← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

١١١٦ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَحَسَّنَهُ اَلْبَزَّارُ. === (أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ) أي: أن يطأ امرأة وهي حبلى ن غيره. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم وطء الحامل من غير الواطئ حتى تضع. وقد جاء في سنن أبي داود عن أبي سعيد. قال: قال ﷺ (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) وسيأتي الحديث إن شاء الله. وهذا الحديث جاء في حق السبايا، فقد نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المسبية إلاّ أن تضع حملها وتطهر وإذا طهرت يبقى النهى لأجل الأذى حتى تغتسل، ذلك لأن المحذور هو أن يحصل منه سقي زرع غيره، وكذلك يخشى أن يكون هناك حمل فيطؤها قبل أن تعتد أو قبل أن تحيض حيضة، فيكون هناك اشتباه في أنه منه أو من الأول. وعن أبى الدرداء عن النبي ﷺ (أنه أتى بامرأة مجح على باب فسطاط فقال «لعله يريد أن يلم بها». فقالوا نعم. فقال رسول الله ﷺ «لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن المرأة إذا زنت وحملت من الزنا فإنه لا يحل نكاحها حتى تضع لعموم الحديث (فلا يسقي ماءه زرع غيره). - إثبات يوم القيامة. - أن الإيمان بالله واليوم الآخر سبب للاستجابة لأوامر وترك نواهيه. - حرص الإسلام على عدم اختلاط الأنساب.

стр. 2067

١١١٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ فِي اِمْرَأَةِ اَلْمَفْقُودِ (تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. ١١١٨ - وَعَنْ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اِمْرَأَةُ اَلْمَفْقُودِ اِمْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا اَلْبَيَانُ.) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. === (المفقود) هو من فقد فلا يعلم مكانه، أو غاب عن أهله وانقطع خبره. • ما صحة أحاديث الباب؟ أثر منقطع، سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر. حديث المغيرة حديث ضعيف جداً، قال أبو حاتم: هذا حديث منكر. • متى تعتد امرأة المفقود؟ اختلف العلماء في امرأة المفقود متى تعتد؟ القول الأول: لا تتزوج امرأته حتى يتبين موته أو فراقه لها. قال ابن حجر في فتح الباري: وجاء عن علي: إذا فقدت المرأة زوجها لم تتزوج حتى يقدم أو يموت. أخرجه أبو عبيد في كتاب النكاح. وقال عبد الرزاق: بلغني عن ابن مسعود أنه وافق علياً في امرأة المفقود أنها تنتظره أبداً. القول الثاني: من فقد زوجها -بأي صورة تم فقده- أن ترفع أمرها للحاكم، ثم تنتظر أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، ثم تتزوج -إن شاءت-. قضى بهذا الخليفتان عمر وعثمان وغيرهم من الصحابة والتابعين. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري: فإن مذهب الزهري في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين. وقد أخرجه عبد الرزاق وسعيد ابن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر، منها لعبد الرزاق من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا بذلك. وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عمر وابن عباس قالا: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين. وثبت أيضاً عن عثمان وابن مسعود في رواية وعن جمع من التابعين كالنخعي وعطاء والزهري ومكحول والشعبي. واتفق أكثرهم على أن التأجيل من يوم ترفع أمرها للحاكم وعلى أنها تعتد عدة الوفاة بعد مضي الأربع سنين واتفقوا أيضاً على أنها إن تزوجت فجاء الزوج الأول خُير بين زوجته وبين الصداق، وقال أكثرهم: إذا اختار الأول (الصداق) غرمه الثاني، ولم يفرق أكثرهم بين أحوال الفقد إلا ما تقدم عن سعيد بن المسيب. (الفتح).

стр. 2068

القول الثالث: تنتظر أربع سنين ثم تعتد، وهؤلاء قالوا بالتفصيل: قالوا: إذا كان ظاهر غيبته الهلاك انتظر به أربع سنين منذ فُقِد، وإن كان ظاهر غيبته السلامة انتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد، لكن هذا القول ضعيف. مثال: فمن فقد وعمره (٨٠) سنة، فإن كان غالب سفره الهلاك انتظر أربع سنين، وإن كان غالب سفره السلامة انتظر عشر سنوات. وذهب بعض العلماء إلى أنه يرجع في تقدير مدة الانتظار إلى اجتهاد الحاكم، لعدم الدليل على التحديد، لأنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين، يُرجع إلى غلبة الظن في كل مسائل الدين، فيجتهد الحاكم في تقدير مدة الانتظار، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والبلدان والأشخاص واختلاف وسائل البحث. قال السعدي: وامرأة المفقود تنتظرُ حتى يحكمَ بموتهِ، بحسب اجتهاد الحاكم ثم تعتد. • فإذا حكم الحاكم وقضى بأنه ينتظر سنتين، فبعد مرور السنتين نحكم بموته، وبعد ذلك تعتد المرأة أربعة أشهر وعشراً، وبعد هذه العدة لها أن تتزوج. • ما الحكم إن تزوجت امرأة المفقود ثم قدم زوجها الأول؟ إن تزوجت امرأة المفقود بعد خروجها من العدة، ثم قدم زوجها الأول: الحالة الأولى: إن كان قدومه قبل وطء الثاني فهي للأول. لماذا؟ قالوا: لأنه لما قدم الزوج الأول تبيّن أن نكاح الثاني باطل، لأنه نكاح امرأةٍ ذات زوج، ونكاح المرأة ذات الزوج باطل. الحالة الثانية: أن يكون قدومه بعد وطء الثاني، فهو يخيّر الزوج الأول، فإن شاء استردها، وإن شاء أبقاها مع الزوج الثاني. فإن استردها فهل يحتاج إلى تجديد عقد؟ الجواب: لا، لأنها زوجة له. وإن اختار أن تبقى عند الثاني؟ فهل يحتاج الثاني إلى تجديد عقد؟ الجواب: لا يحتاج إلى تجديد عقد لأن هذا العقد صحيح في حكم الظاهر. وقيل: لابد من تجديد العقد، وهذا أقيس لأنه بقدوم الأول تبين أن نكاح الثاني باطل. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الزوج الأول له الخيار حتى لو قبل الوطء، فإن اختار أن يأخذها فله ذلك وان اختار أن يتركها مع الثاني فله ذلك. • بالنسبة لبعد الوطء واختار الزوج الأول أن يأخذها، فإنه لا يطأ حتى تعتد من الثاني. • وإن اختار أن تبقى مع الثاني؟ المذهب لا يحتاج الثاني لتجديد عقد، وقيل: لابد من تجديد العقد، وهذا أصح. • بالنسبة للصداق: إذا اختار أن تبقى مع الثاني؟ الزوج الأول يرجع للزوج الثاني، ويرجع بما أعطاها هو. ويرجع الثاني على الزوجة عند بعض العلماء، وقيل: لا يرجع الثاني على المرأة إلا إذا كان منها غرور بحيث لم تعلمه بأنها امرأة مفقود، أما إذا أعلمته بأنها امرأة مفقود فلا يرجع، لأنه دخل على بينّة وبصيرة. (الأربعاء: ٦/ ٢/ ١٤٣٦ هـ).

стр. 2069

١١١٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ اِمْرَأَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ١١٢٠ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِاِمْرَأَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ اِمْرَأَةٍ) الذي في صحيح مسلم (امرأة ثيب) والثيب: من قد تزوجت. إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا) أي: زوجاً لها. أَوْ ذَا مَحْرَمٍ) أي: أن تكون الحرمة من محارمه. • ماذا نستفيد من الحديثين؟ نستفيد: تحريم أن يخلو الرجل بامرأة أجنبية عنه، فيحرم أن يخلو بها ولو مدة قصيرة، ومن باب أولى النوم عندها. قال النووي ﵀: وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما فهو حرام باتفاق العلماء. وقال الصنعاني ﵀: دل الحديث على تحريم الخلوة بالأجنبية وهو إجماع. • اذكر بعض الأدلة على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية؟ أ- أحاديث الباب. ب- عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ «الْحَمْوُ الْمَوْتُ) متفق عليه. (الحمو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه). وهذا الحديث تضمن منع الدخول على النساء، فمنع الخلوة أولى. قال النووي (الحمو الموت) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَوْف مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره، وَالشَّرّ يُتَوَقَّع مِنْهُ، وَالْفِتْنَة أَكْثَر لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْمَرْأَة وَالْخَلْوَة مِنْ غَيْر أَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَالْمُرَاد بِالْحَمْوِ هُنَا أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ. فَأَمَّا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء فَمَحَارِم لِزَوْجَتِهِ تَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا، وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعَمّ، وَابْنه، وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ. وَعَادَة النَّاس الْمُسَاهَلَة فِيهِ، وَيَخْلُو بِامْرَأَةِ أَخِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْت، وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته هُوَ صَوَاب مَعْنَى الْحَدِيث. وقال القرطبي: قوله (الحمو الموت) أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة؛ أي: فهو مُحرَّم معلوم التحريم، وإنَّما بالغ في الزجر عن ذلك، وشبهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة، لإلفهم لذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة، وخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت، أي: لقاؤه يفضي إلى الموت. وكذلك دخول الحمو على المرأة يفضي إلى موت الدِّين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو برجمها إن زنت معه. ب- عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو. قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلاَّ وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَان). رواه مسلم ج-وعنِ عُمَرَ قَالَ. قال ﷺ (أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَان) رواه الترمذي.

стр. 2070

• ما الحكمة من تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية؟ خوفاً من وقوع الفاحشة، لأن الرجل فتنته المرأة، والمرأة فتنته الرجل. وقال ﷺ (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) متفق عليه. وقال ﷺ ( … واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم. • ما المقصود بالمرأة الأجنبية؟ المرأة الأجنبية هي من ليست بزوجة ولا ذات قرابة محرمة للنكاح بسبب مباح أو نسب. ولذلك نرى العلماء جعلوا زوجة الأخ في حكم الأجنبية. وكذلك بنت الزنا سواء كانت من مائه أو من ماء غيره. والمخطوبة تعد هي الأخرى في حكم الأجنبية. فلا تصح بهن الخلوة لعدم المحرمية، والمخطوبة لم يرد الشرع إلا بحل النظر إليها. أما الخلوة بها فبقيت على التحريم، لأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور، لا سيما في زمن يقل فيه وازع الإيمان، ويكثر به الفساد. كما يعد في حكم الأجنبيات بنات العم، وبنات الخال فلا يحل لأي مما مضى الخلوة بهن، أو الدخول عليهن، إلا إذا دخل مع غيره من المحارم من غير خلوة ولا ريبة. • ما وجه تخصيص الثيب في حديث جابر؟ قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا خُصَّ الثَّيِّب لِكَوْنِهَا الَّتِي يَدْخُل إِلَيْهَا غَالِبًا، وَأَمَّا الْبِكْر فَمَصُونَة مُتَصَوِّنَة فِي الْعَادَة مُجَانِبَة لِلرِّجَالِ أَشَدّ مُجَانَبَة، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرهَا، وَلِأَنَّهُ مِنْ بَاب التَّنْبِيه، لِأَنَّهُ إِذَا نُهِيَ عَنْ الثَّيِّب الَّتِي يَتَسَاهَل النَّاس فِي الدُّخُول عَلَيْهَا فِي الْعَادَة، فَالْبِكْر أَوْلَى. وقال القرطبي: قوله (لا يبيتن رجل عند امرأة في ثيِّب إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا محرم) هذا في الحديث لا دليلَ خطابٍ له بوجه؛ لأنَّ الخلوة بالأجنبية - بكرًا كانت، أو ثيبًا، ليلاً أو نهارًا - محرمة بدليل قوله ﷺ (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)، وبقوله (لا يدخلن رجلٌ على مغيِّبة إلا ومعه رجل، أو رجلان) وبقوله (إياكم والدخول على المغيبات) وبالجملة فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق في كل الأوقات، وعلى كل الحالات، وإنَّما خصَّ المبيت عند الثيب بالنهي؛ لأنَّ الخلوة بالثيب في الليل هي التي تمكن غالبًا، فإنَّ الأبكار يتعذر الوصول إليهن غالبًا للمبالغة في التحزز بهن، ولنفرتهن عن الرجال، ولأن الخلوة بالنهار تندر، فخرج النهي على المتيسَّر غالبًا.

стр. 2071

• ما الحكم إذا اجتمع رجال بامرأة أجنبية والعكس؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أن هذا داخل في الخلوة. وهذا مذهب المالكية والحنابلة ووجه عند الشافعية. القول الثاني: أنه ليس من الخلوة المحرمة. وهذا قول الحنفية وبعض محققي الشافعية. قال النووي: وَأَمَّا إِذَا خَلَا الْأَجْنَبِيّ بِالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْر ثَالِث مَعَهُمَا فَهُوَ حَرَام بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا مَنْ لَا يُسْتَحَى مِنْهُ لِصِغَرِهِ كَابْنِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاث وَنَحْو ذَلِكَ، فَإِنَّ وُجُوده كَالْعَدَمِ. وَكَذَا لَوْ اِجْتَمَعَ رِجَال بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّة فَهُوَ حَرَام، بِخِلَافِ مَا لَوْ اِجْتَمَعَ رَجُل بِنِسْوَةٍ أَجَانِب، فَإِنَّ الصَّحِيح جَوَازه (نووي). وقال في المجموع: المشهور جواز خلوة رجل بنسوة لا محرم له فيهن لعدم المفسدة غالباً؛ لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً في ذلك. وهذا هو الراجح لأمور: أولاً: أن الخلوة معناها لغة: الانفراد، وفي حالة التعدد لم ينفرد الرجل بالمرأة، ولم تنفرد به. ثانياً: أن نص الحديث يقول (لا يخلون رجل بامرأة) (ما خلا رجل بامرأة). ثالثاً: حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو - السابق - (لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلاّ وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَان). رابعاً: منع الخلوة إنما كان لأنها مظنة الفتنة، وطريق إلى الإغراء بالمعصية، ومع وجود التعدد تصبح المظنة بعيدة، كما جرت بذلك العادة. • هل قوله ﷺ (لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ اِمْرَأَةٍ … ) يدل على جواز ذلك نهاراً؟ قال الصنعاني: مفهوم قوله (لا يبيتن … ) أنه يجوز له البقاء عند الأجنبية في النهار خلوة أو غيرها لكن قوله ﷺ (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) دل على تحريم خلوته بها ليلاً أو نهاراً، وهو دليل لما دل عليه الحديث الذي قبله وزيادة وأفاد جواز خلوة الرجل بالأجنبية مع محرمها وتسميتها خلوة تسامح فالاستثناء منقطع. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية. - ليس من مسوغات الخلوة التعليم، ولو كان تعليم قرآن. - سد الذرائع، قال ابن القيم: وحرم الإسلام الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها والنظر إليها لغير حاجة حسماً للمادة وسداً للذريعة. ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور. ومنعهن من التسبيح في الصلاة لنائبة تنوب بل جعل لهن التصفيق. ومنع المعتدة من الوفاة من الزينة والطيبب والحلي. ومنع الرجل من التصريح بخطبتها في العدة وإن كان إنما يعقد النكاح بعد انقضائها. ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها حتى كأنه ينظر إليها. ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله. ونهى عن تعلية القبور وتشريفها وأمر بتسويتها.

стр. 2072

١١٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ (لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ. ١١٢٢ - وَلَهُ شَاهِدٌ: عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي اَلدَّارَقُطْنِيِّ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أنه يجب استبراء الأمَة عند ملكها (عن طريق الشراء أو في المغانم) بحيضة استبراء لرحمها. والاستبراء: لغة طلب البراءة. واصطلاحاً: تربص يقصد منه العلم ببراءة الرحم. فإذا اشترى أمَة أو وهبتْ له أو ملكها بعد زوج، فلا يجوز أن يجامعها حتى يستبرئها بحيضة، ليعلم براءة رحمها، لأنها قد تكون حاملاً من مالكها الأول، وإن كانت حاملاً فلا يطأها حتى تضع. وقد تقدم حديث - رويفع - (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره). • ما الحكم لو ملك أمَة من امرأة أو طفل؟ ظاهر الحديث أن الاستبراء واجب مطلقاً، سواء ملك الأمة من طفل أو امرأة. وقد ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وقالوا بوجوب الاستبراء مطلقاً لعموم الأدلة. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجب استبراء الأمة إذا ملكها من طفل أو امرأة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. لأن المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم، فحيث تيقنَ المالك براءة رحم الأمَة فله وطؤها ولا استبراء عليه. والقول الأول أحوط.

стр. 2073

١١٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (اَلْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ اَلْحَجَرُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ. ١١٢٤ - وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةٍ. ١١٢٥ - وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ، عِنْدَ النَّسَائِيِّ. ١١٢٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ. عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ. === (اَلْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) فراش الزوجية إذا كانت زوجة، وفراش التسري إذا كانت أمة، والمعني: أن الولد تابع له ومحكوم له به. (وَلِلْعَاهِرِ) أي الزاني. (اَلْحَجَر) أي: للزاني الخيبة والحرمان، ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدعيه، وجرت العرب أن تقول لمن خاب: له الحجر، وبفيه الحجر والتراب. وقيل: المراد بالحجر هنا أنه يرجم، لكنه قول ضعيف. ويؤيد الأول ما أخرجه أحمد من قوله ﷺ : (الولد للفراش وفي فم العاهر الحَجَر). • اذكر لفظ حديث عائشة؟ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلامٍ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ: هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ، فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ). (اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المبشرين بالجنة، (فِي غُلامٍ) أي: فيمن يستلحقه. (عَهِدَ إلَيَّ) أي: أوصى إلي أنه ابنه، جاء في رواية: (فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه، فاحتضنه وقال: ابن أخي ورب الكعبة)، (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي) يراد بالفراش صاحبه، وهو الزوج والسيد، (وَلِيدَتِهِ) الجارية التي وطئها سيدها، فجاءت منه بولد، (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) فراش الزوجية إذا كانت زوجة، وفراش التسري إذا كانت أمة، (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ) هي بنت زمعة زوجة رسول الله ﷺ .

стр. 2074

ومعنى الحديث: كانوا في الجاهلية يضربون على الإماء ضرائب يكتسبها من فجورهن، ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه. فزنا عتبة بن أبي وقاص بأمَةٍ لزمعة بن الأسود، فجاءت بغلام، فأوصى عتبة إلى أخيه سعد بأن يلحق هذا الغلام بنسبه، فلما جاء فتح مكة، ورأى سعد الغلام، عرفه بشبهه بأخيه، فأراد استلحاقه، فاختصكم عليه هو، وعبد بن زمعة، فأدلى سعد بحجته، وهي: أن أخاه أقر بأنه ابنه، وبما بينهما من شبه. فقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد من وليدة أبي، فنظر النبي ﷺ إلى الغلام، فرأى فيه شبهاً بيّناً بعتبة، وحيث أن الأصل أنه تابع لمالك الأمّة، قضى به لزمعة، وقال: الولد للفراش وللعاهر الزاني الخيبة والخسار، لكن لما رأى شبه الغلام بعتبة، تورع النبي ﷺ أن يستبيح النظر إلى زوجته سودة، فأمرها بالاحتجاب منه احتياطاً وتورعاً. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن الولد يحكم بأنه للفراش إذا أمكن اللحاق به. أ- لحديث الباب (اَلْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ اَلْحَجَرُ). ب- ولحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ (قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا دَعْوَةَ فِي الإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر) رواه أبو داود وحسنه ابن حجر. قال ابن قدامة: أن المرأة إذا كانت فراشاً، أي متزوجة، وأتت بولد بعد ستة أشهر من زواجها، فإنه ينسب إلى الزوج، ولا ينتفي عنه إلا بملاعنته لزوجته. ولو ادعى رجل أنه زنى بالمرأة وأن هذا ابنه من الزنا، لم يلتفت إليه بالإجماع، وذلك لقول النبي ﷺ : الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقال: وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل، فادعاه آخر. أنه لا يلحقه، وإنما الخلاف فيما إذا ولد على غير فراش. وهذا هو الأصل حفظاً للأنساب من الضياع فلو أن رجلاً غاب عن زوجته فولدت فالولد لاحق به مالم ينفه باللعان. وقال ابن قدامة: حتى لو أن امرأة أتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة لحقه ولدها. (المغني). - مثال لا يمكن اللحاق به: كأن يتزوج شخص امرأة وولدت غلاماً بعد ثلاثة أشهر، فهذا لا يمكن أن يكون من هذا الزوج، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر. قال النووي: قوله (الولد للفراش) معناه أنه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة، صارت فراشاً له، فأتت بولد لمدة الإمكان منه لحقه الولد وصار ولداً يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة، سواء كان موافقاً له في الشبه أو مخالفاً ومدة إمكان كونه منه ستة أشهر من حين اجتماعهما.

стр. 2075

• متى تكون الزوجة فراشاً؟ اختلف العلماء متى تكون الزوجة فراشاً؟ على قولين: القول الأول: بمجرد العقد تكون فراشاً، ويلحق الولد بالزوج. وهذا مذهب أبي حنيفة. لعموم قوله ﷺ : (الولد للفراش … ). القول الثاني: تصير فراشاً بالعقد مع إمكان الوطء. وهذا قول الشافعي وأحمد. القول الثالث: لا تصير فراشاً حتى يتحقق اجتماعه معها مع الوطء. وهذا اختيار ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم. أ- لقوله ﷺ (الولد للفراش). وجه الدلالة: أهل العرف واللغة لا يعدون المرأة فراشاً قبل الدخول بها. ب-أنه لم يعهد في الشريعة أن تأتي بإلحاق نسب بمن لم يبن بامرأته ولم يدخل بها. وهو الصحيح، لأن الفراش لا يتحقق إلا بالمجامعة. وعلى القول الأول: لو عقد على امرأة وهو في أقصى المغرب، وهي في أقصى المشرق، ثم ولدت له بعد العقد بنصف سنة، فإن الولد يلحق به وإن لم يسافر إليها. [لكن هذا القول ضعيف]. • لو زنى رجل بامرأة وجاءت بولد فادعاه الزاني، فهل يلحق به؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا ينسب إليه. وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن قدامة: وولد الزنى لا يلحق الزاني في قول الجمهور. وبناء على هذا القول: فإن ولد الزنا - ذكراً كان أو أنثى - لا ينسب إلى الزاني، ولا يقال إنه ولده، وإنما ينسب إلى أمه، وهو محرَم لها، ويرثها كبقية أبنائها. أ- لحديث الباب ( … وَلِلْعَاهِرِ اَلْحَجَرُ). بيّن ﷺ أنه ليس للزاني إلا الحجر، وذلك بفوات نسب المولود له، فلا ينسب ولد الزنى بالزاني. ب-لحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى النبي ﷺ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا، أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لا يَلْحَقُ بِهِ وَلا يَرِثُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ. فقضى النبي ﷺ أن ولد الزنى لا يلحق بالزاني ولا يرثه، حتى لو ادعاه الزاني.

стр. 2076

القول الثاني: أنه ينسب إليه. وهذا نقل عن الحسن وابن سيرين وعروة والنخعي وإسحاق وسليمان بن يسار، أنه ينسب إليه. واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقال ابن مفلح ﵀: واختار شيخنا [ابن تيمية] أنه إن استلحق ولده من زنا ولا فراش لحقه اهـ. وقال المرداوي: وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: إنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ من الزنى وَلَا فِرَاشَ: لَحِقَهُ. قال ابن القيم: كَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ مِنَ الزِّنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا عَلَى فِرَاشٍ يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ، وَادَّعَاهُ الزَّانِي: أُلْحِقَ بِهِ … وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهُ عَنْهُ إسحاق بِإِسْنَادِهِ فِي رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا، فَادَّعَى وَلَدَهَا فَقَالَ: يُجْلَدُ وَيَلْزَمُهُ الْوَلَد، وَهَذَا مَذْهَبُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَار .... (زاد المعاد). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الجمهور على أنه عام، وأنه لا حق للزاني في الولد الذي خلق من مائه، وذهب بعض العلماء إلى أن هذا خاص في المخاصمة، يعني إذا تخاصم الزاني وصاحب الفراش قضينا به لصاحب الفراش، أما إذا كان لا منازع للزاني، واستلحقه فله ذلك ويلحق به، وهذا القول هو الراجح المناسب للعقل، وكذلك للشرع عند التأمل. (الشرح الممتع) وقال: حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر) يدل أن هناك رجلين، زان وصاحب فراش كل واحد منهما يدعي أن الولد له، صاحب الفراش يقول: هذا ولدي ولد على فراشي، والزاني يقول: هذا ولدي خلق من مائي، فهنا نغلب جانب الشرع كما قال النبي ﵊: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) أما إذا كان الزاني لا ينازعه أحد في ذلك، يعني: زنا بامرأة بكر -مثلاً- أو امرأة ليس لها زوج ولم يدّعِ أحدٌ هذا الولد وقال الزاني: إنه ولدي فهو له. (الباب المفتوح). أدلة هذا القول: أ- إن في إلحاق ولد الزنى بالزاني إذا لم يكن ثمّ فراش فيه حفظ لنسب الولد من الضياع، حتى لا يصيبه الضرر والعار بسبب جريمة لم يرتكبها. ب- قوله ﷺ (اَلْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ اَلْحَجَرُ). قالوا: إن نص الحديث يثبت النسب بسبب الفراش، فإذا ولد للزاني ولا فراش يعارضه أصلاً لم يتناوله الحديث. وقال شيخ الإسلام: وأيضاً ففي استلحاق الزاني ولده إذا لم تكن المرأة فراشاً قولان لأهل العلم، والنبي ﷺ قال: الولد للفراش، وللعاهر الحجر، فجعل الولد للفراش; دون العاهر. فإذا لم تكن المرأة فراشاً لم يتناوله الحديث، وعمر ألحق أولاداً ولدوا في الجاهلية بآبائهم، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.

стр. 2077

ج- يشهد لما سبق من جواز الإلحاق ما جاء في قصة جريج العابد، لما قال للغلام الذي زنت أمه بالراعي: (قالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ، قَالَ: الرَّاعِي … ) متفق عليه. فكلام الصبي كان على وجه الكرامة وخرق العادة من الله، وقد أخبر أن الراعي أبوه، مع أن العلاقة علاقة زنى؛ فدل على إثبات الأبوة للزاني. قال ابن القيم: وَهَذَا إِنْطَاقٌ مِنَ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَذِب. وقال القرطبي: النبي ﷺ قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني، وصدَّق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك، وأخبر بها النبي ﷺ عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته، فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالى وبإخبار النبي ﷺ عن ذلك، فثبتت البنوة وأحكامها. (التفسير). وقال الشيخ ابن عثيمين: واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن ولد الزنى يلحق الزاني؛ لأن جريجاً قال: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، وقد قصها النبي ﷺ علينا للعبرة، فإذا لم ينازع الزاني في الولد واستلحق الولد فإنه يلحقه، وإلى هذا ذهب طائفة يسيرة من أهل العلم. (ش رياض الصالحين). د- القياس. قال ابن القيم: الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِيهِ، فَإِنَّ الْأَبَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ، وَهُوَ إِذَا كَانَ يُلْحَقُ بِأُمِّه، وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقَارِبِ أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهَا زَنَتْ بِهِ، وَقَدْ وُجِدَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ الزَّانِيَيْنِ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُمَا، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ لُحُوقِهِ بِالْأَبِ إِذَا لَمْ يَدِّعِهِ غَيْرُهُ؟ فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاس. (زاد المعاد). هـ- أن الشارع يتشوف لحفظ الأنساب ورعاية الأولاد، والقيام عليهم بحسن التربية والإعداد، وحمايتهم من التشرد والضياع. - وفي نسبة ولد الزنا إلى أبيه تحقيق لهذه المصلحة، خصوصًا أن الولد لا ذنب له، ولا جناية حصلت منه، ولو نشأ من دون أب ينسب إليه ويعني بتربيته والإنفاق عليه لأدى ذلك في الغالب إلى تشرده وضياعه وانحرافه وفساده، وربما نشأ حاقدًا على مجتمعه، مؤذيًا له بأنواع الإجرام والعدوان " ينظر: "فقه الأسرة عند ابن تيمية" (٢/ ٧٥٩) .... والله أعلم.

стр. 2078

الخلاصة: أولاً: أن تكون المرأة المزني بها ذات فراش، أي متزوجة، وأتت بولد بعد ستة أشهر من زواجها، ففي هذه الحال ينسب الولد إلى الزوج، ولا ينتفي عنه إلا بملاعنته لزوجته. ولو ادعى رجل آخر أنه زنى بهذه المرأة وأن هذا ابنه من الزنا، لم يلتفت إليه بالإجماع، وذلك لقول النبي ﷺ (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ). قال ابن قدامة: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ رَجُلٍ، فَادَّعَاهُ آخَرُ: أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ. ثانياً: أن لا تكون المرأة ذات فراش، ولا يستلحقه الزاني به، ولا ادَّعي أنه ابنه من الزنا، ففي هذه الحال لا يُلحق به أيضاً قولاً واحداً. فلم يقل أحد من أهل العلم بإلحاق ولد الزنا بالزاني من غير أن يدعيه الزاني. وقد أشار الماوردي في "الحاوي الكبير" (٨/ ٤٥٥) إلى " إِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالزِّنَا. ثالثاً: إذا لم تكن المرأة فراشاً لأحد، وأراد الزاني استلحاق هذا الولد به. فهذه الصورة محل الخلاف بين العلماء. قال ابن قدامة: " وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُلِدَ عَلَى غَيْرِ فِرَاش. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن الأصل فيما ولد على فراش الإنسان أن الولد له، والشبهة التي تعتري الإنسان ينبغي ألا يلقي لها بالاً، لأن الشرع احتاط للنسب احتياطاً بالغاً. - أن حكم الشبه إنما يعتمد عليه، إذا لم يكن هناك أقوى منه كالفراش. - استدل بهذه القصة على أن الاستلحاق لا يختص بالأب، بل للأخ أن يستلحق. وهذا قول الشافعية وجماعة. وخص مالك الاستلحاق بالأب. - أن الأمة تصير فراشاً بالوطء، فإذا اعترف السيد بوطء أمتهِ أو ثبت ذلك بأي طريق كان، ثم أتت بولد لمدة الإمكان بعد الوطء، لحقه من غير استلحاق. - أنه إذا زنى رجل بامرأة، فولدت منه، فإنه لا يلحقه ولو استلحقه. لقوله ﷺ : (وللعاهر الحجر). - حكم النبي ﷺ لعبد بن زمعة، وأمر سودة بالاحتجاب عنه مع أنها أخته. أجاب العلماء عن ذلك: أن النبي ﷺ أمرها بالاحتجاب احتياطاً وورعاً، وأشار الخطابي إلى أن في ذلك مزية لأمهات المؤمنين، لأن لهن في ذلك ما ليس لغيرهن، قال: والشبه يعتبر به في بعض المواطن، لكن لا يقضى به إذا وجد ما هو أقوى منه .... والله أعلم.

стр. 2079

بَابُ اَلرَّضَاعِ تعريف الرضاع: الرضاع لغة: مص الثدي. واصطلاحاً: هو مص طفل صغير لبن امرأة أو شربه ونحوه. ١١٢٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُحَرِّمُ اَلْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .. === • التحريم بالرضاع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، اذكر الأدلة؟ قال تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) ذكرهما في جملة المحرمات. وعن عائشة. أن النبي ﷺ قال (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) متفق عليه. وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) متفق عليه. وأجمع العلماء على التحريم بالرضاع. قاله في المغني. فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. المعنى: يحرم بسبب الرضاع نظير ما يحرم بسبب النسب (من للسببية). فتحرم عليك أختك من الرضاع كما تحرم عليك أختك من النسب، وتحرم عمتك من الرضاع كما تحرم عمتك من النسب وهكذا. • كم عدد الرضعات المحرمات؟ اختلف العلماء في عدد الرضعات المحرمات على أقوال: القول الأول: أن قليل الرضاع وكثيره محرِّم. وهذا مذهب جمهور العلماء. أ- واستدلوا بالعمومات، كقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ … ) ففي هذه الآية علقت التحريم على مطلق الإرضاع، فحيث وجد وجد حكمه. ب- وعموم قوله ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). ج- وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَحَّيْت، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: كَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر الزوج أن يترك زوجته لمجرد علمه بأنهما رضعا من ثدي واحد دون أن يسأل عن عدد الرضعات، فدل ذلك على أن مطلق الإرضاع يثبت به التحريم. د- وعموم قوله ﷺ : (إنما الرضاعة من المجاعة) متفق عليه.

стр. 2080

القول الثاني: أن المحرم ثلاث رضعات. وهو قول داود، وأبي ثور، وابن المنذر. لحديث عَائِشَة - حديث الباب - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ صرح فيها أن المصة والمصتان لا تحرمان، فيكون ما فوقهما مُحرِّم، وهو الثلاث، لأن ذلك لو لم يكن محرماً لبينه النبي ﷺ . ب- وعنْ أُمِّ الْفَضْلِ. قالت. قال نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ (لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ وَالإِمْلَاجَتَانِ) رواه مسلم. القول الثالث: أن المحرم خمس رضعات. قال ابن قدامة: هذا هو الصحيح في المذهب، وروي هذا عن عائشة وابن الزبير وابن مسعود وعطاء وطاووس. ورجحه الصنعاني والشوكاني. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه مسلم. وهذا القول هو الصحيح. أما أدلة القول الأول: فهي عمومات، وقد قيدت بالسنة بعدد معين من الرضاعة، كما في حديث عائشة. وأما أدلة القول الثاني (لا تحرم المصة والمصتان): هذا الاستدلال بالمفهوم، وهو لا يعمل به إلا عند القائلين به، إلا إذا لم يكن هناك منطوق يعارضه، وقد جاء ما يعارضه مثل حديث عائشة المثبت للتحريم بخمس رضعات.

стр. 2081

١١٢٨ - وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اُنْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا اَلرَّضَاعَةُ مِنْ اَلْمَجَاعَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١١٢٩ - وَعَنْهَا قَالَتْ: (جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ اَلرِّجَالُ. قَالَ: "أَرْضِعِيهِ. تَحْرُمِي عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عن عَائِشَةُ قالت (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ فَقَالَ «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) متفق عليه. (وَعِنْدِي رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وأظنه ابناً لأبي القعيْس. (فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ) جاء في رواية: (فكأنه تغير وجهه) وفي رواية: (فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجه) وفي رواية أبي داود (فشق ذلك عليه وتغير وجهه). (اُنْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ) والمعنى: تأمّلنَ ما وقع من ذلك، هل هو رضاع صحيح بشرطه. (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) أي: الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعته، لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة أو المطعمة. [قاله في الفتح] • ماذا نستفيد من قوله (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ)؟ نستفيد: أن الرضاع المحرّم ما كان الطفل صغيراً في الحولين، يسد اللبن جوعته. وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: أن الرضاع المحرّم ما كان في الحولين. أ- لقوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة). قال ابن قدامة: فجعل تمام الرضاعة حولين، فيدل على أنه لا حكم لها بعدهما. وقال ابن كثير: هذا إرشاد من الله للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال [لمن أراد أن يتم الرضاعة] وذهب أكثر الإئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقها لم يحرم. ب- ولحديث الباب (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ). فهذا دليل على أن الرضاعة المعتبرة التي يثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعته. فالحديث نص على أن حكم الرضاعة خاص بمن يشبعه اللبن.

стр. 2082

ج- ومثله حديث أم سلمة الآتي (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام) رواه الترمذي وصححه .... قوله (الثدي) أي وقت الحاجة إلى الثدي، أي في الحولين. د- وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا رضاع إلا ما شد العظم، وأنبت اللحم). رواه أبو داود القول الثاني: أن رضاع الكبير يُحَرّم. وهذا قول عائشة ونصره ابن حزم. لحديث الباب (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه حذيفة من دخول سالم [وهو حليفه] فقال النبي ﷺ : أرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: علمت أنه رجل كبير). قال النووي: قالت عائشة وداود: تثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل، لهذا الحديث. والراجح مذهب الجمهور، وهو أن رضاع الكبير غير مؤثر. وأما الجواب عن حديث سهلة، فقد أجاب العلماء بأجوبة: أولاً: أن هذه الحادثة رخصة خاصة بسالم، فلا يتعداه إلى غيره، ولذلك فإن أمهات المؤمنين سوى عائشة، أبَيْن أن يعملن بهذه الحادثة، لأنهن كنا يرين أن ذلك رخصة لسالم. ثانياً: أنه حكم منسوخ، وبه جزم المحب الطبري في أحكامه، وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدل على تأخره، وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي، ولا صغره، أن لا يكون ما رواه متقدماً. [قاله في الفتح] ثالثاً: قول الشوكاني، حيث قال: إن الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم: (إنما الرضاع من المجاعة) (ولا رضاع إلا في الحولين) (ولا رضاع إلا ما فتق الأمعاء).

стр. 2083

قال النووي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة، فَقَالَتْ عَائِشَة وَدَاوُد: تَثْبُت حُرْمَة الرَّضَاع بِرَضَاعِ الْبَالِغ كَمَا تَثْبُت بِرَضَاعِ الطِّفْل لِهَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ سَائِر الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعُلَمَاء الْأَمْصَار إِلَى الْآن: لَا يَثْبُت إِلَّا بِإِرْضَاعِ مَنْ لَهُ دُون سَنَتَيْنِ، إِلَّا أَبَا حَنِيفَة فَقَالَ: سَنَتَيْنِ وَنِصْف، وَقَالَ زُفَر: ثَلَاث سِنِينَ وَعَنْ مَالِك رِوَايَة سَنَتَيْنِ وَأَيَّام. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَالْوَالِدَات يَرْضِعْنَ أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرَّضَاعَة) وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم بَعْد هَذَا " إِنَّمَا الرَّضَاعَة مِنْ الْمَجَاعَة " وَبِأَحَادِيث مَشْهُورَة وَحَمَلُوا حَدِيث سَهْلَة عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصّ بِهَا وَبِسَالِمٍ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِم عَنْ أُمّ سَلَمَة وَسَائِر أَزْوَاج رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّهُنَّ خَالَفْنَ عَائِشَة فِي هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم. • ما الحكم إذا وقع الشك في وجود الرضاع أو عدمه؟ قال ابن قدامة: وإذا وقع الشك في وجود الرضاع، أو في عدد الرضاع المحرم، هل كملا أو لا؟ لم يثبت التحريم؛ لأن الأصل عدمه، فلا نزول عن اليقين بالشك، كما لو شك في وجود الطلاق وعدده.

стр. 2084

١١٣٠ - وَعَنْهَا (أَنْ أَفْلَحَ -أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ- جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ اَلْحِجَابِ. قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَخْبَرْتُهُ بِاَلَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ. وَقَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (أَنْ أَفْلَحَ -أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ) أفلح: هو عم عائشة من الرضاعة، لأنه أخو أبي القعيس نسباً الذي رضعت عائشة من زوجته. (بَعْدَ اَلْحِجَابِ) أي: بعد نزول آيات الحجاب، وذلك آخر سنة خمس من الهجرة. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أنه دليل على ثبوت الأبوة من الرضاعة وأن زوج المرضعة يعتبر أباً للرضيع من الرضاعة. ووجهه: أن زوجة أبي القعيس أرضعت عائشة، فصارت أماً لها وصار زوجها أباً لها من الرضاعة وإخوانه أعمام عائشة من الرضاعة ولهذا قال أخو أبي القعيس لعائشة: " أتحتجبين عني وأنا عمك " رواه البخاري، فأقره النبي ﷺ على أنه عمٌ لعائشة بقوله: "ائذني له فإنه عمك تربت يمينك". • ما المراد بلبن الفحل؟ وهل يؤثر في التحريم؟ الفحل: الرجل، ونسبة اللبن إليه مجازيه لكونه السبب فيه. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن لبن الفحل يحرّم. قال ابن قدامة: (ولبن الفحل محرم) معناه أن المرأة إذا أرضعت طفلاً بلبن ثاب من وطء رجل حرم الطفل على الرجل وأقاربه، كما يحرم ولده من النسب؛ لأن اللبن من الرجل كما هو من المرأة، فيصير الطفل ولداً للرجل، والرجل أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها، وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته، وآباؤه وأمهاته أجداده وجداته. قال أحمد: لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان، فترضع هذه صبية وهذه صبياً لا يزوج هذا من هذا وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما، فقال: لا، اللقاح واحد. قال الترمذي: هذا تفسير لبن الفحل. وممن قال بتحريمه علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، والقاسم وعروة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر وأصحاب الرأي. قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وجماعة أهل الحديث، ورخص في لبن الفحل سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والنخعي، وأبو قلابة ويروى ذلك عن ابن الزبير وجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ غير مسمين؛ لأن الرضاع من المرأة لا من الرجل.

стр. 2085

ثم ذكر ﵀ حديث الباب وقال: وهذا نص قاطع في محل النزاع، فلا يعول على ما خالفه. (المغني). قال الشيخ الفوزان:: إذا رضع طفل من امرأة الرضاع المعتبر شرعاً بأن يكون في الحولين وأن يكون خمس رضعات فأكثر فإنه يكون ابنًا للمرضعة، وتكون بنات المرضعة كلهن أخوات له، وكذلك يكون ابنًا لمن له اللبن وهو زوجها، وتكون بنات الزوج كلهن أخوات لهذا المرتضع سواء كن من المرضعة أو من غيرها كما عليه جمهور أهل العلم وهذا ما يسمى بلبن الفحل. وسئل الشيخ ابن باز ﵀: رضعتُ من امرأة ثم تزوج زوجها من أخرى، وأنجبت زوجته أبناء، فهل هم إخوة لي؟ فأجاب: إذا كان الرضاع خمس رضعات فأكثر وكان اللبن منسوباً للزوج لكونها أنجبت منه فهم إخوة لك من أبيك وأمك من الرضاع، وأما أولاده من الزوجة الثانية فهم إخوة لك من أبيك من الرضاع. • ما مقدار الرضعة؟ الرضعة: المراد بها الوجبة التامة التي يأخذها الطفل وإن تخللها تنفّس او انفصال من ثدي الى آخر أو جاء الطفل ما يلهيه، فالمراد: أن يترك الثدي عن ريٍ وطيب نفس. [هذا هو ضابط الرضعة]. فاذا جاءت امرأة ووضعت الطفل على حضنها ثم التقم الثدي ثم تركه للتنفس ثم رجع أو أنها نقلته من ثدي الى آخر في الحال فهذه كلها رضعة واحدة، لأن ضابط الرجعة لم يرد لها دليل من الشرع فيرجع فيها الى اللغة والى العرف. ففي اللغة: الرضعة اسم للمرة، وأما العرف، فان الناس لا يعدون الأكلة إلا الوجبة التامة وان تخللها ما تخللها. وهذا قول الشافعي ونصره ابن القيم في زاد المعاد واختاره الشيخ السعدي. قال ابن القيم: الرضعة مرة من الرضاع بلا شك، كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم الثدي فامتص منه ثم تركه من غير عارض كان ذلك رضعة. لأن الشرع ورد بذلك مطلقاً فحمل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك ثم عاد عن قريب لم يكن أكلتين بل واحدة، هذا مذهب الشافعي … ولو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعة واحدة. وقيل: الرضعة أن يلتقم الطفل الثدي ثم يتركه سواء يتركه اضطراراً او اختياراً ولو للتنفس فهذه رضعة فلو عاد فرضعة ثانية.

стр. 2086

• ما الأحكام المترتبة على الرضاع؟ إذا أرضعت المرأة طفلاً دون الحولين فإنه يصير ولدها في: النكاح، والنظر، والخلوة، والمحرمية. في النكاح [في تحريم النكاح]. والنظر [في جوازه]. والخلوة [في جوازها]. والمحرمية في السفر ونحوه، وولد من نُسبَ لبنها إليه، دون بقية الأحكام. فلا يصير ولداً لها في وجوب نفقتها عليه، وكونها ترثه ويرثها، والولاية في النكاح والمال، فهذه لا تترتب على الرضاع. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: … ، فهذه أربعة أحكام من النسب تثبت بالرضاع، وغير هذه من الأحكام لا يثبت، فالنفقة لا تثبت، فلا يجب أن ينفق الإنسان على بنته من الرضاع، كما ينفق على بنته من النسب، والميراث لا يثبت، فابنته من الرضاع لا ترث منه شيئاً، وتحمُّلُ الدية في قتل الخطأ وشبهه لا يثبت بالرضاع، ووجوب صلة الأرحام لا يثبت بالرضاع، فكل أحكام النسب لا يثبت منها، إلا أربعة أحكام فقط، وهي: النكاح، والنظر، والخلوة، والمحرمية. (الممتع). وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: إذا توفيت امرأة ولها مال وليس بعدها وارث وأقرب شخص إليها هو من قامت بإرضاعه رجلاً كان أو امرأة فهل هو أحق بتركتها أم تؤول إلى بيت مال المسلمين؟ فأجاب: ليست الصلة بالرضاع من أسباب الإرث، فأخوه من الرضاع وأبوه من الرضاع ليس له إرث ولا ولاية ولا نفقة ولا شيء من حقوق القرابات، ولكن لا شك أن له شيئاً من الحقوق التي ينبغي أن يكرم بها، وأما الإرث فلا حق له في الإرث، وذلك لأن أسباب الإرث ثلاثة: القرابة والزوجية والولاء [العتق]؛ وليس الرضاع من أسبابها. وعلى هذا فالمرأة المذكورة يكون ميراثها لبيت مال المسلمين، يصرف إلى بيت المال، ولا يستحقه هذا الابن من الرضاع. • وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل تعطى الأم من الرضاعة والأخت من الرضاعة من الزكاة؟ فأجاب: "نعم، تعطى الأم من الرضاعة من الزكاة، والأخت من الرضاعة إذا كن مستحقات للزكاة، وذلك لأن الأم من الرضاعة والأخت من الرضاعة لا يجب النفقة عليهن، فهن يعطين من الزكاة بشرط أن تثبت فيهما صفة الاستحقاق. • اذكر القاعدة في انتشار الرضاع لمن؟ القاعدة في الرضاع: أن الرضاع ينتشر إلى المرتضع وفروعه فقط دون أصول وحواشي المرتضع، فلا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ومن هو في درجته من إخوته وأخواته، ولا إلى من فوقه من آبائه وأمهاته، ومن في درجتهم من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته. وينتشر إلى أصول وفروع وحواشي المرضعة، فأولاد الزوج والمرضعة إخوة المرتضع وأخواته، وآباؤهما أجداده وجداته، وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته. مثال: فإذا أرضعت المرأة طفلاً صار ولداً لها، وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة الرجل وأخواته أعمامه وعماته. فلا تحرم المرضعة على أبي المرتضع ولا أخيه، ولا تحرم أم المرتضع ولا أخته على أبيه من الرضاع ولا أخيه. فائدة: قال ابن قدامة: ولا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية بحال، فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة، لم يصيرا أخوين، في قول عامة أهل العلم؛ منهم الشافعي، وابن القاسم وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ولو ارتضعا من رجل، لم يصيرا أخوين، ولم تنتشر الحرمة بينه وبينهما، في قول عامتهم.

стр. 2087

١١٣١ - وَعَنْهَا قَالَتْ (كَانَ فِيمَا أُنْزِلُ فِي اَلْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ اَلْقُرْآنِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ الحديث دليل على أن المحرّم من الرضاع خمس رضعات، وهذا هو الراجح، وتقدمت المسألة. • ما معنى قوله (ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ اَلْقُرْآنِ؟ قال النووي: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّسْخ بِخَمْس رَضَعَاتٍ تَأَخَّر إِنْزَالُهُ جِدًا حَتَى أَنْهُ ﷺ تُوفِي وَبَعْض النَّاس يَقْرَأ خَمْس رَضَعَات وَيَجْعَلهَا قُرْآنًا مَتْلُوًّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغهُ النَّسْخ لِقُرْبِ عَهْده فَلَمَّا بَلَغَهُمْ النَّسْخ بَعْد ذَلِكَ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يُتْلَى. وَالنَّسْخ ثَلَاثَة أَنْوَاع: أَحَدهَا: مَا نُسِخَ حُكْمه وَتِلَاوَته كَعَشْرِ رَضَعَات. وَالثَّانِي: مَا نُسِخَتْ تِلَاوَته دُون حُكْمه كَخَمْسِ رَضَعَات وَالشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا. وَالثَّالِث: مَا نُسِخَ حُكْمه وَبَقِيَتْ تِلَاوَته وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَر وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ) الْآيَة وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم).

стр. 2088

١١٣٢ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أُرِيدُ عَلَى اِبْنَةِ حَمْزَةَ. فَقَالَ: "إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي; إِنَّهَا اِبْنَةُ أَخِي مِنْ اَلرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ مِنْ اَلرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ اَلنَّسَبِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أُرِيدُ عَلَى اِبْنَةِ حَمْزَةَ) أي: أرادوه لأجل أن يتزوجها. والذي طلب منه ذلك علي بن أبي طالب: فقد روى مسلم: عَنْ عَلِىٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ تَنَوَّقُ فِي قُرَيْشٍ وَتَدَعُنَا فَقَالَ «وَعِنْدَكُمْ شَيْءٌ». قُلْتُ نَعَمْ بِنْتُ حَمْزَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ». (تنوّق) أي: تختار وتبالغ في الاختيار. (عَلَى اِبْنَةِ حَمْزَةَ) اسمها عُمارة، وقيل: فاطمة، وقيل: أمامة، وقيل: أمة الله، وقيل: سلمى، والأول هو المشهور. (الفتح) (فَقَالَ: "إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي; إِنَّهَا اِبْنَةُ أَخِي مِنْ اَلرَّضَاعَةِ) جملة تعليلية، أي: إنما لا تحل لي، لأنها ابنة أخي من الرضاعة، وهو حمزة بن عبد المطلب، فقد أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب. (وَيَحْرُمُ مِنْ اَلرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ اَلنَّسَبِ) أي: بسبب الرضاعة ما يحرم بسبب النسب. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنه يحرم من الرضاع يحرم من النسب. وقد ذكر الله تعالى المحرمات بالنسب وهن سبع: قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ). فيحرم مثلهن من الرضاع، وهن سبع نظير المحرمات بالنسب. والدليل على التحريم بالرضاع حديث الباب (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). قال ابن قدامة: كُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ مِنْ النَّسَبِ حَرُمَ مِثْلُهَا مِنْ الرَّضَاعِ، وَهُنَّ الأُمَّهَاتُ، وَالْبَنَاتُ، وَالأَخَوَاتُ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالاتُ، وَبَنَاتُ الأَخِ، وَبَنَاتُ الأُخْتِ … لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : (يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ … وَلا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلافاً. فتحرم عليك أمك من الرضاع، وأختك من الرضاع، وبنتك من الرضاع … الخ.

стр. 2089

• هل يثبت التحريم إذا كان المرضع رجلاً؟ لا يثبت التحريم. وهذا مذهب جمهور العلماء. لقوله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) ولفظ الأم لا يتناول إلا الإناث. • ما الحكم إذا كانت المرضعة ميتة فهل يثبت التحريم؟ نعم يثبث التحريم. وهذا قول الجمهور. لعموم الأدلة، فهي لم تفرق بين لبن من هي على قيد الحياة ومن فقدت الحياة. قال ابن قدامة: ولنا، أنه وجد الارتضاع، على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة، فأثبت التحريم، كما لو كانت حية. ولأنه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلا الحياة والموت أو النجاسة، وهذا لا أثر له، فإن اللبن لا يموت، والنجاسة لا تمنع، كما لو حلب في وعاء نجس. ولأنه لو حلب منها في حياتها، فشربه بعد موتها، لنشر الحرمة، وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة؛ لأن ثديها لا يزيد على الإناء في عدم الحياة، وهي لا تزيد على عظم الميتة في ثبوت النجاسة. (المغني). • هل يشترط أن يكون اللبن ناشئاً عن حمل؟ قيل: يشترط. وقيل: لا يشترط. وهذا قول الجمهور، ورجحه ابن قدامة. وعليه فلو كانت المرأة بكراً ودرّ منها لبن فإنه يثبت به التحريم. أ- لقوله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم .. ). ب- قال في المغني: ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم كما لو ثاب بوطء. قال ابن قدامة: وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء، فأرضعت به طفلاً: نشر الحرمة في أظهر الروايتين، وهو قول ابن حامد، ومذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وكل من يحفظ عنه ابنُ المنذر. لقول الله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم). ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم، كما لو ثاب بوطء؛ ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، فإن كان هذا نادراً: فجنسه معتاد. (المغني). وقال الماوردي الشافعي ﵀ لبن النساء مخلوق للاغتذاء، وليس جماع الرجل شرطاً فيه، وإن كان سبباً لنزوله في الأغلب، فصار كالبكر إذا نزل لها لبن فأرضعت به طفلاً: انتشرت به حرمة الرضاع، وإن كان من غير جماع. "الحاوي في فقه الشافعي" (١١/ ٤١٣)

стр. 2090

• هل يثبت التحريم إذا وصل اللبن للرضيع بالوجور أو السعوط؟ قيل: لا يثبت به التحريم. وقيل: يثبت به التحريم. أ- لعموم قوله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم .. ) فلم تفرق الآية بين أن يكون الإرضاع عن طريق امتصاص الثدي أو غيره. ب- ولأن العلة في التحريم بالارتضاع هو وصول اللبن إلى جوف الرضيع فيتغذى به ويسد جوعه وذلك متحقق في الوجور والسعوط. فالرضاع المحرِّم لا يتوقف على مص اللبن من الثدي، بل لو وضع في إناء وشرب منه الطفل، كان ذلك رضاعاً معتبراً في قول جمهور العلماء. قال ابن قدامة ﵀: قال الشافعي: والسَّعُوط كالرضاع، وكذلك الوَجُور. معنى السعوط: أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره. والوجور: أن يصب في حلقه صباً من غير الثدي، واختلفت الرواية في التحريم بهما، فأصح الروايتين أن التحريم يثبت بذلك، كما يثبت بالرضاع. وهو قول الشعبي والثوري، وأصحاب الرأي. وبه قال مالك في الوجور. والثانية: لا يثبت بهما التحريم. وهو اختيار أبي بكر، ومذهب داود وقول عطاء الخراساني في السعوط; لأن هذا ليس برضاع، وإنما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع. ويدل على ثبوت التحريم بهما: أ-ما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ (لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم) رواه أبو داود. ب- ولأن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع، ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع، فيجب أن يساويه في التحريم. (المغني). وقال في (الكافي) إذا حلبت في إناء دفعة واحدة، أو في دفعات، ثم سقته صبياً في خمسة أوقات، فهو خمس رضعات، وإن سقته في وقت واحد، فهو رضعة واحدة، لأن الاعتبار بشرب الصبي، فإن التحريم يثبت به، فاعتبر تفرقه واجتماعه.

стр. 2091

١١٣٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يُحَرِّمُ مِنْ اَلرَّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ اَلْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ اَلْفِطَام) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ. ١١٣٤ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (لَا رَضَاعَ إِلَّا فِي اَلْحَوْلَيْنِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجَّحَا اَلْمَوْقُوفَ. ١١٣٥ - وَعَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ اَلْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اَللَّحْمَ.) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. === • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث أم سلمة اختلف في رفعه ووقفه. وأما حديث ابن عباس صحيح موقوفاً، قال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف. وأما حديث ابن مسعود فهو ضعيف. • ماذا نستفيد من الأحاديث؟ نستفيد: أن الرضاع المحرِّم ما كان في الحولين، وقد تقدمت المسألة. قوله (في الثدي) أي: في زمن الرضاع. تقول العرب: مات فلان في الثدي أي: في زمن الرضاع قبل الفطام. قاله الشوكاني قَالَ الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لا تُحَرِّمُ إِلا مَا كَانَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ فَإِنَّهُ لا يُحَرِّمُ شَيْئًا" اهـ.

стр. 2092

١١٣٦ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ اَلْحَارِثِ (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتْ اِمْرَأَةٌ. فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ " فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ. وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (فأتته امرأة) وفي رواية (سوداء) قال الحافظ: لم أقف على اسمها. (ولا أخبرتني) أي: بذلك قبل التزوج، وفي رواية للبخاري (ما علمت بذلك) وفي رواية (فقلت إنها كاذبة) أي في دعواها. (كيف) وفي رواية (بها) والمعنى: كيف يُظن بها الكذب أو يجزم به. (وقد قيل) أو وهو أمر ممكن، ولا يُعلم ذلك عادة إلا من قِبَلها، فكيف تكذب فيه؟ (ففارقها عقبة) وفي رواية (قال ﷺ : دعها). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن الرضاع يثبت ويترتب عليه أحكامه بشهادة امرأة واحدة. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: (ذكر الخلاف ابن قدامة في المغني). القول الأول: أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع، إذا كانت مرضية. وبهذا قال طاوس، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز. القول الثاني: لا يقبل من النساء أقل من أربع؛ لأن كل امرأتين كرجل. وهذا قول عطاء، وقتادة، والشافعي: القول الثالث: لا يقبل فيه إلا رجلان، أو رجل وامرأتان. وهو قول أصحاب الرأي. وروي ذلك عن عمر؛ لقول الله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان). قال ابن قدامة مرجحاً القول الأول: ولنا: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ اَلْحَارِثِ (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتْ اِمْرَأَةٌ. فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ " فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ. وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة.

стр. 2093

وقال الزهري: فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان ﵁ بشهادة امرأة في الرضاع. وقال الأوزاعي: فرق عثمان بين أربعة وبين نسائهم، بشهادة امرأة في الرضاع. وقال الشعبي: كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة، بشهادة امرأة واحدة في الرضاع. ولأن هذا شهادة على عورة، فيقبل فيه شهادة النساء المنفردات، كالولادة. (المغني). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - الحديث دليل استحباب الرحلة في طلب العلم ولو في مسألة واحدة. - الحديث دليل أن الرضاع يحرم كما يحرم النسب، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وقد تقدم ذلك. - استدل بحديث الباب من قال: إن قليل الرضاع وكثيره محرِّم، وقد تقدمت المسألة. - قبول شهادة المرأة في الرضاع، وهذا مذهب أحمد، لأن الرضاع لا يطلع عليه غالباً إلا النساء. - الرحلة في طلب الحديث. - الرحلة لسؤال العلماء في المسألة النازلة. - المثبت مقدم على النافي. - أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه. - مشروعية الاستبراء من الشبهات وفي الحديث (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه). - الاحتياط لدينه. - اليقين لا يزول بالشك (اليقين أنها شهدت بالرضاع فلا يزول هذا بالشك). - جواز إعراض المفتي لينبّه المستفتي على أن الحكم فيما سأله الكف عنه. - شدة امتثال الصحابة لأمر الرسول ﷺ . - لا بأس بمراجعة العالم في المسألة. - أن الإنسان إذا تزوج محرماً له من الرضاع أو محرماً له من النسب، ثم تبين بعد ذلك وجب الفراق. - لا يشترط السؤال عمن عرفت حاله بعدالة أو فسق. - الرجوع إلى أهل العلم. - تعظيم حدود الله.

стр. 2094

١١٣٧ - وَعَنْ زِيَادِ اَلسَّهْمِيِّ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ تُسْتَرْضَعَ اَلْحَمْقَى) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَتْ لِزِيَادٍ صُحْبَةٌ. === • ما صحة حديث الباب؟ ضعيف. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد كراهية ارتضاع الحمقاء. قال ابن قدامة: ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء، كيلا يشبهها الولد في الحمق، فإنه يقال: إن الرضاع يغير الطباع. ثم قال ﵀: كره أبو عبد الله الارتضاع بلبن الفجور والمشركات. وقال عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز ﵄: اللبن يشتبه، فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية. ولأن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور، ويجعلها أما لولده، فيعتبر بها، ويتضرر طبعاً وتعيّراً، والارتضاع من المشركة يجعلها أما، لها حرمة الأم مع شركها، وربما مال إليها في محبة دينها. (المغني). والحمق: قال ابن الأثير: حقيقة الحمق، وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه. وقال النووي: حقيقة الأحمق، من يعمل ما يضره مع علمه بقبحه. فائدة: ١ استحب العلماء أن يختار المرضعةَ الحسنة الخَلْق والخُلُق، فإن الرضاع يُغير الطِبَاع. والأحسن أن لا يرضعه إلا أمه، لأنه أنفع وأمرأ، وقد يكون ذلك واجباً عليها إذا لم يقبل الطفل ثدي غيرها. وقد حث الأطباء على لبن الأم لا سيما في الأشهر الأولى.

стр. 2095

فائدة: ٢ • هل للزوجة حق في طلب أجرة على إرضاع الطفل؟ ذهب بعض العلماء إلى أن الزوجة إذا طلبت من زوجها أجرة على إرضاعها أولادها منه وجب عليه ذلك، واستدلوا بقول الله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀. ولكن الصحيح في ذلك أن الزوجة إذا كانت في عصمة الزوج، فلا يجوز لها أن تطلب أجرة مقابل إرضاعها لأولادها، لأن ذلك واجب عليها، وليس لها حينئذ إلا النفقة فقط، لقول الله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). وأما إذا كانت مطلقة، وليست في عصمة زوجها، فلها أن تطلب أجرة على إرضاعها أولادها منه، وذلك لقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ)، فهذه الآية في حق المطلقة، والآية الأولى في حق الزوجة. وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجحه من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ﵀. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وإرضاع الطفل واجب على الأم، بشرط أن تكون مع الزوج، وهو قول ابن أبي ليلى وغيره من السلف. ولا تستحق أجرة المثل زيادة على نفقتها وكسوتها، وهو اختيار القاضي وقول الحنفية؛ لأن الله تعالى يقول: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فلم يوجب لهن إلا الكسوة والنفقة بالمعروف، وهو الواجب بالزوجية. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وظاهر كلام المؤلف أن عليه أن يؤدي الأجرة سواء كانت الأم معه، أو بائناً منه، فإذا طلبت الأم من زوجها أن يؤدي الأجرة عن إرضاع الولد، ولو كانت تحته، فعليه أن يؤدي الأجرة، نأخذ ذلك من قول المؤلف (وعلى الأب أن يسترضع لولده) ولم يقيده بما إذا كانت الأم بائناً، والدليل على ذلك عموم قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو المشهور من المذهب [يعني: مذهب الإمام أحمد]، وأن الأجرة حق لها. واختار شيخ الإسلام: أنه إذا كانت المرأة تحت الزوج فليس لها إلا الإنفاق فقط، وليس لها طلب الأجرة، وما قاله الشيخ أصح؛ لأن الله قال: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وهذا في المطلقات، والمطلقة ليست مع الزوج، وأما التي مع زوجها فقال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فإن قلت: إذا كانت زوجة فعلى الزوج النفقة والكسوة بالزوجية، سواء أرضعت أم لم ترضع؟ قلنا: لا مانع من أن يكون للإنفاق سببان، فإذا تخلف أحدهما بقي الآخر، فلو كانت الزوجة في هذه الحال ناشزاً، فليس لها الإنفاق بمقتضى الزوجية، لكن بمقتضى الإرضاع لها نفقة، ومن المعلوم أنك لو استقرأت أحوال الناس من عهد الرسول ﷺ إلى اليوم ما وجدت امرأة من النساء تطالب زوجها بأجرة إرضاع الولد، وهذا هو القول الصحيح. (الممتع). الأربعاء: ٢٠/ ٢/ ١٤٣٧ هـ

стр. 2096

بَابُ اَلنَّفَقَاتِ تعريف النفقات: النفقات جمع نفقة: وهي كفاية من يمونه طعاماً وشراباً وكسوة وسكنى وعفافاً. وأسباب النفقة ثلاثة: الزوجية _ والقرابة _ والملك. ١١٣٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَتْ بِنْتُ عُتْبَةَ -اِمْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ اَلنَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلِيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيك) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ) بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وهو زوجها، أسلم ليلة الفتح. (رَجُلٌ شَحِيحٌ) الشح: البخل مع الحرص، وفي رواية (رجل ممسك). (إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ) وفي رواية (سراً، فهل عليّ في ذلك من شيء). (فَهَلْ عَلِيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟) الجُناح الإثم، وفي رواية (فهل عليّ حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه؟) (فَقَالَ: خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيك) وفي رواية (لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف). • ما حكم إنفاق الرجل على زوجته؟ واجب. فيجب على الزوج أن ينفق على زوجته [من طعام وشراب] وكسوتها [من لباس ونحوه] ومسكنها. قال ابن قدامة نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع أ- قال تعالى (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ). ب-وقال تعالى (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ). ج- وعن جابر. أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال (اتقوا الله في النساء … ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف) رواه مسلم. د- ولحديث الباب. هـ- وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ لما سئل عن حق الزوجة على زوجها قال (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت). و- ومن جهة المعنى: أن المرأة محبوسة على الزوج بمنعها من التصرف والاكتساب للتفرغ لحقه، فلا بد أن ينفق عليها كالعبد مع سيده. وقال ابن قدامة: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشزين، ذكره ابن المنذر وغيره. قال النووي: قَوْله ﷺ (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فِيهِ وُجُوب نَفَقَة الزَّوْجَة وَكِسْوَتهَا وَذَلِكَ ثَابِت بِالْإِجْمَاعِ. وقال الحافظ ابن حجر: وانعقد الإجماع على الوجوب.

стр. 2097

• هل يجوز للزوجة الأخذ من مال زوجها بغير إذنه إذا لم يعطيها ما يكفيها؟ نعم يجوز، وتأخذ ما يكفيها فقط. قال ابن قدامة: الزوج إذا لم يدفع إلى امرأته ما يجب لها عليه من النفقة والكسوة، أو دفع إليها أقل من كفايتها، فلها أن تأخذ من ماله الواجب أو تمامه، بإذنه وبغير إذنه. بدليل قول النبي ﷺ لهند (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). وهذا إذن لها في الأخذ من ماله بغير إذنه، ورد لها إلى اجتهادها في قدر كفايتها وكفاية ولدها، وهو متناول لأخذ تمام الكفاية، فإن ظاهر الحديث دل على أنه قد كان يعطيها بعض الكفاية، ولا يتممها لها، فرخص النبي ﷺ لها في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة، فإن النفقة لا غنى عنها، ولا قوام إلا بها، فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها، أفضى إلى ضياعها وهلاكها، فرخص النبي ﷺ لها في أخذ قدر نفقتها، دفعا لحاجتها، ولأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئاً فشيئاً، فتشق المرافعة إلى الحاكم، والمطالبة بها في كل الأوقات؛ فلذلك رخص لها في أخذها بغير إذن من هي عليه. (المغني). • اذكر بعض الأحاديث في فضل النفقة على الزوجة؟ النفقة على الزوجة فضلها عظيم: أ-عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة) متفق عليه. ب- وعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك). متفق عليه • من يقدم بالنفقة؟ الزوجة. لأنها معاوضة، فتطالب بها أو لها الفسخ. عَنْ جَابِرٍ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا، بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِك). وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (تَصَدَّقُوا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ. فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: أَنْتَ أَبْصر). رواه أبو داود. وتسمية النبي ﷺ النفقة على الأهل صدقة لا يعني أنها مستحبة فقط.

стр. 2098

قَالَ الْمُهَلَّب: النَّفَقَة عَلَى الْأَهْل وَاجِبَة بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا الشَّارِع صَدَقَة خَشْيَة أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِيَامهمْ بِالْوَاجِبِ لَا أَجْر لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ عَرَفُوا مَا فِي الصَّدَقَة مِنْ الْأَجْر فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ صَدَقَة، حَتَّى لَا يُخْرِجُوهَا إِلَى غَيْر الْأَهْل إِلَّا بَعْد أَنْ يَكْفُوهُمْ; تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي تَقْدِيم الصَّدَقَة الْوَاجِبَة قَبْل صَدَقَة التَّطَوُّع ". نقله عنه في " فتح الباري" (٩/ ٦٢٣) قال الْخَطَّابِيُّ: " هَذَا التَّرْتِيب إِذَا تَأَمَّلْته عَلِمْت أَنَّهُ ﷺ قَدَّمَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرب. وقال النووي: إذا اجتمع على الشخص الواحد محتاجون ممن تلزمه نفقتهم، نظرَ: إن وفَّى ماله أو كسبه بنفقتهم فعليه نفقة الجميع قريبهم وبعيدهم، وإن لم يفضل عن كفاية نفسه إلا نفقة واحد، قدَّم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب … لأن نفقتها آكد، فإنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بالإعسار. وقال المرداوي: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا بِالْمَعْرُوفِ … إذَا فَضَلَ عَنْ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ. والشوكاني: وقد انعقد الإجماع على وجوب نفقة الزوجة، ثم إذا فضل عن ذلك شيء فعلى ذوي قرابته. فلم يختلف العلماء في تقديم الزوجة على الوالدين في النفقة، وإنما اختلفوا في الزوجة والولد أيهما يقدم؟ قال الشيخ ابن عثيمين: فالصواب أنه يبدأ بنفسه، ثم بالزوجة، ثم بالولد، ثم بالوالدين، ثم بقية الأقارب. • من المعتبر في النفقة الزوج أو الزوجة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أن المعتبر الزوجة. وهو قول مالك وأبي حنيفة. لقوله ﷺ لهند (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). وعلى هذا القول: فإذا كانت فقيرة، فليس لها إلا نفقة فقيرة ولو كان زوجها من أغنياء العالم. القول الثاني: أن المعتبر حال الزوج. وهذا مذهب الشافعي. لقوله تعالى (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا). فالآية نص صريح في اعتبار النفقة بحال الزوج، فيجب العمل به. وعلى هذا القول: فإذا كان فقيراً فليس لها إلا نفقة فقير، وإذا كان غنياً ألزم بنفقة غني ولو كانت الزوجة فقيرة. القول الثالث: أن المعتبر حال الزوجين معاً. وهذا المذهب. والراجح أن المعتبر حال الزوج.

стр. 2099

• ماذا نستفيد من قوله (خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ)؟ نستفيد أن نفقة الزوجة مقدرة بالكفاية. (وهذا قول الجمهور). فأمرها أن تأخذ الكفاية بالمعروف، ولم يقدر لها نوعاً ولا قدراً، ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره لبين لها القدر والنوع كما بين فرائض الزكاة والديات. وفي خطبة النبي ﷺ قال (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف). قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لحديث هند: وفيه وجوب نفقة الزوجة، وأنها مقدرة بالكفاية، وهو قول أكثر العلماء. وقال النووي في شرحه لحديث الباب: وفيه أَنَّ النَّفَقَة مُقَدَّرَة بِالْكِفَايَةِ لَا بِالْأَمْدَادِ، وَمَذْهَب أَصْحَابنَا أَنَّ نَفَقَة الْقَرِيب مُقَدَّرَة بِالْكِفَايَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث، وَنَفَقَة الزَّوْجَة مُقَدَّرَة بِالْأَمْدَادِ عَلَى الْمُوسِر كُلّ يَوْم مُدَّانِ، وَعَلَى الْمُعْسِر مُدّ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّط مُدّ وَنِصْف، وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَى أَصْحَابنَا. (شرح مسلم). وقال ابن قدامة: والنفقة مقدرة بالكفاية، وتختلف باختلاف من تجب له النفقة في مقدارها. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، ثم قال: .... ولنا، قول النبي ﷺ لهند (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير، ورد الاجتهاد في ذلك إليها، ومن المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في المدين، بحيث لا يزيد عنهما ولا ينقص. ولأن الله تعالى قال (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف). وقال النبي ﷺ (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف). وإيجاب أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف، وإيجاب قدر الكفاية، وإن كان أقل من مد أو من رطلي خبز، إنفاق بالمعروف، فيكون ذلك هو الواجب بالكتاب والسنة. واعتبار النفقة بالكفارة في القدر لا يصح؛ لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار، ولا هي مقدرة بالكفاية، وإنما اعتبرها الشرع بها في الجنس دون القدر، ولهذا لا يجب فيها الأدم. (المغني). وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة بالأمداد فعلى الموسر كل يوم مدان والمتوسط مد ونصف والمعسر مد، وهذا القول ضعيف. • متى تجب النفقة؟ تجب النفقة بشرطين: الأول: إذا سلّمت نفسها لزوجها، أو بذلت نفسها. الثاني: أن تكون ممن يوطأ مثلها. (وهي بنت تسع سنين). (الأئمة الأربعة إلى أنّ الزوجة وإن استلمها الزوج إذا كان مثلها لا يوطأ فإنه لا يجب عليه النفقة. ولو كانت مما يمكن أن يستأنس بها بالحديث أو تقوم بخدمته، وقيل: أنه إذا كانت المرأة يمكن للزوج أن يستأنس بها بالحديث أو بالخدمة فإنه يجب عليه أن ينفق عليها وإن كان لا يوطأ مثلها إذا سلمت نفسها له. واختار هذا القول أبو يوسف من الأحناف، وقيل: أنّ المرأة إذا سلمت نفسها للزوج وتسلمها فإنه يجب أن ينفق عليها مطلقاً بلا شرط ولا قيد).

стр. 2100

• ما الحكم إذا اعسر الزوج عن نفقة زوجته واختارت فراقة، فهل يفرق بينهما؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يفرق بينهما. وهذا مذهب جمهور العلماء. أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول) رواه البخاري. تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، .. فقيل: سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة. ب- وعن سفيان عن أبي الزناد قال (سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما؟ قال: نعم، قلت: سنة، قال: سنة) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه. ج- وقياساً على الرقيق والحيوان، قالوا: إن من أعسر بالإنفاق عليه أجبر على بيعه اتفاقاً. قال الصنعاني: وقد اختلف العلماء في هذا الحكم وهو فسخ الزوجية عند إعسار الزوج على أقوال: الأول: ثبوت الفسخ. وهو مذهب علي وعمر وأبي هريرة وجماعة من التابعين ومن الفقهاء مالك والشافعي وأحمد وبه قال أهل الظاهر. مستدلين بما ذكر وبحديث (لا ضرر ولا ضرار). وبأن النفقة في مقابل الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور فإذا لم تجب النفقة سقط الاستمتاع فوجب الخيار للزوجة. وبأنهم قد أوجبوا على السيد بيع مملوكه إذا عجز عن إنفاقه فإيجاب فراق الزوجة أولى، لأن كسبها ليس مستحقاً للزوج كاستحقاق السيد لكسب عبده. وبأنه قد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على الفسخ بالعنة، والضرر الواقع من العجز عن النفقة أعظم من الضرر الواقع بكون الزوج عنيناً. وبأنه تعالى قال (وَلا تُضَارُّوهُنَّ) وقال (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) وأي إمساك بمعروف وأي ضرر أشد من تركها بغير نفقة. (سبل السلام).

стр. 2101

القول الثاني: أنه لا يفرق بينهما. قال ابن قدامة: وذهب عطاء، والزهري، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها لا تملك فراقه بذلك، ولكن يرفع يده عنها لتكتسب؛ لأنه حق لها عليه. وقال الصنعاني: والثاني ما ذهب إليه الهادوية والحنفية وهو قول للشافعي أنه لا فسخ بالإعسار من النفقة. أ- لقوله تعالى (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) قالوا وإذا لم يكلفه الله النفقة في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه ولا يأثم بتركه فلا يكون سبباً للتفريق بينه وبين سكنه. ب- أن أزواج النبي ﷺ لما سألْنه النفقة قام أبو بكر إلى عائشة فوجأ عنقها، وأن عمر قام إلى حفصة كذلك فوجأ عنقها. القول الثالث: أن المرأة إذا تزوجت عالمة بإعساره أو كان موسراً ثم أصابته جائحة فإنه لا فسخ لها وإلا كان لها الفسخ وكأنه جعل علمها رضا بعسرته. واختار هذا ابن القيم، فقال في زاد المعاد: وَاَلّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ الشّرِيعَةِ وَقَوَاعِدُهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنّ الرّجُلَ إذَا غَرّ الْمَرْأَةَ بِأَنّهُ ذُو مَالٍ فَتَزَوّجَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَظَهَرَ مُعْدِمًا لَا شَيْءَ لَهُ أَوْ كَانَ ذَا مَالٍ وَتَرَكَ الْإِنْفَاقَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَخْذِ كِفَايَتِهَا مِنْ مَالِهِ بِنَفْسِهَا وَلَا بِالْحَاكِمِ أَنّ لَهَا الْفَسْخَ وَإِنْ تَزَوّجَتْهُ عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ أَوْ كَانَ مُوسِرًا ثُمّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَلَا فَسْخَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلَمْ تَزَلْ النّاسُ تُصِيبُهُمْ الْفَاقَةُ بَعْدَ الْيَسَارِ وَلَمْ تَرْفَعْهُمْ أَزْوَاجُهُمْ إلَى الْحُكّامِ لِيُفَرّقُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنّ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ. والراجح قول الجمهور. • هل للزوجة منع نفسها من التسليم حتى تقبض صداقها الحال؟ نعم، لها أن تمنع نفسها من التسليم حتى تقبض صداقها، ولا تسقط نفقتها بل تجب لها النفقة في هذه الحال. لأنه لا يمكنها استدراك منفعة البضع، لو عجزت عن أخذه بعد، ولها النفقة في مدة الامتناع لذلك، لأنه بحق. (الروض) • ما الحكم إذا غاب الزوج ولم يترك لها نفقة؟ إذا غاب الزوج، ولم يدع لها نفقة، وتعذر أخذها من ماله، فلها الفسخ بإذن الحاكم. • هل يجب على الزوج دفع أجرة طبيب وقيمة دواء لزوجته؟ قيل: لا يلزم الزوج أجرة الطبيب الذي يعالج زوجته ولا ثمن دواء. لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة. وقيل: يلزمه. لقوله تعالى (وعاشروهن بالمعروف) وليس من المعاشرة بالمعروف أن تمرض الزوجة ثم لا يقوم بعلاجها وشراء الدواء لها، إلا إن شق عليه ذلك، كدواء كثير أو غالي الثمن .... (فقه الدليل للفوزان).

стр. 2102

• متى تسقط نفقة الزوجة؟ أولاً: إذا نشزت. فلا نفقة لناشز ما دامت قائمة على نشوزها. قال ابن قدامة في المغني: معنى النشوز: معصيتها لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له النكاح .. فمتى امتنعت من فراشه أو خرجت من منزله بغير إذنه أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها أو السفر معه فلا نفقة لها ولا سكنى في قول عامة أهل العلم. ثانياً: إذا سافرت بغير إذنه. ثالثاً: إذا رفضت السفر معه. رابعاً: إذا رفضت المبيت عنده في فراشه. خامساً: إذا حبست ظلماً. وقيل: لا تسقط النفقة في هذه الحالة، وهذا الراجح. • ما الحكم إن سافرت بإذنه في حاجتها؟ قيل: لا نفقة لها. وقيل: لها النفقة، وهو الصحيح. • هل تجب النفقة للمطلقة الرجعية؟ نعم، تجب لها النفقة والسكنى بالإجماع. (وتقدم أنه لا قسم لها). لأنها زوجها، بدليل قوله تعالى (وبعولتهن أحق ..... ). وجه الدلالة: أن الله سمى المطلّق بعلاً. (وقد تقدمت المسألة). • هل تجب النفقة والسكنى للمطلقة البائن غير الحامل؟ لا تجب، فليس لها نفقة ولا سكنى، وقد تقدمت المسألة لقوله ﷺ لفاطمة (لا نفقة لها ولا سكنى). • هل تجب النفقة على المطلقة البائن الحامل؟ نعم تجب النفقة لها. قال تعالى (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ). قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثاً. واختلف العلماء هل النفقة للحمل أو للحامل من أجل الحمل؟ قيل: النفقة للحمل، وهذا المذهب. وقيل: للحامل من أجل الحمل.

стр. 2103

• هل تجب النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها؟ المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى. (وسيأتي إن شاء الله الحديث الخاص بذلك). • هل يلزم الزوج نفقة ما مضى إذا غاب ولم ينفق؟ نعم، يلزمه نفقة ما مضى. لأن نفقة الزوجة نفقة معاوضة، بخلاف نفقة الأقارب فإنها للصلة والبر. • اذكر بعض الفوائد من الحديث؟ - أن نفقة الزوجة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد، لقوله: (بالمعروف)، كما تقدم. - أنه لا يجوز للمرأة إذا أُذن لها بالأخذ من مال زوجها للنفقة أن تأخذ ما خرج عن العادة والعرف. - قال ابن القيم: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَفَرّدِ الْأَبِ بِنَفَقَةِ أَوْلَادِهِ وَلَا تُشَارِكُهُ فِيهَا الْأُمّ وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلّا قَوْلٌ شَاذّ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أَنّ عَلَى الْأُمّ مِنْ النّفَقَةِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهَا. - استدل بحديث هند على جواز الحكم على الغائب. قال ابن القيم: ولا دليل فيه، لأن أبا سفيان كان حاضراً في البلد لم يكن مسافراً، والنبي ﷺ لم يسألها البينة ولا يُعطى المدعي بمجرد دعواه، وإنما كان هذا فتوى منه ﷺ . - استدل بالحديث على مسألة الظفر، وهي: أن للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر به بقدر حقه الذي جحده إياه. قال ابن القيم: ولا يدل لثلاثة أوجه: أحدها: أن سبب الحق ها هنا ظاهر، وهو الزوجية، فلا يكون الأخذ خيانة في الظاهر، فلا يتناوله قول النبي ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقاً بينهما فمنع من الأخذ في مسألة الظفر، وجوّز للزوجة الأخذ، وعمل بكلا الحديثين. الثاني: أنه يشق على الزوجة أن ترفعه إلى الحاكم، فيُلزمه بالإنفاق أو الفراق، وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها. الثالث: أن حقها يتجدد كل يوم، فليس هو حقاً واحداً مستقراً يمكن أن تستدين عليه، أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين. - قال ابن القيم: وفي حديث هند دليل على جواز قول الرجل في غريمه ما فيه من العيوب عند شكواه، وأن ذلك ليس بغيبة، ونظير ذلك قول الآخر في خصمه: يا رسول الله، إنه فاجر ولا يبالي ما حلف به. - أن الإنفاق في الزوجية من جانب واحد للزوج على زوجها. - ذم الشح، وأنه يمنع الإنسان ما وجب عليه. - جواز سماع كلام الأجنبية للحاجة.

стр. 2104

١١٣٩ - وَعَنْ طَارِقِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ (قَدِمْنَا اَلْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: "يَدُ اَلْمُعْطِي اَلْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ. === • اذكر الأدلة على وجوب نفقة الأقارب؟ الأقارب: جمع قريب، وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة. والأدلة على وجوب نفقة الأقارب. أ- قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، بل هو من أعظم الإحسان. ب- وقوله تعالى (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). ج- وقوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ). د- ولحديث الباب ( … أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ … ). هـ_ وعن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم). • اذكر شروط وجوب النفقة على الأقارب؟ الشرط الأول: غنى المُنفِق، فإن كان فقيراً فإنه لا يلزمه الإنفاق. والمراد بالغنى هنا: أن يفضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يوم وليلته. والدليل على هذا الشرط: أ-قوله ﷺ (ابدأ بنفسك) رواه مسلم. ب-ولقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار). الشرط الثاني: عجز المنفَق عليه [أن يكونوا فقراء]، بأن يكون معدماً عاجزاً عن التكسب. فالمراد بالفقر هنا: فقر مال [بأن لا يجد مالاً] وفقر عمل [ما لكونه ضعيفاً لا يستطيع العمل، وإما لكونه لا يجد عملاً]. فإن كان غنياً بماله أو بكسبه فإنه لا نفقة له، لأنه إن كان غنياً بماله فالمال عنده، وإن كان غنياً بكسبه فإننا نلزمه بأن يكتسب. الشرط الثالث: أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب (سوى عمودي النسب فلا يشترط).

стр. 2105

• لا يشترط أن يكون المنفَق عليه وارثاً للمنفِق. والدليل على وجوب نفقة القريب الذي يرثه المنفِق بفرض أو تعصيب: أ- قوله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك). ب- ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس. أمثلة: رجل عنده أب فقير وجد فقير، فيجب أن ينفق على أبيه، لأنه ابنه ووارثه، ويجب أن ينفق على جده مع أنه لا يرثه في هذه الصورة. رجل غني، وأبُ أمهِ فقير، فإنه يجب أن ينفق عليه مع أنه لا يرثه، لأنه من عمودي النسب. رجل غني له ابن عم فقير، وليس هناك غيرهما من القرابة، فتجب عليه النفقة، لأنه يرثه بالتعصيب. ابن أخت غني وخاله فقير، فعلى المذهب لا يجب عليه النفقة، وعلى القول الراجح تجب النفقة. الشرط الرابع: اتفاق الدين بين المنفق وبين المنفق عليه. لأن الله قطع الموالاة بين الكافرين والمسلمين. وهناك قول آخر في المسألة أن هذا شرط إلا في عمودي النسب، فالأب ينفق عليه وإن كان كافراً، والولد ينفق عليه وإن كان كافراً، أما الأخ فلا ينفق عليه إلا أن يكون مسلماً، وقيل: أن هذا لا يشترط مطلقاً لعموم قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)، وهكذا قوله: (وبالوالدين إخساناً) وقوله: (وآت ذا القربى حقه) فالأدلة عامة، نعم لو كان من المحاربين للإسلام فإنه لا ينفق عليه لأن الحربي المقصود اتلاف نفسه لا إبقاؤه. • هل تجب النفقة لذوي الرحم أم لا؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: أن النفقة لا تجب على ذوي الأرحام. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. أ- أن الأصل عدم وجوب النفقة إلا بدليل، ولم يوجد دليل صريح في ذلك. أن قرابة ذوي الأرحام ضعيفة، بدليل أنها لا تمنع من دفع الزكاة لهم ولا يدخلون في العاقلة، ولذا لا تجب بهذه القرابة النفقة.
следующие страницы →