Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
١١٧٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلرُّبَيِّعَ بِنْتَ اَلنَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا اَلْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا اَلْأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلَّا اَلْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ اَلنَّضْرِ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ اَلرُّبَيِّع؟ لَا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ "يَا أَنَسُ! كِتَابُ اَللَّهِ: اَلْقِصَاصُ". فَرَضِيَ اَلْقَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اَللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اَللَّهِ لَأَبَرَّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
===
(أَنَّ اَلرُّبَيِّعَ) بضم الراء وفتح الباء.
(عَمَّتَهُ) أي: عمة أنس بن مالك.
(كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) وهي أسنان مقدم الفم.
(فَطَلَبُوا إِلَيْهَا اَلْعَفْوَ، فَأَبَوْا) أي: فطلب أهل الربيّع من الجارية ومن أهلها العفو عن الكسر المذكور مجاناً فامتنعوا.
(فَعَرَضُوا اَلْأَرْشَ) أي: الدية.
(فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ) أي: بالمماثلة، وذلك بكسر ثنية الربيع.
(فَقَالَ أَنَسُ بْنُ اَلنَّضْرِ) وهو أخو الربيع.
(يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ اَلرُّبَيِّع؟ لَا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) لم يقل ذلك رداً واعتراضاً على النبي ﷺ وعن حكمه، وإنما قاله من باب التوقع والرجاء بأن الله يرضي الخصم، ويلقي في قلبه الإجابة إلى العفو أو أخذ الدية.
(كِتَابُ اَللَّهِ: اَلْقِصَاصُ) أي: حكم كتاب الله القصاص.
فَرَضِيَ اَلْقَوْمُ، فَعَفَوْا) أي: أخذوا الدية، ففي رواية (فرضي القوم وقبلوا الأرش).
فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اَللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اَللَّهِ) متوكلاً عليه في حصول المحلوف عليه.
(لَأَبَرَّهُ) أي: لأبر قسمه، فلا يحنثه لكرامته عليه.
قال في الفتح: أن هذا وقع إكراماً من الله تعالى لأنس بن النضر ليبرّ يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يُجيب دعاءهم، ويعطيهم أربهم.
• ما تعريف القصاص، وما حكمه؟
القصاص في اللغة: القص في اللغة تتبع الأثر.
وفي الاصطلاح: أن يفعل بالجاني مثل ما فعل.
وحكمه: واجب وهو حكم الله وشرعه، فيجب تنفيذه على الجاني إلا إذا عفا صاحب الحق.
قال تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)
ولحديث الباب (كتاب الله القصاص).
стр. 2172
• ما معنى (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اَللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اَللَّه لأبره)؟
قيل: المعنى: أنه لو حلف على شيء أن يقع؛ ثقة بالله وحسن ظن به لأبره الله، وقيل: معنى القسم في الحديث: الدعاء.
قال النووي ﵀ (لوْ أقسم على الله لأبره) أي: لو حلف على وقوع شَيْءٍ أَوْقَعَهُ اللَّهُ إِكْرَامًا لَهُ بِإِجَابَةِ سُؤَالِهِ وَصِيَانَتِهِ مِنَ الْحِنْثِ فِي يَمِينِهِ، وَهَذَا لِعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ مَعْنَى الْقَسَمِ هُنَا الدُّعَاءُ، وَإِبْرَارُهُ إِجَابَتُه.
وقال الحافظ ﵀: أيْ: لَوْ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَقَعَ طَمَعًا فِي كَرَمِ اللَّهِ بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ وَأَوْقَعَهُ لِأَجْلِهِ، وَقِيلَ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِجَابَة دُعَائِهِ.
وقال ابن عثيمين ﵀: الإقسام على الله أن يقول الإنسان: والله، لا يكون كذا وكذا، أو والله لا يفعل الله كذا وكذا، والإقسام على الله نوعان:
أحدهما: أن يكون الحامل عليه قوة ثقة المقسم بالله وقوة إيمانه به مع اعترافه بضعفه وعدم إلزامه الله بشيء، فهذا جائز، ودليله قوله ﷺ (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
النوع الثاني: من الإقسام على الله: ما كان الحامل عليه الغرور والإعجاب بالنفس، وأنه يستحق على الله كذا وكذا، فهذا - والعياذ بالله – محرم، وقد يكون مُحبِطا للعمل.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: ثبوت القصاص في السن إذا كانت الجناية عمداً.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على القصاص في السن للآية وحديث الربيع، ولأن القصاص فيها ممكن، لأنها محدودة في نفسها، فوجب فيها القصاص كالعين.
وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة، لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي؟ فيه وجهان، ذكرناهما فيما مضى. (المغني).
• هل يجب القصاص في بقية عظام الجسد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
قال بن بطال: أجمعوا على قلع السن بالسن في العمد.
واختلفوا في سائر عظام الجسد:
فقال مالك فيها القود إلا ما كان مجوفاً أو كان كالمأمومة والمنقلة والهاشمة ففيها الدية.
واحتج بالآية، ووجه الدلالة منها، أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد على لسان نبينا بغير إنكار، وقد دل قوله (السن بالسن) على إجراء القصاص في العظم لأن السن عظم إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه إما لخوف ذهاب النفس وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه.
وقال الشافعي والليث والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن.
لأن دون العظم حائلاً من جلد ولحم وعصب يتعذر معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص ولكنه لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه مما لا يعرف قدره.
وقال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس فليلتحق بها سائر العظام، وتعقب بأنه قياس مع وجود النص، فإن في حديث الباب أنها كسرت الثنية فأمرت بالقصاص مع أن الكسر لا تطرد فيه المماثلة. (نقله في الفتح).
стр. 2173
• ماذا نستفيد من قوله (كِتَابُ اَللَّهِ: اَلْقِصَاصُ)؟
نستفيد أن القصاص حكم الله وشرعه، فيجب تنفيذه على الجاني، إلا إذا عفا صاحب الحق.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
جَوَاز الْحَلِف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان.
وَمِنْهَا: جَوَاز الثَّنَاء عَلَى مَنْ لَا يَخَاف الْفِتْنَة بِذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات.
وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَاب الْعَفْو عَنْ الْقِصَاص.
وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَاب الشَّفَاعَة فِي الْعَفْو.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْخِيَرَة فِي الْقِصَاص وَالدِّيَة إِلَى مُسْتَحِقّه لَا إِلَى الْمُسْتَحَقّ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: وَمِنْهَا وُجُوب الْقِصَاص فِي السِّنّ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ إِذَا أَقَلَّهَا كُلّهَا، فَإِنْ كَسَرَ بَعْضهَا فَفِيهِ وَفِي كَسْر سَائِر الْعِظَام خِلَاف مَشْهُور لِلْعُلَمَاءِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاص. وَاللَّهُ أَعْلَم.
مبحث: القصاص فيما دون النفس:
أي: فكما أن القصاص يكون بالنفس يكون فيما دونها لقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
قاعدة (فمن أقيدَ بأحد في النفس أقيدَ به في الطرف والجراح ومن لا فلا).
الطرف: هو الأعضاء والأجزاء من البدن، كاليد، والرجل، والعين، والأنف، والأذن، والسن، والذكر.
والجراح: هي الشقوق في البدن: مثل جرح يد إنسان أو ساقه، أو فخذه، أو صدره، أو ظهره.
فالقصاص في الطرف والجروح فرع عن القصاص في النفس، فلو أن حراً قطع يد عبد، فإنه لا يقطع الحر، لأن الحر لا يقتل بالعبد ولو أن مسلماً قطع يد كافر فلا يقطع به المسلم، لأن المسلم لا يقتل بكافر، فإذا لم يقتص به في كله لا يقتص به في جزئه.
• قاعدة (ولا يجب إلا بما يوجب القود في النفس).
وهو أن يكون عمداً، فلا قود في الخطأ ولا في شبه العمد.
فإذا قطع أحد يد أحد عمداً وعدواناً، قطعنا يده وإلا فلا، فإن قطع يده خطأ فإنه لا يقطع.
стр. 2174
• والقصاص فيما دون النفس نوعان: في الطرف، وفي الجراح:
الأول في الطرف:
فتؤخذ العين بالعين: أي: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والأذن بالأذن: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والسن بالسن: الثنية بالثنية، والرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى.
والجَفْن بالجفن: وهو غطاء العين، الأيمن بالأيمن، والأعلى بالأعلى، والأيسر بالأيسر.
والشّفه بالشفة: وهي حافة الفم. العليا بالعليا والسفلى بالسفلى.
واليد باليد: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والرجل بالرجل: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والإصبع بالإصبع: فالإبهام بالإبهام، والأيمن بالأيمن.
والخصية بالخصية: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
والأصل في ذلك قوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
• ويشترط للقصاص في الطرف ثلاثة شروط: [هذه شروط زائدة عما سبق من الشروط الأربعة].
الأول: الأمن من الحيف.
وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه، فإن لم يكن كذلك لم يجز القصاص.
فلو أن رجلاً قطع يد رجل من نصف الذراع فلا يقتص منه، لأن القطع ليس من مفصل، لعدم إمكان المماثلة.
الشرط الثاني: التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه في الاسم والموضع.
في الموضع: يمين بيمين، وفي الاسم: خنصر بخنصر، فلا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين من الأيدي والأرجل والأعين والآذان ونحوها، ولا تؤخذ خنصراً ببنصر.
لأن كل واحد منها يختص باسم، وله منفعة خاصة، فلا تماثل.
стр. 2175
• لا يجوز ولو تراضيا بذلك.
الشرط الثالث: استواء العضوين من الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال.
فلا يؤخذ يد صحيحة بيد شلاء، أو رجل صحيحة برجل شلاء، ولا تؤخذ عين صحيحة بعين قائمة - وهي التي بياضها وسوادها صافيان غير أنها لا تبصر - لعدم التساوي، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس.
مثال: إذا كانت يد الجاني سليمة، ويد المجني عليه مشلولة، فإنه لا يؤخذ يد الجاني بيد المجني عليه، فلا قصاص، لأن يد الجاني أكمل.
وإذا كانت عين الجاني صحيحة، وعين المجني عليه قائمة، فلا قصاص، لعدم التساوي.
• ويؤخذ العضو الناقص بالعضو الكامل، فتؤخذ الشلاء بالصحيحة، وناقصة الأصابع بكاملة الأصابع، لأن المقتص يأخذ بعض حقه فلا حيف، وإن شاء أخذ الدية بدل القصاص.
• وأما القصاص في الجراح:
فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم، لإمكان الاستيفاء فيه بلا حيف ولا زيادة.
وذلك كالموضحة: وهي التي توضح العظم في الرأس والوجه خاصة، فإذا جنى شخص على آخر عمداً، وكشط جلد رأسه ولحمه حتى وصل إلى العظم فإنه يقتص منه، لأنه جرح ينتهي إلى عظم.
وكذلك جرح العضد والساق والفخذ والقدم.
لأن الذي لا ينتهي إلى عظم فلا يمكن القصاص منه.
فلا قصاص في الهاشمة: هي الجرح الذي يبرز العظم ويهشمه، فهذه لا قصاص فيها.
ولا في المنقِّلَة: وهي التي تهشم الرأس وتنقل العظام.
ولا في المأمومة: هي الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ.
стр. 2176
١١٧١ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيَّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَلَيْهِ عَقْلُ الخطأِ، وَمِنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اَللَّهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ.
===
(مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا) بكسر العين وتشديد الميم المكسورة، أي: من قُتي في حال يعمى أمره فلا يتبين قاتله.
(أَوْ رِمِّيَّا بِحَجَرٍ) أي: من قتل في حال ترامي القوم ومضاربتهم فيما بينهم، فلم يتبين القاتل ولا حال القتل.
(فَعَلَيْهِ عَقْلُ الخطأِ) أي: ديته دية خطأ.
(وَمَنْ حَالَ دُونَهُ) أي: القصاص، وحمى الجاني بشفاعة أو بقوة مع طلب مستحقه له.
(فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اَللَّهِ) هذا يدل على أنه كبيرة.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه إذا إنسان ولم يتبين حاله ولا من قتله، فإن ديته دية قتل الخطأ.
قال الصنعاني: الحديث فيه مسألتان: الأولى أنه دليل على أن من لم يعرف قاتله فإنها تجب فيه الدية وتكون على العاقلة.
واختلف العلماء على من تكون الدية؟
فقيل: على بيت المال.
وقيل: أن ديته تجب على جميع من حضر.
قال الصنعاني: وذهب الحسن إلى أن ديته تجب على جميع من حضر، وذلك لأنه مات بفعلهم فلا تتعداهم إلى غيرهم.
وقيل: أنه هدر.
وقال الصنعاني: قال مالك إنه يهدر، لأنه إذا لم يوجد قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن قتل العمد يوجب القصاص.
- أن الحيلولة دون إقامة حدود الله موجبة للعنة الله.
стр. 2177
١١٧٢ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَمْسَكَ اَلرَّجُلُ اَلرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ اَلْآخَرُ، يُقْتَلُ اَلَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ اَلَّذِي أَمْسَكَ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْقَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ اَلْبَيْهَقِيَّ رَجَّحَ اَلْمُرْسَلَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
رجح الإرسال البيهقي، وابن عبد الهادي.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه إذا أمسك إنسان إنساناً ليقتله آخر، فيقتل القاتل ويحبس الماسك حتى يموت.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
لا خلاف في وجوب القصاص على القاتل.
قال ابن قدامة: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ.
وأما الممسك الذي أمسكه ليقتله القاتل، فقد اختلف العلماء على أقوال:
القول الأول: لا قصاص على الممسك.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي.
قال ابن قدامة: وقال أبو حنيفة، والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يعاقب، ويأثم، ولا يقتل.
أ- لأن النبي ﷺ قال (إن أعتى الناس على الله، من قتل غير قاتله) والممسك غير قاتل.
ب- ولأن الإمساك سبب غير ملجئ، فإذا اجتمعت معه المباشرة، كان الضمان على المباشر، كما لو لم يعلم الممسك أنه يقتله.
القول الثاني: القصاص عليهما جميعاً.
وهذا قول مالك.
لأنه لو لم يمسكه ما قدر على قتله، وبإمساكه تمكن من قتله، فالقتل حاصل بفعلهما فيكونان شريكان فيه.
القول الثالث: أن القاتل يقتل ويمسك الممسك حتى يموت.
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
لحديث الباب.
قال ابن قدامة: ولنا، ثم ذكر حديث الباب.
ولأنه حبسه إلى الموت، فيحبس الآخر إلى الموت، كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات، فإننا نفعل به ذلك حتى يموت.
وهذا الراجح.
стр. 2178
• ما الحكم إذا أكره مكلف مكلفاً آخر على قتل معصوم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن القصاص عليهما (على المكرِه والمكرَه).
وهذا قول مالك وأحمد.
لأن المكرِه تسبب إلى قتله بشيء يُفضي إليه غالباً، فوجب عليه القصاص، كما لو ألسعه حية، أو ألقاه إلى أسد في زريبة، وأما المكرَه - بفتح الراء - فلأنه قتل شخصاً ظلماً لاستبقاء نفسه، أشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله.
القول الثاني: أن القصاص على المكرَه - بفتح الراء - دون المكرِه.
وهذا قول للشافعية وبعض الحنفية.
لأن المكرَه مباشر، وليس له أن يقتل غيره لاستبقاء نفسه.
القول الثالث: أن القصاص على المكرِه - بكسر الراء -.
وهذا قول أبي حنيفة.
لأنه هو الملجاء لغيره، والمكرَه مضطر، ولولا إكراه ذلك ما قتله.
لكن هذا تعليل ضعيف.
والراجح أن القصاص عليهما أو على المكرَه.
• ما الحكم إذا أمر شخص آخر بقتل إنسان، وكان هذا المأمور صغيراً أو مجنوناً أو جاهلاً بالتحريم؟
القصاص على الآمر.
لأنه توصل إلى قتله بشيء يقتل غالباً، والصبي والمجنون والجاهل بالتحريم بمنزلة الآلة، كما لو أنهشه حية فقتلته.
• ما الحكم إذا كان المأمور كبيراً عاقلاً عالماً بالتحريم؟
إذا كان المأمور كبيراً عاقلاً عالماً بالتحريم فالقصاص على القاتل بلا خلاف.
стр. 2179
• ما الحكم إذا اشترك في القتل اثنان لا يجب القوَد على أحدهِما منفرداً لأبوة أو غيرها؟
فالقود على الشريك وعلى الثاني نصف الدية.
مثاله: لو اشترك أب وأجنبي في قتل الولد، فالأجنبي يقتل بالولد، والأب لا يقتل بولده، فيكون القود على الشريك، والثاني (وهو الأب) لا قود عليه، لوجود المانع وهو الأبوة، وإذا نفذنا القصاص على الأجنبي فإن الأب يكون عليه نصف الدية، لأن الدية تتبعض، والقصاص لا يتبعض.
مثال آخر: رقيق وحر اشتركا في قتل رقيق، فالحر لا يقتل بالرقيق، والرقيق يقتل به، ففي هذه الحال يقتل الرقيق ولا يقتل الحر، ولكن عليه نصف ديته، أي نصف قيمته.
• ما الحكمة في أنه لا يستوفى القصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه؟
أ- لافتقاره إلى اجتهاده، وخوف الحيْف.
ب- ولأن أولياء المقتول ربما يعتدون عليه بالتمثيل أو بسوء القتل أو بغير ذلك بسبب الغيظ الذي في قلوبهم عليه.
• هل يجوز أن يستوفي القصاص أولياء المقتول؟
نعم يجوز لكن بشروط:
أن يحسن القصاص - ويأمن عدم التجاوز - وبحضور السلطان أو نائبه.
• لا يستوفى القصاص إلا بآلة ماضية، أي: حادة.
فلا يجوز بالآلة الكالة، لقوله ﷺ (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) رواه مسلم
لأنه إسراف في القتل، وإذا قتلنا بها فإننا لم نحسن إليه.
стр. 2180
١١٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمَعَاهِدٍ. وَقَالَ: "أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ). أَخْرَجَهُ عَبْدُ اَلرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسَلًا. وَوَصَلَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، بِذِكْرِ اِبْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ اَلْمَوْصُولِ وَاهٍ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
لا يصح كما قال المصنف.
قال أحمد: الحديث ليس له إسناد، وقال الدارقطني: يرويه ابن البيلماني، وهو ضعيف إذا أسند فكيف إذا أرسل.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
استدل بالحديث من قال بقتل المسلم بالكافر الذمي، وقد تقدمت المسألة، وأن الراجح مذهب الجمهور، وأنه لا يقتل مسلم بكافر.
стр. 2181
١١٧٤ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ اِشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ). أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(غِيلَةً) سيأتي تعريفه إن شاء الله.
• هل يقتل الجماعة بالواحد؟
نعم.
فلو اشترك جماعة في قتل شخص عمداً، فإنه يجب عليهم القصاص جميعاً.
أ- لعموم الأدلة على مشروعية القصاص.
ب- ولحديث الباب.
ج- وسداً للذريعة، فإنه لو لم يقتل الجماعة بالواحد لأدّى ذلك إلى سقوط القصاص بهذه الحيلة، فكل من أراد قتل شخص تعاون مع آخرين ليسقط عنه القصاص، فيؤدي ذلك إلى إسقاط حكمة الردع والزجر.
• ما شرط القصاص منهم؟
شرط القصاص منهم جميعاً: أن يكون فعل كل واحد منهم يصلح لقتله لو انفرد، كأن يصوّب ثلاثة أشخاص مسدساً ضد شخص واحد ويقتلونه في آن واحد.
وهذا الحكم: حيث كان فعل كل واحد منهم يوجب القصاص لو انفرد، كأن يجتمعوا على ضربه بسيوف، كل واحد لو انفردت ضربته لقتلت غالباً.
• إن اختار الولي الدية، فكم دية تجب عليهم؟
إن اختار الولي الدية، فإنها تجب دية واحدة على الجميع، وذلك لأن النفس واحدة والقتل واحد فلم يجب إلا دية واحدة.
• ما هو قتل الغيلة؟ وهل يحق للأولياء العفو أو الصلح أم لا؟
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (قوله: (قتل غيلة) بكسر أوله، أي: خديعة، والاغتيال: الأخذ على غفلة.
وقال الفقيه مصطفى السيوطي الرحيباني: وقتل الغيلة، بكسر الغين المعجمة، وهو: القتل على غرة، كالذي يخدع إنسانا فيدخله بيتا أو نحوه أو غيره.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: أما إذا كان يقتل النفوس سراً، لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم، أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة أو طب، أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله- فهذا يسمى: القتل غيلة.
стр. 2182
- وقد اختلف العلماء ما الذي يوجبه قتل الغيلة على قولين:
القول الأول: القصاص أو الدية، على حسب اختيار أولياء المقتول. (كغيره من أنواع القتل).
وهذا قول الجمهور.
ورجحه: وابن قدامة، وابن حزم، ومن وافقهم من أهل العلم.
واستدلوا بعموم الأدلة على شرعية القصاص التي لم تفرق فيها بين قتل الغيلة وغيره.
القول الثاني: القتل، ويرجع فيه إلى السلطان.
وهذا قول المالكية، واختيار ابن تيمية.
قال ابن القيم: قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حداً، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، قال أيضا: وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا وأفتى به.
أ-لقوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ).
وجه الدلالة: أن هذه الآية أثبتت عدم جواز العفو عمن حارب الله ورسوله، وقتل الغيلة نوع من الحرابة فلا يدخله العفو.
ب- لحديث أنس أنه قال (لما قدم رهط من عرينة وعكل على النبي ﷺ اجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ففعلوا، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا) متفق عليه
وجه الدلالة: أن هؤلاء قتلوا الراعي غيلة، ولهذا اقتص منهم رسول الله ﷺ ولم يأخذ برأي أولياء الراعي هل يقتصون أو يعفون عنهم.
قال ابن القيم: وهذا الحديث- أيضاً- يدل على أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة.
ج- وعنه. (أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أو حلي فأخذ واعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين) متفق عليه.
قال ابن القيم في أثناء الكلام على فقه هذا الحديث- قال: وإن قتل الغيلة لا يشترط فيه إذن الولي، فإن رسول الله ﷺ لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتماً.
وأورد ﵀ اعتراضاً وأجاب عنه، فقال: ومن قال: إنه فعل ذلك لنقض العهد لم يصح، فإن ناقض العهد لا يرض رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف.
د- وأما المعنى: فإن قتل الغيلة حق لله، وكل حق تعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه، كالزكاة وغيرها، لأنه يتعذر الاحتراز منه، كالقتل مكابرة.
هـ- أن قتل الغيلة يصعب الاحتراز منه، فهو كالقتل في الحرابة وقطع الطريق.
والله أعلم.
стр. 2183
١١٧٥ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ اَلْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا اَلْعَقْلِ. أَوْ يَقْتُلُوا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
١١٧٦ - وَأَصْلُهُ فِي "اَلصَّحِيحَيْنِ" مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن الواجب في قتل العمد أحد أمرين: إما القصاص وإما الدية، حسب اختيار الولي.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: ما موجب قتل العمد على قولين:
القول الأول: أن موجب القتل العمد أحد شيئين: القصاص، أو الدية فيختار ولي الدم أحدهما إما أن يقتص أو يأخذ الدية عن القصاص ويجبر الجاني على دفعها.
وهذا رأي الحنابلة، وبعض الشافعية، والظاهرية.
وروي عن سعيد ابن المسيب وابن سيرين وعطاء ومجاهد وغيرهم، وهو رواية عن الإمام مالك ﵀.
أ- لقوله تعالى (فمن عفي له من أخيه شيء).
قال ابن عباس: العفو أن يقبل الدية في العمد.
ب- ولحديث الباب وما في معناه:
ففي حديث الباب (فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا اَلْعَقْلِ، أَوْ يَقْتُلُوا).
وحديث أبي هريرة - في الصحيحين - قال ﷺ (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ: فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يُودِي).
ورواية مسلم (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَل).
قوله (فهو بخير النظرين) أي الولي، لأن المقتول لا اختيار له، وإنما الاختيار لوليه، وقد جاء عند الترمذي: (فإما أن يعفو وإما أن يقتل) والمراد بالعفو إلى الدية، وقد جاء في رواية: (فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين: إما أن يقتلوا أو يأخذوا الدية) وعند أبي داود: (فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه) أي إذا أراد زيادة على القصاص أو الدية.
قوله (وإما أن يُودِي) أي يعطي القاتل أو أولياؤه لأولياء المقتول الدية.
стр. 2184
القول الثاني: أن موجب القتل العمد هو القصاص عيناً.
وعلى هذا فلا يُلزم الجاني بدفع الدية إن أرادها ولي الدم، فإما أن يقتص منه وإما أن يعفو مجاناً إن لم يرض الجاني بدفع الدية.
وهذا رأي الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية.
أ- لقوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى).
فذكر القصاص ولم يذكر الدية.
ب- ولقوله ﷺ (من قتل عمداً فهو قود) رواه أحمد.
فنص الحديث على أن العمد موجب للقود، وهذا يدل على إبطال التخيير.
والقول الأول أصح.
قال ابن القيم: والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجاناً، والعفو إلى الدية، والقصاص.
ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة، والرابع: المصالحة على أكثر من الدية ".
- ما حكم المصالحة عن القود بأكثر من الدية؟
اختلف العلماء في حكم المصالحة عن القود بأكثر من الدية على قولين:
القول الأول: صحة الصلح عن القصاص على أكثر من الدية.
وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، والمالكية.
أ- لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال (من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وما صالحوا عليه فهو لهم) رواه الترمذي.
ب- ولأن الشارع متشوق إلى صيانة النفوس والدماء، فرغب في قبول الدية تحقيق لهذا القصد في التشريع.
القول الثاني: لا يصح ذلك إلا على الدية أو دونها.
وبه قال بعض الحنفية، ورجحه ابن القيم.
стр. 2185
لحديث ابن شريح (من أصيب بقتل أو خيل، فإنه يختار بين ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه).
وجه الدلالة: (فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه) قالوا معناه: إذا أراد زيادة على القصاص أو الدية أو العفو فلا تمكنوه من فعل شيء غير واحدة من هذه الثلاث المتقدمة، والصلح على أكثر من الدية ليس منها، فظهر إذاً عدم صحته.
ويجاب عن هذا:
أن يقال: أن المراد بقوله: (فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه) وهذه الرابعة هي المذكورة في آخر آية القصاص من سورة البقرة، وهي: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي من قتل بعد أخذ الدية أو قبولها فله عذاب من الله أليم موجع شديد وأنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية.
فيكون معنى الحديث (فإن أراد الرابعة): بأن يأخذ الدية مثلاً ويقتل، فخذوا على يديه، ولهذا جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال (لا أعافي أحداً قتل بعد أخذ الدية).
فالراجح القول الأول.
• ما الأفضل لأولياء المقتول؟
الأفضل لأولياء المقتول العفو عن القصاص.
ومعنى العفو: التنازل عن القصاص إلى الدية أو الصلح أو إلى غير شيء.
فالعفو مشروع ومستحب.
أ-قال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
ب-وقال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).
ج- وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) وقيل في تفسيرها: من أحياها بالعفو عن القاتل.
د- وعن أنس قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء في قصاص إلا أمر فيه بالعفو) رواه أحمد.
هـ- وقال ﷺ : (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم.
لكن العفو يشترط ألا يحصل بالعفو ضرراً، كأن يكون الجاني سفاكاً للدماء، فالأصلح في مثل هذه الحال القصاص.
ولهذا قيد الله تعالى العفو بالإصلاح، فقال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو عنه إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحساناً إلا بعد العدل، وهو أن لا يحصل بالعفو ضرر، وإلا كان ظلماً إما لنفسه وإما لغيره.
стр. 2186
• متى تتعين الدية؟
تتعين في حالات:
الأولى: إذا اختارها، فلو قال: رجعت إلى الدية، نقول: لا قصاص، لأنك باختيارك الدية سقط القصاص.
الثانية: إذا هلك الجاني، فإذا مات القاتل فهنا تتعين الدية.
الثالثة: إذا عفا عن القصاص.
• ما حكم من قتل بعد أخذ الدية؟
قَالَ القرطبيّ: قوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ) شرط وجوابه: أي قَتَلَ بعد أخذ الدية، وسقوط الدم قاتلَ وَلِيِّه فله عذاب أليم.
واختلف العلياء فيمن قتل بعد أخذ الدية.
فَقَالَ جماعة منْ العلماء، منهم: مالك، والشافعي: هو كمن قَتَل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا، وعذابه فِي الآخرة. وَقَالَ قتادة، وعكرمة، والسُّدِّي، وغيرهم: عذابه أن يُقتَل البتة، ولا يُمَكِّن الحاكم الوليَّ منْ العفو.
ورَوَى أبو داود، عن جابر بن عبد الله. قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (لا أُعْفِي منْ قتل بعد أخذ الدية).
وَقَالَ الحسن: عذابه أن يَرُدَّ الديةَ فقط، ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة.
وَقَالَ عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإِمام، يصنع فيه ما يرى. (تفسير القرطبي).
• هل يجوز للنساء العفو عن القصاص؟
نعم.
وهذا قول أكثر العلماء.
قَالَ الإِمام الخطّابيّ: قد اختلف النَّاس فِي عفو النِّساء، فَقَالَ أكثر أهل العلم: عفو النِّساء عن الدم جائز، كعفو الرجال.
وقال ابن قدامة: فالقصاص حق لجميع الورثة، منْ ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، والصغار والكبار، فمن عفا منهم صح عفوه، وسقط القصاص، ولم يبق لأحد إليه سبيل.
وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، والنخعي، والحَكَم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، ورُوي معنى ذلك عن عمر، وطاوس، والشعبي.
стр. 2187
وَقَالَ الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شُبْرمة، والليث، والأوزاعي: ليس للنساء عفو.
واحتجّ الأولون:
بعموم قوله ﷺ (فأهله بين خيرتين) وهذا عامّ فِي جميع أهله، والمرأة منْ أهله، بدليل قول النبيّ ﷺ (منْ يَعذُرُني منْ رجل يبلغني أذاه فِي أهلي، وما علمت عَلَى أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيراً، وما كَانَ يدخل عَلَى أهلي إلا معي) يريد عائشة رضي الله تعالى عنها، وَقَالَ له أسامة: يا رسول الله أهلك، ولا نعلم إلا خيرا، متّفقٌ عليه.
وروى زيد بن وهب (أن عمر ﵁ أُتي برجل قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول، وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي، فَقَالَ عمر: الله أكبر عَتَقَ القتيل). (المغني).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن القصاص بقتل القاتل لا يكون إلا في القتل العمد بإجماع العلماء.
قال ابن قدامة: أجمع العلماء على أن القَوَد (القصاص) لا يجب إلا بالعمد، ولا نعلم بينهم في وجوبه بالقتل العمد إذا اجتمعت شروطه خلافا، وقد دلت عليه الآيات والأخبار بعمومها، فقال الله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل). وقال تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى). وقال تعالى: (ولكم في القصاص حياة). يريد - والله أعلم - أن وجوب القصاص يمنع من يريد القتل منه، شفقة على نفسه من القتل، فتبقى الحياة في من أريد قتله. وقيل: إن القاتل تنعقد العداوة بينه وبين قبيلة المقتول، فيريد قتلهم خوفا منهم. ويريدون قتله وقتل قبيلته استيفاء، ففي الاقتصاص منه بحكم الشرع قطع لسبب الهلاك بين القبيلتين. وقال الله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس). الآية. وقال النبي ﷺ : (من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يُفْدَى). متفق عليه. وروى أبو شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : (من أصيب بدم، أو خبل، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية). رواه أبو داود. وفي لفظ: (فمن قتل له بعد مقالتي قتيل، فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا الدية، أو يقتلوا). وقال ﵇: (العمد قود، إلا أن يعفو ولي المقتول). - والقَوَد هو القصاص - " انتهى.
- الصلح مقابل مغادرة الجاني أرض الجناية أبداً أو إلى مدة:
قد يقع الصلح عن دم العمد بشرط أن يرتحل الجاني عن بلد أولياء الدم نهائياً فلا يعود إليها، أو بأن يرتحل مدة محددة من الزمن يحددونها له، فإن عاد فمن حقهم أن يقتصوا إن كان بعد ثبوت الدم أو يعاودوا الخصومة إن كان قبل ثبوت الدم. ولم أجد فيما توصلت إليه من تكلم عن هذه الصورة من الصلح إلا فقهاء المالكية ـ على تفصيل في مذهبهم ـ وشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵏.
стр. 2188
فإذا التزم القاتل أنه إن عاد للبلد فلهم القود أو الدية ثم لم يرتحل بعد الاتفاق أو ارتحل ثم عاد، وكان الدم قد ثبت كان لهم القود في العمد، فإن لم يثبت الدم كان لورثة المقتول الحق في المخاصمة من جديد ولا يكون الصلح قاطعاً لخصومتهم لانتقاضه بعدم رحيله، أو عوده بعد رحيله قبل المدة التي حددت له. فالشرط جائز والصلح لازم على هذا القول.
وذلك لما يأتي:
أولاً: أن المسلمين على شروطهم وإذا رضي الأولياء والجاني بهذا الشرط فلا محذور فيه.
ثانياً: أن الأولياء لهم أن يصالحوا الجاني على عوض مالي أو منفعة أو مصلحة ـ كما تقدم ـ وقد يكون في رحيل الجاني مصلحة وهو حق رضوا بإسقاطه مقابل هذا لشرط الذي رضي الجاني بالتزامه فلا محذور في ذلك.
ثالثاً: إذا لم يف بهذا الشرط فلهم الرجوع عليه كما لو لم يؤد العوض المتفق عليه بينهم. (الصلح في الجنايات العريني).
مبحث: كفارة القتل:
أولاً: كفارة القتل: عتق رقية، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
كما قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا … فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) أي: يمتنع شرعاً أن يقتل المؤمن أخاه عمداً، لكن قد يقتله عن طريق الخطأ.
(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: ومن قتل مؤمناً خطأ فعليه كفارة: تحرير وتخليص رقبة مؤمنة من الرق وإعتاقها، ويجب أن تكون مؤمنة.
(وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الدية: ما يعطى عوضاً عن دم القتيل إلى أوليائه جبراً لقلوبهم وعوضاً عما فاتهم من قريبهم.
(إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يعفوا عن الدية.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي: لم يجد الرقبة، بأن تكون معدومة، وإما أن يكون ثمنها معدوماً.
(فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي: فعليه صيام شهرين متتابعين بحيث لا يفطر بينهما ولا يقطعهما بإفطار يوم أو اكثر في اثنائها من غير عذر شرعي.
- وسواء بدأ الصيام من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره ويحسب شهرين متتابعين، فإن أفطر بينهما من غير عذر شرعي استأنف.
стр. 2189
ثانياً: هذه الكفارة في قتل الخطأ وشبه العمد، فلا كفارة في عمد.
قال ابن قدامة: والمشهور في المذهب: أنه لا كفارة في قتل العمد، وبه قال الثوري، ومالك، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
أ- لمفهوم قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .... ) ثم ذكر قتل العمد، فلم يوجب فيه كفارة، وجعل جزاءه جهنم، فمفهومه أنه لا كفارة فيه.
ب- وروي (أن سويد بن الصامت قتل رجلا، فأوجب النبي ﷺ عليه القود، ولم يوجب كفارة).
ج- وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين في عهد النبي ﷺ فوداهما النبي ﷺ ولم يوجب كفارة.
د- ولأنه فعل يوجب القتل، فلا يوجب كفارة، كزنى المحصن
ثالثاً: لا إطعام في كفارة القتل.
لأنه لم يثبت ذلك في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ وما كان ربك نسياً.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: رجل مريض بمرض السكر، وعليه كفارة صيام شهرين -كفارة قتل خطأ- ولا يستطيع أن يصوم لمرضه، فماذا عليه؟
فأجاب: إذا كان لا يستطيع أن يصوم فلا شيء عليه؛ لأن كفارة القتل ليس فيها إلا عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، كما في سورة النساء: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) وليس فيه إطعام، فإن قدر على الصوم صام وإلا سقط عنه. (لقاء الباب المفتوح).
رابعاً: الكفارة تتعدد بتعدد القتلى.
سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن سائق سيارة تسبب في حادث نتيجة لنومه، ومات ثلاثة نساء في الحادث.
فأجابوا:
"يجب عليك كفارة القتل خطأ عن كل نفس ماتت معك في الحادث المذكور، والكفارة هي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجد فتصوم شهرين متتابعين متى استطعت، ولا مانع من الفصل بين كل شهرين بمدة ترتاح فيها.
стр. 2190
خامساً: تجب الكفارة على من قتل كافراً معصوماً.
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الكفارة على من قتل كافراً معصوماً.
والكافر المعصوم ثلاثة أنواع:
١ - الذمي. وهو من بيننا وبينه عقد الذمة.
٢ - المعاهَد. من بيننا وبين قومه عهد على ترك القتال.
٣ - المستأمِن. وهو من دخل بلاد الإسلام بأمان، كمن دخلها للتجارة أو العمل أو زيارة قريب أو ما أشبه ذلك.
فمن قتل كافراً معصوماً فعليه شيئان:
الأول: الدية، تسلم إلى أهله. وهذا إذا كان أهله غير محاربين. وأما إذا كان أهله محاربين لنا فلا يستحقون الدية، لأن أموالهم ودماءهم لا حرمة لها. (تفسير السعدي).
الثاني: الكفارة وهذا قول جمهور العلماء.
قال ابن قدامة: وَتَجِبُ (تعني الكفارة) بِقَتْلِ الْكَافِرِ الْمَضْمُونِ، سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ; لقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ). فَمَفْهُومُهُ أَنْ لا كَفَّارَةَ فِي غَيْرِ الْمُؤْمِنِ.
وَلَنَا، قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وَالذِّمِّيُّ لَهُ مِيثَاقٌ، وَهَذَا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَلأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَقْتُولٌ ظُلْمًا، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ، كَالْمُسْلِمِ اهـ.
وقد اختار هذا القول جماعة من المفسرين منهم: الطبري (٩/ ٤٣) والقرطبي (٥/ ٣٢٥) وابن كثير (٢/ ٣٧٦)
- قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
كفارة القتل الخطأ تجب على الفور، فإن كان من وجب عليه الصيام ضعيفاً ضعفاً يمنعه من الصيام بحيث لا يتضرر به، فيبقى الصيام ثابتاً في ذمته فمتى قدر عليه فعله، لعموم قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). ولقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ). وإن كان من وجب عليه كبيراً فإن الصيام يسقط عنه …
ثم قال: إذا كان قادراً على الصيام في غير الوقت الذي وجب عليه فيه فهل يجوز له تأخيره إلى وقت الشتاء؟
والجواب: إذا كان لا يستطيعه في وقت ويستطيعه في وقت آخر فلا مانع من تأخيره إلى وقت الاستطاعة، لعموم قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) " انتهى باختصار.
"فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (١١/ ٣٧١ - ٣٧٢).
стр. 2191
بَابُ اَلدِّيَاتِ
الديات: جمع دية: وهي المال المؤدى إلى المجني عليه أو لوليه بسبب الجناية.
فقوله (المؤدى إلى المجني عليه) هذا فيما إذا كانت الجناية فيما دون النفس.
(أو وليه) فيما إذا كانت الجناية بالنفس - وفيما إذا كانت الجناية فيما دون النفس لكن المجني عليه غير مكلف (كأن يكون صغيراً أو مجنوناً).
• والدية واجبة.
قال تعالى (ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله .. ).
وفي الحديث (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدي وإما أن يقتل).
• فإن كانت الجناية عمداً محضاً فإن الدية تكون على الجاني.
لأن الأصل: أن من أتلف شيئاً فعليه ضمانه.
ولأن الجاني في العمد غير معذور فلا يناسبه التخفيف.
• وإن كانت الجناية شبه عمد أو خطأ، فعلى عاقلته.
ففي الخطأ على العاقلة بالإجماع.
ولأن الخطأ يكثر وقوعه، فلو أوجبنا الدية على الجاني لأجحف ذلك في ماله.
• وفي شبه العمد، على العاقلة أيضاً على القول الصحيح، وهو المذهب.
لما ثبت في الصحيحين لحديث أبي هريرة. قال (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أن دية جنينها عبداً أو أمة وقضى بدية المرأة على عاقلتها) متفق عليه
وذهب ابن تيمية إلى أن الدية في شبه العمد على الجاني، لأن الجاني في القتل شبه العمد ليس بمعذور فلا يناسبه التخفيف.
• كل من أتلف إنساناً بمباشرة أو سبب لزمته ديته.
مثال المباشرة: أن يأخذ الإنسان آلة تقتل، فيقتل بها هذا الإنسان، سواء عمداً أو خطأ، أو يلقيه من شاهق.
مثال السبب: أن يحفر حفرة في طريق الناس، فيقع فيها إنساناً، فهذا لم يباشر لكنه تسبب، فيكون عليه الضمان.
• من أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك به لم يضمنه.
مثال: أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً، فلما نزل زلت قدمه فسقط في البئر فمات، فلا ضمان على الآمر، لأن النازل بالغ عاقل، إلا إذا كان الآمر يعلم أن في البئر ما يكون سبباً للهلاك ولم يخبره، فعليه الضمان، لأنه غره، وكذلك لو كان في البئر حية.
стр. 2192
١١٧٧ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اَلْيَمَنِ … فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ، وَفِيهِ (أَنَّ مَنْ اِعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلاً عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ اَلْمَقْتُولِ، وَإِنَّ فِي اَلنَّفْسِ اَلدِّيَةَ مِائَةً مِنْ اَلْإِبِلِ، وَفِي اَلْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ اَلدِّيَةُ، وَفِي اَللِّسَانِ اَلدِّيَةُ، وَفِي اَلشَّفَتَيْنِ اَلدِّيَةُ، وَفِي اَلذِّكْرِ اَلدِّيَةُ، وَفِي اَلْبَيْضَتَيْنِ اَلدِّيَةُ، وَفِي اَلصُّلْبِ اَلدِّيَةُ، وَفِي اَلْعَيْنَيْنِ اَلدِّيَةُ، وَفِي اَلرِّجْلِ اَلْوَاحِدَةِ نِصْفُ اَلدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ اَلدِّيَةِ، وَفِي اَلْجَائِفَةِ ثُلُثُ اَلدِّيَةِ، وَفِي اَلْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ اَلْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ اَلْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنْ اَلْإِبِلِ، وَفِي اَلسِّنِّ خَمْسٌ مِنْ اَلْإِبِلِ وَفِي اَلْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ اَلْإِبِلِ، وَإِنَّ اَلرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ اَلذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "اَلْمَرَاسِيلِ" وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّته.
===
(عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ حَزْمٍ) الأنصاريّ النّجّاريّ -بالنون، والجيم- المدنيّ القاضي، اسمه كنيته، وقيل: إنه يُكنى أبا محمد، ثقة عابدٌ مات سنة (١٢٠
(عَنْ أَبِيهِ) هو محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ولد في حياة النبي ﷺ .
(عَنْ جَدِّهِ) عمرو بن حزم لأنصاريّ الصحابيّ المشهور، شَهِد الخندق، فما بعدها، وكان عامل النبيّ ﷺ عَلَى نجران، مات بعد (٥٠)، وقيل: فِي خلافة عمر.
(أَنَّ مَنْ اِعْتَبَطَ مُؤْمِنًا) أي: قتله بلا ذنب يوجب قتله، والمراد به هنا: أنه قتل مؤمناً بلا جناية كانت منه، ولا جريرة توجب قتله.
(قَتْلاً عَنْ بَيِّنَةٍ) أي: بحجة، والمراد وجود الشهود عَلَى قتله، أو ثبوته بإقراره.
(فَإِنَّهُ قَوَدٌ) بفتحتين: أي فإن القاتل يُقتل به قصاصًا.
(إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ اَلْمَقْتُولِ) أي: بقبول الدية، فلهم ذلك، وفيه أن الأصل القصاص، وأن قبول الدية تخفيف منْ الله .
(وَإِنَّ فِي اَلنَّفْسِ اَلدِّيَةَ) أي: الكاملة مِائَةً مِنْ اَلْإِبِلِ.
(وَفِي اَلْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ) بضم أوله: أي أخذ كله، قَالَ فِي "المصباح": وَعَبته وَعْبًا، منْ باب وَعَدَ، وأوعبته إيعابًا، واستوعبته، كلُّها بمعنًى، وهو أخذ الشيء جميعِهِ.
(جَدْعُهُ اَلدِّيَةُ) المعنى: أنه إذا قطع أنف الشخص كلّه خطأ وجبت فيه الدية الكاملة.
(وَفِي اَللِّسَانِ اَلدِّيَةُ) أي: إذا قُطع لسان الإنسان خطأ وجبت الدية الكاملة.
(وَفِي اَلشَّفَتَيْنِ اَلدِّيَةُ) أي: إذا قطع شفاه العليا والسفلى وجبت به الدية الكاملة.
стр. 2193
(وَفِي اَلذِّكْرِ اَلدِّيَةُ) أي: إذا قطع ذكره خطأ ففيه الدية الكاملة.
(وَفِي اَلْبَيْضَتَيْنِ اَلدِّيَةُ) أي: فِي قطع الأنثيين خطأ الدية الكاملة.
وَفِي اَلصُّلْبِ اَلدِّيَةُ) بضم الصاد المهملة، وسكون اللام، وتُضمّ للإتباع: هو كلُّ ظهر له فَقَارٌ (الدِّيَةُ) أي إذا قطع صلبه خطأ، ففيه الدية الكاملة.
(وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ اَلدِّيَةِ) أي: فِي الجراحة التي تصل إلى جلدة الدماغ، ويقال لها: الآمّة أيضًا، قَالَ ابن عبد البرّ: أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة، وهي الجراحة الواصلة إلى أُمّ الدماغ، سُمِّيت أم الدماغ، لأنها تحوطه وتجمعه، فإذا وصلت الجراحة إليها سميت آمّة، ومأمومة، يقال: أمّ الرجلُ آمّة، ومأمومة.
(وَفِي اَلْجَائِفَةِ ثُلُثُ اَلدِّيَةِ) الجائفة: هي الطعنة التي تصل إلى جوف الرأس، أو جوف البطن، فإذا كانت خطأ وجب فيها ثلث الدية.
(وَفِي اَلْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ اَلْإِبِلِ) قَالَ فِي (المغني) المنقلة زائدة عَلَى الهاشمة، وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم؛ ليلتئم.
(وَفِي اَلْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ اَلْإِبِلِ) الموضحة هي الجرحة التي ترفع اللحم عن العظم وتوضحه.
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث فيه ضعف.
لكن قَدْ صحح الْحَدِيث بالكتاب المذكور جماعة منْ الأئمة، لا منْ حيث الإسناد، بل منْ حيث الشهرة.
فَقَالَ الشافعيّ فِي "رسالته": لم يقبلوا هَذَا الْحَدِيث، حَتَّى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ .
وَقَالَ ابن عبد البر: هَذَا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفة يُستَغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر فِي مجيئه؛ لتلقي النَّاس له بالقبول والمعرفة.
• ما الذي يوجبه قتل العمد؟
الحديث دليل على أن قتل عمداً يُوجب القود إلا أن يرضى الأولياء، وقد تقدم مبحث المسألة.
стр. 2194
• كم دية المسلم الحر؟
مائة من الإبل.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية، وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل.
لقوله (وَإِنَّ فِي اَلنَّفْسِ اَلدِّيَةَ مِائَةً مِنْ اَلْإِبِلِ).
ويشهد لهذا حديث القسامة وفيه ( .... فوداه النبي ﷺ بمائةٍ من إبل الصدقة).
فقوله (الحر) نخرج العبد المملوك فديته قيمته. وقوله (المسلم) نخرج الكافر فديته تختلف كما سيأتي.
وهذا يشمل الصغير والكبير والعاقل والمجنون والعالم والجاهل.
• هل الإبل أصل في الدية أم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، وستأتي المسالة إن شاء الله.
• ما القاعدة فيما كان منه في الإنسان شيء واحد وما فيه شيئان؟
استنبط العلماء من هذا الحديث: قاعدة: أن ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية كاملة، وما في الإنسان منه شيئان ففيه الدية وفي كل واحد منهما نصف الدية:
فالأنف واللسان والذّكَر: دية.
وفي العينين والأذنين والشفتين واللحيين وثديي المرأة، واليدين والرجْلين والأليتين فيهما الدية، وفي أحدهما نصفها.
قال في زاد المستقنع: مَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيءٌ وَاحِدٌ، كَالأْنْفِ، وَاللِّسَانِ، وَالذَّكَرِ، فَفِيهِ دِيَةُ النَّفْسِ.
وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، كَالْعَيْنَيْنِ، وَالأْذُنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَاللَّحْيَيْنِ، وَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ، وَثَنْدُؤَتَيِ الرَّجُلِ، وَاليَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالأْنْثَيَيْنِ، وَإِسْكَتَيِ المَرْأَةِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا. (زاد المستقنع).
стр. 2195
قال الشيخ ابن عثيمين في الممتع:
وقوله: «ففيه دية النفس» أي: فإنَّ عليه دية النفس، إن كانت أنثى فخمسون بعيراً، وإن كان ذكراً فمائة بعير.
مسألة: لو أن هذا الرجل الذي أُذهب أنفه أجرى عملية وركَّب أنفاً، ونجحت العملية، فهل تجب الدية؟
ظاهر كلام العلماء أنّ الدية تجب، وقد ذكروا أنَّ من أتلف شعراً ثم نبت فإنه تسقط ديته، فهل نقول: إن هذا مثل الشعر لما أعاده بعملية فلا شيء له؟
الجواب: إن أعاد نفس الأنف وبقي فهذا ديته تسقط بلا شك، وأما إذا أعاد أنفاً غيره فهذا محل نظر وتأمل.
وقوله: «كالأنف» لو كان الأنف من إنسان أخشم، أي: لا يشم، أو أشل ففيه دية.
وقوله: «واللسان» أيضاً فيه دية النفس، إن كان من امرأة ففيه دية امرأة، وإن كان من رجل ففيه دية رجل، مع أنه إذا قطع لسانه سوف يفوِّت عليه منفعتين: منفعة الكلام، ومنفعة الذوق، ولكن لا عبرة بالمنافع إذا كان المتلف عضواً، كما أن الإنسان لو أتلف رَجُلاً سيتلف منافع متعددة.
وقوله: «والذكر» أي: فيه دية النفس؛ لأنه ليس في الإنسان منه إلاّ شيء واحد.
والدليل قوله ﷺ في حديث: «وفي الذَّكَر الدية، وفي الأنف إذا أُوْعب جَدْعُه الدية، وفي اللسان الدية» (١).
قوله (وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، كَالْعَيْنَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَاللَّحْيَيْنِ، وَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ، وَثَنْدُؤَتَيِ الرَّجُلِ، وَاليَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالأْنْثَيَيْنِ، وَإِسْكَتَيِ المَرْأَةِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا).
قوله: «وما فيه منه شيئان، كالعينين، والأذنين، والشفتين، واللحيين» ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها، فما فيه منه شيئان وأتلفا جميعاً ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية.
وقوله: «كالعينين» ففيهما الدية ولو مع ضعف النظر، ولو مع عَمَشٍ، ولو مع حَوَلٍ؛ لأن هذا مثل ما لو أتلف الإنسان المريض، ففيه دية كاملة، فكذلك إذا أتلف هذه العين، ففيها دية كاملة، ولو كانت قاصرة النظر، أو فيها حول، أو ما أشبه ذلك.
وأما إذا كانت العينان لا تريان فليس فيهما دية كاملة؛ لأنه ليس فيهما منفعة.
وقوله: «والأذنين» أي: فيهما دية النفس، ولو كان لا يسمع بهما.
وقوله: «والشفتين» أي: إذا أذهب الشفتين جميعاً ففيهما الدية.
стр. 2196
وقوله: «واللحيين» وهما العظمان النابت عليهما الأسنان، فإذا أتلفهما ففيهما دية النفس، وفي أحدهما نصف الدية.
قوله: «وثديي المرأة» وهذا واضح.
قوله: «وثندؤتي الرجل» وهما للرجل بمنزلة الثديين من المرأة.
قوله: «واليدين والرجلين» أي: فيهما الدية؛ لأن في الإنسان منهما شيئين، وفي كل واحد منهما النصف.
ولا فرق بين أن يقطع اليد من مفصل الكف، أو من مفصل المرفق، أو من مفصل الكتف، فكل هذه تسمى يداً، مع العلم أنه إذا قطع مع مفصل الكف فهو أهون؛ لأنه سينتفع بما بقي من الذراع والعضد، ولكن يقولون: إن الأصل الكف، فإذا قطع الكف ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المرفق ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المنكب ففيه نصف الدية.
وقال بعض العلماء: إنه إذا قطع من الكف ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المرفق أو المنكب ففيه مع نصف الدية حكومة، وهذا إذا كان القطع واحداً، بمعنى أنه أمسك رجلاً وقطع يده من الكتف ففيه الدية، وأما إذا قطع أولاً من الكف، ثم من المرفق، ثم من الكتف، فكل واحد جناية مستقلة.
والحاصل أن هذه المسألة فيها قولان لأهل العلم:
الأول: لا فرق بين أن يقطعها من مفصل الكف، أو المرفق، أو الكتف.
الثاني: إذا قطعها مما فوق مفصل الكف ففي الزائد حكومة.
ولكن القول الأول أصح؛ لأن هذا يكون تابعاً، كما لو قلع اللحيين، مع أن اللحيين يكون عليهما أسنان، ويكون فيهما لِحية، ومع ذلك ما عليه إلاَّ دية اللحيين فقط، فهذا تابع.
قوله: «والأليتين» مثنى «ألية» وهي المقعدة التي يقعد عليها الإنسان، فإذا جنى عليهما شخص ففيهما الدية، وفي الواحدة نصف الدية.
قوله (والأنثيين) هما خصيتا الرجل، فإن قطعتا جميعاً ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية.
قوله (وإسكتي المرأة) ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها.
و (إسكتي المرأة) بفتح الهمزة وكسرها، وهما حافتا فرج المرأة، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية.
وكذلك الكليتان من أخذ إحداهما ففيها نصف الدية، وفي كلتيهما الدية كاملة، جرياً على القاعدة؛ والفقهاء ما تكلموا على هذا العضو؛ لأنه في الباطن، وأرى أنه يجب أن نتكلم عليه؛ لأن الناس أصبحوا يجعلون هذا العضو الباطن كالعضو الظاهر.
стр. 2197
• كم دية المأمومة والجائفة، والمنقلة؟
المأمومة: هي الشجة التي بلغت إلى أم الدماغ، وأم الدماغ جلدة رقيقة فوق الدماغ.
الحديث دليل على أن في المأمومة ثلث الدية. (ثلاث وثلاثون بعيراً وثلث البعير) وثلث البعير لا يتبعض فيؤخذ من الدراهم.
الجائفة: هي التي تصل إلى جوف البطن، وعلى هذا فهي خاصة بالبطن، وقيل: هي التي تصل إلى جوف العضو المجوف كالبطن والصدر والظهر والورك وغيرها مما له جوف.
الحديث دليل على أن في الجائفة ثلث الدية.
• … (هذا ما لم يصل إلى الموت، فإن وصل إلى الموت ففيه الدية كاملة).
المنقلة: هي: الشجة التي تكسر العظم وتزيله وتنقله عن مكانه.
الحديث دليل على أن في المنقلة (١٥) خمس عشرة من الإبل، وقد أجمع العلماء على هذا.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحديث دليل على أن كل إصبع من أصابع اليدين أو الرجلين عشر من الإبل، وعلى هذا: فإن في الأصابع الدية، ولو قطع أصابع اليدين والرجلين فديتان.
- ومن هذا نستفيد أن الدية غير مقدّرة بالنفع، ولو كانت مقدرة بالنفع لكان نفع الخنصر من الرجِل لا يساوي شيئاً لنفع الإبهام من اليد، (فالخنصر من الرجل فيه كما في الإبهام من اليد).
- الحديث دليل على أن دية السن خمس من الإبل، ففي كل سن خمس من الإبل ولو اختلفت منافعها، وعلى هذا فيكون في جميع الأسنان (١٦٠) بعيراً.
- الحديث على أن في الموضحة خمس من الإبل، الموضِحَة: هي الجَرْحَة التي تبرز العظم وتزيل عنه اللحم.
- الحديث دليل على أن الرجل يقتل بالمرأة، وقد سبقت المسألة وأدلتها.
أما الأنف فقد أجمع العلماء على وجوب الدية كاملة باستئصالهِ، ويشهد لهذا حديث عبد الله بن عمرو وفيه ( … وقضى النبي ﷺ في الأنف إذا جُدعَ الدية كاملة) رواه أبو داود، ولأن الأنف عضو فيه جمال ظاهر، ومنفعة كاملة، فمن جنى عليه، فقد جنى عليه وعلى منفعته.
وكذا اللسان: فقد أجمع العلماء على أن وجوب الدية كاملة في قطع لسان الكبير الناطق، ويشهد لهذا شيئان:
الأول: ما روي عن علي أنه قال (في اللسان الدية).
الثاني: ما ورد في مرسل سعيد بن المسيب (أن السنة قد مضت أن في اللسان الدية).
وكذا الذكر: فقد أجمع العلماء على وجوب الدية كاملة.
стр. 2198
١١٧٨ - وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (دِيَةُ اَلْخَطَأَ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ.
وَأَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، بِلَفْظٍ: - وَعِشْرُونَ بِنِي مَخَاضٍ -، بَدَلَ: - بُنِيَ لَبُونٍ - وَإِسْنَادُ اَلْأَوَّلِ أَقْوَى.
وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ اَلْمَرْفُوعِ.
١١٧٩ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ: مِنْ طَرِيقِ عَمْرِوِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ (اَلدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا).
===
• ما صحة حديث الباب؟
أخرجه الدارقطني، وسكت عنه.
وأما رواية الأربعة فهي بلفظ (وعشرون بني مخاض) بدل (بني لبون) ولكن إسناد الأول أقوى من إسناد رواية الأربعة، فإنَّ في رواية الأربعة خشف بن مالك الطائي، قال الدارقطني: إنَّه رجل مجهول، وفيه أيضًا الحجاج بن أرطأة. اهـ.
والحديث رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفاً (دية الخطأ أخماساً: عشرون حقة، وعشرون جذعة، .... ).
- اذكر لفظ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كاملاً؟
لفظه كاملاً كما عند الترمذي:
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَهِىَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ) وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ. (وإسناده حسن)
وبهذا يتضح أنه في قتل العمد.
• كم أسنان الإبل في دية الخطأ؟
دية الخطأ مخففة أخماساً: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ.
قال البسام: هذا الحديث أفاد أنَّ دية قتل الخطأ دية مخففة، فهي تقسم أخماسًا: عشرون حِقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مَخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون، وهذا التحديد هو مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور السلف، إِلاَّ أنَّهم اختلفوا في الخامس:
فقال أبو حنيفة: (إنَّه بنو مخاض).
وقال الآخرون: (هو بنو لبون) وإسناد الدارقطني أقوى، وفيه (بنو لبون) فهو أرجح.
قال ابن حجر: وإسناد هذا الحديث أقوى من الروايات الأخر، فهو أصل في تعبين أسنان إبل الدية. (توضيح الأحكام).
стр. 2199
• دية الخطأ مخففة من ثلاثة أوجه، اذكرها؟
أولاً: كونها على العاقلة.
قال ابن قدامة: ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به.
وقد جعل النبي ﷺ دية عمد الخطأ على العاقلة، بما قد رويناه من الأحاديث، وفيه تنبيه على أن العاقلة تحمل دية الخطأ، والمعنى في ذلك أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة، على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له، تخفيفاً عنه، إذ كان معذوراً في فعله، وينفرد هو بالكفارة. (المغني).
ثانياً: كونها مؤجلة.
قال ابن قدامة: ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين؛ فإن عمر، وعليا، ﵄، جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين.
ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفاً، واتبعهم على ذلك أهل العلم، ولأنه مال يجب على سبيل المواساة، فلم يجب حالاً كالزكاة، وكل دية تحملها العاقلة، تجب مؤجلة؛ لما ذكرنا.
ثالثاً: كونها مخمسة.
وأدخل فيها الذكور، والذكور عند الناس أقل رغبة من الإناث.
• كم أسنان الإبل في قتل العمد؟
القول الأول: مائة من الإبل مثلّثة: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلِفة.
لحديث الباب - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -.
وهذا مذهب الشافعي.
стр. 2200
والقول الثاني: أن أسنان دية العمد: تؤخذ مغلظة أرباعاً.
خمس وعشرون بنت مخاض، وهي التي دخلت في السنة الثانية.
وخمس وعشرون بنت لبون، وهي التي دخلت في السنة الثالثة.
وخمس وعشرون حقة، وهي التي دخلت في السنة الرابعة.
وخمس وعشرون جذعة، وهي التي دخلت في السنة الخامسة.
وهذا مذهب الحنفية.
فائدة: جاء في زاد المستقنع (فَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَشِبْهِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً .... ).
قال الشيخ ابن عثيمين: علم من قوله (ففي قتل العمد وشبهه) أن العمد وشبهه متفقان في أسنان الإبل.
• دية العمد مغلظة من وجوه اذكرها؟
أولاً: أنها على الجاني ولا تحملها العاقلة.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل ولا تحملها العاقلة.
ثانياً: أنها حالة غير مؤجلة.
قال ابن قدامة: وبهذا قال مالك والشافعي.
ثالثاً: أنها مثلثة كلها إناث ليس فيها ذكور.
وشبه العمد مغلظة من وجه ومخففة من وجهين:
مغلظة كونها مثلثة، ومخففة بكونها على العاقلة، ومؤجلة.
стр. 2201
١١٨٠ - وَعَنْ اِبْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنَّ أَعْتَى اَلنَّاسِ عَلَى اَللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمَ اَللَّهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ اَلْجَاهِلِيَّةِ).
أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ.
١١٨١ - وَأَصْلُهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ.
===
- (إِنَّ أَعْتَى اَلنَّاسِ) أي: أطغى الناس.
(أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ اَلْجَاهِلِيَّةِ) بفتح الذال وسكون الحاء هو الحقد والعداوة، والمراد به: الثأر والسعي للانتقام عن جناية عليه في الجاهلية بعد دخوله في الإسلام.
• ما صحة حديث الباب؟
حسن، رواه أحمد مطولاً من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ورواه أحمد (٢٨٧) من نفس الطريق لكن مقتصراً على الجملة المذكورة هنا فقط، وهذا سند حسن كما هو معروف. إلا أن الحديث له شاهد آخر يصح به.
والذحل" ثأر الجاهلية وعدوانها.
• اذكر لفظ حديث ابن عباس؟
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَه) رواه البخاري.
• هل تغلظ الدية في الحرم؟
قال ابن قدامة: وذكر أصحابنا أن الدية تغلظ بثلاثة أشياء؛ إذا قتل في الحرم، والشهور الحرم، وإذا قتل محرماً.
وقد نص أحمد، ﵀، على التغليظ على من قتل محرما في الحرم وفي الشهر الحرام، فأما إن قتل ذا رحم، محرم، فقال أبو بكر: تغلظ ديته.
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ.
وقال أصحاب الشافعي: تغلظ بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي التغليظ بالإحرام وجهان.
وممن روي عنه التغليظ؛ عثمان، وابن عباس، والسعيدان، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار وجابر بن زيد، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق.
стр. 2202
وظاهر كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك.
وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة، والجورجاني، وابن المنذر.
وروي ذلك عن الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
لأن النبي ﷺ قال (في النفس المؤمنة مائة من الإبل) لم يزد على ذلك.
وفي حديث أبي شريح، أن النبي ﷺ قال (وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، من قتل له قتيل بعد ذلك، فأهله بين خيرتين؛ إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية).
وهذا القتل كان بمكة في حرم الله تعالى، فلم يزد النبي ﷺ على الدية، ولم يفرق بين الحرم وغيره.
وقول الله (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) يقتضي أن الدية واحدة في كل مكان، وفي كل حال.
ولأن عمر ﵁ أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه، ولم يزد على مائة.
وروى الجوزجاني، بإسناده عن أبى الزناد، أن عمر بن عبد العزيز، كان يجمع الفقهاء، فكان مما أحيي من تلك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة ونظرائهم، أن ناسا كانوا يقولون: إن الدية تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف، فتكون ستة عشر ألف درهم، فألغى عمر، ﵀، ذلك بقول الفقهاء، وأثبتها اثني عشر ألف درهم في الشهر الحرام، والبلد الحرام، وغيرهما.
قال ابن المنذر: وليس بثابت ما روي عن الصحابة في هذا.
ولو صح فقول عمر يخالفه،
فائدة: قال ابن قدامة: ولا تغلظ الدية بموضع غير الحرم.
وقال أصحاب الشافعي: تغلظ الدية بالقتل في المدينة على قوله القديم؛ لأنها مكان يحرم صيده، فأشبهت الحرم.
وليس بصحيح؛ لأنها ليست محلاً للمناسك، فأشبهت سائر البلدان، ولا يصح قياسها على الحرم (لأن النبي ﷺ قال: أي بلد هذا؟ أليست البلدة الحرام؟ قال: فإن دماءكم وأموالكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا).
وهذا يدل على أنه أعظم البلاد حرمة.
وقال النبي ﷺ (إن أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، ورجل قتل بدخل الجاهلية (.
стр. 2203
١١٨٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ - مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا - مَائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن دية شبه العمد مائة من الإبل، وأنها مغلظة كدية العمد.
الحديث دليل على إثبات قتل شبه العمد.
стр. 2204
١١٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ) يَعْنِي: الْخُنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ (دِيَةُ الْأَصَابِعِ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ).
وَلِابْنِ حِبَّانَ (دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ لِكُلِّ إصْبَعٍ).
===
- (هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ) يَعْنِي: الْخُنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ) أي: أن الخنصر، والإبهام متساويتان فِي الدية، ففي كلّ منهما عشر منْ الإبل.
(الأصابع سواء) أي: الأصابع كلها متساوية فِي الدية.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن دية كل أصبع من أصابع اليدين أو الرجلين عشر من الإبل.
قَالَ ابن قُدامة: ذهب عامّة أهل العلم إلى أن فِي كل أصبع منْ اليدين والرجلين عشرًا، منْ الإبل، وفي كل أنملة منها ثلث عقلها، إلا الإبهام، فإنها مفصلان ففي كل مفصل منها خمس منْ الإبل.
وممن قَالَ بهذا عمر، وعلي، وابن عباس ﵃، وبه قَالَ مسروق، وعروة، ومكحول، والشعبي، وعبد الله بن مَعقِل، والثوري، والأوزاعي.
ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وأصحاب الْحَدِيث …
وحجة الأولين ما رَوى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ دية أصابع اليدين والرجلين، عشر منْ الإبل، لكل أصبع) أخرجه الترمذيّ، وَقَالَ. حديث صحيح.
وعن ابن عباس، قَالَ رسول الله ﷺ (هذه وهذه سواء) يعني الإبهام والخنصر، أخرجه البخاريّ.
وفي كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم (وفي كل إصبع منْ أصابع اليدين والرجلين عشر منْ الإبل).
ولأنه جنسٌ ذو عدد، تجب فيه الدية، فكان سواء فِي الدية، كالأسنان، والأجفان، وسائر الأعضاء، ودية كل أصبع مقسومة عَلَى أناملها.
وفي كل أصبع ثلاث أنامل، إلا الإبهام فإنها أنملتان، ففي كل أنملة منْ غير الإبهام ثلث عقل الإبهام، ثلاثة أبعرة وثلث، وفي كل أنملة منْ الإبهام خمس منْ الإبل نصف ديتها.
والحكم فِي أصابع اليدين والرجلين سواء؛ لعموم الخبر فيهما، وحصول الاتفاق عليهما. (المغني).
• كم مقدار دية الإصبع الزائدة؟
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: فِي الأصبع الزائدة حكومة.
وبذلك قَالَ الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وعن زيد بن ثابت ﵁ أن فيها ثلث دية الأصبع، وذكر القاضي أنه قياس المذهب، عَلَى رواية إيجاب الثلث فِي اليد الشلاء.
والأول أصح، لأن التقدير لا يصار إليه إلا بالتوقيف، أو بمماثلته لما فيه توقيف، وليس ذلك هاهنا؛ لأن اليد الشلاء، يحصل بها الجمال، والأصبع الزائدة لا جمال فيها فِي الغالب، ولأن جمال اليد الشلاء، لا يكاد يختلف، والأصبع الزائد تختلف باختلاف محالها، وصفتها، وحُسنها، وقبحها، فكيف يصح قياسها عَلَى اليد؟ (المغني).
стр. 2205
١١٨٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ (مَنْ تَطَبَّبَ - وَلَمْ يَكُنْ بِالطِّبِّ مَعْرُوفًا - فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا; إِلَّا أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وَصَلَهُ.
===
(مَنْ تَطَبَّبَ) أي: تكلف وتعاطى الطب.
قال ابن قيم الجوزية ﵀: وقوله ﷺ (مَنْ تَطَبَّبَ) ولم يقل: "من طبَّ"؛ لأن لفظ التفعُّل يدل على تكلف الشيء، والدخول فيه بعسر، وكلفة، وأنه ليس من أهله.
(فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا) فأصاب نفس المريض أو أتلف شيئاً منه.
(فَهُوَ ضَامِنٌ) لما أتلفه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن من ادعى الطب وليس بعالم فغرّ الناس وعالجهم فأتلف بعلاجه إنساناً فمات من علاجه أو أتلف بعض أعضائه فإنه ضامن لما أتلف، وتجب عليه الدية.
قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً، وجناية الطبيب عند عامة العلماء على العاقلة.
قال السعدي: هذا الحديث يدل بلفظه وفحواه على: أنه لا يحل لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يحسنها، سواء كان طبا أو غيره، وأن من تجرأ على ذلك، فهو آثم.
وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما، فهو ضامن له.
وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يحسنها، فهو مردود على باذله; لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يحسن، وهو لا يحسن، فيدخل في الغش، و «من غشنا فليس منا».
ومثل هذا البناء والنجار والحداد والخراز والنساج ونحوهم ممن نصب نفسه لذلك، موهما أنه يحسن الصنعة، وهو كاذب.
ومفهوم الحديث: أن الطبيب الحاذق ونحوه إذا باشر ولم تجن يده، وترتب على ذلك تلف، فليس بضامن؛ لأنه مأذون فيه من المكلف أو وليه. فكل ما ترتب على المأذون فيه، فهو غير مضمون، وما ترتب على غير ذلك المأذون فيه، فإنه مضمون.
ويستدل بهذا على: أن صناعة الطب من العلوم النافعة المطلوبة شرعا وعقلا .. والله أعلم. (بهجة قلوب الأبرار).
стр. 2206
ويضمن الطبيب ما يتلفه من نفس أو أعضاء في الحالات الآتية:
أولاً: المتعدي العامد.
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله:
وبتعمد الطبيب للقتل، والقطع للعضو بقصد الضرر: خرج عن كونه طبيباً إلى كونه ظالماً معتدياً، وأصبح وصفه بكون طبيباً لا تأثير له؛ لخروجه بتلك الجناية عن حدود الطب مع قصدها.
وهذا الأثر قلَّ أن يوجد عند الأطباء؛ لما عُرف عنهم من الحرص على نفع مرضاهم، وهم محل حسن الظن، ولذلك نجد الفقهاء ﵏ يعتبرون هذا الأصل فيهم، ومن ثم قال بعضهم عند بيانه لعلة إسقاط القصاص عن الطبيب إذا قصَّر: "
الأصل عدم العداء إن ادعِيَ عليه بذلك. (أحكام الجراحة الطبية).
ثانياً: المعالج الجاهل.
وهو بجهله يعدُّ متعديّاً، والحديث السابق نصٌّ في أنه يضمن.
قال ابن القيم: وأما الأمر الشرعي: فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطب، وعمله، ولم يتقدم له به معرفة: فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك.
قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدَّى فتلف المريض كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه: متعدٍّ، فإذا تولد من فعله التلف: ضمن الدية، وسقط عنه القَوَد [القصاص]؛ لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض. (زاد المعاد).
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أما إذا لم يكن حاذقاً: فلا يحل له مباشرة العملية، بل يحرم، فإن أجراها: ضمن ما أخطأ فيه وسرايته. (الفتاوى).
وهذا الضمان من الطبيب الجاهل المتعدي يكون حيث لا يعلم المريض أن الطبيب يجهل الطب والعلاج، فإن علِم أنه جاهل ورضي به معالِجاً: سقط حقه، ولم يضمن الطبيب، مع استحقاقهما للتعزير.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: إن كان المريض يعلم منه أنه جاهل لا علم له بالطب، وأذن له في معالجته مقدماً على ما يحصل منه، وهو بالغ، عاقل: فلا ضمان على الطبيب في هذه الحالة. "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (٨/ ١٠٤)
ثالثاً: الطبيب الماهر الذي أخطأت يدُه.
ويضمن الطبيب الماهر إذا أخطأت يده فأتلفت عضواً صحيحاً، أو مات المريض بسبب ذلك الخطأ.
قال ابن المنذر ﵀: وأجمعوا على أن قطع الخاتن إذا أخطأ، فقطع الذَّكر، والحشفة، أو بعضها: فعليه ما أخطأ به، يعقله عنه العاقلة. (الإجماع).
العاقلة: هي ما يسمى الآن "العائلة"، والمراد هنا: الأقارب الذكور الذين ينتسبون إلى نفس العائلة، كالأب والجد والابن والإخوة والأعمام وأبنائهم.
стр. 2207
رابعاً: الطبيب الماهر إذا أخطأ في وصف الدواء.
كما يضمن الطبيب الماهر إذا اجتهد في وصف دواء لمريض، ويكون أخطأ في تلك الوصفة، فأتلفت عضواً، أو قتلت المريض.
خامساً: الطبيب الماهر الذي فعل ما لا يفعله غيره من أهل الاختصاص.
وهو الطبيب الذي يتجاوز الحدود المعتبرة عند أهل الطب، أو يقصِّر في التشخيص.
سادساً: الطبيب الذي يعالج وفق أصول المهنة، لكن من غير إذن ولي الأمر، ومن غير إذن المريض، ويتسبب ذلك العلاج بأضرار، وفاة، أو ما دونها.
وجمهور العلماء على تضمينه، وهو الذي رجحه الشيخ محمد المختار الشنقيطي في " أحكام الجراحة الطبية " (٣٦٢)
قال الإمام الشافعي ﵀:
وإذا أمر الرجل أن يحجمه، أو يختن غلامه، أو يبيطر دابته، فتلفوا من فعله: فإن كان فعل ما يفعل مثله مما فيه الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بالصناعة: فلا ضمان عليه، وإن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح، وكان عالماً به: فهو ضامن. "الأم" (٦/ ١٦٦)
وقد قسَّم ابن القيم ﵀ الأطباء المعالجين خمسة أقسام، وذكر حكم كل قِسم، ونحن نذكرها للفائدة، وفيها جواب السائل وزيادة:
قال ﵀: قلت: الأقسام خمسة:
أحدها: طبيب حاذق، أعطى الصنعة حقها، ولم تجنِ يدُه، فتولَّد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبه: تلف العضو، أو النفس، أو ذهاب صفة: فهذا لا ضمان عليه، اتفاقاً؛ فإنها سراية مأذون فيه [السراية: ما ترتب على الفعل ونتج منه]، وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنُّه قابل للختان، وأعطى الصنعة حقها، فتلف العضو، أو الصبي: لم يضمن.
القسم الثاني: مطبِّب جاهل، باشرت يدُه من يطبه، فتلف به: فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له، وأذن له في طبه: لم يضمن، ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث؛ فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غرَّ العليل، وأوهمه أنه طبيب، وليس كذلك، وإن ظن المريض أنه طبيب، وأذن له في طبِّه لأجل معرفته: ضمِن الطبيب ما جنت يدُه، وكذلك إن وصف له دواء يستعمله، والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته، وحذقه، فتلف به: ضمنه، والحديث ظاهر فيه، أو صريح.
القسم الثالث: طبيب حاذق، أُذن له، وأَعطى الصنعة حقها، لكنه أخطأت يدُه، وتعدَّت إلى عضو صحيح، فأتلفه، مثل: أن سبقت يدُ الخاتن إلى الكَمَرة - وهي: رأس الذَّكَر-: فهذا يضمن؛ لأنها جناية خطأ، ثم إن كانت الثلث فما زاد: فهو على عاقلته، فإن لم تكن عاقلة: فهل تكون الدية في ماله، أو في بيت المال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد.
القسم الرابع: الطبيب الحاذق الماهر بصناعته، اجتهد، فوصف للمريض دواءً، فأخطأ في اجتهاده، فقتله: فهذا يخرَّج على روايتين، إحداهما: أن دية المريض في بيت المال، والثانية: أنها على عاقلة الطبيب، وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام، والحاكم.
стр. 2208
القسم الخامس: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقَّها، فقطع سِلْعة - لحمة زائدة - مِنْ رجُل، أو صبي، أو مجنون، بغير إذنه، أو إذن وليه، أو ختن صبيّاً بغير إذن وليه، فتلف، فقال أصحابنا: يضمن؛ لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه، وإن أذِن له البالغ، أو ولي الصبي، والمجنون: لم يضمن، ويحتمل أن لا يضمن مطلقاً؛ لأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، وأيضاً:
إنه إن كان متعديّاً: فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعديّاً: فلا وجه لضمانه، فإن قلت: هو متعد عند عدم الإذن، غير متعد عند الإذن قلت: العدوان، وعدمه، إنما يرجع إلى فعله هو، فلا أثر للإذن وعدمه فيه، وهذا موضع نظر. "زاد المعاد" (٤/ ١٢٨ - ١٣٠)
وذكر ابن القيم ﵀ بعد ذلك فصلاً نافعاً في "الطبيب الحاذق" وأنه هو الذي يراعي عشرين أمراً! وذكرها هناك، فلتنظر.
ومن أعطى المهنة حقَّها، وعالج وفق الأصول المهنية المعروفة، وترتب على عمله خطأ، كتلف عضو أو وفاة: لم يضمن الطبيب شيئاً؛ لأنه مأذون له في العلاج من ولي الأمر، ومن المريض أو وليه؛ ولأنه حاذق في مهنته، ولو ضمِّن مثل هذا لكان فيه ظلم له.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: إذا كان الطبيب حاذقاً، وأعطى الصنعة حقَّها، ولم تجن يده، أو يقصر في اختيار الدواء الملائم بالكمية، والكيفية، فإذا استكمل كل ما يمكنه، ونتج من فعله المأذون من المكلف، أو ولي غير المكلف تلف النفس، أو العضو: فلا ضمان عليه، اتفاقاً؛ لأنها سراية مأذونة فيها، كسراية الحد، والقصاص. "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (٨/ ١٠٤)
قال علماء اللجنة الدائمة: إذا فعل الطبيب ما أُمر بفعله، وكان حاذقاً في صناعته، ماهراً في معرفة المرض الذي يجري من أجله العملية وفي إجرائها، ولم يتجاوز ما ينبغي أن يفعله: لم يضمن ما أخطأ فيه، ولا ما يترتب على سرايته من الموت، أو العاهة؛ لأنه فعل ما أذن له فيه شرعاً، ونظيره ما إذا قطع الإمام يد السارق، أو فعل فعلاً مباحاً له، مأذوناً له فيه.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٤/ ٤٠٠)
فهذه أقسام الأطباء، وهذه أحوالهم وأحكامهم، وتنطبق هذه الأحكام على كل من يشتغل بالطب، وتصدق هذه الأحكام على: الحجّام، والفاصد، والمجبِّر، والكوَّاء، والمعالج للحيوانات، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ بعد ذِكره تلك الأقسام للأطباء.
والواجب على الأطباء أن يتقوا الله تعالى في مرضاهم، وأن لا يتعجلوا التشخيص، وأن يتعاون مع غيره ممن هم أعلم منه، وأن يعترف من أخطأ منهم.
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: يجب على الطبيب أن يتحرى في تشخيص المرض، ويتعاون مع زملائه في ذلك قبل إجراء العملية، ويستعين في التشخيص بقدر الإمكان بالآلات الحديثة، ولا يتعجل بالعملية قبل التأكد من التشخيص، وإذا أجراها بعد ذلك وأخطأ: فعليه أن يعلن خطأه لمن هو مسئول أمامهم، ولا يموه، ولا يعمِّي، ويسجل ذلك في ملف المريض؛ خوفاً من الله تعالى؛ وأداء لواجب الأمانة؛ وإيثاراً لمصلحة المريض؛ وتقديما لها على مصلحة المعالج؛ ودفعا لما قد يترتب على التعمية والتمويه من العواقب السيئة للمريض.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/ ٤٠١)
стр. 2209
١١٨٥ - وَعَنْهُ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ، خَمْسٌ مِنْ اَلْإِبِلِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْأَرْبَعَةُ. وَزَادَ أَحْمَدُ (وَالْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ، عَشْرٌ مِنَ اَلْإِبِلِ) وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ.
===
(الْمَوَاضِحِ) تقدم أن الموضحة كل جرح في الوجه أو الرأس ينتهي إلى عظم.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن دية الموضحة خمس من الإبل.
والموضحة: هي ما توضح العظم وتبرزه.
فائدة: الشجاج: الجراح إما أن تقع على الرأس والوجه، وتسمى «الشجاج» وإما أن تقع على سائر البدن.
الشجاج أقسام؛ أشهرها عشرة:
(الحارصة) وهي التي تشق الجلد قليلًا، نحو الخدش، ولا يخرج الدم، وتسمى «الحرصة» كذلك.
(الدامية) وهي التي تدمي موضعها من الشق والخدش، ولا يقطر منها دم، وتسمى عند بعض الفقهاء (البازلة) لأنها تبزل الجلد أي تشقه.
(الباضعة) وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي تقطعه، وقيل التي تقطع الجلد.
(المتلاحمة) وهي التي تغوص في اللحم، ولا تبلغ الجلدة بين اللحم والعظم، وتسمى أيضًا «اللاحمة».
(السمحاق) وهي التي تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم، وقد تسمى عند بعضهم (الملطاة أو اللاطئة).
(الموضحة) وهي التي تخرق السمحاق، وتوضح العظم.
(الهاشمة) وهي التي تهشم العظم (أي: تكسره) سواء أوضحته أم لا عند الشافعية.
(المنقَّلة) وهي التي تكسر العظم وتنقله من موضع إلى موضع سواء أوضحته وهشمته أم لا.
(المأمومة) وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي خريطة الدماغ المحيطة به ويقال لها: «الآمة».
(الدامغة) وهي التي تخرق الخريطة وتصل إلى الدماغ.
والتسميات السابق ذكرها تكاد تكون محل اتفاق بين المذاهب، وإن كان هناك خلاف يسير في ترتيبها، فمردُّه الاختلاف في تحديد المعنى اللغوي.
وحكمها كالتالي:
أولاً: اتفق العلماء على أنه لا قصاص فيما فوق الموضحة من الشجاج. (الهاشمة والمنقلة والأمة).
стр. 2210
قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً خالف في ذلك.
وقال ابن قدامة: فأما ما فوق الموضحة، فلا نعلم أحداً أوجب فيها القصاص، إلا ما روي عن ابن الزبير أنه أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه. (المغني).
وإنما امتنع القصاص فيما فوق الموضحة، لأنها لا نؤمن معها الزيادة، أو لا يؤمن معها من هلاك الجاني.
وقد ورد عن العباس ﵁ مرفوعًا (لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة) وهو حديث ضعيف لا يثبت.
ثانياً: واتفقوا على وجوب القصاص في الموضحة.
أ- لحديث الباب.
ب- ولقوله تعالى (والجروح قصاص).
ج- ولأنه يتيسر ضبطها واستيفاء مثلها، إذ يمكن أن ينهي السكين إلى العظم فتتحقق المساواة.
ثالثاً: واختلفوا فيما دون الموضحة: فذهب الحنفية والمالكية - وهو رواية عند الشافعية - إلى أن فيها القصاص.
وذهب الشافعية - في المذهب - والحنابلة إلى عدم القصاص فيما دون الموضحة.
قالوا: لأنها جراحات لا تنهي إلى عظم.
ولأنه لا يؤمن فيها الزيادة.
قال في زاد المستقنع: الشَّجَّةُ: الْجُرْحُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً، وَهِيَ عَشْرٌ: الْحَارِصَةُ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَليلاً وَلَا تُدْمِيهِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ الدَّامِيَةُ الدَّامِعَةُ وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الْغَائِصَةُ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ وَهِيَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، فَهذِهِ الْخَمْسُ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، بَلْ حُكُومَةٌ.
قال الشيخ ابن عثيمين: أي ليس فيها شيء مقدر من الدية، بل فيها حكومة، فإذا طالب المجني عليه بدية، فليس له إلا حكومة.
والحكومة: أن نقدر هذا الذي جُني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم نقدره كأنه عبد بريء منها، فما بين القيمتين له مثل نسبته من الدية.
فإذ قدّرنا أن قيمته عشرة آلاف ريال لو كان عبداً بدون جناية، وهو بالجناية وقد برئت يساوي تسعة آلاف وخمسمائة، فديته نصف العشر ـ أي: خمس من الإبل ـ فيكون في الجناية خمس من الإبل.
• ما الحكم إذا كانت الشجة فوق الموضحة وأحب أن يقتص موضحة؟
اختلف العلماء في ذلك.
فذهب الشافعية، والحنابلة، إلى جواز ذلك.
لأنه يقتصر على بعض حقه، ويقتص من محل جنايته.
• وهل له أرش ما زاد على الموضحة؟
فيه قولان:
قيل: له الأرش.
وذهب إليه الشافعية.
وقيل: ليس له ذلك.
والله أعلم.
следующие страницы →