← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وَمَعْنَى (أَبْرَأ) أَيْ: أَبْرَأ مِنْ أَلَم الْعَطَش، وَقِيلَ: أَبْرَأ أَيْ أَسْلَم مِنْ مَرَض أَوْ أَذَى يَحْصُل بِسَبَبِ الشُّرْب. فِي نَفَس وَاحِد. وَمَعْنَى (أَمْرَأ) أَيْ أَجْمَل اِنْسِيَاغًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم). وقال القرطبي: … وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى: الشرب مصدرًا، لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب. فتأمله، فإنَّه حسنٌ معنًى، وفصيحٌ لغةً، فإنَّه يقال: شرب شُربًا وشرابًا بمعنى واحد. (المفهم) فقوله إذاً (يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا) أي: يتنفس في شربه ثلاثاً، وليس معناها أنه يتنفس في الإناء. كما قال بعضهم: فعل ذلك ليبيِّن به جواز ذلك. ومنهم من علل جواز ذلك في حقه ﷺ بأنه لم يكن يُتَقَذَّرُ منه شيء، بل الذي يُتَقَذَّرُ من غيره يُستطاب منه، فإنَّهم كانوا إذا بزق، أو تنخع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. قال القرطبي: وحمل هذا الحديث على هذا ليس بصحيح؛ بدليل بقية الحديث، فإنَّه قال (إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ) وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب: فلا يأمن الشَّرَق، ويحصل تقذير الماء، وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء، أو خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة. وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور. وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظرًا إلى المعنى، ولبقية الحديث. (المفهم). وهناك حديث آخر يوضح الحديث السابق: فقد روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الْإِنَاءَ، ثُمَّ لِيَعُدْ إِنْ كَانَ يُرِيد) رواه ابن ماجه. • ما حكم النفخ في إناء الطعام؟ مكروه. • ما الحكمة من النهي؟ قال الشوكاني: عند شرحه لقوله ﷺ (أو ينفخ فيه) قال: أي في الإناء الذي يشرب منه، والإناء يشمل إناء الطعام والشراب، فلا ينفخ في الإناء ليذهب ما في الماء من قذارة ونحوها، فإنه لا يخلو النفخ غالباً من بزاق يستقذر منه، وكذا لا ينفخ في الإناء لتبريد الطعام الحار، بل يصبر إلى أن يبرد، ولا يأكله حاراً، فإن البركة تذهب منه، وهو شراب أهل النار.

стр. 1927

وقال العلامة المناوي ﵀: والنفخ في الطعام الحار يدل على العجلة الدالة على الشَّرَه وعدم الصبر وقلة المروءة. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وذلك لأن الإنسان إذا نفخ ربما يحصل من الهواء الذي يخرج منه أشياء مؤذية أو ضارة، كمرض ونحوه. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: والنفخ أشد من التنفس". • متى تزول الكراهة؟ إذا كانت هناك حاجة تدعو إلى النفخ في الطعام أو الشراب لتبريده، وكان يحتاج إلى أن يأكل أو يشرب ويشق عليه أن ينتظره ليبرد، فإن الكراهة تزول حينئذ كما صرح بذلك بعض أهل العلم، قال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (٨/ ٣٢٨): قال الآمدي: لا يكره النفخ في الطعام إذا كان حاراً. قلت (المرداوي) وهو الصواب، إن كان ثَمَّ حاجة إلى الأكل حينئذ. وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين: إلا أن بعض العلماء استثنى من ذلك ما دعت إليه الحاجة، كما لو كان الشراب حاراً ويحتاج إلى السرعة، فرخص في هذا بعض العلماء، ولكن الأولى أن لا ينفخ حتى لو كان حاراً؛ إذا كان حاراً وعنده إناء آخر فإنه يصبه في الإناء ثم يعيده ثانية حتى يبرد" انتهى. • هل يقاس عليه كل ما يؤدي إلى تلويث الطعام؟ نعم. قال الشوكاني: وكما لا يتنفس في الإناء لا يَتَجَشَّأُ فيه " انتهى. والتَّجَشُّأُ: تنفُّسُ المعدة عند الامتلاء "لسان العرب (١/ ٤٨). بَابُ الْقَسْمِ تعريفه: القسْم بفتح فسكون، وهو بمعنى القسمة وهو العطاء، والمراد به هنا: القسْم بين الزوجات، وهو إعطاء المرأة حقها في البيتوتة عندها للصحبة والمؤانسة. (وقيل توزيع الزمان بين الزوجات). وعرفه بعضهم بقوله (القسم هو مبيت الزوج مع زوجته في نوبتها سواء حصل في هذا المبيت وطء أم لم يحصل.

стр. 1928

١٠٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ، فَيَعْدِلُ، وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِك) رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَلَكِنْ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ إِرْسَالَه. ١٠٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِل) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. === (اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ) أي: فيما أقدر عليه. (فَلَا تَلُمْنِي) أي: لا تؤاخذني. (فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِك) قال أبو داود: يعني القلب. (شقه مائل) أي نصفه مائل، قيل: بحيث يراه أهل العرصات ليكون هذا زيادة في التعذيب • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث عائشة مختلف فيه والصواب إرساله، كما نص على ذلك أبو زرعة والترمذي والدارقطني. وأشار النسائي إلى ذلك. قال أبو زرعة: لا أعلم أحداً تابع حماداً (أي ابن سلمة). قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلا قال: وهذا أصح. - وحديث أبي هريرة سنده صحيح كما قال المصنف ﵀. • ماذا نستفيد من الأحاديث؟ نستفيد: أنه يجب على الزوج أن يسوي بين زوجاته في القسم. وذلك في المبيت والنفقة والكسوة. أ- لقوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). قال ابن قدامة: وليس مع الميل معروف. ب- ولحديث عائشة. ج- ولحديث أبي هريرة (من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل).

стр. 1929

قال الشوكاني: وفيه دليل على تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى إذا كان ذلك في أمر يملكه الزوج كالقسمة والطعام والكسوة. د- وعن عَائِشَةَ قَالَتْ (لَمَّا (ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ) متفق عليه. من هذا الحديث قال العلماء بوجوب القسم على الزوج ولو كان مريضاً هذا إذا استطاع فإن شق عليه ذلك استأذن في المكوث عند واحدة منهن كما فعل النبي ﷺ في استئذانه باقي نسوته في المكوث عند عائشة السابق الذكر فأذن له فمكث عندها حتى مات في بيتها. وقال العلامة ابن حجر العسقلاني تعقيباً على هذا الحديث: والغرض منه هنا أن القسم لهن يسقط بأذنهن في ذلك فكأنهن وهبن أيامهن للتي هو في بيتها. عن جابر بن زيد قال: كانت لي امرأتان وكنت أعدل بينهما حتى في القبل. وعن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يعدلوا بين النساء، حتى في الطيب يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم في وجوب القسم، والتسوية بين الزوجات في القسم خلافاً. • هل يجب أن يعدل بين زوجاته في النفقة والكسوة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجب عليه، إذا كفّى كل واحدة وأعطى واحدة منهن زيادة. وهذا قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال ابن قدامة ﵀: وليس عليه التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن، قال أحمد في الرجل له امرأتان: له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والسكن، إذا كانت الأخرى في كفاية، ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه، وتكون تلك في كفاية. مثال: لو أعطى الأولى ١٠٠ وهو كفايتها، وأعطى الثانية ١٠٠ كفايتها وزادها ١٠٠. قالوا: لأنه أدى الواجب للأولى [وهو كفايتها] ولم يظلمها. أ-أن التسوية في النفقة والكسوة فيما زاد على الواجب أمر يصعب التحرز منه، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج، فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء. ب-أن حقهن في النفقة والكسوة، وقد سوى بينهن، وما زاد على ذلك فهو متطوع، فله أن يفعله إلى من شاء.

стр. 1930

القول الثاني: يجب عليه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. أ- لعموم قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). ب- ولحديث الباب (من كان له امرأتان … ). قال الشوكاني ﵀: قوله (يميل لإحداهما) فيه دليل على تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى، إذا كان ذلك في أمر يملكه الزوج، كالقسمة والطعام والكسوة، ولا يجب على الزوج التسوية بين الزوجات فيما لا يملكه، كالمحبة ونحوها … وقد ذهب أكثر الأئمة إلى وجوب القسمة بين الزوجات. ج- ولأن عدم العدل بين الزوجات في النفقة يوغر الصدور، ويثير الأحقاد، مما يؤثر على الحياة الزوجية ويعكر صفوها، (والعدل في النفقة أن يعطي كل واحدة ما يكفيها). وهذا القول أقرب للصواب، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختاره الشيخ السعدي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وعلماء اللجنة الدائمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما العدل في " النفقة والكسوة " فهو السنة أيضًا اقتداء بالنبي ﷺ ، فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة؛ مع تنازع الناس في القسم: هل كان واجباً عليه؟ أو مستحباً له؟ وتنازعوا في العدل في النفقة: هل هو واجب؟ أو مستحب؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة. • هل يجب عليه أن يسوي بين زوجاته في الوطء؟ لا يجب عليه. أ- لقوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ). قال البغوي: أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ولو حرصتم على العدل. وقال القرطبي: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.

стр. 1931

وقال ابن كثير: أي: ولن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة. وقال الرازي: المعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل. وقال الشنقيطي: هذا العدل الذي ذكر الله تعالى هنا أنه لا يستطاع، هو العدل في المحبة والميل الطبيعي، لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع. ب- ولحديث الباب (أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك). ج- أن النبي ﷺ أخبر أن عائشة أحب نسائه إليه. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو مذهب مالك والشافعي وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك؛ فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الأخرى، قال الله تعالى (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)، قال عبيدة السلماني: في الحب والجماع. وإن أمكنت التسوية بينهما في الجماع: كان أحسن وأولى؛ فإنه أبلغ في العدل، … ولا تجب التسوية بينهن في الاستمتاع بما دون الفرج من القبل واللمس ونحوهما؛ لأنه إذا لم تجب التسوية في الجماع: ففي دواعيه أولى. (المغني). وقال ابن القيم: إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور، وإن وجد الداعي إليه، ولكنه إلى الضرة أقرب فليس بمعذور، وعليه أن يعدل. • هل يقسم لحائض ونفساء ومريضة؟ نعم. قال في المغني: لأن القسم للأنس، وذلك حاصل ممن لا يطأ. وقد روت عائشة: (أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور على نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟). رواه البخاري ومن الأدلة: ما رواه البخاري عن ميمونة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض).

стр. 1932

قال الشافعي ﵀: ويبيت عند المريضة التي لا جماع فيها، والحائض والنفساء؛ لأن مبيته سكن إلف وإن لم يكن جماع أو أمر تحبه المرأة وترى الغضاضة عليها في تركه .... (الأم). وفي كشاف القناع (وَيقسِمُ الزَّوْجُ لزَوْجَةٍ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمَرِيضَةٍ؛ لأَنَّ الْقَصْدَ السَّكَنُ وَالإِيوَاءُ وَالأُنْسُ وَحَاجَتُهُنَّ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِك). • ما هو عماد القسْم؟ عماد القسم بالليل لمن كان معاشه بالنهار. قال ابن قدامة: لا خلاف في هذا، وذلك أن الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الإنسان إلى منزله ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة، والنهار للمعاش والخروج والتكسب، إلا أن يكون ممن معاشه بالليل كالحراس ومن أشبههم، فإنه يقسم بين نسائه بالنهار، ويكون الليل في حقه كالنهار في حق غيره. • هل يجوز الدخول على الزوجة الثانية في ليلة ضرتها؟ يجوز ليلاً للضرورة. وفي النهار يجوز عند الحاجة، كمرض يصيبها فتحتاج إليه. • هل كان القسم واجباً على النبي ﷺ أم لا؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: كان واجباً عليه. القول الثاني: لم يكن واجباً عليه. (وستأتي المسألة إن شاء الله).

стр. 1933

١٠٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ (مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. ١٠٦٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي) رَوَاهُ مُسْلِم. === (من السنة) المراد السنة الواجبة. قال النووي: هَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي رَفْعه إِلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيّ: السُّنَّة كَذَا، أَوْ: مِنْ السُّنَّة كَذَا، فَهُوَ فِي الْحُكْم كَقَوْلِهِ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : كَذَا. هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْمُحَدِّثِينَ وَجَمَاهِير السَّلَف وَالْخَلَف وَجَعَلَهُ بَعْضهمْ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا) أي: أم سلمة. (أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ) لما طلبت منه أن لا يخرج، ففي رواية لمسلم (أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة، فدخل عليها، فأراد أن يخرج أخذت بثوبه). (إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ) قيل: المراد بالأهل قبيلتها، وقيل: أراد بالأهل نفسه ﷺ ، أي: ليس اقتصاري على الثلاثة لهوانك عليّ، ولا لعدم رغبتي فيك، ولكن لأنه الحكم الشرعي. • ماذا نستفيد من الأحاديث؟ نستفيد: أن الرجل إذا تزوج امرأة جديدة، فإنه يجلس عندها سبعاً إذا كانت بكراً، ويجلس عندها ثلاثاً إذا كانت الزوجة الجديدة ثيباً. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد. قال في المغني: متى تزوج صاحب النسوة امرأة جديدة قطع الدور وأقام عندها سبعاً إن كانت بكراً لا يقضيها للباقيات، وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً ولا يقضيها. وقال النووي: وَفِيهِ أَنَّ حَقّ الزِّفَاف ثَابِت لِلْمَزْفُوفَةِ وَتَقَدَّمَ بِهِ عَلَى غَيْرهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْر كَانَ لَهَا سَبْع لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا بِلَا قَضَاء، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كَانَ لَهَا الْخِيَار إِنْ شَاءَتْ سَبْعًا، وَيَقْضِي السَّبْع لِبَاقِي النِّسَاء، وَإِنْ شَاءَتْ ثَلَاثًا وَلَا يَقْضِي. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن جَرِير وَجُمْهُور الْعُلَمَاء. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْحَكَم وَحَمَّاد: يَجِب قَضَاء الْجَمِيع فِي الثَّيِّب وَالْبِكْر وَاسْتَدَلُّوا بِالظَّوَاهِرِ الْوَارِدَة بِالْعَدْلِ بَيْن الزَّوْجَات. وَحُجَّة الشَّافِعِيّ هَذِهِ الْأَحَادِيث وَهِيَ مُخَصَّصَة لِلظَّوَاهِرِ الْعَامَّة. مثال: رجل عنده زوجة اسمها فاطمة، ثم بعد ذلك تزوج امرأة أخرى اسمها عائشة وكانت بكراً، فنقول: يجلس عند عائشة سبع أيام ثم يقسم.

стр. 1934

• ما الحكمة من ذلك؟ أ- أن البكر تنفر من الرجل أكثر من نفور الثيب. ب- أن رغبة الرجل في البكر أكثر من رغبته في الثيب. • هل هذا الحكم خاص بمن له زوجات، أو حتى ولو لم يكن له زوجة غيرها؟ قال النووي: وَاخْتَلَفُوا فِي اِخْتِصَاصه بِمَنْ لَهُ زَوْجَات غَيْر الْجَدِيدَة. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقّ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الزِّفَاف سَوَاء كَانَ عِنْده زَوْجَة أَمْ لَا. لِعُمُومِ الْحَدِيث (إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْر أَقَامَ عِنْدهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّب أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا)، لَمْ يَخُصّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَة. وَقَالَتْ طَائِفَة: الْحَدِيث فِيمَنْ لَهُ زَوْجَة أَوْ زَوْجَات غَيْر هَذِهِ. لأنَّ مَنْ لَا زَوْجَة لَهُ فَهُوَ مُقِيم مَعَ هَذِهِ كُلّ دَهْره مُؤْنِس لَهَا مُتَمَتِّع بِهَا مُسْتَمْتِعَة بِهِ بِلَا قَاطِع بِخِلَافِ مَنْ لَهُ زَوْجَات فَإِنَّهُ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَيَّام لِلْجَدِيدَةِ تَأْنِيسًا لَهَا مُتَّصِلًا لِتَسْتَقِرّ عِشْرَتهَا لَهُ وَتَذْهَب حِشْمَتهَا وَوَحْشَتهَا مِنْهُ، وَيَقْضِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لَذَّته مِنْ صَاحِبه وَلَا يَنْقَطِع بِالدَّوَرَانِ عَلَى غَيْرهَا. وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاض هَذَا الْقَوْل وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي فَتَاوِيه فَقَالَ: إِنَّمَا يَثْبُت هَذَا الْحَقّ لِلْجَدِيدَةِ إِذَا كَانَ عِنْده أُخْرَى يَبِيت عِنْدهَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُخْرَى أَوْ كَانَ لَا يَبِيت عِنْدهَا لَمْ يَثْبُت لِلْجَدِيدَةِ حَقّ الزِّفَاف، كَمَا لَا يَلْزَمهُ أَنْ يَبِيت عِنْد زَوْجَاته اِبْتِدَاء. وَالْأَوَّل أَقْوَى وَهُوَ الْمُخْتَار لِعُمُومِ الْحَدِيث. (نووي). • هل يقضي للنساء الأخريات سبع ليال أو يقضي أربع، لأن المرأة حقها ثلاث، والأربع هذه ليست من حقها؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: أنه يقضي للنساء الأخريات سبعاً. لظاهر حديث الباب (إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائي). القول الثاني: أنه يقسم للبواقي أربعاً. وهذا مذهب الحنفية. لأنه جلس مع زوجته الجديدة أربعاً زائدة ولا فضل للجديدة في القسم على القديمة.

стр. 1935

١٠٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: جواز تنازل المرأة من حقها في القسم ووهبها نوبتها لضرتها. قال تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ (خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ فَنَزَلَتْ: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ). رواه الترمذي وهكذا فسَّرت عائشةُ ﵂ الآيةَ: فعَنْ عَائِشَةَ ﵂: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) قَالَتْ: هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا، تَقُولُ لَهُ: أَمْسِكْنِي وَلَا تُطَلِّقْنِي، ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِي، فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيَّ، وَالْقِسْمَةِ لِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) رواه البخاري ومسلم. قال ابن كثير ﵀: إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يطلقها: فلها أن تسقط حقها، أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها؛ ولهذا قال تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا)، ثُمَّ قَالَ: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)، أي: من الفراق. • ماذا يشترط لذلك؟ يشترط: أن يرضى الزوج بذلك، لأن الأصل أن حق الزوج متعلق بالزوجة الواهبة، فليس لها أن تسقط حق زوجها إلا برضاه، وسودة وهبت يومها من النبي ﷺ لعائشة، وقد قبِلَ النبي ﷺ ذلك، فكان يقسم لعائشة يومين. • هل للمرأة أخذ العوض على الهبة؟ المذهب أنه لا يجوز. واختار شيخ الإسلام: أن ذلك جائز. لأنه أخذ عوض على حق فأشبه سائر الحقوق، فإذا أخذت عوضاً من زوجها أو من الموهوب لها فذلك جائز لأنه حق لها.

стр. 1936

• لماذا فعلت سودة ذلك؟ فعلت ذلك لأمور: الأمر الأول: جاء عند البخاري (تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ . الأمر الثاني: جاء عند مسلم (لما كبرت سودة جعلت يومها لعائشة). الأمر الثالث: خوفها أن يطلقها رسول الله ﷺ ، قالت عائشة (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكْثِه عندنا، … ولقد قالت سودة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله! يومي لعائشة، فقَبِل رسول الله ﷺ منها). رواه أبو داود وقد جاء عند ابن سعد في الطبقات أوضح من هذا (قالت للرسول ﷺ : إني أريد أن أبقى معك لأجل أن أبعث مع أزواجك يوم القيامة وإن يومي وهبته لعائشة). • على ماذا يدل تصرفها هذا؟ يدل على أمرين: الأول: على فقهها، لأن الرسول ﷺ لو طلقها لم تبقى من أمهات المؤمنين ولم تكن من أزواجه في الدار الآخرة. الثاني: وكونها اختارت عائشة بالذات، هذا يدل على محبتها للرسول ﷺ وشفقتها عليه، لأنها تعلم أن عائشة أحب نسائه إليه، فكان إهداء قسْمها لعائشة مما يسر النبي ﷺ . • هل يجوز للواهبة الرجوع؟ الجمهور أنه يجوز أن ترجع. • هل يجوز للمرأة أن تهب نوبتها للزوج؟ نعم يجوز، فيتصرف فيها كيف يشاء، وللزوج أن يجعلها لمن شاء من زوجاته. لكن إن شاء جعلها للجميع، ومعنى للجميع: بدل ما كان يقسم لأربع، يصير الآن يقسم لثلاث، فصار الجميع اسْتفدْن من حقوق هذه الليلة، بخلاف ما لو أعطيت لواحدة. وله أن يخص به واحدة منهن، لكن كونه للجميع هذا أقرب للعدل وأبعد عن الميل.

стр. 1937

١٠٦٠ - وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا اِبْنَ أُخْتِي (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي اَلْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ اِمْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ اَلَّتِي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتَ عِنْدَهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم. ١٠٦١ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى اَلْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ) اَلْحَدِيث. === • هل القسْم كان واجباً على النبي ﷺ -؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن القسم كان واجباً عليه ﷺ . أ-لعموم الأدلة القاضية على وجوب القسم بين النساء، كقوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا). ب- وبقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم. ج- وبحديث عائشة السابق (هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني .... ). ج- واستدلوا باستئذان رسول الله ﷺ أهله في أن يمرض في بيت عائشة ﵂ عن عَائِشَة قَالَتْ (أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا وَأَذِنَّ لَهُ … ). متفق عليه قالوا: لو كان القسم ليس واجباً عليه لما احتاج إلى استئذانهن في ذلك. القول الثاني: لم يكن واجباً. أ- لقوله تعالى (تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً). قال أبو بكر الجصاص ﵀: وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجباً على النبي ﷺ ، وأنه كان مخيراً في القسم لمن شاء منهن، وترك من شاء منهن. ب- ولحديث أنس المتقدم (أن اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِد). فكونه يدور على نسائه في الساعة الواحدة ينافي وجوب القسم. وحمل أصحاب هذا القول حديث ﷺ (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) على مكارم الأخلاق وجميل العشرة منه ﷺ .... والله أعلم.

стр. 1938

وأجاب أصحاب القول الأول عن حديث أنس (طاف على نسائه في ليلة واحدة بغسل واحد). ليس في هذا الحديث دليل لمن كان تحته أكثر من واحدة، أن يدخل عليهن ويجامعهن في ليلة التي هو يومها، إلا أن يكون ذلك عن رضا منهن. قال النووي ﵀: قد يقال: قد قال الفقهاء: أقل القسم ليلة لكل امرأة، فكيف طاف على الجميع في ليلة واحدة؟ وجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا كان برضاهن، ولا خلاف في جوازه برضاهن كيف كان. والثاني: أن القسم في حق النبي ﷺ هل كان واجباً في الدوام؟ فيه خلاف لأصحابنا، قال أبو سعيد الإصطخري: لم يكن واجباً، وإنما كان يقسم بالسوية، ويقرع بينهن تكرماً وتبرعاً لا وجوباً، وقال الأكثرون: كان واجباً، فعلى قول الإصطخري لا إشكال. (شرح مسلم). والجواب الثالث: ما ذكره ابن عبد البر ﵀ حيث قال: وهذا معناه في حين قدومه من سفر أو نحوه، في وقت ليس لواحدة منهن يوم معين معلوم، فجمعن حينئذ، ثم دار بالقسم عليهن بعد -والله أعلم - لأنهن كن حرائر وسنته ﵇ فيهن العدل في القسم بينهن، وألا يمس الواحدة في يوم الأخرى. (الاستذكار). • هل يجوز للزوج أن يدخل على الزوجة في غير نوبتها؟ نعم، يجوز للزوج أن يدخل على الزوجة في غير نوبتها نهاراً للحاجة. قال ابن قدامة: وأما الدخول في النهار إلى المرأة في يوم غيرها فيجوز للحاجة من دفع النفقة، أو عيادة، أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته، أو زيارتها لبعد عهده ونحو ذلك، لما روت عَائِشَةُ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا. (المغني) وقال في الكافي: فأما الدخول على غيرها في يومها فيجوز للحاجة من غير أن يطيل ولا يجامع.

стр. 1939

١٠٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ اَلَّذِي مَاتَ فِيهِ: " أَيْنَ أَنَا غَدًا؟، يُرِيدُ: يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن المريض يقسم بين نسائه، وأن المرض ليس عذراً في ترك القسم. قال ابن قدامة: ويقسم المريض والمجبوب والعنين والخنثى والخصي. وبذلك قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن القسم للأنس، وذلك حاصل ممن لا يطأ. وقد روت عائشة (أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه، جعل يدور في نسائه، ويقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟). رواه البخاري فإن شق عليه ذلك، استأذنهن في الكون عند إحداهن، كما فعل النبي ﷺ . عَنْ عَائِشَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى النِّسَاءِ، - تَعْنِي فِي مَرَضِهِ - فَاجْتَمَعْنَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَعَلْتُنَّ فَأَذِنَّ لَهُ) رواه أبو داود. فإن لم يأذن له، أقام عند إحداهن بالقرعة أو اعتزلهن جميعاً إن أحب. (المغني). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ • الحديث دليل على شدة مرض النبي ﷺ وأن الأنبياء يشدد عليهم عند الموت، وكانت بداية مرض النبي ﷺ عند عودته من البقيع. • الحديث دليل على فضل ومكانة عائشة، وقد جاء في رواية أنه كان يقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ قال الكرماني: استبطاء ليوم عائشة، يستطيل اليوم اشتياقاً إليها وإلى نوبتها. • الحديث دليل على عدله ﷺ مع أزواجه، وقد تمثل ذلك في استئذانه أزواجه أن يمرض في بيت عائشة. قال ابن حجر: واستدل به على أن القسم كان واجباً عليه، ويحتمل أن يكون فعل ذلك تطييباً لهن. • مشروعية العدل بين الزوجات في حقه ﷺ . • جواز استئذان أصحاب الحقوق في الإقالة من حقوقهم

стр. 1940

١٠٦٣ - وَعَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أنه يجب على أن الرجل إذا أراد السفر بإحدى نسائه أن يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة سافر بها. لأن السفر ببعضهن من غير قرعة فيه تفضيل وميل، وهذا لا يجوز. والقول بالوجوب هو الحق، وأنه يجب على الزوج أن يقرع بينهن. قال ابن قدامة: وجملته أن الزوج إذا أراد سفراً، فأحب حمل نسائه معه كلهن، أو تركهن كلهن، لم يحتج إلى قرعة؛ لأن القرعة لتعيين المخصوصة منهن بالسفر، وهاهنا قد سوى، وإن أراد السفر ببعضهن لم يجز له أن يسافر بها إلا بقرعة. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن مالك أن له ذلك من غير قرعة. وليس بصحيح، فإن عائشة روت (أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفراً، أقرع بين نسائه، وأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه). متفق عليه ولأن في المسافرة ببعضهن من غير قرعة تفضيلاً لها، وميلاً إليها، فلم يجز بغير قرعة كالبداية بها في القسم. (المغني). أما بالنسبة للنبي ﷺ فمن قال: بوجوب القسم عليه فالأمر واضح، ومن قال: إن القسم ليس واجباً عليه قال: إن هذه القرعة من مكارم أخلاقه، ولطف شمائله، وحسن معاملته. • هل يقضي للحاضرة بعد رجوعه؟ لا يقضي. قال ابن قدومه: ولا يلزمه القضاء للحاضرات بعد قدومه. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن داود أنه يقضي؛ لقول الله تعالى (فلا تميلوا كل الميل). ولنا، أن عائشة لم تذكر قضاء في حديثها، ولأن هذه التي سافر بها يلحقها من مشقة السفر بإزاء ما حصل لها من السكن، ولا يحصل لها من السكن مثل ما يحصل في الحضر، فلو قضي للحاضرات، لكان قد مال على المسافرة كل الميل.

стр. 1941

• ما الحكم إن سافر بإحداهن بغير قرعة؟ - إن سافر بإحداهن بغير قرعة، أثم، وقضى للبواقي بعد سفره .... (المغني). - إن رضين بخروج إحداهن معه بلا قرعة فلا بأس، لأن الحق لهن، إلا أن لا يرضى الزوج، ويريد غير من اتفقن عليها، فيصار إلى القرعة، وكذا لو كان كثير الأسفار، وأراد أن يجعل لكل واحدة سفرة فإنه يجوز، لأن هذا حق متميز لا خفاء فيه - ومتى سافر بأكثر من واحدة، سوى بينهن كما يسوي بينهن في الحضر. • ما الحكم إذا سافرت الزوجة لحاجتها بإذن الزوج؟ هل يسقط حقها في القسم أم يقضي لها؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يسقط حقها في القسم، كما نص على ذلك الفقهاء. قال البهوتي في الروض المربع: أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت نفقتها؛ لأنها منعت نفسها عنه بسبب لا من جهته فسقطت نفقتها. قال بعض الفقهاء: ويسقط أيضاً حقها في النفقة، لكن الصحيح أنه لا يسقط حقها في النفقة، وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة وذكره الموفق احتمالاً: أن النفقة واجبة وهذا هو الظاهر، لأن النفقة ثابتة لها فلا تسقط إلا بدليل يدل على إسقاطها، وهنا لا دليل يدل على ذلك، وليست بناشزة فتسقط النفقة عليها بل إنها قد استأذنته فأذن لها، إلا أن يكون قد شرط عليها ألا ينفق عليها وأما إن لم يشرط ذلك فإن النفقة واجبة. والخلاصة: سفر المرأة له أحوال: أولاً: أن تسافر من غير إذنه: فلا قسم لها، ولا نفقة لها لأنها ناشز. ثانياً: أن تسافر بإذنه لحاجتها، فلا قسم لها، ولها النفقة على الراجح. ثالثاً: أن تسافر بإذنه لحاجته هو: فهذه لها القسم والنفقة. • متى يعمل بالقرعة، وما دليلها؟ الحديث دليل على العمل بالقرعة، وقد ذكرت القرعة في موضعين من القرآن: قال تعالى (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ). وقال تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ). وجاءت في أحاديث كثيرة: منها الحديث السابق. وحديث (لو يعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة) رواه مسلم. قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ونبينا محمد ﷺ . وقال الإمام أحمد: أقرع النبي ﷺ في خمسة مواضع وهي في القرآن في موضعين. والقرعة يعمل بها: عند التساوي في الاستحقاق وعدم إمكان الجمع، قال ابن القيم: الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة صح استعمالها فيها.

стр. 1942

١٠٦٤ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ اِمْرَأَتَهُ جَلْدَ اَلْعَبْدِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: النهي عن جلد الزوجة ضرباً مبرحاً شديداً كضرب المماليك والعبيد. • هل يجوز ضرب الزوجة؟ يجوز ضربها للتأديب في حال نشوزها. قال تعالى (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيراً). فإذا خاف الرجل نشوز امرأته بأن ظهر منها قرائنه، كأن تمنعه حقه بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة متكرهة، فإنه: أولاً: يعظها. (والوعظ التذكير بما يرغّب أو يخوف). لقوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ). بأن يذكرها بما يلين قلبها، ويصلح عملها من ثواب وعقاب، يخوفها بالله وأليم عقابه، ويذكرها بما أعد الله للمرأة العاصية لزوجها من أليم عقابه: مثل قوله ﷺ (إذا دعا الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه مسلم. ومثل: قوله ﷺ (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه أبوداود. فإذا لم ينفع هذا العلاج ينتقل إلى الأمر الثاني وهو: الثاني: الهجر في المضجع. لقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه: أولاً: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء. ثانياً: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول. ثالثاً: أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها. ويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل. - ويهجرها ما شاء حتى ترتدع وترجع. فإن لم ترتدع ولم ينفع معها الوعظ والهجر، ضربها. الثالث: ضربها. لقوله تعالى (وَاضْرِبُوهُنَّ).

стр. 1943

• ما شروط ضرب الزوجة في هذه الحالة؟ أولاً: أن يكون غير مبرحاً أي: غير شديد. لقوله ﷺ ( … فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّح) رواه مسلم. ولأن المقصود التأديب والزجر والإصلاح، لا الإيذاء والضرر والانتقام، ويتقي الوجه والمقاتل. ثانياً: أن يجتنب الوجه. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وفي رواية له بلفظ (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُم … ). وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: " تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اِكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي اَلْبَيْتِ) رَوَاهُ أَحْمَد. ثالثاً: لا ينتقل إلى الضرب إلا بعد الوعظ والهجر. جاء في (الموسوعة الفقهية) طرق تأديب الزّوجة: أ. الوعظ. ب. الهجر في المضجع. ج. الضّرب غير المبرّح. وهذا التّرتيب واجب عند جمهور الفقهاء، فلا ينتقل إلى الهجر إلاّ إذا لم يجد الوعظ، هذا لقوله تعالى: (واللّاتي تخافون نشوزَهنّ فعِظُوهنّ واهجروهنّ في المضاجِع واضربوهنّ). جاء في (المغني) لابن قدامة: في الآية إضمار تقديره: واللّاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ، فإن نشزن فاهجروهنّ في المضاجع، فإن أصررن فاضربوهنّ. وذهب الشّافعيّة - في الأظهر من قولين عندهم - إلى أنّه يجوز للزّوج أن يؤدّبها بالضّرب بعد ظهور النّشوز منها بقول أو فعل، ولا ترتيب على هذا القول بين الهجر والضّرب بعد ظهور النّشوز، والقول الآخر يوافق رأي الجمهور. انتهى - هذه المراتب إذا كان الزوج قائماً بالحقوق، أما إذا لم يقم بحقوق الزوجة فلا يحل له أن يسلك هذه المراتب،

стр. 1944

بَابُ اَلْخُلْعِ تعريفه: قال ابن حجر: الخلع بضم المعجمة وسكون اللام وهو في اللغة فراق الزوجة على مال. قال ابن قدامة: فإذا ثبت هذا، فإن هذا يسمى خلعاً؛ لأن المرأة تنخلع من لباس زوجها. قال الله تعالى (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) ويسمى افتداء؛ لأنها تفتدي نفسها بمال تبذله. قال الله تعالى (فلا جناح عليهما فيما افتدت به).

стр. 1945

١٠٦٥ - عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اِمْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ اَلْكُفْرَ فِي اَلْإِسْلَامِ، قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ " أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اِقْبَلِ اَلْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا). ١٠٦٦ - وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: (أَنَّ اِمْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اِخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً). ١٠٦٧ - وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِوِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ: (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيماً وَأَنَّ اِمْرَأَتَهُ قَالَتْ: لَوْلَا مَخَافَةُ اَللَّهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَسَقْتُ فِي وَجْهِهِ). ١٠٦٨ - وَلِأَحْمَدَ: مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ (وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي اَلْإِسْلَام). === (أَنَّ اِمْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) بن شماس الأنصاري الخزرجي، مشهور بخطيب الأنصار، أول مشاهده غزوة أحد، وقد بشره النبي ﷺ بالجنة، قتل يوم اليمامة شهيداً سنة ١٢ هـ. (مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ) يعني ما ألوم عليه أي تصرف، وفي رواية (ما أعيب) العيب معناه الرداءة والنقص. (فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ) قال ابن حجر: أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، وقد جاء في رواية (لكني لا أطيقه) (وَلَكِنِّي أَكْرَهُ اَلْكُفْرَ فِي اَلْإِسْلَامِ) هذه الجملة فيها قولان للعلماء: القول الأول: الأخذ بظاهرها، والمعنى أنها خشيت من شدة بغضها أن يحملها ذلك الكفر لأجل أن ينفسخ النكاح. القول الثاني: أن المراد بالكفر كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، وهذا أصح، وأما الذي قبله فما أبعده احتمالاً، في صحابيّة فاضلة، تكلم النبي ﷺ بمثله ويسكت عنها، إن هذا لشيء بعيد، قال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه، من نشوز وفرك وغيره، مما يقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر. (أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ) هذا استفهام حقيقي ولذلك قالت: نعم. (الاستفهام الذي يطلب به الجواب فيكون على معناه الحقيقي) والحديقة: هي البستان من النخيل وفي رواية عند البزار (وكان قد تزوجها على حديقة نخل) وعند أبي داود (فإني أصدقتها حديقتين). (اِقْبَلِ اَلْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) قيل: هذا أمر إيجاب، لأن النبي ﷺ لما نظر بحالها وواقعها أمَره أمْر إيجاب، وقيل: أمر إرشاد وإصلاح، والراجح القول الأول. (وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) أي: طلقة واحدة بائنة فليس له رجعة عليها إلا برضاها وعقد جديد.

стр. 1946

• ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: جواز الخلع عند وجود سببه؟ قال تعالى (وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (وإِنْ خِفْتُمْ) الخطاب في الآية لذوي السلطان من ولاة الأمر، أو لأقارب الزوجين. (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) هي ما يجب لكل واحد منهما على الآخر. (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: دفعته فداءً عن البقاء معه. ولحديث الباب. وقد أجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر المزني فانه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئاً. • ما تعريف الخلع؟ هو فراق الزوج زوجته بعوض منها أو من غيرها. قوله (بعوض) يخرج ما إذا كان الفراق بغير عوض، كالفسخ لوجود عيب أو غيره. والحكمة منه: تخليص الزوجة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد، وسماه الله افتداء، لأن المرأة تفتدي نفسها من أسْر زوجها، كما يفتدي الأسير نفسه بما يبذله. • متى يباح الخلع؟ فإذا كرهت المرأةُ خُلُق زوجِها أو خَلْقَه وخافت ألا تقيم حقوقه الواجبة بإقامتها معه، فلا بأس أن تبذل له عوضاً ليفارقها. قال ابن قدامة: وجملة الأمر أن المرأة إذا كرهت زوجها، لخلقه، أو خلقه، أو دينه، أو كبره، أو ضعفه، أو نحو ذلك، وخشيت أن لا تؤدي حق الله تعالى في طاعته، جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه؛ لقول الله تعالى (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به). لحديث الباب، فإن امرأة ثابت بن قيس قالت (يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ) وجاء في رواية (ولكني لا أطيقه). (فإذا كرهت المرأةُ خُلُق زوجِها) الخُلُق بالضم هو الصورة الباطنة، فإذا كرهت الزوجة أخلاقه كأن تكون أخلاقه سيئة. (أو خَلْقَه) والخلقة هي الصورة الظاهرة، فإذا كرهت الزوجة خلقَه بأن تكون صورته دميمة، فإنه في هذه الحالة يباح لها أن تخالع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه، فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها، كما يفتدي الأسير، وأما إذا كل منهما مريداً لصاحبه فهذا الخلع محرم في الإسلام.

стр. 1947

• هل مجرد وقوع الشقاق من المرأة وحدها كاف في جواز الخلع أم لا بد منهما جميعاً؟ ظاهر الحديث أن مجرد وقوع الشقاق من المرأة وحدها كافٍ في جواز الخلع، فلا يشترط أن سوء العشرة منهما معاً. وهذا قول جماهير العلماء. لحديث الباب فهو نص صريح، فأمره بالخلع بمجرد أن سمع كلام زوجته. وقيل: لابد أن يقع الشقاق منهما معاً. وهؤلاء اخذوا بظاهر الآية (فإن خفتم ألا يقيما … ) وهذا القول قال به داود الظاهري. قال الشوكاني: وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع، واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعا وتمسك بظاهر الآية، وبذلك قال طاوس والشعبي وجماعة من التابعين، وأجاب عن ذلك جماعة منهم الطبري بأن المراد أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيا لبغض الزوج لها، فنسبت المخالفة إليهما لذلك، ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه ﷺ لم يستفسر ثابتاً عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له. • ما حكم الخلع مع استقامة الحال؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يكره ويقع. وهذا قول جماهير العلماء. القول الثاني: يحرم ولا يقع. وهو اختيار ابن قدامة، وابن المنذر وداود. أ- لحديث ثوبان. قال: قال ﷺ (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة)، فهذا يدل على أن سؤال المرأة الطلاق من زوجها من كبائر الذنوب. ب- وقال ﷺ (المختلعات هن المنافقات).

стр. 1948

• هل يصح الخلع بدون عوض؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا بد عوض. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والحنابلة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اختلف العلماء في صحة الخلع بغير عوض؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد " أحدهما " كقول أبي حنيفة والشافعي وهي اختيار أكثر أصحابه - أي: لا يصح - " والثانية " يصح كالمشهور في مذهب مالك وهي اختيار الخرقي. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: أما الخلع، فكما قالوا: لا بد أن يكون بعوض؛ لأنه ركنه الذي ينبني عليه، وإذا خلا منه، فليس بخلع، بل يكون طلاقاً رجعيًّا إذا نوى به الطلاق. لقوله (أتردين عليه حديقته) ولقوله تعالى (فيما افتدت به). ثم إن أخْذ الزوج للفداء فيه إنصاف وعدل، لأنه هو الذي دفع المهر وقام بتكاليف الزواج، ثم قابلت هذا الزوجة بالجحود والنكران. فمن العدل أن يُعطَى ما أعطى. القول الثاني: يصح بدون عوض ورضي بعدم بذل العوض صح. قال شيخ الإسلام ﵀: ويصح الخلع بغير عوض، وتقع به البينونة إما طلاقًا، وإما فسخًا على إحدى القولين، وهذا مذهب مالك المشهور عنه في رواية ابن القاسم، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها الخرقي. وهذا القول له مأخذان: أحدهما: أن الرجعة حق للزوجين، فإذا تراضيا على إسقاطها سقطت. والثاني: أن ذلك فرقة بعوض؛ لأنها رضيت بترك النفقة والسكن ورضي هو بترك استرجاعها. وكما أن له أن يجعل العوض إسقاط ما كان ثابتًا لها من الحقوق كالدين، فله أن يجعله إسقاط ما ثبت لها بالطلاق، كما لو خالفها على نفقة الولد. وهذا قول قوي وهو داخل في النفقة من غيره. (انتهى). قالوا: إن الخلع قطع للنكاح فصح من غير عوض كالطلاق. ولأن المقصود من الخلع تخليص الزوجة نفسها وقد حصل هذا بدون عوض، فيصح. ولأن العوض حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره سقط. واختاره ابن تيمية.

стр. 1949

• هل يلزم الزوج قبول الخلع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يستحب له ولا يجب. القول الثاني: يجب عليه. لقول النبي ﷺ (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) وهذا الأمر للوجوب. ولما فيه من إزالة الضرر عن المرأة مع ثبوت حق الرجل وعدم ضياع حقه. • ما حكم عضل المرأة لتفتدي؟ يحرم على الرجل أن يعضل المرأة ظلماً لتفتدي. لقوله تعالى (ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ). مثال: رجل عنده زوجة وملّ منها أو رغب عنها، فقال: لو طلقتها ذهب مالي، فبدأ يعضلها، وأصبح يقصر في حقوقها ويسيء في عشرتها، حتى تفتدي ويأخذ المال، فهذا حرام. فقوله تعالى (ولا تَعْضُلُوهُنَّ) الخطاب للأزواج، والعضل المنع والحبس، والمعنى: قال ابن كثير: أي لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقاً من حقوقها عليك أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد. قال الطبري: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) قول من قال: نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محبّ، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصَّداق. وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة، إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها وحبسها على نفسه وهو لها كاره، مضارّة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك أو لوليها الذي إليه إنكاحها. وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنه ليس ممن أتاها شيئًا فيقال إنْ عضلها عن النكاح: "عَضَلها ليذهب ببعض ما آتاها"، كان معلومًا أن الذي عنى الله ﵎ بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبيلُ إلى عضلها ضرارًا لتفتدي منه. (تفسير الطبري) وقال الرازي: أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال: لا يحل لكم التزوج بهن بالإكراه، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. فالمراد هنا الأزواج كما ذهب إليه هؤلاء العلماء. (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي لا يحل لكم أن تعضلوهن بحال من الأحوال إلا في حالة إتياهن بفاحشة مبينة، والفاحشة كل ما فحش وظهر قبحه، واختلف في المراد بالفاحشة هنا: فقيل: المراد الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي. وقيل: النشوز. وقيل: بذاءة اللسان، واختار الطبري القول بالتعميم، وهو الصحيح.

стр. 1950

قال الطبري مرجحاً العموم: وأولى ما قيل في تأويل قوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) أنه معنىٌّ به كل (فاحشة) من بَذاءٍ باللسان على زوجها، وأذى له، وزنًا بفرجها، وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)، كلَّ فاحشة متبيّنةٍ ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنًا أو نشوز، فله عضْلُها على ما بين الله في كتابه، والتضييقُ عليها حتى تفتدي منه، بأيِّ معاني الفواحش أتت، بعد أن تكون ظاهرة مبيِّنة بظاهر كتاب الله ﵎، وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ . • هل الخلع فسخ أو طلاق؟ اختلف العلماء هل الخلع فسخ أو طلاق على قولين: القول الأول: أن الخلع طلاق (طلقة بائنة بينونة صغرى). وهذا قول الجمهور من المالكية، والحنفية، والشافعية، واختاره محمد بن إبراهيم والشنقيطي وابن باز. لرواية (اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً). فهذا نص على أن الخلع طلاق. القول الثاني: أن الخلع فسخ وليس بطلاق. وهو قول الشافعي في القديم والحنابلة واختاره ابن تيمية وابن القيم وابن عثيمين. واختاره الصنعاني والشوكاني والسعدي. أ- لقوله تعالى (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ … ) ثم ذكر الخلع فقال (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ … ) ثم ذكر الطلقة الثالثة فقال (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ). فلو كان الخلع طلاقاً لكانت هذه الطلقة هي الرابعة. قالوا: وهذا هو الذي فهمه ابن عباس، فقد ورد عنه عند عبد الرزاق (أن إبراهيم بن سعد سأل ابن عباس عن رجل طلق زوجته تطليقتين ثم اختلعت منه؟ أيَنكِحُها؟ قال: نعم، ذكر الله الطلاق في أول الآية وفي آخرها والخلع بين ذلك). ب- ما جاء عند أبي داود (أن امرأة ثابت اختلعت منه فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة). وجه الدلالة: أن الاعتداد بحيضة دليل على أن الخلع فسخ، لأن هذا غير معتبر بالطلاق، فلو كان طلاقاً لم يُكتفى بحيضة. قالوا: إنه جاء في بعض الروايات ذكر الفراق وما شابهه، فقد جاء في رواية (فردت عليه [يعني حديقته] وأمره ففارقها) وعند أبي داود (قال: خذهما ففارقْها). وقال الإمام الخطابي أيضاً معلقاً على قول النبي ﷺ في حديث ابن عباس: (فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة) قال: "هذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، وذلك أن الله تعالى قال (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فلو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد. الراجح أنه فسخ.

стр. 1951

• ما حكم الخلع إذا كان بلفظ الطلاق، كقوله: (طلقت زوجتي على مال قدره كذا)؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يكون طلاقاً. وهذا قول جماهير أهل العلم. فهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. قالوا: بأنه إذا وقع بلفظ الطلاق لم يحتمل غير الطلاق، فلا يكون فسخاً بل طلاقاً. القول الثاني: أنه فسخ وليس بطلاق. وهو مروي عن ابن عباس ﵄، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إنه المنصوص عن الإمام أحمد وقدماء أصحابه، ورجحه الشيخ ابن عثيمين. قال ابن عثيمين: فكل لفظ يدل على الفراق بالعوض فهو خلع، حتى لو وقع بلفظ الطلاق، بأن قال مثلاً: طلقت زوجتي على عوض قدره ألف ريال، فنقول: هذا خلع، وهذا هو المروي عن عبد الله بن عباس ﵄: أن كل ما دخل فيه العوض فليس بطلاق، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: كان أبي يرى في الخلع ما يراه عبد الله بن عباس ﵄، أي: أنه فسخٌ بأي لفظ كان، ولا يحسب من الطلاق. ويترتب على هذا مسألة مهمة، لو طلق الإنسان زوجته مرتين متفرقتين، ثم حصل الخلع بلفظ الطلاق، فعلى قول من يرى أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق تكون بانت منه، لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، وعلى قول من يرى أن الخلع فسخ ولو بلفظ الطلاق، تحل له بعقد جديد حتى في العدة، وهذا القول هو الراجح. لكن مع ذلك ننصح من يكتبون المخالعة أن لا يقولوا طلق زوجته على عوض قدره كذا وكذا، بل يقولوا: خالع زوجته على عوض قدره كذا وكذا؛ لأن أكثر الحكام (القضاة) عندنا وأظن حتى عند غيرنا يرون أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقاً، ويكون في هذا ضرر على المرأة، فإن كانت الطلقة الأخيرة فقد بانت، وإن كانت غير الأخيرة حسبت عليه. (الممتع). أ- لقوله ﷺ للزوج المخالع (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة). فالنبي ﷺ ذكر لفظ الطلاق في معرض الخلع، وهذا يدل على أن الخلع يقع أيضاً بلفظ الطلاق. ب-قال ابن عباس: كل ما أجازه المال فليس بطلاق. رواه البيهقي. وهذا الراجح. فائدة الخلاف: على القول بأن الخلع فسخ فلا ينقص به عدد الطلاق، أي: لا يحسب من الطلقات الثلاث، أما على القول بأن الخلع طلاق فإنه يحسب من عدد الطلاق. ب- على القول بأن الخلع فسخ يصح خلع الزوجة وهي حائض، وعلى القول بأنه طلاق لا يصح.

стр. 1952

• كم عدة المختلعة؟ اختلف العلماء في عدة المختلعة على قولين: القول الأول: عدتها ثلاث حيض. قال ابن قدامة: أكثر أهل العلم يقولون: عدة المختلعة عدة المطلقة. وقال الشنقيطي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُمَا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُرْوَةُ، وَسَالِمٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنُ شِهَابٍ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو عِيَاضٍ، وَخِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَتَادَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو الْعُبَيْدِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَأْخَذُهُمْ فِي هَذَا: أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ فَتُعْتَدُّ كَسَائِرِ الْمُطَلَّقَاتِ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَكَوْنُ الْخُلْعِ طَلَاقًا ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْعِوَضَ الْمَبْذُولَ لِلزَّوْجِ مِنْ جِهَتِهَا إِنَّمَا بَذَلَتْهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ، وَهُوَ الطَّلَاقُ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لَهَا فِرَاقًا شَرْعًا إِلَّا بِالطَّلَاقِ، فَالْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِه. (الأضواء). جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب) إلى أن عدة المختلعة عدة المطلقة، وهو قول سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري وغيرهم. واحتجوا بأن عدتها عدة المطلقة بقوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ولأن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول فكانت العدة ثلاثة قروء كغير الخلع. (انتهى). القول الثاني: عدتها حيضة واحدة. أ- لحديث الباب: عن ابن عباس (أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة) رواه الترمذي وأبو داود. ب- وعن الربيع بنت معوذ (أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ فأمرها النبي ﷺ أو أمرت أن تعتد بحيضة) رواه الترمذي. ج-وعن ابن عمر قال: (عدة المختلعة حيضة) رواه أبو داود.

стр. 1953

قال الترمذي: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ إِنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ إِنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ. قَالَ إِسْحَاقُ وَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى هَذَا فَهُوَ مَذْهَبٌ قَوِىٌّ. قال ابن القيم ﵀: وفي أمره ﷺ المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة دليل على حكمين: أحدهما: أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة واحدة، وهذا كما أنه صريح السنة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر بن الخطاب والربيع بنت معوذ وعمها وهو من كبار الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم كما رواه الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر أنه سمع الربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تخبر عبد الله بن عمر ﵁ أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها إلى عثمان بن عفان فقال له إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل؟ فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حبل، فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرنا وأعلمنا. وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه والإمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. قال من نصر هذا القول: هو مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة فيتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثا؛ فإن باب الطلاق جعل حكم العدة فيه واحداً بائنةً ورجعية. (الزاد) هذا، وقد قال بعض أهل العلم أن عدَّة المختلعة ثلاث حِيَض كعدَّة المطلَّقة، وقد ردَّ عليهم الإمام ابن القيم أحسن ردٍّ فقال: والذي يدل على أنه - أي: الخلع - ليس بطلاق أن الله رتب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع: أحدها: أن الزوج أحق بالرجعية فيه. الثاني: أنه محسوب من الثلاث فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة. الثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء. وعليه فإن عدة المختلعة تبقى على ما دلت عليه السنة من أنها حيضة واحدة.

стр. 1954

• هل يجوز أخذ زيادة على المهر في الخلع؟ واختلف العلماء في أخذ الزيادة على الصداق على أقوال: القول الأول: يجوز للزوج أخذ الزيادة. مثال: الصداق (١٠) آلاف، فخالعها على (٢٠) ألفاً، فعلى هذا القول يجوز. وهذا قول الجمهور. قال ابن قدامة: وأكثر أهل العلم على أنه يصح الخلع بأكثر من الصداق. قال بن بطال ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاه وقال مالك لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق. قال ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵏ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَادِيَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ). أ- لقوله (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير. ب- وعللوا: قالوا إن عوض الخلع كسائر الأعواض الأخرى بالمعاملات، فعلى أي شيء وقع الاتفاق جاز. القول الثاني: أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها. وهذا القول قال به عطاء والزهري، وعلى هذا القول يرد ما أخذ من غير زيادة. واستدلوا برواية عند ابن ماجه (أن النبي ﷺ أمر ثابتاً أن يأخذ حديقته ولا يزداد). القول الثالث: أن أخذ الزيادة مكروه ويصح الخلع. وهذا مذهب الحنابلة. واستدلوا بنفس أدلة القول الأول، لكنهم يرون أن أخذ الزيادة ليس من المروءة. ولهذا قال ميمون بن مهران: مَنْ أخذ أكثر مما أعطى لم يسرّح بإحسان. والراجح أن الزوجة إن بذلت له الزيادة ابتداءً جاز له أخذها، مع أن هذا ليس من مكارم الأخلاق، وأما إذا طلب هو الزيادة فإنه يمنع، لأمرين: الأمر الأول: أن الزيادة ليس لها حد، والنفوس مجبولة على حب الطمع. الأمر الثاني: أن إباحة الزيادة قد تغري الأزواج بالعضل.

стр. 1955

• هل يجوز الخلع أثناء الحيض؟ نعم يجوز. لأن الخلع لا يكون إلا بطلب من المرأة لما يلحقها من سوء عشرة زوجها، فجاز وقوعه حال الحيض لإزالة الضرر. قال ابن قدامة: ولا بأس بالخلع في الحيض والطهر الذي أصابها فيه; لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقها بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وذلك أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما بأدناهما، ولذلك لم يسأل النبي ﷺ المختلعة عن حالها، ولأن ضرر تطويل العدة عليها، والخلع يحصل بسؤالها، فيكون ذلك رضاء منها به، ودليلاً على رجحان مصلحتها فيه. (المغني). وقال البغوي في تفسيره: والخلع في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه: لا يكون بدعياً؛ لأن النبي ﷺ أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها، ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يتعرف الحال. وقال ابن تيمية: ولهذا جوز أكثر العلماء الخلع في الحيض، لأنه على قول فقهاء الحديث ليس بطلاق، بل فرقة بائنة. وفي الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين: واعلم أن الخلع ليس له بدعة، بمعنى أنه يجوز حتى في حال الحيض لأنه ليس بطلاق، والله إنما أمر بالطلاق للعدة: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ الطلاق) ولهذا يجوز أن يخالعها ولو كانت حائضاً، ويجوز أن يخالعها ولو كان قد جامعها في الحال، لأنه ليس بطلاق، بل هو فداء، ولأن أصل منع الزوج من التطليق في حال الحيض، أو في حال الطهر الذي جامعها فيه، أن فيه إضراراً بها لتطويل العدة عليها، فإذا رضيت بذلك فقد أسقطت حقها. انتهى. وجاء في " الموسوعة الفقهية" (٨/ ٣٢٦) ذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى جواز الخلع في زمن الحيض لإطلاق قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ولحاجتها إلى الخلاص بالمفارقة حيث افتدت بالمال. وذهب المالكية في المشهور عندهم إلى منع الخلع في الحيض. إذا تقرر جواز الخلع حال الحيض، لم تخرج المختلعة من عدتها بطهرها من الحيضة التي وقع الخلع في أثنائها، بل لا بد من أن تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر وتغتسل وبذلك تنقضي عدتها؛ لأن الحيضة التي وقع الخلع فيها حيضة غير كاملة، والعدة إنما يكون بحيضة كاملة. قال ابن قدامة: الحيضة التي تطلق فيها، لا تحسب من عدتها، بغير خلاف بين أهل العلم; لأن الله تعالى أمر بثلاثة قروء، فتناول ثلاثة كاملة، والتي طلق فيها لم يبق منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثة كاملة، فلا يعتد بها. (المغني) .... والله أعلم

стр. 1956

فوائد: - إذا طلق الرجل زوجته وفي أثناء عدتها طلبت الخلع فأجابها صح؛ لأنها زوجة. قال ابن قدامة: والرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه، بالإجماع، وإن خالعها صح خلعه. قال ابن عبد البر: جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِرِضًى مِنْهَا، وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَصَدَاقٍ مَعْلُومٍ. وقال ابن رشد: " جمهور العلماء: أجمعوا على أنه لا رجعة للزوج على المختلعة في العدة … والجمهور أجمعوا على أن له أن يتزوجها برضاها في عدتها. قال الشنقيطي: لَيْسَ لِلْمُخَالِعِ أَنْ يُرَاجِعَ الْمُخْتَلِعَةَ فِي الْعِدَّةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ; لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ نَفْسَهَا بِمَا بَذَلَتْ لَهُ مِنَ الْعَطَاءِ. وقال ﵀: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُخْتَلِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فِي الْعِدَّةِ، وَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا تَزْوِيجَهَا لِمَنْ خَالَعَهَا، كَمَا يَمْنَعُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ وَلَا وَجْهَ لَهُ بِحَالٍ. كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ جواز الخلع عند وجود سببه. أن الخلع جائز في الحيض، لأن النبي ﷺ لم يستفصل. أن الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلب طلاق زوجها محمولة على إذا لم يكن هناك سبب يقتضي ذلك.

стр. 1957

بَابُ اَلطَّلَاقِ تعريفه: لغة: التخلية. يقال: ناقة طالق أي مخلّاة. واصطلاحاً: حل قيد النكاح أو بعضهِ [لأن النكاح ربط بين الزوجين] فإن كان بائناً فهو حل لكله، وإن كان رجعياً فهو لبعضه. • والطلاق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: النوع الأول: الطلاق البائن بينونة كبرى، وهو الطلاق الثلاث، (المستكمل للعدد). فإذا كان الرجل قد طلق زوجته مرتين سابقتين ثم طلقها الثالثة فنقول: إن هذا الطلاق بائن بينوة كبرى، فلا تحل له إلا بعد زوج. النوع الثاني: طلاق بائن بينونة صغرى. وهو الطلاق الذي لا يستطيع فيه المطلِّق ارجاع زوجته بإرادته المنفردة كما كان له ذلك في الطلاق الرجعي، والفرق بينه وبين الطلاق البائن بينوة كبرى، أن في الطلاق البائن بينوة صغرى لا يمكن أن ترجع إليه إلا بعقد جديد، بخلاف البينوة الكبرى فإنها لا تحل إلا بعد زوج. كالطلاق على عوض، والفسخ إذا حصل فسخ بموجب [فقد شرط أو وجود عيب] والرجعية إذا خرجت من العدة، والطلاق قبل الدخول والخلوة. النوع الثالث: الطلاق الرجعي. وهو: إذا طلق دون مالَه من العدد، كأن يطلق مرة أو مرتين، وسمي رجعياً لأنه يستطيع فيه الزوج خلال فترة العدة التي يجب على المرأة أن تبقى في بيت زوجها مراجعتها وإعادة الحياة الزوجية.

стр. 1958

١٠٦٩ - عَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَبْغَضُ اَلْحَلَالِ عِنْدَ اَللَّهِ اَلطَّلَاقُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ. === • ما صحة حديث الباب؟ اختلف في وصله وإرساله، ورجح الإرسال أبو حاتم في العلل، والخطابي في معالم السنن، ونقل الحافظ في التلخيص عن الدارقطني في العلل والبيهقي أنهما رجحا المرسل. • ماذا نستفيد من الحديث؟ جواز الطلاق. والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). وقال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ … ). وقال ﷺ لابن عمر ( … ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق .. ). وفي سنن أبي داود (أن النبي ﷺ طلق حفصة وراجعها). وقد نقل ابن قدامة في المغني إجماع الناس على جواز الطلاق. • الأحكام تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة. اذكرها. فالطلاق تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة: يكره: إذا كان بلا سبب يدعوه إلى ذلك ولم تكن هناك حاجة إليه. أ-ولحديث الباب (أبغض الحلال إلى الله الطلاق). ب- وحديث جابر. قال: قال رسول الله ﷺ (إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منزلة أعظمهم فتنة، فيجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت) رواه مسلم. ج- ولأنه به تزول المصالح المترتبة على النكاح. (من الولد، وكثرة النسل، والألفة، وعفة الزوجين). د- ولما فيه من تشتيت الأسرة، وكسر قلب المرأة.

стр. 1959

ويستحب: إذا كانت الزوجة مقصرة في حق الله، أو كان في دوام النكاح ضرر على المرأة أو لكونها غير راغبة في الزوج، فيؤجر الزوج في فراقها، في الحديث (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي) وفي الحديث الآخر (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه). ويحرم في ثلاث أحوال: (يحرم للبدعة). الحالة الأولى: طلاقها في الحيض. لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ طلق زوجته وهي حائض فأمره النبي ﷺ بمراجعتها) متفق عليه. الحالة الثانية: أن يطلقها في طهر مسها فيه. الحالة الثالثة: أن يطلق الرجل زوجته ثلاث تطليقات بلفظ واحد. ويباح: إذا كانت الزوجة فيها بعض القصور في أداء بعض حقه، وكذلك إذا ساءت العشرة بينهما ولم يستطع على الإصلاح، وإذا كان لا يستطيع الصبر على امرأته. وهذا يدخل فيه كل ما يتصور منه القصور في النساء: الجسماني والخلقي والخَلقي، لكن يحث الزوج على إمساك المرأة وإن كانت سيئة الخلق وفيها شيء من القصور، فهذا خير من أن يطلقها، وقد قال تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً). ويجب: في الإيلاء (وهو أن يحلف الزوج على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر). [وسيأتي مباحثه]. فهنا تضرب له أربعة أشهر، فإن فاء ورجع عن يمينه يكفر عن يمينه والنكاح باق، وإن لم يرجع فإنه يقال له: إما أن ترجع أو تطلق، الطلاق هنا - إن لم يرجع - واجب، فيطلِّق عليه الحاكم، لأن فيه دفعاً للضرر الحاصل على الزوجة، وكذلك يجب الطلاق إذا كانت تفعل الفاحشة ولم يمكنه الإصلاح ويمنعها، لأنه لو لم يفعل صار ديوثاً.

стр. 1960

١٠٧٠ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَتَهُ - وَهِيَ حَائِضٌ - فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ اَلْعِدَّةُ اَلَّتِي أَمَرَ اَللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا اَلنِّسَاءُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ (وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ تَطْلِيقَةً). وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ اِبْنُ عُمَرَ: (أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوْ اِثْنَتَيْنِ; فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا، ثُمَّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ مِنْ طَلَاقِ اِمْرَأَتِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ عُمَرَ (فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: " إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ). === (أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَتَهُ) وفي رواية (أن ابن عمر طلق امرأة له). (وَهِيَ حَائِضٌ) وعند البيهقي (أنه طلق امرأته في حيضها). (فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وفي رواية (تطليقة واحدة). (فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟) وفي رواية (فتغيظ رسول الله ﷺ في ذلك). (فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا) أي: يستمر بها في عصمته. (حَتَّى تَطْهُرَ) من حيضتها هذه التي وقع فيها الطلاق. (ثُمَّ تَحِيضَ) حيضة أخرى. (ثُمَّ تَطْهُرَ) أي: من هذه الحيضة. (ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ) أي: بعد طهارتها من هذه الحيضة. (وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدَ أَنْ يَمَسَّ) أي: قبل أن يجامعها. (فَتِلْكَ اَلْعِدَّةُ اَلَّتِي أَمَرَ اَللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا اَلنِّسَاءُ) كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ).

стр. 1961

• ما حكم الطلاق أثناء الحيض؟ حرام. ويؤخذ هذا الحكم من وجهين: أولاً: أنه جاء في رواية في الحديث (فتغيظ رسول الله ﷺ ومعلوم أن النبي ﷺ لا يتغيظ إلا على أمرٍ محرم. ثانياً: أن النبي ﷺ أمر ابن عمر بإمساكها بعد المراجعة ثم تطليقها في الطهر، فدل على أن تطليقها في الحيض محرماً، إذ لو لم يكن محرماً لأقر النبي ﷺ التطليق في الحيض ويغني عن الطلقة التي تأتي في الطهر. وقد نقل جماعة من العلماء: الإجماع على أن الطلاق حال الحيض محرم (ابن المنذر - ابن قدامة - النووي). وهذا التحريم خاص بالمدخول بها، أما غير المدخول بها فيجوز تطليقها مطلقاً حائضاً أو طاهراً، لأن غير المدخول بها ليس عليها عدة. [وهذا مذهب الأئمة الأربعة]. ويستثنى: ما إذا كان الطلاق على عوض (فيجوز أن يخالعها وهي حائض). • ما الحكمة من تحريم الطلاق حال الحيض؟ قيل: هي خشية تطويل العدة على المرأة، لأن من المعلوم أن بقية الحيضة التي طلقت فيها غير داخلة في العدة. وقيل: إن الحيض حال نفرة وزهد وما يدري هذا الزوج الذي طلق حال الزهد أن يندم في زمان الطهر عند توقان النفس للجماع. وقيل: إن الحكمة تعبدية. • اذكر أنواع الطلاق من حيث السنية والبدعية؟ الطلاق ينقسم إلى قسمين: أولاً: الطلاق السني: - أن يطلقها طاهراً غير حائض. لقوله ﷺ : ( … فليطلقها قبل أن يمسها … ). - أو أن يطلقها حاملاً. لقوله ﷺ : ( … فليطلقها حائلاً أو حاملاً). - أو أن يطلقها مرة واحدة في طهر لم يجامعها فيه. لقوله ﷺ : (ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض وتطهر، ثم إن شاء طلقها قبل أن يمس). ثانياً: الطلاق البدعي المحرم. - أن يطلقها في الحيض. لحديث الباب، فإن النبي ﷺ تغيظ وأمر بمراجعتها. - أن يطلقها في طهر مسها فيه. لقوله ﷺ : (مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق). - أن يطلق امرأته ثلاث تطليقات بلفظ واحد.

стр. 1962

• طلاق الحائض حرام، لكن هل يقع أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه يقع. وهذا مذهب جماهير العلماء. قال ابن قدامة: فإن طلقها للبدعة، وهو أن يطلقها حائضاً … وقع طلاقه في قول عامة أهل العلم. أ-لقوله تعالى (الطلاق مرتان … ). ب- وقوله تعالى (فإن طلقها فلا تحل … ). وجه الدلالة: أن الآيات عامة تدل على وقوع الطلاق في أي وقت ممن له حق وقوعه، فلم يفرق بين أن يكون الطلاق في حال الحيض أو الطهر، ولم يخص حالاً دون حال توجب حمل الآيات على العموم. ج- ولحديث الباب، قال ﷺ : ( … مره فليراجعها … ) فهذا دليل على أن الطلاق يقع، إذ لا تكون المراجعة إلا بعد الطلاق الذي يعتد به. د- وروى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: (حسبت علي تطليقة). وفي رواية للدار قطني: (أن عمر قال: يا رسول الله، فيحسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم). وعن نافع عن ابن عمر: (أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ وذكر ذلك له فجعلها واحدة) رواه الدار قطني. قال الحافظ في الفتح: وهو نص في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه. هـ- أن ابن عمر مذهبه الاعتداد بها، وهو صاحب القصة، وصاحب القصة أعلم. قال النووي: أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم طَلَاق الْحَائِض الْحَائِل بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَوْ طَلَّقَهَا أَثِمَ وَوَقَعَ طَلَاقه وَيُؤْمَر بِالرَّجْعَةِ لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وَشَذَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر، فَقَالَ: لَا يَقَع طَلَاقه لِأَنَّهُ غَيْر مَأْذُون لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ طَلَاق الْأَجْنَبِيَّة. وَالصَّوَاب الْأَوَّل، وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاء كَافَّة وَدَلِيلهمْ أَمْره بِمُرَاجَعَتِهَا وَلَوْ لَمْ يَقَع لَمْ تَكُنْ رَجْعَة. فَإِنْ قِيلَ الْمُرَاد بِالرَّجْعَةِ الرَّجْعَة اللُّغَوِيَّة وَهِيَ الرَّدّ إِلَى حَالهَا الْأَوَّل لَا أَنَّهُ تُحْسَب عَلَيْهِ طَلْقَة قُلْنَا هَذَا غَلَط لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ حَمَلَ اللَّفْظ عَلَى الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة يُقَدَّم عَلَى حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُول الْفِقْه، الثَّانِي أَنَّ اِبْن عُمَر صَرَّحَ فِي رِوَايَات مُسْلِم وَغَيْره بِأَنَّهُ حَسَبَهَا عَلَيْهِ طَلْقَة وَاَللَّه أَعْلَم. (نووي). القول الثاني: لا يقع. وهذا قول الظاهرية، واختيار شيخ الإسلام، ونصره ابن القيم، واختاره ابن باز، وابن عثيمين. لقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن). وجه الدلالة: أن المطلق في حال الحيض لا يكون مطلقاً للعدة، لأن الطلاق المشروع المأذون فيه أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، وما عدا هذا لا يكون طلاقاً للعدة في حق المدخول بها.

стр. 1963

واستدلوا بما رواه أبو داود من حديث أبي الزبير عن ابن عمر - حديث الباب -: (أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ … قال عبد الله: فردها عليّ ولم يرها شيئاً). والجواب عن هذا: أن قوله (ولم يرها شيئاً) بأنها لا تصح، فإن أبا الزبير خالف في روايته رواية الجمهور، وهي أكثر عدداً وأثبت حفظاً، فروايتهم أولى من روايته. قال ابن عبد البر: قوله: (ولم يرها شيئاً) منكر، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف فيمن هو أثبت منه. قال الخطابي: لم يرو أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا. المراد بالمراجعة هنا إمساكها على حالها، لان المراجعة لها معنى أعم من إعادة المطلقة. والراجح القول الأول. • ماذا نستفيد من قوله ﷺ : (مره فليراجعها)؟ قال النووي: أجمعوا على أنه إذا طلقها يؤمر برجعتها. • لكن هل الرجعة واجبة أم مستحبة؟ اختلف العلماء على قولين: فقيل: مستحبة. وهذا مذهب جمهور العلماء، كما نقله النووي والشوكاني. قالوا: لأن ابتداء النكاح لا يجب، فاستدامته كذلك، فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب. وقيل: واجب. فمن طلق زوجته وهي حائض وجب مراجعتها. وهو قول جماعة من العلماء كداود وغيره. للأمر به (مره فليراجعها). وقالوا: لما كان الطلاق في حال الحيض محرماً كان استدامة النكاح واجبة. وقالوا: لأن المراجعة تتضمن الخروج من المعصية. والراجح الوجوب للأمر به في قوله (مره … ).

стр. 1964

• ما الحكمة من الأمر برجعتها وإعادتها إلى عصمتها؟ قيل: لأجل أن يقع الطلاق الذي أذن الله فيه في زمن الإباحة (وهو زمن الطهر الذي لم يجامعها فيه). وقيل: عقوبة المطلق الذي طلق في زمن الحيض، فعوقب بنقيض قصده. وقيل: ليزول المعنى الذي حرم الطلاق في الحيض لأجله (وهو تطويل العدة). • قوله: (ثم ليمسكها) هل يجوز أن يطلق في الطهر الذي يلي هذه الحيضة؟ جاء في رواية: (ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم إن شاء … ). في هذه الرواية أنه ينتظر إذا أراد أن يطلق إلى طهرتان. وجاء في رواية: (مره فليراجعها، فإذا طهرت فأراد أن يطلقها فليطلقها). ففي هذه الرواية أن للرجل أن يطلق امرأته في الطهر الأول بعد الحيضة التي طلقها فيها وراجعها، ولا يلزمه الانتظار إلى الطهر الثاني. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة في الانتظار للطهر الثاني: فذهب جماعة منهم: إلى وجوب الانتظار إلى الطهر الثاني. منهم الإمام مالك، كما نقله عنه الصنعاني واستدل بالرواية الأولى. وذهب جماعة من العلماء: إلى أن الانتظار إلى الطهر الثاني مستحب وليس بواجب. وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد. وهذا القول أصح. لأننا إذا أخذنا بهذا القول عملنا بجميع الروايات. • على ماذا يدل قوله ﷺ : (وإن شاء طلق قبل أن يمس)؟ هذا يدل على النوع الثاني من الطلاق البدعي المحرم، وهو الطلاق في طهر جامعها فيه. والرواية الأخرى: (فليطلقها طاهراً) أي غير حائض، وفي رواية (من قبل أن يجامعها). وجه التحريم: من المحتمل أن ينشأ من هذا الجماع حمل. استثنى العلماء مسالة: وهي إذا ظهر حملها لرواية مسلم (أو حاملاً). ولأنه إذا طلق وهي حامل فهذا دليل على رغبته بالطلاق.

стр. 1965

• اختلف العلماء في وقت الطهر (حتى تطهر) وقوله (ثم ليطلقها طاهراً) هل لابد من الاغتسال أم يكفي الطهر ولو لم تغتسل؟ فقيل: المراد بالطهر انقطاع الدم. وهذا مذهب الشافعي وأحمد. قالوا لأن انقطاع دم الحيض دليل على الطهر، وهي وإن لم تغتسل فهي في حكم الطاهرات بدليل أنها تصوم ولو لم تغتسل وقيل: المراد بالطهر التطهر بالغسل. وهذا قول المالكية. واستدلوا برواية عند النسائي (فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها). قال ابن القيم: هذا مفسر لقوله (فإذا طهرت). والراجح هو القول الثاني. • الحديث دليل على إثبات الرجعة: وهي إعادة مطلقة غير بائن إلى عصمة النكاح بغير عقد. [وسيأتي البحث بها] قوله: (فليطلقها حاملاً … ) قال النووي: فيه دلالة لجواز طلاق الحامل التي تبين حملها، وهو مذهب الشافعي، قال ابن المنذر: وبه قال أكثر العلماء. وقال الحافظ ابن حجر: " وقد تمسك بهذه الزيادة: (ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً) من استثنى من تحريم الطلاق في طهر جامع فيه ما إذا ظهر الحمل، فإنه لا يحرم، والحكمة فيه أنه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة فلا يندم على الطلاق، وأيضاً فإن زمن الحمل زمن رغبته في الوطء، فإقدامه على الطلاق فيه يدل على رغبته عنها، ومحل ذلك أن يكون الحمل من المطلق ". قوله: (مره فليراجعها … ) استدل به من قال أنه لا يجب الإشهاد على الرجعة. وهذه مسألة اختلف فيها العلماء. [وسيأتي بحثها].
следующие страницы →