← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

١٠٣٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ اِمْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا، فَقَدْ اِسْتَحَلَّ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِه. ١٠٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ اِمْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ. ١٠٣٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ (زَوَّجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً اِمْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ) أَخْرَجَهُ اَلْحَاكِمُ. وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ اَلطَّوِيلِ اَلْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ اَلنِّكَاحِ .. وَعَنْ عَلَيٍّ ﵁ قَالَ (لَا يَكُونُ اَلْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ. === • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث عَنْ جَابِرِ (مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ اِمْرَأَةٍ سَوِيقًا) ضعيف، في سنده موسى بن مسلم وهو ضعيف. وحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ اِمْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ) لا يصح، في إسناده عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف. وحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ (زَوَّجَ اَلنَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً اِمْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ) منكر، فيه عبد الله بن مصعب الزبيري وهو ضعيف. وحديث عَلَيٍّ ﵁ قَالَ (لَا يَكُونُ اَلْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) لا يصح. • ماذا نستفيد من هذه الأحاديث؟ نستفيد: جواز كون الصداق طعاماً أو متاعاً، وأنه لا يلزم أن يكون نقداً من ذهب أو فضة. قال في الزاد (وَكُلُّ مَا صَحَّ ثَمَناً أَوْ أُجْرَةً صَحَّ مَهْراً وَإِنْ قَلَّ، ..... قوله (وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً) يعني كل ما صح عقد البيع عليه، أو عقد الإجارة عليه، صح مهراً، هذا هو الضابط فيما يصح مهراً. وعلى هذا فيصح بالنقود، أي: الذهب والفضة؛ لأنها تصح ثمناً، ويصح بالأعيان كما لو أصدقها ثياباً، أو أصدقها سيارة، أو أصدقها أرضاً، أو أصدقها بيتاً. ويصح بالمنافع كما لو أصدقها سكنى بيتٍ، لا يلزمه أن يُسْكِنَها فيه، لمدة سنة أو سنتين، وكما لو أصدقها خدمةَ عبده لمدة سنة. وعلم من قوله: «كل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً»، أن ما لا يصح أن يكون ثمناً أو أجرة لا يصح أن يكون مهراً، وعلى هذا فلو أصدقها خنزيراً أو خمراً أو نحو ذلك مما يحرم لم يصح، ولو أصدقها سماع أغانٍ، بأن قال لها: أنا آتي بمطرب يغني لك، فهذه منفعه، لكن لا تصح مهراً؛ لأنه لا يصح عقد الأجرة عليها. (الشرح الممتع).

стр. 1892

• ما الحكم إذا أصدقها نفعاً مباحاً معلوماً كرعاية غنمها شهراً؟ منفعة الخدمة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الخدمة المباشرة، كأن يقوم بغسل ثيابها وغسل ماعونها ونحو ذلك، فما الحكم؟ لا يجوز لا يصح؛ لأن الزوج سيد فلا تكون سيدة هي. القسم الثاني: ما عدا ذلك من المنافع كأن يشتغل في تجارتها أن يبني بيتها أن يرعى غنمها ونحو ذلك، نقول: هذا جائز ولا بأس به. • ما أقل الصداق؟ اختلف العلماء في أقل الصداق، مع اتفاقهم على أنه لا حد لأكثره، كما نقل الإجماع القرطبي: القول الأول: أقله عشرة دراهم. وهذا مذهب أبي حنيفة. أ- لحديث الباب (ولا مهر أقل من عشرة دراهم). رواه الدار قطني وهو حديث ضعيف. ب- ولأنه يستباح به عضو، فكان مقدراً كالذي يقطع به السارق. القول الثاني: أقله ربع دينار. وهذا مذهب مالك. قياساً على نصاب القطع في السرقة، وهذا قياس في مقابل النص. القول الثالث: يصح الصداق بكل ما يسمى شيئاً ولو حبة شعير. وهذا مذهب ابن حزم. لقوله ﷺ للرجل: (التمس شيئاً).

стр. 1893

القول الرابع: كل ما صح العقد عليه بيعاً، أو إجارة، فإنه يصح أن يكون صداقاً، سواء كان عيناً أو منفعة. فالعين مثل: أن يعطيها دراهم أو يعطيها متاعاً. والمنفعة مثل: استخدامها إياه، أو تستوفي منه بغير الخدمة أن يبني لها بيتاً. أ- لقوله تعالى (أن تبتغوا بأموالكم … ) وهذا يدخل فيه القليل والكثير. ب- لحديث الباب (مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ اِمْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا، فَقَدْ اِسْتَحَلَّ). فقالوا: إن الحديث يدل على صحة كون الصداق شيئاً قليلاً كالمد من الطعام وأنه يجزي مطلق السويق والتمر وإن قل وتحل به المرأة فلا يشترط أن يكون الصداق من الدراهم أو الدنانير. قال ابن قدامة: ولنا، قول النبي ﷺ للذي زوجه (هل عندك من شيء تصدقها؟ قال: لا أجد، قال: التمس، ولو خاتماً من حديد) متفق عليه. وعن عامر بن ربيعة، أن امرأة من بني فزارة، تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : (أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم. فأجازه) أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ولأنه بدل منفعتها، فجاز ما تراضيا عليه من المال، كالعشرة وكالأجرة. (المغني). وقال ابن قدامة عن دليل الحنفية بالقياس: قياسهم لا يصح فإن النكاح استباحة الانتفاع بالجملة، والقطع إتلاف عضو دون استباحة، وهو عقوبة وحد، وهذا عوض فقياسه على الأعواض أولى. وقال ابن القيم: إن الأثر الذي استدل به - يعني الحنفية - لا يثبت، وقياسهم من أفسد القياس، فأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به من قطع اليد في السرقة. وقال ابن القيم: حديث العشرة دراهم لا يصح لأنه من وضع حرام بن عثمان وقد صح عن جابر جواز النكاح على القليل والكثير. قال ابن قدامة: وأما أكثر الصداق، فلا توقيت فيه، بإجماع أهل العلم، قاله ابن عبد البر. وقد قال الله (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئاً).

стр. 1894

١٠٣٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَيْرُ اَلصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: استحباب تخفيف الصداق، وقد تقدم ذلك. قال ابن تيمية: فِي " الصَّدَاقِ " مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ: أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا بَنَاتِهِ وَكَانَ مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ. بِالدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ نَحْوًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا. فَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَنَّ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّدَاقِ ﴿قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ: صَدَاقُنَا إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرُ أَوَاقٍ وَطَبَّقَ بِيَدَيْهِ. وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ﴾ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ. ﴿وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قُلْت لِعَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْت: لَا قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ: فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ صَدَاقَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ فَمَنْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى أَنْ يَزِيدَ صَدَاقَ ابْنَتِهِ عَلَى صَدَاقِ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّوَاتِي هُنَّ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ وَهُنَّ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ صِفَةٍ: فَهُوَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ. وَكَذَلِكَ صَدَاقُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ فَأَمَّا الْفَقِيرُ وَنَحْوُهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ. وقال ابن القيم: ثبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ ": عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ صَدَاقُ النّبِيّ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشَا فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁ مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّة. قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. انْتَهَى. وَالْأُوقِيّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ ": مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد ": مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقٍ مِلْءَ كَفّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلّ. أَنّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ رَضِيت مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِك بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَأَجَازَهُ. قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ": مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النّبِيّ ﷺ إنّ أَعْظَمَ النّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً. وَفِي " الصّحِيحَيْنِ ": أَنّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النّبِيّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَك فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ ﷺ زَوّجْنِيهَا إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إيّاهُ؟ قَالَ مَا عِنْدِي إلّا إزَارِي هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ " إنّكَ إنْ أَعْطَيْتَهَا إزَارَكَ جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَك فَالْتَمِسْ شَيْئًا " قَالَ لَا أَجِدُ شَيْئًا قَالَ " فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ " فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ " هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُورٍ سَمّاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ " قَدْ زَوّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ. وفي النّسَائِيّ أَنّ أَبَا طَلْحَةَ خَطَبَ أُمّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ وَاَللّهِ يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا مِثْلُكَ يُرَدّ وَلَكِنّك رَجُلٌ كَافِرٌ وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَحِلّ لِي أَنْ أَتَزَوّجَك فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسَالُك غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا. قَالَ ثَابِتٌ فَمَا سَمِعْنَا بِامْرَأَةٍ قَطّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمّ سُلَيْمٍ فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ. فَتَضَمّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنّ الصّدَاقَ لَا يَتَقَدّرُ أَقَلّهُ وَأَنّ قَبْضَةَ السّوِيقِ وَخَاتَمَ الْحَدِيدِ وَالنّعْلَيْنِ يَصِحّ تَسْمِيَتُهَا مَهْرًا وَتَحِلّ بِهَا الزّوْجَةُ. وَتَضَمّنَ أَنّ الْمُغَالَاةَ فِي الْمَهْرِ مَكْرُوهَةٌ فِي النّكَاحِ وَأَنّهَا مِنْ قِلّةِ بَرَكَتِهِ وَعُسْرِه .... (زاد المعاد).

стр. 1895

• اذكر بعض مصالح تخفيف الصداق؟ أولاً: العمل بالسنة وامتثال ما أرشدت إليه. ثانياً: تيسير سبل الزواج. ثالثاً: أن تخفيفه من أسباب المحبة ودوام المودة. رابعاً: أن تخفيف الصداق يسهل على الزوج مفارقة زوجته إذا ساءت العشرة، ولم يحصل توافق بينهما. فائدة: س: هل يصح أن يكون مهري محافظة الزوج على الصلاة؟ الزواج لا بدّ فيه من المهر (الصَدَاق)، ولا بد أن يكون المهر مالاً، أو شيئا له قيمة مالية يقدمه الزوج لزوجته. وقد جاء التصريح بماليته في قوله تعالى بعد أن ذكر المحرمات من النساء: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) النساء/ ٢٤ قال القرطبي ﵀: " (بِأَمْوَالِكُم) أباح اللّه تعالى الفروج بالأموال ولم يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألّا تقع الإباحة به؛ لأنّها على غير الشّرط المأذون فيه. وقال ابن العربي ﵀: لمّا أمر الله تعالى بالنكاح بالأموال لم يجز أن يبذل فيه ما ليس بمال. وقال ابن عبد البر ﵀: " وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز وطء في نكاح بغير صداق مسمّى دينا، أو نقداً. ويصح أن يكون الصداق أن يعلمها زوجها شيئا من القرآن أو غيره من العلوم؛ لأن هذا التعليم والجهد والوقت يقوم بالمال، ولما جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تهب نفسها له، ولم يرغب فيها، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحْنِيهَا. قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَذَهَبَ وَطَلَبَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيءٌ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه البخاري (٥١٤٩). فقوله ﷺ : (فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) معناه: أن يعلمها ما معه من القرآن. كما جاء ذلك صريحا عند الإمام مسلم (١٤٢٥): (انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ). فيكون مهرها هو التعليم؛ والتعليم منفعة يمكن تقويمها ماليا. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀" إذا أصدقها تعليم قرآن فإنه يصح؛ لأن التعليم ليس هو القرآن … فهذا رجل يريد أن يعلِّم، والتعليم عمل وتفرغ للمعلِّم، ففي الحقيقة أنني ما جعلت القرآن عوضا حتى يقال: إنه لا يصح أن يكون عوضا، إنما جعلت التعليم الذي فيه معاناة وتلقين ووقت مهراً. وقال الشيخ ابن باز ﵀: المشروع أن يكون المهر مالاً، كما قال الله جل وعلا: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ)، والنبي ﷺ لما جاءته المرأة التي وهبت نفسها فلم يقبلها، وأراد أن يزوجها بعض أصحابه، قال: (التمس ولو خاتمًا من حديد) المشروع أن يكون هناك مال ولو قليلاً فإذا كان الزوج عاجزًا، ولم يجد مالاً جاز على الصحيح أن يزوج بشيء من الآيات يعلمها المرأة، أو شيء من السور يعلمها المرأة. (فتاوى نور على الدرب). ومحافظة الزوج على الصلاة ليست منفعة يقدمها الزوج لزوجته حتى تكون مهرا لها، فمثل هذا لا يصح أن يكون مهراً. (الإسلام س ج).

стр. 1896

١٠٣٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ اَلْجَوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ - تَعْنِي: لَمَّا تَزَوَّجَهَا - فَقَالَ: لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ، فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ. ١٠٣٧ - وَأَصْلُ اَلْقِصَّةِ فِي " اَلصَّحِيحِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ اَلسَّاعِدِيِّ. === • ما صحة حديث الباب؟ الحديث لا يصح كما قال المصنف ﵀. وأصل القصة في البخاري، وردت في أحاديث عدة وسياقات يكمل بعضها بعضا: فروى البخاري ﵀ في صحيحه عن الإمام الأوزاعي قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِي أَي أَزْوَاجِ النَّبِي ﷺ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ لَهَا: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِى بِأَهْلِكِ. وروى البخاري أيضا في صحيحه عَنْ أَبِى أُسَيْدٍ ﵁ قَال (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اجْلِسُوا هَا هُنَا. وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِىَ بِالْجَوْنِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتٍ أُمَيْمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ، وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: هَبِي نَفْسَكِ لِي. قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ. قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ. فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ: قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَيْدٍ اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا).

стр. 1897

وروى أيضا ﵀ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِى أُسَيْدٍ قَالَا: (تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ) ثياب من كتان بيض طوال. وروى أيضاً ﵀ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَال (ذُكر لِلنَّبِيِّ ﷺ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُ ﷺ قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ: قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى. فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا. قَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ لِيَخْطُبَكِ. قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ النَّبي ﷺ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِنَا يَا سَهْلُ. فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ). وقد اختلف العلماء في اسم هذه المرأة على أقوال سبعة، ولكن الراجح منها عند أكثرهم هو: أميمة بنت النعمان بن شراحيل، كما تصرح رواية حديث أبي أسيد. وقيل اسمها أسماء. • لماذا استعاذت المرأة الجونية من رسول الله ﷺ -؟ يمكن توجيه ذلك ببعض الأجوبة الآتية: قد يقال إنها لم تكن تَعرِفُ رسولَ الله ﷺ ، بدليل الرواية الأخيرة من الروايات المذكورة أعلاه، وفيها: (. فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا. قَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ لِيَخْطُبَكِ. قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِك). يقول الحافظ ابن حجر ﵀: وقال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه ﷺ ، فخاطبته بذلك.

стр. 1898

وسياق القصة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال. نعم سيأتي في أواخر الأشربة من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد – فذكر الرواية الأخيرة، ثم قال: – فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب: (ألحقها بأهلها)، ولا قوله في حديث عائشة: (الحقي بأهلك) تطليقا، ويتعين أنها لم تعرفه. وإن كانت القصة متعددة – ولا مانع من ذلك – فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب. (الفتح). ويذكر بعض أهل العلم أن سبب استعاذتها من النبي ﷺ ما غرها به بعض أزواجه ﷺ ، حيث أوهموها أن النبي ﷺ يحب هذه الكلمة، فقالتها رغبة في التقرب إليه، وهي لا تدري أن النبي ﷺ يعيذها من نفسه بالفراق إن سمعها منه. جاء ذلك من طرق ثلاثة: الطريق الأولى: يرويها ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ١٤٣ - ١٤٨)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٩)، من طريق محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث. والطريق الثانية: يرويها ابن سعد في الطبقات (٨/ ١٤٤) بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: (الجونية استعاذت من رسول الله ﷺ وقيل لها: هو أحظى لك عنده. ولم تستعذ منه امرأة غيرها، وإنما خدعت لما رؤي من جمالها وهيئتها، ولقد ذكر لرسول الله من حملها على ما قالت لرسول الله، فقال رسول الله ﷺ : إنهن صواحب يوسف. الطريق الثالثة: رواها ابن سعد أيضا في "الطبقات" (٨ م ١٤٥) قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن بن عباس قال: (تزوج رسول الله ﷺ أسماء بنت النعمان، وكانت من أجمل أهل زمانها وأشبهم، قال فلما جعل رسول الله يتزوج الغرائب قالت عائشة: قد وضع يده في الغرائب يوشكن أن يصرفن وجهه عنا. وكان خطبها حين وفدت كندة عليه إلى أبيها، فلما رآها نساء النبي ﷺ حسدنها، فقلن لها: إن أردت أن تحظي عنده فتعوذي بالله منه إذا دخل عليك. فلما دخل وألقى الستر مد يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك. فقال: أمن عائذ الله! الحقي بأهلك). وروى أيضا قال: أخبرنا هشام بن محمد، حدثني ابن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي، عن أبيه - وكان بدرياً – قال: (تزوج رسول الله أسماء بنت النعمان الجونية، فأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها، ففعلن، ثم قالت لها إحداهما: إن النبي، ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول أعوذ بالله منك. فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مد يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك. فتال بكمه على وجهه فاستتر به وقال: عذت معاذاً، ثلاث مرات. قال أبو أسيد ثم خرج علي فقال: يا أبا أسيد ألحقها بأهلها ومتعها برازقيتين، يعني كرباستين، فكانت تقول: دعوني الشقية).

стр. 1899

وهذه الطرق قد يعضد بعضها بعضاً ويستشهد بمجموعها على أن لذلك أصلاً. -وذكر آخرون من أهل العلم أن سبب استعاذتها هو تكبرها، حيث كانت جميلة وفي بيت من بيوت ملوك العرب، وكانت ترغب عن الزواج بمن ليس بِمَلِك، وهذا يؤيده ما جاء في الرواية المذكورة أعلاه، وفيها: (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: هَبِي نَفْسَكِ لِي. قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ. قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ. فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ: قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَيْدٍ اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا). يقول الحافظ ابن حجر ﵀: (سُّوقة) قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه، ويصرفهم على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقي. قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملك كائناً من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، وكان ﷺ قد خير أن يكون ملكاً نبياً، فاختار أن يكون عبداً نبياً، تواضعاً منه ﷺ لربه، ولم يؤاخذها النبي ﷺ بكلامها، معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها. (الفتح). هذا ما تحصَّل ذكرُه من أسباب جاءت بها الروايات وكلام أهل العلم، وكله يدل على كريم أخلاقه ﷺ ، حيث لم يكن يرضى أن يتزوج مَنْ يشعر أنها لا ترغبه، وكان يأبى ﷺ أن يصيب أحداً من المسلمين بأذى في نفسه أو ماله. • عرف المتعة المشروعة للمطلقة؟ المتعة: بضم الميم هي ما يعطيه الزوج لمن طلقها لجبر خاطرها المنكسر بألم الفراق. • متى تشرع المتعة للمطلقة؟ إذا طلقها قبل أن يدخلها ولم يفرض لها مهر فيجب لها المتعة. والدليل على ذلك: قوله تعالى (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) وقوله تعالى (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).

стр. 1900

فالراجح من أقوال أهل العلم: أن المتعة إنما تجب على المطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها. وجه الدلالة من الآية: ( .. ومتعوهن .. ) فأمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها، والله قسم المطلقات إلى قسمين: فأوجب المتعة لمن لم يسمِّ لها إذا طلقت قبل الدخول، ونصف المسمى لمن سميَ لها، وذلك يدل على اختصاص كل قسمٍ بحكمه. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم. لقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله (حقاً). وذهب بعض العلماء إلى أن المتعة مستحبة لكل مطلقة. لقوله تعالى ( … حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ( .... حقاً على المحسنين) قالوا: ولو كانت واجبة لما خُص بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقاً على كل أحد. والراجح - والله أعلم - ما تقدم أن المتعة واجبة لمن طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما غيرها من المطلقات فالمتعة في حقها مستحبة. • والمتعة تكون على قدر حال الزوج لقوله تعالى (عَلَى الْمُوسِعِ) الغني (قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ) الفقير (قَدَرُه). • والحكمة من المتعة: تعويضاً لها عما فاتها من المهر، وجبراً لمصيبتها، وإحساناً إليها. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - حسن كرم النبي ﷺ حيث استجاب لطلبها. - أنه ينبغي لمن استعاذ منه بالله أحد أن يعيذه، وقد جاء في الحديث (من استعاذكم بالله فأعيذوه). بَابُ اَلْوَلِيمَةِ قال ابن قدامة: الوليمة: اسم للطعام في العرس خاصة، لا يقع هذا الاسم على غيره. كذلك حكاه ابن عبد البر عن ثعلب وغيره من أهل اللغة. وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كل طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر. وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان، وهم أعرف بموضوعات اللغة، وأعلم بلسان العرب.

стр. 1901

١٠٣٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، قَالَ: " مَا هَذَا؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي تَزَوَّجْتُ اِمْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: " فَبَارَكَ اَللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. === (عَلَى عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) القرشي الزهري، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قديماً، مات سنة: ٣٢ هـ. (أَثَرَ صُفْرَةٍ) بضم الصاد، أي: صفرة الخلوق، وهو طيب يصنع من زعفران وغيره. (مَا هَذَا؟) ظاهره أنه سؤال استنكار، لنهيه ﷺ أن يتزعفر الرجل، وفي رواية البخاري قال له (مهيم) أي: ما شأنك، أو ما هذا؟ (نواة من ذهب) قيل أنه وزن خمسة دراهم. (أولم) الوليمة: هو طعام النكاح. (وَلَوْ بِشَاةٍ) (لو) هنا للتقليل. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد مشروعية الوليمة للعرس، لقوله ﷺ : (أولم … ) وهي الطعام الذي يصنع أيام العرس. وقد اختلف العلماء في حكمها على قولين: القول الأول: أنها مستحبة. وهذا مذهب جماهير العلماء. لقوله ﷺ : (أولم … ) وهذا أمر، وأقل أحواله الاستحباب. القول الثاني: أنها واجبة. وهذا مذهب الظاهرية. لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف (أولم … ) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. ولقوله ﷺ : (إنه لا بد للعروس من وليمة). رواه أحمد، قال ابن حجر: سنده لا بأس به. والراجح الأول. قالوا: إن الأمر في حديث: (أولم … ) للاستحباب، بدليل أنه ﷺ أمر بالشاة، ولا خلاف أنه لا يجب عليه الإيلام بالشاة، وقد أولم ﷺ بغير الشاة مع أنه أمر بها.

стр. 1902

ففي حديث أنس: (أنه ﷺ أولم على صفية وكانت وليمته حيساً). وفي الصحيح: (أنه ﷺ أولم على امرأة من نسائه بمدين شعير). قال الحافظ ابن حجر: قال ابن بطال: قوله (الوليمة حق) أي ليست بباطل، بل يندب إليها، وهي سنة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب. ثم قال: ولا أعلم أحداً أوجبها، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها نقلها القرطبي، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة .. وقال بعض الشافعية: هي واجبة لأن النبي ﷺ أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة، وأجاب بأنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه، ولأنه أمر بشاة وهي غير واجبة اتفاقاً. وقال أبو العباس القرطبي المالكي: وقوله: (أولم ولو بشاة) ظاهره الوجوب، وبه تمسك داود في وجوب الوليمة، وهو أحد قولي الشافعي ومالك، ومشهور مذهب مالك والجمهور أنها مندوب إليها. • ما الحكمة من الوليمة؟ أولاً: إعلان النكاح. ثانياً: فيها صلة للأقارب والأرحام. ثالثاً: أن فيها إطعاماً للفقراء. رابعاً: إدخال السرور على الزوجة وأقاربها. • متى وقت الوليمة؟ اختلف السلف في وقت الوليمة: فاستحبها بعض العلماء قبل الدخول، واستحبها بعضهم بعد الدخول. أكثر الأحاديث على أن الوليمة بعد الدخول: كحديث الباب، فإن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بالوليمة بعد الدخول. وكما في قصة زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش كما سيأتي أن شاء الله. وان أولمَ عند الدخول فلا باس كما هو عمل الناس اليوم. والأمر واسع.

стр. 1903

قال في الإنصاف: الأولى أن يقال وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى أيتها أيام العرس، لصحة الأخبار في هذا وهذا. قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي وَقْتهَا، هَلْ هُوَ عِنْد الْعَقْد، أَوْ عَقِبه، أَوْ عِنْد الدُّخُول، أَوْ عَقِبه، أَوْ مُوَسَّع مِنْ اِبْتِدَاء الْعَقْد إِلَى اِنْتِهَاء الدُّخُول، عَلَى أَقْوَال. (الفتح). وقال الصنعاني: وصرح الماوردي من الشافعية بأنها عند الدخول. قال السبكي: والمنقول من فعل النبي ﷺ أنها بعد الدخول. وكأنه يشير إلى قصة زواج زينب بنت جحش، لقول أنس: أصبح النبي ﷺ عروساً بزينب، فدعا القوم. وقد ترجم عليه البيهقي (باب: وقت الوليمة). (سبل السلام). وحديث أنس رواه البخاري ومسلم بلفظ: (أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَار). وفي لفظ للبخاري: (أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا عَرُوسًا، فَدَعَا الْقَوْمَ فَأَصَابُوا مِنْ الطَّعَام). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ووقت الوليمة في حديث زينب وصفته، يدل على أنه عقب الدخول. (الاختيارات العلمية) وقال الحافظ ابن حجر: "وَحَدِيث أَنَس صَرِيح فِي أَنَّهَا بَعْد الدُّخُول؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: (أَصْبَحَ عَرُوسًا بِزَيْنَب فَدَعَا الْقَوْم) وَاسْتَحَبَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة أَنْ تَكُون عِنْد الْبِنَاء وَيَقَع الدُّخُول عَقِبهَا، وَعَلَيْهِ عَمَل النَّاس الْيَوْم. (الفتح). وقال المرداوي: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَقْتُ الِاسْتِحْبَابِ مُوَسَّعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ إلَى انْتِهَاءِ أَيَّامِ الْعُرْسِ. لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا، وَكَمَالِ السُّرُورِ بَعْدَ الدُّخُولِ، لَكِنْ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِعْلَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِيَسِير. (الإنصاف). وقال البخاري: " بَاب حَقِّ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ وَالدَّعْوَةِ، وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ، وَلَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ ". قال الحافظ: " أَيْ لَمْ يَجْعَل لِلْوَلِيمَةِ وَقْتًا مُعَيَّنًا يَخْتَصّ بِهِ الْإِيجَاب أَوْ الِاسْتِحْبَاب، وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ الْإِطْلَاق ". وقال الدَّميري: " لَمْ يَتَعَرَّضْ الْفُقَهَاءُ لِوَقْتِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، قَالَ الشَّيْخُ [يقصد السبكي]: وَهِيَ جَائِزَةٌ قَبْلَهُ، وَبَعْدَهُ، وَوَقْتُهَا مُوَسَّعٌ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ ". وقال ابن طولون: " والأقرب: الرجوع إلى العرف ". انتهى من "فص الخواتم فيما قيل في الولائم" صـ ٤٤. وقال الشيخ صالح الفوزان: " ووقت إقامة وليمة العرس موسع، يبدأ من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس.

стр. 1904

• ما مقدار الوليمة؟ أخذ بعض العلماء من قوله ﷺ : (أولم ولو بشاة) أنه يستحب للموسر أن لا ينقص عن شاة. ولكن ثبت أنه ﷺ أولم على بعض نسائه بأقل من الشاة، فقد ثبت أنه أولم على زينب خبزاً ولحماً. فالراجح أنه لا حد لأكثرها، والأفضل على قدر حال الزوج. • ما حكم لباس المزعفر للرجل على أقوال؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه حرام. لحديث أنس ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل) رواه مسلم وهذا نص في المنع من لبس الرجل للمزعفر من الثياب. القول الثاني: الجواز. واستدلوا بحديث الباب، حيث أقر النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف في لبس ثياب مزعفرة. والراجح القول الأول. وأما الجواب عن حديث عبد الرحمن بن عوف، فأجاب العلماء بأجوبة: منها: قالوا بجوازه للمتزوج دون غيره، وعلى هذا تدل ترجمة البخاري في صحيحه، حيث قال: باب الصفرة للمتزوج. ثم ساق بسنده حديث أنس في قصة زواج عبد الرحمن بن عوف. ومنها: أن ذلك وقع من ابن عوف قبل النهي عن التزعفر، وهذا وإن كان يحتاج إلى تاريخ، إلا أنه يؤيده أن سياق قصة عبد الرحمن بن عوف يشعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي عن التزعفر ممن تأخرت هجرته. ومنها: أن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن بن عوف، تعلقت به من زوجته حين مسها، فكان ذلك غير مقصود له، وقد رجح هذا النووي، وعزاه للمحققين من أهل العلم. وهذا أقرب وأقوى. ومنها: أن الصفرة التي كانت على عبد الرحمن، كانت يسيره، ولم يبق إلا أثرها، فلذلك لم يأمره النبي ﷺ بغسلها، وإنما استفهم منكراً ذلك ليدل على أن التزعفر للرجال جائز.

стр. 1905

اختلف العلماء في سبب النهي عن الثياب المزعفرة: فقال بعضهم: نهى عنها بسبب لونها، ومن ثم فكل ما كان أصفر مشابهاً للمزعفر، فهو حرام. وقال بعضهم: أن سبب التحريم هو أن الزعفران من طيب النساء. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ • يستحب الدعاء للمتزوج بما ورد، ومما ورد: كما في حديث الباب (بارك الله لك). ومما ورد ما جاء في حديث أبي هريرة - وقد تقدم - (أن النبي ﷺ كان إذا رفأ إنساناً إذا تزوج قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير). رواه أحمد وأبو داود … (رفأ: أي دعا). • استحباب تخفيف الصداق، فهذا عبد الرحمن بن عوف لم يصدق زوجته إلا خمسة دراهم. • أن مقدار الوليمة مرجعه للعرف. • جواز خروج العروس وعليه أثر العُرس من خلوق ونحوه. • لابد للنكاح من صداق. • سؤال كبير القوم أصحابه وأتباعه عن أحوالهم.

стр. 1906

١٠٣٩ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى اَلْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: (إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ; عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ). ١٠٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (شَرُّ اَلطَّعَامِ طَعَامُ اَلْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ اَلدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اَللَّهَ وَرَسُولَهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === (شَرُّ اَلطَّعَامِ) وفي رواية بئس الطعام، ليس الذم متجها إلى الطعام نفسه (المأكول) لكن الذم إلى العمل الذي اقترن به. (يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا) أي: يكف عنها من لو دعي لسارع إلى المجي، والمراد بهم الفقراء والمساكين [وهذه جملة تعليلية]. (وَمَنْ لَمْ يُجِبِ اَلدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اَللَّهَ وَرَسُولَهُ) هذا الإطلاق لا بد فيه من قيد: من لم يجب بدون عذر. الدعوة: يحتمل: المراد دعوة العرس ويحتمل: العموم العرس وغيره ويؤيده رواية (عرساً كان أو نحوه). • ما حكم إجابة دعوة العرس؟ ذهب جماهير العلماء على وجوب إجابة دعوة العرس، بل نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك كابن عبد البر، والقاضي عياض وغيرهما. قال ابن حجر: وقد نقل ابن عبد البر، ثم عياض، ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر .... أ- للأمر بذلك كما في حديث الباب (فليجب) (فليأتها). وفي رواية (ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُم). وفي رواية (أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا). ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث: أنها تضمنت الأمر بإجابة الدعوة لوليمة العرس، والأمر للوجوب، والخطاب عام لكل من عُيّن بالدعوة، فكانت الإجابة فرض عين على من دعي إليها. ب-لقوله (وَمَنْ لَمْ يُجِبِ اَلدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اَللَّهَ وَرَسُولَهُ). فهذا ظاهر على الوجوب، لأنه حكِمَ بالعصيان على من ترك الإجابة، ولا يحكم بالعصيان إلا على ترك واجب. قال الشوكاني: والظاهر الوجوب، للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب، ولجعْل الذي لم يجب عاصياً، وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور. وقيل: مستحبة. وإليه ذهب بعض المالكية والشافعية والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قالوا: لأن الأصل في الوليمة أنها مندوبة فيكون الحضور مندوباً. وقالوا: لأن الوليمة تمليك مال، وتمليك المال ليس بواجب وقيل: فرض كفاية. قالوا: لأن المقصود من حضور الوليمة إظهار الزواج وإعلانه، وهذا يحصل ببعض الناس. والراجح القول الأول وهو الوجوب. ولهذا قال ابن عبد البر: وفي قوله في هذا الحديث (فقد عصى الله ورسوله) ما يرفع الإشكال، ويغني عن الإكثار.

стр. 1907

• ما حكم إجابة دعوة غير العرس؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: مستحبة. وعزاها ابن حجر للجمهور. أ- لحديث الباب (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب) قالوا: فلما خص الوجوب بوليمة العرس دل على أن غيرها لا يجب. ب-ولحديث أنس (أن جاراً فارسياً لرسول ﷺ كان طيب المرق فدعا رسول الله ﷺ فقال الرسول وهذه [لعائشة]؟ فقال الفارسي: لا فقال النبي: لا، فعاد يدعوه فقال رسول الله ﷺ : وهذه [لعائشة] قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله ﷺ : وهذه، قال: نعم، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله). رواه مسلم قال العلماء: وإنما أبى الفارسي من حضور عائشة: أن هذا المرق كان قليلاً لا يكفي اثنين، فأراد أن يؤثر به النبي ﷺ . القول الثاني: الوجوب كالعرس. وهذا مذهب ابن عمر وهو قول أهل الظاهر وبعض الشافعية ونصره ابن حزم. أ- لرواية مسلم ( … عرساً كان أو نحوه) فهذا دليل على وجوب إجابة الدعوة مطلقاً. ب- ولقوله ﷺ (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله). ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (حق المسلم على المسلم خمس: وذكر منها إجابة الدعوة) وفي رواية لمسلم (حق المسلم على المسلم: وإذا دعاك فأجبه) د- ولقوله ﷺ (عودوا المريض وأجيبوا الداعي) رواه البخاري • ماذا نستفيد من قوله (يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا)؟ وهذه الجملة فيها ثلاثة فوائد: الأولى: أنها للتعليل، ثانياً: فيها الإخبار عن واقع الناس، ثالثاً: فيها التحذير، كأنه قيل: لا ينبغي أن يدعى لها من يأباها ويمنعها من يأتيها. (منحة العلام).

стр. 1908

١٠٤١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ; فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعَمْ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. ١٠٤٢ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ. وَقَالَ: (فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ). === (فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ) أي: فليدعو، وهذا قول أكثر العلماء، لأنه ورد عند أبي داود (فإن كان مفطراً فليطعَم وإن كان صائماً فليدعو)، وقال بعض العلماء: المراد بالصلاة الصلاة المعروفة لكنه قول ضعيف لأنه لا معنى للصلاة في هذا المكان. قال النووي: اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى (فَلْيُصَلِّ) قَالَ الْجُمْهُور: مَعْنَاهُ فَلْيَدْعُ لِأَهْلِ الطَّعَام بِالْمَغْفِرَةِ وَالْبَرَكَة وَنَحْو ذَلِكَ، وَأَصْل الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) وَقِيلَ: الْمُرَاد الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود، أَيْ يَشْتَغِل بِالصَّلَاةِ لِيَحْصُل لَهُ فَضْلهَا، وَلِتَبَرُّكِ أَهْل الْمَكَان وَالْحَاضِرِينَ. وقال الشوكاني: ويؤيده ما وقع عند أبي داود (فإن كان مفطراً فليطعم وإن كان صائما فليدع) وهو يرد قول بعض الشراح أنه محمول على ظاهره وأن المراد فليشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها، ويحصل لأهل المنزل والحاضرين بركتها ويرده أيضا حديث (لا صلاة بحضرة طعام). ١ - الحديث دليل على الأمر بإجابة الدعوة ولو كان صائماً. ٢ - إذا أجاب الصائم الدعوة وحضر فلا يحلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون صومه واجباً [كقضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة]. فلا يجوز له الإفطار، لأن الفرض لا يجوز الخروج منه. [لكن يخبر الداعي بذلك حتى لا يقع في قلبه شك وريب]. قال النووي: وَأَمَّا الصَّائِم فَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْأَكْل، لَكِنْ إِنْ كَانَ صَوْمه فَرْضًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْل لِأَنَّ الْفَرْض لَا يَجُوز الْخُرُوج مِنْهُ. الحالة الثانية: أن يكون صومه نفلاً. فإنه يجوز له الفطر، لأن التطوع يجوز قطعه خاصة إذا وجد سبب كتطييب خاطر الداعي.

стр. 1909

قال النووي: فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر، وإلا فإتمام الصوم. أ-عَنْ أُمِّ هَانِئٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ) رواه أحمد قال في تحفة الأحوذي عقب هذا الحديث: وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا أَنْ يُفْطِرَ لا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي دَعْوَةٍ إِلَى طَعَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ا. هـ ب- وعن أبي سعيد الخدري قَالَ (صَنَعْت لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَلَمَّا وُضِعَ قَالَ رَجُلٌ أَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعَاك أَخُوك وَتَكَلَّفَ لَك، أَفْطِرْ فَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْت) أخرجه البيهقي، قَالَ الْحَافِظُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. ا. هـ قال ابن قدامة: وإن كان صوماً تطوعاً، استحب له الأكل؛ لأن له الخروج من الصوم، فإذا كان في الأكل إجابة أخيه المسلم، وإدخال السرور على قلبه، كان أولى. وقد روي: أن النبي ﷺ كان في دعوة، ومعه جماعة، فاعتزل رجل من القوم ناحية، فقال: إني صائم، فقال النبي ﷺ : دعاكم أخوكم، وتكلف لكم، كل، ثم صم يوما مكانه إن شئت، وإن أحب إتمام الصيام جاز؛ لما روينا من الخبر المتقدم، ولكن يدعو لهم، ويترك، ويخبرهم بصيامه؛ ليعلموا عذره، فتزول عنه التهمة في ترك الأكل. (المغني). ٣ - استدل العلماء بحديث جابر [إن شاء طعم وإن شاء أكل] على أن الواجب هو حضور الدعوة وأن الأكل ليس بواجب. وهذا قول الحنابلة والشافعية. قالوا لأن الذي أمر به النبي ﷺ وتوعد على تركه هو الحضور، أما الأكل فلم يأت ما يدل على وجوبه. لكن لاشك أن الأكل أفضل وأكمل. قال ابن قدامة: ولنا قول النبي ﷺ (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن شاء أكل، وإن شاء ترك). ولأنه لو وجب الأكل، لوجب على المتطوع بالصوم، فلما لم يلزمه الأكل، لم يلزمه إذا كان مفطراً. وقولهم: المقصود الأكل. قلنا: بل المقصود الإجابة، ولذلك وجبت على الصائم الذي لا يأكل. (المغني). وقال بعض العلماء أن الأكل واجب. لقوله ﷺ (وإن كان مفطراً فليطعم) وهذا أمر. وقالوا: لأن المقصود من الحضور هو الأكل. والقول الأول أصح.

стр. 1910

١٠٤٣ - وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ اَلثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ اَلثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وِمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ اَلصَّحِيحِ ١٠٤٤ - وَلَهُ شَاهِدٌ: عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ. === • ما صحة حديث الباب؟ الحديث ضعيف. وقول الحافظ: وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه، الصواب عن أبي هريرة وليس عن أنس، والحديث ضعيف جداً، فيه عبد الملك بن حسين أبو مالك النخعي متروك الحديث. • اذكر شروط إجابة الدعوة. الشرط الأول: أن تكون الدعوة في المرة الأولى. لحديث الباب. فإن دعاه في اليوم الثاني لنفس الوليمة لم تجب. وهذا على قول من أخذ بحديث الباب وما في معناه، ورأى أن هذه الأحاديث - وإن كان كل منها لا يخلو من مقال - فإن مجموعها يدل على أن للحديث أصلاً. وهذا رأي الحافظ ابن حجر، والشوكاني. قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد، … ثم ذكرها وقال: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلاً، وقد وقع في رواية أبي داود والدارمي في آخر حديث زهير بن عثمان " قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيب أنه دعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب وقال: أهل رياء وسمعة، فكأنه بلغه الحديث فعمل بظاهره إن ثبت ذلك عنه، وقد عمل به الشافعية والحنابلة. قال النووي: إذا أولم ثلاثاً فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة وفي الثاني لا تجب قطعاً ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول. (فتح الباري). الشرط الثاني: أن يكون الداعي مسلماً. فإن كافراً لم تجب الإجابة وإنما تجوز حسب المصلحة، وإنما سقط الوجوب، لانتفاء طلب المودة معه وعدم الموالاة. [ما تتعلق بشعائرهم الدينية فهذا لا يجوز الحضور مطلقاً لأن إجابته معناها الرضا بما هو عليه من الكفر والضلال]. الشرط الثاني: أن يعين الداعي المدعو. فإن كانت الدعوة عامة كأن يقول: يا أيها الناس احضروا الوليمة، أو يقول ادع من شئت، فلا تجب، لأن صاحب الطعام لم يعينه. الشرط الثالث: أن لا يكون هناك منكر. فإن كان هناك منكر فلا يجوز الحضور. قال تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

стр. 1911

وقال تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً). وقال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار فيها الخمر) رواه أحمد. - إذا كان المجيب قادراً على تغيير المنكر فيجب الحضور لسببين: إجابة للحضور - وتغييراً للمنكر. - إذا امتنع حضوره بسبب المنكر فإنه عليه أن يبلغ الداعي السبب وذلك لأسباب: لبيان عذره - وردعاً لهؤلاء - ربما هؤلاء يجهلون أن هذا الأمر محرم. [الممتع ١٢/ ٣٤٠] • ما دعوة الجفلى، وما حكمها؟ دعوة الجفلى: هي دعوة العموم مثل أن يقول: هلموا أيها الناس. وقد اختلف العلماء في حكمها على قولين: القول الأول: يكره الإجابة فيها. قالوا: لأن في ذلك دناءة بالنسبة للمدعو، ومباهاة ومفاخرة للداعي. القول الثاني: لا يكره بل جائزة. لحديث أنس. قَالَ (لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ أَهْدَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْساً فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ فَقَالَ أَنَسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اذْهَبْ فَادْعُ لِي فلاناً وفلاناً ومَنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». فَدَعَوْتُ لَهُ مَنْ لَقِيتُ [قال قلت لأنس: عددَكَم كم؟ قال: زُهاء ثلاثمائة] فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ [فدخلوا حتى امتلأت الصُفة والحُجْرة .... ). فعيَّن في الأول، ثم عمم. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصحيح أن الإجابة ليست مكروهة، بل في ظني أن عدم الإجابة إلى الكراهة أقرب.

стр. 1912

١٠٤٥ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ (أَوْلَمَ اَلنَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. ١٠٤٦ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: (أَقَامَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ اَلْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ، فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا اَلتَّمْرُ، وَالْأَقِطُ، وَالسَّمْنُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. === (يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ) أصله يبنى خباء جديدا مع صفية أو بسببها ثم استعمل البناء في الدخول بالزوجة يقال بني الرجل بالمرأة أي دخل بها. (بِمُدَّيْنِ) تثنية مد، وهو ما يملأ كفي الرجل المعتدل. (بِالْأَنْطَاعِ) واحد وهو البساط المتخذ من الجلود المدبوغة. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار (٦/ ٢٢٨) (فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا اَلتَّمْرُ، وَالْأَقِطُ، وَالسَّمْنُ) هذه الأمور الثلاثة إذا خلط بعضها بعض سميت حيساً. • ما المراد بنسائه في قوله (على بعض نسائه)؟ قال الحافظ لم أقف على تعيين اسمها صريحا وأقرب ما يفسر به أم سلمة. فقد أخرج ابن سعد عن شيخة الواقدي بسنده إلى أم سلمة (قالت لما خطبني النبي ﷺ فذكر قصة تزويجه قالت فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة فإذا جرة فيها شيء من شعير فأخذته فطحنته ثم عصدته في البرمة وأخذت شيئاً من إهالة فأدمته فكان ذلك طعام رسول الله ﷺ . وأخرج ابن سعد أيضاً بإسناد صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن أم سلمة أخبرته فذكرت قصة خطبتها وقصة الشعير. • ماذا نستفيد من أحاديث الباب؟ نستفيد أنه ﷺ لم يكن يتكلف في وليمة الزواج، بل كان يضع ما تيسر. وجواز التفضيل في وليمة العرس. • ما الحكمة في تنوع ولائمه ﷺ مع زوجاته؟ قال ابن بطال لم يقع من النبي ﷺ القصد إلى تفضيل بعض النساء على بعض بل باعتبار ما اتفق وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلق بأمور الدنيا في التأنق. وقال غيره يجوز أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز. وقال الكرماني: لعل السبب في تفضيل زينب في الوليمة على غيرها كان الشكر لله على ما أنعم به عليه من تزويجه إياها بالوحي. وقال ابن المنير يؤخذ من تفضيل بعض النساء على بعض في الوليمة جواز تخصيص بعضهن دون بعض في الأتحاف والألطاف.

стр. 1913

١٠٤٧ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا اِجْتَمَعَ دَاعِيَانِ، فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ اَلَّذِي سَبَقَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. === (إِذَا اِجْتَمَعَ دَاعِيَانِ) معاً. • ما صحة حديث الباب؟ الحديث سنده ضعيف كما قال الحافظ. • ما الحكم فيمن دعاه رجلان؟ قال في المغني: فإن دعاه رجلان، ولم يمكن الجمع بينهما، وسبق أحدهما، أجاب السابق. لأن إجابته وجبت حين دعاه، فلم يزل الوجوب بدعاء الثاني، ولم تجب إجابة الثاني؛ لأنها غير ممكنة مع إجابة الأول. فإن استويا، أجاب أقربهما منه باباً. لحديث (إذا اجتمع داعيان، فأجب أقربهما باباً؛ فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً، فإن سبق أحدهما، فأجب الذي سبق). وروى البخاري بإسناده عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله (إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال أقربهما منك باباً). ولأن هذا من أبواب البر؛ فقدم بهذه المعاني. فإن استويا، أجاب أقربهما رحماً، لما فيه من صلة الرحم. فإن استويا، أجاب أدينهما. فإن استويا أقرع بينهما، لأن القرعة تعين المستحق عند استواء الحقوق. (المغني). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ • بيان حق الجار على جاره. • فضل السبق إلى الشيء. • عدل الشريعة.

стр. 1914

١٠٤٨ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا آكُلُ مُتَّكِئًا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن النبي ﷺ يتوقى أن يأكل متكئاً. ولم يأت نهي صريح عنه. ولذلك بوب البخاري في صحيحه: باب الأكل متكئاً. قال ابن حجر: قوله (باب الأكل متكئاً) ما حكمه؟ وإنما لم يجزم به لأنه لم يأت فيه نهي صريح. وقد اختلف العلماء في حكم الاتكاء على قولين: القول الأول: الكراهة. وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقولٌ عند الأحناف. لحديث الباب. كما قالوا: إن هذا دليل على الشره والكبر، وفيه تشبه بجلوس الجبابرة. القول الثاني: الإباحة. وهو المشهور عند الحنفية. قالوا: لأن الأصل الإباحة. والقول بالكراهة قوي، والله أعلم.

стр. 1915

• ما صفة الاتكاء: الاتِّكاء في الأكل يكون على صُوَر، منها: أ-الاتِّكاء على راحة اليد، وأشد ما يَكون أن تكون اليد خَلْف الظهر، وهذا هو اتِّكاء اليهود. روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث الشريد بن سويد قال (مَرّ بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا - وقد وَضَعْتُ يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألْية يدي - فقال: أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟). ب- الاتّكاء على ما أُعِدّ للاتِّكاء. ج- التربّع، وهو أن يَقعد مُتربِّعاً. قال ابن القيم: والاتكاء على ثلاثة أنواع: أحدها: الاتكاء على الْجَنْب. والثاني: التربّع. والثالث: الاتكاء على إحدى يديه، وأكْلِه بالأخرى؛ والثلاث مذمومة. اهـ. (الزاد). وقال ابن عثيمين: الاتكاء أن يعتمد الإنسان على يده اليمنى أو اليسرى. واختار الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين أن التربع ليس من الاتكاء. وقال ابن حجر: واختلف في صِفة الاتِّكاء: فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان. وقيل: أن يَمِيل على أحَد شِقّيه. وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض. • ما علة النهي عن الأكل متكئاً؟ قيل: لأنه فعل الجبابرة والمتكبرين. وقيل: لأنه فعل العجم. وقيل: لأنه يؤدي إلى الأكل الكثير. قال النووي ﵀ في شرح مسلم: معناه: لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام ويقعد له متمكناً، بل أقعد مستوفزاً وآكل قليلاً. وقيل: خشية أن تعظم بطونهم. قال ابن حجر: واختلف في علة الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال (كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءة مخافة أن تعظم بطونهم) وإلى ذلك بقية ما ورد فيه من الأخبار فهو المعتمد، ووجه الكراهة فيه ظاهر، وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطب والله أعلم.

стр. 1916

١٠٤٩ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (يَا غُلَامُ! سَمِّ اَللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === - الحديث دليل على الأمر بالتسمية قبل الأكل، وقد اختلف العلماء في حكم ذلك على قولين: القول الأول: وجوب التسمية. واختاره ابن القيم، وابن عثيمين. أ-لحديث الباب، حيث أمره النبي ﷺ ، والأمر للوجوب. ب- وعن عائشة. أن النّبيّ ﷺ قال (إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تعَالَى، فإنْ نَسِىَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ في أوَّلِه وَآخِرِهِ). أخرجه أبو داود، والتّرمذيّ. قال ابن القيّم في زاد المعاد (٢/ ٣٦٢): وَالصّحِيحُ: وُجُوبُ التّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا، وَلَا إجْمَاعَ يُسَوّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، وَتَارِكُهَا شَرِيكُهُ الشّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ" انتهى. القول الثاني: استحباب ذلك. وهذا قول جماهير العلماء. • ما صيغة التسمية قبل الأكل؟ قول: بسم الله. لحديث الباب (سم الله). قال العيني في عمدة القارئ: وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة ﵂ مرفوعاً (إذا أكل أحدكم الطعام فليقل بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره) والأمر بالتسمية عند الأكل محمول عل الندب عند الجمهور، وحمله بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر.

стр. 1917

• لكن ما الحكم لو زاد (الرحمن الرحيم)؟ لا باس بذلك. وهذا قول أكثر لعلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إذا قال عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كان حسناً فإنه أكمل. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٨/ ٩٢): "ذهب الفقهاء إلى أن التسمية عند البدء في الأكل من السنن، وصيغتها: بسم الله، وبسم الله الرحمن الرحيم … " انتهى. وقال النووي ﵀: من أهم ما ينبغي أن يعرف صفة التسمية … والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله، كفاه وحصلت السنة. (. الأذكار) وتعقبه الحافظ ابن حجر ﵀ بقوله: " لَمْ أَرَ لِمَا اِدَّعَاهُ مِنْ الْأَفْضَلِيَّة دَلِيلًا خَاصاً. (الفتح). وقال الشيخ الألباني ﵀: "وأقول: لا أفضل من سنته ﷺ ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا "بسم الله"، فلا يجوز الزيادة عليها، فضلاً عن أن تكون الزيادة أفضل منها، لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث "وخير الهدي هدي محمد ﷺ . (السلسلة الصحيحة). • ما حكم من نسي التسمية قبل الأكل؟ المشروع لمن نسي التسمية في أول الطعام أن يقول حين يذكرها (بسم الله أَوَّلَه وآخرَه) أو يقول (بسم الله في أوَّلِه وآخرِه) لحديث عائشة السابق (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم فَليَذكُرِ اسمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذكُرَ اسمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَليَقُل: بِسمِ اللَّهِ فِي أَوَّلَهُ وَآخِرَه). وقوله: (فإن نسي أن يذكر الله في أوله، فليقل .. ) شامل لمن تذكر التسمية أثناء الطعام، أو آخره، أو بعد الفراغ منه بالزمن اليسير، لعموم مفهوم الحديث. قال في كشاف القناع (٥/ ١٧٣): " وظاهره ولو بعد فراغه من الأكل. وجاء في مغني المحتاج (٤/ ٤١١: (فإن تركها (أي التسمية) في أوله أتى بها في أثنائه، فإن تركها في أثنائه أتى بها في آخره. انتهى. وقال في نهاية المحتاج (١/ ١٨٤: (لا يأتي بها (أي التسمية) بعد فراغ وضوئه، بخلاف الأكل فإنه يأتي بها بعده " انتهى. قال في الحاشية على نهاية المحتاج: محله إذا قَصُرَ الفصل، بحيث يُنسَبُ إليه عُرفًا " انتهى. وقد دل الحديث أيضا على أن قول (بسم الله في أوله وآخره) يقوم مقام التسمية في البداية، ويكتب للمسلم أجر الاستعانة بالله في أول الطعام، تكرما وتفضلا منه . يقول المناوي في "فيض القدير" (١/ ٢٩٦): لا يقال كيف تَصدُقُ الاستعانة ببسم الله في الأول، وقد خلا الأول عنها؟! لأنَّا نقول: الشرع جعله إنشاء استعانةٍ في أوله، وليس هذا إخبارا حتى يُكَذَّبَ، وبه يصير المتكلم مستعينا في أوله، ويترتَّبُ عليه ما يترتب على الاستعانة في أوله. (الإسلام سؤال وجواب)

стр. 1918

• كم مرّة يقوم الفرد بالتّسمية عندما يأكل؟ فالجواب: أنّ قول الرسول ﵊ في الحديث السّابق (إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تعَالَى) يدلّ على أنّ التّسمية تكون مرّة واحدة عند الأكل، فلو وُضعت على المائدة أصناف من الطّعام، فإنّ التّسمية الواحدة تكفي؛ لأنّ المطلوب يحصل بالمرّة الواحدة. أمّا إذا رُفعت، وأُتي بأنواع أخرى فتعاد التّسمية، وهكذا لو جيء بالشّاي بعد الأكل فعليك أن تسمّي الله كذلك؛ لأنّك تريد الشرب والتناول منه. • هل يشرع تذكير الحاضرين بالتسمية؟ نعم، بل هو السّنّة، ولك الأجر في ذلك لحديث الباب. فذكّره ﷺ بالتّسمية، وفيه دليل على أنّ لك تذكير غيرك بها، وإذا رأيت منهم تضايقاً، فاستعمل الحكمة واللّطف في ذلك، ويمكنك أن تجهر أنت بالتسمية من غير أن تأمرهم بها، حتى يسمعوا. ولك أن تذكرهم بأنّ التّسمية واجبة على جميع الآكلين، ولا يكفي أن يسمي بعضهم. • هل تسمية غيره تكفي عنه؟ قال الشّيخ ابن باز: وهذا هو الصواب، أنّ تسمية غيره لا تكفي عنه، والرّسول ﷺ قال لعمرو بن سلمة: (سمّ الله)، والرسول ﷺ قد سمّى هو وأصحابه، فلم تكف تسميتهم عنه؛ ولهذا جاء في حديث حذيفة: إنَّا حضرنا مع رسول اللَّه ﷺ طعاماً، فجاءت جارية كأنما تُدْفَع، فذهبتْ لتضع يدها في الطعام، فأخذَ رسولُ اللَّه ﷺ بيدها، ثمَّ جاء أعرابيّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فأخذ بيده، فقالَ رسول اللَّه ﷺ : (إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإنَّهُ جَاءَ بِهذِهِ الجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهذَا الأعْرَابيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ يَدَهُ لَفِي يَدي مَعَ يَدَيْهِمَا)، ثم ذكرَ اسمَ اللَّه وأكل، ولو كانت تسمية الواحد تكفي، لما وضع الشيطان يده في ذلك الطّعام.

стр. 1919

• هل يلزم الجهر بالتسمية قبل الأكل؟ لا يلزم الجهر بالتسمية قبل الأكل، فلو قالها سراً، فقد امتثل أمر النبي ﷺ ، بالتسمية قبل الأكل، ولكن أقل ذلك أن يحرك بها لسانه، وإن لم يجهر بالصوت. والأفضل له أن يجهر بها حتى يُذَكِّر الناس، ويُعَلِّم الجاهل. • ما حكم الأكل باليمين؟ الحديث دليل على وجوب الأكل باليمين وتحريم الأكل بالشمال، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: وسيأتي الخلاف في حديث جابر إن شاء الله. • ما معنى الأكل مما يليك؟ معناه: أنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِمَّا يَلِيهِ فِي الطَّعَامِ مُبَاشَرَةً، وَلَا تَمْتَدُّ يَدُهُ إلَى مَا يَلِي الْآخَرِينَ، وَلَا إلَى وَسَطِ الطَّعَام. • ما حكم ذلك؟ مستحب. • ما الحكمة من ذلك؟ قال النووي: لِأَنَّ أَكْله مِنْ مَوْضِع يَد صَاحِبه سُوء عِشْرَة وَتَرْك مُرُوءَة فَقَدْ يَتَقَذَّرهُ صَاحِبه لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاق وَشَبَههَا، وَهَذَا فِي الثَّرِيد وَالْأَمْرَاق وَشَبَههَا، فَإِنْ كَانَ تَمْرًا أَوْ أَجْنَاسًا فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَة اِخْتِلَاف الْأَيْدِي فِي الطَّبَق وَنَحْوه، وَالَّذِي يَنْبَغِي تَعْمِيم النَّهْي حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى عُمُومه حَتَّى يَثْبُت دَلِيل مُخَصِّص. • هل يستثنى من ذلك شيء؟ نعم. أولاً: إذا كان الطعام منوعاً. عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. قال (إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ. قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ. قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ) متفق عليه ثانياً: إذا كان الإنسان لوحده.

стр. 1920

١٠٥٠ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَقَالَ: "كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ اَلْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا). رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. === (بِقَصْعَةٍ) بفتح القاف، إناء من خشب يوضع فيه الطعام. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: استحباب الأكل من جوانب القصعة وترك الأكل من وسطها. وهذا النهي للكراهة عند جماهير العلماء. • بما علل النبي ﷺ ذلك؟ علل بقوله (فَإِنَّ اَلْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا). • لماذا نهى النبي ﷺ عن الأكل من وسط القصعة مع أن البركة تنزل فيها؟ لأنهم متى فعلوا ذلك ذهبت البركة من الطعام، وربما لم يصب أحدهم منها شيئاً؛ لأن أعلاها فيه البركة، ومتى ذهب بعضهم بأعلاها ذهبت البركة، ولم يبق شيء ينحدر منها من أعلاها إلى جوانبها، وفي هذا من سوء الأدب وسوء العشرة والشره والحرص وعدم القناعة ما يجعل الناس يشمئزون وينفرون من الطعام ومن مجلسه، وبذلك تذهب البركة أو تقل. قال الصنعاني ﵀: دل على النهي عن الأكل من وسط القصعة، وعلله بأنه تنزل البركة في وسطها، وكأنه إذا أكل منه لم تنزل البركة على الطعام .... (سبل السلام). وقال الحافظ العراقي ﵀: وجه النهي عن الأكل من الوسط أن وجه الطعام أفضله وأطيبه، فإذا قصده بالأكل استأثر به على رفقته، وهو ترك أدب وسوء عشرة. والمراد بالبركة هنا الإمداد من الله.

стр. 1921

١٠٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (مَا عَابَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اِشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (طعاماً) الطعام ما يطعمه من مأكول أو مشروب • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: السنة فيمن قدم له طعاماً إن اشتهاه أكله وإلا تركه، فلا يتكلم فيه بقدح أو عيب. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ لا ينبغي للإنسان أن يعيب طعاماً، لأن ذلك ينافي شكر نعمة الله. مدح والطعام والثناء عليه جائز فقد قال ﷺ : (نعم الإدام الخل). حسن خلق النبي حيث كان يحافظ على مشاعر الناس، فلا يقدح في عملهم ولا يخدش شعورهم. بيان حسن الأدب، لأن المرء قد لا يشتهي طعاماً ويشتهيه غيره.

стр. 1922

١٠٥٢ - وَعَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ; فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === • ما حكم الأكل باليمين؟ الحديث دليل على وجوب الأكل باليمين وتحريم الأكل بالشمال، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: وجوب الأكل باليمين وتحريمه بالشمال. اختاره ابن أبي موسى، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، ومحمد بن صالح العثيمين غيرهم. أ- لحديث الباب (لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَال). وجه الدلالة: دل الحديث على النهي عن الأكل بالشمال، بدلالة قوله (لا تأكلوا) وهذا نهي، والأصل في النهي إذا ورد مجرداً عن القرائن فإنه يقتضي التحريم. ب- وعن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ) رواه مسلم. قال ابن القيم: ومقتضى هذا تحريم الأكل بها، وهو الصحيح، فإن الآكل بها، إما شيطان، وإما مشبه به. ج- ولحديث السابق (يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك). وجه الدلالة: أمر النبي ﷺ بالأكل باليمين. قال العيني: وأما الأكل باليمين فقد ذهب بعضهم إلى أنه واجب لظاهر الأمر. د- وعن سَلمة بنِ عمرو بنِ الأكوع ﵁ (أنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُول الله ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينكَ) قَالَ: لا أسْتَطيعُ. قَالَ: (لا استَطَعْتَ) مَا مَنَعَهُ إلاَّ الكِبْرُ فمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيه) رواه مسلم. قال الشيخ ابن عثيمين: فيه استعمال الاستطاعة بمعنى الإرادة، فقوله (لا أستطيع) أي: لا أريد، ومنه قول الحواريين (هل يستطيع ربك) أي: هل يريد ربك. (قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ) هذا دعاء منه ﷺ عليه، لأنه لم له في ترك الأكل باليمين عذر، وإنما قصد المخالفة. (قَالَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ) أي: أن ذلك الرجل لم يستطع بعد ذلك اليوم أن يرفع يده اليمنى إلى فيه، وهو كناية أنها شلّت بدعائه ﷺ عليه.

стр. 1923

قال الصنعاني في شرح حديث الباب: وفي الحديث دليل على وجوب الأكل باليمين للأمر به أيضاً، ويزيده تأكيداً أنه ﷺ أخبر بأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وفعل الشيطان يحرم على الإنسان ويزيده تأكيداً أن رجلا أكل عنده ﷺ بشماله فقال: "كل بيمينك" فقال: لا أستطيع قال: "لا استطعت ما منعه إلا الكبر" فما رفعها إلى فيه، أخرجه مسلم، ولا يدعو ﷺ إلا على من ترك الواجب، وأما كون الدعاء لتكبره فهو محتمل أيضاً، ولا ينافي أن الدعاء عليه للأمرين معاً. (سبل السلام) القول الثاني: أن الأكل باليمين مستحب لا واجب. وهذا مذهب الجمهور. فهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، اختاره ابن المنذر. استدلوا بما سبق من أدلة القول الأول وحملوا الأمر بالأكل باليمين على الاستحباب والندب، والنهي عن الأكل بالشمال على الكراهة والتنزيه؛ لأن الصارف لذلك هو قصد الإرشاد والأدب والفضيلة. قال أبو العباس القرطبي: هذا الأمر على جهة الندب، لأنه من باب تشريف اليمن على الشمال، لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال، ثم هي مشتقة من اليُمن والبركة، وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها كما ذم أهل النار حين نسبهم إلى الشمال، وعلى الجملة: فاليمين وما نسب إليها، وما اشتق منها محمود لساناً، وشرعاً، ودنيا، وآخرة. والشمال على النقيض من ذلك … ، وإذا كان هذا، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق، والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة، والأحوال النظيفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية. وأما إزالة الأقذار والأمور الجسيمة فبالشمال لما يناسبها من الحقارة، والاسترذال. وأجاب الجمهور عن أدلة من قال بالوجوب: قالوا: وأما التشبيه بالشيطان فلا يفيد الحرمة، فقد أخبرنا النبي ﷺ بأن المجلس بين الظل والشمس مجلس الشيطان. رواه أحمد. وأخبرنا ﷺ في أمر القيلولة بقوله: قيلوا فإن الشيطان لا يقيل. رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني بتعدد طرقه وإن ضعفه غيره. وفي سنن ابن ماجه: وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله. قال المنذري: إسناده صحيح. وصححه المناوي، والجماهير من العلماء على عدم وجوب القيلولة، وعدم وجوب المناولة باليمين، إلى غير ذلك. وأما حديث الباب (سلمة بن الأكوع) فأجابوا عنه: أولاً: قيل إن الرجل منافق، بدليل رده أمر رسول الله ﷺ كبرًا واستعلاءً. جزم بذلك القاضي عياض. ثانياً: وقيل أن الدعاء عليه لمخالفة الحكم الشرعي عمومًا. جزم بذلك الإمام النووي. وقيل: أن الدعاء عليه لكبره. قال المناوي في فيض القدير: ودعاؤه على الرجل إنما هو لكبره الحامل له على ترك الامتثال، كما هو مبين.

стр. 1924

١٠٥٣ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي اَلْإِنَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ١٠٥٤ - وَلِأَبِي دَاوُدَ: عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ (أَوْ يَنْفُخْ فِيهِ) وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: النهي عن التنفس في الإناء الذي يشرب منه. • ما الحكمة من النهي عن ذلك؟ قال النووي: النهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك. وقال الحافظ ابن حجر: وهذا النهي للتأدب لإرادة المبالغة في النظافة، إذ قد يخرج مع النفس بصاق، أو مخاط، أو بخار رديء، فيكسبه رائحة كريهة فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه. وقال الصنعاني: والنهي عن التنفس في الإناء لئلا يقذره على غيره أو يسقط من فمه أو أنفه ما يفسده على الغير. إذاً: محاذير التنفس في الإناء: أ- أنه يقذر الشراب على من بعده. ب- أن النفس ربما حمل أمراضاً يتلوث بها الإناء. ج-أنه يخشى عليه من الشّرَق. (منحة العلام). فائدة: قال القرطبي: نهيه ﷺ عن التنفس في الإناء إنما هو لئلا يتنفس فيه فيتقذر الماء ببزاقٍ يخرج من الفم، أو بريح كريهة تتعلَّق بالماء، أو بالإناء، وعلى هذا: فإذا لم يتنفس في الإناء فليشرب في نفسٍ واحد ما شاء. قاله عمر بن عبد العزيز. وأجازه جماعة؛ منهم: ابن المسيِّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس. وكره ذلك قومٌ؛ منهم: ابن عباس، وطاووس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان. والقول الأول أظهر لقوله في للذي قال: إنه لا يروي من نفس واحدٍ: (أَبِنِ القَدَحَ عن فِيكَ، ثم تَنَفَّس) وظاهره: أنه أباح له الشرب في نفس واحدٍ إذا كان يَروى منه.

стр. 1925

• ما السنة للشارب إذا شرب من الإناء؟ السنة ألا يشرب في نَفَس واحد، بل يشرب في نفَسين أو ثلاثة مع فصل القدح عن فيه. عَنْ أَنَسٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا) وَيَقُولُ «إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ». قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا. معنى قوله (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا). قال ابن القيم ﵀: معنى تنفسه في الشراب: إبانته القدح عن فيه، وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشراب. وفى هذا الشرب حِكَم جَمَّة، وفوائد مهمة، وقد نبه ﷺ على مَجامعها بقوله: (إنه أروى، وأمرأ، وأبرأ)؛ فأروى: أشد رِيَّا وأبلغه وأنفعه. وأبرأ: من البرء، وهو الشفاء، أي: يبرئ من شدة العطش ودائه، لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه، وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة، ونهلة واحدة؛ فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يقلع عنها، ولما تكسر سورتها وحدتها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية، بخلاف كسرها على التمهل والتدريج. وأيضا فإنه أسلم عاقبة، وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرة كميته، أو يضعفها فيؤدى ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد " انتهى باختصار. (زاد المعاد). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: يؤخذ من ذلك: أنه أقمع للعطش، وأقوى على الهضم، وأقلُّ أثرًا في ضعف الأعضاء وبرد المعدة .... (الفتح). وقال ولي الله الدهلوي: المعدة إذا وصل إليها الماء قليلاً قليلاً صرفته الطبيعة إلى ما يهمها، وإذا هجم عليها الماء الكثير تحيرت في تصريفه، والمبرود إذا ألقى في معدته الماء أصابته البرودة لضعف قوته من مزاحمة القدر الكثير، بخلاف ما إذا تدرج، والمحرور إذا ألقى على معدته ماء دفعة حصلت بينهما المدافعة ولم تتم البرودة، وإذا ألقى شيئاً فشيئاً وقعت المزاحمة أولا ثم ترجحت البرودة. (حجة الله البالغة) وقال النووي: مَعْنَاهُ: فِي أَثْنَاء شُرْبه مِنْ الْإِنَاء أَوْ فِي أَثْنَاء شُرْبه الشَّرَاب. وَاللَّهُ أَعْلَم. وقَوْله ﷺ (أَرْوَى) مِنْ الرِّيّ أَيْ أَكْثَر رِيًّا، وَأَمْرَأ وَأَبْرَأ مَهْمُوزَانِ.

стр. 1926

وَمَعْنَى (أَبْرَأ) أَيْ: أَبْرَأ مِنْ أَلَم الْعَطَش، وَقِيلَ: أَبْرَأ أَيْ أَسْلَم مِنْ مَرَض أَوْ أَذَى يَحْصُل بِسَبَبِ الشُّرْب. فِي نَفَس وَاحِد. وَمَعْنَى (أَمْرَأ) أَيْ أَجْمَل اِنْسِيَاغًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم). وقال القرطبي: … وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى: الشرب مصدرًا، لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب. فتأمله، فإنَّه حسنٌ معنًى، وفصيحٌ لغةً، فإنَّه يقال: شرب شُربًا وشرابًا بمعنى واحد. (المفهم) فقوله إذاً (يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا) أي: يتنفس في شربه ثلاثاً، وليس معناها أنه يتنفس في الإناء. كما قال بعضهم: فعل ذلك ليبيِّن به جواز ذلك. ومنهم من علل جواز ذلك في حقه ﷺ بأنه لم يكن يُتَقَذَّرُ منه شيء، بل الذي يُتَقَذَّرُ من غيره يُستطاب منه، فإنَّهم كانوا إذا بزق، أو تنخع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. قال القرطبي: وحمل هذا الحديث على هذا ليس بصحيح؛ بدليل بقية الحديث، فإنَّه قال (إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ) وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب: فلا يأمن الشَّرَق، ويحصل تقذير الماء، وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء، أو خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة. وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور. وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظرًا إلى المعنى، ولبقية الحديث. (المفهم). وهناك حديث آخر يوضح الحديث السابق: فقد روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الْإِنَاءَ، ثُمَّ لِيَعُدْ إِنْ كَانَ يُرِيد) رواه ابن ماجه. • ما حكم النفخ في إناء الطعام؟ مكروه. • ما الحكمة من النهي؟ قال الشوكاني: عند شرحه لقوله ﷺ (أو ينفخ فيه) قال: أي في الإناء الذي يشرب منه، والإناء يشمل إناء الطعام والشراب، فلا ينفخ في الإناء ليذهب ما في الماء من قذارة ونحوها، فإنه لا يخلو النفخ غالباً من بزاق يستقذر منه، وكذا لا ينفخ في الإناء لتبريد الطعام الحار، بل يصبر إلى أن يبرد، ولا يأكله حاراً، فإن البركة تذهب منه، وهو شراب أهل النار.

стр. 1927

وقال العلامة المناوي ﵀: والنفخ في الطعام الحار يدل على العجلة الدالة على الشَّرَه وعدم الصبر وقلة المروءة. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وذلك لأن الإنسان إذا نفخ ربما يحصل من الهواء الذي يخرج منه أشياء مؤذية أو ضارة، كمرض ونحوه. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: والنفخ أشد من التنفس". • متى تزول الكراهة؟ إذا كانت هناك حاجة تدعو إلى النفخ في الطعام أو الشراب لتبريده، وكان يحتاج إلى أن يأكل أو يشرب ويشق عليه أن ينتظره ليبرد، فإن الكراهة تزول حينئذ كما صرح بذلك بعض أهل العلم، قال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (٨/ ٣٢٨): قال الآمدي: لا يكره النفخ في الطعام إذا كان حاراً. قلت (المرداوي) وهو الصواب، إن كان ثَمَّ حاجة إلى الأكل حينئذ. وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين: إلا أن بعض العلماء استثنى من ذلك ما دعت إليه الحاجة، كما لو كان الشراب حاراً ويحتاج إلى السرعة، فرخص في هذا بعض العلماء، ولكن الأولى أن لا ينفخ حتى لو كان حاراً؛ إذا كان حاراً وعنده إناء آخر فإنه يصبه في الإناء ثم يعيده ثانية حتى يبرد" انتهى. • هل يقاس عليه كل ما يؤدي إلى تلويث الطعام؟ نعم. قال الشوكاني: وكما لا يتنفس في الإناء لا يَتَجَشَّأُ فيه " انتهى. والتَّجَشُّأُ: تنفُّسُ المعدة عند الامتلاء "لسان العرب (١/ ٤٨). بَابُ الْقَسْمِ تعريفه: القسْم بفتح فسكون، وهو بمعنى القسمة وهو العطاء، والمراد به هنا: القسْم بين الزوجات، وهو إعطاء المرأة حقها في البيتوتة عندها للصحبة والمؤانسة. (وقيل توزيع الزمان بين الزوجات). وعرفه بعضهم بقوله (القسم هو مبيت الزوج مع زوجته في نوبتها سواء حصل في هذا المبيت وطء أم لم يحصل.

стр. 1928

١٠٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ، فَيَعْدِلُ، وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِك) رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَلَكِنْ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ إِرْسَالَه. ١٠٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِل) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. === (اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ) أي: فيما أقدر عليه. (فَلَا تَلُمْنِي) أي: لا تؤاخذني. (فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِك) قال أبو داود: يعني القلب. (شقه مائل) أي نصفه مائل، قيل: بحيث يراه أهل العرصات ليكون هذا زيادة في التعذيب • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث عائشة مختلف فيه والصواب إرساله، كما نص على ذلك أبو زرعة والترمذي والدارقطني. وأشار النسائي إلى ذلك. قال أبو زرعة: لا أعلم أحداً تابع حماداً (أي ابن سلمة). قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلا قال: وهذا أصح. - وحديث أبي هريرة سنده صحيح كما قال المصنف ﵀. • ماذا نستفيد من الأحاديث؟ نستفيد: أنه يجب على الزوج أن يسوي بين زوجاته في القسم. وذلك في المبيت والنفقة والكسوة. أ- لقوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). قال ابن قدامة: وليس مع الميل معروف. ب- ولحديث عائشة. ج- ولحديث أبي هريرة (من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل).

стр. 1929

قال الشوكاني: وفيه دليل على تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى إذا كان ذلك في أمر يملكه الزوج كالقسمة والطعام والكسوة. د- وعن عَائِشَةَ قَالَتْ (لَمَّا (ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ) متفق عليه. من هذا الحديث قال العلماء بوجوب القسم على الزوج ولو كان مريضاً هذا إذا استطاع فإن شق عليه ذلك استأذن في المكوث عند واحدة منهن كما فعل النبي ﷺ في استئذانه باقي نسوته في المكوث عند عائشة السابق الذكر فأذن له فمكث عندها حتى مات في بيتها. وقال العلامة ابن حجر العسقلاني تعقيباً على هذا الحديث: والغرض منه هنا أن القسم لهن يسقط بأذنهن في ذلك فكأنهن وهبن أيامهن للتي هو في بيتها. عن جابر بن زيد قال: كانت لي امرأتان وكنت أعدل بينهما حتى في القبل. وعن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يعدلوا بين النساء، حتى في الطيب يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم في وجوب القسم، والتسوية بين الزوجات في القسم خلافاً. • هل يجب أن يعدل بين زوجاته في النفقة والكسوة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجب عليه، إذا كفّى كل واحدة وأعطى واحدة منهن زيادة. وهذا قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال ابن قدامة ﵀: وليس عليه التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن، قال أحمد في الرجل له امرأتان: له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والسكن، إذا كانت الأخرى في كفاية، ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه، وتكون تلك في كفاية. مثال: لو أعطى الأولى ١٠٠ وهو كفايتها، وأعطى الثانية ١٠٠ كفايتها وزادها ١٠٠. قالوا: لأنه أدى الواجب للأولى [وهو كفايتها] ولم يظلمها. أ-أن التسوية في النفقة والكسوة فيما زاد على الواجب أمر يصعب التحرز منه، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج، فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء. ب-أن حقهن في النفقة والكسوة، وقد سوى بينهن، وما زاد على ذلك فهو متطوع، فله أن يفعله إلى من شاء.

стр. 1930

القول الثاني: يجب عليه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. أ- لعموم قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). ب- ولحديث الباب (من كان له امرأتان … ). قال الشوكاني ﵀: قوله (يميل لإحداهما) فيه دليل على تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى، إذا كان ذلك في أمر يملكه الزوج، كالقسمة والطعام والكسوة، ولا يجب على الزوج التسوية بين الزوجات فيما لا يملكه، كالمحبة ونحوها … وقد ذهب أكثر الأئمة إلى وجوب القسمة بين الزوجات. ج- ولأن عدم العدل بين الزوجات في النفقة يوغر الصدور، ويثير الأحقاد، مما يؤثر على الحياة الزوجية ويعكر صفوها، (والعدل في النفقة أن يعطي كل واحدة ما يكفيها). وهذا القول أقرب للصواب، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختاره الشيخ السعدي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وعلماء اللجنة الدائمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما العدل في " النفقة والكسوة " فهو السنة أيضًا اقتداء بالنبي ﷺ ، فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة؛ مع تنازع الناس في القسم: هل كان واجباً عليه؟ أو مستحباً له؟ وتنازعوا في العدل في النفقة: هل هو واجب؟ أو مستحب؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة. • هل يجب عليه أن يسوي بين زوجاته في الوطء؟ لا يجب عليه. أ- لقوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ). قال البغوي: أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ولو حرصتم على العدل. وقال القرطبي: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.
следующие страницы →