن الممنوع هو الجمع بينهما؛ فإذا حصلت الفرقة، بالموت أو بالطلاق، انقطعت العلاقة الزوجية، فجاز له نكاح أختها.
قال الحجاوي ﵀ في متن (زاد المستقنع) وتحرم إلى أمد أخت معتدته وأخت زوجته وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما فإن طلقت وفرغت العدة أبحن" انتهى.
قال الشيخ حمد بن عبد الله الحمد: إذا طلق المرأة وفرغت من عدتها، فله أن ينكح أختها، وله أن ينكح عمتها، وله أن ينكح خالتها وذلك؛ لأن التحريم إلى أمدٍ وليس بتحريم على الأبد، فقد زال المانع وهو الجمع وهنا لا جمع، فإذا طلق المرأة وقضت عدتها، أو ماتت، ثم نكح أختها أو عمتها أو خالتها فذلك جائز لزوال المانع " انتهى من "شرح الزاد".
وسئل الشيخ ابن جبرين ﵀: هل يجوز لرجل توفيت زوجته أن يتزوج من ابنة أخيها أو عمتها أو خالتها أو بناتهن؟
فأجاب: يجوز ذلك لفقد المحذور، وهو الجمع بين الأقارب الذي يسبب قطع الأرحام، فإذا طلق الرجل زوجته، أو ماتت: حلت له أختها، أو بنت أخيها، أو بنت أختها، أو عمتها، أو خالتها، أو بنات المذكورات ". انتهى من (فتاوى إسلامية).
стр. 1837
• ما حكم أنكحة الكفار؟
صحيحة، وأنهم يقرون عليها.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي، وهو الصحيح في المذهب، ومذهب أحمد، وهو اختيار الخطابي.
أ-قال الله تعالى في امرأة أبي لهب (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب).
وقال تعالى عن فرعون (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْن … ).
وجه الاستدلال: أنّ الإضافة في هذه الآيات محمولة على الحقيقة مقتضية للتمليك.
قال ابن تيمية: قالوا: وقد سماها الله امرأة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، والله أعلم.
ب- عن أبي سعيد الخدري ﵁ (أنّ رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًّا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأنّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) أي: فهنَّ لكم حلال إذا انقضت عدتهن).
وجه الاستدلال: قال الخطابي: في قوله (إذا انقضت عدتهن) دليلٌ على ثبوت أنكحة أهل الشرك، ولولا ذلك لم يكن للعدة معنى.
ج-عبد الله بن عمر ﵄: «أنّ رسول الله ﷺ رجم في الزنا يهوديين رجلاً وامرأة زنيا … ).
وجه الاستدلال: قال البيهقي: واحتج الشافعي ﵀ بأنّ رسول الله ﷺ رجم يهوديين زنيا، فجعل نكاحهما يحصنهما، فكيف يذهب علينا أن يكون لا يحلها وهو يحصنها؟.
стр. 1838
قال الماوردي: ولا يرجم إلاَّ محصنًا بنكاح.
فلما أقام الحد عليهما دلَّ على أنهما محصنان بنكاحهما، وذلك دليل على صحة أنكحتهم.
د-عمل النبي ﷺ وأصحابه من بعده؛ من إقرار الكفار على أنكحتهم، وعدم استفسارهم عن شروطهم عند إسلامهم.
قال ابن قدامة: وقد أسلم خلق في عهد رسول الله ﷺ وأسلم نساؤهم وأقروا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح ولا كيفيته، وهذا أمرٌ علم بالتواتر والضرورة، فكان يقينًا، ولكن ينظر في الحال؛ فإن كانت المرأة على صفة يجوز له ابتداء نكاحها أقرَّ، وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها - كأحد المحرمات بالنسب أو السبب والمعتدة أو المرتدة والوثنية والمجوسية والمطلقة ثلاثاً - لم يُقرَّا، وإن تزوجها في العدة وأسلما بعد انقضائها أقرَّا؛ لأنها يجوز ابتداء نكاحها.
وقال ابن عبد البر: فقد أجمع العلماء أنّ الزوجين إذا أسلما معاً في حال واحدة أنّ لهما المقام على نكاحهما، إلا أن يكون بينهما نسب أو رضاع يوجب التحريم، وأنّ كل من كان له العقد عليها في الشرك كان له المقام معها إذا أسلما معا، وأصل العقد معفي عنه؛ لأنّ عامة أصحاب رسول الله ﷺ كانوا كفارًا فأسلموا بعد التزويج، وأقروا على النكاح الأول، ولم يعتبر في أصل نكاحهم شروط الإسلام، وهذا إجماع وتوقيف.
وقال ابن الهمام: ومن حين ظهرت دعوته ﷺ والناس يتواردون الإسلام إلى أن توفي ﷺ على ما قيل - عن سبعين ألف مسلم غير النساء ولم يُنقل قط أنّ أهل بيت جدَّدوا أنكحتهم بطريق صحيح ولا ضعيف، ولو كان لقضت العادة بنقله، فعُلِم أنه قول باطل.
فائدة:
قاعدة: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم.
هذه قاعدة مهمة ذكرها العلماء، وذكروا لها أمثل منها:
قال الشوكاني: فإذا أسلم كافر وعنده أختان أجبر على تطليق إحداهما وفي ترك استفصاله عن المتقدمة منهما من المتأخرة دليل على أنه يحكم لعقود الكفار بالصحة وان لم توافق الإسلام فإذا أسلموا أجرينا عليهم في الأنكحة أحكام المسلمين. وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي وأحمد وداود. وذهبت العترة وأبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي والزهري وأحد قولي الشافعي إلى أنه لا يقر من أنكحة الكفار إلا ما وافق الإسلام فيقولون إذا أسلم الكافر وتحته أختان وجب عليه إرسال من تأخر عقدها وكذلك إذا كان تحته أكثر من خمس أمسك من تقدم العقد عليها منهن وأرسل من تأخر عقدها إذا كانت خامسة أو نحو ذلك وإذا وقع العقد على الأختين أو على أكثر من أربع مرة واحدة بطل وأمسك من شاء من الأختين وأرسل من شاء وأمسك أربعا من الزوجات يختارهن ويرسل الباقيات والظاهر ما قاله الأولون لتركه ﷺ للاستفصال في حديث الضحاك وحديث غيلان ولما في قوله "أختر أيتهما" وفي قوله "أختر أربعا" من الإطلاق.
стр. 1839
١٠٠٨ - وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، (أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
لا يصح، والصواب إرساله كما رجحه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم.
• ماذا نستفيد من حديث الباب؟
نستفيد: أنه من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، فإنه يتخير منهن أربعاً ويطلق الباقي.
قال ابن القيم: فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَوْ عَلَى أُخْتَيْنِ
فِي التّرْمِذِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ اخْتَرْ مِنْهُنّ أَرْبَعًا) وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى: وَفَارِقْ سَائِرَهُنّ، وَأَسْلَمَ فَيْرُوزُ الدّيْلَمِيّ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ اخْتَرْ أَيّتَهُمَا شِئْتَ، فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ صِحّةَ نِكَاحِ الْكُفّارِ وَأَنّهُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ شَاءَ مِنْ السّوَابِقِ وَاللّوَاحِقِ لِأَنّهُ جَعَلَ الْخِيرَةَ إلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ تَزَوّجَهُنّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ وَإِنْ تَزَوّجَهُنّ مُتَرَتّبَاتٍ ثَبَت.
• ما حكم أن يجمع الإنسان في عصمته أكثر من أربع نسوة؟
لا يجوز للحرِّ أن يجمعَ أكثر من أربع في وقت واحد.
وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم (ابن حجر، وابن قدامة، وابن كثير).
قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا على أن نكاح أكثر من أربع زوجات لا يحل لأحد بعد رسول الله ﷺ .
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: واتفق المسلمون على جواز نكاح أربعة من النساء معا، وذلك للاحرار من الرجال.
قال الإمام البغوي ﵀: " وهذا إجماع أن أحداً من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي ﷺ لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها. (تفسير البغوي).
стр. 1840
وقال الإمام القرطبي ﵀: وذهب بعض أهل الظاهر أيضاً إلى أقبح منها، فقالوا: بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكاً منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى أثنين أثنين، وكذلك ثلاث ورباع، وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع. (تفسير القرطبي).
و الشافعي ﵀ حيث نقل عنه الحافظ ابن كثير في "تفسيره" أنه قال: (وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة).
قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله الشافعي ﵀ مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وقال بعضهم: بلا حصر.
وق ابن قدامة حيث قال في "المغني": (أجمع أهل العلم على هذا ولا نعلم أحداً خالفه إلا شيئا يحكى عن القاسم بن إبراهيم أنه أباح تسعاً لقول الله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ولواو للجمع ولأن النبي ﷺ مات عن تسع، وهذا ليس بشيء لأنه خرق للإجماع وترك للسنة.
قال تعالى (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ). أي إن شاء أحدكم اثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء أربعاً
وقد بوب البخاري (باب لا يتزوج أكثر من أربع لقوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع).
قال الحافظ ابن حجر: أما حكم الترجمة فبالإجماع إلا قول من لا يعتد بخلافه من رافضي ونحوه.
وعن ابن عمر (أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يتخير منهن) رواه الترمذي وفي إسناده ضعف.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
من خصوصيات النبي ﷺ أن له أن يجمع أكثر من أربع، وقد مات ﷺ عن تسع نسوة.
стр. 1841
١٠٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (رَدَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ اِبْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ اَلرَّبِيعِ، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ اَلْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ.
١٠١٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ رَدَّ اِبْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) قَالَ اَلتِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
١٠١١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (أَسْلَمَتْ اِمْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ، وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا اَلْآخَرِ، وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا اَلْأَوَّلِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم
===
• ما صحة أحاديث الباب؟
- حديث ابن عباس إسناده حسن، في إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرح بالسماع عند الترمذي.
وقال الترمذي في (جامعه) بأثر إخراج هذا الحديث: سمعت يزين بن هارون يقول حديث ابن عباس أجود إسناداً، يعني من حديث عمرو بن شعيب الآتي.
وصححه الإمام أحمد في (مسنده) عقب حديث عمرو بن شعيب.
ونقل الترمذي في (العلل الكبير) عن البخاري قوله: حديث ابن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
- وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فإسناده ضعيف، فيه حجاج بن أرطاة وهو مدلس، وقد عنعن.
وقال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال.
وقال الدارقطني: هذا لا يثبت، وحجاج لا يحتج به، والصواب حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ ردها بالنكاح الأول.
• ما حكم إذا أسلم أحد الزوجين ثم أسلم الآخر؟
اتفق العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معاً فهما على نكاحهما، سواء كان ذلك قبل الدخول أم بعده.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معاً في حالة واحدة، أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع، وقد أسلم خلق في زمن النبي ﷺ ونساؤهم وأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح ولا عن كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة، فكان يقيناً.
стр. 1842
واتفق العلماء على أنه إذا أسلم أحد الزوجين وكان بينهما سبب من أسباب التحريم كالرضاع وقعت الفرقة بينهما بهذا السبب.
وإن لم يكن بينهما سبب من أسباب التحريم، وكان الزوجة كتابية فهما على نكاحهما، لأنه يصح النكاح بينهم ابتداء فاستدامته أولى.
وإما إذا أسلم الزوج وحده وكانت الزوجة غير كتابية، أو أسلمت الزوجة وحدها، فهذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: أن النكاح باق حكماً ما لم تتزوج المرأة بآخر، ولو مكثت سنين، والأمر في ذلك إليها، ولا حكم له عليها، ولا حق لها عليه.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين ﵏ أجمعين -.
أ- لحديث الباب - ابن عباس (أن رسول الله ﷺ رد زينب ابنته على زوجها أبي العاص بنكاحها الأول).
وكان إسلامه بعد نزول آيات سورة الممتحنة والتي فيها تحريم المسلمات على المشركين بسنتين، والظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة. ومع ذلك ردها النبي ﷺ إليه بالنكاح الأول.
ب- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال (كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ، وَلَا يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ) رواه البخاري.
وجه الدلالة: قوله (فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ) يدل على أن الزوجة ترد إليه وإن طال الزمن، لأنه أطلق في هذا الحديث.
القول الثاني: أن إسلام أحد الزوجين، إذا كان قبل الدخول، فإن الفرقة تقع في الحال، وأما إذا كان إسلام أحدهما بعد الدخول فإن الفرقة تتوقف على انقضاء العدة، فإن أسلم الآخر قبل انقضائها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة وقعت الفرقة بينهما.
وهذا قول جمهور العلماء.
لحديث الباب - عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - (رَدَّ اِبْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ).
стр. 1843
• بما أجاب الجمهور عن حديث ابن عباس؟
أجابوا بأجوبة:
أولاً: أنه معارض بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمثبت مقدم على النافي.
وأجيب: بأن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، حديث ضعيف.
قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال.
ثانياً: أن عدة زينب امتدت إلى أن أسلم زوجها.
وأجيب: بأن هذا بعيد غاية البعد، وخلاف ما عرف من طبيعة النساء أن تبقى العدة إلى ست سنين.
ثالثاً: أن القصة كانت قبل تحريم المسلمات على المشركين، فلا دلالة فيها على هذا الحكم أصلاً.
وأجيب: بأن هذا مخالف لما أطبق عليه أهل المغازي أن إسلام أبي العاص كان بعد نزول تحريم المسلمة على المشرك.
وأيضاً: أسلم أناس بعد نزول التحريم كما أسلم الطلقاء وأسلم أهل الطائف وغيرهم فلم يفرق النبي ﷺ بينهم وبين نسائهم، مع أن إسلامهم لم يكن في لحظة واحدة قطعاً.
رابعاً: أن معنى ردها بالنكاح الأول، أي: على مثل الصداق الأول.
وأجيب: بأن هذا عكس المفهوم من الحديث والظاهر منه.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أذا أسلم أحدهما قبل انقضاء العدة، فهما على نكاحهما.
وهذا هو مذهب الشافعي وأحمد.
ودلت على ذلك وقائع كثيرة في السنة:
منها: أن امرأة صفوان بن أمية أسلمت يوم فتح مكة ثم أسلم هو بعدها بنحو من شهر ولم يفرق النبي ﷺ بينهما، ولا أمرهما بتجديد العقد، وبقيت عنده بالنكاح الأول.
قال ابن عبد البر ﵀: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
стр. 1844
١٠١٢ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (تَزَوَّجَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا فَقَالَ: اِلْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ "، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ) رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ، وَفِي إِسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي شَيْخِهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ; أَنَّ عُمَرَ بْنَ اَلْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: (أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً، فَدَخَلَ بِهَا، فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا اَلصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا) أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا: عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَبِهَا قَرَنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا اَلْمَهْرُ بِمَا اِسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ أَيْضًا قَالَ: - قَضَى [بِهِ] عُمَرُ فِي اَلْعِنِّينِ، أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
===
(الجنون) وهو من العيوب المشتركة بين الزوجين، فإن كان في أحد الزوجين جنون ثبت الخيار للآخر، لأن النفس لا تسكن إلى مَنْ هذه حاله.
(الجذام) بضم الجيم، وهو علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم يتقطع ويتناثر، ويتصور ذلك في كل عضو، لكنه في الوجه أغلب.
(البرص) بفتح الباء والراء وهو بياض الجلد.
(اَلْعِنِّينِ) وهو العاجز عن الجماع لمرضٍ أصابه أو لضعف خلقتهِ أو لكبرِ سنهِ
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث زيد بن كعب عن أبيه حديث ضعيف، لضعف راويه جميل بن زيد، واضطراب فيه.
وأما أثر عمر، فهو منقطع بين سعيد وعمر.
وأما أثر علي فضعيف أيضاً، لانقطاعه بين الشعبي وعلي.
وأما أثر عمر أنه قضى في العنين … ، ضعيف لانقطاعه بين سعيد بن المسيب وعمر.
• ما تعريف العيب في النكاح؟
العيب: وهو النقص.
واصطلاحاً: نقصٌ عقلي أو بدني في أحد الزوجين يمنع من تحصيل مقاصد النكاح أو التمتع بالحياة الزوجية.
стр. 1845
• هل يثبت الخيار بالعيب بالنكاح؟
ذهب جمهور العلماء إلى ثبوت فسخ النكاح إذا وجد عيب بأحد الزوجين.
فإذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيباً لم يعلم به قبل العقد كالجنون والجذام والبرص ونحوها، فله فسخ النكاح.
أ- ما ورد عن عمر، وابنه، وابن عباس وغيرهم. (لم يرد شيء مرفوع إلى النبي ﷺ .
والقياس على العيوب في البيع.
وقد اتفق الأئمة الأربعة على ثبوت التفريق بالعيب بين الزوجين
وذهب الحنفية إلى أن الزوج لا حق له في الفسخ إذا وجد زوجته معيبة، استغناءً بما جعل له الشرع من الطلاق، وستراً على المرأة، وتجنباً للتشهير بها، وأما الزوجة فيقولون: إن كانت عيوباً منفرة فلا فسخ لها، وإن كان العيب يمنع الوطء فلها الفسخ.
• ما العيوب التي يفسخ بها النكاح؟
اختلف العلماء في العيوب التي يفسخ بها النكاح.
بعض العلماء خصصها بعيوب معينة كعيوب الفرج والجذام والبرص والجنون، قالوا: لأن هذا هو المروي عن الصحابة فلا نتعداه لغيره.
ومنهم من عمم بكل عيب يصدق أنه عيب.
والأظهر في هذه المسألة ما ذكره ابن القيم: هو كل عيب يمنع استمتاع الزوجين أو ينفر عن كماله أو يخشى تعدية أو لا يحصل معه مقصود النكاح من الرحمة والمودة فإن هذا يثبت الخيار.
وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية واختيار الشيخ السعدي.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والصواب أن العيب كل ما يفوت به مقصود النكاح، ولاشك أن من أهم مقاصد النكاح المتعة، والخدمة، والإنجاب، فإذا وجد ما يمنعها فهو عيب، وعلى هذا فلو وجدت الزوج عقيما، أو وجدها هي عقيمة فهو عيب.
وعلى هذا: فالعمى عيب، وكذلك الخرس، وكذلك قطع أحد الأعضاء.
هل يثبت الخيار لمن لم يرض بالعيب ولو كان به عيب مثله؟
نعم.
يثبت الخيار لمن لم يرض بالعيب من الزوجين ولو كان به عيب مثله أو مغاير له، لأن الإنسان لا يأنف من عيب نفسه.
стр. 1846
متى يسقط خيار أحد الزوجين؟
إذا رضي أحدهما بعيب الآخر، أو وجد منه دليل الرضى مع علمه بالعيب فلا خيار له بعد ذلك، لأن الحق له وقد أسقطه.
قال ابن قدامة: ومن شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب، أن لا يكون عالما بها وقت العقد، ولا يرضى بها بعده، فإن علم بها في العقد، أو بعده فرضي، فلا خيار له، لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه رضي به، فأشبه مشتري المعيب.
وقال في (كشاف القناع) فإن كان أحد الزوجين الذي لا عيب به عالماً بالعيب في الآخر وقت العقد فلا خيار له، أو علم بالعيب بعد العقد ورضي به فلا خيار له. قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه " انتهى بتصرف.
• كيف يحصل الفسخ بين الزوجين بسبب العيب؟
لا يتم الفسخ إلا عند حاكم وذلك لسببين:
الأول: لقطع النزاع.
الثاني: ولأن بعض العيوب مختلف فيها وحكم الحاكم يرفع الخلاف.
• ما الحكم إذا وجدت الزوجة زوجها عنيناً؟
إذا وجدتُه عنّيناً: أجل إلى سنة، فإن مضت وهو على حاله فلها الفسخ.
أي: وإذا وجدت المرأة الزوج عنيناً [وهو العاجز عن الجماع لمرضٍ أصابه أو لضعف خلقتهِ أو لكبرِ سنهِ] فإنه يؤجل سنة.
فالعنين يؤجل سنة منذ رفعته للحاكم لا منذ دخوله عليها.
قال ابن قدامة: العنين: هو العاجز عن الإيلاج، وهو مأخوذ من عن، أي: اعترض؛ لأن ذكره يعن إذا أراد إيلاجه، أي يعترض، والعنن الاعتراض.
وقيل: لأنه يعن لقبل المرأة عن يمينه وشماله، فلا يقصده.
فإذا كان الرجل كذلك فهو عيب به، ويستحق به فسخ النكاح، بعد أن تضرب له مدة يختبر فيها، ويعلم حاله بها.
وهذا قول عمر، وعثمان، وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، ﵃ وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وعمرو بن دينار، والنخعي، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وعليه فتوى فقهاء الأمصار، منهم؛ مالك، وأبو حنيفة وأصحابه والثوري، والأوزاعي والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد.
ثم قال: ولنا، ما روي أن عمر ﵁ أجل العنين سنة.
وروى ذلك الدارقطني، بإسناده عن عمر وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة ولا مخالف لهم.
ورواه أبو حفص عن علي ولأنه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار، كالجب في الرجل، والرتق في المرأة. (المغني).
المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ـ مشكول (١٥/ ٣١٣)
قال ابن قدامة: ومن علم أن عجزه عن الوطء لعارض؛ من صغر، أو مرض مرجو الزوال، لم تضرب له مدة؛ لأن ذلك عارض يزول.
стр. 1847
• ما الحكمة من تأجيله سنة؟
لتمر عليه الفصول الأربعة، فإن تعذر الجماع قد يكون لعارض حرارة فيزول في الشتاء، أو لبرودة فيزول في الصيف، أو يبوسة فيزول في الربيع أو رطوبة فيزول في الخريف، فإذا مضت الفصول فلم يزل علمَ أنه خِلْقة
• مَنْ مِنْ الصحابة جاء عنهم التفريق بالعنة؟
جاء التفريق بالعنة عن عمر وعثمان وابن مسعود وسمرة بن جندب ومعاوية بن أبي معاوية وغيرهم من الصحابة.
• هل العقم عيب في النكاح أم لا؟
اختلف الفقهاء في العقم هل يعد عيبا في النكاح، على قولين:
الأول: أنه لا يعد عيباً.
وهو قول جمهور أهل العلم، إلا الحسن البصري ﵀ فقد جعله عيبا يوجب الفسخ، واستحب أحمد أن يبين الرجل العقيم أمره قبل الزواج.
القول الثاني: أن كل عيب ينفر أحد الزوجين من الآخر، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة، فإنه عيب يوجب الخيار، وهذا ما قرره ابن القيم ﵀ ودلّل عليه، ووافقه على ذلك بعض أهل العلم المعاصرين ومنهم الشيخ ابن عثيمين ﵀، ورأى أن عدم الإنجاب عيب يوجب الخيار للزوج أو الزوجة.
قال ﵀: " والصواب أن العيب كل ما يفوت به مقصود النكاح، ولاشك أن من أهم مقاصد النكاح المتعة، والخدمة، والإنجاب، فإذا وجد ما يمنعها فهو عيب، وعلى هذا فلو وجدت الزوج عقيما، أو وجدها هي عقيمة فهو عيب. (الشرح الممتع).
• هل كون المرأة تصيبها الاستحاضة أكثر الشهر يعتبر عيب أم لا؟
نعم.
كون المرأة يصيبها دم الاستحاضة أكثر الشهر، فهذا عيب يؤذي الزوج ويتسبب في حصول شيء من النفرة بين الزوجين.
وعلى هذا، يجب على المرأة أن تخبر خطيبها بذلك.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قال في الروض: " واستحاضة " وهي استمرار الدم الخارج من المرأة، وهو دم طبيعي لكنه مرض، بخلاف الدم الناشئ عن عملية في الرحم مثلاً، فالدم الناشئ عنها ليس استحاضة إلا أنه ملحق بها في الحكم، فالاستحاضة عيب؛ وذلك لأننا لو قلنا: إنها تمنع الوطء لخوف العنت فهذا عيب واضح، وإذا قلنا بالقول الصحيح أنه يجوز وطء المستحاضة فإنه وإن جاز وطؤها، فلا شك أنه يحدث للرجل نفوراً من هذه المرأة المستحاضة، فكلما جامع وجد نفسه متلوثاً بالدم، هذا لا شك أنه ينفر منها، ويمنع من كمال الاستمتاع .... (الشرح الممتع)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فصل في العيوب المثبتة للفسخ: والاستحاضة عيب يثبت به فسخ النكاح في أظهر الوجهين .. وترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع.
وهذا ما لم يمكن علاجه، فإن أمكن العلاج فلا يلزمها إخباره بذلك.
стр. 1848
• ما الفرق بين الفسخ والطلاق من وجهين:
أولاً: أن الفسخ لا يحتسب من الطلاق.
ثانياً: أن عدة الفسخ تكون استبراء بحيضة وعدة الطلاق ثلاث حيض.
فائدة:
قال ابن قدامة: وإن أرادت أن تتزوج معيباً، فله منعها، في أحد الوجهين.
قال أحمد ما يعجبني أن يزوجها بعنين، وإن رضيت الساعة تكرهه إذا دخلت عليه؛ لأن من شأنهن النكاح، ويعجبهن من ذلك ما يعجبنا.
وذلك لأن الضرر في هذا دائم، والرضى غير موثوق بدوامه، ولا يتمكن من التخلص إذا كانت عالمة في ابتداء العقد، وربما أفضى إلى الشقاق والعداوة، فيتضرر وليها وأهلها، فملك الولي منعها، كما لو أرادت نكاح من ليس بكفء.
بَابُ عِشْرَةِ اَلنِّسَاءِ
العِشرة بكسر العين هي الاجتماع، والمراد هنا: عشرة الرجال الأزواج، النساء: أي الزوجات، والمعنى: ما يكون بين الزوجين من الألفة والاجتماع والمعاملة.
ومدار هذا الباب على قوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
أي: يجب على كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بما يقره الشرع والعرف من الصحبة والقيام بحقه وكف الأذى.
لقوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: صاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، فأدوا ما لهن، واصبروا على أذاهن وتقصيرهن.
قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فبينت الآية أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، فكما أن على المرأة حقاً لزوجها، فإن لها أيضاً عليه حقاً، إلا أن حق الرجل عليها أعظم وأعلى، لأن عليه الرعاية والكفاية والحماية.
• ينبغي أن ينوي كل واحد من الزوجين بالمعاشرة بالمعروف استجابة أمر الله.
стр. 1849
١٠١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى اِمْرَأَةً فِي دُبُرِهَا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَكِنْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ.
١٠١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَنْظُرُ اَللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلاً أَوْ اِمْرَأَةً فِي دُبُرِهَا) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالْوَقْفِ.
===
• ما صحة أحاديث الباب؟
اختلف العلماء في صحة الأحاديث الواردة في هذا الباب.
فضعفها جمع من العلماء:
قال ابن حجر: وذهب جماعة من أئمة الحديث: كالبخاري، والذهلي، والبزار، والنسائي، وأبي على النيسابوري إلى أنه لا يثبت فيه شيء.
وذهب بعضهم إلى تصحيحها أو تصحيح بعضها أو تصحيحها بمجموع طرقها.
قال الحافظ: .. لكن طرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاج به ويؤيد القول بالتحريم أنا لو قدمنا أحاديث الإباحة للزم أنه أبيح بعد أن حرم والأصل عدمه فمن الأحاديث الصالحة الإسناد حديبث خزيمة بن ثابت أخرجه أحمد والنسائي وبن ماجة
البخاري، والذهلي، والنسائي، والحافظ أبو بكر البزار، والحافظ أبو علي النيسابوري، والحافظ أبو الحسن الدارقطني.
و قال الذهبي في ترجمة النسائي بعدما نقل قوله هذا: قد تيقنا صحة هذه الأحاديث بمجموعها ولي في ذلك مصنف كبير. ا. هـ بمعناه.
• ما حكم إتيان المرأة في دبرها؟
حرام وكبيرة من الكبائر.
أ- لقوله تعالى (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) والدبر ليس محلاً للحرث.
ب- عن جَابراً قال (كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ).
[أتى امرأته] أي جامعها. [من دبرها] أي من جهة دبرها. [في قبلها] أي أن الوطء في القبل، لكن جاءها من خلفها. [كان الولد أحول] أي جاء الولد الذي ينتج عن الوطء أحولاً. [نساؤكم] أي زوجاتكم. [حرث لكم] أي إن النساء موضع إنبات الولد. [فأتوا حرثكم] أي واقعوا زوجاتكم في موضع الحرث. [أنى شئتم] أي من أي جهةٍ شئتم، مقبلة أو مدبرة أو على جنب أو غير ذلك. وليس المعنى: من أي مكان شئتم، حيث يستدل بها على وطء الدبر، فإن سبب النزول يرد هذا المعنى.
стр. 1850
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) لم يبيّن هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظة (حَيْثُ) وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِتْيَانُ فِي الْقُبُلِ فِي آيَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: هِيَ قَوْلُهُ هُنَا (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ).
لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَأْتُوا) أَمْرٌ بِالْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ، وَقَوْلِهِ: (حَرْثَكُمْ)، يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِتْيَانَ الْمَأْمُورَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي مَحَلِّ الْحَرْثِ يَعْنِي بَذْرَ الْوَلَدِ بِالنُّطْفَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْقُبُلُ دُونَ الدُّبُرِ كَمَا لَا يَخْفَى; لِأَنَّ الدُّبُرَ لَيْسَ مَحَلُّ بَذْرٍ لِلْأَوْلَادِ، كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمُ الْوَلَدُ، عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَقَدْ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ابْتِغَاءَ الْوَلَدِ إِنَّمَا هُوَ بِالْجِمَاعِ فِي الْقُبُلِ. فَالْقُبُلُ إِذَنْ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالْمُبَاشَرَةِ فِيهِ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَلْتَكُنْ تِلْكَ الْمُبَاشَرَةُ فِي مَحَلِّ ابْتِغَاءِ الْوَلَدِ، الَّذِي هُوَ الْقُبُلُ دُونَ غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، يَعْنِي الْوَلَدَ.
وَيَتَّضِحُ لَكَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (أَنَّى شِئْتُمْ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ فِي مَحَلِّ الْحَرْثِ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ شَاءَ الرَّجُلُ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْتَلْقِيَةً، أَوْ بَارِكَةً، أَوْ عَلَى جَنْبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ جَابِرًا ﵁ يَرَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: فَأْتُوهُنَّ فِي الْقُبُلِ عَلَى أَيَّةِ حَالَةٍ شِئْتُمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْ وَرَائِهَا.
وَالْمُقَرَّرُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِسَبَبِ النُّزُولِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْع. (أضواء البيان).
وقد جاءت الأدلة على تحريم وطء الدبر، يقوي بعضها بعضاً:
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ملعون من أتى امرأة في دبرها) رواه أبو داود.
وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها) رواه الترمذي. [وهذه الأحاديث مختلف فيها لكن بعضها يقوي البعض].
стр. 1851
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من أتى امرأة حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه الترمذي [مختلف في صحته].
قال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذه الأحاديث: " لكن طرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاج به. (فتح الباري).
وقد ساق ابن القيم ﵀ أوجها كثيرة لتحريم الوطء في الدبر:
منها قوله: وأيضاً: فللمرأة حق على الزوج في الوطء، ووطؤها في دُبرها يفوِّتُ حقها، ولا يقضي وطَرَها، ولا يُحَصِّل مقصودها.
وأيضاً: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاءُ الأطباء منِ الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطءُ في الدُّبُر لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كلَّ المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي.
وأيضاً: فإنه يضرُّ بالمرأة جداً، لأنه واردٌ غريب بعيدٌ عن الطباع، مُنافر لها غايةَ المنافرة.
وأيضاً: فإنه يُحِدثُ الهمَّ والغم، والنفرةَ عن الفاعل والمفعول.
وأيضاً: فإنه يُسَوِّدُ الوجه، ويُظلم الصدر، ويَطمِسُ نور القلب، ويكسو الوجه وحشةً تصير عليه كالسِّيماء يعرِفُها مَنْ له أدنى فراسة.
وأيضاً: فإنه يُوجب النُّفرة والتباغض الشديد، والتقاطع بين الفاعل والمفعول، ولا بُد. (زاد المعاد).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة، وهو قول جماهير السلف والخلف، بل هو اللوطية الصغرى.
وقال ابن القيم: أما الدبر: فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط عليه.
وقال: ومن هاهنا نشأ الغلط على من نُقل عنه الإباحة من السلف والأئمة، فإنهم أباحوا أن يكون الدُّبر طريقاً إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع "مِنْ" بـ "في" ولم يظن بينهما فرقاً، فهذا الذي أباحه السلف والأئمة، فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه. (زاد المعاد).
стр. 1852
١٠١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي اَلضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمَهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ
وَلِمُسْلِمٍ (فَإِنْ اِسْتَمْتَعْتَ بِهَا اِسْتَمْتَعْتَ وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا).
===
(وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) أي: اقبلوا وصيتي فيهن، واعملوا بها، وارفقوا بهن، وأحسنوا عشرتهن.
(فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ) قال في الفتح: قيل: إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر.
(وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي اَلضِّلَعِ أَعْلَاهُ) ذكر ذلك تأكيدا لمعنى الكسر لأن الإقامة أمرها أظهر في الجهة العليا أو إشارة إلى أنها خلقت من اعوج أجزاء الضلع مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن، ويحتمل أن يكون ضرب ذلك مثلا لأعلى المرأة، لأن أعلاها رأسها وفيه لسانها، وهو الذي يحصل منه الأذى. (الفتح).
(فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمَهُ كَسَرْتَهُ) وفي رواية مسلم (وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا) قيل: هو ضرب مثل الطلاق، أي: إن أردت منها أن تترك اعوجاجها أفضى الأمر إلى فراقها.
(وَإِنْ تَرَكْتَهُ) وفي الرواية الثانية (وإن تركتها) أي: على ما هي عليه من اعوجاج.
(لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ) وفي رواية مسلم (اِسْتَمْتَعْتَ وَبِهَا عِوَجٌ).
١ - الحديث دليل على تحريم إيذاء الجار.
٢ - أن من علامات الإيمان عدم إيذاء الجار.
٣ - وجوب الإحسان إلى الجار.
٤ - الوصية بالنساء والحرص على الإحسان إليهن وملاطفتهن وتحمل نقصهن.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُلَاطَفَة النِّسَاء وَالْإِحْسَان إِلَيْهِنَّ وَالصَّبْر عَلَى عِوَج أَخْلَاقهنَّ وَاحْتِمَال ضَعْف عُقُولهنَّ، وَكَرَاهَة طَلَاقهنَّ بِلَا سَبَب وَأَنَّهُ لَا يَطْمَع بِاسْتِقَامَتِهَا وَاَللَّه أَعْلَم
وقد جاء في الحديث: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ). رواه مسلم
قال النووي: يفْرَك بِفَتْحِ الْيَاء وَالرَّاء وَإِسْكَان الْفَاء بَيْنهمَا قَالَ أَهْل اللُّغَة فَرِكَهُ بِكَسْرِ الرَّاء يَفْرُكُهُ إِذَا أَبْغَضه (وَالْفَرْك) بِفَتْحِ الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء الْبُغْض، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: هَذَا لَيْسَ عَلَى النَّهْي، قَالَ: هُوَ خَبَر، أَيْ لَا يَقَع مِنْهُ بُغْض تَامّ لَهَا. قَالَ: وَبُغْض الرِّجَال لِلنِّسَاءِ خِلَاف بُغْضهنَّ لَهُمْ. قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ: إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَر، هَذَا كَلَام الْقَاضِي وَهُوَ ضَعِيف أَوْ غَلَط، بَلْ الصَّوَاب أَنَّهُ نَهْي أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضهَا، لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَه وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُون شَرِسَة الْخُلُق لَكِنَّهَا دَيِّنَة أَوْ جَمِيلَة أَوْ عَفِيفَة أَوْ رَفِيقَة بِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ نَهْي يَتَعَيَّن لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات (لَا يَفْرَكْ) بِإِسْكَانِ الْكَاف لَا بِرَفْعِهَا وَهَذَا يَتَعَيَّن فِيهِ النَّهْي وَلَوْ رُوِيَ مَرْفُوعًا لَكَانَ نَهْيًا بِلَفْظِ الْخَبَر.
стр. 1853
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ خِلَافه فَبَعْض النَّاس يُبْغِض زَوْجَته بُغْضًا شَدِيدًا وَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَمْ يَقَع خِلَافه وَهَذَا وَاقِع، وَمَا أَدْرِي مَا حَمَلَ الْقَاضِي عَلَى هَذَا التَّفْسِير.
وقال السعدي: هذا الإرشاد من النبي ﷺ ، للزوج في معاشرة زوجته من أكبر الأسباب والدواعي إلى حسن العشرة بالمعروف، فنهى المؤمن عن سوء عشرته لزوجته، والنهي عن الشيء أمر بضده. وأمره أن يلحظ ما فيها من الأخلاق الجميلة، والأمور التي تناسبه، وأن يجعلها في مقابلة ما كره من أخلاقها، فإن الزوج إذا تأمل ما في زوجته من الأخلاق الجميلة، والمحاسن التي يحبها، ونظر إلى السبب الذي دعاه إلى التضجر منها وسوء عشرتها، رآه شيئاً واحداً أو اثنين مثلاً، وما فيها مما يحب أكثر، فإذا كان منصفاً غض عن مساوئها لاضمحلالها في محاسنها.
وبهذا: تدوم الصحبة، وتؤدى الحقوق الواجبة المستحبة، وربما أن ما كره منها تسعى بتعديله أو تبديله.
وأما من غض عن المحاسن، ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة، فهذا من عدم الإنصاف، ولا يكاد يصفو مع زوجته.
والناس في هذا ثلاثة أقسام:
أعلاهم: من لحظ الأخلاق الجميلة والمحاسن، وغض عن المساوئ بالكلية وتناساها.
وأقلهم توفيقاً وإيماناً وأخلاقاً جميلة، من عكس القضية، فأهدر المحاسن مهما كانت، وجعل المساوئ نصب عينيه، وربما مددها وبسطها وفسرها بظنون وتأويلات تجعل القليل كثيراً، كما هو الواقع.
والقسم الثالث: من لحظ الأمرين، ووازن بينهما، وعامل الزوجة بمقتضى كل واحد منها، وهذا منصف. ولكنه قد حرم الكمال.
وهذا الأدب الذي أرشد إليه ﷺ ، ينبغي سلوكه واستعماله مع جميع المعاشرين والمعاملين; فإن نفعه الديني والدنيوي كثير، وصاحبه قد سعى في راحة قلبه، وفي السبب الذي يدرك به القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة؛ لأن الكمال في الناس متعذر، وحسب الفاضل أن تعد معايبه، وتوطين النفس على ما يجيء من المعاشرين مما يخالف رغبة الإنسان، يسهل عليه حسن الخلق، وفعل المعروف والإحسان مع الناس.
٥ - فِيهِ دَلِيل لِمَا يَقُولهُ الْفُقَهَاء أَوْ بَعْضهمْ أَنَّ حَوَّاء خُلِقَتْ مِنْ ضِلْع آدَم، قَالَ اللَّه تَعَالَى (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجهَا) وَبَيَّنَ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْع.
стр. 1854
١٠١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا اَلْمَدِينَةَ، ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ. فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا - يَعْنِي: عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ اَلشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ اَلْمَغِيبَةُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ، فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلاً).
===
(فَلَمَّا قَدِمْنَا اَلْمَدِينَةَ) أي: قارب قدومنا إليها.
(فَقَالَ: أَمْهِلُوا) أي: لا تتعجلوا.
(حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا - يَعْنِي: عِشَاءً -) أي: وقت العشاء.
(لِكَيْ تَمْتَشِطَ) أي: تسرح شعرها.
(اَلشَّعِثَةُ) أي: المتغيرة الحال والهيئة.
(وَتَسْتَحِدَّ) أي: تستعمل الحديدة في شعر العانة، وهو إزالته بالموسى، قال النووي: والمراد هاهنا إزالته كيف كانت.
(اَلْمُغِيبَةُ) أي: التي غاب عنها زوجها.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد نهي المسافر أن يقدم على زوجته ليلاً بغتة.
• ماذا نستفيد من رواية البخاري (إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ)؟
نستفيد أن النهي مقيد بطول الغيبة.
قال الحافظ ابن حجر: التقييد فيه بطول الغيبة يشير إلى أن علة النهي إنما توجد حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلاً نهاراً ويرجع ليلاً لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع الذي يهجم بعد طول الغيبة غالباً ما يكره، إما أن يجد أهله على غير أهبة من التنظف والتزين المطلوب من المرأة فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله في حديث الباب الذي بعده بقوله (كي تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة) ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة لئلا يطلع منها على ما يكون سبباً لنفرته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله (أن يتخونهم ويتطلب عثراتهم) فعلى هذا من أعلم أهله بوصوله وأنه يقدم في وقت كذا مثلاً لا يتناوله هذا النهي، وقد صرح بذلك بن خزيمة في صحيحه ثم ساق من حديث بن عمر قال (قدم النبي ﷺ من غزوة فقال: لا تطرقوا النساء وأرسل من يؤذن الناس إنهم قادمون).
стр. 1855
وقال النووي: … فَأَمَّا مَنْ كَانَ سَفَره قَرِيبًا تَتَوَقَّع اِمْرَأَته إِتْيَانه لَيْلًا فَلَا بَأْس كَمَا قَالَ فِي إِحْدَى هَذِهِ الرِّوَايَات (إِذَا أَطَالَ الرَّجُل الْغَيْبَة) وَإِذَا كَانَ فِي قَفْل عَظِيم أَوْ عَسْكَر وَنَحْوهمْ، وَاشْتُهِرَ قُدُومهمْ وَوُصُولهمْ، وَعَلِمَتْ اِمْرَأَته وَأَهْله أَنَّهُ قَادِم مَعَهُمْ، وَأَنَّهُمْ الْآنَ دَاخِلُونَ، فَلَا بَأْس بِقُدُومِهِ مَتَى شَاءَ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى بِسَبَبِهِ، فَإِنَّ الْمُرَاد أَنْ يَتَأَهَّبُوا، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْدَم بَغْتَة. وَيُؤَيِّد مَا ذَكَرْنَاهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخِر (أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُل لَيْلًا - أَيْ: عِشَاء - كَيْ تَمْتَشِط الشَّعِثَة وَتَسْتَحِدّ الْمُغِيبَة) فَهَذَا صَرِيح فِيمَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ مَفْرُوض فِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا الدُّخُول فِي أَوَائِل النَّهَار بَغْتَة، فَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ إِلَى آخِر النَّهَار لِيَبْلُغ قُدُومهمْ إِلَى الْمَدِينَة، وَتَتَأَهَّب النِّسَاء وَغَيْرهنَّ.
• ما الحكمة من النهي؟
جاء في الحديث بيان الحكمة:
لكي تتأهب المرأة لزوجها وتتزين.
ولذلك جاء في الحديث (لِكَيْ تَمْتَشِطَ اَلشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ اَلْمَغِيبَةُ).
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ) رواه مسلم.
(يَتَخَوَّنُهُمْ) أي: يَظُنّ خِيَانَتهمْ، وَيَكْشِف أَسْتَارهمْ، وَيَكْشِف هَلْ خَانُوا أَمْ لَا؟ (نووي).
قال الإمام الشوكاني: قوله (يتخونهم أو يطلب عثراتهم) … والتخون أن يظن وقوع الخيانة له من أهله، وعثراتهم بفتح المهملة والمثلثة جمع عثرة: وهي الزلة، ووقع في حديث جابر عند أحمد والترمذي بلفظ (لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم).
• ما الجمع بين قوله (حتى تدخلوا ليلاً) وقوله (فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلاً)؟
قال الشوكاني: قوله (حتى تدخلوا ليلاً) ظاهره المعارضة بما تقدم من النهي عن الطروق ليلاً، وقد جمع؛ المراد بالليل ههنا أوله وبالنهي الدخول في أثناءه فيكون أول الليل إلى وقت العشاء مخصصاً من عموم ذلك النهي، والأولى في الجمع أن الأذن في الدخول ليلاً لمن كان قد أعلم أهله بقدومه فاستعدوا له، والنهي لمن لم يكن قد أعلنه.
стр. 1856
١٠١٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ شَرَّ اَلنَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اَللَّهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ; اَلرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى اِمْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
(اَلرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى اِمْرَأَتِهِ) المراد بالإفضاء هنا الجماع.
(ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) أي: ما وقع بينهما من الوقاع والجماع.
- فِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم إِفْشَاء الرَّجُل مَا يَجْرِي بَيْنه وَبَيْن اِمْرَأَته مِنْ أُمُور الِاسْتِمْتَاع، وَوَصْف تَفَاصِيل ذَلِكَ وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَة فِيهِ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل وَنَحْوه.
فَأَمَّا مُجَرَّد ذِكْر الْجِمَاع، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَائِدَة وَلَا إِلَيْهِ حَاجَة فَمَكْرُوه لِأَنَّهُ خِلَاف الْمُرُوءَة. وَقَدْ قَالَ ﷺ (مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت) وَإِنْ كَانَ إِلَيْهِ حَاجَة أَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَائِدَة بِأَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ إِعْرَاضه عَنْهَا أَوْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْز عَنْ الْجِمَاع أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَة فِي ذِكْره كَمَا قَالَ ﷺ (إِنِّي لَأَفْعَلَهُ أَنَا وَهَذِهِ) وَقَالَ ﷺ لِأَبِي طَلْحَة: أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَة؟ " وَقَالَ لِجَابِرٍ: " الْكَيْس الْكَيْس (نووي).
وقد جاء في الحديث عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيء).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال (ألا عسى أحدكم أن يخلو بأهله يغلق باباً، ثم يرخي ستراً، ثم يقضي حاجته، ثم إذا خرج حدَّث أصحابه بذلك؟ ألا عسى إحداكن أن تغلق بابها وترخي سترها، فإذا قضت حاجتها حدثت صواحبها؟ فقالت امرأة سفعاء الخدين: والله يا رسول الله إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون، قال: فلا تفعلوا فإنما مثل ذلك مثَل شيطان لقي شيطانة على قارعة الطريق، فقضى حاجته منها، ثم انصرف، وتركها) قال الألباني: رواه البزار، وله شواهد تقوِّيه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (هَلْ فِيكُمْ رَجُلٌ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَرْخَى سِتْرَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُحَدِّثُ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا، وَفَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا؟ فَسَكَتُوا فَأَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ؟ فَجَثَتْ فَتَاةٌ كَعَابٌ عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا، وَتَطَاوَلَتْ لِيَرَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَيَسْمَعَ كَلَامَهَا، فَقَالَتْ: إِي وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَيُحَدِّثُونَ، وَإِنَّهُنَّ لَيُحَدِّثْنَ، قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ إِنَّ مَثَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ وَشَيْطَانَةٍ لَقِيَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالسِّكَّةِ، قَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْه). رواه أبو داود
стр. 1857
قال الشوكاني ﵀ والحديثان يدلان على تحريم إفشاء أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع؛ وذلك لأن كون الفاعل لذلك من أشر الناس، وكونه بمنزلة شيطان لقي شيطانة فقضى حاجته منها والناس ينظرون: من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما الراجعة إلى الوطء ومقدماته، فإن مجرد فعل المكروه لا يصير به فاعله من الأشرار فضلاً عن كونه من شرهم، وكذلك الجماع بمرأى من الناس لا شك في تحريمه، وإنما خص النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الرجل فجعل الزجر المذكور خاصاً به ولم يتعرض للمرأة: لأن وقوع ذلك الأمر - في الغالب - من الرجال.
قيل: وهذا التحريم إنما هو في نشر أمور الاستمتاع، ووصف التفاصيل الراجعة إلى الجماع، وإفشاء ما يجري من المرأة من قول أو فعل حالة الوقاع، وأما مجرد ذكر نفس الجماع فإن لم يكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه؛ لأنه خلاف المروءة، ومن التكلم بما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. (نيل الأوطار)
فائدة:
بعض الأحاديث التي فيها: شر الناس:
قال ﷺ (واعلموا أن شر الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وقال ﷺ (إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه).
وقال ﷺ (إن من شر الناس عند الله يوم القيامة ذا الوجهين) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (خير الناس من طال عمره و حسن عمله، وشر الناس من طال عمره و ساء عمله). رواه الترمذي
стр. 1858
١٠١٨ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: " تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اِكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي اَلْبَيْتِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَّقَ اَلْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
===
(وَلَا تُقَبِّحْ) أي: لا تشتم ولا تسب.
• هل يجب على الزوج أن ينفق على زوجته؟
نعم، يجب عليه نفقة زوجته.
قال ابن قدامة: نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.
أ- لقوله تعالى (لينفق ذو سعة من سعته).
ب- ولقوله ﷺ (اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) رواه مسلم.
قال النووي: وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع.
ج- وحديث الباب (تطعمها إذا أكلْتَ، وتكسوها إذا اكتسيت).
د- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيك) متفق عليه.
وهذا كله مقيد بالسعة والمعروف كما قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
• ما حكم ضرب الوجه؟
حرام.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وفي رواية له بلفظ (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُم … ).
قال النووي: هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب الْوَجْه; لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن، وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة لَطِيفَة، وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا; فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه، وَقَدْ يُنْقِصُهَا، وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه، وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش; وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره، وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ شَيْن غَالِبًا.
وقال الحافظ: ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب، وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت، فأمر النبي ﷺ برجمها وقال (ارموا واتقوا الوجه) وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى. (الفتح)
وقال الصنعاني: وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره. (سبل السلام).
стр. 1859
• ما الحكمة من النهي عن ضربه؟
قال النووي: قال العلماء: إنما نُهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها بل لا يسلم إذا ضرب غالباً من شين.
وقال الشيخ ابن عثيمين: ولأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وهو واجهة البدن كله، فإذا ضُرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه.
وقال في الفتح في خصوص دلالة النهي الوارد في الحديث: لم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم، ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي: أنه ﷺ رأى رجلاً لطم غلاماً فقال (أو ما علمت أن الصورة محترمة).
• ما الجواب عن فعل امرأة الخليل ﵊، وهو ما جاء في قوله تعالى: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)؟
فالجواب عنه من خمسة أوجُه:
الوجه الأول: معناه ضَرَبَتْ وجهها. قال ابن عباس: لَطَمَتْ، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يَستهوله. أفاده ابن عطية.
والوجه الثاني: أن هذا الفعل للتعجّب
قال سفيان والسدي ومجاهد: معناه ضربت بِكَفِّها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن
وقال البغوي: أي ضَرَبَتْ وَجْهها تَعجُّباً.
وقال ابن كثير: جَرَتْ به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب.
والوجه الثالث: أنه ضرب خفيف
فقيل: إنها ضَرَبَتْ جبينها بأصابعها تعجباً.
ومعلوم أن مَنْ ضَرَب نفسه لا يكون ضرب إهانة ولا ضَرْب إيلام.
والوجه الرابع: أنه هو لو صحّ أنه من ضَرْب الوجه فهو مِنْ شَرْع مَنْ قَبْلَنا.
وقد جاء شرعنا بخلافه.
الوجه الخامس: أن المنهي عنه ضَرْب الإنسان وجْه غيره، وهذا من ضرب النفس.
стр. 1860
• ما حكم ضرب الزوجة؟
حرام من غير سبب.
• متى يجوز ضرب الزوجة؟
يجوز ضربها للتأديب في حال نشوزها.
قال تعالى (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيراً).
فإذا خاف الرجل نشوز امرأته بأن ظهر منها قرائنه، كأن تمنعه حقه بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة متكرهة، فإنه:
أولاً: يعظها. (والوعظ التذكير بما يرغّب أو يخوف).
لقوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ). بأن يذكرها بما يلين قلبها، ويصلح عملها من ثواب وعقاب، يخوفها بالله وأليم عقابه، ويذكرها بما أعد الله للمرأة العاصية لزوجها من أليم عقابه:
مثل قوله ﷺ (إذا دعا الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه مسلم.
ومثل: قوله ﷺ (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه أبوداود.
فإذا لم ينفع هذا العلاج ينتقل إلى الأمر الثاني وهو: الهجر في المضجع.
لقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه:
أولاً: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
ثانياً: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
ثالثاً: أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.
ويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل.
- ويهجرها ما شاء حتى ترتدع وترجع.
فإن لم ترتدع ولم ينفع معها الوعظ والهجر، ضربها. لقوله تعالى (وَاضْرِبُوهُنَّ).
следующие страницы →