← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

القول الثاني: أنه لا يفرق بينهما. قال ابن قدامة: وذهب عطاء، والزهري، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها لا تملك فراقه بذلك، ولكن يرفع يده عنها لتكتسب؛ لأنه حق لها عليه. وقال الصنعاني: والثاني ما ذهب إليه الهادوية والحنفية وهو قول للشافعي أنه لا فسخ بالإعسار من النفقة. أ- لقوله تعالى (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) قالوا وإذا لم يكلفه الله النفقة في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه ولا يأثم بتركه فلا يكون سبباً للتفريق بينه وبين سكنه. ب- أن أزواج النبي ﷺ لما سألْنه النفقة قام أبو بكر إلى عائشة فوجأ عنقها، وأن عمر قام إلى حفصة كذلك فوجأ عنقها. القول الثالث: أن المرأة إذا تزوجت عالمة بإعساره أو كان موسراً ثم أصابته جائحة فإنه لا فسخ لها وإلا كان لها الفسخ وكأنه جعل علمها رضا بعسرته. واختار هذا ابن القيم، فقال في زاد المعاد: وَاَلّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ الشّرِيعَةِ وَقَوَاعِدُهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنّ الرّجُلَ إذَا غَرّ الْمَرْأَةَ بِأَنّهُ ذُو مَالٍ فَتَزَوّجَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَظَهَرَ مُعْدِمًا لَا شَيْءَ لَهُ أَوْ كَانَ ذَا مَالٍ وَتَرَكَ الْإِنْفَاقَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَخْذِ كِفَايَتِهَا مِنْ مَالِهِ بِنَفْسِهَا وَلَا بِالْحَاكِمِ أَنّ لَهَا الْفَسْخَ وَإِنْ تَزَوّجَتْهُ عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ أَوْ كَانَ مُوسِرًا ثُمّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَلَا فَسْخَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلَمْ تَزَلْ النّاسُ تُصِيبُهُمْ الْفَاقَةُ بَعْدَ الْيَسَارِ وَلَمْ تَرْفَعْهُمْ أَزْوَاجُهُمْ إلَى الْحُكّامِ لِيُفَرّقُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنّ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ. والراجح قول الجمهور. • هل للزوجة منع نفسها من التسليم حتى تقبض صداقها الحال؟ نعم، لها أن تمنع نفسها من التسليم حتى تقبض صداقها، ولا تسقط نفقتها بل تجب لها النفقة في هذه الحال. لأنه لا يمكنها استدراك منفعة البضع، لو عجزت عن أخذه بعد، ولها النفقة في مدة الامتناع لذلك، لأنه بحق. (الروض) • ما الحكم إذا غاب الزوج ولم يترك لها نفقة؟ إذا غاب الزوج، ولم يدع لها نفقة، وتعذر أخذها من ماله، فلها الفسخ بإذن الحاكم. • هل يجب على الزوج دفع أجرة طبيب وقيمة دواء لزوجته؟ قيل: لا يلزم الزوج أجرة الطبيب الذي يعالج زوجته ولا ثمن دواء. لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة. وقيل: يلزمه. لقوله تعالى (وعاشروهن بالمعروف) وليس من المعاشرة بالمعروف أن تمرض الزوجة ثم لا يقوم بعلاجها وشراء الدواء لها، إلا إن شق عليه ذلك، كدواء كثير أو غالي الثمن .... (فقه الدليل للفوزان).

стр. 2102

• متى تسقط نفقة الزوجة؟ أولاً: إذا نشزت. فلا نفقة لناشز ما دامت قائمة على نشوزها. قال ابن قدامة في المغني: معنى النشوز: معصيتها لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له النكاح .. فمتى امتنعت من فراشه أو خرجت من منزله بغير إذنه أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها أو السفر معه فلا نفقة لها ولا سكنى في قول عامة أهل العلم. ثانياً: إذا سافرت بغير إذنه. ثالثاً: إذا رفضت السفر معه. رابعاً: إذا رفضت المبيت عنده في فراشه. خامساً: إذا حبست ظلماً. وقيل: لا تسقط النفقة في هذه الحالة، وهذا الراجح. • ما الحكم إن سافرت بإذنه في حاجتها؟ قيل: لا نفقة لها. وقيل: لها النفقة، وهو الصحيح. • هل تجب النفقة للمطلقة الرجعية؟ نعم، تجب لها النفقة والسكنى بالإجماع. (وتقدم أنه لا قسم لها). لأنها زوجها، بدليل قوله تعالى (وبعولتهن أحق ..... ). وجه الدلالة: أن الله سمى المطلّق بعلاً. (وقد تقدمت المسألة). • هل تجب النفقة والسكنى للمطلقة البائن غير الحامل؟ لا تجب، فليس لها نفقة ولا سكنى، وقد تقدمت المسألة لقوله ﷺ لفاطمة (لا نفقة لها ولا سكنى). • هل تجب النفقة على المطلقة البائن الحامل؟ نعم تجب النفقة لها. قال تعالى (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ). قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثاً. واختلف العلماء هل النفقة للحمل أو للحامل من أجل الحمل؟ قيل: النفقة للحمل، وهذا المذهب. وقيل: للحامل من أجل الحمل.

стр. 2103

• هل تجب النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها؟ المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى. (وسيأتي إن شاء الله الحديث الخاص بذلك). • هل يلزم الزوج نفقة ما مضى إذا غاب ولم ينفق؟ نعم، يلزمه نفقة ما مضى. لأن نفقة الزوجة نفقة معاوضة، بخلاف نفقة الأقارب فإنها للصلة والبر. • اذكر بعض الفوائد من الحديث؟ - أن نفقة الزوجة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد، لقوله: (بالمعروف)، كما تقدم. - أنه لا يجوز للمرأة إذا أُذن لها بالأخذ من مال زوجها للنفقة أن تأخذ ما خرج عن العادة والعرف. - قال ابن القيم: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَفَرّدِ الْأَبِ بِنَفَقَةِ أَوْلَادِهِ وَلَا تُشَارِكُهُ فِيهَا الْأُمّ وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلّا قَوْلٌ شَاذّ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أَنّ عَلَى الْأُمّ مِنْ النّفَقَةِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهَا. - استدل بحديث هند على جواز الحكم على الغائب. قال ابن القيم: ولا دليل فيه، لأن أبا سفيان كان حاضراً في البلد لم يكن مسافراً، والنبي ﷺ لم يسألها البينة ولا يُعطى المدعي بمجرد دعواه، وإنما كان هذا فتوى منه ﷺ . - استدل بالحديث على مسألة الظفر، وهي: أن للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر به بقدر حقه الذي جحده إياه. قال ابن القيم: ولا يدل لثلاثة أوجه: أحدها: أن سبب الحق ها هنا ظاهر، وهو الزوجية، فلا يكون الأخذ خيانة في الظاهر، فلا يتناوله قول النبي ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقاً بينهما فمنع من الأخذ في مسألة الظفر، وجوّز للزوجة الأخذ، وعمل بكلا الحديثين. الثاني: أنه يشق على الزوجة أن ترفعه إلى الحاكم، فيُلزمه بالإنفاق أو الفراق، وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها. الثالث: أن حقها يتجدد كل يوم، فليس هو حقاً واحداً مستقراً يمكن أن تستدين عليه، أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين. - قال ابن القيم: وفي حديث هند دليل على جواز قول الرجل في غريمه ما فيه من العيوب عند شكواه، وأن ذلك ليس بغيبة، ونظير ذلك قول الآخر في خصمه: يا رسول الله، إنه فاجر ولا يبالي ما حلف به. - أن الإنفاق في الزوجية من جانب واحد للزوج على زوجها. - ذم الشح، وأنه يمنع الإنسان ما وجب عليه. - جواز سماع كلام الأجنبية للحاجة.

стр. 2104

١١٣٩ - وَعَنْ طَارِقِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ (قَدِمْنَا اَلْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: "يَدُ اَلْمُعْطِي اَلْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ. === • اذكر الأدلة على وجوب نفقة الأقارب؟ الأقارب: جمع قريب، وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة. والأدلة على وجوب نفقة الأقارب. أ- قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، بل هو من أعظم الإحسان. ب- وقوله تعالى (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). ج- وقوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ). د- ولحديث الباب ( … أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ … ). هـ_ وعن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم). • اذكر شروط وجوب النفقة على الأقارب؟ الشرط الأول: غنى المُنفِق، فإن كان فقيراً فإنه لا يلزمه الإنفاق. والمراد بالغنى هنا: أن يفضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يوم وليلته. والدليل على هذا الشرط: أ-قوله ﷺ (ابدأ بنفسك) رواه مسلم. ب-ولقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار). الشرط الثاني: عجز المنفَق عليه [أن يكونوا فقراء]، بأن يكون معدماً عاجزاً عن التكسب. فالمراد بالفقر هنا: فقر مال [بأن لا يجد مالاً] وفقر عمل [ما لكونه ضعيفاً لا يستطيع العمل، وإما لكونه لا يجد عملاً]. فإن كان غنياً بماله أو بكسبه فإنه لا نفقة له، لأنه إن كان غنياً بماله فالمال عنده، وإن كان غنياً بكسبه فإننا نلزمه بأن يكتسب. الشرط الثالث: أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب (سوى عمودي النسب فلا يشترط).

стр. 2105

• لا يشترط أن يكون المنفَق عليه وارثاً للمنفِق. والدليل على وجوب نفقة القريب الذي يرثه المنفِق بفرض أو تعصيب: أ- قوله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك). ب- ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس. أمثلة: رجل عنده أب فقير وجد فقير، فيجب أن ينفق على أبيه، لأنه ابنه ووارثه، ويجب أن ينفق على جده مع أنه لا يرثه في هذه الصورة. رجل غني، وأبُ أمهِ فقير، فإنه يجب أن ينفق عليه مع أنه لا يرثه، لأنه من عمودي النسب. رجل غني له ابن عم فقير، وليس هناك غيرهما من القرابة، فتجب عليه النفقة، لأنه يرثه بالتعصيب. ابن أخت غني وخاله فقير، فعلى المذهب لا يجب عليه النفقة، وعلى القول الراجح تجب النفقة. الشرط الرابع: اتفاق الدين بين المنفق وبين المنفق عليه. لأن الله قطع الموالاة بين الكافرين والمسلمين. وهناك قول آخر في المسألة أن هذا شرط إلا في عمودي النسب، فالأب ينفق عليه وإن كان كافراً، والولد ينفق عليه وإن كان كافراً، أما الأخ فلا ينفق عليه إلا أن يكون مسلماً، وقيل: أن هذا لا يشترط مطلقاً لعموم قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)، وهكذا قوله: (وبالوالدين إخساناً) وقوله: (وآت ذا القربى حقه) فالأدلة عامة، نعم لو كان من المحاربين للإسلام فإنه لا ينفق عليه لأن الحربي المقصود اتلاف نفسه لا إبقاؤه. • هل تجب النفقة لذوي الرحم أم لا؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: أن النفقة لا تجب على ذوي الأرحام. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. أ- أن الأصل عدم وجوب النفقة إلا بدليل، ولم يوجد دليل صريح في ذلك. أن قرابة ذوي الأرحام ضعيفة، بدليل أنها لا تمنع من دفع الزكاة لهم ولا يدخلون في العاقلة، ولذا لا تجب بهذه القرابة النفقة.

стр. 2106

القول الثاني: أن النفقة تجب على ذوي الأرحام مطلقاً حتى لو لم يرثوا. وهذا اختيار ابن تيمية. لقوله تعالى (وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ). وجه الدلالة: أن الآية دلت على أن ذوي الأرحام أولى وأحق ببعض، وإذا كان كذلك دل على وجوب النفقة فيما بينهم. ب- ولقوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ). وجه الدلالة: أن ذوي الأرحام من القرابة، وقد أمر الله بإيتائهم حقهم، ومن حقهم النفقة عليهم. مثال: ابن أختٍ غني له خال فقير، وهذا الخال ليس له أحد يرثه سوى ابن أخته، الراجح يجب الإنفاق عليه لأنه يرث. والله أعلم. فائدة: الأب ينفرد بنفقة ولده. لقوله تعالى (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). ولحديث هند السابق في قوله ﷺ (خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك). المراد بالأب هنا الأب الأدنى، وليس المراد به الجد. فإذا وجد أم أغنية وأب غني ولهما ولد، فالنفقة على الأب.

стр. 2107

١١٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ اَلْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: وجوب الإنفاق على الرقيق. وهذا واجب بالسنة والإجماع. أ-لحديث الباب. ب- وعَن أبي ذر. قال: قال ﷺ (إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْه) متفق عليه. قال ابن قدامة: وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده، ولأنه لا بد له من نفقة، ومنافعه لسيده، وهو أخص الناس به، فوجبت نفقته عليه، كبهيمته. • ما مقدار النفقة على الرقيق؟ ينفق عليه بالمعروف من المسكن والملبس والمأكل ما يكفيه. (بالمعروف: ما تعارف عليه الناس). والنفقة على الرقيق على قسمين: نفقة واجبة. (أن ينفق عليه ما يكفيه وإن كان دون ما يأكل هو ويلبس). ونفقة مستحبة. (أن ينفق عليه من جنس ما ينفق على نفسه من المطعم والملبس والمسكن). قال ابن قدامة: والواجب من ذلك قدر كفايته من غالب قوت البلد، سواء كان قوت سيده، أو دونه، أو فوقه، وأدم مثله بالمعروف. لقوله ﷺ (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف). والمستحب أن يطعمه من جنس طعامه. لقوله ﷺ (فليطعمه مما يأكل). فجمعنا بين الخبرين، وحملنا خبر أبي هريرة على الإجزاء، وحديث خبر أبي ذر على الاستحباب.

стр. 2108

• ما الحكم إذا طلب العبد من سيده أن يزوجه؟ يجب على السيد أن يزوجه، أو أن يبيعه. أ- لقوله تعالى (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). ب- ولأن ذلك من الإنفاق عليه. ج- ولأن ترك العبد بلا زواج مع حاجته ورغبته إليه من إدخال الضرر عليه وتكليفه بالمشقة. • ما الحكم إذا طلبت الأمة النكاح؟ إذا طلبت الأمَة التزويج خيّر السيد بين: أولاً: أن يطأها. ثانياً: أو يزوجها. ثالثاً: أو يبيعها. لإزالة ضرر الشهوة عنها. • ما حكم إنفاق الإنسان على بهائمه؟ واجب. يجب على الإنسان أن يقوم على بهائمه من علف وماء وسقي. قال ابن قدامة: ومن ملك بهيمة، لزمه القيام بها، والإنفاق عليها ما تحتاج إليه، من علفها، أو إقامة من يرعاها. لما روى ابن عمر، أن النبي ﷺ قال (عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض) متفق عليه. فإن امتنع من الإنفاق عليها، أجبر على ذلك فإن أبى أو عجز، أجبر على بيعها، أو ذبحها إن كانت مما يذبح. فإن عجز عن الإنفاق، وامتنع من البيع، بيعت عليه، كما يباع العبد إذا طلب البيع عند إعسار سيده بنفقته، وكما يفسخ نكاحه إذا أعسر بنفقة امرأته. وإن عطبت البهيمة فلم ينتفع بها، فإن كانت مما يؤكل، خير بين ذبحها والإنفاق عليها، وإن كانت مما لا يؤكل، أجبر على الإنقاق عليها، كالعبد الزمن، على ما ذكرناه فيما مضى. ثم قال: ولا يجوز أن يحمل البهيمة ما لا تطيق: أولاً: لأنها في معنى العبد، وقد منع النبي ﷺ تكليف العبد ما لا يطيق. ثانياً: ولأن فيه تعذيباً للحيوان الذي له حرمة في نفسه، وإضرارا به، وذلك غير جائز. (المغني). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - وجوب الإنفاق على الرقيق. - تحريم تكليفه من العمل ما لا يطيق.

стр. 2109

١١٤١ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ اَلْقُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ (أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اِكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ اَلْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّح) اَلْحَدِيثُ. وتَقَدَّمَ فِي عِشْرَةِ اَلنِّسَاءِ. ١١٤٢ - وَعَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ اَلْحَجِّ بِطُولِهِ- قَالَ فِي ذِكْرِ اَلنِّسَاءِ (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === • ماذا نستفيد من الحديثين؟ نستفيد: وجوب الإنفاق على الزوجة، وقد تقدمت مباحث ذلك. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - وجوب الإنفاق على الزوجة. - أن الإنفاق على الزوجة مقدر بالمعروف (وهو ما تعارف عليه الناس). - تحريم ضرب الوجه، وقد تقدم بحث ذلك.

стр. 2110

١١٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظ (أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ). === (مَنْ يَقُوتُ) أي: من يلزمه قوته. • ما معنى الحديث؟ أنه يكفي في كون المرء آثماً مذنباً أن يضيع ويهمل من تلزمه نفقته من مماليك وبهائم وغيرهم. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - وجوب إنفاق الإنسان على من تلزمه نفقتهم من زوجة وأولاد وأقارب ومماليك وحيوان، لأن الشارع رتب الإثم على تضييعهم. - شدة إثم من يفرط ويهمل الإنفاق على من تلزمه نفقتهم. - أن النفقة على هؤلاء أفضل من سائر وجوه الإنفاق؛ وذلك لأن الإنفاق على هؤلاء فرض عين، والإنفاق على من سواهم فرض كفاية أو تطوع، وفرض العين أفضل وألزم من فرض الكفاية ومن التطوع. - أن على المسلم أن يبدأ بالنفقة الواجبة عليه؛ ومنها النفقة على الزوجة والأولاد والمملوكين، ثم له بعد ذلك أن يتصدق. - مشروعية العمل والكسب حتى ينفق على نفسه وعلى من يعول ممن تلزمه نفقتهم.

стр. 2111

١١٤٤ - وَعَنْ جَابِرٍ -يَرْفَعُهُ، فِي اَلْحَامِلِ اَلْمُتَوَفَّى عَنْهَا- قَالَ: (لَا نَفَقَةَ لَهَا) أَخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنْ قَالَ: اَلْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ. ١١٤٥ - وَثَبَتَ نَفْيُ اَلنَّفَقَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === • ما صحة حديث الباب؟ حديث جابر كما قال الحافظ موقوف. قال البيهقي: هذا هو المحفوظ موقوف. عن جابر قال: ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة، حسبها الميراث. • هل للمتوفى عنها زوجها نفقة؟ المتوفى عنها زوجها تنقسم إلى قسمين: الأول: أن تكون حائلاً (غير حامل). فهذه لا نفقة لها بالإجماع. الثاني: أن تكون حاملاً. فلا نفقة لها أيضاً، وهذا قول الجمهور. فالمتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولو كانت حاملاً. قال ﷺ (إنما النفقة والسكن للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة) رواه النسائي. ومن المعلوم أن المتوفى عنها زوجها لا رجعة لها.

стр. 2112

قال صاحب الروض: ولا نفقة ولا سكنى من تركة لمتوفى عنها ولو حاملاً، لأن المال انتقل عن الزوج إلى الورثة، ولا سبب لوجوب النفقة عليهم، فإن كانت حاملاً فالنفقة من حصة الحمل من التركة إن كانت وإلا فعلى وارثه الموسر. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه: المعتدات ثلاثة أقسام: قسم لها السكنى والنفقة بكل حال وهي الرجعية، وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى إلا إن كانت حاملاً، وهي البائن في الحياة، وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى مطلقاً وهي المتوفى عنها، وهي البائن بالموت … فالمتوفى عنها زوجها لا نفقة لها، ولا سكنى، ولو كانت حاملاً، أما إذا لم تكن حاملاً فالأمر ظاهر؛ لأنها بانت، وأما إن كانت حاملا فلا نفقة لها أيضاً. فإن قيل: أي فرق بينها وبين البائن في حال الحياة؟ الجواب: أن البائن في حال الحياة ـ إذا كانت حاملاً أوجبنا الإنفاق على زوجها في ماله، وأما المتوفى عنها زوجها فالمال انتقل للورثة فكيف نجعل النفقة في التركة؟! فنقول: لا نفقة لها وإن كانت حاملاً. فإن قيل: ماذا نصنع فيما إذا حملت، وقد قلنا فيما سبق: إن النفقة للحمل، لا لها من أجله؟ يقولون: إن النفقة تجب في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة، كأن يموت أبوه ولا مال له، فإن النفقة تجب على من تلزمه نفقته من الأقارب، كأن يكون له إخوة أغنياء أو أعمام. (الشرح الممتع). ولا خلاف بين الفقهاء في أن المعتدة من وفاة إن كانت حائلا (غير حامل) لا نفقة لها في العدة، وجمهورهم على أنه لا نفقة لها أيضاً إن كانت حاملاً. (الموسوعة الفقهية). وقد ذكر الحافظ ابن حجر حديث فاطمة بنت قيس هنا مع أنه ليس في المتوفى عنها، والمعنى: أنه إذا كانت البائن حال الحياة لا نفقة لها فالمتوفى عنها من باب أولى. - وأما قوله تعالى (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهم) فهذه في الحامل المبتوتة وهو قول أكثر المفسرين. قال الشوكاني: فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال عليّ، وابن عمر، وابن مسعود، وشريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، وابن أبي ليلى، وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه: لا ينفق عليها إلاّ من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ذلك من السنة.

стр. 2113

١١٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْيَدِ اَلْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ اَلْيَدِ اَلسُّفْلَى، وَيَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ. تَقُولُ اَلْمَرْأَةُ: أَطْعِمْنِي، أَوْ طَلِّقْنِي) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. === • ما صحة حديث الباب؟ الحديث حسن كما قال المصنف ﵀. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - فضل الإنفاق والبذل والإعطاء، والحث عليه، لقوله (اَلْيَدِ اَلْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ اَلْيَدِ اَلسُّفْلَى) واليد العليا هي المنفقة. - أن الواجب على الإنسان أن يبدأ بمن يعول. - أن الواجب مقدم على المستحب. - أن المرأة لها الحق بالفسخ إذا لم ينفق عليها زوجها. (وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة). - وجوب نفقة الزوج على زوجته. - أن عقد النكاح عقد معاوضة. - الحث على العمل والتكسب ليتمكن من الإنفاق. - ذم الكسل والحاجة إلى الناس.

стр. 2114

١١٤٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ -فِي اَلرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ- قَالَ (يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي اَلزِّنَادِ، عَنْهُ. قَالَ: - فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ) وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيَ. ١١٤٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ (أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ اَلْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ: أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنَّ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا) أَخْرَجَهُ اَلشَّافِعِيُّ. ثُمَّ اَلْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِ حَسَنٌ. === • ما صحة الآثار التي ذكرها المصنف؟ أثر سعيد بن المسيب صحيح الإسناد إلى سعيد لكنه مرسل. وأما أثر عمر فهو صحيح موقوف. • ماذا نستفيد من هذين الأثرين؟ نستفيد: أن الزوج إذا أعسر بنفقة زوجته ولم يستطع الإنفاق فلها الفسخ، وقد تقدمت المسألة. ونستفيد: أن حق الزوجة لا يسقط إذا غاب الزوج عن زوجته ولم ينفق ولم يترك نفقة، لأن نفقة الزوجة من باب المعاوضة، والمعاوضة لا تسقط بمضي الزمان.

стр. 2115

١١٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عِنْدِي دِينَار؟ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَر؟ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: "أَنْفِقُهُ عَلَى خَادِمِكَ". قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: "أَنْتَ أَعْلَم) أَخْرَجَهُ اَلشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ اَلزَّوْجَةِ عَلَى اَلْوَلَدِ. ١١٥٠ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مِنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مِنْ "؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مِنْ؟ قَالَ: "أَبَاكَ، ثُمَّ اَلْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَب) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحُسَّنَهُ. === • ماذا نستفيد من حديث أبي هريرة؟ - نستفيد: أن نفقة الأقارب لا تجب على المنفق إلا إذا كان ما ينفقه عليهم فاضلاً عن نفقة نفسه. • ما الترتيب في النفقة بين الأقارب؟ الرجل المنفق إن استطاع أن ينفق على جميعهم وجب ذلك، وإن لم يستطع ذلك لقلة ماله، وضعف دخله الشهري، فإن الواجب عليه أن يُقدِّم نفقة زوجته وأولاده على غيرهم من أقاربه. وقد ثبت ذلك في السنة: أ- عَنْ جَابِرٍ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا، بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِك) رواه مسلم. ب- وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ. فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: أَنْتَ أَبْصَر) رواه أبو داود. وتسمية النبي ﷺ النفقة على الأهل صدقة لا يعني أنها مستحبة فقط. قَالَ الْمُهَلَّب: " النَّفَقَة عَلَى الْأَهْل وَاجِبَة بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا الشَّارِع صَدَقَة خَشْيَة أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِيَامهمْ بِالْوَاجِبِ لَا أَجْر لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ عَرَفُوا مَا فِي الصَّدَقَة مِنْ الْأَجْر فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ صَدَقَة، حَتَّى لَا يُخْرِجُوهَا إِلَى غَيْر الْأَهْل إِلَّا بَعْد أَنْ يَكْفُوهُمْ; تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي تَقْدِيم الصَّدَقَة الْوَاجِبَة قَبْل صَدَقَة التَّطَوُّع. قال الْخَطَّابِي: هَذَا التَّرْتِيب إِذَا تَأَمَّلْته عَلِمْت أَنَّهُ ﷺ قَدَّمَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرَب. وقال النووي: إذا اجتمع على الشخص الواحد محتاجون ممن تلزمه نفقتهم، نظرَ: إن وفَّى ماله أو كسبه بنفقتهم فعليه نفقة الجميع قريبهم وبعيدهم، وإن لم يفضل عن كفاية نفسه إلا نفقة واحد، قدَّم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب … لأن نفقتها آكد، فإنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بالإعسار. قال المرداوي: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا بِالْمَعْرُوفِ .. إذَا فَضَلَ عَنْ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ.

стр. 2116

وقال الشوكاني: وقد انعقد الإجماع على وجوب نفقة الزوجة، ثم إذا فضل عن ذلك شيء فعلى ذوي قرابته. فلم يختلف العلماء في تقديم الزوجة على الوالدين في النفقة، وإنما اختلفوا في الزوجة والولد أيهما يقدم؟ قال ابن قدامة: وَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ إلَّا نَفَقَةُ شَخْصٍ، وَلَهُ امْرَأَةٌ، فَالنَّفَقَةُ لَهَا دُونَ الْأَقَارِبِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ جَابِر (إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ، فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ، فَعَلَى قَرَابَتِه). وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ مُوَاسَاةٌ، وَنَفَقَةَ الْمَرْأَةِ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُوَاسَاةِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ مَعَ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا، وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ بِخِلَافِ ذَلِك. (المغني). وجاء في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته: إذا تعدد مستحقو النفقة ولم يكن لهم إلا قريب واحد، فإن استطاع أن ينفق عليهم جميعاً وجب عليه الإنفاق، وإن لم يستطع بدأ بنفسه، ثم بولده الصغير أو الأنثى، أو العاجز، ثم بزوجته. وقال الحنابلة: تقدم الزوجة على الولد، ويقدَّم الأب على الأم لفضيلته، وانفراده بالولاية، واستحقاق الأخذ من ماله. وقال ابن قدامة: الأولى التسوية بينهما. وقيل عند الشافعية: يقدم الأب، وقيل: الأم والأب سواء. قال الشيخ ابن عثيمين: " فالصواب أنه يبدأ بنفسه، ثم بالزوجة، ثم بالولد، ثم بالوالدين، ثم بقية الأقارب. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن الحقوق إذا تزاحمت يبدأ بالأوكد فالأوكد. - أن الأم أحق بالبر من الأب. قال النووي في سرح حديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ «أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أَبُوكَ). الصَّحَابَة هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد بِمَعْنَى الصُّحْبَة. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى بِرّ الْأَقَارِب، وَأَنَّ الْأُمّ أَحَقّهمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدهَا الْأَب، ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب. قَالَ الْعُلَمَاء: وَسَبَب تَقْدِيم الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ، وَشَفَقَتهَا، وَخِدْمَتهَا، وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله، ثُمَّ وَضْعه، ثُمَّ إِرْضَاعه، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه، وَغَيْر ذَلِكَ. وَنَقَلَ الْحَارِث الْمُحَاسِبِيّ إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأُمّ تُفَضَّل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض خِلَافًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْجُمْهُور بِتَفْضِيلِهَا، وَقَالَ بَعْضهمْ: يَكُون بِرّهمَا سَوَاء. قَالَ: وَنَسَبَ بَعْضهمْ هَذَا إِلَى مَالِك، وَالصَّوَاب الْأَوَّل لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُور. وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الْقَاضِي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمّ وَالْأَب آكَد حُرْمَة فِي الْبِرّ مِمَّنْ سِوَاهُمَا. قَالَ: وَتَرَدَّدَ بَعْضهمْ بَيْن الْأَجْدَاد وَالْإِخْوَة لِقَوْلِهِ ﷺ : ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك قَالَ أَصْحَابنَا: يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِرّ الْأُمّ، ثُمَّ الْأَب، ثُمَّ الْأَوْلَاد، ثُمَّ الْأَجْدَاد وَالْجَدَّات، ثُمَّ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات، ثُمَّ سَائِر الْمَحَارِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّات، وَالْأَخْوَال وَالْخَالَات، وَيُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب. (نووي)

стр. 2117

بَابُ اَلْحَضَانَةِ • تعريف الحضانة: الحضانة: حفظ الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه في سن معينة. قال النووي: هي القيام بحفظ من لم يميز ولا يستقل بأمره، وتربيته بما يصلحه، ووقايته عما يؤذيه. وقال الماوردي: هي الحفظ والمراعاة وتدبير الولد والنظر في مصالحه. وهي من محاسن الشريعة الإسلامية وعنايتها ورعايتها بالضعفاء والمحتاجين، لأن المقصود منها أمور ثلاثة: الأول: القيام بمؤن المحضون من طعامه وشرابه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسمه. الثاني: حفظه عما يؤذيه برعاية حركاته وسكناته في منامه ويقظته. الثالث: تربيته بما يصلحه، سواء كان ذلك في دينه أو دنياه. و سبب الحضانة: الفراق بين الزوجين، فان الحضانة لا يأتي موضوعها الا إذا حصل نزاع بين الزوجين بطلاق أو غيره وبينهما أطفال. - وليُعلم أن مدة الحضانة هي إلى سن التمييز والاستغناء، أي: أنه تستمر الحضانة إلى أن يميِّز المحضون ويستغني عن حاضنه، بمعنى أن يأكل وحده ويشرب وحده، ويستنجي وحده ونحو ذلك.

стр. 2118

١١٥١ - عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ (أَنَّ اِمْرَأَةً قَالَتْ: - يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ اِبْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ. === (بَطْنِي لَهُ وِعَاءً) الوِعاء هو الإناء وقصدت أن بطنها أيام حمله كان وعاء لهذا الطفل. (وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً) الحواء: أي: مكاناً له يحميه ويحفظه. • ما صحة حديث الباب؟ حسن، لأجل سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. • ما حكم الحضانة؟ رعاية المحضون واجبة على الحاضن، لأنه قد يهلك بترك الحفظ، فوجب حفظه عن الهلاك، فهي في حق من وجبت عليه تعد من الواجبات العينية خاصة إذا لم يوجد إلا الحاضن، أو وجِد ولكن لم يقبل الصبي غيره، أما في حالة تعدد الحاضن فيكون الوجوب كفائياً. قال ابن قدامة: كفالة الطفل وحضانته واجبة؛ لأنه يهلك بتركه، فيجب حفظه عن الهلاك، كما يجب الإنفاق عليه، وإنجاؤه من المهالك ويتعلق بها حق لقرابته، لأن فيها ولاية على الطفل واستصحاباً له، فتعلق بها الحق، ككفالة اللقيط. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن الأم أحق بالحضانة من الزوج مالم تتزوج وكانت صالحة للحضانة. قال ابن المنذر ﵀: أجمعوا أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح، وأجمعوا على أن لا حق للأم في الولد إذا تزوجت. وقال في المغني: وجملته أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل، فأمه أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط فيها ذكراً كان أو أنثى. وهذا قول يحيي الأنصاري والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ولا نعلم أحداً خالفهم. (المغني). وقال ابن القيم ﵀: ودل الحديث - أي: حديث (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) - على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد: فالأم أحق به من الأب، ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا يُعرف فيه نزاع.

стр. 2119

• ما الحكمة من هذا التفصيل؟ هذا التفصيل من الشارع الحكيم راعى فيه حق الطفل وحق الزوج الجديد، فالأم قبل الزواج متفرغة للطفل وإصلاح شؤونه فحقه عليها باق، أما بعد الزواج فإنها ستهمل أحد الحقين إما حق زوجها وهو آكد وإما أن تعتني بزوجها فتهمل الطفل الذي يحتاج إلى العناية الدائمة. • ما الحكم إذا تزوجت الأم؟ الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها. لحديث الباب (أنت أحق به ما لم تنكحي). • ما الحكمة من سقوط حضانتها بالزواج؟ التمس الفقهاء عدة حكم لسقوط حضانتها إذا تزوجت: أولاً: لأنها قد تكون مشغوله عن الولد بمعاشرة الزوج الجديد. ثانياً: أن هذا الصغير قد يلحقه شيء من الجفاء والغلظة من قِبَل الزوج الجديد، وهذا يؤثر على الطفل. • متى يسقط حقها من الحضانة إذا تزوجت؟ فقيل: يسقط حقها من الحضانة بمجرد العقد. وهذا مذهب الجمهور فإذا عقد على المرأة ونازعها زوجها سقط حقها من الحضانة. قالوا: لأنها قد تكون مشغولة بمهام زوجها ومتطلبات الحياة الزوجية الجديدة. وقيل: إن الحضانة لا تسقط إلا بالدخول. وهذا قول المالكية. قالوا: إن الدخول هو الأمر الذي تنشغل به الأم عن طفلها. والراجح القول الأول. قال ابن القيم: وَالْأَشْبَهُ سُقُوطُ حَضَانَتِهَا بِالْعَقْدِ لِأَنّهَا حِينَئِذٍ صَارَتْ فِي مَظِنّةِ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْوَلَدِ وَالتّهَيّؤِ لِلدّخُولِ وَأَخْذِهَا حِينَئِذٍ فِي أَسْبَابِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

стр. 2120

• قوله في الحديث (ما لم تنكحي) هل هو على ظاهره أم لا؟ ذهب بعض العلماء أنه على ظاهره، سواء تزوجت قريباً للمحضون أو بعيداً. لكن ذهب بعض العلماء إلى أنها إذا تزوجت بقريب من الطفل المحضون فلا تسقط حضانتها، لأن القريب له حق في الحضانة وله شفقة تحمله على رعاية الطفل. • من الأحق بالحضانة بعد الأم؟ في تعيين الأحق بعد الأم خلاف بين الفقهاء. فذهب جمهور الفقهاء إلى أن أحق الناس بالحضانة بعد الأم إذا ماتت أو لم تكن أهلاً للحضانة: أمهاتها المدليات بإناث، القربى فالقربى، أي جدة الطفل لأمه، وإن علت). قال في عمدة الفقه: أحق الناس بحضانة الطفل أمه، ثم أمهاتها وإن علون، ثم الأب، ثم أمهاته، ثم الجد، ثم أمهاته، ثم الأخت لأبوين، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم، ثم الخالة، ثم العمة. قال ابن المنذر ﵀: أجمع مالك والشافعي وأبو ثور والنعمان على: أن الرجل إذا طلق امرأته، ولها منه أولاد صغار، أنها أحق بولدها، ما داموا صغاراً، فإن تزوجت، فإنها أحق بهم إن كان لها أم. (الإشراف). وفي " فتاوى اللجنة الدائمة: أحق الناس بحضانة الطفل أمه إذا افترق الزوجان، فإن تزوجت انتقلت الحضانة إلى أم الأم، فإن عدمت انتقلت إلى أم الأب؛ لأن الحضانة للنساء، وأمه أشفق عليه من غيرها. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأب مقدم على أم الأم. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. قال في (زاد المستفنع) والأحق بها أم، ثم أمهاتها القربى فالقربى، ثم أب، ثم أمهاته كذلك، ثم جد، ثم أمهاته كذلك … قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه: وهذا الترتيب الذي ذكره المؤلف ليس مبنياً على أصل من الدليل، ولا من التعليل، وفيه شيء من التناقض، والنفس لا تطمئن إليه، ولهذا اختلف العلماء في الترتيب في الحضانة على أقوال متعددة، ولكنها كلها ليس لها أصل يعتمد عليه، لذلك ذهب شيخ الإسلام ﵀: إلى تقديم الأقرب مطلقاً، سواء كان الأب، أو الأم، أو من جهة الأب، أو من جهة الأم، فإن تساويا قدمت الأنثى، فإن كانا ذكرين أو أنثيين فإنه يقرع بينهما في جهة واحدة، وإلا تقدم جهة الأبوة.

стр. 2121

• اختار ابن القيم واختاره أيضاً الشيخ السعدي أن الأم أحق بالحضانة إذا رضي الزوج، وذلك لأن حقها سقط لحق الزوج الجديد، فإذا رضي بإسقاط حقه في حضانة هذه المرأة فلا وجه لإسقاط حقها. فائدة: جاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الحاضنة لها الحقّ في طلب أجرة على الحضانة، سواء أكانت الحاضنة أمّا أمْ غيرها؛ لأنّ الحضانة غير واجبة على الأمّ، ولو امتنعت من الحضانة لم تجبر عليها في الجملة. انتهى • ما شروط الحضانة؟ الأول: أن يكون الحاضن مسلماً، فلا حضانة لكافر. أ- لقوله تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً). ب- ولأن الفاسق لا حضانة له [عند الجمهور] فالكافر من باب أولى. ج- ولأن الفتنة بالأب الكافر أو الأم الكافرة عظيمة جداً، فإن ذلك فتنة عن دينه وقد قال ﷺ [فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] ولا سيما بعد تمييزه أي حيث صار الطفل مميزاً وأصبح يتلقى ويتعلم ويتربى. قال ابن قدامة: ولنا، أنها ولاية، فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق، فالكافر أولى، فإن ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر، وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر والحضانة إنما تثبت لحظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه. (المغني). وقال ابن القيم: لا حضانة لكافرٍ على مسلم لوجهين: أحدهما: أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه وأن ينشأ عليه ويتربى عليه فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه، وقد يغيِّره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده فلا يراجعها أبداً كما قال النبي ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه) فلا يُؤمن تهويدُ الحاضن وتنصيره للطفل المسلم.

стр. 2122

فإن قيل: الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة، قيل: الحديث خرج مخرج الغالب، إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه فإن فقد أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما. الوجه الثاني: أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار، وجعل المسلمين بعضَهم أولياء بعض، والكفار بعضهم مِنْ بعض، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين. (زاد المعاد). الثاني: أن يكون عدلاً فلا حضانة لفاسق. وهذا مذهب جماهير العلماء أنه لا حضانة لفاسق. أ- لأنه لا يوثق بحضانته. ب- ولأن في الحضانة ذريعة إلى إفساد الطفل وتربيته على مساواء الأخلاق. واختار ابن القيم واختاره الشيخ السعدي: أن الفاسق له حق في الحضانة، قالوا: وعليه العمل المستمر في الأعصار والأمصار وأن الحضانة تكون للوالد أباً كان أو أماً وإن كان فاسقاً، ولأن الناس في عهد النبي ﷺ لم يكونوا يخلون من الفسق ومع ذلك لم يثبت أن النبي ﷺ نزع الحضانة من أحد ممن ثبت فسقه وللو كان هذا ثابتاً لنقل إلينا نقلاً بيناً. الثالث: ولا لمن فيه رق، فيشترط في الحاضن الحرية. فالحضانة لا تكون لمن فيه رق وهذا مذهب جمهور العلماء. لأن النبي ﷺ قال للمرأة [أنت أحق به ما لم تنكحي] فأسقط حقها بالنكاح وذلك لحق الزوج فإن المرأة تنشغل بحق زوجها فكانت أحق به ما لم تنكح، وكذلك الرقيق مشغول بحق سيده ولا شك أن شغله في حق سيده أعظم من شغل المرأة بحق زوجها. واختار ابن القيم: أن له حقاً في الحضانة، إذ لا دليل على إسقاط حقه عنها، ولأنه أشفق من غيره. • ما الحكم إذا زال المانع الموجود في الحاضن؟ يعود حقهم إلى الحضانة. فإذا تاب الفاسق عادت إليه الحضانة، وإذا طلقت الأم عادت إليها الحضانة. قال ابن قدامة: وكل قرابة تستحق بها الحضانة، منع منها مانع، كرق، أو كفر، أو فسوق، أو جنون، أو صغر، إذا زال المانع، مثل أن عتق الرقيق، وأسلم الكافر، وعدل الفاسق، وعقل المجنون، وبلغ الصغير، عاد حقهم من الحضانة؛ لأن سببها قائم، وإنما امتنعت لمانع، فإذا زال المانع، عاد الحق بالسبب السابق الملازم، كالزوجة إذا طلقت.

стр. 2123

• هل يترك المحضون بيد من لا يصونه ولا يصلحه؟ لا يترك المحضون بيد من لا يَصونه ويصلحه. لفوات المقصود من الحضانة، لأن المقصود من الحضانة رعاية المحضون وتربيته وإصلاحه والقيام عليه بما ينفعه في الدنيا والآخرة قال في (الروض المربع) ولا يقر محضون بيد من لا يَصونه ويصلحه لفوات المقصود من الحضانة. وقال ابن قدامة المقدسي: والحضانة إنما تثبت لحظ الولد فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه. وقال ابن القيم: على أنا إذا قدمنا أحد الأبوين فلا بد أن نُراعي صيانته وحفظَه للطفل، ولهذا قال مالك والليث: إذا لم تكن الأم في موضع حرزٍ وتحصين، أو كانَتْ غيرَ مرضية، فللأب أخذُ البنت منها، وكذلك الإِمامُ أحمد ﵀ في الرواية المشهورة عنه، فإنه يعتبر قدرتَه على الحفظ والصيانة. فإن كان مهملاً لذلك، أو عاجزاً عنه، أو غيرَ مرضي، أو ذا دِياثة والأم بخلافه، فهي أحقُّ بالبنتِ بلا ريب، قال شيخنا: وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي، وأمره الذي أوجبه اللّه عليه، فهو عاصٍ، ولا وِلاية له عليه، بل كُلُّ من لم يقم بالواجب في ولايته، فلا ولاية له، بل إما أن تُرفع يدُه عن الولاية ويُقام من يفعل الواجب، وإما أن يُضم إليه مَنْ يقومُ معه بالواجب، إذ المقصودُ طاعةُ الله ورسوله بحسب الإِمكان … فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرة، فالحضانة للأم قطعاً. (زاد المعاد). وقال الشيخ السعدي: فأما إذا أهمل أحدها ما يجب عليه من حضانة ولده وأهمله عما يصلحه فإن ولايته تسقط ويتعين الآخر. • هل يجب على الوالد النفقة على أولاده وهم في حضانة أمهم؟ نعم يجب عليه الإنفاق عليهم. وللحاضنة المرضع أن تطلب أجرة على إرضاعها الطفل. والنفقة على الأولاد، تشمل المسكن والمأكل والمشرب والملبس والتعليم … وكل ما يحتاجون إليه، وتقدر بالمعروف، ويراعى فيها حال الزوج؛ لقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)، وهذا يختلف من بلد لآخر، ومن شخص لآخر. فإذا كان الزوج غنياً فالنفقة على قدر غناه، أو كان فقيراً أو متوسط الحال فعلى حسب حاله أيضاً، وإذا اتفق الوالدان على قدر معين من المال، قليلاً كان أو كثيراً، فالأمر لهما، وأما عند التنازع فالذي يفصل في ذلك هو القاضي.

стр. 2124

ويجوز للمطلقة أن تطالب زوجها بأجرة إرضاعها الطفل باتفاق العلماء. قال ابن قدامة ﵀: رضاع الولد على الأب وحده، وليس له إجبار أمه على رضاعه إذا كانت مطلقة، لا نعلم في ذلك خلافاً. وقال أيضاً: الأم إذا طلبت إرضاعه بأجر مثلها فهي أحق به، سواء وجد الأب مرضعة متبرعة أو لم يجد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما أجر الرضاع فلها ذلك باتفاق العلماء، كما قال تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن). فائدة: ١ قال ابن قدامة: وإن تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها، ففيه وجهان؛ أحدهما، تنتقل إلى الأب؛ لأن أمهاتها فرع عليها في الاستحقاق، فإذا أسقطت حقها، سقط فروعها والثاني: تنتقل إلى أمها وهو أصح؛ لأن الأب أبعد، فلا تنتقل الحضانة إليه مع وجود أقرب منه، كما لا تنتقل إلى الأخت، وكونهن فروعا لها، لا يوجب سقوط حقوقهن بسقوط حقها، كما لو سقط حقها لكونها من غير أهل الحضانة، أو لتزوجها وهكذا الحكم في الأب إذا أسقط حقه، هل يسقط حق أمهاته؟ فائدة: ٢ قال ابن القيم: قَوْلُهَا: (كَانَ بَطْنِي وِعَاءً) إلَى آخِرِهِ إدْلَاءٌ مِنْهَا وَتَوَسّلٌ إلَى اخْتِصَاصِهَا بِهِ كَمَا اخْتَصّ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثّلَاثَةِ وَالْأَبُ لَمْ يُشَارِكْهَا فِي ذَلِكَ فَنَبّهَتْ وَالْمُخَاصَمَةِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَإِنَاطَتِهَا بِهَا وَأَنّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقِرّ فِي الْفِطَرِ السّلِيمَةِ حَتّى فِطَرِ النّسَاءِ وَهَذَا الْوَصْفُ الّذِي أَدْلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ وَجَعَلَتْهُ سَبَبًا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ قَدْ قَرّرَهُ النّبِيّ ﷺ وَرَتّبَ عَلَيْهِ أَثَرَهُ وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا أَلْغَاهُ بَلْ تَرْتِيبُهُ الْحُكْمَ عُقَيْبَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَأَنّهُ سَبَبُهُ. وَاسْتُدِلّ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَإِنّ الْأَبَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ حُضُورٌ وَلَا مُخَاصَمَةٌ وَلَا دِلَالَةٌ فِيهِ لِأَنّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْمَرْأَةُ إنّمَا جَاءَتْ مُسْتَفْتِيَةً أَفْتَاهَا النّبِيّ ﷺ بِمُقْتَضَى مَسْأَلَتِهَا وَإِلّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى الزّوْجِ إنّهُ طَلّقَهَا حَتّى يُحْكَمَ لَهَا بِالْوَلَدِ بِمُجَرّدِ قَوْلِهَا. (زاد المعاد).

стр. 2125

١١٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ اِمْرَأَةً قَالَتْ: - يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي، وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَا غُلَامُ! هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيُّهُمَا شِئْتَ" فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ. === • ما صحة حديث الباب؟ صحيح. نقل ابن حجر في التلخيص عن ابن القطان تصحيح الحديث. • ما الحكم إذا بلغ الصبي سبع سنوات؟ اختلف العلماء في هذه المسالة على أقوال: القول الأول: أنه يخيّر. وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. قال ابن قدامة: وجملته أن الغلام إذا بلغ سبعاً، وليس بمعتوه، خير بين أبويه، إذا تنازعا فيه، فمن اختاره منهما، فهو أولى به قضى بذلك عمر، وعلي، وشريح وهو مذهب الشافعي. لحديث الباب. قال ابن قدامة: إنما يُخَيَّرُ الْغُلَامُ [يعني: يخير بين أبويه إذا بلغ سبع سنوات] بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، كَانَ كَالْمَعْدُومِ، وَيُعَيَّنُ الْآخَرُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ الْغُلَامُ مَعْتُوهًا، فَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا كَانَ عِنْدَ الْأُمِّ، وَلَمْ يُخَيَّرْ; لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَةِ وَلَدِهَا الْمَعْتُوهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَلَوْ خُيِّرَ الصَّبِيُّ، فَاخْتَارَ أَبَاهُ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ، رُدَّ إلَى الْأُمِّ، وَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ; لِأَنَّهُ إنَّمَا خُيِّرَ حِينَ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا زَالَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ، كَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى; لِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِ، كَمَا فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ " انتهى القول الثاني: عدم التخيير. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. قال ابن قدامة: وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يخير لكن قال أبو حنيفة: إذا استقل بنفسه، فأكل بنفسه، ولبس بنفسه، واستنجى بنفسه، فالأب أحق به ومالك يقول: الأم أحق به حتى يثغر، وأما التخيير، فلا يصح؛ لأن الغلام لا قول له، ولا يعرف حظه، وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه، ويمكنه من شهواته، فيؤدي إلى فساده، ولأنه دون البلوغ، فلم يخير، كمن دون السبع. والراجح الأول. • قال العلماء: إذا كان بين الأبوين فرق فلا اعتبار باختيار الطفل في هذه الحالة، لأن الطفل قد يؤثر البطالة واللعب، فربما يختار من يجد عنده اللعب والتساهل والعبث، فلا يعرف مصلحة نفسه.

стр. 2126

• قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخنا ﵀ أي: ابن تيمية - يقول: تنازع أبوان صبيّاً عند بعض الحكام، فخيَّره بينهما فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه فسأله، فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتَّاب والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان، فقضى به للأم قال: أنت أحق به قال شيخنا: وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه: فهو عاص، فلا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته: فلا ولاية له عليه، بل إما أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يُضم إليه من يقوم معه بالواجب، إذ المقصود: طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان. قال شيخنا: وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء، سواء كان الوارث فاسقاً أو صالحاً؛ بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب، والعلم به، وفعله بحسب الإمكان. قال: فلو قُدِّر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرَّة: فالحضانة هنا للأم قطعاً. قال: ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقاً، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقاً بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البَرِّ العادل المحسن، والله أعلم. (زاد المعاد). - قالوا: وإن خير فلم يختر فإنه يقرع بينهما. أو اختارهما معاً، فإنه يقرع بينهما. قال العلماء: إذا اختار الطفل أباه كان عنده ليلاً ونهاراً، من أجل أن يحفظه ويعلمه ويؤدبه ولكن لا يجوز له أن يمنعه من زيارة أمهِ، وأما إذا اختار أمه فإنه يكون عندها بالليل ويكون عند أبيه بالنهار، من أجل أن يحفظه ويعلمه ويؤدبه. إذا مرض الطفل المميز - ذكراً كان أو أنثى - فإن أمه هي التي تمرضه ولو لم تكن هي الحاضنة. • ما الحكم إذا بلغت الأنثى سبع سنوات؟ اختلف العلماء في الأنثى إذا بلغت سبع سنوات عند من تكون على أقوال: القول الأول: أنها تكون عند أبيها. وهذا مذهب الحنابلة. لأنه أحفظ لها، بشرط حفظها والعناية بها، ولا يتركها عند ضرة تسيء لها، وإلا فلا حضانة له. القول الثاني: أنها تكون عند أمها. [قال بعضهم: حتى تبلغ، وبعضهم قال حتى تتزوج]. وهذا قول مالك وأبي حنيفة ورجحه ابن القيم. لأن الأم أعلم بما يصلح ابنتها وأقوم بتربيتها وتعليمها ما تحتاج إليه من شؤون النساء. القول الثالث: أنها تخير كالغلام. وهذا قول الشافعي. والراجح الله أعلم.

стр. 2127

١١٥٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ; - (أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ اِمْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ. فَأَقْعَدَ اَلنَّبِيَّ ﷺ اَلْأُمَّ نَاحِيَةً، وَالْأَبَ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ اَلصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا. فَمَالَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: "اَللَّهُمَّ اِهْدِهِ". فَمَالَ إِلَى أَبِيهِ، فَأَخَذَهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ. === • ما صحة حديث الباب؟ مختلف في إسناده. • هل للكافر حضانة؟ اختلف العلماء هل للكافر حضانة أم لا على قولين: القول الأول: لا حضانة لكافر. وهذا مذهب الحنابلة والشافعية. أ-لقوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً). ب-ولأن الفاسق لا حضانة له [عند الجمهور] فالكافر من باب أولى. ج-ولأن الفتنة بالأب الكافر أو الأم الكافرة عظيمة جدا فإن ذلك فتنة عن دينه وقد قال ﷺ [فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] ولا سيما بعد تمييزه أي حيث صار الطفل مميزاً وأصبح يتلقى ويتعلم ويتربى. قال ابن القيم: لا حضانة لكافرٍ على مسلم لوجهين: أحدهما: أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه وأن ينشأ عليه ويتربى عليه فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه، وقد يغيِّره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده فلا يراجعها أبداً كما قال النبي ﷺ " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه "، فلا يُؤمن تهويدُ الحاضن وتنصيره للطفل المسلم. فإن قيل: الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة، قيل: الحديث خرج مخرج الغالب، إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه فإن فقد أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما. الوجه الثاني: أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار، وجعل المسلمين بعضَهم أولياء بعض، والكفار بعضهم مِنْ بعض، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين. (زاد المعاد). وقال أهل الرأي وابن القاسم وأبو ثور: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الوالد. أ-لحديث الباب. ب-قالوا: ولأن الحضانة لأمرين: الرضاع، وخدمة الطفل، وكلاهما يجوز من الكافرة. قال الآخرون: هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، وقد ضعفه إمام العلل يحيى بن سعيد القطان، وكان سفيان الثوري يحمل عليه، وضعف ابن المنذر الحديث، وضعفه غيره، وقد اضطرب في القصة، فروى أن المخير كان بنتا، وروى أنه كان ابنا. وقال الشيخ في (المغني): وأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال. قاله ابن المنذر. ثم إن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام، فإن الصبية لما مالت إلى أمها دعا النبي ﷺ لها بالهداية فمالت إلى أبيها، وهذا يدل على أن كونها مع الكافر خلاف هدى الله الذي أراده من عباده، ولو استقر جعلها مع أمها، لكان فيه حجة، بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله. ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق. فأي فسق أكبر من الكفر، وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر. (زاد المعاد).

стр. 2128

١١٥٤ - وَعَنْ اَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبِ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي اِبْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: اَلْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ اَلْأُمِّ.) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. ١١٥٥ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ: مِنْ حَدِيثِ عَلَيٍّ فَقَالَ (وَالْجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا، فَإِنَّ اَلْخَالَةَ وَالِدَةٌ). === • اذكر لفظ الحديث كاملاً؟ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ - فَتَبِعَتْهُمْ ابْنَةُ حَمْزَةَ، تُنَادِي: يَا عَمُّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّك، فَاحْتَمَلْتُهَا. فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ. وَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْك. وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أَشْبَهَتْ خَلْقِي وَخُلُقِي وَقَالَ لِزَيْدٍ: أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلانَا). (يا عم) قال الحافظ: كأنها خاطبت النبي ﷺ بذلك إجلالاً له، وإلا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى كون حمزة وإن كان عمه من النسب فهو أخوه من الرضاعة. (دونك) كلمة تدل على الأمر بأخذ الشيء المشار إليه. (خالتها تحتي) أي زوجتي. ابنة أخي: أي في الإسلام، فإن النبي ﷺ لما قدم المدينة آخى بين المهاجرين، فآخى بين زيد وحمزة. (الخالة بمنزلة الأم) أي في هذا الحكم الخاص، لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد. (أنت مني وأنا منك) أي في النسب والصهر والمسابقة والمحبة. (أشبهت خلقي وخلقي) الخَلْق المراد به الصورة. (أخونا ومولانا) أي أخونا في الإيمان، ومولانا: أي من جهة أنه أعتقه، وقد تقدم أن مولى القوم منهم. • ما معنى الحديث؟ في هذا الحديث أن النبي ﷺ لما فرغ من عمرة القضاء، في السنة السابعة، وخرجوا من مكة تبعتهم ابنة حمزة بن عبد المطلب، تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي بن أبي طالب فأخذ بيدها وقال لزوجته فاطمة: خذي ابنة عمك، فاحتملتها. فاختصم في الأحقية بحضانتها ثلاثة: علي، وأخوه جعفر، وزيد بن حارثة، وكل منهم أدلى بحجته لاستحقاق الحضانة. فقال علي: هي ابنة عمي، فأنا أحق بها. وقال جعفر: هي ابنة عمي، وخالتها زوجتي. وقال زيد: هي بنت أخي الذي عقد بيني وبينه رسول الله ﷺ مؤاخاة، يثبت بها التوارث والتناصر، فأنا أحق بها. فحكم بها النبي ﷺ للخالة، لأنها بمنزلة الأم، وكانت عند جعفر، ثم أرضى ﷺ الجميع بما يطيب قلوبهم.

стр. 2129

• ما معنى (الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ)؟ قوله ﷺ (الخالة بمنزلة الأم) هو في الحضانة، أي في هذا الحكم الخاص لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد لما دل عليه السياق. قال الصنعاني: والحديث دليل على ثبوت الحضانة للخالة وأنها كالأم ومقتضاه أن الخالة أولى من الأب ومن أم الأم ولكن خص ذلك الإجماع وظاهره أن حضانة المرأة المزوجة أولى من الرجال فإن عصبة المذكورة من الرجال موجودون طالبون للحضانة كما دلت له القصة واختصام علي ﵁ وجعفر وزيد بن حارثة وقد سبقت وأنه قضى بها للخالة وقال الخالة بمنزلة الأم وقد وردت رواية في القصة أنه ﷺ قضى بها لجعفر فاستشكل القضاء بها لجعفر فإنه ليس محرما وهو وعلي ﵄ سواء في القرابة لها وجوابه أنه ﷺ قضى بها لزوجة جعفر وهي خالتها فإنها كانت تحت جعفر لكن لما كان المنازع جعفراً وقال في محل الخصومة بنت عمي وخالتها تحتي أي زوجتي، قضى بها لجعفر لما كان هو المطالب ظاهراً، وقال الخالة بمنزلة الأم إبانة بأن القضاء للخالة فمعنى قوله (قضى بها لجعفر) قضى بها لزوجة جعفر، وإنما أوقع القضاء عليه لأنه المطالب فلا إشكال في هذا. • من يقدم في الحضانة الخالة أم العمة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الخالة تقدم على العمة. وهذا قول جماهير العلماء. لحديث الباب. القول الثاني: أن العمة تقدم على الخالة. وهذا اختيار ابن تيمية. قال ابن تيمية: وإنما قدم الشارع خالة بنت حمزة على عمتها صفية، لأن صفية لم تطلب الحضانة، ولأن جعفراً قد طلبها نيابة عن خالتها فقضى لها بها في غيبتها. قال ابن القيم: فَإِذَا وُجِدَ عَمّةٌ وَخَالَةٌ فَالْمَعْنَى الّذِي قُدّمَتْ لَهُ الْأُمّ مَوْجُودٌ فِيهِمَا وَامْتَازَتْ الْعَمّةُ بِأَنّهَا تُدْلِي بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ وَهِيَ قُرَابَةُ الْأَبِ وَالنّبِيّ ﷺ قَضَى بِابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا وَقَالَ الْخَالَةُ أُمّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُزَاحِمٌ مِنْ أَقَارِبِ الْأَبِ تُسَاوِيهَا فِي دَرَجَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ لَهَا عَمّةٌ وَهِيَ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أُخْتُ حَمْزَةَ وَكَانَتْ إذْ ذَاكَ مَوْجُودَةً فِي الْمَدِينَةِ … وَبَقِيَتْ إلَى خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ فَقَدّمَ النّبِيّ ﷺ الْخَالَةَ عَلَيْهَا وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ فِي جِهَةِ الْأُمّ عَلَى مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ. قِيلَ: إنّمَا يَدُلّ هَذَا إذَا كَانَتْ صَفِيّةُ قَدْ نَازَعَتْ مَعَهُمْ وَطَلَبَتْ الْحَضَانَةَ فَلَمْ يَقْضِ لَهَا بِهَا بَعْدَ طَلَبِهَا وَقَدّمَ عَلَيْهَا الْخَالَةَ هَذَا إذَا كَانَتْ لَمْ تُمْنَعْ مِنْهَا لِعَجْزِهَا عَنْهَا فَإِنّهَا تُوُفّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً فَيَكُونُ لَهَا وَقْتَ هَذِهِ الْحُكُومَةِ بِضْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً فَيُحْتَمَلُ أَنّهَا تَرَكَتْهَا لِعَجْزِهَا عَنْهَا وَلَمْ تَطْلُبْهَا مَعَ قُدْرَتِهَا وَالْحَضَانَةُ حَقّ لِلْمَرْأَةِ فَإِذَا تَرَكَتْهَا انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ: فَإِنّمَا يَدُلّ الْحَدِيثُ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَى الْعَمّةِ إذَا ثَبَتَ أَنّ صَفِيّةَ خَاصَمَتْ فِي ابْنَةِ أَخِيهَا وَطَلَبَتْ كَفَالَتَهَا فَقَدّمَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ الْخَالَةَ وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ. (زاد المعاد) اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - قوله (الخالة بمنزلة الأم) دليل على أن الأم أحق بحضانة الطفل من الأب ما دام في طور الحضانة ما لم تتزوج.

стр. 2130

قِيلَ: إنّمَا يَدُلّ هَذَا إذَا كَانَتْ صَفِيّةُ قَدْ نَازَعَتْ مَعَهُمْ وَطَلَبَتْ الْحَضَانَةَ فَلَمْ يَقْضِ لَهَا بِهَا بَعْدَ طَلَبِهَا وَقَدّمَ عَلَيْهَا الْخَالَةَ هَذَا إذَا كَانَتْ لَمْ تُمْنَعْ مِنْهَا لِعَجْزِهَا عَنْهَا فَإِنّهَا تُوُفّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً فَيَكُونُ لَهَا وَقْتَ هَذِهِ الْحُكُومَةِ بِضْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً فَيُحْتَمَلُ أَنّهَا تَرَكَتْهَا لِعَجْزِهَا عَنْهَا وَلَمْ تَطْلُبْهَا مَعَ قُدْرَتِهَا وَالْحَضَانَةُ حَقّ لِلْمَرْأَةِ فَإِذَا تَرَكَتْهَا انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ: فَإِنّمَا يَدُلّ الْحَدِيثُ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَى الْعَمّةِ إذَا ثَبَتَ أَنّ صَفِيّةَ خَاصَمَتْ فِي ابْنَةِ أَخِيهَا وَطَلَبَتْ كَفَالَتَهَا فَقَدّمَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ الْخَالَةَ وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ. (زاد المعاد) اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - قوله (الخالة بمنزلة الأم) دليل على أن الأم أحق بحضانة الطفل من الأب ما دام في طور الحضانة ما لم تتزوج. - أن الأم مقدمة في الحضانة على كل أحد، فإنه لم يعطها الخالة في هذه القصة إلا لأنها بمنزلة الأم، والخالة تلي الأم في الحضانة، فهي بمنزلتها في الحنو والشفقة. - قوله (الخالة بمنزلة الأم) في الحضانة عند فقد الأم وأمهاتها. - استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة إذا تزوجت لا يسقط حقها من الحضانة إذا رضي زوجها بقيامها بالحضانة، وبهذا يحصل التوفيق بين قضاء النبي ﷺ بالحضانة لزوجة جعفر وبين قوله (أنت أحق به ما لم تنكحي). قال الصنعاني: استشكل بأن الخالة مزوجة ولا حق لها في الحضانة لحديث (أنت أحق به ما لم تنكحي) والجواب عنه أن الحق في المزوجة للزوج وإنما تسقط حضانتها لأنها تشتغل بالقيام بحقه وخدمته، فإذا رضي الزوج بأنها تحضن من لها حق في حضانته وأحب بقاء الطفل في حجره لم يسقط حق المرأة من الحضانة، وهذه القصة دليل الحكم، وهذا مذهب الحسن والإمام يحيى وابن حزم وابن جرير، ولأن النكاح للمرأة إنما يسقط حضانة الأم وحدها حيث كان المنازع لها الأب وأما غيرها فلا يسقط حقها من الحضانة بالتزويج. - الحديث لا حجة فيه لزاعمٍ أن الخالة ترث؛ لأن الكلام في كونها مثلَها في استحقاق الحضانة لا غير. - ويؤخذ من الحديث: أن الخالة في الحضانة مقدمة على العَّمة؛ لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودةً في ذلك الوقت ولم يحكم لها رسول الله ﷺ بحضانة ابنة أخيها مع كونها أقرب أقارب البنت (من جهة أبيها) من النساء. وإذا قُدِّمَتْ الخالة على العمة فهي مقدمة على غيرها من باب أَوْلى. - حسن خلق النبي ﷺ ولطفه، حيث حكم لواحد من الثلاثة وأرضاهم جميعاً بما طيب أنفسهم، وأرضى ضمائرهم فراحوا مسرورين مغتبطين.

стр. 2131

- تعظيم صلة الرحم، بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التوصل إليها. - أن الحاكم يبين دليل الحكم للخصم، وأن الخصم يدلي بحجته. - فضل علي بن أبي طالب، ومن فضائله: قوله ﷺ : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فأعطاها علي). متفق عليه وقال ﷺ : (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). متفق عليه وقال ﷺ : (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق). متفق عليه - فضل جعفر بن أبي طالب، ومن فضائله: قوله ﷺ : (رأيت جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة). رواه الترمذي - قد أخذ الإمام الذهبي من هذا الحديث وغيرُه أن عقوق الخالة كبيرة من الكبائر؛ ولعل هذا المعنى هو الذي لاحظه الإمام النووي عندما أورد هذا الحديث في (رياض الصالحين) في باب: بر الوالدين وصلة الأرحام، وذلك اعتباراً بعموم لفظه في طلب أنواع البرّ وإسداء المعروف لها كما تسدي ذلك للأم. - المراد بها بالخالة في الحديث: أخت الأم في النسب، وليس المراد بها زوجة الأب. ومعنى الحديث: أن الخالة من النسب منزلة الأم في حضانة أولادها عند فقدها. وأما تسمية زوجة الأب خالة فمن عادة بعض الناس، وليست تسمية شرعية. (فتاوى اللجنة)

стр. 2132

١١٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ • نستفيد: الحث على مكارم الأخلاق، ومشاركة الخادم بالطعام. وقد جاء في لفظ للحديث (إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمه طَعَامه ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ، وَقَدْ وَلِيَ حَرّه وَدُخَانه فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهاً قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَده مِنْهُ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْن). (إِذَا صَنَعَ) أي: طبخ. (خَادِمه طَعَامه) أي: عبده أو أمته (وَقَدْ وَلِيَ) أي: والحال أنه قد تولى. (حَرّه) أي: ناره أو تعبه وَدُخَانه فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهاً قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَده مِنْهُ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْن. قَالَ دَاوُدُ: يَعْنِي لُقْمَة أَوْ لُقْمَتَيْنِ. أَمَّا الْأُكْلَة فَبِضَمِّ الْهَمْزَة وَهِيَ اللُّقْمَة، كَمَا فَسَّرَهُ، وَأَمَّا الْمَشْفُوه فَهُوَ الْقَلِيل؛ لِأَنَّ الشِّفَاه كَثُرَتْ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ قَلِيلًا. قَوْله ﷺ (مَشْفُوهًا قَلِيلًا) أَيْ: قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث: الْحَثّ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَالْمُوَاسَاة فِي الطَّعَام، لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ صَنَعَهُ أَوْ حَمَلَهُ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَ حَرّه وَدُخَانه، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ نَفْسه، وَشَمَّ رَائِحَته، وَهَذَا كُلّه مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب. (نووي). قال الحافظ ﵀: ولَيْسَ فِي الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ (أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ) إِلْزَامٌ بِمُؤَاكَلَةِ الْخَادِمِ، بَلْ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَأْثِرَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، بَلْ يُشْرِكَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَكِنْ بِحَسَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ شَرّ عينه، وَقد نقل ابن الْمُنْذِرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَاجِبَ إِطْعَامُ الْخَادِمِ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ مِثْلَهُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأُدْمِ وَالْكِسْوَةِ وَأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِالنَّفِيسِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُ الْخَادِمَ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " انتهى. • اذكر مظاهر رحمته ﷺ بالخدم؟ أنس بن مالك ﵁ حين قال: (خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فوالله ما قال أف قط، وما قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله؟). وقال ﵁: خدمتُ رسولَ الله ﷺ عشرَ سنين، فما سبَّني سبَّةً قط، ولا ضربني ضربةً، ولا انتهرني، ولا عبَس في وجهي، ولا أمرني بأمر فتوانيتُ فيه فعاتبني عليه، فإن عاتبني أحدٌ من أهله قال: (دَعُوه، فَلَوْ قُدِّرَ شَيءٌ كَانَ). وقد أوصى بالخدم رحمةً بهم:

стр. 2133

فعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم). وأمر بمؤاكلتهم أو إعطائهم من الطعام الذي يقدمونه. لحديث الباب. وحث ﷺ على العفو عن أخطاء الخدم المعتادة: روى أبو داود عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ، قَالَ: (اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً). وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي خَادِمًا يُسِيءُ وَيَظْلِمُ أَفَأَضْرِبُهُ، قَالَ: (تَعْفُو عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً) رواه أحمد. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - الحث على التواضع. - جواز استخدام الغير. - جبر الخواطر، لقوله (فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ) وفي ذلك فائدتين: الأولى: التواضع. الثانية: جبر خاطر الخادم. (ابن عثيمين).

стр. 2134

١١٥٧ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄; عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (عُذِّبَتْ اِمْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلْتِ اَلنَّارَ فِيهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا، تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ اَلْأَرْضِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (عُذِّبَتْ اِمْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ) أي: بسبب هرة، وذكر الحافظ ابن حجر في (الفتح) أنه لم يقف على اسمها ووقع في رواية أنها حميرية، وفي أخرى أنها من بني إسرائيل قال: ولا تضاد بينهما، لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة، وإلى قبيلتها أخرى. وجاء في البخاري من حديث ابن أبي مُليكة، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄: أنّ النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف، فقال: «دَنت مني النار حتى قلت، أي ربّ، وأنا معهم، فإذا امرأة حسبت أنه قال: تخدشها هرة. قال: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعاً). وفي رواية ابن حبان من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو (وعُرضت عليّ النار فلولا أني دفعتها عنكم لغشيتكم، ورأيت فيها ثلاثة يعذبون: امرأة حِميرية سوداء طويلة تعذب في هرة لها أوثقتها، فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ولم تطعمها حتى ماتت، فهي إذا أقبلت تنهشها وإذا أدبرت تنهشها). (خَشَاشِ اَلْأَرْضِ) المراد به هوام الأرض وحشراتها كالفأرة ونحوها. • هل هذه المرأة مسلمة أو كافرة؟ قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: ظاهر الحديث أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بسبب الهرة. وذكر القاضي: أنه يجوز أنها كافرة عذبت بكفرها، وزيد في عذابها بسبب الهرة، واستحقت ذلك لكونها ليست مؤمنة تغفر صغائرها باجتناب الكبائر. قال النووي: هذا كلام القاضي. وصوب ما قدم من أنها مسلمة وتعقب كلام القاضي بقوله: وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة، وليس في الحديث أنها تخلد في النار. انتهى. قال الحافظ في (الفتح): ويؤيد كونها كافرة ما أخرجه البيهقي في (البعث والنشور) وأبو نعيم في (تاريخ أصبهان) من حديث عائشة، وفيه قصة لها مع أبي هريرة، وهو بتمامه عند أحمد. انتهى. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: وجوب إنفاق الإنسان على الحيوان من ماء وعلف ودواء وما يحتاج إليه، وقد تقدمت المسألة.

стр. 2135

• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - هذا الحديث أصل في احترام الإنسان والمحافظة على حياته، وفيه وعيد شديد من الله لمن آذى عباده؛ لأن الإنسان أكرم عند الله من الحيوان. وانظر إلى فقه الإمام الزهري ﵀ حيث روى مسلم في (صحيحه) من حديث معمر قال: قال لي الزهري: ألا أحدثك بحديثين عجيبين، قال الزهري: أخبرني حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال: إذا أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم أذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر عليّ ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه به أحداً. قال: ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب أو قال مخافتك، فغفر له بذلك». قال الزهري: وحدثني حميد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلاً». قال الزهري: "ذلك لئلا يتّكل رجل ولا ييأس رجل". هذا هو فقه الزهري لهذه الأحاديث: لئلا يتكّل رجل على رحمة الله فيظن أنه بفعله لن ينال عذابه، ولئلا ييأس رجل من رحمته فيظن أنه لن يغفر له. وانظر إلى الصورة المقابلة لهذا الحديث: حديث عظيم آخر في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «بينما كلبٌ يطيف برَكِيّة كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته، فغفر لها به». فهما امرأتان: الأولى لم يُذكر أنها عصت، ولكنها حبست الهرة وماتت من الجوع، فغضب الله عليها، وأدخلها بسبب ذلك النار، والثانية بغي لها معصية، ولكنها سقت الكلب، فشكر الله لها فغفر لها وأدخلها الجنة. - التحذير من أسباب دخول النار. - جواز اتخاذ الهرة في البيت. - تحريم تعذيب الهرة وغيرها من الحيوان الذي لا يؤذي. - أن تعذيب الإنسان بغير حق يحرم من باب أولى. - أنه لا مانع من حبس الهرة في البيت بشرط سقيها وإطعامها. - أن الجزاء من جنس العمل فكما عذبت المرأة الهرة بحبسها وإهمالها عذبت بدخولها النار. - أنه لا يجب إطعام الهر إلا عند حبسه. - تفخيم شأن الذنب ولو كان صغيراً، وأن الإصرار على الصغائر يلحقها بالكبائر. - الإيمان بالغيب. - إثبات وصول عذاب النار إلى مستحقه قبل يوم القيامة. - التنبيه على العناية بالسجناء والإحسان إليهم. - أن النار موجودة الآن. - وجوب سقي وإطعام السجين على من سجنه. - أن الإنسان إذا لم يحصل منه الإحسان فلا أقل من الابتعاد عن الإساءة. الثلاثاء: ١١/ ٣/ ١٤٣٧ هـ

стр. 2136

كتاب الجنايات باب الديات - باب القسامة - باب قتال أهل البغي - باب قتل المرتد

стр. 2137

كِتَابُ اَلْجِنَايَاتِ تعريفها: لغة: جمع جناية وهي التعدي على مال أو عرض أو بدن كما قال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم … ). واصطلاحاً: هي التعدي على البدن خاصة بما يوجب القود أو الدية. فالسرقة (اصطلاحاً) لا تسمى جناية، والتعدي على العرض لا تسمى جناية على هذا الاصطلاح. ١١٥٨ - عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ دَمُ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ; يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اَللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ١١٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ اَلْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنْ اَلْأَرْضِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم. ١١٦٠ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ اَلنَّاسِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِي اَلدِّمَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (لَا يَحِلُّ دَمُ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ) أي: لا يجوز سفك دم مسلم، يعني قتله. (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أي: إلا بسبب إحدى ثلاث خصال. (اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي) المراد به: المكلف الحر الذي وطاء في نكاح صحيح ولو طلقها، والأنثى مثله، فيه إثبات قتل الزاني المحصن، والمراد رجمه بالحجارة حَتَّى يموت، وهذا بإجماع المسلمين. (وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أي: قاتل النفس يقتل في مقابلة النفس التي قتلها، والمراد متعمداً لحديث عائشة الذي بعده (وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ)، وَقَدْ يستدل به أصحاب أبي حنيفة ﵏ فِي قولهم: يُقتل المسلم بالذمي، ويقتل الحر بالعبد، وجمهور العلماء عَلَى خلافه، منهم مالك، والشافعي، والليث، وأحمد. قاله النوويّ. (وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) أي: المرتد، وهو عام فِي كل مُرتدّ عن الإِسلام بأي رِدَّة كانت، فيجب قتله، إن لم يرجع إلى الإِسلام.

стр. 2138

• ماذا نستفيد من أحاديث الباب؟ نستفيد تحريم قتل المسلم بغير حق، وقد كثرت النصوص في تحريم ذلك وأنه من الكبائر. قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ … ). وقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً). وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَات). متفق عليه وعن ابن مسعود. قال: قال ﷺ (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) متفق عليه. وقال ﷺ (لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) رواه الترمذي. وقال ﷺ (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) متفق عليه. وعن ابن مسعود. قال (سئل رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك؟ قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك … ) متفق عليه. وقال ﷺ (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري. وقال ﷺ (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، .... ) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً). رواه البخاري قال ابن القيم: هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهد وأمانة، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟ وإذا كانت امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً وعطشاً، فرآها النبي في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمناً حتى مات بغير جرم؟ فائدة: أن القتل يكون أعظم إذا قتل ولده خشية أن يطعم معه. لأن في ذلك: ضعف دين، وقسوة قلب، وقلة رحمة، وشك بالله، وجهل، وخبث طبع، وبخل. قال تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) أي فقر (نحن نرزقهم وإياكم).

стр. 2139

• متى يحل دم المسلم؟ يحل بإحدى ثلاث التي ذكرها النبي ﷺ : (اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي) فإنه يرجم، وهذا باتفاق، بخلاف البكر الزاني. (وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) إذا قتل معصوماً عمداً فإنه يقتل. (وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَة) المرتد فإنه يقتل لقوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه). • ما معنى قوله تعالى ( .. أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً)؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: المعنى من قتل نبياً أو إمام عادل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقيل: من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً. وقيل: المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقيل غير ذلك. قال ابن القيم: إن هذا تشبيه ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه مثل المشبه به في كل شيء، فإن من المعلوم قطعاً أن إثم من قتل مائة أعظم من إثم من قتل نفساً واحدة، فليس المراد التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة وإنما كون كل منهما: أولاً: عاص لله ولرسوله، مخالف لأمره متعرض لعقوبته. ثانياً: أنهما سواء في استحقاق القصاص. ثالثاً: أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام. رابعاً: أن كلاً منهما يسمى فاسقاً عاصياً بقتله نفساً واحدة.

стр. 2140

• ما عقيدة أهل السنة في القاتل عمداً؟ القاتل عمد: مسلم وليس بكافر، لكنه مسلم ناقص الإيمان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) والشاهد قوله (من أخيه) فأثبت الله له وصف الأخوة وهي الأخوة الإيمانية مع أنه قاتل. وقال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا … ) فسمى الله الفئة العادلة والفئة الباغية مؤمنين. • هل للقاتل عمداً توبة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن القاتل عمداً لا توبة له. وهذا مذهب ابن عباس. أ- لقوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً). ب- عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ: عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ (يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا يَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا وَمَا نَسَخَهَا) رواه النسائي. ج- وعن معاوية. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) رواه أحمد. القول الثاني: أن القاتل عمداً له توبة. وهذا قول جماهير العلماء. قال النووي: هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس. وقال ابن قدامة: وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم، وقال ابن عباس: إن توبته لا تقبل. وقال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، فإذا تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات.
следующие страницы →