Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
كتاب الجنايات
باب الديات - باب القسامة - باب قتال أهل البغي - باب قتل المرتد
стр. 2137
كِتَابُ اَلْجِنَايَاتِ
تعريفها:
لغة: جمع جناية وهي التعدي على مال أو عرض أو بدن كما قال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم … ).
واصطلاحاً: هي التعدي على البدن خاصة بما يوجب القود أو الدية.
فالسرقة (اصطلاحاً) لا تسمى جناية، والتعدي على العرض لا تسمى جناية على هذا الاصطلاح.
١١٥٨ - عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ دَمُ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ; يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اَللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
١١٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ اَلْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنْ اَلْأَرْضِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم.
١١٦٠ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ اَلنَّاسِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِي اَلدِّمَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَا يَحِلُّ دَمُ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ) أي: لا يجوز سفك دم مسلم، يعني قتله.
(إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أي: إلا بسبب إحدى ثلاث خصال.
(اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي) المراد به: المكلف الحر الذي وطاء في نكاح صحيح ولو طلقها، والأنثى مثله، فيه إثبات قتل الزاني المحصن، والمراد رجمه بالحجارة حَتَّى يموت، وهذا بإجماع المسلمين.
(وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أي: قاتل النفس يقتل في مقابلة النفس التي قتلها، والمراد متعمداً لحديث عائشة الذي بعده (وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ)، وَقَدْ يستدل به أصحاب أبي حنيفة ﵏ فِي قولهم: يُقتل المسلم بالذمي، ويقتل الحر بالعبد، وجمهور العلماء عَلَى خلافه، منهم مالك، والشافعي، والليث، وأحمد. قاله النوويّ.
(وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) أي: المرتد، وهو عام فِي كل مُرتدّ عن الإِسلام بأي رِدَّة كانت، فيجب قتله، إن لم يرجع إلى الإِسلام.
стр. 2138
• ماذا نستفيد من أحاديث الباب؟
نستفيد تحريم قتل المسلم بغير حق، وقد كثرت النصوص في تحريم ذلك وأنه من الكبائر.
قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)
وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ … ).
وقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَات). متفق عليه
وعن ابن مسعود. قال: قال ﷺ (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) متفق عليه.
وقال ﷺ (لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) متفق عليه.
وعن ابن مسعود. قال (سئل رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك؟ قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك … ) متفق عليه.
وقال ﷺ (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري.
وقال ﷺ (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، .... ) رواه البخاري.
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً). رواه البخاري
قال ابن القيم: هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهد وأمانة، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟ وإذا كانت امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً وعطشاً، فرآها النبي في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمناً حتى مات بغير جرم؟
فائدة: أن القتل يكون أعظم إذا قتل ولده خشية أن يطعم معه.
لأن في ذلك: ضعف دين، وقسوة قلب، وقلة رحمة، وشك بالله، وجهل، وخبث طبع، وبخل.
قال تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) أي فقر (نحن نرزقهم وإياكم).
стр. 2139
• متى يحل دم المسلم؟
يحل بإحدى ثلاث التي ذكرها النبي ﷺ :
(اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي) فإنه يرجم، وهذا باتفاق، بخلاف البكر الزاني.
(وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) إذا قتل معصوماً عمداً فإنه يقتل.
(وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَة) المرتد فإنه يقتل لقوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه).
• ما معنى قوله تعالى ( .. أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً)؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: المعنى من قتل نبياً أو إمام عادل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً.
وقيل: من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً.
وقيل: المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقيل غير ذلك.
قال ابن القيم: إن هذا تشبيه ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه مثل المشبه به في كل شيء، فإن من المعلوم قطعاً أن إثم من قتل مائة أعظم من إثم من قتل نفساً واحدة، فليس المراد التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة وإنما كون كل منهما:
أولاً: عاص لله ولرسوله، مخالف لأمره متعرض لعقوبته.
ثانياً: أنهما سواء في استحقاق القصاص.
ثالثاً: أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام.
رابعاً: أن كلاً منهما يسمى فاسقاً عاصياً بقتله نفساً واحدة.
стр. 2140
• ما عقيدة أهل السنة في القاتل عمداً؟
القاتل عمد: مسلم وليس بكافر، لكنه مسلم ناقص الإيمان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.
لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) والشاهد قوله (من أخيه) فأثبت الله له وصف الأخوة وهي الأخوة الإيمانية مع أنه قاتل.
وقال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا … ) فسمى الله الفئة العادلة والفئة الباغية مؤمنين.
• هل للقاتل عمداً توبة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن القاتل عمداً لا توبة له.
وهذا مذهب ابن عباس.
أ- لقوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).
ب- عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ: عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ (يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا يَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا وَمَا نَسَخَهَا) رواه النسائي.
ج- وعن معاوية. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) رواه أحمد.
القول الثاني: أن القاتل عمداً له توبة.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال النووي: هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس.
وقال ابن قدامة: وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم، وقال ابن عباس: إن توبته لا تقبل.
وقال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، فإذا تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات.
стр. 2141
أ- لقوله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) إلى قوله تعالى (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).
ب- ولقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
قال ابن كثير: فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك.
ج-ولقوله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
قالوا: فهذا عام في جميع الذنوب، من كفر، وشرك، ونفاق، وقتل، وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذنب تاب الله عليه.
د-ولحديث أبي سَعيد. أنّ نَبِيَّ الله ﷺ قَالَ (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ) مُتَّفَقٌ عليه.
قالوا: وإذا كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم.
هـ- وقالوا: إذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر - وهما أعظم إثماً من القتل - فكيف تقصر عن محو أثر القتل.
وهذا القول هو الصحيح.
لكن يبقى النظر في القتيل، كيف يستوفي حقه؟ وقد وجه ابن القيم ذلك بقوله:
قال ابن القيم: والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق:
حق لله، وحق للمظلوم المقتول، وحق للولي، فإذا سلّم القاتل نفسه طوعاً واختياراً إلى الولي، ندماً على ما فعل، وخوفاً من الله، وتوبة نصوحاً: يسقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح، أو العفو، وبقى حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حق هذا، ولا تبطل توبة هذا. (الجواب الكافي).
ونقله المرداوي في (تصحيح الفروع) وقال: " وتبع في ذلك الشيخ تقي الدين فإنه فصل هذا التفصيل واختاره، وهو الصواب الذي لا شك فيه.
стр. 2142
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والعمد فيه ثلاثة حقوق:
الأول: حق الله، وهذا يسقط بالتوبة
الثاني: حق أولياء المقتول، ويسقط بتسليم نفسه لهم
الثالث: حق المقتول، وهذا لا يسقط؛ لأن المقتول قد قتل وذهب، ولكن هل يؤخذ من حسنات القاتل، أو أن الله تعالى بفضله يتحمل عنه؟ الصواب: أن الله بفضله يتحمل عنه إذا علم صدق توبة هذا القاتل. (الشرح الممتع).
وقال الشوكاني: والتوبة النافعة ههنا هي الاعتراف بالقتل عند الوارث، إن كان له وارث، أو السلطان إن لم يكن له وارث، والندم على ذلك الفعل، والعزم على ترك العود إلى مثله، لا مجرد الندم والعزم بدون اعتراف وتسليم للنفس أو الدية إن اختارها مستحقها؛ لأن حق الآدمي لا بد فيه من أمر زائد على حقوق الله، وهو تسليمه، أو تسليم عوضه، بعد الاعتراف به.
(نيل الأوطار).
• فإن قيل ما الجواب عن قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)؟
قيل: إن الآية على ظاهرها، لكن قد يوجد مانع يمنع من ذلك.
وهذا اختيار النووي، وابن تيمية، وابن القيم، والسفاريني، والسعدي.
وقيل: إن هذا جزاؤه إن جازاه.
وهذا اختيار الطبري، والشنقيطي، واستحسنه ابن كثير.
قال الطبري: وَأَوْلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ إِنْ جَزَاهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَلَكِنَّهُ يَعْفُو أَوْ يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، فَلَا يُجَازِيهِمْ بِالْخُلُودِ فِيهَا، وَلَكِنَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ بِفَضْلِهِ فَلَا يُدْخِلُهُ النَّارَ، وَإِمَّا أَنْ يُدْخِلَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ يُخْرِجَهُ مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِمَا سَلَفَ مِنْ وَعْدِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
وقيل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح.
وذهب إلى هذا الواحدي.
وقيل: حمل الآية على عمومها، وتفسير الخلود بمعنى: المكث الطويل، اعتماداً على ما ورد في كلام العرب من إطلاق الخلود على غير معنى التأبيد، كقولهم: لأخلدن فلاناً في السجن، وقولهم: خلد الله ملكه.
ورجح هذا القول ابن حزم، ومحمد رشيد رضا، وابن عثيمين، وذهب إليه الرازي، وأبو السعود.
وقيل: إن الآية للتشديد والتخويف والتغليظ في الزجر عن قتل المؤمن.
وقيل: إن هذه الآية في القاتل المستحل.
وقال بهذا عكرمة.
стр. 2143
• اذكر أنواع القتل؟
القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
قتل عمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ.
وعلى هذا التقسيم أكثر العلماء.
ويدل لهذا التقسيم قوله ﷺ (ألا إن دية الخطأ وشبه العمد ما كان بالعصا والسوط، مائة من الإبل، منها أربعون في بطون أولادها) رواه أبوداود.
ويدل عليه حديث أبي هريرة قال (اقتتلت امرأتان من هذيْل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمَة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها) متفق عليه.
فالحديث يدل على أن القتل في هذه الحال كان شبه عمد، ولم يكن عمداً، لأنه لا ذكر للقصاص فيه، ولم يكن خطأ، لأن الضرب على ذلك الوجه لا يكون خطأ.
وذهب الإمام مالك إلى أن القتل ينقسم إلى قسمين: خطأ وعمد.
واستدلوا: بأنه لم يذكر في القرآن إلا العمد والخطأ.
فالعمد في قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) والخطأ في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا).
الأول: قتل العمد.
تعريفه: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
قوله (أن يقصد) أي لا بد أن يكون للقاتل قصداً، وأما الصغير والمجنون فعمدهما خطأ، لأنها ليس لهما قصد صحيح.
قوله (من يعلمه آدمياً) فلا يظنه صيداً ولا هدفاً ولا غير ذلك.
قوله (معصوماً) أي معصوم الدم فليس من المحاربين للإسلام،
والآدمي المعصوم أربعة أصناف:
المسلم.
والذمي: وهو من بين قومه وبين المسلمين عقد ذمة، أي: أنهم يدفعون الجزية للمسلمين.
والمستأمن: وهو الحربي الذي يدخل بلاد المسلمين بأمان من الإمام أو نائبه، فيؤمَّن حتى يسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه.
والمعاهد: وهو من بين قومه وبين المسلمين عهد، أي: صلح.
قوله (فيقتله بما يغلب على الظن موتُه به) لا بد أن تكون الجناية بما يغلب على الظن أنها تقتل، مثل أن يضربه بسيف أو يرميه بسهم ونحو ذلك مما يغلب على الظن أنه يقتله به.
стр. 2144
• لو ادعى القاتل أنه لم يقصد القتل؟ فلا يقبل قوله إلا ببينة.
• من صور القتل العمد:
أن يضربه بمحدد: وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين.
أن يضربه بحجر كبير ونحوه: أي بمثقل، لا بحجر صغير، لأن الحجر الصغير لا يقتل غالباً.
ويدل على أن القتل بالمثقل من القتل العمد، حديث أنس (أن يهودياً رض رأس جارية .... الحديث: فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين).
أن يلقيه من شاهق أو في نار أو يلقي عليه حائط.
أن يخنقه بحبل.
أو يقتله بسحر يقتل غالباً، قال في المغني (فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالباً فأشبه ما لو قتله بسكين).
أن يقتله بسم: بأن يطعمه السم.
• وعمد الصبي والمجنون خطأ.
وهذا باتفاق أهل العلم، فإذا قتل الصبي متعمداً وكذلك المجنون فهو في حكم الخطأ.
أ- لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: … عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ) رواه أبو داود.
ب- الإجماع.
قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون.
ج - ولأنهما لا قصد لهما.
(ففيه الدية والكفارة، فالدية تكون في مال العاقلة، والكفارة تكون في مالهما).
• اختلف العلماء إذا أذِنَ المجني عليه للجاني بقتله، فهل هذا من العمد؟
القول الأول: هذا قتل عمد ويجب فيه القود.
وهذا قول المالكية.
قالوا: بأنه إذْنٌ في غير محله، فكأنه غير موجود، لأن الإنسان لا يملك نفسه فضلاً عن أن يأذن لغيره أن يقتله.
القول الثاني: شبه عمد.
وهذا قول الأحناف.
قالوا: إن قصد الاعتداء والقتل موجود، ولكن وجود الإذن شبهة تمنع من إلحاقه بالقتل العمد.
القول الثالث: أن هذا القتل فيه الإثم، ولا قصاص فيه ولا دية.
وهذا قول الشافعية والحنابلة.
قالوا: لأن القصاص والدية شرعاً لحق المجني عليه وقد تنازل عن حقه.
والراجح الأول.
стр. 2145
• ماذا يجب في القتل العمد؟
يجب بالقتل العمد: القود أو الدية، يخير الولي بينهما.
فيخير الولي بين القصاص أو الدية، إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا إلى غير شيء.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُودَ وإما أن يقاد) متفق عليه.
وفي حديث آخر ( … فأهله بين خيرين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية) رواه أبوداود.
• والعفو مجاناً أفضل.
لقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).
وقال ﷺ (ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً) رواه مسلم.
وعن أنس. قال (ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) رواه أبوداود.
• وإن صالح القاتل عن القود بأكثر من الدية جاز.
مثال: إذا كانت الدية مثلاً مائة ألف، فقال الولي: أنا لا أقبل إلا مائتي ألف، أو مليون مثلاً فرضي القاتل بذلك فله الحق بذلك.
لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أن رسول الله ﷺ قال (من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية، .. وما صولحوا عليه فهو لهم) رواه الترمذي.
• والدية في قتل العمد مغلظة من ثلاثة أوجه:
أولاً: أنها تكون في مال الجاني.
قال الموفق: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القتل.
ثانياً: أن تكون أثلاثاً من الإبل: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة.
ثالثاً: أن الدية تكون حالة غير مؤجلة.
الثاني: شبه العمد.
وتعريفه: أن يقصد جناية لا تقتل غالباً في غير مقتل.
كمن ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة.
- قلنا (في غير مقتَل) لأن الضرب بمقتل ولو كان بشيء صغير حقير فإنه يعتبر قتل عمد كالقلب أو من النخاع.
- سمي بذلك: لتردده بين هذين النوعين (الخطأ والعمد).
- فالفرق بين القتل العمد وشبه العمد:
أنهما يشتركان في قصد الجناية، ويختلفان في الآلة التي حصلت الجناية بها.
стр. 2146
• اذكر الفرق بين القتل العمد والقتل شبه العمد؟
أولاً: أن القصد في القتل العمد هو إزهاق روح المجني عليه، أما في شبه العمد فالقصد هو الضرب دون القتل، فيقصد الجاني ضرب المجني عليه بما لا يقتل غالباً.
ثانياً: الآلة.
أن الآلة المستخدمة في القتل العمد يغلب على الظن موت المجني عليه بها، كأن يقتله بسيف أو سكين أو بخنجر كبير يقتل غالباً، أما في شبه العمد فإن الآلة فيه لا تقتل غالباً كأن يضربه بخشبة صغيرة.
ثالثاً: الموجَب.
موجب القتل العمد هو القود أو الدية، والقود هو قتل القاتل لمن قتله، وأما موجب قتل شبه العمد فهو الدية.
رابعاً: الدية.
الدية في القتل العمد تجب في مال القاتل فلا تحملها العاقلة، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، أما الدية في شبه العمد فلا تجب في مال القاتل، بل تحملها العاقلة. (وسيأتي تعريف العاقلة).
خامساً: تأجيل الدية.
ذهب جمهور العلماء إلى أن الدية في القتل العمد تجب حالة غير مؤجلة أو مقسطة إلا برضا ولي الدم، لأن الجاني قد ارتكب جريمة القتل باختياره والواجب فيه القصاص حالاً، والدية بدل القصاص فتكون حالة، وأما دية شبه العمد فإنها مؤجلة، قال ابن قدامة: … ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافاً بين أهل العلم.
وذلك تخفيفاً على الجاني، لأنه لم يقصد القتل، وصفة التأجيل أنها توزع على ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها.
سادساً: الكفارة.
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب في القتل العمد كفارة، لأن القتل العمد أعظم من أن تمحوها الكفارة، أما القتل شبه العمد فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى وجوب الكفارة على القاتل.
سابعاً: العقاب الأخروي.
فإن الله توعد قاتل العمد بقوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)، وأما شبه العمد، فهو وإن كان القاتل آثماً فإنه لا يدخل في هذا الوعيد.
стр. 2147
الثالث: قتل الخطأ.
تعريفه: وهو أن يفعل ما يباح له فعله، مثل أن يرمي صيداً أو هدفاً فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده فيقتله.
بمباشرة: كأن يرمي صيداً فيصيب آدمياً.
بسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس فيقع فيها إنسان.
• ما الحكم لو فعل ما لا يباح له (كقتل شاة الغير عدواناً وانتقاماً) فأصاب إنساناً فقتله؟ (هو لم يقصد قتل الآدمي لكنه قصد قتل البهيمة).
فقيل: يكون عمداً.
لأنه فعل ما لا يباح له.
وقيل: خطأ.
وهو الصواب.
• ما الذي يوجبه قتل الخطأ؟
قتل الخطأ وكذلك القتل شبه العمد يوجب أمران:
الأول: الكفارة. (عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين).
كما قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا … إلى قوله تعالى: فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
الثاني: الدية وتكون على عاقلة القاتل.
لقوله تعالى ( … وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا).
- ليس كل خطأ يتسبب به الإنسان يتحمل مسؤوليته، فالقتل الخطأ لا يترتب عليه أثره ولا يتحمل الإنسان مسؤوليته إلا إذا فرط أو تعدى.
فوائد:
قال النووي: قَوْله ﷺ (أَوَّل مَا يُقْضَى بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء) فِيهِ تَغْلِيظُ أَمْر الدِّمَاء، وَأَنَّهَا أَوَّل مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة، وَهَذَا لِعِظَمِ أَمْرهَا وَكَثِير خَطَرهَا، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُور فِي السُّنَن: " أَوَّل مَا يُحَاسَب بِهِ الْعَبْد صَلَاته "؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي فِيمَا بَيْن الْعَبْد وَبَيْن اللَّه تَعَالَى، وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَهُوَ فِيمَا بَيْن الْعِبَاد. وَاللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ.
وقال الحافظ ابن حجر: [ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته) الحديث أخرجه أصحاب السنن لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: (أول ما يحاسب العبد عليه صلاته وأول ما يقضي بين الناس في الدماء)] فتح الباري ١١/ ٤٨٢.
стр. 2148
١١٦١ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ اَلْحَسَنِ اَلْبَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: - وَمَنْ خَصَى عَبْدُهُ خَصَيْنَاهُ -. وَصَحَّحَ اَلْحَاكِمُ هَذِهِ اَلزِّيَادَةَ.
===
(قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ) دليل لمن قال يقتل الحر بالعبد.
(وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ) أي: قطع أنفه.
(جَدَعْنَاهُ) أي: عاقبناه بمثل ما فعل.
(وَمَنْ خَصَى عَبْدُهُ خَصَيْنَاهُ) أي: أن منْ اعتدى عَلَى عبده، فخصاه، نعاقبه بمثل ما اعتدى، فنخصيه، كما خصاه.
• ما صحة حديث الباب؟
حديث الباب لا يصح.
• هل يقتل الحر بالعبد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يقتل الحر بالعبد.
وهذا قول جماهير العلماء.
فهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى).
وجه الدلالة: أن قوله (الحر بالحر) يفيد الحصر، أي: لا يقتل الحر إلا بالحر، ومفهوم ذلك عدم قتل الحر بالعبد.
ب-وعن ابن عباس. عن النبي ﷺ قال (لا يقتل حر بعبد) رواه الدارقطني لكنه ضعيف.
ج-وعن علي (من السنة: أن لا يقتل حر بعبدٍ) أخرجه ابن أبي شيبة وسنده لا يصح.
د- ولأن العبد لا يكافاء الحر، فإنه منقوص بالرق.
القول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد.
وهذا قول داود الظاهري وبعض السلف، واختاره ابن تيمية.
لعموم الأدلة في وجوب القصاص.
كقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
стр. 2149
ولقوله ﷺ (المؤمنون تتكافأ دماؤهم) رواه أبوداود.
فدل الحديث على أن دماء المؤمنين متكافئة، وأن العبرة بأصل الإيمان، وليست العبرة بالحرية أو الرق.
وهذا قول قوي، لقوة أدلته.
قال ابن قدامة: فصل: (ولا حر بعبد) وروي هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير، ﵃. وبه قال الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.
ويروى عن سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي، أنه يقتل به.
لعموم الآيات والأخبار، لقول النبي ﷺ (المؤمنون تتكافأ دماؤهم).
ولأنه آدمي معصوم، فأشبه الحر.
ولنا، ما روى الإمام أحمد، بإسناده عن علي، ﵁ أنه قال: (من السنة أن لا يقتل حر بعبد).
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (لا يقتل حر بعبد). رواه الدارقطني.
ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة، فلا يقتل به، كالأب مع ابنه.
ولأن العبد منقوص بالرق، فلم يقتل به الحر. (المغني).
• هل يقتل العبد بالحر؟
نعم، بالاتفاق.
стр. 2150
١١٦٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا يُقَادُ اَلْوَالِدُ بِالْوَلَدِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْجَارُودِ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ اَلتِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث ورد من طرق متعددة، وبألفاظ متقاربة يثبت بمجموعها، وقد صححه الحاكم في المستدرك، والسيوطي في الجامع الصغير، والألباني.
وضعفه جمع من أهل العلم.
قال ابن عبد البر: هذا حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغني بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفاً.
وقال الجصاص: وهذا خبر مستفيض مشهور.
• هل يقاد للوالد إذا قتل ولده؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يقتل الوالد بولده.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث الباب (لا يقاد الوالد بالولد).
ب- ولأن الأب سبب لوجود الولد فلا يكون الولد سبباً لإعدامه.
ج- ولعموم الأدلة الموجبة لبر الوالدين، والإحسان إليهما.
د- أن الحدود تدرأ بالشبهات وقد قال النبي ﷺ (أنت ومالك لأبيك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه فإذا لم يكن ذلك على حقيقته فلا أقل من أن يكون شبهة تدرأ الحد.
القول الثاني: يقتل الوالد بولده.
وهذا قول داود الظاهري، وابن المنذر.
стр. 2151
لعموم الأدلة في وجوب القصاص من القاتل، وعدم ورود ما يقوَى على تخصيصها.
وقالوا: وأما التعليل بأن الوالد سبب إيجاد الولد فلا يكون سبباً في إعدامه، فهو مردود، فإن الولد لم يكن سبباً في إعدامه، بل هو سبب إعدام نفسه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " والدليل الحديث المشهور: «لا يقتل والد بولده»، هذا من الأثر، ومن النظر: أن الوالد سبب في إيجاد الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببا في إعدامه.
ولننظر في هذه الأدلة، أما الحديث فقد ضعفه كثير من أهل العلم، فلا يقاوم العمومات الدالة على وجوب القصاص، وأما تعليلهم النظري، فالجواب عنه أن الابن ليس هو السبب في إعدام أبيه، بل الوالد هو السبب في إعدام نفسه بفعله جناية القتل.
والصواب: أنه يقتل بالولد، والإمام مالك ﵀ اختار ذلك، إلا أنه قيده بما إذا كان عمدا، لا شبهة فيه إطلاقا، بأن جاء بالولد وأضجعه وأخذ سكينا وذبحه، فهذا أمر لا يتطرق إليه الاحتمال، بخلاف ما إذا كان الأمر يتطرق إليه الاحتمال فإنه لا يقتص منه، قال: لأن قتل الوالد ولده أمر بعيد، فلا يمكن أن نقتص منه إلا إذا علمنا علم اليقين أنه أراد قتله.
والراجح في هذه المسألة: أن الوالد يقتل بالولد، والأدلة التي استدلوا بها ضعيفة لا تقاوم النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على العموم، ثم إنه لو تهاون الناس بهذا لكان كل واحد يحمل على ولده، لا سيما إذا كان والدا بعيدا، كالجد من الأم، أو ما أشبه ذلك ويقتله ما دام أنه لن يقتص منه. (الشرح الممتع).
وقول الجمهور أرجح.
- ويقتل الولد بوالده، قال في المغني: هذا قول عامة أهل العلم لعموم الأدلة الدالة على وجوب القصاص.
• هل الأم كالأب في هذا؟
نعم، فلا تقتل بابنها.
قال ابن قدامة: والأم في ذلك كالأب، هذا الصحيح من المذهب وعليه العمل عند مسقطي القصاص عن الأب.
ثم قال ﵀ مدللاً لهذا القول:
لقول النبي ﷺ (لا يقتل والد بولده).
ولأنها أحد الوالدين، فأشبهت الأب.
ولأنها أولى بالبر، فكانت أولى بنفي القصاص عنها.
والولاية غير معتبرة بدليل انتفاء القصاص عن الأب بقتل الكبير الذي لا ولاية عليه، وعن الجد، ولا ولاية له، وعن الأب المخالف في الدين، أو الرقيق. (المغني).
стр. 2152
• هل يقتل الجد إذا قتل ولد ولده؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يقتص من الجد بقتل حفيده.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال في الحاوي: ولا يقتل الجد بابن ابنه.
وقال ابن قدامة في المغني: والجد وإن علا كالأب في هذا، وسواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم، في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب.
أ- لحديث الباب.
وجه الاستدلال: أن الجد يعد والداً وأباً فيدخل في عموم هذا النص.
ب- أن عدم القصاص من الأب سببه الولادة، فاستوى فيه من كانت ولادته قريبة، ومن كانت بعيدة كالجد، وذلك كالمحرمية.
ج- أن الأب يشارك الجد في كثير من الأحكام، ولذلك كان مثله هنا في عدم الاقتصاص منه.
القول الثاني: أنه يقتص من الجد إذا قتل ولد ولده.
وهذا اختيار ابن تيمية.
واستدلوا: بأن الأصل القصاص من كل قاتل إلا ما ورد استثناؤه وتخصيصه بحكم من الشارع، وقد جاءت السنة بأنه لا يقتل الأب بولده، وقياس الجد على الأب في عدم القصاص منه بعيد لا يصح فيبقى على الأصل وهو القصاص.
والراجح الأول.
فائدة:
قال ابن قدامه ﵀: ولو قتل أحد الأبوين صاحبه، ولهما ولد، لم يجب القصاص; لأنه لو وجب: لوجب لولده، ولا يجب للولد قصاص على والده; لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه، فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى …
فإن لم يكن للمقتول ولد منهما، وجب القصاص، في قول أكثر أهل العلم.
وقال الزهري: لا يقتل الزوج بامرأته; لأنه ملكها بعقد النكاح، فأشبه الأمة.
ولنا: عمومات النص، ولأنهما شخصان متكافئان، يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه، فيقتل به، كالأجنبيين. وقوله: إنه ملكها. غير صحيح، فإنها حرة، وإنما ملك منفعة الاستمتاع، فأشبه المستأجرة. (المغني).
стр. 2153
١١٦٣ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: (قُلْتُ لَعَلِيٍّ ﵄: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنْ اَلْوَحْيِ غَيْرَ اَلْقُرْآن؟ قَالَ (لَا وَاَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَبَرَأَ اَلنِّسْمَةَ، إِلَّا فَهْمٌ يُعْطِيهِ اَللَّهُ رَجُلًا فِي اَلْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ اَلصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ اَلصَّحِيفَة؟ قَالَ: "اَلْعَقْلُ، وَفِكَاكُ اَلْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
١١٦٤ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ: مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَ فِيهِ (اَلْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ) وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
===
(وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله السُّوائي، الصحابي المشهور، ويقال له: وهب الخير، وصحب علياً، مات سنة (٧٤).
(هل عندكم) الخطاب لعلي، وساقه بالجمع: إما لإرادته مع بقية أهل البيت، أو للتعظيم، قال العلماء: وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك، لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت، لا سيما علياً أشياء من الوحي، خصهم النبي ﷺ بها، لم يُطلع غيرهم عليها. وقد سأل علياً عن هذه المسألة أيضاً قيس بن عُبَاد، والأشتر النخعي، وحديثهما في سنن النسائي.
(شيء من الوحي غير القرآن) أي شيء مكتوب، وإلا فلا شك أنه كان عنده أكثر مما ذُكر.
(لا) أي: لا شيء عندنا.
(فلق الحبة) أي: شقها وأخرج منها النبات.
(وبرأ) بفتح الباء والراء خلق.
(النَسَمَة) هي النفس. كل دابة فيها روح فهي نسمة.
(إلا فهم) ليس عندنا شيء إلا فهم، والفهم: هو جودة الذهن واستعداده للاستنباط. وجاء في رواية (ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهماً يُعطَى رجلٌ في كتاب) والمعنى: لكن إن أعطى الله رجلاً فهماً في كتابه، فهو يقدر على الاستنباط، وقد روى أحمد بإسناد حسن من طريق طارق بن شهاب. قال (شهدت علياً على المنبر وهو يقول: والله ما عندنا كتاب نقرأه عليكم، إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة).
(وما في هذه الصحيفة) أي: وما في هذه الورقة. (وهذه) كانت في قراب سيفه: القراب: بكسر القاء هو وعاء يوضع به السيف وخمائله، فقد جاء عند النسائي (فأخرج كتاباً من قراب سيفه).
(العقل) هي الدية، والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها.
سميت عقلاً: لأن أولياء القاتل كانوا يأتون بالدية؛ وهي الإبل ويربطونها بالعقال في فناء أولياء المقتول.
(فكاك الأسير) أي: وفيها مل يتعلق بإطلاقه وتخليصه من الأسر والحث على هذا.
стр. 2154
فائدة: قال في الفتح: ووقع للبخاري ومسلم، من طريق يزيد التميمي عن علي قال: ما عندنا شيء نقرأه إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة، فإذا فيها: المدينة حرم … الحديث، ولمسلم عن أبي الطفيل عن علي: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء، لم يعم به الناس كافة، إلا ما في قراب سيفي هذا، وأخرج صحيفة مكتوبة فيها: لعن الله من ذبح لغير الله … الحديث، وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي: فإذا فيها المؤمنون تكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم … ، الحديث، ولأحمد من طريق طارق بن شهاب: فيها فرائض الصدقة، والجمع بين هذه الأحاديث، أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوباً فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه.
(وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ: مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ) ولفظه كاملاً: عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ رضى الله عنه، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟، قَالَ: لَا، إِلاَّ مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا، فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: "الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ، أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِين).
(فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ) بكسر القاف، وتخفيف الراء: هو وعاء يكون فيه السيف بغِمْده، وحمائله.
(اَلْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ) أي: تتساوى دماؤهم فِي القصاص، والديات، والكفء: النظير، والمساوي، ومنه الكفاءة فِي النكاح، والمراد أنه لا فرق بين الشريف والوضيع فِي الدم، بخلاف ما كَانَ عليه الجاهليّة، منْ المفاضلة، وعدم المساواة. (نيل الأوطار).
وقد ترجم النسائي على هذا الحديث: باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس، فقد أخذ من النسائي ﵀ من قوله (اَلْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ) أن الحرّ يُقتل بالعبد؛ لمساواة الدماء.
(وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ) الذمّة، والذّمام: بمعنى: العهد، والأمان، والضمان، والحرمة، والحق: أي إذا أعطى أحدٌ لجيش العدوّ أمانًا جاز ذلك عَلَى جميع المسلمين، وليس لهم أن يُخْفِرُوه، ولا أن ينقضوا عليه عهده. انتهى.
قَالَ الشوكانيّ: يعني أنه إذا أمن المسلم حربيّا، كَانَ أمانه أمانًا منْ جميع المسلمين، ولو كَانَ ذلك المسلم امرأةً، بشرط أن يكون مكلّفًا، فيحرم النكث منْ أحدهم بعد أمانه.
стр. 2155
قال في الفتح: ودخل فِي قوله (أدناهم) كلّ وضيع بالنصّ، وكلّ شريف بالفحوى، فدخل فِي أدناهم المرأة، والعبد، والصبيّ، والمجنون.
(وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) (وَهُمْ يَدٌ) أي قوّة (عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) أي هم مجتمعون عَلَى أعدائهم، لا يسعهم التخاذل، بل يُعاون بعضهم بعضًا عَلَى جميع الأديان والملل، كأنه جعل أيديهم يدًا واحدةً، وفعلَهم فعلاً واحدًا. قاله فِي (النهاية).
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: (وهم يد) أي: اللائق بحالهم أن يكونوا كيد واحدة فِي التعاون، والتعاضد عَلَى الأعداء، فكما أن اليد الواحدة لا يمكن أن يميل بعضها إلى جانب، وبعضها إلى آخر، فكذلك اللائق بشأن المؤمنين.
(وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ) أي: إذا قتل مؤمن كافرًا فلا قصاص عليه.
(وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ) الباء بمعنى "فِي"، كما بُيّن فِي الرواية التالية، أي لا يُقتل صاحب العهد منْ الكفرة، كالذميّ، والمستأمن فِي وقت عهده.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لا يقتل مسلم بكافر، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجب القصاص على مسلم بقتل كافر [أي كافر كان].
وهذا مذهب أكثر العلماء.
لأحاديث الباب (وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ).
(وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِر).
القول الثاني: يقتل المسلم بالذمي خاصة.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
أ-واستدلوا بالعمومات (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
ب- وبحديث (أن النبي ﷺ أقاد مسلماً بذمي، وقال (أنا أحق من وفى بذمته) وهو حديث ضعيف لا يصح.
قال الحافظ في الفتح: قوله: (باب لا يقتل المسلم بالكافر) عقب هذه الترجمة بالتي قبلها للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد الشديد على قتل الذمي أن يقتص من المسلم إذا قتله عمدا، وللإشارة إلى أن المسلم إذا كان لا يقتل بالكافر فليس له قتل كل كافر، بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق.
- فائدة: لا خلاف بين أهل العلم أن الكافر يقتل بالمسلم، لأن النبي ﷺ قتل اليهودي الذي رض رأس الجارية.
стр. 2156
• اذكر شروط القصاص؟
يشترط في وجوب القصاص شروطاً أربعة، وهذه الشروط إذا فقد منها شرط سقط حد القصاص.
الشرط الأول: أن يكون القاتل مكلفاً (عاقلاً بالغاً).
لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق .. ).
وأما الصبي والمجنون فحكم قتلهما قتل خطأ لأن عمدهما خطأ لكونهما لا يصح منهما قصد صحيح.
• اختلف العلماء في حكم جناية السكران على قولين:
القول الأول: أنه يقتص منه.
وهذا قول الجمهور.
أ- أن الصحابة أقاموا سكره مقام قذفه، فأوجبوا عليه حد القذف، فقد جاء في الموطأ (أن عمر استشار الناس في شأن شارب الخمر فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن الشارب إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى وحد المفتري ثمانون جلدة، أرى أن تجلده ثمانين جلدة، فأعجب ذلك عمر وجعل عقوبته ثمانين جلدة) فإذا وجب حد القذف على الشارب فالقصاص المتمحض حق آدمي أولى.
ب- ولأن في ذلك سداً للذريعة، إذ لو لم يجب القصاص والحد لأفضَى إلى أن من أراد أن يعصي الله شرب ما يسكره ثم قتل وزنى وسرق ولا يلزمه عقوبة، فيصير عصيانه سبباً لسقوط العقوبة عنه.
القول الثاني: أنه لا يقتص منه.
وهذا وجه في مذهب الحنابلة.
قياساً على المجنون، فإن كلاً منهما زائل العقل.
ولما ثبت في صحيح البخاري (أن حمزة قال للنبي ﷺ وهو ثمل: وهل أنتم إلا عبيد أبي) ولم يقم النبي ﷺ عليه حد الردة.
والراجح القول الأول.
وأما قياسه على المجنون، فهذا قياس مع الفارق، فإن السكران فقد عقله باختياره عصياناً بخلاف المجنون.
وأما قصة حمزة، فهذا كان قبل تحريم الخمر، فلا يصح الاستدلال به، وبأنه قول والقتل فعل، والفعل أشد.
الشرط الثاني: أن يكون المقتول معصوماً، فإن كان حربياً أو مرتداً فلا ضمان فيه.
والعلة في ذلك: لأن القصاص شرع لحفظ الدم المعصوم دون الدم المهدر، فالقتل في هذه الحال صادف محله، لأن القتيل متحتم القتل.
الشرط الثالث: المساواة بين القاتل والمقتول في الإسلام والحرية.
فلا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد، كما تقدم.
الشرط الرابع: وألا يكون والداً للمقتول، فلا يقتل والد بولده وإن سفل.
كما تقدم في حديث (لا يقاد الوالد بالولد).
стр. 2157
• ما شروط استيفاء القصاص؟
الشرط الأول: اتفاق جميع الأولياء المشتركين في استحقاق القصاص على استيفائه.
لأنه حق لجميعهم فلم يكن لبعضهم الاستقلال به.
قال ابن قدامة: إذا كان للمقتول أولياء يستحقون القصاص، فمن شرط وجوبه اجتماعهم على طلبه، ولو عفا واحد منهم، سقط كله، وإن كان بعضهم غائباً، أو غير مكلف، لم يكن لشركائه القصاص حتى يقدم الغائب، ويختار القصاص، أو يوكّل، ويبلغ الصبي ويفيق المجنون ويختاراه.
- فإذا عفا أحد الأولياء سقط القصاص وانتقل الأمر إلى الدية.
- إن كان فيهم غائب انتظر قدومه.
- الذين لهم حق في استيفاء القصاص:
قيل: هم الورثة، من الرجال والنساء، والصغار والكبار.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
ويدل لذلك قوله ﷺ (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين) رواه أبوداود وأصله في الصحيحين، فقوله [أهله] أي ورثته.
وقيل: القصاص حق للعصبة من الذكور فقط.
واختاره ابن تيمية.
والراجح الأول.
الشرط الثاني: أن يكون مستحقه مكلفاً.
واختلف العلماء إذا كان مستحق القصاص صبياً أومجنوناً؟
فقيل: لا يستوفى، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون.
وهذا هو المذهب وهو قول الشافعي.
أ- لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل.
وبذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص سبع ديات لابن القتيل فلم يقبلها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان إجماعاً.
ب- لأن القصاص ثبت لما فيه من التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك باستيفاء غير مستحقه.
وقيل: للأب والجد أن يستوفيا القصاص نيابة عن موليهما الصغير والمجنون.
وهذا قول بعض الحنفية، لأن ولايتهما ولاية نظر ومصلحة، فهما مخوّلان لطلب القصاص.
والأول أظهر.
يستثنى من ذلك إذا كان مستحق القصاص مجنوناً واحتاج إلى النفقة فللولي العفو إلى الدية.
الشرط الثالث: الأمن من التعدي في الاستيفاء.
فلو كان الجاني حاملاً لم يجز استيفاء القصاص منها حتى تضع ولدها ويستغني عنها
стр. 2158
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحديث دليل على إبطال ما تزعمه الشيعة من أن النبي ﷺ خص علياً بعلم أشياء لا يعلمها غيره من الصحابة.
- الحديث دليل على جواز كتابة العلم، بل على جوازه واستحبابه. [وسيأتي بالحديث الذي بعده إن شاء الله]
- الحديث دليل على أن المسلم إذا قتل كافراً فإنه لا يقتل وهذا الحق.
- لا يجوز قتل المعاهد في مدة عهده.
- وجوب العمل على فكاك الأسير المسلم.
لحديث الباب.
ولحديث أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ (فكوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض). رواه البخاري
العاني: الأسير.
- وجوب الدية.
- جواز الحلف من غير استحلاف.
- الحلف في الأمور الكبيرة لتأكيدها.
- فضل علي بن أبي طالب.
- فضل الفهم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
قال ابن تيمية: ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله ﵇ بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم، والحلاوة والهدى، وشفاء القلوب، والبركة، والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا نظماً، ولا نثراً ....
- عظم حرمة المسلم.
- سؤال عما استشكل للتأكد.
- أن النبي ﷺ لم يوص.
стр. 2159
١١٦٥ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ جَارِيَةً وُجَدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلَانٌ. فُلَانٌ. حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا. فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اَلْيَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.
===
(أَنَّ جَارِيَةً وُجَدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ) وفي رواية (أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ) وفي رواية (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى حُلِىٍّ لَهَا ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ فَأُخِذَ فَأُتِىَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقوله (عَلَى أَوْضَاحٍ) أي: بسبب أوضاح، وهي حلي الفضة
(أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ) أي: يدقّ بين حجرين.
• هل يشترط أن يكون القتل بالسيف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يشترط أن يكون بسيف.
وهذا المشهور من المذهب.
أ-لحديث ابن مسعود مرفوعاً (لا قود إلا بالسيف) رواه الطبراني وهو ضعيف.
ب-ولأنه أمضى ما يكون من الآلات التي يقتل بها.
القول الثاني: أن الجاني يقتل بمثل ما قتل به ولا يتعين السيف.
وهذا قول مالك، والشافعي، وجمهور العلماء واختاره ابن تيمية ﵀.
أ-لقوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ).
ب- ولقوله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ).
ج- ولحديث الباب (فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين).
وهذا القول هو الصحيح.
وعليه: لو قتله بالرصاص فإننا نقتله بالرصاص، وإن قتله بأن رماه من شاهق، فإننا نرميه من شاهق.
لكن يستثنى ما لو قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط أو بالسحر أو يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت.
قَالَ ا بن رُشد ﵀: اختلفوا فِي صفة القصاص فِي النفس.
فمنهم منْ قَالَ: يُقتصّ منْ القاتل عَلَى الصفة التي قَتَل، فمن قتل تغريقًا قُتل تغريقًا، ومن قتل بضرب بحجر قُتل بمثل ذلك، وبه قَالَ مالكٌ، والشافعي.
وَقَالَ أبو حنيفة، وأصحابه: بأيّ وجه قتله لم يُقتل إلا بالسيف، وعمدتهم ما رَوى الحسن عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ (لا قود إلا بحديدة).
وعمدة الفريق الأول حديث أنس ﵁ أن يهوديّا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبيّ ﷺ رأسه بحجر، أو قَالَ: "بين حجرين"، وقوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) والقصاص يقتضى المماثلة. (بداية المجتهد).
стр. 2160
• هل يقتل الرجل بالمرأة والعكس؟
ذهب عامّة أهل العلم إلى أنه يُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر.
وممن رُوي عنه النخعي، والشعبي، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأحمد؛ وإسحاق، وأصحاب الرأي، وغيرهم.
ورُوي عن علي ﵁ أنه قَالَ: يُقتل الرجل بالمرأة، ويُعطَى أولياؤه نصف الدية، أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير فِي تفسيره، وروي مثل هَذَا عن أحمد، وحُكي ذلك عن الحسن، وعطاء، وحُكي عنهما مثل قول الجماعة.
قَالَ الموفّق: ولعل منْ ذهب إلى القول الثاني، يَحتَجّ بقول علي ﵁؛ ولأن عقلها نصف عقله، فإذا قُتل بها بقي له بقية، فاستوفيت ممن قتله.
واحتجّ الجمهور:
بقوله تعالى (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
وقوله تعالى (الْحُرُّ بِالْحُرِّ).
مع عموم سائر النصوص.
وَقَدْ ثبت أن النبيّ ﷺ قَتَل يهوديا رَضّ رأس جارية منْ الأنصار، متّفقٌ عليه.
ورَوَى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب، فيه الفرائض، والأسنان، وأن الرجل، يُقتل بالمرأة، وهو كتاب مشهور، عند أهل العلم، مُتَلَقًّى بالقبول عندهم.
ولأنهما شخصان يُحد كل واحد منهما بقذف صاحبه، فقُتل كل واحد منهما بالآخر، كالرجلين، ولا يجب مع القصاص شيء؛ لأنه قصاص واجب، فلم يجب معه شيء عَلَى المقتص، كسائر القصاص، واختلاف الأبدال لا عبرة به فِي القصاص، بدليل أن الجماعة يُقتلون بالواحد، والنصراني يؤخذ بالمجوسي، مع اختلاف ديتيهما، ويؤخذ العبد بالعبد مع اختلاف قيمتيهما. (المغني)
قَالَ فِي (الفتح) قَالَ ابن المنذر: أجمعوا عَلَى أن الرجل يقتل بالمرأة، والمرأة بالرجل، إلا رواية عن علي، وعن الحسن، وعطاء، وخالف الحنفية فيما دون النفس، واحتج بعضهم بأن اليد الصحيحة لا تقطع باليد الشلاء، بخلاف النفس، فإن النفس.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن حرم المدينة ليست كحرم مكة في منع الكفار من دخولها.
- محبة اليهود للمال.
- بغض اليهود للمسلمين.
- العمل بالإشارة، فإن هذه الجارية أشارت برأسها.
стр. 2161
١١٦٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ (أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوا اَلنَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئاً) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
===
• ما أقوال العلماء في معنى الحديث؟
أشكل هذا الحديث على العلماء حيث أن الجاني عمداً عليه القصاص أو الدية، وإذا كان خطأ فالدية تحملها العاقلة، وهنا لم يجعل عليهم شيئاً.
قال الخطابي: معنى هذا أن الغلام الجاني كان حراً وكانت جنايته خطأ وكانت عاقلته فقراء وإنما تواسي العاقلة عن وُجْد وسعة ولا شيء على الفقير منهم.
ويشبه أن يكون الغلام المجني عليه أيضاً حراً لأنه لو كان عبداً لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنى لأن العاقلة لا تحمل عبداً كما لا تحمل عمداً، ولا اعترافاً، وذلك في قول أكثر أهل العلم.
فأما الغلام المملوك إذا جنى على عبد أو حرٍّ فجنايته في رقبته في قول عامة الفقهاء. (معالم السنن).
وقال ابن كثير في تفسيره: وهذا إسناد قوي رجاله كلهم ثقات فإنه حديث مشكل، اللهم إلا أن يقال: إن الجاني كان قبل البلوغ، فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء، أو استعفاهم عنه.
• هل يجري القصاص بين العبيد في النفس أو فيما دونها؟
أما فِي النفس، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يجري القصاص بين العبيد فِي النفس.
رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وسالم، والنخعي، والشعبي، والزهري، وقتادة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد.
ورُوي عن أحمد رواية أخرى: أن منْ شرط القصاص تساوي قيمتهم، وإن اختلفت قيمتهم، لم يجر بينهم قصاص، قَالَ الموفّق: وينبغي أن يختص هَذَا بما إذا كانت قيمة القاتل أكثر، فإن كانت أقل فلا، وهذا قول عطاء.
وذهب ابن عباس إلى أنه ليس بين العبيد قصاص فِي نفس، ولا جرح؛ لأنهم أموال.
واحتجّ الأولون:
أ- بقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) وهذا نص منْ الكتاب، فلا يجوز خلافه.
ب- ولأن تفاوت القيمة كتفاوت الديةِ والفضائلِ، فلا يمنع القصاص، كالعلم، والشرف، والذكورية، والأنوثية.
وأما فيما دون النفس، فقد ذهبت طائفة إلى أنه أيضًا يجري القصاص بينهم فيها، وبه قَالَ عمر بن عبد العزيز، وسالم، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر.
стр. 2162
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجري القصاص بينهم فيما دون النفس.
وهو قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وهي رواية عن أحمد.
لأن الأطراف مال، فلا يجري القصاص فيها، كالبهائم.
ولأن التساوي فِي الأطراف معتبر فِي جريان القصاص، بدليل أَنّا لا نأخذ الصحيحة بالشلاء، ولا كاملة الأصابع بالناقصة، وأطراف العبيد لا تتساوى.
واحتجّ الأولون بقول الله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ).
ولأنه أحد نوعي القصاص، فجرى بين العبيد، كالقصاص فِي النفس. (المغني).
وقد استدل بحديث الباب من قال إن القصاص لا يجري بين العبيد فيما دون النفس.
قالوا: إن النبي ﷺ لم يقتص للعبد من الآخر في الجرح، فدل على عدم مشروعية القصاص في الجرح بين العبيد.
وقد سبق الجواب عن حديث الباب من كلام الخطابي.
وأجاب ابن عبد البر بقوله: قد يحتمل أن يكون لم يقتص للفقراء لأنه ﵇ أمرهم بالعفو على أخذ الأرش لموضع فقرهم ففعلوا، وكذلك - والله أعلم - نقل في الحديث ذكر فقرهم. (الاستذكار).
وأجاب البيهقي بقوله: … وغاية دلالته أن هذا الغلام جنى جناية من قبيل الخطأ، وكان أهله فقراء فلم يجعل النبي ﷺ عليهم شيئاً، وتبرع لهم بأرش الجناية من عنده.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن عمد الصبي خطأ.
- أن في الخطأ تكون الدية على العاقلة.
- أن العاقلة تتحمل الدية بشرط أن يكون أغنياء.
стр. 2163
١١٦٧ - وَعَنْ عَمْرِوِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ; ﵁ (أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي. فَقَالَ: "حَتَّى تَبْرَأَ". ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَرِجْتُ، فَقَالَ: "قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اَللَّهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ". ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ.
===
(بِقَرْنٍ) بفتح القاف وسكون الراء، عظم ينبت في رأس الحيوان.
(أَقِدْنِي) بفتح الهمزة، أمر من القود، وهو من الاقتصاص من الجاني.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه لا يقتص من عضو أو جرح حتى يبرأ.
• ما الحكمة من ذلك؟
لاحتمال السراية.
والسراية: تجاوز العطب من محل الجناية إلى غيرة.
• هل النهي في الحديث للتحريم أو للكراهة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه للتحريم. (فيحرم أن يقتص من عضو قبل برئه).
القول الثاني: أنه لا يحرم، وهو قول الشافعي.
قال ابن قدامة: ولا يجوز القصاص في الطرف إلا بعد اندمال الجرح في قول أكثر أهل العلم، منهم؛ النخعي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور وروي ذلك عن عطاء، والحسن.
قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الانتظار بالجرح حتى يبرأ.
ويتخرج لنا، أنه يجوز الاقتصاص قبل البرء، بناء على قولنا: إنه إذا سرى إلى النفس، يفعل كما فعل.
وهذا قول الشافعي، قال: ولو سأل القود ساعة قطعت إصبعه، أقدته، لما روى جابر (أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فقال: يا رسول الله، أقدني قال: حتى تبرأ، فأبى، وعجل، فاستقاد له رسول الله ﷺ فعييت رجل المستقيد، وبرأت رجل المستقاد منه، فقال النبي ﷺ : ليس لك شيء عجلت) رواه سعيد مرسلاً.
ولأن القصاص من الطرف لا يسقط بالسراية، فوجب أن يملكه في الحال، كما لو برأ.
ولنا، ما روى جابر، أن النبي ﷺ (نهى أن يستقاد من الجروح حتى يبرأ المجروح) ورواه الدارقطني، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ .
стр. 2164
ولأن الجرح لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل، فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه؟
فأما حديثهم، فقد رواه الدارقطني، وفي سياقه، فقال: يا رسول الله، عرجت، فقال رسول الله ﷺ (قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك، ثم نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه) وهذه زيادة يجب قبولها، وهي متأخرة عن الاقتصاص، فتكون ناسخة له.
وفي نفس الحديث ما يدل على أن استقادته قبل البرء معصية؛ لقوله: قد نهيتك فعصيتني. (المغني).
• هل سراية الجناية مضمونة؟
نعم.
لأنها أثر الجناية، والجناية مضمونة فكذلك أثرها ..
فسراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها.
أي: السراية التي سببها الجناية مضمونة، والسراية: هي أن ينتقل الشيء من مكان إلى آخر، فيسري الجرح من المكان الأول إلى مكان آخر ويتسع، وكذلك الأعضاء، كما لو قطع أصبعاً فتآكلت الكف كلها، أو قطع أنملة فتآكل الأصبع كله، أو جرح موضحة بقدر الظفر ثم اتسعت حتى صارت بقدر الكف.
فالسراية من جناية مضمونة في النفس فما دونها.
في النفس مثل لو قطع أصبع إنسانٍ عمداً فنزف الدم حتى مات، فهنا نقتل الجاني، فإذا قال الجاني: أنا لم أقطع إلاَّ الأصبع، فنقول له: لكن هذه الجناية سرت إلى النفس، وأنت السبب، وربما أنك لم تقصد أن تقتل هذا الشخص، لكنه مات بسببك فتكون ضامناً.
وهذا الضابط مبني على قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي (ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون) فكل شيء ترتب على شيء لم يؤذن فيه، لا شرعاً ولا عرفاً، فإنه يكون مضموناً. (الشرح الممتع).
• هل سراية القود مضمونة؟
لا.
فسراية القود مهدرة.
معناه: إذا قطع طرفاً يجب القود فيه فاستوفى منه المجني عليه ثم مات الجاني بسراية الجراح لم يلزم المستوفى شيء.
لما روي أن عمر وعلياً قال (من مات من حد أو قصاص لا دية له، الحق قتله) أخرجه البيهقي.
ولأنه قطع مستحق مقدر فلا يضمن سرايته كقطع السارق.
قال الشيخ ابن عثيمين: في الممتع: قوله: (وسراية القود مهدورة) القود أي: القصاص، فلو اقتصصنا من الجاني ثم سرت الجناية فإنها هدر، أي: لا شيء فيها؛ لأننا نقول: أنت المعتدي، فلا شيء لك.
وهذا الضابط مبني على قاعدة عند أهل العلم وهي (ما ترتب على المأذون فليس بمضمون) وهنا القود مأذون فيه، فإذا استقدنا من هذا الرجل، وقطعنا يده ثم سرى القود، فقد ترتب هذا على شيء مأذون فلا يكون مضموناً،
стр. 2165
١١٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (اِقْتَتَلَتِ اِمْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا اَلْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا: غُرَّةٌ; عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ اَلْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا. وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ اَلنَّابِغَةِ اَلْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! كَيْفَ يَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اِسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ اَلْكُهَّانِ"; مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ اَلَّذِي سَجَعَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١١٦٩ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ: مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ; أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْجَنِين؟ قَالَ: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ اَلنَّابِغَةِ، فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ اِمْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا اَلْأُخْرَى … فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا. وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم.
===
(بِحَجَرٍ) أي: صغير لا يقصد به القتل غالباً، فيكون هذا القتل شبه عمد.
(دِيَةَ جَنِينِهَا) الجنين: الحمل، سمي بذلك لأنه مستجن أي مستتر.
(غُرَّةٌ) الأصل أن الغرة بياض مقدم الفرس، وتطلق الغرة على العبيد والإماء، وفسرها بأنه عبد أو أمه، وسمي غرة لأنه غرة المال وأفضله.
(عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ) أو للتخيير، فيخير الولي بين هذا وهذا.
(بِدِيَةِ اَلْمَرْأَةِ) الدية ما يجب لإزهاق النفس المحترمة.
(عَلَى عَاقِلَتِهَا) جمع عاقلة، وهم ذكور العصبة من ولاء أو نسب، سموا بذلك لأنهم يأتون بالإبل (الدية) ويعقلونها عند باب القتيل [وهذا في الجاهلية].
(وَلَا اِسْتَهَلَّ) أصل الاستهلال رفع الصوت، يريد أنه لم تعلم حياته بصوت نطق أو بكاء.
(يُطَلُّ) أي: يهدر ولا يكون له قيمة.
(مِنْ إِخْوَانِ اَلْكُهَّان) أي: أشباههم ونظرائهم، والكاهن من يدعي معرفة الغيب في المستقبل.
معنى الحديث: في هذا الحديث امرأتان ضرتان، من قبيلة هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر صغير، لا يقتل غالباً، ولكنه قتلها وقتل جنينها الذي في بطنها، فقضى النبي ﷺ أن دية الجنين عبد أو أمة سواء كان الجنين ذكراً أو أنثى، ويكون ديته على القاتلة، وقضى للمرأة المقتولة بالدية، لكون قتلها [شبه عمد] ويكون على عاقلة المرأة، لأن مبناها على التناصر والتعادل.
стр. 2166
• على ماذا يدل الحديث؟
هذا الحديث يدل على النوع الثالث من أنواع القتل وهو شبه العمد، حيث أن قتلها كان عن عمد لكن الآلة لا تقتل غالباً لأنه حجر صغير.
وقد ذهب جمهور العلماء من الأحناف والشافعية والحنابلة، إلى إثبات القتل شبه العمد.
استدلالاً بحديث الباب (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر … ).
وجه الدلالة:
أولاً: أن النبي ﷺ أوجب فيه الدية، ولو كان عمداً لذكر القصاص.
ثانياً: أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة إلى عاقلتها، والعاقلة لا تحمل عمداً بإجماع العلماء.
• على من تكون الدية في قتل شبه العمد؟
الدية في قتل شبه العمد [وكذا الخطأ] تكون على العاقلة (أي عاقلة القاتل).
لحديث الباب: (فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها).
مباحث العاقلة:
أولاً: العاقلة: وهم عصبته والمراد بالعصبة بالنفس، فيدخل فيهم: آباؤه وأبناؤه وإخوته وعمومتهم وبنوهم.
ثانياً: وسميت بذلك: لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول لتسلم إليهم، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلاً أو نقداً.
وقيل سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل من أن يعتدي عليه أحد.
ثالثاً: ويشمل القريب والبعيد منهم، فكلهم يشتركون في العقْل.
رابعاً: وحاضرهم وغائبهم.
خامساً: لا عقل على رقيق:
أ- لأنه ليس من أهل النصرة.
ب- ولأنه لا مال له، لأن مال المملوك لسيده.
سادساً: ولا على غير مكلف كالصغير والمجنون.
أ- لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود.
ب- ولأنهما ليسا من أهل النصرة.
стр. 2167
سابعاً: ولا على فقير.
لأنه ليس عنده مال.
ثامناً: ولا على أنثى.
لأنها ليست من أهل النصرة.
تاسعاً: يجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يناسبه، فيحمل الأقرب أكثر من الأبعد، والغني أكثر ممن دونه وهكذا، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم.
عاشراً: الحكمة أن قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة: أن هذه الجنايات تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل للإعانة له تخفيف عنه إذا كان معذور في فعله.
الحادي عشر: الأشياء التي لا تحملها العاقلة.
أ- قتل العمد.
لأنه لا يستحق المواساة.
ب- ولا تحمل أيضاً قيمة عبد قتله الجاني.
لأنه مال، والعاقلة لا تحمل بدل الأموال المتلفة.
ج- ولا تحمل أيضاً صلحاً عن إنكار.
مثال: جاء قوم لرجل فقالوا له: أنت قتلت أبانا، فأنكر، فاصطلحوا على أن يعطيهم مالاً وينتهي الموضوع.
فالعاقلة لا تتحمل هنا.
لأن هذا لم يثبت ببينة.
وقد يحصل فيه مواطأة.
د - ولا ما دون الثلث.
كأن يجني على شخص جناية خطأ فيما دون النفس، وكانت الدية الواجبة عليه أقل من ثلث دية القتل، فلا تحمله العاقلة، لأنه قليل يمكن للجاني تحمله.
لقول ابن عباس: لا تحمل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً.
стр. 2168
الثاني عشر: هل الجاني يتحمل مع العاقلة شيئاً من الدية أو لا يتحمل؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يتحمل معهم شيئاً.
وهذا هو المذهب وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز عليه ﵀
لأن هذا هو ظاهر حديث الباب.
قال ابن قدامة: ولا يلزم القاتل شيء من الدية.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة؛ لأنها وجبت عليهم إعانة له، فلا يزيدون عليه فيها.
أ-ولنا، ما روى أبو هريرة (أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة على عاقلتها) وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها عليهم.
ب- ولأنه قاتل لم تلزمه الدية، فلم يلزمه بعضها، كما لو أمره الإمام بقتل رجل، فقتله يعتقد أنه بحق، فبان مظلوماً.
ج- ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله، وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه.
(المغني).
قال الشنقيطي: ذهب الإمام أحمد و الشافعي: إلى أنه لا يلزمه من الدية شيء، لظاهر حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه المتقدم (أن النبي ﷺ قضى بالدية على عاقلة المرأة) وظاهره قضاؤه بجميع الدية على العاقلة. (أضواء البيان).
القول الثاني: أنه يتحمل معهم شيئاً من الدية.
- وقد سئل الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى إذا كان الجاني غنياً فهل يلزمه أن يتحمل مع العاقلة؟
فأجاب: المذهب معروف أنه لا شي عليه مطلقاً.
والقول الآخر في المذهب أنه يحمل مع العاقلة لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي هذا أن الشارع جعل الدية على العاقلة فإنها من باب التحمل لأنها في الأصل على المتلف ولكن لمّا كانت الدية مبلغاً جسيماً ناسب أن يكون العصبة المتساعدون يتعاونون على حملها فلا يناسب ذلك إلا أن يتحمل القاتل وهو غني وهذا القول هو الذي نختاره.
стр. 2169
الثالث عشر: إن عجزت العاقلة عن دفع الدية لفقرها أو من لا عاقلة له: فإن الدية تكون من بيت مال المسلمين، فإن لم يمكن أخذها من بيت المال، ففي المسألة خلاف؟
منهم من قال: لا شيء على القاتل.
وهو المذهب عند الحنابلة،
والأكثر على أنه يتحملها القاتل نفسه، وهو مذهب الأكثر.
واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال في الإنصاف: ومن لا عاقلة له، أو لم تكن له عاقلة تحمل الجميع: فالدية أو باقيها من بيت المال، فإن لم يمكن أخذها من بيت المال، فلا شيء على القاتل، وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب .... وهو من مفردات المذهب، ويحتمل أن تجب في مال القاتل. قال المصنف هنا [ابن قدامة]: وهو أولى، فاختاره " انتهى.
قال الشيخ البليهي في السلسبيل: أن من لا عاقلة له أو عجزت عن الدية أو بعضها أخذه دفعة واحدة من بيت المال فإن تعذرت سقطت، واختيار الشيخ تؤخذ من الجاني عند تعذر العاقلة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الاختيارات العلمية: تؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء.
• كم دية الجنين الذي سقط ميتاً بسبب الجناية على أمه؟
دية الجنين غرة (عبد أو امرأة) والمتخير في ذلك من يغرم وهو القاتل، فإذا أتى بعبد لزم أولياء الجنين قبوله، وإذا أتى بأمَة لزم أولياؤه قبولها.
وإذا لم يوجد عبد ولا أمة يرجع إلى خمس من الإبل يعطى أولياء الجنين.
الجنين الذي يموت في بطن أمه له أحوال:
الأول: أن يموت معها قبل أن يخرج.
فهذا لا شيء فيه، وإنما الدية في الأم، فهو لا دية له لأنه كعضو من أعضائها.
الثاني: أن يخرج حياً فيستهل أو يعطس أو يشرب، ثم يموت متأثراً بالجناية، ففيه دية كاملة إن خرج لوقت يعيش لمثله [بعد ستة أشهر].
مثال: إنسان دفع حامل ولجنينها سبعة أشهر في بطنها، وسقط حياً حياة مستقرة ثم مات.
فعليه دية كاملة، لأنه قتل نفساً، فيلزم الجاني دية كاملة.
وهذا قول عامة أهل العلم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الجنين يسقط حياً من الضرب، دية كاملة، منهم: زيد ابن ثابت، وعروة، والزهري، والشعبي، وقتادة، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وذلك لأنه مات من جنايته بعد ولادته، في وقت يعيش لمثله، فأشبه قتله بعد رضعه ".
стр. 2170
الثالث: أن يخرج ميتاً، أو يخرج حياً لوقت لا يعيش لمثله فيموت.
فهذا فيه غرة (عبد أو أمة).
لحديث الباب.
ومقدار الغرة: خمس من الإبل في قول عامة أهل العلم.
• على من تكون الدية الجنين؟
على القاتل لا على العاقلة.
لأنها أقل من الثلث، وما كان أقل من ثلث الدية فإن العاقلة لا تحمله.
• ما السجع، وما حكمه؟
السجع: هو كلام منثور تتفق فواصله بالحروف، وهو ينقسم إلى قسمين:
الأول: مذموم، وهو إذا كان لإبطال حق أو إحقاق باطل، وإذا كان متكلف.
والنبي ﷺ إنما ذم سجع حَمَل بن النابغة، لأنه عارض به حكم الله ورسوله.
الثاني: محمود، إذا كان غير متكلف، فإنه ثبت عن النبي ﷺ في أخبار كثيرة أنه قال أقوال مسجوعة.
كقوله ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن الدية تكون ميراثاً، وقد جاء في رواية (فقضى ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها).
- مشروعية الدية، وهي المال المؤدى إلى المجني عليه أو وليه، بسبب جناية.
والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا). (وسيأتي باب خاص بها إن شاء الله).
- ينبغي التشنيع على من اعترض على شريعة الله أو حكم رسوله ﷺ .
стр. 2171
١١٧٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلرُّبَيِّعَ بِنْتَ اَلنَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا اَلْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا اَلْأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلَّا اَلْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ اَلنَّضْرِ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ اَلرُّبَيِّع؟ لَا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ "يَا أَنَسُ! كِتَابُ اَللَّهِ: اَلْقِصَاصُ". فَرَضِيَ اَلْقَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اَللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اَللَّهِ لَأَبَرَّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
===
(أَنَّ اَلرُّبَيِّعَ) بضم الراء وفتح الباء.
(عَمَّتَهُ) أي: عمة أنس بن مالك.
(كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) وهي أسنان مقدم الفم.
(فَطَلَبُوا إِلَيْهَا اَلْعَفْوَ، فَأَبَوْا) أي: فطلب أهل الربيّع من الجارية ومن أهلها العفو عن الكسر المذكور مجاناً فامتنعوا.
(فَعَرَضُوا اَلْأَرْشَ) أي: الدية.
(فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ) أي: بالمماثلة، وذلك بكسر ثنية الربيع.
(فَقَالَ أَنَسُ بْنُ اَلنَّضْرِ) وهو أخو الربيع.
(يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ اَلرُّبَيِّع؟ لَا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) لم يقل ذلك رداً واعتراضاً على النبي ﷺ وعن حكمه، وإنما قاله من باب التوقع والرجاء بأن الله يرضي الخصم، ويلقي في قلبه الإجابة إلى العفو أو أخذ الدية.
(كِتَابُ اَللَّهِ: اَلْقِصَاصُ) أي: حكم كتاب الله القصاص.
فَرَضِيَ اَلْقَوْمُ، فَعَفَوْا) أي: أخذوا الدية، ففي رواية (فرضي القوم وقبلوا الأرش).
فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اَللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اَللَّهِ) متوكلاً عليه في حصول المحلوف عليه.
(لَأَبَرَّهُ) أي: لأبر قسمه، فلا يحنثه لكرامته عليه.
قال في الفتح: أن هذا وقع إكراماً من الله تعالى لأنس بن النضر ليبرّ يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يُجيب دعاءهم، ويعطيهم أربهم.
• ما تعريف القصاص، وما حكمه؟
القصاص في اللغة: القص في اللغة تتبع الأثر.
وفي الاصطلاح: أن يفعل بالجاني مثل ما فعل.
وحكمه: واجب وهو حكم الله وشرعه، فيجب تنفيذه على الجاني إلا إذا عفا صاحب الحق.
قال تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)
ولحديث الباب (كتاب الله القصاص).
стр. 2172
• ما معنى (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اَللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اَللَّه لأبره)؟
قيل: المعنى: أنه لو حلف على شيء أن يقع؛ ثقة بالله وحسن ظن به لأبره الله، وقيل: معنى القسم في الحديث: الدعاء.
قال النووي ﵀ (لوْ أقسم على الله لأبره) أي: لو حلف على وقوع شَيْءٍ أَوْقَعَهُ اللَّهُ إِكْرَامًا لَهُ بِإِجَابَةِ سُؤَالِهِ وَصِيَانَتِهِ مِنَ الْحِنْثِ فِي يَمِينِهِ، وَهَذَا لِعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ مَعْنَى الْقَسَمِ هُنَا الدُّعَاءُ، وَإِبْرَارُهُ إِجَابَتُه.
وقال الحافظ ﵀: أيْ: لَوْ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَقَعَ طَمَعًا فِي كَرَمِ اللَّهِ بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ وَأَوْقَعَهُ لِأَجْلِهِ، وَقِيلَ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِجَابَة دُعَائِهِ.
وقال ابن عثيمين ﵀: الإقسام على الله أن يقول الإنسان: والله، لا يكون كذا وكذا، أو والله لا يفعل الله كذا وكذا، والإقسام على الله نوعان:
أحدهما: أن يكون الحامل عليه قوة ثقة المقسم بالله وقوة إيمانه به مع اعترافه بضعفه وعدم إلزامه الله بشيء، فهذا جائز، ودليله قوله ﷺ (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
النوع الثاني: من الإقسام على الله: ما كان الحامل عليه الغرور والإعجاب بالنفس، وأنه يستحق على الله كذا وكذا، فهذا - والعياذ بالله – محرم، وقد يكون مُحبِطا للعمل.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: ثبوت القصاص في السن إذا كانت الجناية عمداً.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على القصاص في السن للآية وحديث الربيع، ولأن القصاص فيها ممكن، لأنها محدودة في نفسها، فوجب فيها القصاص كالعين.
وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة، لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي؟ فيه وجهان، ذكرناهما فيما مضى. (المغني).
• هل يجب القصاص في بقية عظام الجسد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
قال بن بطال: أجمعوا على قلع السن بالسن في العمد.
واختلفوا في سائر عظام الجسد:
فقال مالك فيها القود إلا ما كان مجوفاً أو كان كالمأمومة والمنقلة والهاشمة ففيها الدية.
واحتج بالآية، ووجه الدلالة منها، أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد على لسان نبينا بغير إنكار، وقد دل قوله (السن بالسن) على إجراء القصاص في العظم لأن السن عظم إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه إما لخوف ذهاب النفس وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه.
وقال الشافعي والليث والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن.
لأن دون العظم حائلاً من جلد ولحم وعصب يتعذر معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص ولكنه لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه مما لا يعرف قدره.
وقال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس فليلتحق بها سائر العظام، وتعقب بأنه قياس مع وجود النص، فإن في حديث الباب أنها كسرت الثنية فأمرت بالقصاص مع أن الكسر لا تطرد فيه المماثلة. (نقله في الفتح).
стр. 2173
• ماذا نستفيد من قوله (كِتَابُ اَللَّهِ: اَلْقِصَاصُ)؟
نستفيد أن القصاص حكم الله وشرعه، فيجب تنفيذه على الجاني، إلا إذا عفا صاحب الحق.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
جَوَاز الْحَلِف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان.
وَمِنْهَا: جَوَاز الثَّنَاء عَلَى مَنْ لَا يَخَاف الْفِتْنَة بِذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات.
وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَاب الْعَفْو عَنْ الْقِصَاص.
وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَاب الشَّفَاعَة فِي الْعَفْو.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْخِيَرَة فِي الْقِصَاص وَالدِّيَة إِلَى مُسْتَحِقّه لَا إِلَى الْمُسْتَحَقّ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: وَمِنْهَا وُجُوب الْقِصَاص فِي السِّنّ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ إِذَا أَقَلَّهَا كُلّهَا، فَإِنْ كَسَرَ بَعْضهَا فَفِيهِ وَفِي كَسْر سَائِر الْعِظَام خِلَاف مَشْهُور لِلْعُلَمَاءِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاص. وَاللَّهُ أَعْلَم.
مبحث: القصاص فيما دون النفس:
أي: فكما أن القصاص يكون بالنفس يكون فيما دونها لقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
قاعدة (فمن أقيدَ بأحد في النفس أقيدَ به في الطرف والجراح ومن لا فلا).
الطرف: هو الأعضاء والأجزاء من البدن، كاليد، والرجل، والعين، والأنف، والأذن، والسن، والذكر.
والجراح: هي الشقوق في البدن: مثل جرح يد إنسان أو ساقه، أو فخذه، أو صدره، أو ظهره.
فالقصاص في الطرف والجروح فرع عن القصاص في النفس، فلو أن حراً قطع يد عبد، فإنه لا يقطع الحر، لأن الحر لا يقتل بالعبد ولو أن مسلماً قطع يد كافر فلا يقطع به المسلم، لأن المسلم لا يقتل بكافر، فإذا لم يقتص به في كله لا يقتص به في جزئه.
• قاعدة (ولا يجب إلا بما يوجب القود في النفس).
وهو أن يكون عمداً، فلا قود في الخطأ ولا في شبه العمد.
فإذا قطع أحد يد أحد عمداً وعدواناً، قطعنا يده وإلا فلا، فإن قطع يده خطأ فإنه لا يقطع.
стр. 2174
• والقصاص فيما دون النفس نوعان: في الطرف، وفي الجراح:
الأول في الطرف:
فتؤخذ العين بالعين: أي: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والأذن بالأذن: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والسن بالسن: الثنية بالثنية، والرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى.
والجَفْن بالجفن: وهو غطاء العين، الأيمن بالأيمن، والأعلى بالأعلى، والأيسر بالأيسر.
والشّفه بالشفة: وهي حافة الفم. العليا بالعليا والسفلى بالسفلى.
واليد باليد: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والرجل بالرجل: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والإصبع بالإصبع: فالإبهام بالإبهام، والأيمن بالأيمن.
والخصية بالخصية: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والأصل في ذلك قوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
• ويشترط للقصاص في الطرف ثلاثة شروط: [هذه شروط زائدة عما سبق من الشروط الأربعة].
الأول: الأمن من الحيف.
وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه، فإن لم يكن كذلك لم يجز القصاص.
فلو أن رجلاً قطع يد رجل من نصف الذراع فلا يقتص منه، لأن القطع ليس من مفصل، لعدم إمكان المماثلة.
الشرط الثاني: التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه في الاسم والموضع.
في الموضع: يمين بيمين، وفي الاسم: خنصر بخنصر، فلا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين من الأيدي والأرجل والأعين والآذان ونحوها، ولا تؤخذ خنصراً ببنصر.
لأن كل واحد منها يختص باسم، وله منفعة خاصة، فلا تماثل.
стр. 2175
• لا يجوز ولو تراضيا بذلك.
الشرط الثالث: استواء العضوين من الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال.
فلا يؤخذ يد صحيحة بيد شلاء، أو رجل صحيحة برجل شلاء، ولا تؤخذ عين صحيحة بعين قائمة - وهي التي بياضها وسوادها صافيان غير أنها لا تبصر - لعدم التساوي، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس.
مثال: إذا كانت يد الجاني سليمة، ويد المجني عليه مشلولة، فإنه لا يؤخذ يد الجاني بيد المجني عليه، فلا قصاص، لأن يد الجاني أكمل.
وإذا كانت عين الجاني صحيحة، وعين المجني عليه قائمة، فلا قصاص، لعدم التساوي.
• ويؤخذ العضو الناقص بالعضو الكامل، فتؤخذ الشلاء بالصحيحة، وناقصة الأصابع بكاملة الأصابع، لأن المقتص يأخذ بعض حقه فلا حيف، وإن شاء أخذ الدية بدل القصاص.
• وأما القصاص في الجراح:
فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم، لإمكان الاستيفاء فيه بلا حيف ولا زيادة.
وذلك كالموضحة: وهي التي توضح العظم في الرأس والوجه خاصة، فإذا جنى شخص على آخر عمداً، وكشط جلد رأسه ولحمه حتى وصل إلى العظم فإنه يقتص منه، لأنه جرح ينتهي إلى عظم.
وكذلك جرح العضد والساق والفخذ والقدم.
لأن الذي لا ينتهي إلى عظم فلا يمكن القصاص منه.
فلا قصاص في الهاشمة: هي الجرح الذي يبرز العظم ويهشمه، فهذه لا قصاص فيها.
ولا في المنقِّلَة: وهي التي تهشم الرأس وتنقل العظام.
ولا في المأمومة: هي الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ.
следующие страницы →