Полный текст (3 038 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
١١٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ; أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ -وَهِيَ اِمْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ- قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ اَللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ اَلْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى اَلْمَرْأَةِ اَلْغُسْلُ إِذَا اِحْتَلَمَتْ؟ قَالَ: "نَعَمْ. إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ") اَلْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
١١١ - وَعَنْ أَنَسِ [بْنِ مَالِكٍ]﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى اَلرَّجُلُ قَالَ: (تَغْتَسِلُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
زَادَ مُسْلِمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْم (وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ اَلشَّبَهُ؟).
===
(أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) هي بنت مِلحان والدة أنس بن مالك.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ) وإنما قدمت هذا القول تمهيداً بعذرها في ذكر ما يستحيى منه.
(فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ) أي: رأت في منامها أنها تُجامع، وفي رواية أحمد من حديث أم سليم، أنها قالت: يا رسول الله! إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟
(قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مجيباً لها.
(نعم إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) أي: نعم عليها الغسل إذا أبصرت الماء وهو المني، والمراد من ذلك تحقق وقوعه.
• هل على المرأة غسل إذا احتلمت ورأت الماء؟
نعم كالرجل.
قال النووي: اعلم أن المرأة إذا خرج منها المني وجب عليها الغسل، كما يجب على الرجل بخروجه، وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني.
- ما الحكم إذا تحرك المني ولم يخرج هل يجب الغسل أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب الغسل بانتقاله ولو لم يخرج.
وهذا المذهب.
أ- لأن الجنابة تُباعِد الماء عن محله، وقد وجِد.
ب- ولأن الغسل تراعى فيه الشهوة، وقد حصلت بانتقاله، فأشبه ما لو ظهر. (المغني).
стр. 247
القول الثاني: أنه لا غسل عليه.
وهو قول أكثر الفقهاء واختاره ابن قدامة وابن تيمية.
أ-لأن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية بقوله (إذا رأت الماء) فلا يثبت الحكم بدونه.
ب- ولو وجب الغسل بالانتقال لبينه النبي ﷺ لدعاء الحاجة إلى بيانه.
وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن قدامة ﵀: إن أحس بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره، فلم يخرج فلا غسل عليه .. (وهذا) قول أكثر الفقهاء.
لأن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية وفضخ الماء، بقوله: إذا رأت الماء و إذا فضخت الماء فاغتسل فلا يثبت الحكم بدونه. (المغني).
وقال النووي ﵀: لو قبل امرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فأمسك ذكره فلم يخرج منه في الحال شيء، ولا علم خروجه بعد ذلك، فلا غسل عليه عندنا، وبه قال العلماء كافة إلا أحمد، فإنه قال - في أشهر الروايتين عنه - يجب الغسل، قال: ولا يتصور رجوع المني. دليلنا قوله ﷺ : (إنما الماء من الماء) ولأن العلماء مجمعون على أن من أحس بالحدث كالقرقرة والريح، ولم يخرج منه شيء لا وضوء عليه، فكذا هنا. (المجموع).
• ما حكم من احتلم ولم يجد ماء؟
لا غسل عليه لقوله (إذا رأت الماء).
• اذكر حالات المحتلم بعد استيقاظه؟
له ثلاث حالات:
الأولى: أن يذكر الاحتلام ويرى المني.
فهذا يجب عليه الغسل، كما يدل عليه حديث الباب، وحتى لو لم يذكر احتلاماً، فإنه يجب الغسل إذا رأى الماء.
الثانية: أن يرى الفعل ولم ير الماء (يعني أنه يجامع ولا يرى الماء).
فهذا لا غسل عليه لمفهوم قوله (نعم إذا رأت الماء).
الثالثة: أن يرى الماء ويجهل هل هو مني أم لا؟
فهذا إن سبق نومه تفكير في الجماع جعله منياً.
وإن لم يسبق نومه تفكير:
فقيل: يغتسل احتياطاً.
وقيل: لا غسل عليه.
وهذا اختيار ابن تيمية لقوله (إذا رأت الماء) يعني بذلك المني، وهنا لم يتيقن المنتبه أن البلل منيّ، فلا يجب الغسل مع الشك، لأن الأصل براءة الذمة.
стр. 248
• اذكر بعض الأقوال التي تدل على أن الحياء لا ينبغي أن يكون مانعاً من العلم؟
أ-حديث الباب ( … إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ … ).
قال النووي: وإنما قالت هذا اعتذاراً بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه، مما تستحي النساء في العادة من السؤال عنه، وذكرهِ بحضرة الرجال، ففيه أنه ينبغي لمن عرضت له مسألة أن يسأل عنها، ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها، فإن ذلك ليس بحياء حقيقي، لأن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير، والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير، بل هو شر، فكيف يكون حياء؟
ب-قالت عائشة (نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين). رواه مسلم
قال مجاهد: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما شيء إلا وقد علمت منه، إلا أشياء كنت أستحي أن أسأل عنها، فكبرتُ وفيّ جهالتها.
وقال علي: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان.
وقال وكيع: لا ينبل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه.
وقال الخليل بن أحمد: الجهل منزلة بين الحياء والأنفة.
وكان يقال: من رق وجهه عند السؤال، رق علمه عند اجتماع الرجال.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- فيه دليل على أن الإنسان إذا أراد سؤالاً يستحي منه يقدم بين سؤاله تمهيداً لسؤاله كما فعلت أم سليم.
- إثبات صفة الحياء لله إثباتاً يليق بجلاله.
стр. 249
١١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ اَلنَّبِيَّ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ اَلْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ اَلْجُمُعَةِ، وَمِنْ اَلْحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ اَلْمَيِّتِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَة.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف وهذا ما عليه أكثر الأئمة.
وأيضاً لم يثبت أن النبي ﷺ غسل ميتاً قط، فهذا مما يدل على ضعفه.
في هذا الحديث أربعة أغسال كان الرسول ﷺ يغتسل، منها:
الأول: الغسل من الجنابة.
وهذا تقدم واجب بالاتفاق [وإن كنتم جنباً فاطهروا).
الثاني: غسل يوم الجمعة.
(وسيأتي بحثه).
الثالث: الغسل من الحجامة.
وممن روى عنه الغسل من الحجامة: على بن أبى طالب، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وابن سيرين، ومجاهد.
والصحيح أنه غير مستحب.
لعدم الدليل.
стр. 250
١١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَم- وَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ) رَوَاهُ عَبْدُ اَلرَّزَّاق.
وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
• هل يجب على الكافر الغسل إذا أسلم أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجب عليه الغسل.
وهذا المذهب، وهو مذهب مالك وأبي ثور وابن المنذر، ورجحه الشوكاني. الأدلة:
أ-حديث الباب.
ب-ولحديث قيس بن عاصم: (أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر). رواه أبو داود وحسنه النووي
قال الشوكاني: والظاهر الوجوب، لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ، ودعوى عدم الأمر لمن عداهم لا يصلح متمسكاً لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك، وهو ليس علماً بالعدم.
جاء في الموسوعة الفقهية (٣١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ إسلام الكافر موجب للغسل، فإذا أسلم الكافر وجب عليه أن يغتسل، لما روى أبو هريرة ﵁ (أنّ ثمامة بن أثال ﵁ أسلم، فقال النّبيّ ﷺ : اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل) وعن (قيس بن عاصم أنّه أسلم: فأمره النّبيّ ﷺ أن يغتسل بماء وسدر)؛ ولأنّه لا يسلم غالباً من جنابة، فأقيمت المظنّة مقام الحقيقة كالنّوم والتقاء الختانين.
القول الثاني: أنه مستحب غير واجب.
وهذا مذهب الشافعي.
قال الخطابي: وبهذا قال أبو حنيفة وأكثر العلماء.
أ-بأن العدد الكثير والجم الغفير أسلموا، فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل نقلاً متواتراً أو ظاهراً، ولو كان واجباً لما خص بالأمر بعضاً دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب.
ب-أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن أمره أن يدعوهم إلى (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم
أطاعوا … ) ولو كان الغسل واجباً لأمرهم به، لأنه أول واجبات الإسلام.
ج-أن أمره ﷺ لمن أسلم أن يغتسل بماء وسدر، وهذا دليل على عدم الوجوب لأنه بالاتفاق أن السدر غير واجب.
وهذا القول هو الراجح.
стр. 251
١١٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (غُسْلُ اَلْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أَخْرَجَهُ اَلسَّبْعَة.
١١٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اِغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيِّ.
===
(عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أي: بلغ سن الحُلُم - بضم الحاء واللام - والمراد به البالغ.
(فَبِهَا وَنِعْمَتْ) أي: من توضأ فبالرخصة أخذ ونعمت الرخصة، لأن فيها تيسيراً على الناس، والسنة الغسل.
• ما صحة حديث سمرة؟
هذا الحديث ضعيف فيه ثلاث علل.
العلة الأولى: لم يسمعه الحسن من سمرة (وقد اختلف العلماء في سماع الحسن من سمرة فقيل: سمع منه مطلقاً وهو قول ابن المديني والترمذي، وقيل: لم يسمع منه شيئاً واختاره ابن حبان، وقيل: إنه سمع منه حديث العقيقة فقط واختار هذا النسائي والدارقطني.
العلة الثانية: الاختلاف في إسناده، فقيل: عن الحسن عن سمرة، وقيل: عن الحسن عن أنس، وقيل: عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلاً.
العلة الثالثة: مخالفته لما هو أصح منه وأقوى.
• لماذا سميت الجمعة بهذا الاسم؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق جمع فيه.
وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه.
وورد ذلك من حديث سلمان أخرجه أحمد وابن خزيمة وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هريرة رواه أحمد بإسناد ضعيف. قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الأقوال.
وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيه، ورجحه ابن حزم.
واتفقوا أنه كان يسمى في الجاهلية العروبة.
стр. 252
• ما حكم الغسل لصلاة الجمعة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
وهو قول طائفة من السلف، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار.
وبه قال الحسن البصري، وهو مذهب الظاهرية، واختاره الألباني والشيخ ابن عثيمين.
أ-لحديث الباب (غُسْلُ اَلْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ).
ب-ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل). متفق عليه
القول الثاني: أنه مستحب غير واجب.
وهو مروي عن ابن مسعود وعثمان وابن عباس.
وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، واختاره ابن المنذر والشيخ ابن باز ﵀.
وهذا مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، واستدلوا بعدم الوجوب:
أ-بحديث الباب (سمرة).
وجه الدلالة: فدل على اشتراك الغسل والوضوء في أصل الفضل وعدم تحتم الغسل.
ب-ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من توضأ ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له … ) رواه مسلم، وهذا أقوى ما استدلوا به.
ج- (وبحديث الرجل الذي دخل (وهو عثمان) وعمر يخطب، وقد ترك الغسل فأنكر عليه عمر). رواه مسلم
قال النووي: إن الرجل فعله وأقره عمر ومن حضر ذلك الجمع وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجباً لما تركه ولألزموه به.
قال ابن عبد البر: ومن الدليل على أن أمر رسول الله ﷺ بالغسل يوم الجمعة ليس بفرض واجب، أن عمر في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل، ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك، ولو كان الغسل واجباً فرضاً للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به.
د-وبحديث عائشة قالت: (كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي، فيأتون في العباءة، فيصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم الريح، فأتى النبي ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا) متفق عليه.
стр. 253
القول الثالث: التفصيل في ذلك: فيجب على من به رائحة أو عرق أو ريح يتأذى به الناس ويحتاج إلى إزالته، ويسن لمن لم يكن كذلك.
وهذا اختيار ابن تيمية.
قال في الإنصاف: وأوجبه الشيخ تقي الدين من عرق أو ريح يتأذى به الناس.
لحديث عائشة - السابق - قالت (كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي، فيأتون في العباءة، فيصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم الريح، فأتى النبي ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن الأمر الدال على وجوب الاغتسال للجمعة على كل محتلم إنما هو لمن كان به عرق ونحوه بدليل هذا الحديث.
• بماذا أجاب أصحاب القول الأول القائلين بالوجوب عن أدلة القول الثاني؟
أحابوا:
أولاً: أما حديث سمرة فضعيف، وقد سبق أن ضعفه ابن حزم والحافظ ابن حجر.
قال الشيخ محمد بن عثيمين: وأما ما روي عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) فهذا الحديث لا يقاوم ما أخرجه الأئمة السبعة وغيرهم، وهو حديث أبي سعيد الذي ذكرناه آنفاً: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ثم إن الحديث من حيث السند ضعيف، لأن كثيراً من علماء الحديث يقولون: إنه لم يصح سماع الحسن عن سمرة إلا في حديث العقيقة، وإن كنا رجحنا في المصطلح: أنه متى ثبت سماع الراوي من شيخه، وكان ثقة ليس معروفاً بالتدليس، فإنه يحمل على السماع، على أن الحسن ﵀ رماه بعض العلماء بالتدليس، ثم إن هذا الحديث من حيث المتن إذا تأملته وجدته ركيكاً ليس كالأسلوب الذي يخرج من مشكاة النبوة: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت) (بها) أين مرجع الضمير؟ ففيه شيء من الركاكة أي: الضعف في البلاغة (ومن اغتسل فالغسل أفضل) فيظهر عليه أنه من كلام غير النبي ﷺ .
ثانياً: وأما حديث أبي هريرة (من توضأ ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر … ).
فقد ورد بلفظ آخر في الصحيح بلفظ (من اغتسل … ) فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب إلى إعادة الوضوء، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.
ثالثاً: وأما حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب فأنكر عليه.
فهذا نوقش بأنه يدل على الوجوب، لأنه قطع الخطبة منكراً على عثمان ترك الغسل.
قال الشوكاني: فما أراه إلا حجة على القائل بالاستحباب لا له، لأن إنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع على مثل ذلك الصحابي الجليل وتقرير جميع الحاضرين الذين هم جمهور الصحابة لما وقع من ذلك الإنكار، من أعظم الأدلة القاضية بأن الوجوب كان معلوماً عند الصحابة.
وأيضاً: إنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة.
стр. 254
• بماذا أجاب أصحاب القول الثاني القائلين بالاستحباب على أدلة أصحاب القول الأول؟
أولاً: أما حديث (غسل يوم الجمعة واجب على … ).
فقد جاء في بعض ألفاظ الحديث زيادة وهي (والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه) والسواك والطيب غير واجبين بالإجماع، فاقتران الغسل بهما يدل على عدم الوجوب، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد.
وقالوا: إن معنى (واجب) أي: وجوب اختيار لا وجوب إلزام، إذ هو محمول على تأكيد السنية كما يقال: حقك أو إكرامك عليّ واجب.
ثانياً: وأما حديث (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل).
فهذا مصروف عن الوجوب إلى الاستحباب بالأدلة الأخرى التي سبقت في أدلة القول الثاني.
والراجح: الوجوب، والله أعلم.
فائدة: قال ابن القيم: الأمر بالاغتسال في يومها، وهو أمر مؤكدٌ جداً، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ووجوب الوضوء من مس الذكر، ووجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة، ووجوب الوضوء من الرُّعاف، والحجامة والقيء، ووجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم.
• ما وقت الاغتسال للجمعة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يشترط الاتصال بين الغسل والرواح.
وإليه ذهب مالك.
القول الثاني: عدم الاشتراط.
لكن لا يجزئ فعله بعد الصلاة، ويستحب تأخيره على الذهاب.
وهذا مذهب الجمهور.
قالوا: لأن الغسل لإزالة الروائح الكريهة، والمقصود عدم تأذي الآخرين.
стр. 255
ويدل على أن الاغتسال للصلاة:
أ- قوله ﷺ (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل).
ب- عن ابن عمر (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ فَقَالَ إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ. قَالَ عُمَرُ وَالْوُضُوءَ أَيْضاً وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ) متفق عليه.
وجه الدلالة: حيث أنكر عمر على عثمان إتيانه الجمعة مقتصراً على الوضوء وتاركاً للغسل، ولو كان وقت الغسل لم يذهب بعد، لم يكن الإنكار في محله، فكان يمكن لعثمان أن يغتسل بعد الجمعة، فدل هذا على أن الغسل لحضور الصلاة وليس لذات اليوم.
ج- ولحديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة) متفق عليه.
وجه الدلالة: قوله (من اغتسل ثم راح) فالتعبير بـ (ثم) دليل على الترتيب، فكان الغسل قبل الرواح.
قال النووي ﵀: لو اغتسل للجمعة قبل الفجر لم تجزئه على الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء. وقال الأوزاعي: يجزئه، ولو اغتسل لها بعد طلوع الفجر أجزأه عندنا وعند الجمهور، حكاه ابن المنذر عن الحسن ومجاهد والنخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقال مالك: لا يجزئه إلا عند الذهاب إلى الجمعة.
وكلهم يقولون: لا يجزئه قبل الفجر إلا الأوزاعي فقال: يجزئه الاغتسال قبل طلوع الفجر للجنابة والجمعة. (المجموع).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: غسل الجمعة يبدأ من طلوع الفجر، لكن الأفضل أن لا يغتسل إلا بعد طلوع الشمس؛ لأن النهار المتيقن من طلوع الشمس، لأن ما قبل طلوع الشمس من وقت صلاة الفجر، فوقت صلاة الفجر لم ينقطع بعد، فالأفضل أن لا يغتسل إلا إذا طلعت الشمس، ثم الأفضل أن لا يغتسل إلا عند الذهاب إلى الجمعة فيكون ذهابه إلى الجمعة بعد الطهارة مباشرة .... (مجموع فتاوى ابن عثيمين) (١٦/ ١٤٢).
القول الثالث: أنه لا يشترط تقديم الغسل على صلاة الجمعة، بل لو اغتسل قبل الغروب أجزأ عنه.
وإليه ذهب داود ونصره ابن حزم.
والراجح القول الثاني (مذهب الجمهور).
وادعى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة.
• الغسل للجمعة مشروع في حق من؟
الراجح من أقوال أهل العلم أن الغسل خاص بمن أراد حضور الجمعة.
لقوله ﷺ (إذا جاء أحدكم الجمعة .... )
ولقوله ﷺ (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح … ) فقوله (ثم راح .. ) دليل أن الغسل قبل الرواح.
فلا يشرع للمرأة وغيرها ممن لا يريد حضور الجمعة.
стр. 256
• لكن إن حضرت المرأة الجمعة شرع لها الاغتسال لأجلها والتأدب بآدابها.
وقد بوب ابن حبان في صحيحه بقوله: (ذكر الاستحباب للنساء أن يغتسلن للجمعة إذا أردن شهودها) ثم ساق حديث عثمان بن واقد العمري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل).
والحديث متفق عليه دون زيادة (من الرجال والنساء) وهذه الزيادة رواها ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي في السنن، وقد اختلف في صحتها:
فصححها النووي ﵀ في المجموع (٤/ ٤٠٥)، وابن الملقن في البدر المنير. (٤/ ٦٤٩).
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح (٢/ ٣٥٨): فَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن وَاقِد عَنْ نَافِع عِنْد أَبِي عَوَانَة وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان فِي صِحَاحهمْ بِلَفْظِ (مَنْ أَتَى الْجُمُعَة مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْل) وَرِجَاله ثِقَات، لَكِنْ قَالَ الْبَزَّار: أَخْشَى أَنْ يَكُون عُثْمَان بْن وَاقِد وَهِمَ فِيهِ ".
وما خشيه البزار من وهم عثمان فيه، جزم به أبو داود، صاحب السنن، ﵀.
قال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: ضعيف. قلت لأبي داود: إن عباس بن محمد يحكي عن يحيى بن معين أنه ثقة؟ فقال: هو ضعيف؛ حدث هذا أن النبي ﷺ قال (من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل)، ولا نعلم أن أحداً قال هذا غيره. (تهذيب الكمال) (١٩/ ٥٠٥).
وجزم الألباني ﵀ بشذوذ هذه الزيادة وضعفها، كما في (السلسلة الضعيفة) (٨/ ٤٣٠).
ومما يؤيد القول باغتسال النساء للجمعة:
ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبيدة ابنة نائل قالت: سمعت ابن عمر وابنة سعد بن أبي وقاص يقولان: من جاء منكن الجمعة فلتغتسل. وروى عن طاوس بمثله، وعن شقيق أنه كان يأمر أهله الرجال والنساء بالغسل يوم الجمعة. انظر المصنف (٢/ ٩).
والاغتسال للجمعة معقول المعنى، وهو النظافة وقطع الروائح الكريهة المؤذية للحاضرين، ولهذا تدعى المرأة إليه إن أرادت الحضور.
قال النووي ﵀ في (المجموع/ ٤٠٥): وغسل الجمعة سنة، وليس بواجب وجوبا يعصى بتركه بلا خلاف عندنا، وفيمن يسن له أربعة أوجه: الصحيح المنصوص، وبه قطع المصنف والجمهور: يسن لكل من أراد حضور الجمعة، سواء الرجل والمرأة والصبي والمسافر والعبد وغيرهم؛ لظاهر حديث ابن عمر، ولأن المراد النظافة، وهم في هذا سواء. ولا يسن لمن لم يرد الحضور، وإن كان من أهل الجمعة، لمفهوم الحديث، ولانتفاء المقصود، ولحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء) رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد صحيح.
стр. 257
• هل غسل الجمعة يجزئ عن الوضوء؟
إن توضأ الإنسان قبله بنية رفع الحدث، فقد حصل رفع الحدث بالوضوء، وإن لم يتوضأ فإنه لا يجزئ؛ لأن هذا ليس عن حدث. (الشيخ ابن عثيمين).
• ما حكم إذا نوى بغسل الجنابة عن غسل الجمعة؟
إذا نوى بغسل الجنابة كفى عن غسل الجمعة، كما تكفي الفريضة عن تحية المسجد.
وإذا نوى غسل الجمعة لم يجزئ عن الجنابة؛ لأن غسل الجمعة ليس عن حدث وغسل الجنابة عن حدث، ولهذا لو تعمد ترك غسل الجمعة وصلى الجمعة صحت صلاته، لكن لو تعمد ترك غسل الجنابة أو لم يتعمد وصلى الجمعة وهو عليه الجنابة فإن صلاته لا تصح. (الشيخ ابن عثيمين).
• ما الحكم إذا عم الشخص بدنه بالماء غسلاً للجمعة أو لنظافة، هل يجزئه عن الوضوء؟
لا، إذا اغتسل للجمعة فلا يجزئه عن الوضوء، والنظافة لا تجزئ عن الوضوء، وذلك لأن غسل الجمعة والنظافة ليسا عن حدث، والوضوء إنما يكون عن الحدث.
أما الحدث الأكبر يجزِئ، يعني: لو اغتسل الإنسان وعليه جنابة أجزأ عن الوضوء؛ لكن لابد من المضمضة والاستنشاق. (الشيخ ابن عثيمين)
• هل الغسل للجمعة يجزئ عن الوضوء؟
لا؛ لأن غسل الجمعة ليس عن حدث، أما غسل الجنابة فيجزي عن الوضوء، والدليل على أنه يجزئ عن الوضوء قول الله ﵎ (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يذكر الوضوء. (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 258
١١٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقْرِئُنَا اَلْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَهَذَا لَفْظُ اَلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث مختلف فيه اختلافاً كثيراً.
فصححه: الترمذي، والحاكم، والشوكاني، وأحمد، وضعفه جمع من أهل العلم ....
• ما حكم قراءة القرآن للجنب؟
اختلف العلماء في حكم قراءة القرآن للجنب؟ على أقوال:
القول الأول: الجواز.
وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل العلم منهم: ابن عباس، فقد ذكره عنه البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً بصحته فقال: ولم يرَ ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً.
وروى ابن المنذر في الأوسط عن عكرمة عن ابن عباس (أنه كان يقرأ ورده وهو جنب).
وجاء هذا القول أيضاً عن جماعة من التابعين، منهم: سعيد ابن المسيب، فقد روى عبد الرزاق بسند صحيح عن محمد بن طارق قال: (سألت ابن المسيب: أيقرأ الجنب شيئاً من القرآن؟ فقال: نعم).
ورجح هذا القول جماعة من المحققين، منهم: داود الطبري، وابن حزم، وابن المنذر.
أ-لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه). رواه مسلم
وهذا الذكر عام يشمل قراءة القرآن والتسبيح والاستعاذة وغير ذلك.
ب-البراءة الأصلية.
ج-لم يثبت حديث صحيح تقوم به الحجة في منع الجنب.
القول الثاني: المنع.
وبهذا قال أكثر العلماء [كما قال الخطابي والنووي] ....
أ-لحديث الباب (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقْرِئُنَا اَلْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا).
стр. 259
• بماذا أجاب أصحاب القول الأول القائلين بالجواز على أدلة أصحاب القول الثاني القائلين بالمنع؟
أما حديث علي فالجواب عنه من وجهين:
أ-أنه ضعيف.
قال ابن المنذر: وحديث علي لا يثبت إسناده.
ب- على تقدير ثبوته فإنه لا حجة فيه، لأنه ليس فيه نهي للجنب عن قراءة القرآن، وإنما هو فعل منه ﷺ لا يلزم.
قال ابن المنذر: لو ثبت خبر علي لم يجب الامتناع من القراءة من أجله، لأنه لم ينهه عن القراءة فيكون الجنب ممنوعاً منه.
وأما حديث ابن عمر (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) فضعيف لا يصح.
قال ابن تيمية: هو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
• بماذا أجاب أصحاب القول الثاني القائلين بالمنع على أدلة أصحاب القول الأول القائلين بالجواز؟
أما حديث عائشة (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) فالجواب من وجهين:
الأول: أن المراد بالذكر في الحديث غير القرآن، لأنه المفهوم عند الإطلاق.
قال النووي: وأجاب أصحابنا عن حديث عائشة (كان يذكر الله .. ) بأن المراد بالذكر غير القرآن فإنه المفهوم عند الإطلاق.
وقال ابن رجب: ليس فيه دليل على جواز قراءة القرآن للجنب، لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن.
والثاني: أنه عام وقد خصصته الأحاديث السابقة الدالة على تحريم قراءة القرآن حال الجنابة، ومنها ما رواه علي قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً. (ذكر ذلك الصنعاني في سبل السلام).
والراجح: الأحوط المنع.
• ما حكم قراءة القرآن للحائض؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجوز لها ذلك.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
أ-لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) رواه الترمذي (وسبق أنه ضعيف).
ب-قياس الحائض على الجنب، فإذا منع الجنب من قراءة القرآن فالحائض أولى.
стр. 260
القول الثاني: يجوز لها ذلك.
وهذا مذهب مالك، واختاره ابن تيمية والشيخ ابن باز.
أ- لعدم الدليل الذي يمنع من ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة، وقال: ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن، كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء.
ب- إن الحيض قد يمتد ويطول فيخاف نسيانها.
ج- قوله ﷺ لعائشة لما حاضت وهي محرمة (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) متفق عليه.
ومعلوم أن المحرم يقرأ القرآن ولم يمنعها النبي ﷺ منه.
وهذا القول هو الصحيح.
قال الشيخ ابن باز ﵀: فقد سبق أن تكلمت في هذا الموضوع غير مرة وبينت أنه لا بأس ولا حرج أن تقرأ المرأة وهي حائض أو نفساء ما تيسر من القرآن عن ظهر قلب؛ لأن الأدلة الشرعية دلت على ذلك وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم في هذا:
فمن أهل العلم من قال: إنها لا تقرأ كالجنب واحتجوا بحديث ضعيف رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن) وهذا الحديث ضعيف عند أهل العلم، لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة.
وبعض أهل العلم قاسها على الجنب قال: كما أن الجنب لا يقرأ فهي كذلك. لأن عليها حدثاً أكبر يوجب الغسل، فهي مثل الجنب.
والجواب عن هذا أن هذا قياس غير صحيح، لأن حالة الحائض والنفساء غير حالة الجنب، الحائض والنفساء مدتهما تطول وربما شق عليهما ذلك وربما نسيتا الكثير من حفظهما للقرآن الكريم، أما الجنب فمدته يسيرة متى فرغ من حاجته اغتسل وقرأ، فلا يجوز قياس الحائض والنفساء عليه، والصواب من قولي العلماء أنه لا حرج على الحائض والنفساء أن تقرأ ما تحفظان من القرآن، ولا حرج أن تقرأ الحائض والنفساء آية الكرسي عند النوم، ولا حرج أن تقرأ ما تيسر من القرآن في جميع الأوقات عن ظهر قلب، هذا هو الصواب، وهذا هو الأصل، ولهذا أمر النبي ﷺ عائشة لما حاضت في حجة الوداع قال لها (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) ولم ينهها عن قراءة القرآن.
ومعلوم أن المحرم يقرأ القرآن. فيدل ذلك على أنه لا حرج عليها في قراءته؛ لأنه ﷺ إنما منعها من الطواف؛ لأن الطواف كالصلاة وهي لا تصلي وسكت عن القراءة، فدل ذلك على أنها غير ممنوعة من القراءة ولو كانت القراءة ممنوعة لبينها لعائشة ولغيرها من النساء في حجة الوداع وفي غير حجة الوداع.
ومعلوم أن كل بيت في الغالب لا يخلو من الحائض والنفساء، فلو كانت لا تقرأ القرآن لبينه ﷺ للناس بياناً عاماً واضحاً حتى لا يخفى على أحد، أما الجنب فإنه لا يقرأ القرآن بالنص ومدته يسيرة متى فرغ تطهر وقرأ.
стр. 261
١١٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا) رَوَاهُ مُسْلِم.
زَادَ اَلْحَاكِمُ: (فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ).
===
• ما حكم الوضوء لمن أراد أن يعود للجماع؟
مستحب.
لقوله (فليتوضأ بينهما وضوءاً).
• ما الصارف عن الوجوب؟
الصارف عن الوجوب: قوله (فإنه أنشط للعود).
فهذا التعليل مشعر بأن القضية تتعلق بأمر يخص نشاط الرجل في الجماع، وليس معلق بأمر شرعي.
• ما الحكمة من هذا الوضوء؟
الحكمة في هذا أشارت إليه رواية الحاكم (فإنه أنشط للعود) لأن المجامع يحصل له كسل وانحلال، والماء يعيد إليه نشاطه وقوته وحيويته.
• هل يستحب أن يغتسل بين الجماعين؟
ذهب بعض العلماء إلى استحباب ذلك:
لحديث أنس: (أن النبي ﷺ طاف على نسائه وكان يغتسل عند كل واحدة منهنّ، وقال: هو أزكى وأطيب وأطهر). رواه أبو داودلكن هذا الحديث ضعيف سنداً ومتناً.
أما السند ففيه عبد الرحمن بن أبي رافع، قال ابن معين (صالح) وهذا يفيد اعتبار حديثه وسبره، وها هو ذا قد تفرد بما يُنكر عليه، فليس هو بحجة، وكذلك فعمته سلمى مجهولة، قال ابن القطان: لا تعرف.
وأما نكارة المتن: فهو مخالف لما رواه مسلم عن أنس (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد).
ولذا قال أبو داود - عقب إخراج حديث أبي رافع - حديث أنس أصح من هذا.
ويعارضه أيضاً حديث أم المؤمنين عائشة قالت (كنت أطيّب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرماً ينضح طيباً) متفق عليه.
وبوّب له النسائي: الطواف على النساء في غسل واحد.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- عموم الحديث يفيد أنه سواء أكانت التي يريد العود إليها هي الموطوءة أو الزوجة الأخرى ممن عنده أكثر من واحدة.
- طوافه ﷺ في ليلة واحدة: يحتمل أنه كان يرضاهن أو يرضا صاحبة النوبة. (على القول بوجوب القسم).
أما على القول بأن القسم ليس واجباً عليه فلا إشكال.
стр. 262
١١٨ - وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً) وَهُوَ مَعْلُول.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف ولا يصح وهو معلول كما قال المصنف ﵀.
• ما حكم نوم الجنب من غير أن يتوضأ؟
جائز، والأفضل والمستحب أن يتوضأ، وهو ثابت بالسنة القولية والفعلية.
القولية: لحديث أن عمر بن الخطاب قال: (يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ فليرقد). متفق عليه
والفعلية: كما في حديث عائشة (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام). رواه مسلم
• ما الصارف عن الوجوب؟
أ-حديث الباب (وقد تقدم أنه ضعيف).
ب-أنه جاء في رواية لحديث الباب (يتوضأ إن شاء). رواه ابن حبان
• ما الجواب عن حديث الباب؟
الجواب:
أ-أنه حديث ضعيف لا يصح.
ب-قال بعضهم يمكن حمل قولها (من غير أن يمس ماء) على ماء الغسل، أما الوضوء فثابت.
ج-أن تركه ﷺ للوضوء لبيان الجواز.
• ما الحكمة من الوضوء للجنب قبل النوم؟
قيل: أنه يخفف الحدث.
وقيل: أنه إحدى الطهارتين.
وقيل: أنه ينشط إلى العود أو إلى الغسل.
стр. 263
١١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا اِغْتَسَلَ مِنْ اَلْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ اَلْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ اَلشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.
١٢٠ - وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: (ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ، فَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا اَلْأَرْضَ).
وَفِي رِوَايَةٍ: (فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ).
وَفِي آخِرِهِ: (ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ - فَرَدَّهُ، وَفِيهِ: - وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ).
===
(إِذَا اِغْتَسَلَ) أي: أراد الاغتسال.
قال أحمد: غسل الجنابة على حديث عائشة.
وقال ابن عبد البر: هو أحسن حديث يروى في الباب.
(مِنْ اَلْجَنَابَةِ) من: للسببية، أي: بسبب حدوث الجنابة له، والجنابة: إنزال المني.
(فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ) أي: كفيه، والمراد قبل إدخالهم في الإناء.
(بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ) أي: يصب بيده اليمنى على يده اليسرى.
(ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) لفظ مسلم (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة).
(ثُمَّ يَأْخُذُ اَلْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ اَلشَّعْرِ) أي: يدخل أصابعه مفرقة في أصول شعره، وهي أسافله مما يلي بشرة الرأس، وإنما فعل ذلك ليُليّن الشعر ويرطبه، فيسهل مرور الماء عليه وفي رواية للترمذي (ثم يُشرِّب شعره الماء).
(ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ) أي: أخذ الماء بيديه جميعاً، والحفْنة: ملء الكفين.
(ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ) أي: على بقية جسده ..
(ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا اَلْأَرْضَ) أي: مسح بيده الأرض ودلكها ليزيل ما عَلِقَ بعد غسل الفرج.
(ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ - فَرَدَّهُ) أي: لم يأخذه، وفي رواية (فناولته خرقة فلم يُرِدْها) أي: لم يأخذها.
стр. 264
• إلى كم قسم ينقسم الغسل من الجنابة؟
الغسل من الجنابة ينقسم إلى قسمين:
الغسل الكامل المسنون، والغسل المجزئ.
• اذكر صفة الغسل المجزئ؟
صفة الغسل المجزئ: أن ينوي، ثم يعمم بدنه بالماء مع المضمضة والاستنشاق.
والدليل على أن هذا مجزئ:
قوله تعالى (وإن كنتم جنباً فاطهروا) ولم يذكر شيئاً سوى ذلك، ومن عمم بدنه بالغسل مرة واحدة صدق عليه أنه تطهر. (الشيخ ابن عثيمين).
• ما حكم النية في الغسل؟
شرط لصحة الطهارة، فلا تصح الطهارة بدونها.
وهذا قول جماهير العلماء.
أ-لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
ففي هذه الآية معنى النية، لقوله (إذا قمتم) أي: أردتم القيام للصلاة، ففيه استحضار لمعنى القيام لأجل الصلاة، وهذا هو معنى النية.
ب-ولقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) فهذا الحديث نص في وجوب النية في العبادات، فقد أثبت أن العمل لا يكون شرعياً يتعلق به ثواب أو عقاب إلا بالنية.
ج-أن الطهارة بالماء عن الحدث عبادة من العبادات الفعلية، فقد اشتُرط فيها من التحديد في الغسلات والمغسولات والماء ما يثبت كونها عبادة.
والنية محلها القلب والتلفظ بها بدعة.
• ما حكم التسمية قبل الغسل؟
حكمها كحكم التسمية قبل الوضوء، وقد سبق أن القول باستحبابها فيه نظر، والأحاديث الواردة في ذلك لا تصح.
وأيضاً أحاديث الاغتسال من الجنابة ليس فيها ذكر التسمية - كحديث عائشة وميمونة - ولو كانت مشروعة لما أغفل الصحابة ذكرها.
• ما السنة في ابتداء الغسل وقبل الاستنجاء؟
أن يغسل كفيه ثلاثاً.
لحديث عائشة (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا اِغْتَسَلَ مِنْ اَلْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ).
وعن ميمونة. قالت (سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة فغسل يديه) رواه البخاري.
ويبدأ بالكفين لأنهما أداة غرف الماء، فينبغي طهارتهما.
стр. 265
• ما السنة أن يفعل بعد غسل الكفين؟
يغسل فرجه.
لحديث عائشة - حديث الباب - ( … ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ).
ولحديث ميمونة قالت (سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه … ) رواه البخاري.
• ما الحكمة من غسل الفرج قبل الغسل؟
أ- لإزالة الذي عليه.
ب- لأن بتقديم غسله يحصل الأمن من مس فرجه في أثناء الغسل.
• هل غسل الفرج مستحب مطلقاً أم إذا كان فيه أذى؟ قيل: إن لم يكن هناك أذى فلا حاجة إلى غسل فرجه.
وهذا مذهب الشافعية.
لحديث ميمونة ( … ، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه من أذى).
وقيل: مستحب مطلقاً.
وهذا مذهب الحنفية.
• ماذا يستحب بعد غسل الفرج؟
يستحب غسل اليد بمنظف عقب الاستنجاء بها، كأن يدلكها بالأرض، أو التراب، أو الصابون.
لحديث ميمونة: ( … ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض).
• ما حكم الوضوء قبل الاغتسال؟
سنة، وهو مذهب جماهير العلماء واختيار ابن حزم.
لحديث عائشة قالت: ( … ثم يتوضأ … ).
• ما الحكمة من تقديم الوضوء (غسل أعضاء الوضوء) قبل الاغتسال؟
إنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفاً لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى.
стр. 266
• في هذا الوضوء الذي قبل الغسل، هل يشرع أن يكون وضوءاً كاملاً مع غسل القدمين، أم يتوضأ ولا يغسل قدميه بل يؤخرهما إلى الأخير؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يتوضأ وضوءه كاملاً مع رجليه.
وهذا المذهب.
لأن هذا هو المتبادر عند إطلاق لفظ الوضوء.
القول الثاني: أنه يستحب تأخير غسل الرجلين في الغسل.
وهذا مذهب الجمهور.
لحديث ميمونة ( … ثم أفاض على رأسه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه … ).
والصحيح أنه يتوضأ وضوءاً كاملاً مع الرجلين.
لأن هذا الغالب من فعل الرسول ﷺ ، لأن عائشة ذكرت غسل النبي ﷺ للجنابة على سبيل الدوام.
وأما حديث ميمونة فيحمل أن ذلك كان لحاجة، كما لو كانت الأرض رطبة، لأنه لو غسلهما لتلوثت رجلاه بالطين.
وهذا مذهب مالك.
• ماذا يفعل بعد الوضوء؟
يستحب أن يخلل شعر رأسه.
لحديث عائشة: ( … ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر … ).
• ما صفة التخليل؟
صفته: أن يدخل الأصابع فيما بين أجزاء الشعر.
• ما فائدة التخليل:
قال ابن الملقن: للتخليل ثلاث فوائد:
الأولى: تسهيل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة.
ثانياً: مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه.
ثالثها: تأنيس البشرة، خشية أن يُصيب بصبه دفعة آفة في رأسه.
стр. 267
• ماذا يفعل بعد التخليل؟
يحثي على رأسه ثلاث حثيات.
لحديث عائشة: ( … ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات … ).
• هل يستحب التثليث في بقية البدن كالرأس؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يستحب غسل البدن ثلاثاً.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
أ- قياساً على الوضوء، فإذا استحب التكرار في الوضوء فالغسل أولى.
ب- وقياساً على غسل الرأس، فكما ثبت تثليث غسل الرأس في الغسل فكذلك البدن ولا فرق.
القول الثاني: لا يستحب ذلك، بل الاقتصار على مرة واحدة.
وبه قال مالك، واختاره ابن تيمية.
لقوله عائشة وفيه ( … ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ).
وجه الدلالة: أنه ﷺ أفاض الماء على جسده كله ولم يكرره عليه، فدل على أن التكرار في غسل البدن غير مشروع، وهذا هو الصحيح.
• ماذا يفعل بعد ذلك؟
يستحب له بعد ذلك أن يبدأ بشقه الأيمن.
لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء من الحلاب، فأخذ بكفيه ثم بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر). متفق عليه الحلاب: إناء يسع قدر حلب ناقة.
ثم يعمم جسده بالماء.
لحديث عائشة: ( … ثم أفاض على سائر جسده … ).
وفي رواية: (ثم غسل سائر جسده).
هذه صفة الغسل الكامل المسنون.
стр. 268
• ما حكم تنشيف الأعضاء بعد الوضوء أو الغسل؟
قيل: مكروه.
لحديث الباب - ميمونة - ( … ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ - فَرَدَّهُ، وَفِيهِ: - وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ).
وفي رواية ( … قالت: فأتيتُهُ بِخرْقَةٍ فلم يُرِدْها، فجعل ينقض الماء بيده) رواه البخاري.
وقيل: مستحب.
أ-لحديث عائشة قالت (كان لرسول ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء) رواه الترمذي وهو ضعيف.
ب- ولحديث سلمان (أن رسول الله ﷺ توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه، فمسح بها وجهه) رواه ابن ماجه، وهو ضعيف.
ج- ولحديث أبي بكر الصديق (أن النبي ﷺ كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء) رواه البيهقي.
وكل هذه الأحاديث لا يثبت منها شيء، وقد قال الترمذي: لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
والراجح أنه جائز (يعني مباح).
وقد صح عن أنس (أنه كان يمسح وجهه بالمنديل بعد الوضوء). رواه ابن المنذر
قال ابن قدامه ﵀ في (المغني) لَا بَأْسَ بِتَنْشِيفِ أَعْضَائِهِ بِالْمِنْدِيلِ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ؛ وهو المنقول عن الإمام أحمد، وقد رُوِيَ أَخْذُ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ عن عُثْمَان وَالْحَسَن بْن عَلِيٍّ وَأَنَس، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وهو الأصح، لأن الأصل الإباحة.
• وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم تنشيف أعضاء الوضوء. فأجاب: تنشيف الأعضاء لا بأس به؛ لأن الأصل عدم المنع، والأصل فيما عدا العبادات من العقود والأفعال والأعيان الحل والإباحة حتى يقود دليل على المنع.
فإن قال قائل: كيف تجيب عن حديث ميمونة ﵂، حينما ذكرت أن النبي ﷺ اغتسل، قالت: فأتيته بالمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيده؟
فالجواب: أن هذا الفعل من النبي ﷺ قضية عَيْن تحتمل عدة أمور: إما لأنه لسبب في المنديل، أو لعدم نظافته، أو يخشى أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، فهناك احتمالات ولكن إتيانها بالمنديل قد يكون دليلاً على أن من عادته أن ينشف أعضاءه، وإلا لما أتت به .... (مجموع فتاوى ابن عثيمين).
• ماذا نستفيد من قولها (وجعل ينفض الماء بيديه)؟
نستفيد جواز نفض اليدين من ماء الغسل.
وأما حديث (لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان). ضعيف
قال ابن دقيق العيد في شرح (عمدة الأحكام) وهذا الحديث دليل على جواز نفض الماء عن الأعضاء في الغسل، والوضوء مثله، وما استدل به على كراهة النفض - وهو ما ورد (لاتنفضوا أيديكم فإنها مراوح الشيطان) حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح. (إحكام الأحكام).
الحديث من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان) فهو حديث ضعيف، ومن أهل العلم من صرح بوضعه، وفي إسناده البختري بن عبيد وهو متهم بوضع الحديث، وقد حكم جماعة من أهل العلم بنكارة هذا الحديث، منهم: أبو حاتم الرازي، وابن عدي، والذهبي.
لذا قال الحافظ بن حجر في (فتح الباري) ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح -يعني حديث ميمونة- لم يكن صالحاً لأن يحتج به.
стр. 269
١٢١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ إِنِّي اِمْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ اَلْجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
(أَشُدُّ) أي: أُحْكِمُ.
(شَعْرَ رَأْسِي) لفظ مسلم (ضَفْر رأسي) وكأن المصنف رواه بالمعنى، ومعناه: أُحْكِم فتل شعري، قال النووي: هو بفتح الضاد وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين والفقهاء.
(أَفَأَنْقُضُهُ) نقض الحبل أو الشعر: حل عقده.
(لِغُسْلِ اَلْجَنَابَةِ؟) أي: لأجل الاغتسال من الجنابة، وهي إنما سألت عن الوجوب، أي: هل يجب عليّ نقضه أم لا؟
(قال: لَا) أي: لا يجب عليك ذلك.
(إِنَّمَا يَكْفِيكِ) أي: يَجزيكِ، والكاف مكسورة، لأن الخطاب للمؤنث.
(أَنْ تَحْثِي) الحثيُ: الرمي، والمراد به هنا الصب.
• هل يجب على المرأة نقض شعر رأسها لغسل الجنابة؟
لا يجب.
وهذا قول جماهير العلماء ولم يخالف إلا القليل.
أ-لحديث الباب.
وورد عن عدد من النساء أنهنّ سألن رسول الله ﷺ عن الغسل (مع كثرة استعمالهن للظفر) فلم يأمر إحداهن بأن تحل قرون رأسها.
وقد أنكرت عائشة على ابن عمرو قوله فيما رواه مسلم من طريق عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ (بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ فَقَالَتْ يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ أَفَلَا يَأْمرهنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَات).
قال ابن القيم في (تهذيب السنن): حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَة أَنَّ تَنْقُض شَعْرهَا لِغُسْلِ الْجَنَابَة، وَهَذَا اِتِّفَاق مِنْ أَهْل الْعِلْم، إِلا مَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالا تَنْقُضهُ، وَلا يُعْلَم لَهُمَا مُوَافِق.
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: بعض النساء لدينا يمشطن شعورهن - أي: يضفرنها - وعندما يغتسلن من الجنابة لا تفك المرأة ضفائرها، فهل يصح غسلها؟ مع العلم أن الماء لم يصل إلى كل منابت شعرها. أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب: إذا أفاضت المرأة على رأسها كفى؛ لأن أم سلمة ﵂ سألت النبي ﷺ عن ذلك فقالت: إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
فإذا حثت المرأة على رأسها الماء ثلاث حثيات كفاها ذلك ولا حاجة إلى نقضه؛ لهذا الحديث الصحيح. (مجموع فتاوى الشيخ ابن باز)
стр. 270
• هل يجب على المرأة أن تنقض شعرها للغسل من الحيض؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: يجب عليها أن تنقضه للغسل من الحيض.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة وهو قول الظاهرية واختيار ابن القيم.
أ- ما رواه مسلم من طريق إبراهيم بْنِ الْمُهَاجِرِ قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ: تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِينَ بِهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ أو تُبْلِغُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ) الحديث.
قال ابن القيم ﵀: وهذا دليل أنه لا يكتفى فيه بمجرد إفاضة الماء كغسل الجنابة … ففرق بين غسل الحيض والجنابة في هذا الحديث، وجعل غسل الحيض أكثر، ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمن لنقضه.
ب-ما رواه مسلم من طريق عروة عن عائشة. قالت (خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ولم أكن سقت الهدي … الحديث وفيه: أنه ﷺ قال لها حين حاضت: انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن العمرة)، فأمرها بنقض رأسها وهي تغتسل من الحيض.
ج- أن الأصل نقض الشعر لتيقن وصول الماء إلى ما تحته، إلا أنه عفي عنه في غسل الجنابة لتكرره ووقوع المشقة الشديدة في نقضه، بخلاف غسل الحيض فإنه في الشهر مرة.
القول الثاني: أنه لا يجب نقضه في غسل الحيض.
وهذا قول جمهور العلماء، اختار هذا القول ابن قدامة وصاحب الشرح الكبير ابن أبي عمر، واختاره الشوكاني والسعدي ومحمد بن إبراهيم.
أ- لحديث الباب (أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ اَلْجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ؟ فَقَالَ: لا … )، ولو كان النقض واجباً لذكره لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ب-ولما ورد في إنكار عائشة على ابن عمرو في غسلها مع رسول الله ﷺ ، وأنها لا تزيد على أن تفرغ على رأسها ثلاث فراغات.
ج- ولأنه موضع من البدن فاستوى فيه الحيض والجنابة كسائر البدن.
وهذا القول هو الراجح.
قال الشيخ ابن باز: والصحيح أنه لا يجب عليها نقضه في غسل الحيض، لما رود في بعض روايات أم سلمة عند مسلم أنها قالت للنبي ﷺ : (إني امرأة أشد ظفر رأسي، أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: لا)، ومذهب الجمهور أنه إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه من غير نقض، لم يجب النقض.
• ما الحكمة من التفريق بين الجنابة والحيض عند من يقول به؟
الحكمة: أن الأصل وجوب نقض الشعر، ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله، فعفي عنه في غسل الجنابة، لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، بخلاف الحيض فالغالب أنه في الشهر مرة فلا مشقة في نقضه، فيبقى على مقتضى الأصل، وهو الوجوب.
• وهل للرجل نفس الحكم إذا ضفّر شعره؟
قال ابن قدامة: والرجل والمرأة في هذا سواء، وإنما خصت المرأة بالذكر لأن العادة اختصاصها بكثرة الشعر وتوفيره وتطويله.
стр. 271
١٢٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنِّي لَا أُحِلُّ اَلْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَة.
===
• ما صحة الحديث؟
الحديث مختلف فيه.
صححه ابن خزيمة وابن القطان والزيلعي والشوكاني والشيخ ابن باز.
وضعفه آخرون: البيهقي، وقال ابن حزم: إنه باطل.
فيه جسرة، قال البخاري: عندها عجائب.
• ما حكم مكث الحائض في المسجد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: المنع من ذلك.
وهذا مذهب الجمهور، مالك والشافعي وأبي حنيفة.
أ-لحديث الباب.
ب-وحديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: (ناوليني الخمرة في المسجد، فقالت: إني حائض، فقال ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك). رواه مسلم
وجه الدلالة من وجهين:
أولاً: قولها (إني حائض) هذا دليل على أنه كان معروفاً أن الحائض لا تمكث في المسجد، وأقرها النبي ﷺ على كلامها.
ثانياً: في قوله ﷺ لها (إن حيضتك ليست في يدك) يعني إن يدك فقط التي ستدخل المسجد وليس كلك، ويدك ليس فيها حيض بخلاف كلك.
ج- ولأن النبي ﷺ أمر النساء بالخروج لصلاة العيد، وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى. (هذا على القول بأن مصلى العيد مسجد وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين).
د-ولقوله تعالى (ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا).
قيل في معنى الآية: لا تقربوا الصلاة وأنتم مجنبون، يعني: لا تصلي وأنت جنب حتى تغتسل إلا أن تكون عابر سبيل.
وقيل: لا تقربوا مواضع الصلاة نفسها مجنبون، والمعنى: لا تقربوا المساجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل، وهذا الثاني رجحه ابن جرير والشوكاني.
стр. 272
القول الثاني: يجوز للحائض المكث في المسجد.
وهذا مذهب الظاهرية، والمزني من الشافعية.
أ-لعدم الدليل.
ب-ولحديث المرأة السوداء التي كان لها خباء في المسجد.
عن عائشة (أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فاعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبيّة لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته أو وقع منها فمرت به حديّاة وهو ملقىً فحسبته لحماً فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم وأنا منه بريئة وهو ذا هو، قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، قالت: فكانت لها خباء في المسجد أو حفش … ). رواه البخاري
والراجح القول الأول.
• ماذا أجاب أصحاب القول الثاني القائلين بالجواز عن أدلة أصحاب القول الأول القائلين بالتحريم؟
أجابوا:
أما حديث عائشة (إني لا أحل المسجد لحائض .... ) فلا يثبت وهو ضعيف، وقد قال ابن حزم: إنه باطل، وقال ابن رشد: هو حديث غير ثابت عند أهل الحديث.
وأما حديث عائشة الثاني (ناوليني الخُمرة … ) قالوا: هذا دليل للجواز على دخول الحائض المسجد لقوله ﷺ (إن حيضتكِ ليست في يدك).
وأما حديث أن النبي ﷺ أمر الحيّض أن يعتزلن المصلى، فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن المراد بالمصلى هو المكان الذي يصلى فيه وليس هو المسجد، فتكون الحائض نائية عن المصلى الذي يصلى فيه، لئلا تضايق المصليات وتشوش عليهن، ونحو ذلك.
والثاني: أن المراد اعتزال الصلاة كما في رواية لمسلم (فليعتزلن الصلاة).
• هل يجوز للحائض عبور المسجد؟
نعم يجوز إذا أمنت تلويث المسجد.
لحديث عائشة السابق (أن الرسول ﷺ قال لها ناوليني الخمرة في المسجد، فقالت: إني حائض، فقال ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك)
ما حكم مُصلَّى المدرسة المعد لصلاة الظهر فقط، هل يجوز للحائض دخوله؟
المصلى في المدارس ليس في حكم المسجد، بل هو مصلى، وليس كل مكان تقام فيه الصلاة يعتبر مسجداً، فالمسجد هو: ما أعد للصلاة على سبيل العموم وهيئ وبني.
وأما مجرد أن يتخذ مكاناً يصلى فيه فهذا لا يجعله مسجداً.
وعلى هذا؛ فيجوز للمرأة الحائض أن تدخل مصلى المدرسة وتمكث فيه. (لقاء الباب المفتوح).
стр. 273
١٢٣ - وَعَنْهَا قَالَتْ: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اَللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ اَلْجَنَابَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
زَادَ اِبْنُ حِبَّانَ: وَتَلْتَقِي.
===
(تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فيه) الاختلاف ضد الاتفاق، والمراد بذلك أن يدخل كل واحد منهما يده ويغرف من الإناء بعد يد الآخر، فيكون كل واحد منهما اغتسل بفضلة الآخر.
(مِنَ اَلْجَنَابَةِ) أي: بسبب الجنابة، وهذه اللفظة (من الجنابة) عند مسلم دون البخاري.
• ما حكم اغتسال الزوجين جميعاً؟
جائز.
قال الشوكاني: فأما غسل الرجل والمرأة ووضوءهما جميعاً فلا اختلاف فيه.
ومن الأدلة على جواز ذلك:
أ-حديث الباب، وفي لفظ للبخاري: (من إناء واحد نغترف منه جميعاً).
ب-وعن أم سلمة قالت (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من الجنابة). متفق عليه
ج- وعن عائشة قالت (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي). رواه مسلم
د-وعن ابن عمر ﵁ قال (كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعاً).
زاد ابن ماجه (من إناء واحد)، وزاد أبو داود (ندلي فيه أيدينا).
(جميعاً) الجميع ضد المفترق، وقد وقع مصرحاً بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة في هذا الحديث عن ابن عمر أنه أبصر النبي ﷺ وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهر به.
• ما معنى قوله (كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعاً)؟
أ-أن يقال هذا قبل نزول الحجاب.
ب-أن المقصود (الرجال والنساء) يعني الأزواج مع أزواجهم، أو المحارم مع محارمهم.
• هل يجوز للزوج أن ينظر إلى عورة امرأته؟
نعم، يجوز لكل من الزوجين أن ينظر إلى عورة الآخر.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث حكيم بن حزام. قال: قال ﷺ (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) رواه أبو داود.
وأما حديث عائشة (ما رأيت عورة رسول الله ﷺ قط) فهو ضعيف لا يصح؟
стр. 274
١٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا اَلشَّعْرَ، وَأَنْقُوا اَلْبَشَرَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاه.
١٢٥ - وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُول.
===
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث ضعيف كما قال المصنف، لأن فيه الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف.
وقد ضعف الحديث: أبو داود والترمذي والشافعي والبخاري.
وأما حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ (يا عائشة! أما علمتِ أن على كل شعرة جنابة) فهو أيضاً ضعيف.
• على ماذا يدل الحديث؟
أ-يدل على وجوب الغسل من الجنابة والتأكيد فيه.
ب-ويدل أيضاً على وجوب تعميم الجسم بالماء.
قال الصنعاني: والحديث يدل على أنه يجب غسل جميع البدن في الجنابة ولا يعفى عن شيء منه، قيل وهو إجماع.
ج-ويدل أيضاً على وجوب تروية أصول الشعر وإيصال الماء إلى ما تحتها من البشرة.
• ما معنى قوله (إن تحت كل شعرة جنابة)
يحتمل أن يحمل على ظاهره، فيكون معناه: إن كل شعرة تحتها جزء لطيف من البدن لحقته الجنابة.
ويحتمل أن يحمل على المبالغة.
باب التيمم
التيمم لغة: القصد، يقال: تيمم الشيء ويمّمه، أي: قصده.
وشرعاً: التعبد لله بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين.
وهو من خصائص هذه الأمة كما سيأتي في الحديث إن شاء الله.
وهو مشروع عند فقد الماء أو العجز عن استعماله كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 275
١٢٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ اَلصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَذَكَرَ اَلْحَدِيث).
===
(أُعْطِيتُ خَمْسًا) أي: أعطاني الله خمس خصال، وهذا ليس على سبيل الحصر.
(لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي) وفي رواية للبخاري ومسلم (أحد من الأنبياء).
(نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ) الرعب: الخوف والذعر، والمراد هنا: حصول الخوف والوجل في قلوب الأعداء.
(مَسِيرَةَ شَهْرٍ) أي: مسافة شهر، والمعنى: أن عدوه مرعوب منه ولو كان بينه وبينه مسافة شهر.
(وَجُعِلَتْ لِي اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا) أي: صيّر الله لي جميع الأرض مكاناً للسجود، أي: للصلاة، بخلاف الأمم السابقة فإنهم لا يصلون إلا في أماكن معينة كالكنائس.
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً).
(وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ) أي: جعلها الله لي حلالاً، والمراد بها: ما يؤخذ من أموال الكفار في الجهاد، وكانت في الأمم السابقة تجمع في مكان، ثم تنزل عليهم نار من السماء فتحرقها (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) المراد بها: الشفاعة العظمى، وهي شفاعته ﷺ إلى الله تعالى في أهل الموقف أن يُقضَى بينهم.
• هل التيمم من خصائص هذه الأمة؟
نعم.
لحديث الباب (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ).
стр. 276
• اذكر أدلة ثبوت التيمم؟
التيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ).
ومن السنة: أحاديث كثيرة: حديث الباب والأحاديث الآتية.
وأجمعت الأمة على جواز التيمم من حيث الجملة. [نقل الإجماع النووي وابن قدامة].
• ما سبب مشروعيته؟
ضياع عقد عائشة.
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْرٍ. قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ) متفق عليه.
(فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ) أي: لأجل طلب ذلك العقد الضائع، (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ) أي: ليسوا نازلين على محل يوجد فيه ماء، (وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) أي: وليسوا أيضاً حاملين معهم ماء من محل آخر، (فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا) وهي آية المائدة على الراجح، فقد جاء في رواية للحديث عند المصنف (فنزلت: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة … إلى قوله: تشكرون) وهي صريحة في أن الآية نزلت كاملة في قوت واحد في تلك السفرة.
стр. 277
• هل التيمم مبيح أو رافع؟
اختلف العلماء: هل التيمم مبيح أو رافع؟ على قولين:
القول الأول: أنه مبيح لا رافع.
وبه قال مالك والشافعي وأحمد، ونسبه النووي للجمهور.
لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسه بشرته) رواه الترمذي.
وجه الدلالة: في قوله (فإذا وجده فليمسه بشرته) فأمره إذا وجد الماء أن يمسه بشرته، وهذا يدل على أن التيمم لم يرفع حدثه، وإنما أباح له فعل ما شُرعتْ الطهارة له، ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده.
القول الثاني: أنه رافع ويقوم مقام الماء.
وهذا مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
أ-لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
وجه الدلالة: أن الله سبحانه أخبر أنه يريد أن يطهرنا بالتراب كما يطهرنا بالماء.
ب-ولحديث الباب (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
وجه الدلالة من وجهين:
الأول: أن الله جعل الأرض طهوراً كما جعل الماء طهوراً.
الثاني: قوله ( .. وطَهوراً) والطَّهور بالفتح: ما يُتطهر به.
ج - ولقوله ﷺ (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ سماه وضوءاً، فدل على أنه إذا عدم الماء طهور بمنزلة الماء.
د-ولأنه بدل عن طهارة الماء، والقاعدة الشرعية (أن البدل له حكم المبدل).
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 278
• ما فائدة الخلاف؟
فائدة الخلاف: إذا قلنا أنه مبيح (القول المرجوح):
- فإنه إذا تيمم لنافلة لم يصلّ به فريضة، لأن الفريضة أعلى.
- إذا تيمم لمس المصحف لم يصلّ به نافلة، لأن الوضوء للنافلة أعلى.
- وإذا خرج الوقت بطل التيمم، لأن المبيح يقتصر على قدر الضرورة.
وأما على القول أنه رافع (وهو الصحيح):
- فإنه من تيمم لنافلة فإنه يصلي به فريضة وغيرها من الصلوات، ولا يبطل بخروج الوقت، لأنه يقوم مقام الماء، (وسبق أن هذا هو الصحيح).
• هل قوله ﷺ (أعطيت خمساً) معناه لم يعطى غيرهن؟
الجواب: لا، لأنه مفهوم العدد غير مقيد، وأن العدد لا مفهوم له، فما أعطيه النبي ﷺ أكثر من ذلك.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر بعض الخصائص للنبي ﷺ غير موجودة في هذا الحديث:
عند مسلم (وأعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبيون).
وعنده أيضاً من حديث حذيفة (جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة).
وعند النسائي (وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش).
وعند البزار عن أبي هريرة (وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة).
وعند البزار عن ابن عباس (وكان شيطاني كافراً فأعانني الله عليه فأسلم).
• قوله ﷺ (نصرت بالرعب مسيرة شهر) لماذا جعل غاية الرعب شهراً؟
إنما جعل الغاية شهر لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه.
وهذه الخاصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر.
• هل هذا الرعب خاص بالنبي ﷺ أم لأمته؟
الذي يظهر أنه عام للنبي ﷺ ولأمته.
أ- أن معظم الخصائص التي ذكرها النبي ﷺ معظمها عام، كإحلال الغنائم.
ب- أن هذا أليَق برحمة الله تعالى بهذه الأمة.
وقيل: ليس عام للأمة، وقيل: إذا كانت الأمة تسير على منهج النبي ﷺ فلها ذلك.
• ما معنى قوله ﷺ (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وما وجه الخصوصية؟
قوله (مسجداً) أي موضع سجود، ولا يختص السجود فيها بموضع دون غيره.
ووجه الخصوصية: قال الخطابي: أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ (وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم).
وهذا نص في موضع النزاع فثبتت الخصوصية.
ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه (ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه).
стр. 279
• على ماذا يدل قوله (وجعلت لي الأرض مسجداً)؟
يدل على أن الأصل جواز الصلاة في جميع الأماكن، لكن يستثنى من ذلك مواضع سيأتي ذكرها إن شاء الله في باب شروط الصلاة منها:
أ-المقبرة.
لقوله ﷺ : (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). رواه الترمذي
ب-الحمام (مكان المغتسل).
للحديث السابق.
ولأن الحمام مكان يكشف فيه العورات.
ج-الحش (مكان قضاء الحاجة).
لأنه أولى من الحمام.
ولأنه نجس خبيث ومأوى للشياطين.
د-أعطان الإبل (المكان الذي تبيت فيه وتأوي إليه).
لحديث البراء بن عازب قال (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا فيها فإنها من الشياطين). رواه أحمد
• قوله ﷺ (وأحلت لي الغنائم) فماذا كان حال الأمم الماضية إذا غنموا؟
قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين:
منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم غنائم.
ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته.
• اذكر بعض الأدلة على أن دعوة ورسالة النبي ﷺ عامة لجميع الناس؟
أ-حديث الباب (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة).
وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا).
وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).
وقال سبحانه (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).
وقال ﷺ (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). رواه مسلم
وقال ﷺ : (وأرسلت إلى الخلق كافة) رواه مسلم، وفي رواية (وبعثت إلى كل أحمر وأسود).
قيل: المراد بالأحمر العجم، والأسود العرب، وقيل: الأحمر الإنس، والأسود الجن.
стр. 280
١٢٧ - وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ اَلْمَاءَ) ....
١٢٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ (وَجُعِلَ اَلتُّرَابُ لِي طَهُورًا).
===
• اذكر لفظ حديث حذيفة؟
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِداً، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ).
• اذكر لفظ حديث علي؟
عن عَلِي بْن أَبِي طَالِب قَالَ. قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أُعْطِيتُ أَرْبَعًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ: أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَم) رواه أحمد.
• متى يشرع التيمم؟
يشرع عند فقد الماء لقوله (إِذَا لَمْ نَجِدِ اَلْمَاءَ).
فإذا كان غير واجد للماء لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافراً، ولا ما قرب منه؛ فإنه يشرع له التيمم.
أ-لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).
ب-ولحديث الباب ( … إِذَا لَمْ نَجِدِ اَلْمَاءَ).
ج-ولحديث (الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسه بشرته).
• هل يجب أن يطلب الماء؟
نعم يجب عليه قبل التيمم أن يبحث ويطلب الماء، في رحله وبقربه وبدلالة.
لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) ولا يقال: لم يجد الماء إلا بعد الطلب.
• ما الحكم إذا وجد الماء لكن بثمن زائد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
فقيل: يعدل إلى التيمم ولو معه قيمته.
وعللوا ذلك بأن هذه الزيادة تجعله في حكم المعدوم.
وقيل: إن كان قادراً على شرائه لوجود ثمنه عنده؛ فإنه يشتريه إذا لم يكن عليه ضرر.
لأن الله يقول: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) والماء هنا موجود.
وهذا القول هو الصحيح.
لكن إن كان غير واجد الثمن، أو ليس معه إلا بعضه؛ فهو عادم للماء، ولا يلزمه الاقتراض، لما في ذلك من المنة.
стр. 281
• ما الحكم لو وجد ماء يكفي بعض طهره؟
مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط.
فقيل: يجب أن يستعمل الماء أولاً ثم يتيمم.
أ-لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا).
ب-ولقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). متفق عليه
ج-وليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم.
وقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله.
والأول أرجح.
• هل يشترط للتيمم أن يكون بتراب أم يجوز بالتراب وغيره؟
اختلف العلماء: هل لا بد من التراب للتيمم أم يجوز بغيره؟ على قولين:
القول الأول: أنه لا بد من التراب.
وهذا مذهب أحمد والشافعي وداود وأكثر الفقهاء. [قاله النووي]
أ- لحديثي الباب (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا)، (وَجُعِلَ اَلتُّرَابُ لِي طَهُورًا).
فخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه، ولو كان غير التراب طهوراً لذكره فيما منّ الله تعالى به عليه.
ب- ولقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ).
وجه الدلالة: أن الله سبحانه أمر بالتيمم بالصعيد - وهو التراب - كما فسره ابن عباس، وقال تعالى (منه) أي: ببعضه، ولا يحصل المسح بشيء منه إلا أن يكون ذا غبار يعلق باليد والوجه.
القول الثاني: يجوز بكل ما تصاعد على الأرض من ترابها ورملها وحجرها ومدرها.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، واختاره ابن تيمية وابن القيم.
أ-لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ).
وجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: أن الصعيد هو الصاعد على وجه الأرض، وهذا يعم كل صاعد، فيتناول الحجر والمدر وسائر أجزاء الأرض.
الثاني: أن معنى (منه) في الآية المذكورة لابتداء الغاية، فيكون ابتداء الفعل بالأرض، وانتهاء المسح بالوجه، فيمسح من وقت الضرب لا قبله.
ب- ولقوله ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فدل على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض.
ج-ولحديث أبي جهم قال: (أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردّ ﵇.
د- ولأن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك وقطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يرد أنهم حملوا التراب معهم ولا أمرهم به، بل كانوا يتيممون بما تيسر لهم من الأرض.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 282
قال السعدي: والصحيح أنه يصح التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب له غبار أو رمل أو حجر أو غير ذلك
وقال ابن القيم: ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلة، ولم يرد أنه حمل معه التراب ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: القول الراجح أنه لا يشترط للتيمم أن يكون تراب له غبار، بل إذا تيمم على الأرض أجزأه سواء كان فيها غبار أم لا.
وهذا القول هو الراجح.
وأما دليلهم: (وجعلت تربتها … ) فهذا من ذكر بعض أفراد العام ما يوافق حكم العام، وذكر بعض أفراد العام بما يوافق العام لا يفيد التخصيص.
• وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن المريض لا يجد التراب فهل يتيمم على الجدار، وكذلك الفرش أم لا؟
فأجاب: الجدار من الصعيد الطيب، فإذا كان الجدار مبنياً من الصعيد سواء كان حجراً أو كان مدراً- لَبِنًا من الطين -، فإنه يجوز التيمم عليه، أما إذا كان الجدار مكسواً بالأخشاب أو (بالبوية) فهذا إن كان عليه تراب - غبار - فإنه يتيمم به ولا حرج، ويكون كالذي يتيمم على الأرض؛ لأن التراب من مادة الأرض، أما إذا لم يكن عليه تراب، فإنه ليس من الصعيد في شيء، فلا يتيمم عليه.
وبالنسبة للفرش نقول: إن كان فيها غبار فليتيمم عليها، وإلا فلا يتيمم عليها لأنها ليست من الصعيد.
стр. 283
١٢٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: (بَعَثَنِي اَلنَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ اَلْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي اَلصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ اَلدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْه).
===
(فتمرغت) أي تقلبت، وكأن عمار استعمل القياس في هذه المسألة، لأنه رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى أن التيمم عند الغسل يقع على هيئة الغسل.
(وَظَاهِرَ كَفَّيْه) أي: مسح ظاهر كل منهما براحة اليد الأخرى كما ورد مفسراً عند أبي داود.
(وَوَجْهَهُ) أي: ومسح وجهه.
• ما حكم من أجنب ولم يجد الماء؟
حكمه: أنه يتيمم، فالتيمم يكون عن الحدث الأكبر وعن الحدث الأصغر.
وهذا مذهب أكثر العلماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
أ-لحديث الباب.
ب-ولحديث عمران بن حصين (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصلّ في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك). متفق عليه
قال النووي: ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف إلا ما جاء عن عمر وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي التابعي، وقيل إن عمر وعبد الله رجعا عنه.
• هل صفة التيمم عن الحدث الأكبر تختلف عن التيمم للحدث الأصغر؟
لا تختلف، فالتيمم صفته واحدة في الحدث الأصغر والأكبر.
• ما صفة التيمم؟
قوله (إنما يكفيك … ) دليل على أن الواجب في التيمم هي الصفة المشروحة في هذا الحديث.
وصفته: هو أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة بلا تفريج للأصابع وتمسح وجهك بكفيك، ثم تمسح الكفين بعضهما ببعض.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيديه ضربة واحدة يمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض.
стр. 284
• هل التيمم يكون إلى الكوع أو إلى المرفقين؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن المسح إلى الكوع.
وهذا مذهب مكحول وعطاء والأوزاعي وأحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول.
وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث.
لحديث الباب (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَه).
القول الثاني: أنه إلى المرفقين.
وهذا مذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة.
قياساً على الوضوء، حيث أن الله أمر بغسل اليد إلى المرفق في الوضوء.
قال ابن حجر في الفتح: وأما ما استدل به من اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك مشروط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار.
والراجح الأول.
فائدة: قال النووي في المجموع: وحكى الماوردي وغيره عن الزهري أنه يجب مسحهما إلى الإبطين، وما أظن هذا يصح عنه.
• ما حكم الترتيب في التيمم في الحدث الأصغر؟
الراجح أنه واجب، وهو أن يبدأ بالوجه ثم باليدين.
أ-لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فبدأ بالوجه قبل اليدين، وقد قال النبي ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به).
ب- ولحديث الباب، حيث فعل التيمم مرتباً.
ج-ولأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض فيها (وقد تقدم أن الترتيب واجب في الوضوء).
وذهب بعض العلماء إلى أن الترتيب في الحدث الأصغر سنة ليس بواجب.
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
والراجح الأول.
• ما حكم الترتيب في التيمم عن الحدث الأكبر؟
جمهور العلماء أنه سنة ليس واجب.
قياساً على الأصل وهو الغسل بالماء، فإن بدن الجنب في الغسل بمنزلة عضو واحد، ولا ترتيب في العضو الواحد، فإذا لم يفترض الترتيب في الأصل وهو الاغتسال بالماء، فلأن لا يفترض في بدله وهو التيمم من باب أولى.
وقيل: الترتيب فرض في التيمم عن الحدث الأكبر، وهو مذهب الشافعية.
стр. 285
• ما هي فروض التيمم؟
أولاً: النية.
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن التيمم لا يصح إلا بنية.
ثانياً: مسح الوجه واليدين.
لقوله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ).
ولحديث الباب (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْه).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- البيان بالفعل وأنه أبلغ في الفهم من القول.
- مراجعة العلماء في العلم والاجتهاد، فإن عماراً راجع فيما اجتهد فيه.
- أنه إذا تطهر الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده، والأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره ﷺ للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء. [قاله النووي: ٤/ ٥٧]
- أن من أرسل في أمر عظيم ينبغي أن يتحفظ ويثبت ولا يشهر ما أرسل فيه إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما فعل عمار حيث لم يصرح بالحاجة ما هي.
- أن المتأول المجتهد لا إعادة عليه، لأنه ﵇ لم يأمر بالإعادة وإن كان قد أخطأ في اجتهاده.
- وجوب استيعاب مسح الوجه بالتيمم.
- أنه لا قياس مع النص، لأن النبي ﷺ أبطل قياس عمار.
- مشروعية نفخ اليدين بعد الضرب، لكن قيده بعض العلماء بما إذا علق في اليدين تراب كثير.
следующие страницы →