Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
١٠١٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ شَرَّ اَلنَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اَللَّهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ; اَلرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى اِمْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
(اَلرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى اِمْرَأَتِهِ) المراد بالإفضاء هنا الجماع.
(ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) أي: ما وقع بينهما من الوقاع والجماع.
- فِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم إِفْشَاء الرَّجُل مَا يَجْرِي بَيْنه وَبَيْن اِمْرَأَته مِنْ أُمُور الِاسْتِمْتَاع، وَوَصْف تَفَاصِيل ذَلِكَ وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَة فِيهِ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل وَنَحْوه.
فَأَمَّا مُجَرَّد ذِكْر الْجِمَاع، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَائِدَة وَلَا إِلَيْهِ حَاجَة فَمَكْرُوه لِأَنَّهُ خِلَاف الْمُرُوءَة. وَقَدْ قَالَ ﷺ (مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت) وَإِنْ كَانَ إِلَيْهِ حَاجَة أَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَائِدَة بِأَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ إِعْرَاضه عَنْهَا أَوْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْز عَنْ الْجِمَاع أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَة فِي ذِكْره كَمَا قَالَ ﷺ (إِنِّي لَأَفْعَلَهُ أَنَا وَهَذِهِ) وَقَالَ ﷺ لِأَبِي طَلْحَة: أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَة؟ " وَقَالَ لِجَابِرٍ: " الْكَيْس الْكَيْس (نووي).
وقد جاء في الحديث عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيء).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال (ألا عسى أحدكم أن يخلو بأهله يغلق باباً، ثم يرخي ستراً، ثم يقضي حاجته، ثم إذا خرج حدَّث أصحابه بذلك؟ ألا عسى إحداكن أن تغلق بابها وترخي سترها، فإذا قضت حاجتها حدثت صواحبها؟ فقالت امرأة سفعاء الخدين: والله يا رسول الله إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون، قال: فلا تفعلوا فإنما مثل ذلك مثَل شيطان لقي شيطانة على قارعة الطريق، فقضى حاجته منها، ثم انصرف، وتركها) قال الألباني: رواه البزار، وله شواهد تقوِّيه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (هَلْ فِيكُمْ رَجُلٌ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَرْخَى سِتْرَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُحَدِّثُ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا، وَفَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا؟ فَسَكَتُوا فَأَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ؟ فَجَثَتْ فَتَاةٌ كَعَابٌ عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا، وَتَطَاوَلَتْ لِيَرَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَيَسْمَعَ كَلَامَهَا، فَقَالَتْ: إِي وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَيُحَدِّثُونَ، وَإِنَّهُنَّ لَيُحَدِّثْنَ، قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ إِنَّ مَثَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ وَشَيْطَانَةٍ لَقِيَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالسِّكَّةِ، قَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْه). رواه أبو داود
стр. 1857
قال الشوكاني ﵀ والحديثان يدلان على تحريم إفشاء أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع؛ وذلك لأن كون الفاعل لذلك من أشر الناس، وكونه بمنزلة شيطان لقي شيطانة فقضى حاجته منها والناس ينظرون: من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما الراجعة إلى الوطء ومقدماته، فإن مجرد فعل المكروه لا يصير به فاعله من الأشرار فضلاً عن كونه من شرهم، وكذلك الجماع بمرأى من الناس لا شك في تحريمه، وإنما خص النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الرجل فجعل الزجر المذكور خاصاً به ولم يتعرض للمرأة: لأن وقوع ذلك الأمر - في الغالب - من الرجال.
قيل: وهذا التحريم إنما هو في نشر أمور الاستمتاع، ووصف التفاصيل الراجعة إلى الجماع، وإفشاء ما يجري من المرأة من قول أو فعل حالة الوقاع، وأما مجرد ذكر نفس الجماع فإن لم يكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه؛ لأنه خلاف المروءة، ومن التكلم بما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. (نيل الأوطار)
فائدة:
بعض الأحاديث التي فيها: شر الناس:
قال ﷺ (واعلموا أن شر الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وقال ﷺ (إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه).
وقال ﷺ (إن من شر الناس عند الله يوم القيامة ذا الوجهين) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (خير الناس من طال عمره و حسن عمله، وشر الناس من طال عمره و ساء عمله). رواه الترمذي
стр. 1858
١٠١٨ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: " تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اِكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي اَلْبَيْتِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَّقَ اَلْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
===
(وَلَا تُقَبِّحْ) أي: لا تشتم ولا تسب.
• هل يجب على الزوج أن ينفق على زوجته؟
نعم، يجب عليه نفقة زوجته.
قال ابن قدامة: نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.
أ- لقوله تعالى (لينفق ذو سعة من سعته).
ب- ولقوله ﷺ (اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) رواه مسلم.
قال النووي: وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع.
ج- وحديث الباب (تطعمها إذا أكلْتَ، وتكسوها إذا اكتسيت).
د- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيك) متفق عليه.
وهذا كله مقيد بالسعة والمعروف كما قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
• ما حكم ضرب الوجه؟
حرام.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وفي رواية له بلفظ (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُم … ).
قال النووي: هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب الْوَجْه; لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن، وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة لَطِيفَة، وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا; فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه، وَقَدْ يُنْقِصُهَا، وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه، وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش; وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره، وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ شَيْن غَالِبًا.
وقال الحافظ: ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب، وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت، فأمر النبي ﷺ برجمها وقال (ارموا واتقوا الوجه) وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى. (الفتح)
وقال الصنعاني: وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره. (سبل السلام).
стр. 1859
• ما الحكمة من النهي عن ضربه؟
قال النووي: قال العلماء: إنما نُهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها بل لا يسلم إذا ضرب غالباً من شين.
وقال الشيخ ابن عثيمين: ولأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وهو واجهة البدن كله، فإذا ضُرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه.
وقال في الفتح في خصوص دلالة النهي الوارد في الحديث: لم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم، ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي: أنه ﷺ رأى رجلاً لطم غلاماً فقال (أو ما علمت أن الصورة محترمة).
• ما الجواب عن فعل امرأة الخليل ﵊، وهو ما جاء في قوله تعالى: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)؟
فالجواب عنه من خمسة أوجُه:
الوجه الأول: معناه ضَرَبَتْ وجهها. قال ابن عباس: لَطَمَتْ، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يَستهوله. أفاده ابن عطية.
والوجه الثاني: أن هذا الفعل للتعجّب
قال سفيان والسدي ومجاهد: معناه ضربت بِكَفِّها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن
وقال البغوي: أي ضَرَبَتْ وَجْهها تَعجُّباً.
وقال ابن كثير: جَرَتْ به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب.
والوجه الثالث: أنه ضرب خفيف
فقيل: إنها ضَرَبَتْ جبينها بأصابعها تعجباً.
ومعلوم أن مَنْ ضَرَب نفسه لا يكون ضرب إهانة ولا ضَرْب إيلام.
والوجه الرابع: أنه هو لو صحّ أنه من ضَرْب الوجه فهو مِنْ شَرْع مَنْ قَبْلَنا.
وقد جاء شرعنا بخلافه.
الوجه الخامس: أن المنهي عنه ضَرْب الإنسان وجْه غيره، وهذا من ضرب النفس.
стр. 1860
• ما حكم ضرب الزوجة؟
حرام من غير سبب.
• متى يجوز ضرب الزوجة؟
يجوز ضربها للتأديب في حال نشوزها.
قال تعالى (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيراً).
فإذا خاف الرجل نشوز امرأته بأن ظهر منها قرائنه، كأن تمنعه حقه بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة متكرهة، فإنه:
أولاً: يعظها. (والوعظ التذكير بما يرغّب أو يخوف).
لقوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ). بأن يذكرها بما يلين قلبها، ويصلح عملها من ثواب وعقاب، يخوفها بالله وأليم عقابه، ويذكرها بما أعد الله للمرأة العاصية لزوجها من أليم عقابه:
مثل قوله ﷺ (إذا دعا الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه مسلم.
ومثل: قوله ﷺ (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه أبوداود.
فإذا لم ينفع هذا العلاج ينتقل إلى الأمر الثاني وهو: الهجر في المضجع.
لقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه:
أولاً: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
ثانياً: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
ثالثاً: أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.
ويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل.
- ويهجرها ما شاء حتى ترتدع وترجع.
فإن لم ترتدع ولم ينفع معها الوعظ والهجر، ضربها. لقوله تعالى (وَاضْرِبُوهُنَّ).
стр. 1861
• ما شروط ضرب الزوجة في هذه الحالة؟
أولاً: أن يكون غير مبرحاً أي: غير شديد.
لقوله ﷺ ( … فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّح) رواه مسلم.
ولأن المقصود التأديب والزجر والإصلاح، لا الإيذاء والضرر والانتقام، ويتقي الوجه والمقاتل.
ثانياً: أن يجتنب الوجه.
للحديث السابق.
ثالثاً: لا ينتقل إلى الضرب إلا بعد الوعظ والهجر.
جاء في (الموسوعة الفقهية) طرق تأديب الزّوجة:
أ. الوعظ.
ب. الهجر في المضجع.
ج. الضّرب غير المبرّح.
وهذا التّرتيب واجب عند جمهور الفقهاء، فلا ينتقل إلى الهجر إلاّ إذا لم يجد الوعظ، هذا لقوله تعالى: (واللّاتي تخافون نشوزَهنّ فعِظُوهنّ واهجروهنّ في المضاجِع واضربوهنّ). جاء في (المغني) لابن قدامة: في الآية إضمار تقديره: واللّاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ، فإن نشزن فاهجروهنّ في المضاجع، فإن أصررن فاضربوهنّ.
وذهب الشّافعيّة - في الأظهر من قولين عندهم - إلى أنّه يجوز للزّوج أن يؤدّبها بالضّرب بعد ظهور النّشوز منها بقول أو فعل، ولا ترتيب على هذا القول بين الهجر والضّرب بعد ظهور النّشوز، والقول الآخر يوافق رأي الجمهور. انتهى
- هذه المراتب إذا كان الزوج قائماً بالحقوق، أما إذا لم يقم بحقوق الزوجة فلا يحل له أن يسلك هذه المراتب.
- ما حكم هجر الزوجة؟
يجوز هجرها إذا وجد سببه، وهو تأديبها كما تقدم.
قال تعالى (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ).
стр. 1862
• ما كيفية الهجر؟
قال ابن العربي: فيه أربعة أقوال:
الأول: يوليها ظهره في فراشه; قاله ابن عباس.
الثاني: لا يكلمها، وإن وطئها; قاله عكرمة وأبو الضحى.
الثالث: لا يجمعها وإياه فراش ولا وطء حتى ترجع إلى الذي يريد; قاله إبراهيم والشعبي وقتادة والحسن
البصري، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك وغيرهم.
الرابع: يكلمها ويجامعها، ولكن بقول فيه غلظ وشدة إذا قال لها تعالي; قاله سفيان
وقال ابن حجر: واختلف أهل التفسير في المراد بالهجران، فالجمهور على أنه ترك الدخول عليهن والإقامة عندهن على ظاهر الآية، وهو من الهجران وهو البعد، وظاهره أنه لا يضاجعها، وقيل المعنى يضاجعها ويوليها ظهره، وقيل: يمتنع من جماعها، وقيل: يجامعها ولا يكلمها، وقيل: اهجروهن مشتق من الهجر بضم الهاء وهو الكلام القبيح، أي أغلظوا لهن في القول، وقيل مشتق من الهجار وهو الحبل الذي يشد به البعير، يقال هجر البعير؛ أي: ربطه، فالمعنى: أوثقوهن في البيوت واضربوهن، قاله الطبري وقواه، واستدل له ووهاه ابن العربي فأجاد .... (الفتح).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه:
أولاً: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
ثانياً: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
ثالثاً: أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.
ويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل.
• هل له مدة معينة؟
ليس له مدة محددة.
وأما الهجر بالكلام فهو مقيد بثلاثة أيام، لقوله ﷺ (لا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يهجر أخاه فوق ثلاث).
• ما الجمع بين حديث الباب (ولا تهجر إلا في البيت) وحديث أنس (أن رسول الله ﷺ آلى من نسائه شهراً، وجلس في مشْرُبَة له) رواه البخاري؟
الحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرها وبالعكس بل الغالب أن الهجران في غير البيوت آلم للنفوس وخصوصاً النساء لضعف نفوسهن.
وقد جنح البخاري إلى حديث أنس، وذكر أنه أصح من حديث بهز، فكأنه يذهب إلى العمل بحديث أنس، وهو الهجران خارج البيوت.
стр. 1863
١٠١٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ: (كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى اَلرَّجُلُ اِمْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، كَانَ اَلْوَلَدُ أَحْوَلَ. فَنَزَلَتْ: "نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوْا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
(إِذَا أَتَى اَلرَّجُلُ اِمْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا) أي: من جهة دبرها.
(فِي قُبُلِهَا) وَفِي رِوَايَة (إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَة وَإِنْ شَاءَ غَيْر مُجَبِّيَة غَيْر أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَام وَاحِد).
(أَنَّى شِئْتُمْ) أي: من أي جهةٍ شئتم، مقبلة أو مدبرة أو على جنب أو غير ذلك، وليس المعنى: من أي مكان شئتم، حيث يستدل بها على وطء الدبر، فإن سبب النزول كما في الحديث يرد هذا المعنى.
- قال النووي: الْمُجَبِّيَة بِمِيمٍ مَضْمُومَة ثُمَّ جِيم مَفْتُوحَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة، مُشَدَّدَة مَكْسُورَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْت أَيْ مَكْبُوبَة عَلَى وَجْههَا. (وَالصِّمَام) بِكَسْرِ الصَّاد أَيْ ثَقْب وَاحِد، وَالْمُرَاد بِهِ الْقُبُل قَالَ الْعُلَمَاء. وَقَوْله تَعَالَى: (فَأْتُوا حَرْثكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أَيْ مَوْضِع الزَّرْع مِنْ الْمَرْأَة وَهُوَ قُبُلهَا الَّذِي يُزْرَع فِيهِ الْمَنِيّ لِابْتِغَاءِ الْوَلَد، فَفِيهِ إِبَاحَة وَطْئِهَا فِي قُبُلهَا، إِنْ شَاءَ مِنْ بَيْن يَدَيْهَا، وَإِنْ شَاءَ مِنْ وَرَائِهَا، وَإِنْ شَاءَ مَكْبُوبَة.
وَأَمَّا الدُّبُر فَلَيْسَ هُوَ بِحَرْثٍ وَلَا مَوْضِع زَرْع. وَمَعْنَى قَوْله (أَنَّى شِئْتُمْ) أَيْ كَيْف شِئْتُمْ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء الَّذِينَ يُعْتَدّ بِهِمْ عَلَى تَحْرِيم وَطْء الْمَرْأَة فِي دُبُرهَا حَائِضًا كَانَتْ أَوْ طَاهِرًا، لِأَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة كَحَدِيثِ "مَلْعُون مَنْ أَتَى اِمْرَأَة فِي دُبُرهَا" قَالَ أَصْحَابنَا: لَا يَحِلّ الْوَطْء فِي الدُّبُر فِي شَيْء مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَلَا غَيْرهمْ مِنْ الْحَيَوَان فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال وَاَللَّه أَعْلَم.
قال الإمام القرطبي ﵀: قوله تعالى: (أَنَّى شِئْتُمْ) معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة.
• يجوز للرجل إتيان الزوجة في قبلها من جانب دبرها وعلى أي صفة كانت وعليه دل قوله تعالى (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوْا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ).
стр. 1864
١٠٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اَللَّهِ. اَللَّهُمَّ جَنِّبْنَا اَلشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا; فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ اَلشَّيْطَانُ أَبَدًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب قول الرجل هذا الدعاء قبل أن يجامع أهله.
• متى يقال هذا الذكر؟
يقال قبل الشروع في الجماع.
لرواية (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله) وهي عند أبي داود.
• ما المراد بالضرر المنفي في قوله (لم يضره … )؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
فقيل: لم يطعن في بطنه، وهذا ضعيف.
لقوله ﷺ (إن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا عيسى بن مريم) متفق عليه.
وقيل: لم يصرعه، وهذا ضعيف.
وقيل: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية.
وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه.
وقد جاء عن مجاهد: (أن الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه).
ورجح هذا القول الحافظ ابن حجر.
وأقربها الأخير والذي قبله، والله أعلم بالصواب.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن هذا الدعاء يقوله الرجل دون المرأة.
- ليس هناك دعاء خاص تقوله المرأة قبل الجماع.
- بركة اسم الله.
- أن ذكر الله يطرد الشيطان.
كما قال ﷺ (إذا دخل الرجل بيته، فقال بسم الله، وإذا أكل فقال بسم الله، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا طعام) رواه مسلم.
وقال ﷺ (إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت وهديت ووقيت، ويتنحى عنه الشيطان) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كانت له حرزاً من الشيطان) متفق عليه.
وقال ﷺ (وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، حتى إذا أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله). رواه الترمذي.
قال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله.
- عداوة الشيطان للإنسان.
- ينبغي على الآباء أن يحرصوا على فعل الأسباب التي تصلح أبناءهم، قال بعض العلماء: إن هذا الدعاء من حق الأبناء على آبائهم.
- أدب النبي ﷺ ، حيث عبر بالإتيان عن التعبير بالجماع.
- ينبغي للمسلم أن يستعين بالله في جميع أموره.
- أن الشيطان ملازم لابن آدم لا ينطرد عنه إلا بذكر الله تعالى.
стр. 1865
١٠٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا دَعَا اَلرَّجُلُ اِمْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا اَلْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَلِمُسْلِمٍ (كَانَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا).
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه يحرم على المرأة أن تمتنع إذا دعاها زوجها إلى الفراش.
ووجه التحريم: لعن الملائكة.
ومما يدل على ذلك قوله ﷺ : (ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة: … والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى) رواه ابن خزيمة وليمة عرس
• ما عقوبة المرأة إذا دعاها زوجها للفراش وامتنعت من غير سبب؟
أولاً: لعنتها الملائكة حتى تصبح.
لحديث الباب.
ثانياً: غضب الله حتى يرضى الزوج.
لرواية مسلم (والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها).
• لماذا صار هذا الترهيب للمرأة إذا لم تستجب لزوجها؟
لأن امتناعها يؤدي إلى الإضرار بالزوج، لأنه قد يؤدي به إلى الأمر المحرم، وما يسببه الامتناع من التوتر النفسي والغضب.
• ماذا يستثنى من ذلك؟
إذا كان يضر بها أو يشغلها عن فرض.
يضرُّ بها:
مثال: لو فرض أنها حامل، والاستمتاع يشق عليها مشقة عظيمة، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أن يباشرها.
أو يشغلها عن فرض:
مثال: كأن يطلب منها الجماع وهي لم تصل الفجر وقد بقي على طلوع الشمس زمناً قليلاً (كأربع دقائق مثلاً)، فهنا لا يجوز له أن يستمتع بها، لأنه يشغلها عن فرض وهي الصلاة.
стр. 1866
• ما المراد بهؤلاء الملائكة؟
اختلف ما المراد بهؤلاء الملائكة:
فقيل: الحفظة.
وقيل: ملائكة السماء، للرواية الأخرى: (لعنتها الملائكة في السماء) وهذا هو الصحيح.
• هذا التهديد للمرأة مقيد بماذا؟
قال العلماء: هذا اللعن مقيد بما إذا كان الزوج أدى حق الزوجة من نفقة ومسكن وكسوة، ثم دعاها وامتنعت، وهذا القيد مأخوذ من عمومات الشريعة، فأما إذا ظلمها ومنعها حقها وتعدى عليها، فإنه لا يلزمها السمع والطاعة لأنه لا بد من المعاوضة.
• سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عما يجب على الزوج إذا منعته من نفسها إذا طلبها؟
فأجاب: لا يحل لها النشوز عنه، ولا تمنع نفسها منه، بل إذا امتنعت منه وأصرت على ذلك فله أن يضربها ضربا غير مبرح، ولا تستحق نفقة ولا قسماً. (مجموع الفتاوى).
• وسئل عن رجل له زوجة وهي ناشز تمنعه نفسها فهل تسقط نفقتها وكسوتها وما يجب عليها؟
فأجاب: تسقط نفقتها وكسوتها إذا لم تمكنه من نفسها، وله أن يضربها إذا أصرت على النشوز، ولا يحل لها أن تمتنع من ذلك إذا طالبها به، بل هي عاصية لله ورسوله، وفي الصحيح: إذا طلب الرجل المرأة إلى فراشه فأبت عليه كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى تصبح. (مجموع الفتاوى).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- عظم حق الزوج على زوجته.
وقد قال ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه الترمذي
- إثبات الملائكة.
- إثبات علو الله.
- من تلعنهم الملائكة.
أولاً: المرأة إذا هجرت فراش زوجها لغير سبب.
لحديث الباب.
ثانياً: من يسب الصحابة.
قال ﷺ : (من سب أصحابي فعليه لعن الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) رواه الطبراني.
ثالثاً: من أحدث في المدينة حدثاً.
قال ﷺ : (المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). رواه مسلم
أحدث: أي أظهر في المدينة منكراً وبدعة.
رابعاً: من ادعى إلى غير أبيه.
قال ﷺ : (من ادعى إلى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) رواه مسلم.
خامساً: من أشار إلى مسلم بسلاح.
قال ﷺ : (من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأمه وأبيه) رواه مسلم.
стр. 1867
١٠٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ اَلْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَعَنَ) اللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله.
(اَلْوَاصِلَةَ) هي التي تصل شعرها بشعر غيرها.
(وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) هي التي تطلب فعل ذلك بها.
(وَالْوَاشِمَةَ) هي فاعلة الوشم، وهو أن تغرز إبرة ونحوها في بدن المستوشمة حتى يسيل الدم، ثم تحشوه بالكحل أو النيل أو النورة.
(وَالْمُسْتَوْشِمَةَ) هي التي تطلب فعل الوشم فيها.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم الوصل والوشم، وأنه من كبائر الذنوب.
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) متفق عليه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (لُعِنَت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء). قال أبو داود: وتفسير الواصلة التي تصل الشعر بشعر النساء والمستوصلة المعمول بها، والنامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه، والمتنمصة المعمول بها.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِى أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَمَا ليىَ لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ. فَقَالَ لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ قَالَ اللَّهُ (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ فَإِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الآنَ. قَالَ اذْهَبِي فَانْظُرِي. قَالَ فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا. فَقَالَ أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكِ لَمْ نُجَامِعْهَا) متفق عليه.
стр. 1868
والْمُتَفَلِّجَات: جمع متفلجة، وهي التي تَبْرُد مَا بَيْن أَسْنَانهَا إِظْهَارًا لِلصِّغَرِ وَحُسْن الأَسْنَان.
قال النووي رحمه لله: وَالْمُرَاد مُفَلِّجَات الْأَسْنَان بِأَنْ تَبْرُد مَا بَيْن أَسْنَانهَا الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّات … وَتَفْعَل ذَلِكَ الْعَجُوز وَمَنْ قَارَبْتهَا فِي السِّنّ إِظْهَارًا لِلصِّغَرِ وَحُسْن الْأَسْنَان، لِأَنَّ هَذِهِ الْفُرْجَة اللَّطِيفَة بَيْن الْأَسْنَان تَكُون لِلْبَنَاتِ الصِّغَار، فَإِذَا عَجَزَتْ الْمَرْأَة كَبُرَتْ سِنّهَا فَتَبْرُدهَا بِالْمِبْرَدِ لِتَصِيرَ لَطِيفَة حَسَنَة الْمَنْظَر، وَتُوهِم كَوْنهَا صَغِيرَة، وَيُقَال لَهُ أَيْضًا الْوَشْر، وَمِنْهُ: (لَعْن الْوَاشِرَة وَالْمُسْتَوْشِرَة)، وَهَذَا الْفِعْل حَرَام عَلَى الْفَاعِلَة وَالْمَفْعُول بِهَا لِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَلِأَنَّهُ تَغْيِير لِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ تَزْوِير وَلِأَنَّهُ تَدْلِيس.
وَأَمَّا قَوْله: (الْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ) فَمَعْنَاهُ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْحُسْنِ، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْحَرَام هُوَ الْمَفْعُول لِطَلَبِ الْحُسْن، أَمَّا لَوْ اِحْتَاجَتْ إِلَيْهِ لِعِلاجٍ أَوْ عَيْب فِي السِّنّ وَنَحْوه فَلا بَأْس، وَاللَّه أَعْلَم. (نووي).
• قوله (وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ).
(النَّامِصَة) هِيَ الَّتِي تُزِيل الشَّعْر مِنْ الحاجبين، وَالْمُتَنَمِّصَة الَّتِي تَطْلُب فِعْل ذَلِكَ بِهَا.
قال ابن الأثير: النمص: ترقيق الحواجب وتدقيقها طلباً لتحسينها. والنامصة: التي تصنع ذلك بالمرأة، والمتنمصة: التي تأمر من يفعل ذلك بها. والمنماص: المنقاش.
• ما الحكمة من المنع؟
قال القرطبي ﵀: وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها وأنها من الكبائر، واختلف في المعنى الذي نهى لأجلها، فقيل: لأنها من باب التدليس، وقيل: من باب تغيير خلق الله تعالى كما قال ابن مسعود، وهو أصح، وهو يتضمن المعنى الأول، ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقياً؛ لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى، فأما مالا يكون باقياً كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك. (تفسير القرطبي).
• هل يدخل في ذلك سائر شعر الوجه؟
اختلف العلماء في ذلك بناء على اختلافهم في معنى النمص.
فذهب بعض العلماء إلى أن النمص هو إزالة لشعر من الوجه ولا يختص ذلك بالحاجبين.
قال النووي ﵀: النامصة هي التي تزيل الشعر من الوجه، والمتنمصة: التي تطلب فعل ذلك بها، وهذا الفعل حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالتها بل يستحب عندنا.
واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀، ومنع من نتف الرجل لشعر وجهه
فقد سئل ﵀: ما حكم نتف الشيب من الرأس واللحية؟ فأجاب: أما من اللحية أو شعر الوجه فإنه حرام، لأن هذا من النمص، فإن النمص نتف شعر الوجه، واللحية منه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن النامصة والمتنمصة. (انتهى).
وذهب آخرون إلى أن النمص هو إزالة شعر الحاجبين خاصة، وهذا القول اختارته اللجنة الدائمة.
стр. 1869
• اذكر ما يدخل في دائرة المباح؟
أولاً: ما كان للعلاج وإزالة الداء.
لما روى أبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ (أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ [فضة] فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ).
وروى أبو داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ) والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
وروى أحمد عن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ وَالْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ إِلَّا مِنْ دَاءٍ) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.
قال الشوكاني ﵀: " قوله: (إلا من داء) ظاهره أن التحريم المذكور إنما هو فيما إذا كان لقصد التحسين لا لداء وعلة، فإنه ليس بمحرم. (نيل الأوطار).
ثانياً: ما كان لإزالة عيب طارئ، ويدخل في ذلك إزالة الكلف، وحبة الخال ونحوها؛ لأن هذا رد لما خلق الله وليس تغييراً لخلق الله.
قال ابن الجوزي ﵀: وأما الأدوية التي تزيل الكلف وتحسن الوجه للزوج فلا أرى بها بأساً.
ومن ذلك استعمال الكريمات لتنعيم الجلد، فهو رد للأصل.
ثالثاً: ما كان زينة طارئة لا تبقى ولا تغير أصل الخلقة، كالكحل والحناء وتحمير الوجه والشفة، وقد كان الكحل والحناء شائعين معروفين بين النساء زمن النبوة، وكذلك استعمال الزعفران ونحوه من الألوان التي تخالط طيب النساء، ولهذا لا حرج في استعمال مستحضرات التجميل إذا خلت من الضرر.
وفي حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: (أنه تزوج وجاء النبي ﷺ وعليه أثر صفرة).
وحمل العلماء ذلك على أن الصفرة أصابته من امرأته؛ لما ثبت من نهي الرجل عن التزعفر.
والله أعلم.
• ما حكم نتف ما بين الحاجبين؟
يجوز نتفه؛ لأنه ليس من الحاجبين.
стр. 1870
١٠٢٣ - وَعَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ﵂ قَالَتْ: (حَضَرْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي اَلرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا).
ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (ذَلِكَ اَلْوَأْدُ اَلْخَفِيُّ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
١٠٢٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ اَلرِّجَالُ، وَإِنَّ اَلْيَهُودَ تُحَدِّثُ: أَنَّ اَلْعَزْلَ المَوْؤُدَةُ اَلصُّغْرَى. قَالَ: " كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اَللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاَلطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ
١٠٢٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ اَلْقُرْآنُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: (فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اَللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا).
===
(لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ) سيأتي معناها إن شاء الله.
(فَنَظَرْتُ فِي اَلرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ) وفي الرواية الثانية (يصنعون ذلك) أي: يفعلون المذكور من الغيلة.
(ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ؟) وهو أن ينزع الرجل ذكره من الفرج حتى لا ينزل فيه.
(فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (ذَلِكَ اَلْوَأْدُ اَلْخَفِيُّ) وهو دفن البنت وهي حية، وكانت العرب تفعله في الجاهلية خشية الإملاق، وربما فعلوه حشية العار.
• ما معنى الغيلة؟
قال النووي: قَالَ أَهْل اللُّغَة: (الْغِيلَة) هُنَا بِكَسْرِ الْغَيْن وَيُقَال لَهَا: الْغَيْل بِفَتْحِ الْغَيْن مَعَ حَذْف الْهَاء (وَالْغِيَال) بِكَسْرِ الْغَيْن كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة. وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل اللُّغَة: (الْغَيْلَة) بِفَتْحٍ الْمَرَّة الْوَاحِدَة وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهِيَ الِاسْم مِنْ الْغِيل. وَقِيلَ: إِنْ أُرِيدَ بِهَا وَطْء الْمُرْضِع جَازَ الْغِيلَة وَالْغَيْلَة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْغِيلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث وَهِيَ الْغَيْل، فَقَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَالْأَصْمَعِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة أَنْ يُجَامِع اِمْرَأَته وَهِيَ مُرْضِع يُقَال مِنْهُ: أَغَالَ الرَّجُل وَأَغْيَلَ، إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت: هُوَ أَنْ تُرْضِع الْمَرْأَة وَهِيَ حَامِل يُقَال مِنْهُ: غَالَتْ وَأَغْيَلَت. (نووي).
وقال القرطبي: وللغويين في تفسيرها قولان:
أحدهما: أن الغِيلة هي: أن يجامع الرَّجل امرأته وهي تُرضع، حُكي معناه عن الأصمعي. يقال منه: غال الرَّجل المرأةَ، وأغالها، وأغيلها.
وثانيهما: أنَّها أن تُرضع المرأة وهي حامل. يقال منه: غالت، وأغالت، وأغيلت؛ قاله ابن السِّكِّيت.
стр. 1871
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز وطء المرأة وهي حامل أو مرضع.
ولم يأتِ ما يخالف هذه الإباحة إلا حديث ضعيف رواه أبو داود وابن ماجه عن أسماء بنت يزيد ﵂، فيه (نهي النبي ﷺ عن الغيلة).
والحديث: ضعفه الشيخ الألباني.
وذكر ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن الأحاديث الدالة على الإباحة ثم قال: وهذه الأحاديث أصح من حديث أسماء بنت يزيد، وإن صح حديثها فإنه يحمل على الإرشاد والأفضلية، لا التحريم.
وقال أيضاً في (زاد المعاد) ولا ريب أن وطء المراضع مما تعم به البلوى، ويتعذر على الرجل الصبر عن امرأته مدة الرضاع، ولو كان وطؤهن حراماً لكان معلوماً من الدين، وكان بيانه من أهم الأمور، ولم تهمله الأمة، وخير القرون، ولا يصرح أحد منهم بتحريمه، فعلم أن حديث أسماء على وجه الإرشاد والاحتياط للولد، وأن لا يعرضه لفساد اللبن بالحمل الطارئ عليه " انتهى.
• قال بعض العلماء: ثم على فرض صحة الحديث، فللعلماء أقوال في توجيهه:
أولاً: أن المقصود به الإرشاد والاحتياط، وليس نهي المنع والتحريم.
ثانياً: النهي كان في بداية الأمر، ثم نسخه حديث الجواز
ثالثاً: النهي لم يصدر على وجه الديانة، وإنما على وجه الظن المتعلق بأمور الدنيا التي لا يلزم الأمة امتثاله، كما وقع في حديث النهي عن تأبير النخل.
قال ابن عبد البر ﵀: من نهيه ﵇ ما يكون أدباً ورفقاً وإحساناً إلى أمته، ليس من باب الديانة، ولو نهى عن الغيلة كان ذلك وجه نهيه عنها. (التمهيد).
وقال أيضا ﵀: ولو كان ذلك حقا لنهى عنه رسول الله ﷺ على جهة الإرشاد والأدب. (الاستذكار).
• لماذا همّ النبي ﷺ أن ينهى عنه؟
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب هَمّه ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهُ يَخَاف مِنْهُ ضَرَر الْوَلَد الرَّضِيع. قَالُوا: وَالْأَطِبَّاء يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَن دَاء وَالْعَرَب تَكْرَههُ وَتَتَّقِيه.
وقال القرطبي: وإنما هَمَّ النبي ﷺ بالنهي عن الغيلة لما أكثرت العرب من اتقاء ذلك، والتحدُّث بضرره، حتى قالوا: إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه.
• ما هو العزل؟
قال الحافظ: العزل النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج.
قال القاضي عياض: العزل أن يعزل الرجل الماء عن رحم المرأة إذا جامعها حذر الحمل.
стр. 1872
• ما حكم العزل؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه حرام.
وهذا مذهب ابن حزم.
لحديث جذامة بنت وهب قالت: (سُئل رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: ذلك الوأد الخفي).
القول الثاني: أنه جائز من الزوجة الحرة بإذنها.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث الباب (كنا نعزل والقرآن ينزل).
فهذا يفيد العزل، فإنه لو كان العزل حراماً ولم يطلع عليه النبي ﷺ لنزل القرآن بالنهي عنه.
قال الشيخ ابن عثيمين: … إما أنْ نقولَ: إنَّه عَلِم، وإما أنْ نقولَ: إنَّه لم يعلمْ، وإما أنْ نقولَ: لا ندري. فإن كان قد عَلِمَ فالاستدلالُ بهذه السُّنَّةِ واضحٌ، وإن عَلِمنا أنَّه لم يعلم فإننا نقول: إنَّ الله قد عَلِمَ، وإقرارُ اللهِ للشيء في زَمَنِ نزولِ الوحي دليلٌ على جَوازِه، وأنه ليس بمنكرٍ؛ لأنه لو كان منكراً لأنكرَه اللهُ، وإن كان الرسولُ لم يعلمْ به، ودليل ذلك:
أن الصحابةَ استدلُّوا على جوازِ العَزْلِ بأنهم كانوا يَعزلون والقرآنُ ينزل، وهذا استدلالٌ منهم بإقرارِ الله تعالى. (الشرح الممتع).
ورواية مسلم تفيد أن النبي ﷺ بلغه أنهم يعزلون ولم يصدر منه نهي، وهذا إقرار منه لهم.
وقد جاء الجواز في العزل عن عشرة من الصحابة ﵃.
وهذا القول هو الصحيح، لكن تركه أولى لأمرين:
أولاً: أن فيه إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذتها.
ثانياً: أنه يفوت بعض مقاصد النكاح
стр. 1873
قال النووي: الْعَزْل هُوَ أَنْ يُجَامِع فَإِذَا قَارَبَ الإِنْزَال نَزَعَ وَأَنْزَلَ خَارِج الْفَرْج، وَهُوَ مَكْرُوه عِنْدنَا فِي كُلّ حَال، وَكُلّ اِمْرَأَة، سَوَاء رَضِيَتْ أَمْ لا لأَنَّهُ طَرِيق إِلَى قَطْع النَّسْل، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث تَسْمِيَته (الْوَأْد الْخَفِيّ) لأَنَّهُ قَطْع طَرِيق الْوِلادَة كَمَا يُقْتَل الْمَوْلُود بِالْوَأْدِ. وَأَمَّا التَّحْرِيم فَقَالَ أَصْحَابنَا: لا يَحْرُم ....
ثُمَّ هَذِهِ الأَحَادِيث مَعَ غَيْرهَا يُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي النَّهْي مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَمَا وَرَدَ فِي الإِذْن فِي ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْي الْكَرَاهَة. (شرح مسلم).
قال الكاساني الحنفي ﵀: يكره للزوج أن يعزل عن امرأته الحرة بغير رضاها؛ لأن الوطء عن إنزال سبب لحصول الولد، ولها في الولد حق، وبالعزل يفوت الولد، فكان سببا لفوات حقها.
وقال الخرشي المالكي ﵀: يجوز للرجل أن يعزل عن زوجته … إن كانت حرة ويكفي إذنها.
وقال المرداوي الحنبلي ﵀: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها … هذا هو المذهب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما " العزل " فقد حرمه طائفة من العلماء; لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز بإذن المرأة. والله أعلم.
• كيف الجمع بين حديث جذامة، وفيه: أن النبي ﷺ سمى العزل الوأد الخفي، وبين حديث جابر في تكذيب اليهود في قولهم؟
أجاب العلماء بأجوبة:
أولاً: تفرد سعيد بن أبي أيوب بهذا الحديث
وممن قال بتفرد سعيد بن أبي أيوب الإمام الشوكاني ورد العلامة الألباني هذا القول في "آداب الزفاف" (ص ١٣٣ - ١٣٤) بقوله: واعلم أن قول الشوكاني: إن هذا الحديث تفرد به سعيد بن أبي أيوب؛ وهم فاحش فقد تابعه حيوة بن شريح ويحيى بن أيوب عند الطحاوي، وابن لهيعة عند أحمد، ثلاثتهم عن أبي الأسود، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والحديث صحيح لا ريب فيه. ا. هـ
стр. 1874
ثانياً: أنه حديث منسوخ.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ومنهم من ادعى أنه منسوخ، ورد بعدم معرفة التاريخ. ا. هـ
ثالثاً: موافقة اليهود في أول الأمر ثم نُهي ﷺ عن ذلك:
وممن ذهب إلى هذا الطحاوي ورد ابن رشد ثم ابن العربي عليه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الأمر أولاً من موافقة أهل الكتاب، وكان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم أعلمه الله بالحكم فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه.
وتعقبه ابن رشد ثم ابن العربي بأنه لا يجزم بشيء تبعاً لليهود ثم يصرح بتكذيبهم فيه. ا. هـ
رابعاً: تصحيح حديث جذامة وتضعيف ما عداها من الأحاديث:
وذهب بعض أهل العلم إلى الأخذ بحديث جذامة وتضعيف غيرها، بحكم أن حديث جذامة في الصحيح ولكن رد هذا القول الحافظ ابن حجر في الفتح فقال: ومنهم من رجح حديث جذامة بثبوته في الصحيح، وضعف مقابله بأنه حديث واحد اختلف في إسناده فاضطرب، ورد بأن الاختلاف إنما يقدح حيث لا يقوى بعض الوجوه فمتى قوي بعضها عمل به.
خامساً: رأي ابن حزم في المسألة: نقل الحافظ ابن حجر رأي ابن حزم فقال: ورجح ابن حزم العمل بحديث جذامة بأن أحاديث غيرها توافق أصل الإباحة وحديثها يدل على المنع قال: فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان.
وتعقب بأن حديثها ليس صريحاً في المنع إذ لا يلزم من تسميته وأداً خفياً على طريق التشبيه أن يكون حراما. ا. هـ
سادساً: جمع بعض أهل العلم بين حديث جذامة وغيرها من الأحاديث والتي ظاهرها التعارض ومنهم ابن القيم:
فقال: فاليهود ظنت أن العزل بمنزلة الوأد في إعدام ما انعقد بسبب خلقه، فكذبهم في ذلك، وأخبر أنه لو أراد الله خلقه ما صرفه أحد، وأما تسميته وأداً خفياً، فلأن الرجل إنما يعزل عن امرأته هرباً من الولد وحرصاً على أن لا يكون، فجرى قصده ونيته وحرصه على ذلك مجرى من أعدم الولد بوأده، لكن ذاك وأد ظاهر من العبد فعلاً وقصداً، وهذا وأد خفي له، إنما أراده ونواه عزماً ونية، فكان خفياً.
стр. 1875
وقال ابن حجر: وجمعوا أيضا بين تكذيب اليهود في قولهم الموءودة الصغرى وبين إثبات كونه وأداً خفياً في حديث جذامة بأن قولهم: الموءودة الصغرى يقتضي أنه وأد ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حياً، فلا يعارض قوله إن العزل وأد خفي، فإنه يدل على أنه ليس في حكم الظاهر أصلاً فلا يترتب عليه حكم، وإنما جعله وأداً من جهة اشتراكهما في قطع الولادة.
وقال بعضهم: قوله الوأد الخفي ورد على طريق التشبيه لأنه قطع طريق الولادة قبل مجيئه فأشبه قتل الولد بعد مجيئه. ا. هـ
• ما علة النهي عن العزل؟
فقيل: لتفويت حق المرأة. وقيل: لمعاندة القدر.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الثاني هو الذي تقتضيه معظم الأخبار الواردة في ذلك.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن سكوت الوحي عن التحريم يدل على أنه حلال، إذ لو كان حراماً لبينه.
- أن ما وقع في عهد النبي ﷺ يعتبر حجة.
- أن القرآن نزل على رسوله ليبين الشرائع والأحكام.
- أن القرآن منزل غير مخلوق.
стр. 1876
١٠٢٦ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
===
(بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) يعني لا يغتسل إلا مرة واحدة، مع أنه يجامع عدة نساء.
• اذكر لفظ الحديث عند البخاري؟
عَنْ أَنَّ أَنَس بْن مَالِكٍ (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ).
وفي لفظ: عن أنَس بْن مَالِك قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ).
وقد تفرد معاذ بن هشام عن أبيه في رواية عند البخاري (٢٦٥) أنهن " إحدى عشر " وهو وهم، والصواب أنه كان يطوف على تسع نسوة كما في الرواية السابقة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز الاكتفاء بغسل واحد لمن كان عنده أكثر من امرأة بعد الفراغ من جماعهن جميعاً، وأنه لا يلزم أن يغتسل من جِماعه لكل امرأة واحدة.
فيجوز للرجل إذا جامع امرأته أن يأت الأخرى فيجامعها قبل أن يغتسل.
أ- عن عائشة ﵂ قالت (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا) متفق عليه.
ب-حديث أنس السابق (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ) رواه البخاري.
ج- وحديث الباب (كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ).
وقد حكى الإجماع على جواز ذلك غير واحد من العلماء.
قال ابن بطال ﵀: لم تختلف العلماء في جواز وطء جماعة نساء في غسل واحد على ما جاء في حديث عائشة، وأنس.
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث من الفوائد … ما أعطي النبي ﷺ من القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنية وصحة الذكورية.
وقال الصنعاني: وفي الحديث دلالة على أنه ﷺ كان أكمل الرجال في الرجولية؛ حيث كان له هذه القوة.
стр. 1877
• ماذا يستحب لمن أراد أن يعود للجماع؟
يستحب أن يتوضأ.
لحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا) رَوَاهُ مُسْلِم، زَادَ اَلْحَاكِمُ: - فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ.
• هل يستحب أن يغتسل بين الجماعين؟
ذهب بعض العلماء إلى استحباب ذلك:
لحديث أنس (أن النبي ﷺ طاف على نسائه وكان يغتسل عند كل واحدة منهنّ، وقال: هو أزكى وأطيب وأطهر). رواه أبو داود
لكن هذا الحديث ضعيف سنداً ومتناً.
أما السند ففيه عبد الرحمن بن أبي رافع، قال ابن معين (صالح) وهذا يفيد اعتبار حديثه وسبره، وها هو ذا قد تفرد بما يُنكر عليه، فليس هو بحجة، وكذلك فعمته سلمى مجهولة، قال ابن القطان: لا تعرف.
وأما نكارة المتن: فهو مخالف لحديث الباب (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد).
ولذا قال أبو داود - عقب إخراج حديث أبي رافع - حديث أنس أصح من هذا.
ويعارضه أيضاً حديث أم المؤمنين عائشة قالت (كنت أطيّب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرماً ينضح طيباً) متفق عليه.
وبوّب له النسائي: الطواف على النساء في غسل واحد.
• هل القسْم كان واجباً على النبي ﷺ -؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن القسم كان واجباً عليه ﷺ .
أ-لعموم الأدلة القاضية على وجوب القسم بين النساء، كقوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا).
ب- وبقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم.
ج- واستدلوا باستئذان رسول الله ﷺ أهله في أن يمرض في بيت عائشة ﵂
عن عَائِشَة قَالَتْ (أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا وَأَذِنَّ لَهُ … ) متفق عليه.
قالوا: لو كان القسم واجباً عليه لما احتاج إلى استئذانهن في ذلك.
стр. 1878
القول الثاني: لم يكن واجباً.
واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى (تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً).
قال أبو بكر الجصاص ﵀: وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجباً على النبي ﷺ ، وأنه كان مخيراً في القسم لمن شاء منهن، وترك من شاء منهن ....
وحمل أصحاب هذا القول حديث ﷺ (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) على مكارم الأخلاق وجميل العشرة منه ﷺ .
والله أعلم.
فائدة: قوله (طاف على نسائه في ليلة واحدة بغسل واحد).
ليس في هذا الحديث دليل لمن كان تحته أكثر من واحدة، أن يدخل عليهن ويجامعهن في ليلة التي هو يومها، إلا أن يكون ذلك عن رضا منهن.
قال النووي ﵀: قد يقال: قد قال الفقهاء: أقل القسم ليلة لكل امرأة، فكيف طاف على الجميع في ليلة واحدة؟
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن هذا كان برضاهن، ولا خلاف في جوازه برضاهن كيف كان.
والثاني: أن القسم في حق النبي ﷺ هل كان واجباً في الدوام؟
فيه خلاف لأصحابنا، قال أبو سعيد الإصطخري: لم يكن واجباً، وإنما كان يقسم بالسوية، ويقرع بينهن تكرماً وتبرعاً لا وجوباً، وقال الأكثرون: كان واجباً، فعلى قول الإصطخري لا إشكال. (شرح مسلم).
والجواب الثالث: ما ذكره ابن عبد البر ﵀ حيث قال:
وهذا معناه في حين قدومه من سفر أو نحوه، في وقت ليس لواحدة منهن يوم معين معلوم، فجمعن حينئذ، ثم دار بالقسم عليهن بعد - والله أعلم - لأنهن كن حرائر وسنته ﵇ فيهن العدل في القسم بينهن، وألا يمس الواحدة في يوم الأخرى.
(الاستذكار).
стр. 1879
بَابُ اَلصَّدَاق
الصداق: هو ما تعطاه المرأة من المال، أو ما يقوم مقامه عوضاً عن عقد النكاح عليها.
• الحكمة من الصداق:
أن الصداق إظهار لشرف هذا العقد وأهميته.
أن فيه إعزاز للمرأة وتشريف لها.
أن فيه الدليل على الرغبة في الزوجة.
تمكين المرأة من تجهيز نفسها بما أحبت من لباس ونفقة وزينة.
• وللصداق عدة أسماء: فيسمى نِحلة كما قال تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
ويسمى فريضة كما قال تعالى (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً).
ويسمى أجراً كما قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً).
ويسمى طوْلاً كما قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ).
• وهو واجب، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه.
أ- لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
ب- ولأن الله تعالى قيّد الحل بقوله (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ).
ج- ولأن النبي ﷺ لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن.
د- ولأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهاً بالهبة، والزواج بالهبة من خصائص النبي ﷺ .
стр. 1880
١٠٢٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(صَفِيَّةَ) زوجة من زوجات النبي ﷺ ، تزوجها ﷺ عام خيبر (٧) هـ.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه يجوز للإنسان أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها، وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: أنه يجوز.
قال ابن القيم: وهذا ظاهر مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث.
أ- لحديث الباب.
ب- ما روي عن صفية أنها قالت: أعتقني رسول الله ﷺ وجعل عتقي صداقي.
ج-ما روي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: إذا أعتق الرجل أم ولده فجعل عتقها صداقها فلا بأس بذلك.
د-من المعقول: ومتى ثبت العتق صداقاً ثبت النكاح لأن الصداق لا يتقدم النكاح ولو تأخر عن النكاح لم يجز فدل على أنه العقد بهذا اللفظ.
القول الثاني: لا يجوز.
قال ابن القيم: وهو قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم.
أ- أنه لم يوجد إيجاب وقبول فلم يصح لعدم وجود أركانه كما لو قال: أعتقتك وسكت.
ب- لأن العتق يزيل ملكه عن الاستمتاع بحق الملك فلا يجوز أن يستبيح الوطء بنفس المسمى فإنه لو قال: بعتك هذه الأمة على أن تزوجنيها بالثمن لم يصح.
ج-ولأنه نكاح بغير صداق، يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل.
د- لأن الصداق إنما يكون صداقاً إذا قارن العقد أو صادف عقداً آخر فأما إذا تقدم عليه فلا يصح والعتق هاهنا متقدم على العقد فلم يكن صداقاً.
وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة:
قالوا: أن هذا خاص بالنبي ﷺ .
ويجاب عنه: بأن دعوى الاختصاص تفتقر إلى دليل.
وذكروا عدة أجوبة عن حديث الباب، كلها ضعيفة.
والراجح القول الأول.
стр. 1881
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- حكمة النبي ﷺ .
- أنه ينبغي للإنسان مراعاة قلوب الناس.
- أنه لا يشترط لعقد النكاح صيغة معينة.
- فضيلة صفية.
فائدة: صفية زوجة من زوجات النبي ﷺ ، تزوجها ﷺ عام خيبر (٧) هـ.
زوجات النبي ﷺ :
خديجة، تزوجها قبل النبوة.
ثم تزوج سودة، تزوجها بعد موت خديجة.
عائشة، بنى بها في شوال في السنة الأولى.
حفصة بنت عمر، تزوجها بعد موت زوجها في غزوة أحد.
زينب بنت خزيمة، تزوجها بعد استشهاد زوجها عبد الله بن جحش في أحد.
أم سلمة هند بنت أبي أمية، تزوجها بعد وفاة زوجها في غزوة أحد.
زينب بنت جحش، تزوجها بعد مولاه زيد بن حارثة عام ٥ هـ.
جويرية بنت الحارث، تزوجها عام ٦ هـ.
أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، تزوجها بعد زوج أسلم ثم تنصر، وهو عبيد الله بن جحش.
صفية بنت حيي، تزوجها بعد فتح خيبر.
ميمونة بنت الحارث، تزوجها عام ٧ هـ.
стр. 1882
١٠٢٨ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ; أَنَّهُ قَالَ: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ اَلنَّبِيِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا اَلنَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ. فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(أوقِيَّة) الأوقية ٤٠ درهماً.
(وَنَشًّا) النَشّ نصف أوقية.
(فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) يعني ذلك الصداق ٥٠٠ درهم (١١٥٠) جرام (١٧٢٥) ريالاً.
(فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه) أي: هذا غالب أزواجه كما سيأتي.
• اذكر بعض الأدلة على استحباب تخفيف المهر؟
أ- لحديث الباب.
ب-عن عقبة. قال: قال رسول الله ﷺ (خير الصداق أيسره) رواه أبو داود.
ج- وقال النبي ﷺ لرجل أراد الزواج (التمس ولو خاتماً من حديد) متفق عليه.
وقد ضرب النبي ﷺ لأمته المثل الأعلى في ذلك، حتى ترسخ في المجتمع النظرة الصادقة لحقائق الأمور، وتشيع بين الناس روح السهولة واليسر.
روى أبو داود والنسائي - وسيأتي الحديث - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: تَزَوَّجْتُ فَاطِمَةَ ﵂، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنِ بِي - وهو الدخول بالزوجة - قَالَ: أَعْطِهَا شَيْئًا. قُلْتُ: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟ قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي. قَالَ: فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ).
فهذا كان مهر فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة.
• اذكر بعض مصالح تخفيف الصداق؟
أولاً: العمل بالسنة وامتثال ما أرشدت إليه.
ثانياً: تيسير سبل الزواج.
ثالثاً: أن تخفيفه من أسباب المحبة ودوام المودة.
رابعاً: أن تخفيف الصداق يسهل على الزوج مفارقة زوجته إذا ساءت العشرة، ولم يحصل توافق بينهما.
• هل كان كل صداق زوجات النبي ﷺ كما ورد في الحديث؟
الجواب: لا.
قال القرطبي: هذا القول من عائشة إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبي ﷺ ، لأن صفية من جملة أزواجه، وأصدقها نفسها، وزينب بنت جحش لم يُذكر لها صداق، وأم حبيبة بنت أبي سفيان أصدقها النجاشي أربعة آلاف درهم، فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة، هذا باعتبار الأكثر.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز مخاطبة الرجل للمرأة إذا كان لمصلحة.
- من طرق العلم السؤال.
- فضل عائشة وسعة علمها.
стр. 1883
١٠٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵉. قَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَعْطِهَا شَيْئًا "، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: " فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
(لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ) تزوجها علي في السنة (٢) هـ بعد غزوة بدر، توفيت بعد أبيها بسبعة أشهر.
(دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟) الحُطمية بضم الحاء نسبة إلى قبيلة حُطَمَة بن محارب.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لابد في النكاح من مهر، وأنه واجب، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه.
أ- لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
ب- ولأن الله تعالى قيّد الحل بقوله (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ).
قال القرطبي ﵀: (بِأَمْوَالِكُم) أباح اللّه تعالى الفروج بالأموال ولم يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألّا تقع الإباحة به؛ لأنّها على غير الشّرط المأذون فيه. (تفسير القرطبي).
وقال ابن العربي ﵀ في (أحكام القرآن) " لمّا أمر الله تعالى بالنكاح بالأموال لم يجز أن يبذل فيه ما ليس بمال " انتهى.
وقال ابن عبد البر ﵀: وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز وطء في نكاح بغير صداق مسمّى دينا، أو نقداً.
ج- ولأن النبي ﷺ لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن.
قال ابن حجر ﵀: فيه أن النكاح لا بد فيه من الصداق لقوله " هل عندك من شيء تصدقها؟ "، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يطأ فرجاً بغير ذكر صداق.
وفيه: أن الأولى أن يذكر الصداق، فلو عقد بغير ذكر صداق صح (العقد) ووجب لها مهر المِثل (أي: مثلها من النساء) بالدخول .... (الفتح).
د- ولأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهاً بالهبة، والزواج بالهبة من خصائص النبي ﷺ .
стр. 1884
• ما الحكم إذا شرط أن لا مهر لها؟
اتفق الفقهاء على صحة العقد إذا خلا من ذكر المهر ولكن دون شرط نفيه استناداً لقوله تعالى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) ولغيره من الأدلة، ويفرض للمرأة حينئذ مهر المثل.
كما اتفق الفقهاء على أن شرط عدم المهر شرط فاسد.
واختلف العلماء في صحة النكاح المشتمل على شرط عدم المهر بعد اتفاقهم على فساد هذا الشرط على قولين:
القول الأول: يصح النكاح دون الشرط.
وبهذا قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لأن هذا الشرط يعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطل كما لو شرط في العقد صداقاً محرماً
القول الثاني: لا يصح النكاح.
وهذا اختيار ابن تيمية.
أ- لقوله تعالى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم).
فشرط الله للحل أن تبتغوا بأموالكم، وما كان مشروطاً في الحل، فإن الحل لا يتم إلا به.
ب- ولأنه إذا تزوجها بلا مهر، صار ذلك بمعنى الهبة، ومعلوم أن الهبة خاصة بالرسول ﷺ .
• ماذا نستفيد من قوله (فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ)؟
نستفيد: أن المهر يصح بكل متمول.
قال في الزاد (وَكُلُّ مَا صَحَّ ثَمَناً أَوْ أُجْرَةً صَحَّ مَهْراً وَإِنْ قَلَّ، .....
قوله (وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً) يعني كل ما صح عقد البيع عليه، أو عقد الإجارة عليه، صح مهراً، هذا هو الضابط فيما يصح مهراً.
وعلى هذا فيصح بالنقود، أي: الذهب والفضة؛ لأنها تصح ثمناً، ويصح بالأعيان كما لو أصدقها ثياباً، أو أصدقها سيارة، أو أصدقها أرضاً، أو أصدقها بيتاً.
ويصح بالمنافع كما لو أصدقها سكنى بيتٍ، لا يلزمه أن يُسْكِنَها فيه، لمدة سنة أو سنتين، وكما لو أصدقها خدمةَ عبده لمدة سنة.
وعلم من قوله: «كل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً»، أن ما لا يصح أن يكون ثمناً أو أجرة لا يصح أن يكون مهراً، وعلى هذا فلو أصدقها خنزيراً أو خمراً أو نحو ذلك مما يحرم لم يصح، ولو أصدقها سماع أغانٍ، بأن قال لها: أنا آتي بمطرب يغني لك، فهذه منفعه، لكن لا تصح مهراً؛ لأنه لا يصح عقد الأجرة عليها.
• ما رأيك بقول باستحباب أن تكون الزوجة أجنبية؟
تقدم الكلام على هذه المسألة في أول الباب، وحديث الباب رد لمن قال بذلك.
• هل يسن تسمية المهر في العقد؟
نعم، يسن تسميته في العقد.
لأن ذلك أقطع للنزاع.
ولقوله ﷺ للذي زوجه الموهوبة (التمس ولو خاتماً من حديد).
стр. 1885
١٠٣٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا اِمْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَوْ حِبَاءٍ، أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ اَلنِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ اَلنِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ اَلرَّجُلُ عَلَيْهِ اِبْنَتُهُ، أَوْ أُخْتُهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ.
===
(أَيُّمَا اِمْرَأَةٍ نَكَحت) أي: تزوجت.
(عَلَى صَدَاقٍ) أي: مهر.
(أَوْ حِبَاءٍ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة مع المد أصله العطية وهو المسمى عند العرب بالحلوان قاله العلامة العزيزي. وقال في السبل: الحباء العطية للغير أو للزوج زائدا على مهرها. (ما يسمى بالهدايا).
(أَوْ عِدَة) بكسر العين وفتح الدال المهملتين.
(قَبْلَ عِصْمَةِ اَلنِّكَاحِ) أي: قبل عقد النكاح.
(فَهُوَ لَهَا) أَيْ: مُخْتَصّ بِهَا دُون أَبِيهَا لِأَنَّهُ وُهِبَ لَهَا قَبْل الْعَقْد الَّذِي شُرِطَ فِيهِ لِأَبِيهَا مَا شُرِطَ وَلَيْسَ لِأَبِيهَا حَقّ فِيهِ إِلَّا بِرِضَاهَا.
(وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ اَلنِّكَاحِ) أَيْ: وَمَا شُرِطَ مِنْ نَحْو هِبَة بَعْد عَقْد النِّكَاح فَهُوَ حَقّ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَلَا فَرْق بَيْن الْأَب وَغَيْره.
(وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ اَلرَّجُلُ عَلَيْهِ اِبْنَتُهُ، أَوْ أُخْتُهُ) (وَأَحَقّ مَا أُكْرِمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (عَلَيْهِ الرَّجُل) أَيْ لِأَجْلِهِ فَعَلَى لِلتَّعْلِيلِ. قَالَ الْعَلْقَمِيّ قَالَ اِبْن رَسْلَان: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَحَقّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ اِسْتِئْنَاف يَقْتَضِي الْحَضّ عَلَى إِكْرَام الْوَلِيّ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ (اِبْنَته) بِالرَّفْعِ خَبَر مُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ أَحَقّ وَيَجُوز نَصْبه عَلَى حَذْف كَانَ وَالتَّقْدِير أَحَقّ مَا أُكْرِمَ لِأَجْلِهِ الرِّجَال إِذَا كَانَتْ اِبْنَته (أَوْ أُخْته) ظَاهِر الْعَطْف أَنَّ الْحُكْم لَا يَخْتَصّ بِالْأَبِ بَلْ كُلّ وَلِيّ كَذَلِكَ. (عون المعبود).
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث حسنه بعض العلماء.
وضعفه بعضهم، فقد نقل الترمذي في العلل عن البخاري أنه قال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أَنَّ الْمَرْأَة تَسْتَحِقّ جَمِيع مَا يُذْكَر قَبْل الْعَقْد مِنْ صَدَاق أَوْ حِبَاء أَوْ عِدَّة وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْء مَذْكُورًا لِغَيْرِهَا، وَمَا يُذْكَر بَعْد عَقْد النِّكَاح فَهُوَ لِمَنْ جُعِلَ لَهُ سَوَاء كَانَ وَلِيًّا أَوْ غَيْر وَلِيّ أَوْ الْمَرْأَة نَفْسهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْد وَمَالِك .... (عون المعبود).
стр. 1886
• ماذا نستفيد من قوله (وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ اَلنِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ)؟
نستفيد: جواز شرط الكرامة للأب أو الابن بعد عقد النكاح، وأن الزوج إذا التزم بذلك ورضي لزمه، ولكن لا يعتبر من المهر، بل يعتبر كرامة للأب أو العم أو ما أشبه ذلك.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة بمهر قدره عشرة آلاف ريال، فالعشرة للزوجة، وهذا واضح، لكن بعد العقد أكرِم أباها بخمسة آلاف، وأمها بألفين، ثم قدّر أن طلقها قبل الدخول، فلها نصف المهر، ويرجع عليه نصف المهر، لكن لا يرجع ما أعطى أباها وأمها وأخاها، لأن هذا ليس من المهر. (ابن عثيمين).
قال الشوكاني: فيه دليل على مشروعية صلة أقارب الزوجة وإكرامهم والإحسان إليهم وأن ذلك حلال لهم وليس من قبيل الرسوم المحرمة إلا أن يمتنعوا من التزويج إلا به.
• ما حكم الهدايا التي يقدمها الخطيب لمخطوبته؟ إذا تم فسخ الخطبة؟
الأصل تحريم الرجوع في الهدية والهبة، لما ورد في ذم ذلك والنهي عنه.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ).
فما يقدمه الخاطب لمخطوبته قبل العقد، قد يكون جزءاً من المهر، وقد يكون هدية من الهدايا، ويعرف ذلك بالتصريح، أو بالعرف، فالشبكة في بعض البلدان تكون جزءاً من المهر، ولهذا قد يقدم الخاطب قبلها خاتما أو شيئاً يسيراً من الذهب هدية للمخطوبة.
وبناء على هذا التفصيل ينبني الحكم:
فإن كانت الشبكة جزءاً من المهر، وعُلم ذلك، بالتصريح، أو بجريان العرف في بلدك، فإن الشبكة تعود للخاطب عند فسخ الخطبة، سواء تم الفسخ من جهتها أو جهتك؛ لأن المهر لا يُستحق شيء منه إلا بالعقد، وإذا دُفع إلى المخطوبة كان أمانة في يدها حتى يتم العقد.
وإن كانت الشبكة هدية من الهدايا، ففي حكمها خلاف:
فقيل: الخاطب يسترد ما كان باقياً دون ما هلك أو استهلك.
وهذا مذهب الحنفية.
وقيل: إن كان الفسخ من جهته فليس له الرجوع، وإن كان الفسخ من جهتها فله الرجوع.
وهذا قول للمالكية.
لأنه في نظير شيء لم يتم.
وقيل: له الرجوع.
وهذا مذهب الشافعي.
والراجح: أن الفسخ إن جاء من الخاطب، فليس له الرجوع والمطالبة بهداياه، وإن كان الفسخ من المخطوبة، فله المطالبة بذلك، لأن هديته ليست هبة محضة، وإنما هي هبة يراد منها العوض، وهو التزويج، فإذا لم يزوجوه جاز له الرجوع في الهبة. وإلى هذا ذهب المالكية في قول، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعزاه إلى أحمد ﵀. (الإسلام سؤال وجواب).
стр. 1887
١٠٣١ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا اَلْعِدَّةُ، وَلَهَا اَلْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - اِمْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا اِبْنُ مَسْعُودٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَالْجَمَاعَةُ.
===
(وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا) أي: لم يعين ولم يسم لها مهراً.
(وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا) أي: لم يجامعها، ولم يخل بها.
(لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا) أي: نساء أقاربها كأختها وعمتها.
(لَا وَكْسَ) بفتح فسكون، أي: لا نقص.
(وَلَا شَطَطَ) أي: ولا زيادة.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث صحيح. قال ابن عبد الهادي: صححه غير واحد من الأئمة.
• ما حكم من تزوج امرأة ومات عنها ولم يدخل بها، هل تستحق صداقاً؟
هذه المسألة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إن كان سمى لها الصداق في العقد، فإنها تستحقه كاملاً.
القسم الثاني: وإن كان لم يسم لها صداقاً؟ فموضع خلاف بين العلماء، والصحيح أن لها الصداق كاملاً.
لحديث الباب.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد.
قال في عون المعبود:
وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة تَسْتَحِقّ بِمَوْتِ زَوْجهَا بَعْد الْعَقْد قَبْل فَرْض الصَّدَاق جَمِيع الْمَهْر وَإِنْ لَمْ يَقَع مِنْهُ دُخُول وَلَا خَلْوَة.
وَبِهِ قَالَ اِبْن مَسْعُود، وَابْن سِيرِينَ، وَابْن أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه، وَإِسْحَاق، وَأَحْمَد.
وَعَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْث وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقّ إِلَّا الْمِيرَاث فَقَطْ وَلَا تَسْتَحِقّ مَهْرًا وَلَا مُتْعَة.
لِأَنَّ الْمُتْعَة لَمْ تَرِد إِلَّا لِلْمُطَلَّقَةِ.
وَالْمَهْر عِوَض عَنْ الْوَطْء، وَلَمْ يَقَع مِنْ الزَّوْج.
وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث الْبَاب بِالِاضْطِرَابِ فَرُوِيَ مَرَّة عَنْ مَعْقِل بْن سِنَان وَمَرَّة عَنْ رَجُل مِنْ أَشْجَع أَوْ نَاس مِنْ أَشْجَع وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ.
стр. 1888
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاضْطِرَاب غَيْر قَادِح لِأَنَّهُ مُتَرَدِّد بَيْن صَحَابِيّ وَصَحَابِيّ وَهَذَا لَا يُطْعَن بِهِ فِي الرِّوَايَة.
وَأَيْضًا الْكِتَاب وَالسُّنَّة إِنَّمَا نَفَيَا مَهْر الْمُطَلَّقَة قَبْل الْمَسّ وَالْفَرْض لَا مَهْر مَنْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجهَا، وَأَحْكَام الْمَوْت غَيْر أَحْكَام الطَّلَاق.
• متى يتأكد الصداق كاملاً؟
أولاً: إذا مات عنها زوجها سواء دخل بها أم لا.
لحديث الباب (لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا اَلْعِدَّةُ، وَلَهَا اَلْمِيرَاثُ).
فهذا الحديث دليل على أن المرأة تستحق كامل المهر بموت زوجها، فإن كان المهر مسمى فتستحقه كاملاً، وإن لم يسمى فإنه يفرض لها مثل صداق نسائها.
ثانياً: ويتقرر المهر كاملاً للزوجة بالدخول بالزوجة.
لقوله ﷺ ( … ولها المهر بما استحللت من فرجها).
• واختلف العلماء لو خلا بها ولم يمسها ثم طلقها، هل يتقرر لها المهر كاملاً أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن لها المهر كاملاً.
وهذا مذهب جمهور العلماء، ونقل ابن حزم ذلك عن الخلفاء الراشدين، وعن عدد من الصحابة، وذكر ابن قدامة - في المغني - إجماع الصحابة على ذلك.
والدليل على ذلك: ما ورد عن زرارة بن أوفى قال (قضى الخلفاء الراشدون المهديون: أن من أغلق باباً، أو أرخى ستراً فقد وجب المهر، ووجبت العدة) أخرجه البيهقي.
وعن عمر قال (إذا أُجيف الباب، وأرخيت الستور، فقد وجب المهر) أخرجه الدارقطني.
وعن علي قال (من أصفق باباً، وأرخى ستراً فقد وجب الصداق والعدة) أخرجه البيهقي.
كما استدلوا بقوله تعالى (وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) ووجه الاستدلال: أن الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها.
ولأن المرأة سلمت المبدل، حيث رفعت الموانع، وذلك وسعها فيتأكد حقها في البدل.
ولأن وجوب إتمام المهر لا يتوقف على الاستيفاء، بل على التسليم.
القول الثاني: أنه لا يستقر المهر بالخلوة فحسب، بل لابد من الوطء.
وهذا قول مالك والشافعي في الجديد وداود وشريح.
قالوا: لأن الله قال (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ … ) والمطلقة التي خلا بها من غير وطء مطلقة قبل المسيس، لأن المسيس هو الجماع.
فائدة: والخلوة الصحيحة وجود المرأة مع الرجل في مكان لا يمكن أن يطلع عليهما فيه أحد، كغرفة أغلقت أبوابها ونوافذها.
стр. 1889
• متى يتنصف المهر؟
يتنصف بكل فرقة قبل الدخول من جهة الزوج كطلاقه.
لقوله تعالى (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ
النِّكَاحِ).
فدلت الآية على أن للزوجة المطلقة نصف الصداق المعين إذا طلقت قبل الجماع، ومعلوم أن الطلاق فرقة من جهة الزوج.
مثال: عقد على امرأة وأمهرها عشرة آلاف، وقبل الدخول طلقها، فلها خمسة آلاف ريال.
• قوله (من جهة الزوج) فلو كانت الفرقة من قِبل الزوجة فلا مهر لها كما سيأتي.
• متى يسقط المهر؟
أولاً: يسقط إذا كانت الفرقة من قِبل الزوجة.
مثال: كرجل عقد على امرأة وأمهرها عشرة آلاف ريال، وبعد فترة طلبت الطلاق، فطلقها، فلا مهر لها، لأن الفرقة جاءت من جهتها.
ثانياً: ويسقط المهر إذا فسخ الزوج النكاح بسبب عيب فيها.
مثال: إنسان عقد على امرأة وقبل الدخول تبين أن فيها عيباً، ففسخ العقد، فليس لها مهر، لأن الفرقة جاءت من قِبلها.
فائدة: ضوابط في سقوط المهر أو تنصفه أو استقراره:
الضابط الأول: يسقط المهر في كل فرقة من قِبل الزوجة قبل الدخول.
الضابط الثاني: يتنصف المهر في كل فرقة من قبل الزوج قبل الدخول.
الضابط الثالث: يستقر المهر كاملاً بواحد من أمرين: الموت، وفي الفرقة بعد الدخول سواء كان منها أو منه.
• هل يجب على من مات عنها زوجها قبل الدخول أن تعتد؟
نعم، يجب عليها أن تعتد عدة الوفاة إجماعاً.
فالمرأة المتوفى عنها زوجها غير حامل فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام (سواء كان مدخولاً بها أم غير مدخول بها).
لقوله تعالى (والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا).
وقال ﷺ (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، أربعة أشهر وعشراً) متفق عليه.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن عدة المرأة المسلمة غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، مدخولاً بها أو غير مدخول بها.
والدليل على أن غير المدخول بها يشملها هذا الحكم:
حديث الباب (عليها العدة ولها الميراث).
стр. 1890
• هل ترث من مات عنها زوجها قبل الدخول؟
نعم ترث.
فالزوجة ترث من زوجها سواء توفي قبل الدخول أو بعده، وقد قررت الشريعة الإسلامية أن من أسباب الإرث الزوجية فقد قال الله : (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ … ).
ولا شك أن كلمة أزواجكم تشمل ما كان بعد الدخول وقبل الدخول والزوجة تكون زوجة بمجرد العقد الصحيح فإذا كان العقد صحيحاً صارت زوجة ولها حق الإرث والآية واضحة الدلالة على مشروعية الإرث بالنكاح سواء حصل فيه دخول أو لم يحصل وقد قضى النبي ﷺ لبروع بنت واشق بالميراث وكان زوجها قد مات عنها قبل أن يدخل بها كما في حديث الباب.
• ما الحكم إذا أصدقها مغصوباً أو خنزيراً ونحوه؟
لها مهر المثل.
لقاعدة (إذا فسد المسمى وجب مهر المثل).
وهنا المسمى فاسداً لكونه محرماً فيجب مهر المثل.
ويدل لهذه القاعدة حديث الباب ( .... ولها مهر نسائها).
﵁ الشاهد هنا أن المهر هنا لم يسمى فجعل النبي ﷺ لها مهر المثل، فكذلك إذا كان المهر فاسداً فهو بمنزلة المهر الذي لم يسمتى.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- جواز الفرح بإصابة الحق.
- فضيلة ابن مسعود.
- جواز الزواج بدون تسمية المهر.
стр. 1891
١٠٣٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ اِمْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا، فَقَدْ اِسْتَحَلَّ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِه.
١٠٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ اِمْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ.
١٠٣٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ (زَوَّجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً اِمْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ) أَخْرَجَهُ اَلْحَاكِمُ.
وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ اَلطَّوِيلِ اَلْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ اَلنِّكَاحِ ..
وَعَنْ عَلَيٍّ ﵁ قَالَ (لَا يَكُونُ اَلْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ.
===
• ما صحة أحاديث الباب؟
حديث عَنْ جَابِرِ (مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ اِمْرَأَةٍ سَوِيقًا) ضعيف، في سنده موسى بن مسلم وهو ضعيف.
وحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ اِمْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ) لا يصح، في إسناده عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف.
وحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ (زَوَّجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً اِمْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ) منكر، فيه عبد الله بن مصعب الزبيري وهو ضعيف.
وحديث عَلَيٍّ ﵁ قَالَ (لَا يَكُونُ اَلْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) لا يصح.
• ماذا نستفيد من هذه الأحاديث؟
نستفيد: جواز كون الصداق طعاماً أو متاعاً، وأنه لا يلزم أن يكون نقداً من ذهب أو فضة.
قال في الزاد (وَكُلُّ مَا صَحَّ ثَمَناً أَوْ أُجْرَةً صَحَّ مَهْراً وَإِنْ قَلَّ، .....
قوله (وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً) يعني كل ما صح عقد البيع عليه، أو عقد الإجارة عليه، صح مهراً، هذا هو الضابط فيما يصح مهراً.
وعلى هذا فيصح بالنقود، أي: الذهب والفضة؛ لأنها تصح ثمناً، ويصح بالأعيان كما لو أصدقها ثياباً، أو أصدقها سيارة، أو أصدقها أرضاً، أو أصدقها بيتاً.
ويصح بالمنافع كما لو أصدقها سكنى بيتٍ، لا يلزمه أن يُسْكِنَها فيه، لمدة سنة أو سنتين، وكما لو أصدقها خدمةَ عبده لمدة سنة.
وعلم من قوله: «كل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً»، أن ما لا يصح أن يكون ثمناً أو أجرة لا يصح أن يكون مهراً، وعلى هذا فلو أصدقها خنزيراً أو خمراً أو نحو ذلك مما يحرم لم يصح، ولو أصدقها سماع أغانٍ، بأن قال لها: أنا آتي بمطرب يغني لك، فهذه منفعه، لكن لا تصح مهراً؛ لأنه لا يصح عقد الأجرة عليها. (الشرح الممتع).
стр. 1892
• ما الحكم إذا أصدقها نفعاً مباحاً معلوماً كرعاية غنمها شهراً؟
منفعة الخدمة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الخدمة المباشرة، كأن يقوم بغسل ثيابها وغسل ماعونها ونحو ذلك، فما الحكم؟
لا يجوز لا يصح؛ لأن الزوج سيد فلا تكون سيدة هي.
القسم الثاني: ما عدا ذلك من المنافع كأن يشتغل في تجارتها أن يبني بيتها أن يرعى غنمها ونحو ذلك، نقول: هذا جائز ولا بأس به.
• ما أقل الصداق؟
اختلف العلماء في أقل الصداق، مع اتفاقهم على أنه لا حد لأكثره، كما نقل الإجماع القرطبي:
القول الأول: أقله عشرة دراهم.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
أ- لحديث الباب (ولا مهر أقل من عشرة دراهم). رواه الدار قطني وهو حديث ضعيف.
ب- ولأنه يستباح به عضو، فكان مقدراً كالذي يقطع به السارق.
القول الثاني: أقله ربع دينار.
وهذا مذهب مالك.
قياساً على نصاب القطع في السرقة، وهذا قياس في مقابل النص.
القول الثالث: يصح الصداق بكل ما يسمى شيئاً ولو حبة شعير.
وهذا مذهب ابن حزم.
لقوله ﷺ للرجل: (التمس شيئاً).
стр. 1893
القول الرابع: كل ما صح العقد عليه بيعاً، أو إجارة، فإنه يصح أن يكون صداقاً، سواء كان عيناً أو منفعة.
فالعين مثل: أن يعطيها دراهم أو يعطيها متاعاً.
والمنفعة مثل: استخدامها إياه، أو تستوفي منه بغير الخدمة أن يبني لها بيتاً.
أ- لقوله تعالى (أن تبتغوا بأموالكم … ) وهذا يدخل فيه القليل والكثير.
ب- لحديث الباب (مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ اِمْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا، فَقَدْ اِسْتَحَلَّ).
فقالوا: إن الحديث يدل على صحة كون الصداق شيئاً قليلاً كالمد من الطعام وأنه يجزي مطلق السويق والتمر وإن قل وتحل به المرأة فلا يشترط أن يكون الصداق من الدراهم أو الدنانير.
قال ابن قدامة: ولنا، قول النبي ﷺ للذي زوجه (هل عندك من شيء تصدقها؟ قال: لا أجد، قال: التمس، ولو خاتماً من حديد) متفق عليه.
وعن عامر بن ربيعة، أن امرأة من بني فزارة، تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : (أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم. فأجازه) أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنه بدل منفعتها، فجاز ما تراضيا عليه من المال، كالعشرة وكالأجرة. (المغني).
وقال ابن قدامة عن دليل الحنفية بالقياس:
قياسهم لا يصح فإن النكاح استباحة الانتفاع بالجملة، والقطع إتلاف عضو دون استباحة، وهو عقوبة وحد، وهذا عوض فقياسه على الأعواض أولى.
وقال ابن القيم: إن الأثر الذي استدل به - يعني الحنفية - لا يثبت، وقياسهم من أفسد القياس، فأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به من قطع اليد في السرقة.
وقال ابن القيم: حديث العشرة دراهم لا يصح لأنه من وضع حرام بن عثمان وقد صح عن جابر جواز النكاح على القليل والكثير.
قال ابن قدامة: وأما أكثر الصداق، فلا توقيت فيه، بإجماع أهل العلم، قاله ابن عبد البر.
وقد قال الله (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئاً).
стр. 1894
١٠٣٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَيْرُ اَلصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: استحباب تخفيف الصداق، وقد تقدم ذلك.
قال ابن تيمية: فِي " الصَّدَاقِ " مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ: أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا بَنَاتِهِ وَكَانَ مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ. بِالدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ نَحْوًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا. فَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَنَّ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّدَاقِ ﴿قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ: صَدَاقُنَا إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرُ أَوَاقٍ وَطَبَّقَ بِيَدَيْهِ. وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ﴾ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ. ﴿وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قُلْت لِعَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْت: لَا قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ: فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ صَدَاقَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ فَمَنْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى أَنْ يَزِيدَ صَدَاقَ ابْنَتِهِ عَلَى صَدَاقِ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّوَاتِي هُنَّ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ وَهُنَّ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ صِفَةٍ: فَهُوَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ. وَكَذَلِكَ صَدَاقُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ فَأَمَّا الْفَقِيرُ وَنَحْوُهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ.
وقال ابن القيم: ثبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ ": عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ صَدَاقُ النّبِيّ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشَا فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁ مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّة. قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. انْتَهَى. وَالْأُوقِيّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ ": مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد ": مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقٍ مِلْءَ كَفّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلّ. أَنّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ رَضِيت مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِك بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَأَجَازَهُ. قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ": مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النّبِيّ ﷺ إنّ أَعْظَمَ النّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً. وَفِي " الصّحِيحَيْنِ ": أَنّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النّبِيّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَك فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ ﷺ زَوّجْنِيهَا إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إيّاهُ؟ قَالَ مَا عِنْدِي إلّا إزَارِي هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ " إنّكَ إنْ أَعْطَيْتَهَا إزَارَكَ جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَك فَالْتَمِسْ شَيْئًا " قَالَ لَا أَجِدُ شَيْئًا قَالَ " فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ " فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ " هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُورٍ سَمّاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ " قَدْ زَوّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ. وفي النّسَائِيّ أَنّ أَبَا طَلْحَةَ خَطَبَ أُمّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ وَاَللّهِ يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا مِثْلُكَ يُرَدّ وَلَكِنّك رَجُلٌ كَافِرٌ وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَحِلّ لِي أَنْ أَتَزَوّجَك فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسَالُك غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا. قَالَ ثَابِتٌ فَمَا سَمِعْنَا بِامْرَأَةٍ قَطّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمّ سُلَيْمٍ فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ.
فَتَضَمّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنّ الصّدَاقَ لَا يَتَقَدّرُ أَقَلّهُ وَأَنّ قَبْضَةَ السّوِيقِ وَخَاتَمَ الْحَدِيدِ وَالنّعْلَيْنِ يَصِحّ تَسْمِيَتُهَا مَهْرًا وَتَحِلّ بِهَا الزّوْجَةُ. وَتَضَمّنَ أَنّ الْمُغَالَاةَ فِي الْمَهْرِ مَكْرُوهَةٌ فِي النّكَاحِ وَأَنّهَا مِنْ قِلّةِ بَرَكَتِهِ وَعُسْرِه .... (زاد المعاد).
стр. 1895
• اذكر بعض مصالح تخفيف الصداق؟
أولاً: العمل بالسنة وامتثال ما أرشدت إليه.
ثانياً: تيسير سبل الزواج.
ثالثاً: أن تخفيفه من أسباب المحبة ودوام المودة.
رابعاً: أن تخفيف الصداق يسهل على الزوج مفارقة زوجته إذا ساءت العشرة، ولم يحصل توافق بينهما.
فائدة:
س: هل يصح أن يكون مهري محافظة الزوج على الصلاة؟
الزواج لا بدّ فيه من المهر (الصَدَاق)، ولا بد أن يكون المهر مالاً، أو شيئا له قيمة مالية يقدمه الزوج لزوجته.
وقد جاء التصريح بماليته في قوله تعالى بعد أن ذكر المحرمات من النساء: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) النساء/ ٢٤
قال القرطبي ﵀: " (بِأَمْوَالِكُم) أباح اللّه تعالى الفروج بالأموال ولم يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألّا تقع الإباحة به؛ لأنّها على غير الشّرط المأذون فيه.
وقال ابن العربي ﵀: لمّا أمر الله تعالى بالنكاح بالأموال لم يجز أن يبذل فيه ما ليس بمال.
وقال ابن عبد البر ﵀: " وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز وطء في نكاح بغير صداق مسمّى دينا، أو نقداً.
ويصح أن يكون الصداق أن يعلمها زوجها شيئا من القرآن أو غيره من العلوم؛ لأن هذا التعليم والجهد والوقت يقوم بالمال، ولما جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تهب نفسها له، ولم يرغب فيها، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحْنِيهَا. قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَذَهَبَ وَطَلَبَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيءٌ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه البخاري (٥١٤٩).
فقوله ﷺ : (فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) معناه: أن يعلمها ما معه من القرآن. كما جاء ذلك صريحا عند الإمام مسلم (١٤٢٥): (انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).
فيكون مهرها هو التعليم؛ والتعليم منفعة يمكن تقويمها ماليا.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀" إذا أصدقها تعليم قرآن فإنه يصح؛ لأن التعليم ليس هو القرآن … فهذا رجل يريد أن يعلِّم، والتعليم عمل وتفرغ للمعلِّم، ففي الحقيقة أنني ما جعلت القرآن عوضا حتى يقال: إنه لا يصح أن يكون عوضا، إنما جعلت التعليم الذي فيه معاناة وتلقين ووقت مهراً.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: المشروع أن يكون المهر مالاً، كما قال الله جل وعلا: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ)، والنبي ﷺ لما جاءته المرأة التي وهبت نفسها فلم يقبلها، وأراد أن يزوجها بعض أصحابه، قال: (التمس ولو خاتمًا من حديد) المشروع أن يكون هناك مال ولو قليلاً فإذا كان الزوج عاجزًا، ولم يجد مالاً جاز على الصحيح أن يزوج بشيء من الآيات يعلمها المرأة، أو شيء من السور يعلمها المرأة. (فتاوى نور على الدرب).
ومحافظة الزوج على الصلاة ليست منفعة يقدمها الزوج لزوجته حتى تكون مهرا لها، فمثل هذا لا يصح أن يكون مهراً.
(الإسلام س ج).
следующие страницы →