Полный текст (3 038 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
٨٧ - وَعَنْهُ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ قَالَ: (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ). أَخْرَجَهُ اَلسَّبْعَة
===
(كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ) أي: عند إرادة الدخول لا بعده، وقد صرح بهذا البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل … ).
(الخبْث) قيل: بضم الباء ومعناه: ذكران الشياطين وإناثهم. وقيل: بسكون الباء ومعناه: الشر.
(الخلاء) المكان المعد لقضاء الحاجة، وسمي خلاءً لأنه يتخلى به.
• ما معنى الخبث والخبائث؟
الخبُث بضم الباء جمع خبيث، وهم ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، وهن إناث الشياطين، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم.
وقيل: الخبْث: بإسكان الباء، الشر، والخبائث: الذوات الشريرة، فكأنه استعاذ من الشر وأهله.
قال الخطابي: الخبُث بضم الباء، وعامة المحدثين يقولون: الخبْث بإسكان الباء، وهو غلط والصواب الضم
قال النووي: وهذا الذي غلّطهم فيه ليس بغلط، وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، منهم أبو عبيْد إمام هذا الفن، والعمدة فيه.
• ما حكم قول هذا الدعاء (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) عند دخول الخلاء؟
مستحب.
قال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه، ويستوي فيه الصحراء والبنيان.
• متى يقال هذا الدعاء؟
هذا الدعاء يقال عند إرادة الدخول في الأماكن المعدة لذلك.
• ومتى يقال إذا كان في غير الأماكن المعدة لذلك كالصحراء؟
يقوله في أول الشروع عند تشمير الثياب، وهذا مذهب الجمهور. (قاله في الفتح).
لقوله (كان إذا دخل الخلاء … ) والخلاء هو الموضع الذي يخلو الإنسان بنفسه لقضاء الحاجة، ولا يشترط أن يكون معداً لقضاء الحاجة.
стр. 212
• ما الحكمة من الاستعاذة من الشياطين قبل دخول الخلاء؟
الحكمة أن هذه الأماكن تحضرها الشياطين.
كما في حديث زيد بن أرقم. قال: قال ﷺ (إن هذه الحشوش محتضَرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث) رواه أبو داود.
الحشوش: أماكن قضاء الحاجة. محتضرة: تحضرها الشياطين.
جاء في الموسوعة الفقهية (٤/ ١٠): قال الحطّاب: وخصّ هذا الموضع بالاستعاذة لوجهين:
الأوّل: بأنّه خلاءٌ، وللشّياطين بقدرة اللّه تعالى تسلّطٌ بالخلاء ما ليس لهم في الملأ.
الثّاني: أنّ موضع الخلاء قذرٌ ينزّه ذكر اللّه تعالى فيه عن جريانه على اللّسان، فيغتنم الشّيطان عدم ذكره، لأنّ ذكر اللّه تعالى يطرده، فأمر بالاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمةً بينه وبين الشّيطان حتّى يخرج.
وقال الشيخ ابن عثيمين: فائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إلى الله من الخبث والخبائث لأن هذا المكان خبيث، والخبيث مأوى الخبثاء فهو مأوى الشياطين فصار من المناسب إذا أراد دخول الخلاء أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث حتى لا يصيبه الخبث وهو الشر، ولا الخبائث وهو النفوس الشريرة. (الشرح الممتع).
• هل يقال هذا الدعاء حتى لو دخل الخلاء لغير قضاء الحاجة؟
نعم.
فإن العلة تقتضي من المسلم أن يحافظ على الاستعاذة عند كل دخول للخلاء، سواء كان بقصد قضاء الحاجة، أو كان لغير ذلك من الأمور التي يستعمل الناس اليوم لها دورات المياه من أمور النظافة المتنوعة، وبذلك يحفظ المسلم نفسه من أذى الشياطين.
جاء في "المغني" (١/ ١٩٠) قال أحمد: يقول إذا دخل الخلاء: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وما دخلت قط المُتَوَضَّأ [يعني: مكان الوضوء] ولم أقلها إلا أصابني ما أكره.
• ما الحكم إذا نسي أن يقول هذا الذكر؟
قيل: يرجع ويقوله.
وقيل: إنه سنة فات محلها، وهذا أرجح.
• هل لابد من هذا الذكر النطق باللسان؟
نعم، لابد من هذا الذكر النطق باللسان، فلا يكفي إمراره بنفسه.
стр. 213
• هل وردت أدعية أخرى تقال قبل دخول الخلاء؟
أ-وردت التسمية (بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث … ) وهي شاذة لا تصح، فقد روى الحديث جماعة عن عبد العزيز بن صهيب دون ذكر التسمية، منهم شعبة، وحماد بن زيد، وهشيْم بن بَشير، وإسماعيل بن عُبيّة، وحماد بن سلمة، وعبد الوارث، وحماد بن واقد.
ب-ووردت في حديث علي. قال: قال النبي ﷺ (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله) رواه الترمذي، وهو ضعيف.
ج-ما جاء عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يعجز أحكم إذا دخل مرفقَه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم). لكنه حديث ضعيف
• هل هناك أدب آخر يفعل قبل دخول الخلاء؟
نعم، أن يقدم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً.
فيسن لمن دخل الخلاء أن يقدم رجله اليسرى دخولاً، لأن القاعدة أن اليمين تقدم في كل ما هو من باب التكريم، واليسار ضد ذلك.
ويدل لهذه القاعدة:
أ-حديث عائشة قالت (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله). متفق عليه
ب- وحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين وإذا خلع فليبدأ بالشمال) متفق عليه.
ج- وحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا توضأتم وإذا لبستم فابدؤا بميامنكم) رواه أبوداود.
قال النووي: يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم؛ كالوضوء والغسل والخروج من الخلاء، ويستحب تقديم اليسار ضد ذلك؛ كالاستنجاء ودخول الخلاء .....
فعند الخروج يقدم اليمني، لأن الخروج أكمل وأفضل.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- كان ﷺ يستعيذ إظهاراً للعبودية، ويجهر بها للتعليم.
- أن أماكن قضاء الحاجة هي أماكن الشياطين.
- أن الذكر من أعظم الأسباب التي تنجي من الشيطان.
- إثبات وجود الجن.
стр. 214
٨٨ - وَعَنْهُ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ اَلْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
(وَغُلَامٌ نَحْوِي) مقارب لي في السن.
(إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ) إناء صغير من جلد.
(وَعَنَزَةً) عصا أقصر من الرمح، وقيل: الحربة الصغيرة.
(فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) أي: يتطهر بالماء ما أصاب السبيلين من أثر البول أو الغائط.
• ما المراد بالخلاء في الحديث في قول أنس (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ اَلْخَلَاءَ)؟
المراد به هنا الفضاء، ويدل لذلك:
أ-قوله في الرواية الأخرى (كان إذا خرج لحاجته).
ب-وقرينة حمل العنزة مع الماء.
ج-وأيضاً في الأخلية في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله.
• ما المراد بالغلام في قول أنس (وَغُلَامٌ نَحْوِي)؟
اختلف ما المراد بالغلام:
فقيل: ابن مسعود، ورجحه البخاري حيث ذكر عند هذا الحديث قول أبي الدرداء (أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد)، والمراد بصاحب النعلين: ابن مسعود، لأنه كان يتولى خدمة النبي ﷺ .
ويشكل على هذا رواية: (من الأنصار).
وقيل: أبو هريرة.
فقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: (كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة فاستنجى).
وأيضاً جاء في قصة ذكر الجن من حديث أبي هريرة: (أنه كان يحمل مع النبي ﷺ الإداوة لوضوئه وحاجته).
وقيل: جابر.
لأنه جاء عند مسلم في حديث جابر الطويل الذي في آخر الكتاب: (أن النبي ﷺ انطلق لحاجته فأتبعه جابر بإداوة).
стр. 215
• هل يجوز الاقتصار على الماء بالاستنجاء؟
نعم، فحديث الباب يدل على ذلك.
وقد كان هناك خلاف لبعض السلف بكراهته.
ومما يدل على جواز الاستنجاء بالماء:
أ-حديث الباب.
ب-حديث عائشة أنها قالت لنسوة (مرن أزواجكنّ أن يستنجوا بالماء فإني أستحييهم فإن النبي ﷺ كان يفعل ذلك). رواه أبو داود
• اذكر حالات قاضي الحاجة من حيث استعمال الماء والحجارة؟
لقاضي الحاجة ثلاث حالات:
الأولى: أن يقتصر على الماء.
وهذا جائز وسبقت أدلته.
الثانية: أن يقتصر على الحجارة فقط.
وهذا جائز.
وقد نقل ابن القيم ﵀: إجماع المسلمين على جواز الاستجمار بالأحجار في زمن الشتاء والصيف.
ومن أدلة الجواز:
أ-حديث سلمان (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) رواه مسلم.
ب-وحديث ابن مسعود قال (أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) رواه البخاري.
ج- وحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، … وكان يأمر بثلاثة أحجار). رواه أحمد.
قال ابن قدامة ﵀: وإن أراد الاقتصار على أحدهما، فالماء أفضل; لما روينا من الحديث; ولأنه يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف، وإن اقتصر على الحجر أجزأه، بغير خلاف بين أهل العلم; لما ذكرنا من الأخبار; ولإجماع الصحابة ﵃. (المغني).
الثالثة: أن يجمع بين الحجارة والماء.
وهذا أفضل عند أكثر العلماء.
قال النووي: فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى وأئمة الأمصار، أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولاً لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء.
وقال العيني: مذهب جمهور السلف والخلف الذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار، أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر.
وقد ورد في ذلك حديث لكنه لا يصح.
стр. 216
• ما الحكمة من استصحاب النبي ﷺ للعنزَة؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: ليستتر بها عند الحاجة.
وقيل: يركزها لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه.
وقيل: كان يحملها لأنه كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى.
وهذا هو الصحيح. ورجحه النووي ....
• اذكر حالات الاستعانة بالغير في الوضوء؟
الحالة الأولى: استعانة في إحضار الماء، وهذا جائز ما لم يكن هناك منّة.
الحالة الثانية: استعانة في صب الماء، وهذا جائز كما تقدم في حديث (فأهويت لأنزع خفيه).
الحالة الثالثة: استعانة في الوضوء في فعله، كأن يوضئه، فيقول اغسل رجلي، فهذا مكروه إلا لحاجة، كرجل مريض.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه في حاجته.
- في الحديث أن خدمة العالم شرفاً للمتعلم، وقد مدح أبو الدرداء ابن مسعود فقال: (أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد).
لأن ابن مسعود كان يتولى خدمة النبي ﷺ .
стр. 217
٨٩ - وَعَنْ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي اَلنَّبِي ﷺ (خُذِ اَلْإِدَاوَةَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
(حَتَّى تَوَارَى عَنِّي) أي: استتر عني واستخفى.
• ما حكم ابتعاد قاضي الحاجة؟
سنة.
أ- لحديث الباب.
ب-ولحديث المغيرة الآخر (أن النبي ﷺ كان إذا ذهب الغائط أبعد). رواه أبو داود.
ج- ولحديث جابر. قال (كان رسول الله ﷺ إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد) رواه أبو داود.
قال ابن القيم: وكان إذا ذهب في سفره للحاجة انطلق حتى يتوارى عن أصحابه، وكان يبعد نحو الميلين.
• ما الحكمة من الابتعاد؟
أ- لئلا ترى عورته.
ب- أو يُسمع صوته.
ج-أو تشم رائحته.
قال الشوكاني: الظاهر أن العلة إخفاء المستهجن من الخارج.
• ما الأفضل لمن أراد أن يبول في الأرض؟
الأفضل أن يختار ويطلب أرضاً رخوة سهلة لئلا يرجع إليه رشاش البول.
قال ابن القيم: وكان يرتاد لبوله الموضع الدمث، وهو اللين من الأرض.
ويدل على استحباب ذلك:
أ-حديث أبي موسى. أن النبي ﷺ قال (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً). رواه أبو داود، وهو ضعيف، (ليرتد) أي يطلب.
ب-حتى يسلم من الرشاش.
ج-لأن عدم التنزه من البول من الكبائر، ومن أسباب عذاب القبر، كما في حديث ابن عباس قال (مرَّ النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول … ) متفق عليه.
أما ستر العورة عن الناس فهذا واجب وسيأتي.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز الاستعانة في الوضوء.
- جواز الاقتصار بالاستنجاء على الماء دون الحجارة.
стр. 218
٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اِتَّقُوا اَللَّاعِنِينَ: اَلَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ اَلنَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ) رَوَاهُ مُسْلِم.
٩١ - زَادَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُعَاذٍ: (وَالْمَوَارِدَ).
٩٢ - وَلِأَحْمَدَ; عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَوْ نَقْعِ مَاءٍ) وَفِيهِمَا ضَعْف.
٩٣ - وَأَخْرَجَ اَلطَّبَرَانِيُّ اَلنَّهْيَ (عَنْ تَحْتِ اَلْأَشْجَارِ اَلْمُثْمِرَةِ، وَضَفَّةِ اَلنَّهْرِ الْجَارِي). مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيف.
===
(أَوْ فِي ظِلِّهِمْ) المراد مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلاً ومناخاً ينزلونه ويقعدون فيه.
(طريق الناس) المراد الطريق المسلوك لا المهجور.
(وَالْمَوَارِدَ) جمع مَوْرد، وهو الموضع الذي يرِدُه الناس من عين ماء أو غدير أو نحوهما.
(أَوْ نَقْعِ مَاءٍ) أي: مجتمع الماء.
(وَضَفَّةِ اَلنَّهْرِ الْجَارِي) أي: جانب النهر.
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث معاذ رواه أبو داود كما قال المصنف، وهو ضعيف لأمرين:
الانقطاع بين أبو سعيد الحميري ومعاذ، وجهالة أبي سعيد، فقد قال الذهبي: لا يعرف.
وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه أحمد بلفظ (اتقوا الملاعن الثلاث، قيل: وما الملاعن الثلاث يا رسول الله؟ قال: أن يقعد أحدكم في ظل يُستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء) وهذا سنده ضعيف لأنه فيه رجل مبهم.
وأما حديث ابن عمر فقد أخرجه الطبراني بلفظ (نهى رسول الله ﷺ أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة، ونهى أن يُتخلى عن ضَفة نهرٍ جار) وسنده ضعيف.
• ما معنى قول النبي ﷺ (اِتَّقُوا اَللَّاعِنِين)؟
قال الخطابي: المراد باللعانين الأمرين الجالبين للعن الحاملين عليه الداعين إليه، وذلك أن من فعلهما شتم ولعن، يعني عادة الناس لعنه.
وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، وعلى هذا التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما.
• ما حكم قضاء الحاجة في طريق الناس أو في ظلهم؟
حرام.
أ- لأحاديث الباب.
ب- لما في ذلك من إيذاء المسلمين، وإيذاء المسلمين حرام، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً).
стр. 219
• ما المراد بالظل الذي لا يجوز التخلي فيه؟
الظل النافع، للحديث السابق.
فالمحرم هو التبول أو التغوط تحت الظل النافع الذي يستظل به الناس، لقوله (أو ظلهم).
وإضافة الظل في الحديث إليهم دليل على إرادة الظل المنتفع به، الذي هو محل جلوسهم، فلو بال أو تغوط في ظل لا يُجلس فيه فلا يقال بالتحريم.
وقد قعد النبي ﷺ عند حائش نخل وله ظل بلا شك، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ (كان أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) رواه مسلم.
قال النووي (أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) يعني حائط نخل أما الهدف فبفتح الهاء والدال وهو ما ارتفع من الأرض.
• هل يدخل في التحريم كل مكان يجتمع فيه الناس؟
نعم.
قال العلماء: يدخل في ذلك كل ما يحتاج إليه الناس من الأفنية والحدائق والميادين العامة، وأماكن الاستراحة التي قد توجد على بعض الطريق.
لأن في ذلك إيذاء للمسلمين، وإيذاء المسلمين حرام.
• ماذا نستفيد من قوله في الحديث (تَحْتِ اَلْأَشْجَارِ اَلْمُثْمِرَةِ)؟
نستفيد تحريم قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة، لئلا تسقط الثمرة على ما خرج منه فتتنجس به، أو يتنجس من أراد أخذ ما فيها.
ونستفيد بالمفهوم: أنه يجوز قضاء الحاجة تحت الأشجار غير المثمرة، أو أشجار لا يؤخذ ثمرها، ما لم تكن مقصودة للجلوس.
ونستفيد من قولها (تحت) أنه لا بد أن يكون قريباً منها، وليس بعيداً.
• اذكر بعض الأماكن الأخرى التي يحرم قضاء الحاجة فيها؟
أ-المساجد.
لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ اَلْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ اَلنَّاسُ، فَنَهَاهُمْ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ; فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ.) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
ب-الجُحر.
لحديث عبد الله بن سرجس قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر). رواه أبو داود
ج-على جواد الطريق.
قال ابن حجر: وفي ابن ماجه عن جابر بإسناد حسن مرفوعاً (إياكم والتعريس على جواد الطريق فإنها منازل الحيات والسباع وقضاء الحاجة عليها فإنها الملاعن).
والقاعدة: كل مجتمعات الناس لأمر ديني أو دنيوي لا يجوز للإنسان أن يتبول فيها أو يتغوط.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- كمال الشريعة الإسلامية وسموها من حيث النظافة والنزاهة.
- تحريم كل ما يؤذي المسلمين.
стр. 220
٩٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا تَغَوَّطَ اَلرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَحَدَّثَا. فَإِنَّ اَللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ) رَوَاهُ. وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلسَّكَنِ، وَابْنُ اَلْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُول.
===
(إِذَا تَغَوَّطَ اَلرَّجُلَانِ) مشتق من الغائط، وهو الخارج المستقذر من الإنسان، وأصله المكان المطمئن من الأرض، وإطلاقه على الخارج من باب كراهية تسمية الشيء باسمه الخاص.
(اَلرَّجُلَان) تخصيص الرجل بالذكر لا مفهوم له، لكن باعتبار الغالب، وإلا فالمرأتان مثل ذلك.
(فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ) أي: ليستتر كل واحد عن صاحبه.
(فَإِنَّ اَللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِك) المقت أشد البغض.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث أخرجه أبو داود من حديث أبي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِك).
وهذا الحديث ضعيف لأمرين:
أنه من رواية عكرمة بن أبي عمار عن يحي بن أبي كثير وقد طعن في رواية عكرمة عن يحي.
ولأن فيه هلال بن عياض مجهوك، وفيه اضطراب.
• ما حكم التواري عند قضاء الحاجة؟
التواري ينقسم إلى قسمين:
أ-أن يتوارى به عن ظهور العورة، فهذا واجب.
ب-أن يتوارى به عن ظهور بدنه، فهذا مستحب.
• ما حكم الكلام أثناء قضاء الحاجة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه مكروه.
وهذا مذهب الجمهور.
لحديث الباب، وهو ضعيف كما سبق.
قال الشوكاني: الحديث يدل على وجوب ستر العورة، وترك الكلام، فإن التعليل يمقت الله تعالى يدل على حرمة الفعل المعلل ووجوب اجتنابه، لأن المقت هو البغض.
والحديث لو صح لكان دالاً على التحريم وليس على الكراهة، لكن قالوا: إن التحريم خاص بمن جمع كل أوصاف الحديث، رجلان يمشيان إلى الغائط كاشفين عن عورتيهما، يتكلمان.
القول الثاني: لا يكره.
لعدم الدليل الذي يدل على الكراهة.
وهذا هو الراجح.
стр. 221
٩٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ اَلْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي اَلْإِنَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.
===
(وَهُوَ يَبُولُ) أي حال البول.
(وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ اَلْخَلَاءِ) لا يستنجِ بحجر ولا ماء.
(وَلَا يَتَنَفَّسْ) لا يخرج النفس من جوفه في الوعاء الذي يشرب فيه.
• ما حكم مس الذكر بيمينه حال البول؟
يكره للبائل أن يمسك ذكره بيمينه حال البول.
والقول بالكراهة هو قول جمهور العلماء.
قالوا: لأنه من باب الآداب والتوجيه والإرشاد.
ولأنه من باب تنزيه اليمين، وذلك لا يصل النهي فيه إلى التحريم.
فائدة: ومحل النهي إذا لم تكن ضرورة، فإن كان ثَمّ ضرورة جاز من غير كراهة.
• هل يكره مس الذكر باليمين مطلقاً أم حال البول فقط؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يكره حال البول فقط.
أ- لحديث الباب (لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ) أي: حال كونه يبول، فلا يتعدى النهي إلى غيرها.
ب- ولأنه ربما تتلوث يده اليمنى إذا مس ذكره بها، فإن كان لا يبول جاز لحديث (هل هو إلا بضعة منك).
القول الثاني: يكره مطلقاً حال البول وغيره.
قالوا: إذا نهي عن مس الذكر حال البول مع مظنة الحاجة في تلك الحالة، فيكون النهي في غيرها مع الحاجة من باب أولى.
والراجح القول الأول، وأن النهي حال البول فقط.
стр. 222
• ما حكم الاستنجاء باليمين؟
مكروه.
وهذا قول جماهير العلماء.
أ-لحديث الباب (وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ اَلْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ).
ب-وحديث سلمان قال (نهانا النبي أن نستنجي باليمين). رواه مسلم.
ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، … ولا يستنجي بيمينه) رواه أبو داود
قال النووي: وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين.
وقال: الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه نهي تحريم.
لحديث الباب، ولحديث سلمان، والنهي يقتضي التحريم.
• في الحديث كراهة أن يتنفس في الإناء، فما الحكمة من ذلك؟
قال النووي: النهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا النهي للتأدب لإرادة المبالغة في النظافة، إذ قد يخرج مع النفس بصاق، أو مخاط، أو بخار رديء، فيكسبه رائحة كريهة فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه.
وقال الصنعاني: والنهي عن التنفس في الإناء لئلا يقذره على غيره أو يسقط من فمه أو أنفه ما يفسده على الغير.
إذاً: محاذير التنفس في الإناء:
أ- أنه يقذر الشراب على من بعده.
ب- أن النفس ربما حمل أمراضاً يتلوث بها الإناء.
ج-أنه يخشى عليه من الشّرَق.
• ما السنة للشارب إذا شرب من الإناء؟
السنة ألا يشرب في نَفَس واحد، بل يشرب في نفَسين أو ثلاثة مع فصل القدح عن فيه.
عن أنس قال (كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثاً) رواه مسلم.
стр. 223
٩٦ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: (لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) الاستنجاء: إزالة النجو وهو العذرة، وأكثر ما يستعمل في الاستنجاء بالماء، وقيل: يستعمل في الإزالة بالحجارة، وهو المراد هنا.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ) الرجيع: الروث والعذرة.
• ما حكم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يشترط ثلاثة أحجار، فلا يجزئ أقل من ذلك.
فلو مسح مرة أو مرتين فزالت عين النجاسة، وجب مسحة ثالثة.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
أ-لحديث الباب (لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ).
وجه الدلالة: قوله (نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) والأصل في النهي التحريم ولا صارف له.
ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: (وكان يأمر بثلاثة أحجار) والأصل في الأمر الوجوب، ولا صارف له عنه.
ب-ولحديث ابن مسعود قال (أَتَى النَّبِىُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِى أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) رواه البخاري.
القول الثاني: الواجب الإنقاء، فإن أنقى بحجر أجزأ.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
واستدلوا بحديث ابن مسعود السابق وفيه (فوجدت حجرين ولم أجد ثالثاً فأتيته بروثة، فأخذهما وألقى الروثة … ).
قال الطحاوي: هو دليل على أن عدد الأحجار ليس شرط، لقوله (ناولني) فلما ألقى الروثة دلّ على أن الاستنجاء بالحجرين يجزئ، إذ لو لم يكن ذلك لقال: أبغي ثالثاً.
والراجح القول الأول، وأنه لا بد من ثلاثة أحجار.
وأما الرد على دليل القول الثاني:
أنه جاء في رواية عند الإمام أحمد (ائتني بغيرها).
стр. 224
• هل يجزئ حجر واحد له ثلاث شعب أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يجزئ، وأنه لا بد من ثلاثة أحجار.
لظاهر النص.
القول الثاني: أنه يجزئ حجر له شعب ثلاث.
قالوا: لأنه يحصل بالشعب الثلاث ما يحصل بالأحجار الثلاثة من كل وجه فلا فرق.
ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقال: وهذا هو الراجح في ذلك، لأن العلة معلومة، فإذا كان الحجر ذا شعب، واستجمر بكل جهة منه صح.
• متى يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار؟
قال بعض العلماء: يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا أراد أن يتبعه بالماء.
قالوا: لأن الماء وحده كافٍ كما سبق في حديث أنس.
لكن الصحيح أنه لا يجوز، والأخذ بظاهر الحديث أقوى؛ وهو أنه لا ينقص عن ثلاثة أحجار حتى لو أراد أن يتبع ذلك بالماء.
• هل يقوم غير الحجر مقامه كالخشب والمناديل والخرق؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يقوم غير الحجر مقامه.
أ-لحديث سلمان (وأن لا نستنجي بعظم أو روث).
وجه الدلالة: تخصيص هذين النوعين بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة وما قام مقامها.
قال النووي: ويدل على عدم تعيين الحجر: نهيه ﷺ عن العظم والبعر والرجيع، ولو كان متعيناً لنهى عما سواه مطلقاً.
ب-ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعنى هاهنا إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها.
القول الثاني: لا يجزئ إلا الأحجار.
ونسبه النووي لبعض الظاهرية.
قالوا: إن الحجر متعين لنصه ﷺ عليها، فلا يجزئ غيرها.
والصحيح مذهب الجمهور.
стр. 225
• ما الأشياء التي لا يجوز الاستجمار بها؟
العظم، والروث.
أ-لحديث الباب (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي برجيع أو عظم). رواه مسلم
ب-وعن جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يُتمسح بعظم أو بعر). رواه مسلم
ج-وعن أبي هريرة ﵁ قال: (انبعث النبي ﷺ وخرج لحاجته، فقال: أتبعني أحجاراً استنفض بها - أو نحوه - ولا تأتني بعظم ولا روث). رواه البخاري
د-وعن رويفع بن ثابت قال: (قال لي رسول الله ﷺ : (يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، … فأخبر الناس أن من استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً منه بريء). رواه أبو داود
• ما الحكمة من النهي عنها؟
أما العظم فإنه طعام الجن.
لقوله ﷺ : (فإنها طعام إخوانكم من الجن).
وأما الروث:
فإن كانت روث غير مأكول اللحم فلنجاسته.
وإن كانت روث مأكول اللحم فلأنه طعام دبأواب الجن.
ففي صحيح مسلم لما ذكر مجيء الجن له، وأنهم سألوه الزاد، فقال لهم: (كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم).
стр. 226
٩٧ - وَلِلسَّبْعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ (لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا).
===
(لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ) أي: الكعبة.
(وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) قال النووي: قال العلماء: هذا خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم، بحيث إذا شرق أو غرب لا يستقبل الكعبة ولا يستدبرها.
• ما حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يحرم في الصحراء وفي البنيان الاستقبال والاستدبار.
وهذا قول أبي أيوب الأنصاري ومجاهد والنخعي والثوري وابن حزم ورجحه ابن تيمية وابن القيم والشوكاني.
أ-لحديث الباب (لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا).
ب-ولحديث سلمان السابق (لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ).
ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) رواه أبو داود.
فهذه الأحاديث صريحة في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها، والأصل في النهي التحريم، وهو عام في الفضاء والبنيان.
القول الثاني: جواز الاستقبال والاستدبار مطلقاً في البنيان دون الفضاء.
وهذا مذهب الجمهور، كما نسب ذلك ابن حجر إليهم، وقال: هو مذهب مالك والشافعي وإسحاق.
ورجحه النووي وابن حجر.
أ-لحديث ابن عمر قال: (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة).
ب-ولحديث جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها). رواه الترمذي
ج-ما رواه مروان الأصفر قال (رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: أنه تفسير من الصحابي (ابن عمر) لنهي رسول الله ﷺ العام، وفيه جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه.
القول الثالث: الجواز.
قال النووي: وهذا مذهب عروة بن الزبير، وربيعة شيخ مالك، وداود الظاهري.
واستدلوا بنفس أدلة القول الثاني:
حديث ابن عمر السابق قال (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة).
حديث جابر السابق قال (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) رواه الترمذي
وجه الدلالة من الحديثين: أنهما ناسخان لأحاديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة.
والراجح القول الأول، وهو التحريم مطلقاً.
قال ابن القيم: وكان ﷺ لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا بغائط، فإنه نهى عن ذلك في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة، وعامة هذه الأحاديث صحيحة وسائرها حسن، والمعارض لها إما معلول السند، وإما ضعيف الدلالة.
стр. 227
• ما الجواب عن حديث ابن عمر (ارتقيت يوماً بيت حفصة … )؟
أ-أنه فعل، وحديث النبي ﷺ قول، والقول أقوى من الفعل.
ب-أن الفعل يحتمل الخصوصية أو غيرها.
ج-أن هذا الفعل لو كان شرعاً لما تستر به.
• ما حكم استقبال النيرين (الشمس والقمر) حال قضاء الحاجة؟
ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يكره استقبال النيرين.
أ-لما فيها من نور الله.
ب-ولحديث ورد (أن رسول الله ﷺ نهى أن يبول الرجل وفرجه بادٍ إلى الشمس أو القمر).
والصحيح أنه لا يكره.
أ-التعليل الذي ذكروه منقوض بسائر الكواكب.
ب-وأما الحديث فباطل، قال ابن حجر: هذا حديث باطل لا أصل له، وقال النووي: هذا حديث باطل.
قال ابن القيم ﵀: وأما استدلاله بأن النبي ﷺ نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدبارهما، واحتج بالحديث، فهذا من أبطل الباطل، فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه ذلك في كلمة واحدة، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع. والذين ذكروها من الفقهاء: منهم من قال: العلة أن اسم الله مكتوب عليهما، ومنهم من قال: لأن نورهما من نور الله، ومنهم من قال: إن التنكب عن استقبالهما واستدبارهما أبلغ في التستر وعدم ظهور الفرجين.
وقال السعدي: والصحيح أنه لا يكره استقبال النيرين وقت قضاء الحاجة، والتعليل الذي ذكروه، وهو لما فيهما من نور الله تعالى، منقوض بسائر الكواكب، وعلة غير معتبرة.
стр. 228
٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَتَى اَلْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
===
• ما صحة حديث؟
الحديث رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة من حديث: (ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستديره).
وهو حديث ضعيف.
لأن في بعض رواته جهالة، ففيه رجل يسمى الحصيْن الحُبراني وهو مجهول، وكذلك شيخه أبو سعيد الحبراني.
• ما حكم الاستتار عند قضاء الحاجة؟
الحديث يدل على التستر عند قضاء الحاجة. وهذا ثبت في حديث عبد الله بن جعفر قال: (كان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل). رواه مسلم.
هدف: الهدف كل مرتفع من بناء أو كثيب، حائش نخل: أي جماعته.
قال العلماء: والاستتار نوعان:
الأول: استتار واجب.
وهو ستر العورة.
والثاني: استتار مستحب وهو من الآداب الكريمة.
وهو أن يستر بدنه كاملاً.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
في الحديث أن الساتر حال قضاء الحاجة يكون خلف الظهر.
стр. 229
٩٩ - وَعَنْهَا; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ اَلْغَائِطِ قَالَ: "غُفْرَانَكَ) أَخْرَجَهُ اَلْخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالْحَاكِم.
===
• ما صحة الحديث؟
الحديث صحيح، فقد صححه: الحاكم وابن حبان والنووي والألباني.
• ما الدعاء المشروع الذي يقال بعد الخروج من الخلاء؟
قول: غفرانك، وهذا القول مستحب، لأنه فعل.
لحديث الباب.
• متى يقوله إذا كان في الصحراء؟
يقوله إذا فارق البنيان.
• ما الحكمة من قول (غفرانك) بعد الخروج من الخلاء؟
اختلف العلماء في الحكمة على أقوال:
القول الأول: يستغفر الله لأنه ترك ذكر الله في تلك الحالة.
فإنه ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه إلا في حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيراً وذنباً يستغفر منه، (وهذا فيه نظر).
القول الثاني: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج.
قال الشوكاني: وفي حمده إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنّة جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وحقٌ على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة فسدّ به جوعته، وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى منه وطره، ولم يبق فيه نفع، واستمال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة، خرج بسهولة من مخرج معد لذلك أن يستكثر من محامد الله ﷻ .
القول الثالث: أنه لما تخفف من أذية الجسم دعا الله أن يخفف عنه أذية الإثم.
قال ابن القيم: إن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه وخفة البدن وراحته، وسأل الله أن يخلصه من المؤذي الآخر، ويريح قلبه منه، ويخففه.
والصحيح ما قاله الشوكاني.
• لماذا قول من قال: لأنه ترك ذكر الله في المكان، قول ضعيف؟
لأنه انحبس عن ذكر الله في هذا الموطن بأمر الله، وإذا كان كذلك فإنه لا يقال عنه: إنه غافل عن الذكر، بل هو ممتثل متعبد لله تعالى، كالحائض لا تصلي ولا تصوم، ولا يسن لها إذا طهرت أن تستغفر الله من تركها ذلك.
• هل وردت أدعية تقال بعد الخروج من الخلاء غير هذا الدعاء؟
نعم، وردت بعض الأدعية التي تقال بعد الخروج من الخلاء، لكنها لا تصح:
حديث أنس: (كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني). رواه ابن ماجه، وفيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف جداً.
وعن ابن عمر (أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم. وإذا خرج قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عنّي أذاه). رواه ابن السني وهو ضعيف.
стр. 230
١٠٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (أَتَى اَلنَّبِيُّ ﷺ اَلْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا. فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ. فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى اَلرَّوْثَةَ، وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيِّ.
زَادَ أَحْمَدُ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ: (ائْتِنِي بِغَيْرِهَا).
===
(أَتَى اَلنَّبِيُّ ﷺ اَلْغَائِطَ) أي: ذهب إلى الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة.
(فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ) وهي فضلة ذات الحافر، وعند ابن خزيمة (فوجدت له حجرين وروثة حمار).
(هَذَا رِكْسٌ) وعند ابن ماجه وابن خزيمة (هي رجس) والركس النجس.
• ما حكم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار؟
سبقت المسألة وأنه لا يجوز بأقل من ثلاثة أحجار.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
• لماذا جاء الحافظ ابن حجر ﵀ برواية أحمد والدارقطني (ائْتِنِي بِغَيْرِهَا)؟
الظاهر - والله أعلم - أنه أتى بها ليرد بها على من استدل بالحديث على جواز الاقتصار على حجرين وهم الحنفية، حيث قالوا بجواز ذلك، لأن النبي ﷺ اكتفى بحجرين لما ألقى الروثة، ولم يطلب من عبد الله أن يأتيه بثالث بدلها.
• هل يشترط بالحجر أن يكون طاهراً؟
نعم، يشترط في الحجر أن يكون طاهراً.
أ-لحديث ابن مسعود: (ألقى الروثة وقال: هذا ركس). والركس: النجس.
ب-ولأن النجاسة لا تزال بمثلها.
ج-ولأن النجس خبيث، فكيف يكون مطهراً.
• وهل هناك شرط آخر ينبغي أن يكون بالحجر؟
نعم، يشترط أن يكون الحجر منقياً. لأن هذا هو المقصود من الاستجمار.
فإن كان غير منقياً لم يجزئ، كالحجر الأملس، أو الرطب ونحو ذلك.
أ-لأنه لا يحصل فيه المقصود.
ب-عن ابن مسعود ﵁ قال: (قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد: إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك). رواه أبو داود
الحممة: قال الخطابي: الفحم وما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما.
قال البغوي: قيل: المراد بالحممة: الفحم الرخو الذي يتناثر إذا غمز فلا يقلع النجاسة.
стр. 231
• هل يجوز الاستجمار إذا تعدى الخارج موضع العادة (كأن يتجاوز الغائط مخرجه إلى الأليتين)؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجزئ الاستجمار ولو تعدى الخارج موضع العادة.
وبهذا قال الشافعية - على تفصيل عندهم - واختاره ابن تيمية.
لحديث عائشة قالت. إن رسول الله ﷺ قال (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: أنه نص في إجزاء الاستجمار بالحجارة ولم يقيّد ذلك بشيء، فلم يقل إلا إذا تعدى الخارج موضع العادة، ولو كان ذلك واجباً لبينه النبي ﷺ .
القول الثاني: لا يجزئ الاستجمار إذا تجاوز الخارج من السبيلين موضع الحاجة، فلابد حينئذ من الاستنجاء بالماء.
وبه قال أبو جنيفة ومالك وأحمد واختاره ابن المنذر.
لأن الأصل وجوب إزالة النجاسة بالماء، وهذه النجاسة كما لو كانت هذه النجاسة على فخذه وساقه.
وهذا القول هو الراجح.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز الاقتصار على الحجارة بالاستنجاء.
- جواز خدمة العالم.
- تحريم الاستنجاء بالأعيان النجسة.
стр. 232
١٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى "أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ" وَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَه.
===
• في الحديث النهي عن الاستنجاء برجيع أو عظم، لكن لو فعل هل يجزئ أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يجزئ.
وهذا المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق.
أ-لحديث (فإنهما لا يطهران).
ب-حديث سلمان (نهانا أن نستنجي برجيع أو عظم).
القول الثاني: يجزئ مع الإثم.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
لأنهما يخفيان النجاسة، وينقيان المحل، فهما كالحجر.
والراجح القول الأول.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- سبقت الحكمة من النهي عن الاستنجاء بعظم أو روث.
- في الحديث دلالة على أن الاستنجاء بالأحجار يطهر، ولا يلزم بعدها الماء، لأنه علل بأن العظم والروث لا يطهران فدل على أن الحجارة تطهر.
стр. 233
١٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اِسْتَنْزِهُوا مِنْ اَلْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مِنْهُ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ.
١٠٣ - وَلِلْحَاكِمِ: (أَكْثَرُ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مِنْ اَلْبَوْلِ) وَهُوَ صَحِيحُ اَلْإِسْنَاد.
===
• ما حكم التنزه من البول؟
واجب في الثوب والبدن، وأن عدم التنزه من أسباب عذاب القبر.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث ابن عباس قال (مر النبي ﷺ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة. فقالوا: يا رسول الله، لِمَ فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). متفق عليه
وذهب جمهور العلماء إلى وجوب التنزه من البول لهذه الأدلة وغيرها، فإن فيها الأمر والأمر يقتضي الوجوب.
وذهب أبو حنيفة والمزني إلى أنه لا يجب الاستنجاء إذا كانت النجاسة قدر الدرهم فأقل، واستدلوا:
بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم) رواه الدار قطني والبيهقي.
• اذكر أنواع الأبوال وحكم كل نوع؟
أ-بول الكبير نجس إجماعاً كما قال النووي.
ب-بول الصغير نجس لكنه خفف في طهارته، وذهب داود الظاهري إلى أنه طاهر لكنه قولٌ ضعيف.
ج-بول ما لا يؤكل لحمه نجس.
د-بول ما يؤكل لحمه، فهذا اختلف فيه العلماء:
القول الأول: أنه نجس.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي.
أ-لعموم الأدلة التي فيها أن البول نجس.
ب-ولقوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث).
ج-ولحديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان … أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله).
وجه الدلالة: قوله (بوله) هذا عام، فيدخل فيه كل الأبوال.
د-ولحديث الباب: (استنزهوا من البول … ).
وجه الدلالة: أنه عام، فيدخل فيه كل بول.
هـ-حديث الأعرابي: (أنه بال في طائفة المسجد فدعا بذنوب من ماء).
стр. 234
القول الثاني: أن بول ما يؤكل لحمه طاهر.
وهذا مذهب الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدلوا:
أ-لحديث أنس (أن أناساً من عكل وعرينة قدموا المدينة فاجتووها فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ … ). متفق عليه
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل أفواههم منها، وهم حديثوا عهدٍ بالإسلام، وبحاجة البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ب-لحديث جابر بن سمرة: (أن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا فيها فإنها خلقت من الشياطين). رواه أبو داود
وجه الدلالة: أنها لو كانت نجسة كأرواث الادميين لكانت الصلاة فيها إما محرمة كالحشوش والكنف، وإما مكروهة كراهة شديدة لأنها مظنة الأخباث والأنجاس، فأما أن يستحب الصلاة فيها ويسميها بركة، ويكون شأنها شأن الحشوش أو قريباً من ذلك فهو جمع بين المتناقضين المتضادين، وحاشا الرسول ﷺ من ذلك.
ج-ما ثبت أنه ﷺ طاف على راحلته في المسجد الحرام وبركها حتى طاف أسبوعاً.
د-وكذلك أذنه لأم سلمة أن تطوف راكبة.
وجه الدلالة: معلوم أن الدابة لا تعقل بحيث تمتنع عن البول في المسجد الحرام، فلو كان بولها نجساً لما أدخلها ﵇ وأذن في إدخالها المسجد الحرام، إذ في ذلك تلويث له وتنجيس.
وهذا القول هو الراجح.
وأما أدلة القول الأول فهي عامة، وأدلة بول ما يؤكل لحمه خاصة والخاص يقضي على العام.
- اذكر بعض المسائل من حديث ابن عباس (أن النبي ﷺ مر بقبرين … ).
أولاً: فيه دليل على أن عدم التنزه من البول من أسباب عذاب القبر.
ولذلك استحب الفقهاء لمن أراد أن يبول أن يطلب مكاناً رخواً لأنه أسلم من الرشاش.
قال ابن القيم: وكان ﷺ يرتاد لبوله الموضع الدمث - وهو اللين الرخو من الأرض.
ثانياً: قوله (وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير) اختلف العلماء في المراد بقوله (وما يعذبان في كبير):
فقيل: ليس بكبير في زعمهما.
وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز منه، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك.
ورجحه البغوي وابن دقيق العيد وجماعة، وهذا هو الراجح.
وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيراً بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق، فإنه وصف كلاً منهما بما يدل على تجدد ذلك منه واستمراره عليه.
стр. 235
ثالثاً: قال النووي: سبب كونهما كبيرين أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة فتركه كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح.
رابعاً: لم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان على عمد من الرواة لقصد الستر عليهما.
قال الحافظ: وما حكاه القرطبي في التذكرة وضعفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ فهو قول باطل لا ينبغي ذكره إلا مقروناً ببيانه، ومما يدل على بطلانه الحكاية المذكورة أن النبي ﷺ حضر دفن سعد بن معاذ، كما ثبت في الحديث الصحيح، وأما قصة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه ﷺ قال لهم: من دفنتم اليوم ههنا؟ فدل على أنه لم يحضرهما. [قاله الحافظ]
خامساً: اختلف في المقبورين:
فقيل: كانا كافرين.
وقيل: كانا مسلمين وهذا هو الصحيح، ويدل لذلك:
أنه جاء عند أحمد (أن الرسول ﷺ مر بالبقيع فقال: من دفنتم هنا؟) فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن البقيع مقبرة المسلمين.
سادساً: عظم أمر النميمة وأنها من كبائر الذنوب.
وقد قال ﷺ (لا يدخل الجنة نمام) متفق عليه.
سابعاً: اختلف العلماء يسن وضع جريدة رطبة على القبر؟
ذهب بعض العلماء إلى أنه يسن ذلك وقد أوصى بذلك بريدة بن الحصيب ﵁.
والصحيح أنه لا يجوز ذلك.
ورجح ذلك الخطابي والقاضي عياض وقال: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيب وهو قوله (ليعذبان).
وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَضْعَ النَّاس الْجَرِيد وَنَحْوه فِي الْقَبْر عَمَلا بِهَذَا الْحَدِيث وَقَال عن هذا الحديث: هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ دَعَا لَهُمَا بِالتَّخْفِيفِ مُدَّة بَقَاء النَّدَاوَة، لا أَنَّ فِي الْجَرِيدَة مَعْنًى يَخُصّهُ، وَلا أَنَّ فِي الرَّطْب مَعْنًى لَيْسَ فِي الْيَابِس.
ومما يدل على أنه لا يجوز ذلك أمور:
أ-حديث جابر الطويل في صحيح وفيه (إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يبرد عليهما مادام الغصنان رطبين)
ب-أنه لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي ﷺ .
ج-أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا الظن بالميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب وما يدرينا فلعله ينعم
د-أن هذا لم يفعله السلف الصالح.
стр. 236
ثامناً: إثبات عذاب القبر.
وهو ثابت بالكتاب والسنة واتفاق أهل السنة.
قال تعالى (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).
ومن السنة أدلة كثيرة ومتواترة:
أ-حديث الباب
ب-وحديث أبي هريرة ﵁ قال - قال رسول الله ﷺ : (إذا تشهد أحدكم التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع … وذكر منها عذاب القبر) رواه مسلم
ج-وحديث أنس ﵁ قال - قال رسول الله ﷺ (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقولان له … وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين) متفق عليه
هـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ (لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع) رواه مسلم
و_ وعن ابن عباس ﵁ (أن رسول الله ز كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلم السورة من القرآن قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ونعوذ بك من عذاب القبر … ). متفق عليه
ز- وعن أبي هريرة ﵁ قال (كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار … ). متفق عليه
تاسعاً: بعض أسباب عذاب القبر:
أولاً: النميمة وعدم التنزه من البول.
لحديث ابن عباس ﵁ (مر النبي ﷺ بفبرين … الحديث).
وقال رسول الله ﷺ : (أكثر عذاب القبر من البول). رواه ابن ماجه
ثانياً: الغيبة.
فقد جاء في رواية عند ابن ماجه (وأما الآخر فيعذب بالغيبة).
ثالثاً: الغلول من الغنيمة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ز إلى خيبر، فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً، غنمنا المتاع والطعام والشراب ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله عبد له … فلما نزلنا قام عبدُ رسول الله ز يحل رحله، فرُمي بسهم فكان فيه حتفه فقلنا: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله! فقال: كلا، والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه ناراً، أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم، ففزع الناس … ) متفق عليه.
стр. 237
١٠٤ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (عَلَّمْنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْخَلَاءِ: " أَنَّ نَقْعُدَ عَلَى اَلْيُسْرَى، وَنَنْصِبَ اَلْيُمْنَى) رَوَاهُ اَلْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف، قال النووي: الحديث ضعيف لا يحتج به.
وضعفه ابن حجر والبيهقي.
• على ما يدل الحديث؟
الحديث يدل على أنه يستحب لقاضي الحاجة أن يعتمد على رجله اليسرى
ب- وأنه أسهل لخروج الخارج.
ج-وتكريماً لليمين.
لكن الحديث ضعيف كما تقدم، والحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية.
стр. 238
١٠٥ - وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْثُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ ضَعِيف.
===
(فَلْيَنْثُرْ ذَكَرَهُ) النتر: هو جذبه بقوة ليقذف بقية البول بشدة.
• ما صحة الحديث؟
الحديث ضعيف، قال النووي: اتفقوا على أنه ضعيف.
عيسى بن يزداد مجهول الحال، وأبوه متكلم في صحته.
• ما حكم نتر الذكر بعد البول؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يجب الاستبراء قبل الاستجمار بالنفض والسلت الخفيف، فينتر ذكره.
وبه قال الحنفية والمالكية.
واستدلوا:
أ- بحديث (تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه).
ب-حديث ابن عباس قال (مر النبي ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول) متفق عليه.
وجه الدلالة: أنهما صريحان في وجوب التنزه من البول، وذلك يقتضي التأكد من عدم خروجه أو بقاء شيء منه قبل الاستنجاء، ولا يكون ذلك إلا بالسلت والنتر.
ج- واستدلوا بحديث الباب (إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْثُرْ ذَكَرَهُ) وهو حديث ضعيف كما تقدم.
стр. 239
القول الثاني: يستحب ذلك.
وبه قال الإمامان: الشافعي وأحمد.
واستدلوا:
أما روي عنه ﷺ (أنه كان إذا بال نتر ذكره ثلاث نترات) وفي رواية (أمر بذلك) رواه ابن عدي والبيهقي وهو ضعيف.
ب- أنه قال به بعض السلف كالحسن البصري وأبي الشعثاء وجابر بن زيد.
ج- أنه بالسلت والنتر يستخرج ما يخشى عودته بعد الاستنجاء.
القول الثالث: يكره ذلك.
وبه قال بعض الحنابلة واختاره ابن تيمية وقال: نتر الذكر بدعة على الصحيح.
أن ذلك لو كان سنة لكان أولى به رسول الله ﷺ ، فلما لم يفعلوه، ولم يصح عنهم شيء في ذلك مع أن النبي ﷺ علمهم كل شيء حتى الخراءة، دل ذلك على أنه غير مشروع، والحديث المروي في ذلك ضعيف فلا حجة فيه.
ب- أن البول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع إن تركته قرّ، وإن حلبته در، والبول الواقف كلما أخرجه جاء غيره، فإنه يرشح دائماً.
ج- أن ذلك من الوسواس أو يؤدي إليه، فإن من اعتاد ذلك ابتلي بما عوفي منه من لهَى عنه.
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن القيم في زاد المعاد: ولم يكن ﷺ يصنع شيئاً مما يصنعه المبتلون بالوسواس من نتر الذكر، والنحنحة والقفز، ومسك الحبل، وطلوع الدرج، وحشو القطن في الإحليل، وصب الماء فيه، وتفقده الفينة بعد الفينة، ونحو ذلك من بدع أهل الوسواس.
بل الذي ثبت خلاف هذه الوساوس.
قال إبراهيم النخعي: ما تفقد إنسان إلا رأى ما يكره أو يسوءه ـ يعني بلة طرف الإحليل. أخرجه ابن أبي شيبة
وهذا رجل قد شكا لابن عباس فقال: (إني أكون في الصلاة فيخيل إليّ أن بذكري بللاً، فقال: قاتل الله الشيطان، إنه يمس ذكر الإنسان في صلاته ليريه أنه قد أحدث، فإذا توضأت فانضح فرجك بالماء، فإن وجدت قلت: هو من الماء، ففعل الرجل ذلك، فذهب). أخرجه عبد الرزاق
وهكذا كان السلف يفعلون، وهكذا كانوا يحتاطون لأنفسهم من هذه البدع.
فعن نافع مولى ابن عمر قال: (كان ابن عمر إذا توضأ نضح فرجه). أخرجه ابن أبي شيبة
стр. 240
١٠٦ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالُوا: إِنَّا نُتْبِعُ اَلْحِجَارَةَ اَلْمَاءَ) رَوَاهُ اَلْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيف.
١٠٧ - وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونِ ذِكْرِ اَلْحِجَارَة.
===
(أَهْلَ قُبَاءٍ) اسم لمكان قرب المدينة النبوية.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف بذكر الحجارة، والمعروف من طرق الحديث أنهم كانوا يستنجون بالماء.
وقد ضعف الحديث: أبو حاتم، والنووي، وابن القيم، وابن حجر.
وأما الاقتصار على الماء فقط فهو صحيح رواه أبو داود عن أبي هريرة.
ولفظه: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروقال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية).
• ماذا يستفيد من الحديث؟
الحديث دليل على جواز الجمع بين الماء والحجارة في الاستنجاء.
وقد تقدمت هذه المسألة عند حديث رقم (٨٨).
وأن الجمع بين الحجارة والماء أفضل، كما هو مذهب جماهير العلماء، لأنه أنقى وأنظف.
لكن لم يثبت حديث فيه الجمع بين الحجارة والماء.
فقاضي الحاجة له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يجمع بين الاستجمار والاستنجاء، فيستجمر أولاً ثم يستنجي.
قال النووي: الذي عليه الجماهير من السلف والخلف أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولاً لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء.
وقال العيني: " مذهب جمهور السلف والخلف، والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار؛ أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيقدِّم الحجر أولاً ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة.
الخلاصة: أن الجمع بين الحجر ثم الماء أفضل:
أولاً: لأنه أبلغ في النظافة.
ثانياً: ولأنه إذا استعمل الحجر أولاً خفف النجاسة وقلَّت مباشرتها باليد.
стр. 241
• لكن لم يثبت بهذه حديث، وحديث الباب (حديث ابن عباس) حديث ضعيف.
الحالة الثانية: أن يقتصر على الماء، فهذا جائز.
لحديث أنس قال: (كان رسول ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء) متفق عليه
الحالة الثالثة: أن يقتصر على الحجارة فقط، وهذا جائز.
لحديث سلمان قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار). رواه مسلم
ولحديث ابن مسعود قال: (أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثاً، فأتيته بروثة، فأخذهما وألقى الروثة، وقال: هذا ركس). رواه البخاري
• أيهما أفضل الاستنجاء بالماء أم الاستجمار بالأحجار؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: الاستنجاء بالماء أفضل.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
أ- قالوا: إن الماء قالع للنجاسة، والحجر مخفف لها، وما كان قالعاً للنجاسة فهو أفضل.
ب- ولحديث الباب - حديث أبي هريرة - عن النبي ﷺ قال (نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروقال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية)
القول الثاني: الاستجمار بالحجر أفضل.
وهو قول بعض السلف.
قال في المغني: وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء.
أ-قالوا: إن الماء مطعوم فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له.
ب-أن في الاستنجاء بالماء تلفاً للماء.
ج-أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء.
والراجح القول الأول.
стр. 242
بَابُ اَلْغُسْلِ وَحُكْمِ اَلْجُنُبِ
الغُسل بضم العين، وهو تعميم البدن بالغَسل بالماء.
والجنب: من حصلت منه الجنابة، وهي إنزال المني.
وسمي جنباً لأنه يتجنب الصلاة والعبادة.
أو لأن المني بَعُدَ عن محله وانتقل.
стр. 243
١٠٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْمَاءُ مِنْ اَلْمَاءِ) رَوَاهُ مُسْلِم.
وَأَصْلُهُ فِي اَلْبُخَارِيّ.
===
• ما معنى قوله ﷺ (اَلْمَاءُ مِنْ اَلْمَاءِ)؟
(الماء) أي ماء الغسل. (من الماء) أي من المني.
• اذكر الأدلة على أن إنزال المني بشهوة من موجبات الغُسل؟
أ-قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا).
ب-ولحديث الباب.
ج- ولحديث أم سلمة (أن أم سُليم قالت: يا رسول الله؛ إن الله لا يستحي من الحق؛ فهل على المرأة من غسل إن هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء). متفق عليه.
(احتلمت) الاحتلام اسم لما يراه النائم من الجماع، فيحدث معه إنزال المني غالباً.
قال النووي: وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني.
• هل مفهوم حديث الباب مراد؟
مفهوم الحديث يفيد أنه لا يجب الغسل بدون إنزال لقوله (الماء من الماء)، فلو جامعها في فرجها ولم ينزل فليس عليه غسل، لكن هذا المفهوم غير مراد بل يجب الغسل بمجرد الإيلاج كما سيأتي.
• إذاً ما الجواب عن حديث الباب؟
أ- إما أن يكون منسوخ.
وهذا المشهور عند أكثر العلماء، وناسخه حديث (إذا جلس بين شعبها الأربع … ).
ب-وإما أن يحمل على حالة الاحتلام.
وهو قول ابن عباس.
وقد بوّب على ذلك النسائي، ومال إليه الحافظ ابن حجر، ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.
стр. 244
• هل مجرد خروج المني يوجب الغسل أم أن هناك قيوداً أخرى؟
لابد أن يكون خروج المني بلذة ودفق، فلو خرج بلا لذة ولا تدفق؛ فلا غسل عليه. (وهذا في اليقظان).
وهذا قول الحنفية والمالكية والحنابلة.
فلو خرج منه لبرد أو مرض ونحوهما فلا غسل عليه، بل يكون نجساً يغسل كغيره وليس منياً.
ويدل لذلك حديث علي قال (كنت رجلاً مذاء، فسألت النبي ﷺ فقال: إذا خذفت الماء فاغتسل من الجنابة، وإن لم تكن خاذفاً فلا تغتسل) وفي لفظ (إذا فضخت الماء فاغتسل) والخذف والفضخ: خروجه بالغلبة وهو الدفق.
• وأما النائم فعليه الغسل مطلقاً، لأنه قد لا يحس به، وهذا يقع بكثرة، فإذا استيقظ الإنسان فوجد الأثر ولم يشعر باحتلام؛ فعليه الغسل، بدليل حديث أم سلمة حين سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: (نعم، إذا هي رأت الماء) فأوجب الغسل برؤية الماء ولم يشترط أكثر من ذلك، فدل على وجوب الغسل إذا استيقظ ووجد الماء.
• ما الحكمة من الغسل بعد خروج المني؟
قال ابن القيم: إيجاب الشارع الغسل من المني دون البول فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة، فإن المني يخرج من جميع البدن، ولهذا أسماه الله (سلالة) لأنه يسيل من جميع البدن، وأما البول فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثر البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول.
стр. 245
١٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا اَلْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ اَلْغُسْلُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
زَادَ مُسْلِمٌ: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ".
===
(إِذَا جَلَسَ) أي: الرجل، وهو مفهوم من السياق.
(بَيْنَ شُعَبِهَا اَلْأَرْبَعِ) أي: شعب المرأة الأربع، والمراد هنا: يداها ورجلاها، وهو كناية عن مكان الرجل من المرأة حال الجماع.
(ثُمَّ جَهَدَهَا) أي: بلغ المشقة، والمعنى: بلغ جهده فيها، وذلك بإيلاج ذكره في فرجها.
(فَقَدْ وَجَبَ اَلْغُسْلُ) أي: عليهما جميعاً.
• هل الإيلاج (الجماع) ولو لم ينزل يوجب الغسل؟
نعم؛ الإيلاج ولو لم ينزل يوجب الغسل، فإذا حصل إيلاج وجب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل.
وهذا الحكم ذهب إليه الجمهور، بل حكاه بعضهم إجماعاً للصحابة، حكى ذلك النووي وابن العربي: أن الصحابة أجمعوا على وجوب الغسل من الإيلاج ولو لم ينزل لهذا الحديث الصحيح الصريح.
وقد كان فيه خلافاً لبعض الصحابة كأبي سعيد وزيد بن خالد ورافع بن خديج وداود الظاهري؛ أنه لا يجب الغسل إلا بالإنزال.
قال النووي: وَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ إِيجَاب الْغُسْل لا يَتَوَقَّف عَلَى نُزُول الْمَنِيّ، بَلْ مَتَى غَابَتْ الْحَشَفَة فِي الْفَرْج وَجَبَ الْغُسْل عَلَى الرَّجُل وَالْمَرْأَة، وَهَذَا لا خِلاف فِيهِ الْيَوْم، وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَاف لِبَعْضِ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ، ثُمَّ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وهذا صريح في وجوب الغسل، وإن لم ينزل وهذا يخفى على كثير من الناس، فتجد الزوجين يحصل منهما هذا الشيء، ولا يغتسلان، لا سيما إذا كانا صغيرين ولم يتعلما، وهذا بناء عندهم على عدم وجوب الغسل إلا بالإنزال، وهذا خطأ .... (الشرح الممتع).
• ما الحكم إذا جامع من وراء حايل؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب الغسل.
لعموم الحديث.
القول الثاني: لا يجب الغسل.
لحديث (إذا التقى الختانان .. ) وفي لفظ (إذا مس الختان الختان .. ) ومع الحايل لا يحصل مس.
والأول أرجح.
стр. 246
١١٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ; أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ -وَهِيَ اِمْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ- قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ اَللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ اَلْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى اَلْمَرْأَةِ اَلْغُسْلُ إِذَا اِحْتَلَمَتْ؟ قَالَ: "نَعَمْ. إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ") اَلْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
١١١ - وَعَنْ أَنَسِ [بْنِ مَالِكٍ]﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى اَلرَّجُلُ قَالَ: (تَغْتَسِلُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
زَادَ مُسْلِمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْم (وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ اَلشَّبَهُ؟).
===
(أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) هي بنت مِلحان والدة أنس بن مالك.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ) وإنما قدمت هذا القول تمهيداً بعذرها في ذكر ما يستحيى منه.
(فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ) أي: رأت في منامها أنها تُجامع، وفي رواية أحمد من حديث أم سليم، أنها قالت: يا رسول الله! إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟
(قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مجيباً لها.
(نعم إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) أي: نعم عليها الغسل إذا أبصرت الماء وهو المني، والمراد من ذلك تحقق وقوعه.
• هل على المرأة غسل إذا احتلمت ورأت الماء؟
نعم كالرجل.
قال النووي: اعلم أن المرأة إذا خرج منها المني وجب عليها الغسل، كما يجب على الرجل بخروجه، وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني.
- ما الحكم إذا تحرك المني ولم يخرج هل يجب الغسل أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب الغسل بانتقاله ولو لم يخرج.
وهذا المذهب.
أ- لأن الجنابة تُباعِد الماء عن محله، وقد وجِد.
ب- ولأن الغسل تراعى فيه الشهوة، وقد حصلت بانتقاله، فأشبه ما لو ظهر. (المغني).
стр. 247
القول الثاني: أنه لا غسل عليه.
وهو قول أكثر الفقهاء واختاره ابن قدامة وابن تيمية.
أ-لأن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية بقوله (إذا رأت الماء) فلا يثبت الحكم بدونه.
ب- ولو وجب الغسل بالانتقال لبينه النبي ﷺ لدعاء الحاجة إلى بيانه.
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن قدامة ﵀: إن أحس بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره، فلم يخرج فلا غسل عليه .. (وهذا) قول أكثر الفقهاء.
لأن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية وفضخ الماء، بقوله: إذا رأت الماء و إذا فضخت الماء فاغتسل فلا يثبت الحكم بدونه. (المغني).
وقال النووي ﵀: لو قبل امرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فأمسك ذكره فلم يخرج منه في الحال شيء، ولا علم خروجه بعد ذلك، فلا غسل عليه عندنا، وبه قال العلماء كافة إلا أحمد، فإنه قال - في أشهر الروايتين عنه - يجب الغسل، قال: ولا يتصور رجوع المني. دليلنا قوله ﷺ : (إنما الماء من الماء) ولأن العلماء مجمعون على أن من أحس بالحدث كالقرقرة والريح، ولم يخرج منه شيء لا وضوء عليه، فكذا هنا. (المجموع).
• ما حكم من احتلم ولم يجد ماء؟
لا غسل عليه لقوله (إذا رأت الماء).
• اذكر حالات المحتلم بعد استيقاظه؟
له ثلاث حالات:
الأولى: أن يذكر الاحتلام ويرى المني.
فهذا يجب عليه الغسل، كما يدل عليه حديث الباب، وحتى لو لم يذكر احتلاماً، فإنه يجب الغسل إذا رأى الماء.
الثانية: أن يرى الفعل ولم ير الماء (يعني أنه يجامع ولا يرى الماء).
فهذا لا غسل عليه لمفهوم قوله (نعم إذا رأت الماء).
الثالثة: أن يرى الماء ويجهل هل هو مني أم لا؟
فهذا إن سبق نومه تفكير في الجماع جعله منياً.
وإن لم يسبق نومه تفكير:
فقيل: يغتسل احتياطاً.
وقيل: لا غسل عليه.
وهذا اختيار ابن تيمية لقوله (إذا رأت الماء) يعني بذلك المني، وهنا لم يتيقن المنتبه أن البلل منيّ، فلا يجب الغسل مع الشك، لأن الأصل براءة الذمة.
стр. 248
• اذكر بعض الأقوال التي تدل على أن الحياء لا ينبغي أن يكون مانعاً من العلم؟
أ-حديث الباب ( … إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ … ).
قال النووي: وإنما قالت هذا اعتذاراً بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه، مما تستحي النساء في العادة من السؤال عنه، وذكرهِ بحضرة الرجال، ففيه أنه ينبغي لمن عرضت له مسألة أن يسأل عنها، ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها، فإن ذلك ليس بحياء حقيقي، لأن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير، والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير، بل هو شر، فكيف يكون حياء؟
ب-قالت عائشة (نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين). رواه مسلم
قال مجاهد: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما شيء إلا وقد علمت منه، إلا أشياء كنت أستحي أن أسأل عنها، فكبرتُ وفيّ جهالتها.
وقال علي: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان.
وقال وكيع: لا ينبل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه.
وقال الخليل بن أحمد: الجهل منزلة بين الحياء والأنفة.
وكان يقال: من رق وجهه عند السؤال، رق علمه عند اجتماع الرجال.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فيه دليل على أن الإنسان إذا أراد سؤالاً يستحي منه يقدم بين سؤاله تمهيداً لسؤاله كما فعلت أم سليم.
- إثبات صفة الحياء لله إثباتاً يليق بجلاله.
стр. 249
١١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ اَلنَّبِيَّ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ اَلْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ اَلْجُمُعَةِ، وَمِنْ اَلْحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ اَلْمَيِّتِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَة.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف وهذا ما عليه أكثر الأئمة.
وأيضاً لم يثبت أن النبي ﷺ غسل ميتاً قط، فهذا مما يدل على ضعفه.
في هذا الحديث أربعة أغسال كان الرسول ﷺ يغتسل، منها:
الأول: الغسل من الجنابة.
وهذا تقدم واجب بالاتفاق [وإن كنتم جنباً فاطهروا).
الثاني: غسل يوم الجمعة.
(وسيأتي بحثه).
الثالث: الغسل من الحجامة.
وممن روى عنه الغسل من الحجامة: على بن أبى طالب، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وابن سيرين، ومجاهد.
والصحيح أنه غير مستحب.
لعدم الدليل.
стр. 250
١١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَم- وَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ) رَوَاهُ عَبْدُ اَلرَّزَّاق.
وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
• هل يجب على الكافر الغسل إذا أسلم أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجب عليه الغسل.
وهذا المذهب، وهو مذهب مالك وأبي ثور وابن المنذر، ورجحه الشوكاني. الأدلة:
أ-حديث الباب.
ب-ولحديث قيس بن عاصم: (أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر). رواه أبو داود وحسنه النووي
قال الشوكاني: والظاهر الوجوب، لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ، ودعوى عدم الأمر لمن عداهم لا يصلح متمسكاً لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك، وهو ليس علماً بالعدم.
جاء في الموسوعة الفقهية (٣١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ إسلام الكافر موجب للغسل، فإذا أسلم الكافر وجب عليه أن يغتسل، لما روى أبو هريرة ﵁ (أنّ ثمامة بن أثال ﵁ أسلم، فقال النّبيّ ﷺ : اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل) وعن (قيس بن عاصم أنّه أسلم: فأمره النّبيّ ﷺ أن يغتسل بماء وسدر)؛ ولأنّه لا يسلم غالباً من جنابة، فأقيمت المظنّة مقام الحقيقة كالنّوم والتقاء الختانين.
القول الثاني: أنه مستحب غير واجب.
وهذا مذهب الشافعي.
قال الخطابي: وبهذا قال أبو حنيفة وأكثر العلماء.
أ-بأن العدد الكثير والجم الغفير أسلموا، فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل نقلاً متواتراً أو ظاهراً، ولو كان واجباً لما خص بالأمر بعضاً دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب.
ب-أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن أمره أن يدعوهم إلى (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم
أطاعوا … ) ولو كان الغسل واجباً لأمرهم به، لأنه أول واجبات الإسلام.
ج-أن أمره ﷺ لمن أسلم أن يغتسل بماء وسدر، وهذا دليل على عدم الوجوب لأنه بالاتفاق أن السدر غير واجب.
وهذا القول هو الراجح.
следующие страницы →