Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
١١٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ اِمْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ. قَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: "هَلْ فِيهَا مَنْ أَوْرَقَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَنَّى ذَلِكَ؟ "، قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: "فَلَعَلَّ اِبْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَنَّ رَجُلًا) جاء عند النسائي: (جاء رجل من أهل البادية).
(إِنَّ اِمْرَأَتِي) قال الحافظ: لم أقف على اسم المرأة ولا على اسم الغلام.
(وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) أي: لا يشبهني ولا يشبه أمه، فأنا أبيض وأمه بيضاء.
وجاء في رواية لمسلم (قال وإني أنكرته) أي استنكرته بقلبي. قال الحافظ: ولم يرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه، وإلا لكان تصريحاً بالنفي لا تعريضاً.
(هَلْ فِيهَا مَنْ أَوْرَقَ) أوْرق: بوزن أحمر، والأورق الذي فيه سواد ليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة.
(فَأَنَّى ذَلِكَ؟) أي: من أين أتاها اللون الذي خالفها.
(فَلَعَلَّ اِبْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ) العرق المراد به الأصل من النسب، شبهه بعرق الشجرة، والنزع الجذب.
هذا الحديث ذكره المصنف بعد أحاديث اللعان، لأن أحاديث اللعان تبيح للإنسان إذا تحقق من زنا زوجته أن يلاعنها لينفي الولد عنه والعار، وهذا الحديث يزيل الشبهة في كثير من الأمور، فالريبة واللون لا يكفي لنفي الولد.
١ - هذا الرجل جاء يعرض بالقذف، ويدل لذلك قوله: (إن امرأتي ولدت غلاماً أسود) أي وأنا أبيض، فكيف يكون مني؟
وجاء في رواية لمسلم: (وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه)، وجاء في رواية: (إني أنكرته).
٢ - اختلف العلماء هل التعريض يعتبر قذفاً أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن التعريض بالقذف ليس قذفاً.
وبهذا قال جمهور العلماء.
واستدلوا أن هذا الرجل أنكر الولد في قلبه وعظم عليه الأمر في نفسه، ولم يسترخص له النبي ﷺ بالانتفاء منه.
ولأن التعريض ليس كالتصريح، فالتصريح يحتمل معنى واحداً، والتعريض يحتمل معنيين، فكيف يصرف اللفظ إلى أحدهما دون الآخر بلا برهان ولا دليل، فالتعريض لا يعطى حكم التصريح.
стр. 2032
القول الثاني: أن التعريض قذف يثبت به الحد.
لورود ذلك عن بعض الصحابة، كعمر وعثمان.
والراجح الأول.
٣ - أن الزوج لا يجوز أن ينتفي من ولده بمجرد الظن والشبهة، كاختلاف البشرة.
٤ - أن الشرع احتاط في باب الأنساب، فمنع أن يحكم الزوج على ضوء الريبة التي حصلت له، ولو ترك هذا لضاعت أنساب كثيرة.
٥ - أن الأصل أن الولد للفراش، وهو باق ما لم يرد أقوى منه فيصار إليه.
٦ - لا حرج على الإنسان في الشك إذا وجدت أسبابه.
٧ - أن اختلاف اللون من أسباب الشك.
٨ - أن الأصل عدم مخالفة الولد لأبيه وأمه في اللون، لكن لعله نزعه عرق.
٩ - حسن تعليم النبي ﷺ ، وكيف يخاطب الناس بما يعرفون ويفهمون.
١٠ - فيه ضرب الأمثال، وتشبيه المجهول بالمعدوم، ليكون أقرب إلى الفهم.
١١ - فيه دليل على جواز القياس.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
وخالف ابن حزم ونفى القياس، وقوله مرجوح، فالقياس حجة، ويدل لذلك:
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. (الحديد: من الآية ٢٥)
الميزان: ما توزن به الأمور ويقايس به بينها.
ولحديث الباب.
قال ابن العربي: فيه دليل على صحة القياس.
стр. 2033
بَابُ اَلْعِدَّةِ وَالْإِحْدَادِ
• العدة لغة: مأخوذة من عد المال أو الأيام.
شرعاً: تربص محدود شرعاً بسبب فرقة نكاح وما ألحق به، والمراد بالتربص الانتظار.
قوله (محدود شرعاً) أي: أن هذا التربص محدد من قبل الشرع، إما ثلاث حيض، وإما وضع الحمل، وإما ثلاثة أشهر ونحو ذلك.
قوله (بسبب فرقة نكاح) كما لو طلق الرجل زوجته.
قوله (وما ألحق به) كوطء الشبهة، فإنه على المذهب تجب فيه العدة.
وقال السعدي: العدة تربص من فارقها زوجها بموتٍ أو طلاق.
• والعدة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) قال العلماء: هذا خبر بمعنى الأمر.
وقال تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) هذا بالنسبة للمفارقة في الحياة.
وأما بالنسبة للمفارقة للوفاة فقد قال الله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً).
ومن السنة. قال ﷺ لفاطمة بنت قيس (اعتدي في بيت ابن أم مكتوم) متفق عليه.
وأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة.
• الحكمة من العدة عدة أمور:
أ- استبراء رحم المرأة من الحمل لئلا يحصل اختلاط الأنساب.
ب- وكذلك إتاحة الفرصة للزوج المطلق ليراجع إذا ندم وكان الطلاق رجعياً.
ج- وتعظيم عقد النكاح وأن له حرمة.
د- تعظيم حق الزوج وخطره.
стр. 2034
١١٠٣ - عَنْ اَلْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ (أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ ﵂ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتْ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وَأَصْلُهُ فِي اَلصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي لَفْظٍ: (أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً).
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ اَلزُّهْرِيُّ: - وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حتَّى تَطْهُرَ.
===
(أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ) بضم السين.
(نُفِسَتْ) بضم النون وكسر الفاء، أي: ولدت.
(بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) سعد بن خولة لرواية مسلم (كانت تحت سعد بن خولة) مات في حجة الوداع.
(بِلَيَالٍ) قيل: إنه شهر، وقيل: خمس وعشرون ليلة، وقيل: دون ذلك.
(وَأَصْلُهُ فِي اَلصَّحِيحَيْنِ) من حديث أُمّ سَلَمَة قَالَتْ (إِنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ).
وَفِي لَفْظٍ (أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً) وفي رواية لمسلم (فلم تنشب أن وضعت) وعند أحمد عن سبيعة (فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت)، وعند النسائي (بعشرين ليلة).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها بوضع الحمل (جميع ما في بطنها).
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال النووي: أخذ بهذا جماهير العلماء من السلف والخلف، فقالوا عدة المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل حتى لو وضعت بعد موت زوجها بلحظة قبل غسله انقضت عدتها وحلت في الحال للأزواج، وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد.
وقال الحافظ ابن حجر: قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار، أن الحامل إذا مات عنها زوجها تحل بوضع الحمل وتنقضي عدة الوفاة.
قال النووي: وهو مخصوص، لعموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)، ومبين أن قوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) عام في المطلقة المتوفى عنها، وأنه على عمومه
وذهب بعض العلماء: إلى أنها تعتد بأقصى الأجلين.
مثال على هذا القول: رجل مات وزوجته حامل في الشهر الأول: عدتها: وضع الحمل.
مات عنها وهي في الشهر السابع، فعدتها - على هذا القول - أربعة أشهر وعشراً.
стр. 2035
قال الحافظ: ومعناه أنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر، تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع، وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع.
وهذا قول علي وابن عباس.
وقد قيل أن ابن عباس رجع عن هذا القول، ويقويه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك.
• متى يجوز لها أن تنكح؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز لها أن تنكح ولو لم تطهر من دم النفاس.
لدلالة ألفاظ الحديث عليه.
ففي رواية: (فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي).
وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى (يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ) فعلق الحل بحين الوضع وقصره عليه، ولم يقل إذا طهرت، ولا إذا انقطع دمك.
لكن لا يطؤها زوجها حتى تطهر من نفاسها وتغتسل.
قَالَ اَلزُّهْرِيُّ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حتَّى تَطْهُرَ.
وذهب بعض العلماء إلى أنها لا تنكح حتى تطهر، لقوله في الحديث: (فلما تعلت من نفاسها) ومعناه: طهرت.
والراجح قول الجمهور.
وأما الجواب عن فعلها: (فلما تعلت من نفاسها):
قال النووي: هذا إخبار عن وقت سؤالها، ولا حجة فيه، وإنما الحجة في قول النبي ﷺ : أنها حلت حين وضعت، ولم يعلل بالطهر من النفاس.
وقال القرطبي: وقول ابن شهاب: فلا باس أن تتزوَّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر؛ هذا مذهب الجمهور.
وقد شذَّ الحسن، والشعبي، والنخعي، وحماد فقالوا: لا تنكح ما دامت في دم نفاسها. والحديث حجَّة عليهم، ولا حجَّة لهم في قوله في (فلمَّا تعلّت من نفاسها تجملت للخطَّاب) لأن (تعلَّتْ) وإن كان أصله: طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به ها هنا: تعلت من آلام نفاسها؛ أي: استقلَّت من أوجاعها وتغييراته. ولو سلِّم أن معناه ما قاله الخليل، فلا حجة فيه، وإنما الحجة في قوله ﷺ لسبيعة (قد حللت حين وضعت)، فأوقع الحِلَّ في حين الوضع، وعلَّقه عليه، ولم يقل: إذا انقطع دمُكِ. ولا: إذا طَهُرْتِ: فصحَّ ما قاله الجمهور.
стр. 2036
• ما الحكم لو كانت حاملاً بتوأمين؟
لا تنقضي العدة حتى تضع الثاني منهما.
وإذا كان في بطنها ثلاثة أولاد، وخرج الأول، فلا تنتهي العدة، ثم وضعت الثاني، فلا تنتهي العدة، فلا تنتهي حتى تضع جميع ما في بطنها.
وهذا أيضاً يشمل الطفل الواحد، فلو خرج بعضه فإنه لا تنتهي العدة حتى يخرج كله.
أ- لأن الحمل اسم لجميع ما في الرحم.
ب- ولأن العدة إنما شرعت لمعرفة براءة الرحم من الحمل، فإذا علم وجود الولد الثاني فقد تُيقن وجود الموجب للعدة وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها.
• ما الحمل الذي تنقضي به العدة؟
أن تضع ما يتبين فيه خلق إنسان، بأن تتبين مفاصله ويداه ورجلاه ورأسه ولا عبرة بالخطوط، فإذا تميز بأن عرف رأسه وبانت رجلاه ويداه ووضعت فحينئذ تنقضي العدة.
• والمدة التي يتبين فيها خلق إنسان: لا يتبين إلا بعد ٨١ يوماً. وقبل ذلك لا يمكن، وبعد (٩٠) متيقن، وقبل (٨٠) لا يمكن.
مثال: امرأة مات عنها زوجها وهي حامل ووضعت من شهرين: فلا تنتهي عدتها، لأنه في شهرين لا يتبين فيه خلق إنسان، وتعتد بأربعة أشهر وعشراً.
مثال آخر: امرأة مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت من ثلاثة أشهر، فهنا تنقضي عدتها، لأنه في هذه المدة يتبين فيه خلق إنسان.
• كم عدة المتوفى عنها زوجها بلا حمل؟
عدتها: أربعة أشهر وعشراً. (سواء كان مدخولاً بها أم غير مدخول بها).
стр. 2037
أ- لقوله تعالى (والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً).
ب- وقال ﷺ (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، أربعة أشهر وعشراً). متفق عليه
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن عدة المرأة المسلمة غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، مدخولاً بها أو غير مدخول بها.
والدليل على أن غير المدخول بها يشملها هذا الحكم:
ما رواه أهل السنن (أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها، فقال: عليها العدة ولها الميراث، فشهد معقل ابن سنان أن النبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضى، ففرح ابن مسعود بذلك فرحاً شديداً).
وقد سبق أن هذا الحديث يدل على ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: وجوب العدة على المرأة المتوفى عنها زوجها ولو قبل الدخول.
المسألة الثانية: أن المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول عليها العدة.
المسألة الثالثة: أن المرأة التي مات عنها زوجها لها الميراث ولو قبل الدخول.
• المرأة التي يموت عنها زوجها وهو غائب، متى تبدأ عدتها؟
اختلف العلماء في المرأة يموت عنها زوجها وهو غائب، أو طلقها وهو غائب، من متى تبدأ العدة؟
فقيل: تعتد من يوم مات زوجها.
وهذا مذهب الجمهور.
لعموم الأدلة.
فلو فرض أنه طلقها، ولم تعلم، وحاضت حيضتين ثم علمت، فإنه يبقى عليها حيضة واحدة، وكذلك إذا مات عنها زوجها، ولم تعلم إلا بعد مضي شهرين، فإنه يبقى عليها شهران وعشرة أيام.
وقيل: تعتد من يوم يأتيها الخبر.
وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز.
لأن العدة اجتناب أشياء وما اجتنبتها.
والراجح الأول.
стр. 2038
• ما الحكم لو مات زوج الرجعية؟
قال في المغني: وإذا مات زوج الرجعية استأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً بلا خلاف، لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وينالها ميراثه، فاعتدت للوفاة كغير المطلقة.
• اذكر أنوع المعتدات؟
أولاً: المطلقة الحامل فعدتها وضع الحمل.
فعدة الزوجة المدخول بها أو خلا بها زوجها وطلقها زوجها وكانت حاملاً أن تضع حملها.
لعموم قوله تعالى (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن).
[وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ] أي: صاحبات الحمل. [أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن] أي: انقضاء عدتهن بوضع الحمل.
ثانياً: المطلقة الحرة - غير الحامل - ذات القروء المدخول بها، فعدتها ثلاثة قروء.
لقوله تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) أي: ثلاث حيض.
[يَتَرَبَّصْنَ] ينتظرن، وهو خبر بمعنى الأمر، فدلت الآية على أن زمن العدة ثلاث حيض.
قال ابن قدامة: إن عدة المطلقة، إذا كانت حرة وهي من ذوات القروء، ثلاثة قروء بلا خلاف بين أهل العلم.
وذلك لقول الله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) .... (المغني).
• اختلف العلماء في المراد بالقرء (ثلاثة قروء) على قولين:
قيل: المراد به الطهر.
وبه قال زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، والقاسم، والزهري، ومالك، والشافعي.
وقيل: المراد به الحيض.
وعلى هذا القول فلا تنقضي عدتها حتى تطهر من الحيضة الثالثة.
وهذا مذهب أبي حنيفة. (وستأتي المسألة إن شاء الله).
стр. 2039
• أما المطلقة قبل الدخول والخلوة فلا عدة عليها إجماعاً.
لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا).
قوله (المؤمنات) خرج مخرج الغالب، إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالإتفاق. [قاله ابن كثير].
قال ابن كثير: هذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها، فتذهب وتتزوج من فورها متى شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشراً، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضاً من المسائل التي نستفيدها من الآية: إباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها.
• استدل بهذه الآية بعض العلماء على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله، وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من السلف والخلف ﵏. [قاله ابن كثير].
وقد سبقت المسألة ومثالها: أن يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم فيما بعد تزوجها، فلا تطلق.
ثالثاً: عدة الأمَة حيضتان.
قال ابن قدامة: أكثر أهل العلم يقولون: عدة الأمة بالقرء قرءان، منهم عمر وعلي وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وعبد الله بن عتبة والقاسم وسالم وزيد بن أسلم والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وعن ابن سيرين، عدتها عدة الحرة، إلا أن تكون قد مضت بذلك سنة، وهو قول داود.
لقول الله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء).
ولنا قول النبي ﷺ (قرء الأمة حيضتان).
وقد ذكرناه، وقول عمر وعلي وابن عمر، ولم نعرف لهم مخالفا في الصحابة، فكان إجماعا، وهذا يخص عموم الآية.
ولأنه معنى ذو عدد، بني على التفاضل، فلا تساوي فيه الأمة الحرة، كالحد.
стр. 2040
وكان القياس يقتضي أن تكون حيضة ونصفا، كما كان حدها على النصف من حد الحرة، إلا أن الحيض لا يتبعض، فكمل حيضتين، ولهذا قال عمر ﵁: لو أستطيع أن أجعل العدة حيضة ونصفاً لفعلت.
فإذا تقرر هذا، فانقضاء عدتها بالغسل من الحيضة الثانية. (المغني).
رابعاً: الصغيرة: التي لم يأتها الحيض بعد، أو البالغات اللائي لم يأتهن حيض بالكلية، والآيسة: وهي من أيست من الحيض فهؤلاء عدتهن ثلاثة أشهر.
لقوله تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ).
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على هذا؛ لأن الله تعالى ذكره في كتابه بقوله سبحانه (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن).
فإن كان الطلاق في أول الهلال، اعتبر ثلاثة أشهر بالأهلة؛ لقول الله تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج).
وقال سبحانه (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم).
ولم يختلف الناس في أن الأشهر الحرم معتبرة بالأهلة.
وإن وقع الطلاق في أثناء شهر اعتدت بقيته، ثم اعتدت شهرين بالأهلة، ثم اعتدت من الشهر الثالث تمام ثلاثين يوماً.
وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة تحتسب بقية الأول، وتعتد من الرابع بقدر ما فاتها من الأول، تاما كان أو ناقصاً. لأنه لو كان من أول الهلال، كانت العدة بالأهلة، فإذا كان من بعض الشهر، وجب قضاء ما فات منه.
وخرج أصحابنا وجهاً ثانياً، أن جميع الشهور محسوبة بالعدد.
وهو قول ابن بنت الشافعي لأنه إذا حسب الأول بالعدد، كان ابتداء الثاني من بعض الشهر، فيجب أن يحسب بالعدد، وكذلك الثالث. (المغني).
خامساً: من تحيض وارتفع حيضها لسبب معلوم، انتظرت حتى يعود الحيض فتعتد به.
أي: فإن كانت مما تحيض لكن ارتفع حيضها بسبب معلوم كرضاع أو مرض أو غيرهما، كدواء يمنع نزول الحيض وقد تناولته، فإنها تبقى في عدتها حتى يعود الحيض فتعتد به وإن طال الزمن، لأنها مطلقة لم تيأس من الحيض، فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض، أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته.
стр. 2041
وذهب بعض العلماء إلى أنها تنتظر زوال ما رفع الحيض، كانتهاء الرضاع، أو الشفاء من المرض، فإن عاد الحيض عند زوال ما رفعه اعتدت به، وإلا اعتدت سنة، كالتي ارتفع حيضها ولم تدر سببه، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال صاحب الإنصاف: وهو الصواب، وهذا هو اللائق بيسر الإسلام وسهولته، لأن القول الأول فيه مشقة عظيمة وحرج لا تأتي الشريعة بمثله.
سادساً: من ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه، انتظرت تسعة أشهر احتياطاً للحمل، ثم اعتدت بثلاثة أشهر.
أي: من ارتفع حيضها ولا تدري سبب رفعه، فتعتد سنة، تسعة أشهر للحمل، لأنها غالب مدة الحمل، وثلاثة أشهر للعدة. لأنه يحتمل أن تكون حاملاً، فتعتد تسعة أشهر لأن هذا غالب الحمل، فإن مكثت تسعة أشهر وتبين أنها غير حامل، فإنها تعتد ثلاثة أشهر للحيض.
وهذا القول هو الصحيح في هذه المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: يعني امرأة من ذوات الحيض عمرها ثلاثون سنة، لم تبلغ سن اليأس، ارتفع حيضها، فطلقها زوجها، وهي في هذه الحال، فتعتد سنة، لأن ذلك هو الذي روي عن عمر، وقضى به الصحابة، هذا من حيث الاستدلال بالأثر، أما النظر فلاحتمال أنها حامل تعتد تسعة أشهر، لأن ذلك غالب الحمل، ولاحتمال أنها آيسة تعتد ثلاثة أشهر، لأن عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فتعتد اثني عشر شهراً من فراق زوجها لها، وهذا من باب الاحتياط.
سابعاً: امرأة المفقود (وسيأتي بحثها إن شاء الله).
• اذكر بعض الفوائد العامة من حديث سبيعة:
- فيه ما كان في سبيعة من الشهامة والفطنة، حيث ترددت فيما أفتاها به حتى حملها على ذلك على استيضاح الحكم من الشارع.
- وفيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم.
- مباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها ولو كان مما يستحي النساء من مثله.
- استدل به من قال إن الحامل تنقضي عدتها بالوضع على أي صفة كان من مضغة أو من علقة، سواء استبان خلق الآدمي أم لا، لأنه ﷺ رتب الحل على الوضع من غير تفصيل.
وقيل: لا بد من وضع الحمل التام المتخلق.
стр. 2042
١١٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث معلول كما قال المصنف.
• كم عدة الأمة إذا عتقت تحت زوجها العبد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الأمة إذا عتقت تحت العبد فاختارت نفسها أنها تعتد عدة الحرة ثلاث حيض.
وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: أنها تعتد بحيضة.
وهذا اختيار ابن تيمية، وابن القيم.
стр. 2043
١١٠٥ - وَعَنْ اَلشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي اَلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا (لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
• هل المطلقة البائن لها نفقة وسكنى أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: لا نفقة لها ولا سكنى.
وهذا مذهب الإمام أحمد، وهذا القول هو الصحيح.
لحديث الباب.
ولفظ الحديث: عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ) وَفِي رِوَايَةٍ (طَلَّقَهَا ثَلاثاً - فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ. فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ: فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: [لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلا سُكْنَى] فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي. قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَرِهَتْهُ ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَنَكَحَتْهُ. فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً، وَاغْتَبَطَتْ بِهِ) متفق عليه.
فهذا الحديث نص في الباب.
قال ابن عبد البر ﵀: لكن من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأحج؛ لأنه لو وجب السكنى عليها، وكانت عبادة تعبدها الله بها، لألزمها ذلك رسول الله ﷺ ولم يخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت ابن أم مكتوم … وإذا ثبت أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت قيس وقد طلقت طلاقاً باتاً (لا سكنى لك ولا نفقة وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة)؛ فأي شيء يعارَض به هذا؟ هل يعارَض إلا بمثله عن النبي ﷺ ، الذي هو المبين عن الله مراده من كتابه. ولا شيء عنه ﵇ يدفع ذلك، ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) من غيره. (التمهيد).
стр. 2044
القول الثاني: لها السكنى دون النفقة.
وهذا قول عائشة وهو مذهب عائشة وفقهاء المدينة السبعة.
واستدلوا بقوله تعالى (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُم).
لكن هذا القول ضعيف، لأن الآية جاءت في حكم الرجعية لا في حكم البائن، ويوضح ذلك قوله تعالى (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)، وإحداث الأمر معناه تغيره نحو الزوجة ورغبته فيها في زمن العدة، وهو مستحيل في البائن.
القول الثالث: لها النفقة والسكنى.
وهذا مذهب أبي حنيفة، وهذا القول ضعيف.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن المطلقة ثلاثاً (البائن) غير الحامل ليس لها نفقة ولا سكنى أثناء العدة لحديث الباب.
- إذا كانت المطلقة البائن حاملاً فإن لها النفقة من أجل الحمل دون السكنى.
قال تعالى (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُن).
قال ابن قدامة: وإذا طلق الرجل زوجته طلاقاً لا يملك فيه الرجعة، فلا سكنى لها، ولا نفقة، إلا أن تكون حاملاً.
وجملة الأمر، أن الرجل إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً، فإما أن يكون ثلاثاً، أو بخلع، أو بانت بفسخ، وكانت حاملاً فلها النفقة والسكنى، بإجماع أهل العلم; لقول الله تعالى (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملاً).
ولأن الحمل ولده، فيلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه النفقة عليه، إلا بالإنفاق عليها، فوجب، كما وجبت أجرة الرضاع. (المغني)
- أما المطلقة الرجعية فلها السكنى والنفقة أثناء العدة، لأنها زوجة حكمها حكم الزوجات.
стр. 2045
١١٠٦ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَحِدَّ اِمْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلْ، وَلَا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ.) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ اَلزِّيَادَةِ: (وَلَا تَخْتَضِبْ).
وَلِلنَّسَائِيِّ (وَلَا تَمْتَشِطْ).
١١٠٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ (جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبْرًا، بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ ك إِنَّهُ يَشِبُ اَلْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَانْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ". قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: "بِالسِّدْر) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
١١٠٨ - وَعَنْهَا; (أَنَّ اِمْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ اِبْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اِشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ قَالَ: "لَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(ثَوْبًا مَصْبُوغًا) كالأصفر، والأحمر، ونحوها من الألوان الزاهية.
(إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) بفتح العين، ثياب من اليمن فيها بياض وسواد.
(نُبْذَةً) أي: قطعة.
(مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ) بضم القاف. وأَظفار: بفتح الهمزة، والقسط والأظفار نوعان من البخور.
(عَلَى عَيْنِي صَبْرًا) بفتح الصاد وكسر الباء، عصارة شجر الصبر، يجعل على أطراف العين للتداوي، ولو جعل في داخل العينين لذهب بنورهما.
(يَشِبُ اَلْوَجْهَ) أي: يلون الوجه ويحسنه.
• عرف الإحداد؟
الإحداد لغة المنع، ومنه سمي البواب حداداً لمنعه الداخل.
وشرعاً: تربص تجتنب فيه المرأة ما يدعو إلى جماعها أو يرغب في النظر إليها من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة.
стр. 2046
• ما حكم الإحداد؟
حكمه واجب على المرأة المتوفى عنها زوجها، سواء كانت مدخولاً بها أم لا.
لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً).
قال ابن كثير: هذا أمر من الله للنساء اللواتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتدن أربعة أشهر وعشراً.
عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) متفق عليه.
عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلاَّ عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) متفق عليه.
وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - حديث الباب -: (لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً).
فالحديث ظاهر في المنع من الإحداد على أحد فوق ثلاث إلا الزوج، فإنه يحد عليه أربعة أشهر وعشراً، ويدل لذلك رواية مسلم: ( … إلا على زوجها فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً) فقوله ﷺ : (فإنها تحد) خبر بمعنى الأمر.
وخالف في ذلك الحسن والشعبي وقالا بعدم وجوب الإحداد.
قال ابن قدامة بعد ذكره لخلاف الحسن: وهو قول شذ به أهل العلم وخالف به السنة، فلا يعرج عليه.
وقال ابن حجر: ومخالفتهما - أي الحسن والشعبي - لا تقدح في الاحتجاج وإن كان فيها رد على من ادعى الإجماع.
وضُعف ما نسب إلى الحسن.
قال العيني: لا يصح هذا عن الحسن قاله ابن العربي.
• ما الحكمة من الإحداد؟
أولاً: تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره.
ثانياً: تعظيم حق الزوج وحفظ عشرته.
ثالثاً: تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم.
رابعاً: سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح أو تطلع الرجال إليها.
خامساً: موافقة الطباعة البشرية.
стр. 2047
• ماذا نستفيد من قوله (لا يحل لامرأة … )؟
نستفيد: أن الإحداد خاص بالنساء.
لإجماع المسلمين على أنه لا إحداد على الرجل.
جاء في (الموسوعة الفقهية) أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إحْدَادَ عَلَى الرَّجُلِ.
• ما حكم الإحداد على غير الزوج؟
جائز.
فيجوز للمرأة أن تحد على غير زوجها، كالأخ، أو الأب، أو أم، أو أي قريب - ثلاثة أيام فأقل، لكنه غير واجب.
فحديث الباب يدل على الجواز والإباحة.
قال ابن القيم: فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جايز.
قال الحافظ ابن حجر: وليس ذلك واجباً لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال.
وقال ابن بطال ﵀: الإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلى والكحل، وكل ما كان من دواعي الجماع، يقال: امرأة حادّ ومحدّ، وأباح النبي ﷺ أن تحد المرأة على غير زوجها من ذوى محارمها ثلاثة أيام، لما يغلب من لوعة الحزن، ويهجم من أليم الوجد، ولم يوجب ذلك عليها، وهذا مذهب الفقهاء، وحرم عليها من الإحداد ما فوق ذلك.
ومما يدل على أن الإحداد في الثلاثة أيام على غير الزوج غير واجب إجماع العلماء على أن من مات أبوها، أو ابنها، وكانت ذات زوج، وطالبها زوجها بالجماع في الثلاثة الأيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يقضى له عليها بالجماع فيها، ونص التنزيل أن الإحداد على ذوات الأزواج أربعة أشهر وعشرًا واجب.
стр. 2048
• هل يجب الاحداد على الصغيرة؟
قوله ﷺ (لامرأة … ) تمسك بمفهومه الحنفية، فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة.
وذهب جمهور العلماء على وجوب الإحداد عليها.
قالوا: إن التقييد بالمرأة خرج مخرج الغالب.
واستدلوا أيضاً بحديث أم سلمة وفيه (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: لا).
وجه الدلالة: قال القرطبي: ولم يسأل عن سنها؛ ولو كان الحكم يفترق بالصغر والكبر لسأل عن سنها حتى يبين الحكم، وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز، وأيضا فإن كل من لزمتها العدة بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة. (التفسير).
• هل يجب الإحداد على الذمية؟
قوله ﷺ (تؤمن بالله واليوم الآخر … ) استدل به الحنفية بأن لا إحداد على الذمية، للتقييد بالإيمان.
وذهب جمهور العلماء إلى وجوب الإحداد على الكتابية.
لعموم الأدلة الموجبة للإحداد، فإن الأدلة لم تفرق بين مسلمة وكتابية.
وهذا القول هو الصحيح.
وأما المراد بقوله ﷺ (تؤمن بالله واليوم الآخر … ) الإغراء، أي إغراء المرأة على الفعل.
قال النووي: فَيَجِب عَلَى كُلّ مُعْتَدَّة عَنْ وَفَاة سَوَاء الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْرهَا وَالصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة وَالْبِكْر وَالثَّيِّب وَالْحُرَّة وَالْأَمَة وَالْمُسْلِمَة وَالْكَافِرَة هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَغَيْره مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو ثَوْر وَبَعْض الْمَالِكِيَّة: لَا يَجِب عَلَى الزَّوْجَة الْكِتَابِيَّة بَلْ تَخْتَصّ بِالْمُسْلِمَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ (لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ) فَخَصَّهُ بِالْمُؤْمِنَةِ.
وَدَلِيل الْجُمْهُور أَنَّ الْمُؤْمِن هُوَ الَّذِي يَشْمَل خِطَاب الشَّارِع وَيَنْتَفِع بِهِ وَيَنْقَاد لَهُ، فَلِهَذَا قَيَّدَ بِهِ.
стр. 2049
• هل يجب الإحداد على المجنونة؟
نعم يجب.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
لعموم الأدلة الدالة على وجوب الإحداد.
• ما الذي تجنبه المحادة في إحدادها؟
أولاً: الزينة.
فيحرم على المحادة أن تلبس كل ما فيه زينة من الثياب.
لحديث الباب ( … ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصْب).
وفي حديث أم سلمة عند أبي داود: ( … ولا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشَّقة … ).
(الممشقة: المصبوغة بالمشق، بكسر الميم، وهو الطيب الأحمر).
• ذهب بعض العلماء إلى أن المحادة لا تلبس النقاب، لأن المعتدة من وفاة زوجها مشبهة بالمحْرِمَة، والمحرمة تمنع من ذلك، لكن هذا القول فيه بعد.
ثانياً: الطيب.
أي: ومما يحرم على المحادة أن تتطيب.
قال ابن قدامة: ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد.
لحديث أم عطية ( … وَلَا تَمَسَّ طِيبًا).
قال ابن قدامة: ولأن الطيب يحرك الشهوة، ويدعو إلى المباشرة.
• الأدهان غير المطيبة لا بأس أن تستعملها المحادة لأنها ليست طيباً، فلا يشملها النص.
• استثنى النبي ﷺ الشيء اليسير عند الطهر للحاجة، لقوله ( … إلاَّ إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ).
ثالثاً: الحلي.
أي: ومما يحرم على المحادة لبس الحلي بأنواعه.
قال ابن المنذر: أجمعوا على منع المرأة المحادة من لبس الحلي.
لحديث أُمِ سَلَمَةَ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ) رواه أبو داود.
стр. 2050
• وهذا المنع شامل لما ظهر من الحلي وما استتر تحت الثياب.
• الحلي يشمل كل ما تتجمل به المرأة وتتحلى به من قرط أو سوار أو خاتم، سواء ذلك من فضة أو غيرها.
• ما كان بمعنى الذهب والفضة فله حكم الحلي، لأن قوله ﷺ : (ولا الحلي) والحلي اسم يصدق على الذهب والفضة وغيره كاللؤلؤ والزمرد والألماس.
• إذا كانت المحادة متلبسة بشيء من الحلي قبل وفاة زوجها، فإن الواجب عليها إزالة ما يمكن إزالته منها.
رابعاً: التحسين بحناء ونحوه.
أي: ومما يحرم على المحادة الخضاب بالحناء ونحوه.
ففي حديث أم سلمة عند أبي داود (ولا تختضب … ).
قال ابن القيم: فيحرم عليها الخضاب والنقش والحمرة، فإن النبي ﷺ نص على الخضاب منبهاً على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه وأعظم فتنة، وأشد مضادة لمقصود الحداد.
خامساً: الكحل.
لحديث أم عطية: ( … ولا تكتحل … ).
ولحديث الباب - حديث أم سلمة - (أَنَّ اِمْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ اِبْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اِشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ قَالَ: "لَا).
فلم يرخص لها النبي ﷺ مع حاجتها إليه.
• اختلف العلماء في الكحل للضرورة:
قيل: لا يجوز الاكتحال مطلقاً لضرورة أم لغير ضرورة.
وهذا قول ابن حزم.
لحديث أم سلمة الذي فيه منعه ﷺ المحادة من الاكتحال مع حاجتها إليه.
وذهب جمهور العلماء: إلى جوازه إذا اضطرت إليه تداوياً لا زينة، فلها الاكتحال ليلاً لا نهاراً.
واستدلوا بحديث أم سلمة - الذي ذكره المصنف - قالت: ( … دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت علي صبْراً، فقال: ما هذا يا أم سلمة، فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، فقال: إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار). وهذا الحديث صححه بعضهم وضعفه بعضهم.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 2051
سادساً: وأن تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي فيه، فلا تخرج منه إلا لحاجتها نهاراً.
فيجب عليها لزوم بيت زوجها الذي توفي عنها وهي فيه.
وهذا مذهب أكثر العلماء. (وسيأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله).
• ما الحكم إن تركت الإحداد؟
آثمة وأتمت عدتها بمضي زمانها.
• كيف حساب مدة الإحداد (أربعة أشهر وعشراً)؟
تعتد المرأة المتوفى عنها زوجها بالأشهر القمرية لا بالأشهر الشمسية؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية إنما تناط بالأشهر القمرية.
ويحتسب الشهر بهلاله إذا كانت الوفاة في أول الشهر، فلو كانت بعض الشهور تامة ثلاثين يوما، وبعضها ناقصة تسعة وعشرين يوما، فالاعتداد صحيح ولا يلزم المعتدة قضاء ما نقص من أيام ذلك الشهر الناقص.
جاء في " الموسوعة الفقهية: إن حساب أشهر العدة في الطلاق أو الفسخ أو الوفاة يكون بالشهور القمرية لا الشمسية، فإذا كان الطلاق أو الوفاة في أول الهلال اعتبرت الأشهر بالأهلة؛ لقوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) حتى ولو نقص عدد الأيام; لأن الله أمرنا بالعدة بالأشهر، فقال سبحانه (فعدتهن ثلاثة أشهر)، وقال تعالى: (أربعة أشهر وعشراً)، فلزم اعتبار الأشهر، سواء أكانت ثلاثين يوما أو أقل " انتهى.
وأما إذا كانت الوفاة في أثناء الشهر:
فإنها تعتد بقية الشهر الأول، وثلاثة شهور بالأهلة - كاملة أو ناقصة-، وعشرة أيام، وما فاتها من الشهر الأول لها في حسابه طريقتان لأهل العلم:
الأولى: أن تحسب ثلاثين يوماً، سواء كان الشهر في واقع الأمر تاماً أم ناقصاً؛ فإذا كانت قد اعتدت منه عشرين يوماً، أكملت عشراً في الشهر الخامس، وهكذا.
الثانية: أن تعتد من الشهر الخامس بقدر ما فاتها من الأول، سواء كان الشهر تاماً أم ناقصاً.
وينظر: المغني (٨/ ٨٥)، كشاف القناع (٥/ ٤١٨)، الموسوعة الفقهية (٢٩/ ٣١٥).
وقد اختار القول الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجحه من علمائنا المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ﵀.
فقد ذكر الشيخ ابن عثيمين فيمن صام شهرين متتابعين ابتداء من يوم ١٥ جمادى الأولى، وكان كل من جمادى الأولى والآخرة تسعة وعشرين يوما، أنه ينتهي صيامه بصوم اليوم الخامس عشر من رجب، على القول بأنه يتم الشهر الأول ثلاثين يوماً.
وعلى القول الراجح يعتبر الشهرين بالهلال، فينتهي صومه بصوم اليوم الرابع عشر من رجب.
стр. 2052
وكذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه " لا حاجة إلى أن نقول بالعدد، بل ننظر اليوم الذي هو المبدأ من الشهر الأول، فتكون النهاية مثله من الشهر الآخر" انتهى من (مجموع الفتاوى).
مثال ذلك في عدة الوفاة: لو توفي الرجل في يوم ١٢ من محرم، فتعتد امرأته إلى ١٢ جمادى الأولى، فهذه أربعة أشهر، سواء كانت كاملة أم ناقصة، ثم تزيد عشرة أيام، فتنتهي عدتها يوم ٢٢ جمادى الأولى في الساعة التي مات فيها زوجها.
وعلى هذا، فليس على أمك إلا أن تزيد عشرة أيام فقط، وليس عليها أن تكمل الأشهر الناقصة ثلاثين يوماً.
وما قلناه هنا في عدة الوفاة ينطبق على من صام شهرين متتابعين، وينطبق أيضاً على عدة الطلاق إذا حسبت بالشهور، وذلك في حال كون المطلقة صغيرة أو يائسة لا تحيض. (الاسلام س ج).
• هل يجب الإحداد على المطلقة البائن؟
الصحيح أنه لا يجب عليها الإحداد.
قال ابن قدامة: وهو قول عطاء، وربيعة، ومالك، وابن المنذر ونحوه قول الشافعي. ورجحه ابن القيم، والشوكاني.
أ- لأن النبي ﷺ قال (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشراً).
وهذه عدة الوفاة، فيدل على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة.
ب-ولأنها معتدة عن غير وفاة، فلم يجب عليها الإحداد، كالرجعية، والموطوءة بشبهة.
ج- ولأن الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته، فأما الطلاق فإنه فارقها باختيار نفسه، وقطع نكاحها، فلا معنى لتكليفها الحزن عليه .... (المغني).
وقال ابن القيم: فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَدّةِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًى أَوْ اسْتِبْرَاءِ إحْدَادٍ؟ قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الْخَامِسُ الّذِي دَلّتْ عَلَيْهِ السّنّةُ أَنّهُ لَا إحْدَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لِأَنّ السّنّةَ أَثْبَتَتْ وَنَفَتْ فَخَصّتْ بِالْإِحْدَادِ الْوَاجِبِ الزّوْجَاتِ وَبِالْجَائِزِ غَيْرَهُنّ عَلَى الْأَمْوَاتِ خَاصّةً وَمَا عَدَاهُمَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ التّحْرِيمِ عَلَى الْأَمْوَاتِ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ دُخُولُهُ فِي الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلّقَةِ الْبَائِن .... (زاد المعاد).
• أحدث بعض الناس أموراً في الإحداد لا أصل لها في الشرع، منها:
- التزام بعض النساء لباساً معيناً (كالأسود) للإحداد.
- امتناع المحادة من مشط شعرها.
- امتناع المحادة من الاغتسال للتنظف.
- امتناع المحادة عن العمل في بيتها من خياطة وغيرها.
- امتناع المحادة من البروز للقمر.
- امتناع المحادة من الظهور على سطح البيت.
стр. 2053
١١٠٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ (طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتْ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بَلْ جُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكَ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(طُلِّقَتْ خَالَتِي) وعند أبي داود (طلقت خالتي ثلاثاً).
(أَنْ تَجُدَّ) بفتح أوله وضم الجيم، أي: تقطع ثمر نخلها.
(فَأَتَتْ اَلنَّبِيَّ ﷺ زاد في رواية أبي داود (فذكرت ذلك له) أي: ذكرت نهي الرجل لها عن الخروج.
(فَقَالَ: بَلى) ولفظ النسائي (فقال: اخرجي).
(فَإِنَّكَ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي) قال القاري: هذا تعليل الخروج، ويُعلم منه أنه لولا التصدق لما جاز لها الخروج، وقال القرطبي: إن هذا ليس تعليلاً لإباحة خروجها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها والحض على فعل الخير.
(أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا) (أو) للتنويع. (معروفاً) من التطوع، والهدية، والإحسان ونحوها.
• ما حكم خروج المطلقة البائن المعتدة من منزلها؟
ذهب جمهور العلماء إلى جواز خروجها نهاراً لحاجتها.
لحديث الباب.
قال النووي: هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِخُرُوجِ الْمُعْتَدَّة الْبَائِن لِلْحَاجَةِ، وَمَذْهَب مَالِك وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَآخَرِينَ جَوَاز خُرُوجهَا فِي النَّهَار لِلْحَاجَةِ، وَكَذَلِكَ عِنْد هَؤُلَاءِ يَجُوز لَهَا الْخُرُوج فِي عِدَّة الْوَفَاة وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَة فِي عِدَّة الْوَفَاة وَقَالَ فِي الْبَائِن: لَا تَخْرُج لَيْلًا وَلَا نَهَارًا. وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الصَّدَقَة مِنْ التَّمْر عِنْد جُدَاده، وَالْهَدِيَّة، وَاسْتِحْبَاب التَّعْرِيض لِصَاحِبِ التَّمْر بِفِعْلِ ذَلِكَ، وَتَذْكِير الْمَعْرُوف وَالْبِرّ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم.
وقال القرطبي: هذا الحديث دليل لمالك، والشافعي، وأحمد والليث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل.
стр. 2054
وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأما المطلقة فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً.
وقال الجمهور المراد بهذا الحديث: إن الجذاذ بالنهار عرفاً وشرعاً، أما العرف، فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل، وأما الشرع، فقد نهى ﷺ عن جداد الليل.
قال الصنعاني: والحديث دليل على جواز خروج المعتدة من طلاق بائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك، ولا يجوز لغير حاجة، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء، وقالوا: يجوز الخروج للحاجة والعذر ليلاً ونهاراً كالخوف وخشية انهدام المنزل ويجوز إخراجها إذا تأذت بالجيران، أو تأذوا بها أذى شديداً، لقوله تعالى (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)، وفُسّر الفاحشة بالبذاءة على الأحماء وغيرهم.
وذهبت طائفة منهم إلى جواز خروجها نهاراً مطلقا دون الليل للحديث المذكور، وقياساً على عدة الوفاة، ولا يخفى أن الحديث المذكور علل فيه جواز الخروج برجاء أن تصدق، أو تفعل معروفاً، وهذا عذر في الخروج. وأما لغير عذر، فلا يدل عليه.
• ما حكم خروج المطلقة الرجعية؟
يجوز بإذن زوجها.
لأن المطلقة طلاقاً رجعياً زوجة، لها ما للزوجات وعليها ما على الزوجات.
فعن ابن عمر أنه كان يقول: (إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين لم تخرج من بيتها إلا بإذنه) رواه ابن أبي شيبة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: القول الراجح أن المرأة المطلقة إذا كان الطلاق رجعياً، فهي كالزوجة التي لم تطلق أي أن لها أن تخرج إلى جيرانها أو أقاربها أو إلى المسجد لسماع المواعظ أو ما أشبه ذلك، وليست كالتي مات عنها زوجها، وأما قوله تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ)، فالمراد بالإخراج المفارقة يعني لا تفارق البيت وتخرج وتسكن في بيت آخر .. " انتهى من فتاوى "نور على الدرب"
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحث على التصدق وفعل الخير.
- فضل الصدقة.
- استحباب التعريض لصاحب التمر بفعل الخير وتذكيره بالمعروف.
стр. 2055
١١١٠ - وَعَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ (أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ. قَالَتْ: فَسَأَلْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي; فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: "نَعَمْ". فَلَمَّا كُنْتُ فِي اَلْحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: " اُمْكُثِي فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَبْلُغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ". قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، والذُّهْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ.
===
(وَعَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ) ابن سنان الصحابي.
(أَنَّ زَوْجَهَا) لم يسم.
(خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ) وفي رواية (أبقوا) أي: هربوا.
(فَقَتَلُوهُ) وفي رواية الترمذي (حتى إذا كان بطرف القدوم لحقَهم فقتلوه).
(اُمْكُثِي فِي بَيْتِكَ) أي: البيت الذي أسكنها زوجها، وأتاها قتله وهي فيه.
(حَتَّى يَبْلُغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ) أي: المكتوب من العدة (أجله) أي: وقته الذي حُدّد له، وهو أربعة أشهر وعشراً.
• ما صحة حديث الباب؟
حديث صحيح.
صححه جماعة من الحفاظ: منهم الذهلي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم وأقره الذهبي.
قال ابن عبد البر: هذا حديث مشهور عند علماء الحجاز والعراق.
ورد ابن القيم في الزاد على ابن حزم في تضعيفه الحديث.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: وجوب إقامة المتوفى عنها زوجها في بيتها إلى انتهاء عدتها.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال الترمذي بعد إخراجه للحديث: والعمل على هذا الحديث عند أكثر العلم، من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، وهو قول سفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: للمرأة أن تعتد حيث شاءت، وإن لم تعتد في بيت زوجها، والأول أصح. (جامع الترمذي)
стр. 2056
وقال ابن قدامة ﵀: وممن أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها: عمر وعثمان ﵄، وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأم سلمة، وبه يقول مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق. وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق .... (المغني).
واستدلوا بحديث الباب (امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه).
وقال ابن القيم بعد أن ذكر القائلين بوجوب العدة في منزلها: وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵏ وَأَصْحَابِهِمْ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ. قَال أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرّ: وَبِهِ تَقُولُ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالشّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ. وَحُجّةُ هَؤُلَاءِ حَدِيثُ الْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ وَقَدْ تَلَقّاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ ﵁ بِالْقَبُولِ وَقَضَى بِهِ بِمَحْضَرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتَلَقّاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالشّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ بِالْقَبُولِ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنّ أَحَدًا مِنْهُمْ طَعَنَ فِيهِ وَلَا فِي رِوَاتِهِ وَهَذَا مَالِكٌ مَعَ تَحَرّيهِ وَتَشَدّدِهِ فِي الرّوَايَةِ. وَقَوْلُهُ لِلسّائِلِ لَهُ عَنْ رَجُلٍ أَثِقَةٌ هُوَ؟ فَقَالَ لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْته فِي كُتُبِي: قَدْ أَدْخَلَهُ فِي " مُوَطّئِهِ " وَبَنَى عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ. قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ النّزَاعَ بَيْنَ السّلَفِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَكِنّ السّنّةَ تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرّ: أَمّا السّنّةُ فَثَابِتَةٌ بِحَمْدِ اللّهِ. وَأَمّا الْإِجْمَاعُ فَمُسْتَغْنًى عَنْهُ مَعَ السّنّةِ لِأَنّ الِاخْتِلَافَ إذَا نَزَلَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَتْ الْحُجّةُ فِي قَوْلِ مَنْ وَافَقَتْهُ السّنّةُ
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يلزمها لزوم بيت زوجها، بل تعتد حيث شاءت.
وهذا قول علي وابن عباس وجابر، وهو قول ابن حزم.
• خروج المحادة من منزلها له أحوال:
أولاً: أن يكون لضرورة، فيجوز ليلاً أو نهاراً.
مثل: إذا خيف هدم، أو عدو، أو حريق، أو كانت الدار غير حصينة يخشى فيها من اقتحام اللصوص، أو كانت بين فسقة تخاف على نفسها، فإن لها الانتقال.
ثانياً: الخروج المؤقت، فهذا جائز إذا كان لحاجة نهاراً.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
واستدلوا بحديث الباب.
ووجه الدلالة فيه: أن النبي ﷺ لم ينكر عليها خروجها من منزلها لما جاءته سائلة عن جواز انتقالها.
ثالثاً: إذا كان لغير حاجة ولا ضرورة، فلا يجوز.
стр. 2057
قال ابن قدامة ﵀: وممن أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها: عمر وعثمان ﵄، وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأم سلمة، وبه يقول مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق. وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ".
• يجوز للمحادة التحول والخروج من بيتها للضرورة، اذكر أمثلة على ذلك؟
كأن تخاف من عدو، أو هدم، ونحو ذلك:
قال ابن قدامة: فإن خافت هدماً أو غرقاً أو عدواً أو نحو ذلك، أو حوّلها صاحب المنزل لكونه بإجارة انقضت مدتها، أو منعها السكنى تعدّياً، أو امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به، [أي لم تجد أجرة البيت] فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عذر … وإذا تعذرت السكنى، سقطت، ولها أن تسكن حيث شاءت. (المغني).
وسئل علماء اللجنة الدائمة عن امرأة مات زوجها وليس في مدينتهم أحد يقوم بمسئوليتها، فهل لها أن تعتد في مدينة أخرى؟
فأجابوا: إذا كان الواقع كما ذكر من أنها لا يوجد في البلد الذي مات فيه زوجها من يقوم بمسئولياتها وشئونها، ولا تستطيع أن تقوم هي بشئون نفسها شرعا جاز لها أن تنتقل إلى بلد آخر تأمن فيه على نفسها، وتجد فيه من يقوم بشئونها شرعا " انتهى.) فتاوى اللجنة الدائمة)
وجاء فيها أيضاً: "إذا كان تحول أختك المتوفى عنها زوجها من بيت الزوجية إلى بيت آخر في أثناء عدة الوفاة للضرورة، كأن تخاف على نفسها من البقاء فيه وحدها، فلا بأس بذلك، وتكمل عدتها في البيت الذي انتقلت إليه " انتهى.
• ما الحكم لو بلغها الخبر وهي في غير بيتها؟
لو بلغها الخبر وهي في بيت غير بيتها، فذهب أكثر العلماء إلى أنه يجب عليها الاعتداد في المنزل الذي توفي زوجها وهي فيه، فإذا بلغها الخبر وهي في غيره وجب عليها الرجوع.
قال ابن قدامة ﵀: يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به سواء كان مملوكاً لزوجها، أو بإجارة أو عارية؛ لأن النبي ﷺ قال لفريعة: (امكثي في بيتك) ولم تكن في بيت يملكه زوجها، وفي بعض ألفاظه: (اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك) وفي لفظ (اعتدي حيث أتاك الخبر)، فإن أتاها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه. (المغني).
стр. 2058
• سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: فتاة مات عنها زوجها بعد العقد، وقبل الدخول، فأين تعتد؟
فأجاب: في بيت أهلها، لكونها لم تنتقل بعد إلى بيت الزوج .... (ثمرات التدوين).
• هل يجوز للمحادة الذهاب لحج الفرض؟
لا يجوز.
قال ابن قدامة: الْمُعْتَدَّة مِنْ الْوَفَاةِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ، وَلا إلَى غَيْرِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، ﵄. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَإِنْ خَرَجَتْ، فَمَاتَ زَوْجُهَا فِي الطَّرِيقِ، رَجَعَتْ إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً; لأَنَّهَا فِي حُكْمِ الإِقَامَةِ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ مَا لَمْ تُحْرِمْ.
ويدل عَلَى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، مَا رَوَى سَعِيدٌ بن منصور عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ، نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ …
وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهَا حِجَّةُ الإِسْلامِ، فَمَاتَ زَوْجُهَا، لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ; لأَنَّ الْعِدَّةَ فِي الْمَنْزِلِ تَفُوتُ، وَلا بَدَلَ لَهَا، وَالْحَجُّ يُمْكِنُ الإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْعَام. (المغني).
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن تحج؟
فأجاب: ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة. (مجموع الفتاوى).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ خُرُوجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ إلَى الْحَجِّ، لأَنَّ الْحَجَّ لا يَفُوتُ، وَالْعِدَّةُ تَفُوت.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن امرأة توفي عنها زوجها وأدركها حج الفريضة، وهي في الحداد وهي مستطيعة وقادرة وعندها محرم هل تحج أو لا؟
فأجاب: لا تحج، بل تبقى في بيتها، وفي هذه الحال لا يجب عليها الحج، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً). وهذه المرأة لا تستطيع شرعاً، وإن كان معها محرم، وتؤجل إلى السنة الثانية، أو الثالثة حسب استطاعتها. (مجموع فتاوى ابن عثيمين).
стр. 2059
• ما حكم المعتدة التي مات عنها زوجها في الحج؟
هذه لا تخلو من حالتين:
الحال الأولى: أن يأتيها خبر وفاة زوجها قبل أن تخرج من بيتها للحج، فهذه لا يجوز لها الخروج للحج.
قال ابن قدامة ﵀: " ولو كانت عليها حجة الإسلام، فمات زوجها، لزمتها العدة في منزلها، وإن فاتها الحج; لأن العدة في المنزل تفوت، ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام". (المغني).
الحال الثانية: أن يأتيها خبر وفاة زوجها بعد أن خرجت للحج، فهذه ينظر في حالها:
أ- فإن كانت قريبة، بحيث لم تقطع مسافة القصر، فترجع وتعتد في بيت زوجها.
ب- وإن كانت قد قطعت مساقة القصر، فتمضي في سفرها، ولا يلزمها الرجوع.
قال ابن قدامة: وإن خرجت، فمات زوجها في الطريق، رجعت إن كانت قريبة; لأنها في حكم الإقامة، وإن تباعدت، مضت في سفرها. وقال مالك: ترد ما لم تحرم. والصحيح أن البعيدة لا ترد.
وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا خرجت المرأة حاجة، وبعد وصولها إلى جدة سمعت بوفاة زوجها، فهل لها أن تتم الحج، أو أن تجلس للحداد؟
فأجاب: تتم الحج؛ لأنها إن رجعت سترجع بسفر، وإن بقيت بقيت بسفر مستمر، فتتم الحج لا سيما إذا كان فريضة، ثم ترجع، وحتى لو كان نافلة فإنها تتمه.
• هل إذا انتقلت المحادة لسبب من الأسباب، هل يلزمها المسكن الأقرب؟
الصحيح أن المحادة إذا انتقلت فلها أن تسكن حيث شاءت، ولا يلزمها في أقرب مسكن كما قال به بعض الفقهاء.
стр. 2060
١١١١ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ (يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ) أي: يهجم عليَ بعض الأشرار الأجانب.
(قَالَ: فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ) أي: من بيت زوجها إلى بيت ابن عمها ابن أم مكتوم.
ففي رواية ( … فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسْتَفْتِيهِ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى) وفي رواية (فأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن المطلقة البائن لها أن تخرج من منزلها الذي طلقت فيه إذا خافت على نفسها وتتحول إلى مكان مأمون.
قال النووي: قولها (فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَال فَأَذِنَ لَهَا) هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي الِانْتِقَال لِعُذْرٍ وَهُوَ الْبَذَاءَة عَلَى أَحْمَائِهَا أَوْ خَوْفهَا أَنْ يَقْتَحِم عَلَيْهَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ.
وقال القرطبي: وإنما أذن النبي ﷺ لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه؛ لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها.
وفيه دليل: على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرر. وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لَسِنَةً تُؤْذي زوجَها وأحماءهَا بلسانها؛ فإن هذه الصِّفَة لا تليق بمن اختارها رسول الله ﷺ لِحبِّه ابن حِبِّه، وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدَّتُها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرْغَبَ فيها، ولا يُحْرَصَ عليها. وأيضًا: فلم يثبث بذلك نقل مُسْنَدٌ صحيحٌ. وإنما الذي تمسَّك به في ذلك قول عائشة: ما لفاطمة خير أن تذكر هذا.
стр. 2061
١١١٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ (لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ اَلْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ بِالِانْقِطَاعِ.
===
(أُمِّ اَلْوَلَدِ) هي الأمَة التي وطئها سيدها فأتت بولد ثم مات عنها.
• ما صحة حديث الباب؟
ضعيف.
قال ابن المنذر: وضعف أحمد وأبو عبيد هذا الحديث.
• كم عدة أم الولد؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: عدتها أربعة أشهر وعشر.
القول الثاني: تعتد بثلاث حيض.
وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي.
قالوا: لأنها عدة تجب في حال الحرية، فوجب أن تكون عدة كاملة
القول الثاني: عدتها حيضة.
وهذا قول ابن عمر وعثمان وعائشة.
وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
قلت: أصح هذه الأقوال قول مالك، لأن الله سبحانه قال (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (فشرط في تربص الأقراء أن يكون عن طلاق؛ فانتفى بذلك أن يكون عن غيره. وقال (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) فعلق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة، فدل على أن الأمة بخلافها، وأيضاً فإن هذه أمة موطوءة بملك اليمين فكان استبراؤها بحيضة، أصل ذلك الأمة.
ورجحه الشيخ ابن عثيمين، وقال: هذا الأثر لا يعول عليه:
أولاً: لمخالفته لظاهر القرآن.
وثانياً: لكونه معلولاً بالانقطاع.
وثالثاً: أن الواجب أن تستبرأ بحيضة، فإن استبرأت بحيضة حلت للأزواج أو لمالكها.
стр. 2062
١١١٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (إِنَّمَا اَلْأَقْرَاءُ; اَلْأَطْهَارُ) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
===
• كم عدة المطلقة التي تحيض المدخول بها؟
ثلاثة قروء، وقد تقدم ذلك.
كما قال تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ).
• اختلف العلماء في المراء بالقرء في قوله تعالى (ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ)، اذكر الخلاف؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه الحيض.
وهو مروي عن الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة والصحيح عند الإمام أحمد وهو مذهب الحنفية.
قال ابن القيم: هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَعُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ وَأَبِي الدّرْدَاءِ وَابْنِ عَبّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كُلّهِمْ كَعَلْقَمَةَ وَالْأُسُودِ وَإِبْرَاهِيمَ وَشُرَيْحٍ وَقَوْلُ الشّعْبِيّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَقَوْلُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبّاسٍ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُوسٍ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَهُوَ قَوْلُ أَئِمّةِ الْحَدِيثِ كَإِسْحَاقِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ وَالْإِمَامِ أَحْمَد ﵀ فَإِنّهُ رَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بَهْ وَاسْتَقَرّ مَذْهَبُهُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ مَذْهَبٌ سِوَاهُ.
وتفسير القروء بالحيض مستقر معلوم مستفيض وأدلتهم في ذلك.
أ-أن الأصل الاعتداد بالحيض، فإن لم يكن فبالأشهر قال تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً).
والمبدل -الحيض- هو الذي يشترط عدمه لجواز إقامة البدل -الأشهر- مقامه، والمبدل هو الحيض فكان هو المراد من القرء.
قال ابن قدامة: فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدل ذلك على أن الأصل الحيض، كما قال تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً).
ب-ظاهر النص في قوله تعالى (والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ … ).
أن العدة ثلاثة، فمن جعل معنى القروء الطهر لم يوجب ثلاثة لأنه يحسب لها الطهر الذي طلقت فيه ولو بقي منه جزء يسير، وهذا يخالف ظاهر النص، ومن جعل معناه الحيض فاشترط له ثلاثة كاملة وهذا الموافق للنص.
ج-قوله ﷺ (دعي الصلاة أيام أقرائك).
والصلاة لا تترك إلا في الحيض، لذلك استعمل لفظ القروء هنا بمعنى الحيض وهو أصل ما تنقضي به العدة، ولفظ القرء لم يستعمل في الشرع إلا للحيض، وحمله في الآية على ذلك متعين.
стр. 2063
قال ابن قدامة: ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال النبي ﷺ (تدع الصلاة أيام أقرائها).
وقال لفاطمة بنت أبي حبيش (انظري، فإذا أتى قرؤك، فلا تصلي، وإذا مر قرؤك، فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء). رواه النسائي
ولم يعهد في لسانه استعماله بمعنى الطهر في موضع، فوجب أن يحمل كلامه على المعهود في لسانه. (المغني).
د-قوله ﷺ (طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان) وفيه تصريح بأن القرؤ هو الحيض، وقد أمرت عائشة ﵂ بريرة أن تعتد ثلاث حيض.
هـ-ما يدل على الاستبراء هو الحيض، والاستبراء من حكم العدة، والطهر بعد الطلاق لا يدل على براءة الرحم فلا يجوز إدخاله في العدة الدالة على البراءة.
القول الثاني: هو الطهر.
قال ابن القيم: وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِت وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ. وَيُرْوَى وَالشّافِعِي وَأَحْمَدُ عَنْ الْفُقَهَاءِ السّبْعَةِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَالزّهْرِيّ وَعَامّةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، والشافعي. (زاد المعاد).
ورجحه ابن حزم، والشنقيطي.
أ-قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ … ).
أي في وقت عدتهن كقوله تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي: في يوم القيامة، فدل على أنه وقت العدة.
والطلاق في الحيض محرم، فلزم إيقاعه في الطهر.
ب-أمره ﷺ في حديث ابن عمر لعمر بن الخطاب ﵁ أن يراجع ابن عمر زوجته والحديث الوارد في ذلك عن ابن عمر ﵄ (أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ فقال: مره فليراجعها. ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء).
وهنا قد فسر النبي ﷺ القرء بالطهر بأن جعله زمان العدة والطلاق؛ لأن الطلاق المأمور به في الطهر فوجب أن يكون الطهر هو العدة دون الحيض.
وفي رواية أخرى (طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ قال: مره فليراجعها، قلت: تحتسب؟ قال: أرأيته إن عجز واستحمق؟).
وعن ابن عمر ﵄ قال (حسبت على تطليقة).
الراجح: القول الأول القائل بأن معنى القروء الحيض لا الطهر لذهاب أكابر الصحابة رضوان الله عليهم إليه ومنهم الخلفاء الراشدون، وقد رجحه وصوبه جمع من العلماء.
стр. 2064
١١١٤ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (طَلَاقُ اَلْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ.
وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا وَضَعَّفَهُ.
١١١٥ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ، وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِه
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث ابن عمر صحيح موقوفاً.
وأخرجه الدارقطني مرفوعاً لكنه لا يصح.
وأما حديث عائشة فضعيف، ضعفه أبو داود والترمذي وغيرهما.
• كم طلاق الأمة؟
تطليقتان.
قال ابن قدامة: جملة ذلك أن الطلاق معتبر بالرجال، فإن كان الزوج حراً فطلاقه ثلاث حرة كانت الزوجة أو أمة، وإن كان عبداً فطلاقه اثنتان حرة كانت زوجته أو أمة، فإذا طلق اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، روي ذلك عن عمر وعثمان وزيد وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر. (المغني).
فقد ورد عن عمر أنه قال (ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين) أخرجه الدارقطني.
ولأن العبد على النصف من الحر، ولم يُجعل الطلاق طلقة ونصف لأن الطلاق لا يتنصف.
وقد وقع خلاف في هذه المسألة:
فذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن عدد الطلاق معتبر بالزوج، فإن كان حراً فإنه يملك على زوجته ثلاث تطليقات ولو كانت أمة، وإن كان الزوج عبداً فإنه يملك تطليقتين لا غير ولو كانت زوجته حرة، فإن طلقها الثانية بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
لما ورد عن عمر كما تقدم.
ولأن الرجل هو المخاطب بالطلاق فهو المعتبر به.
ولأن الطلاق خالص حق الزوج.
стр. 2065
وذهب الحنفية إلى أن الطلاق معتبر بالنساء، فإن كانت الزوجة حرة فطلاقها ثلاث ولو كان زوجها عبداً، وإن كانت الزوجة أمَة فطلاقها اثنتان وإن كان زوجها حراً.
لحديث الباب.
قالوا: إن الأمَة تطلق تطليقتين، وتعتد قرءين، سواء كانت تحت حر أم عبد.
قالوا: لأن المرأة محل الطلاق، فيعتبر بها كالعدة.
وذهب بعض العلماء إلى أن العبد كالحر في هذه المسألة.
لأن النصوص لم تخص الحر دون العبد.
• كم عدة الأمة؟
حيضتان.
وقد تقدم كلام ابن قدامة ﵀.
قال الشيخ ابن عثيمين: أما كون الأمة عدتها قَرْءان فإنه وردت بها أحاديث مرفوعة، مجموعها يقضي بأنها حسنة، وورد فيها آثار عن الصحابةـ ﵃ ـ صحيحة على أن عدتها حيضتان، فيكون عموم الآية مخصَّصاً بهذه الآثار المرفوعة والموقوفة، فيكون للأمة قرءان.
فإن قيل: لماذا لا نقول: قرء ونصف، تنصيفاً؟ فالجواب: لا نقول ذلك؛ لأن الحيض لا يتبعض، فلهذا جبروه، وقالوا: إن عدتها قرءان، فما هي الأقراء؟
اختلف فيها أهل العلم اختلافاً كثيراً، ولكن القول الصواب في ذلك أنها الحِيَض، كما قال المؤلف، وهذا قول عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء.
стр. 2066
١١١٦ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَحَسَّنَهُ اَلْبَزَّارُ.
===
(أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ) أي: أن يطأ امرأة وهي حبلى ن غيره.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: تحريم وطء الحامل من غير الواطئ حتى تضع.
وقد جاء في سنن أبي داود عن أبي سعيد. قال: قال ﷺ (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) وسيأتي الحديث إن شاء الله.
وهذا الحديث جاء في حق السبايا، فقد نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المسبية إلاّ أن تضع حملها وتطهر وإذا طهرت يبقى النهى لأجل الأذى حتى تغتسل، ذلك لأن المحذور هو أن يحصل منه سقي زرع غيره، وكذلك يخشى أن يكون هناك حمل فيطؤها قبل أن تعتد أو قبل أن تحيض حيضة، فيكون هناك اشتباه في أنه منه أو من الأول.
وعن أبى الدرداء عن النبي ﷺ (أنه أتى بامرأة مجح على باب فسطاط فقال «لعله يريد أن يلم بها». فقالوا نعم. فقال رسول الله ﷺ «لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن المرأة إذا زنت وحملت من الزنا فإنه لا يحل نكاحها حتى تضع لعموم الحديث (فلا يسقي ماءه زرع غيره).
- إثبات يوم القيامة.
- أن الإيمان بالله واليوم الآخر سبب للاستجابة لأوامر وترك نواهيه.
- حرص الإسلام على عدم اختلاط الأنساب.
стр. 2067
١١١٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ فِي اِمْرَأَةِ اَلْمَفْقُودِ (تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
١١١٨ - وَعَنْ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اِمْرَأَةُ اَلْمَفْقُودِ اِمْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا اَلْبَيَانُ.) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
===
(المفقود) هو من فقد فلا يعلم مكانه، أو غاب عن أهله وانقطع خبره.
• ما صحة أحاديث الباب؟
أثر منقطع، سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر.
حديث المغيرة حديث ضعيف جداً، قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.
• متى تعتد امرأة المفقود؟
اختلف العلماء في امرأة المفقود متى تعتد؟
القول الأول: لا تتزوج امرأته حتى يتبين موته أو فراقه لها.
قال ابن حجر في فتح الباري: وجاء عن علي: إذا فقدت المرأة زوجها لم تتزوج حتى يقدم أو يموت. أخرجه أبو عبيد في كتاب النكاح. وقال عبد الرزاق: بلغني عن ابن مسعود أنه وافق علياً في امرأة المفقود أنها تنتظره أبداً.
القول الثاني: من فقد زوجها -بأي صورة تم فقده- أن ترفع أمرها للحاكم، ثم تنتظر أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، ثم تتزوج -إن شاءت-.
قضى بهذا الخليفتان عمر وعثمان وغيرهم من الصحابة والتابعين.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري: فإن مذهب الزهري في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين.
وقد أخرجه عبد الرزاق وسعيد ابن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر، منها لعبد الرزاق من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا بذلك.
وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عمر وابن عباس قالا: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين.
وثبت أيضاً عن عثمان وابن مسعود في رواية وعن جمع من التابعين كالنخعي وعطاء والزهري ومكحول والشعبي.
واتفق أكثرهم على أن التأجيل من يوم ترفع أمرها للحاكم وعلى أنها تعتد عدة الوفاة بعد مضي الأربع سنين واتفقوا أيضاً على أنها إن تزوجت فجاء الزوج الأول خُير بين زوجته وبين الصداق، وقال أكثرهم: إذا اختار الأول (الصداق) غرمه الثاني، ولم يفرق أكثرهم بين أحوال الفقد إلا ما تقدم عن سعيد بن المسيب. (الفتح).
стр. 2068
القول الثالث: تنتظر أربع سنين ثم تعتد، وهؤلاء قالوا بالتفصيل:
قالوا: إذا كان ظاهر غيبته الهلاك انتظر به أربع سنين منذ فُقِد، وإن كان ظاهر غيبته السلامة انتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد، لكن هذا القول ضعيف.
مثال: فمن فقد وعمره (٨٠) سنة، فإن كان غالب سفره الهلاك انتظر أربع سنين، وإن كان غالب سفره السلامة انتظر عشر سنوات.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يرجع في تقدير مدة الانتظار إلى اجتهاد الحاكم، لعدم الدليل على التحديد، لأنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين، يُرجع إلى غلبة الظن في كل مسائل الدين، فيجتهد الحاكم في تقدير مدة الانتظار، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والبلدان والأشخاص واختلاف وسائل البحث.
قال السعدي: وامرأة المفقود تنتظرُ حتى يحكمَ بموتهِ، بحسب اجتهاد الحاكم ثم تعتد.
• فإذا حكم الحاكم وقضى بأنه ينتظر سنتين، فبعد مرور السنتين نحكم بموته، وبعد ذلك تعتد المرأة أربعة أشهر وعشراً، وبعد هذه العدة لها أن تتزوج.
• ما الحكم إن تزوجت امرأة المفقود ثم قدم زوجها الأول؟
إن تزوجت امرأة المفقود بعد خروجها من العدة، ثم قدم زوجها الأول:
الحالة الأولى: إن كان قدومه قبل وطء الثاني فهي للأول. لماذا؟ قالوا: لأنه لما قدم الزوج الأول تبيّن أن نكاح الثاني باطل، لأنه نكاح امرأةٍ ذات زوج، ونكاح المرأة ذات الزوج باطل.
الحالة الثانية: أن يكون قدومه بعد وطء الثاني، فهو يخيّر الزوج الأول، فإن شاء استردها، وإن شاء أبقاها مع الزوج الثاني.
فإن استردها فهل يحتاج إلى تجديد عقد؟ الجواب: لا، لأنها زوجة له.
وإن اختار أن تبقى عند الثاني؟ فهل يحتاج الثاني إلى تجديد عقد؟ الجواب: لا يحتاج إلى تجديد عقد لأن هذا العقد صحيح في حكم الظاهر. وقيل: لابد من تجديد العقد، وهذا أقيس لأنه بقدوم الأول تبين أن نكاح الثاني باطل.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الزوج الأول له الخيار حتى لو قبل الوطء، فإن اختار أن يأخذها فله ذلك وان اختار أن يتركها مع الثاني فله ذلك.
• بالنسبة لبعد الوطء واختار الزوج الأول أن يأخذها، فإنه لا يطأ حتى تعتد من الثاني.
• وإن اختار أن تبقى مع الثاني؟ المذهب لا يحتاج الثاني لتجديد عقد، وقيل: لابد من تجديد العقد، وهذا أصح.
• بالنسبة للصداق: إذا اختار أن تبقى مع الثاني؟ الزوج الأول يرجع للزوج الثاني، ويرجع بما أعطاها هو.
ويرجع الثاني على الزوجة عند بعض العلماء، وقيل: لا يرجع الثاني على المرأة إلا إذا كان منها غرور بحيث لم تعلمه بأنها امرأة مفقود، أما إذا أعلمته بأنها امرأة مفقود فلا يرجع، لأنه دخل على بينّة وبصيرة. (الأربعاء: ٦/ ٢/ ١٤٣٦ هـ).
стр. 2069
١١١٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ اِمْرَأَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
١١٢٠ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِاِمْرَأَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ اِمْرَأَةٍ) الذي في صحيح مسلم (امرأة ثيب) والثيب: من قد تزوجت.
إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا) أي: زوجاً لها.
أَوْ ذَا مَحْرَمٍ) أي: أن تكون الحرمة من محارمه.
• ماذا نستفيد من الحديثين؟
نستفيد: تحريم أن يخلو الرجل بامرأة أجنبية عنه، فيحرم أن يخلو بها ولو مدة قصيرة، ومن باب أولى النوم عندها.
قال النووي ﵀: وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما فهو حرام باتفاق العلماء.
وقال الصنعاني ﵀: دل الحديث على تحريم الخلوة بالأجنبية وهو إجماع.
• اذكر بعض الأدلة على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية؟
أ- أحاديث الباب.
ب- عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ «الْحَمْوُ الْمَوْتُ) متفق عليه. (الحمو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه).
وهذا الحديث تضمن منع الدخول على النساء، فمنع الخلوة أولى.
قال النووي (الحمو الموت) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَوْف مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره، وَالشَّرّ يُتَوَقَّع مِنْهُ، وَالْفِتْنَة أَكْثَر لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْمَرْأَة وَالْخَلْوَة مِنْ غَيْر أَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَالْمُرَاد بِالْحَمْوِ هُنَا أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ. فَأَمَّا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء فَمَحَارِم لِزَوْجَتِهِ تَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا، وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعَمّ، وَابْنه، وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ. وَعَادَة النَّاس الْمُسَاهَلَة فِيهِ، وَيَخْلُو بِامْرَأَةِ أَخِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْت، وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته هُوَ صَوَاب مَعْنَى الْحَدِيث.
وقال القرطبي: قوله (الحمو الموت) أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة؛ أي: فهو مُحرَّم معلوم التحريم، وإنَّما بالغ في الزجر عن ذلك، وشبهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة، لإلفهم لذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة، وخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت، أي: لقاؤه يفضي إلى الموت. وكذلك دخول الحمو على المرأة يفضي إلى موت الدِّين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو برجمها إن زنت معه.
ب- عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو. قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلاَّ وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَان). رواه مسلم
ج-وعنِ عُمَرَ قَالَ. قال ﷺ (أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَان) رواه الترمذي.
стр. 2070
• ما الحكمة من تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية؟
خوفاً من وقوع الفاحشة، لأن الرجل فتنته المرأة، والمرأة فتنته الرجل.
وقال ﷺ (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) متفق عليه.
وقال ﷺ ( … واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم.
• ما المقصود بالمرأة الأجنبية؟
المرأة الأجنبية هي من ليست بزوجة ولا ذات قرابة محرمة للنكاح بسبب مباح أو نسب.
ولذلك نرى العلماء جعلوا زوجة الأخ في حكم الأجنبية.
وكذلك بنت الزنا سواء كانت من مائه أو من ماء غيره.
والمخطوبة تعد هي الأخرى في حكم الأجنبية. فلا تصح بهن الخلوة لعدم المحرمية، والمخطوبة لم يرد الشرع إلا بحل النظر إليها. أما الخلوة بها فبقيت على التحريم، لأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور، لا سيما في زمن يقل فيه وازع الإيمان، ويكثر به الفساد.
كما يعد في حكم الأجنبيات بنات العم، وبنات الخال فلا يحل لأي مما مضى الخلوة بهن، أو الدخول عليهن، إلا إذا دخل مع غيره من المحارم من غير خلوة ولا ريبة.
• ما وجه تخصيص الثيب في حديث جابر؟
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا خُصَّ الثَّيِّب لِكَوْنِهَا الَّتِي يَدْخُل إِلَيْهَا غَالِبًا، وَأَمَّا الْبِكْر فَمَصُونَة مُتَصَوِّنَة فِي الْعَادَة مُجَانِبَة لِلرِّجَالِ أَشَدّ مُجَانَبَة، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرهَا، وَلِأَنَّهُ مِنْ بَاب التَّنْبِيه، لِأَنَّهُ إِذَا نُهِيَ عَنْ الثَّيِّب الَّتِي يَتَسَاهَل النَّاس فِي الدُّخُول عَلَيْهَا فِي الْعَادَة، فَالْبِكْر أَوْلَى.
وقال القرطبي: قوله (لا يبيتن رجل عند امرأة في ثيِّب إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا محرم) هذا في الحديث لا دليلَ خطابٍ له بوجه؛ لأنَّ الخلوة بالأجنبية - بكرًا كانت، أو ثيبًا، ليلاً أو نهارًا - محرمة بدليل قوله ﷺ (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)، وبقوله (لا يدخلن رجلٌ على مغيِّبة إلا ومعه رجل، أو رجلان) وبقوله (إياكم والدخول على المغيبات)
وبالجملة فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق في كل الأوقات، وعلى كل الحالات، وإنَّما خصَّ المبيت عند الثيب بالنهي؛ لأنَّ الخلوة بالثيب في الليل هي التي تمكن غالبًا، فإنَّ الأبكار يتعذر الوصول إليهن غالبًا للمبالغة في التحزز بهن، ولنفرتهن عن الرجال، ولأن الخلوة بالنهار تندر، فخرج النهي على المتيسَّر غالبًا.
следующие страницы →