← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ويضمن الطبيب ما يتلفه من نفس أو أعضاء في الحالات الآتية: أولاً: المتعدي العامد. قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله: وبتعمد الطبيب للقتل، والقطع للعضو بقصد الضرر: خرج عن كونه طبيباً إلى كونه ظالماً معتدياً، وأصبح وصفه بكون طبيباً لا تأثير له؛ لخروجه بتلك الجناية عن حدود الطب مع قصدها. وهذا الأثر قلَّ أن يوجد عند الأطباء؛ لما عُرف عنهم من الحرص على نفع مرضاهم، وهم محل حسن الظن، ولذلك نجد الفقهاء ﵏ يعتبرون هذا الأصل فيهم، ومن ثم قال بعضهم عند بيانه لعلة إسقاط القصاص عن الطبيب إذا قصَّر: " الأصل عدم العداء إن ادعِيَ عليه بذلك. (أحكام الجراحة الطبية). ثانياً: المعالج الجاهل. وهو بجهله يعدُّ متعديّاً، والحديث السابق نصٌّ في أنه يضمن. قال ابن القيم: وأما الأمر الشرعي: فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطب، وعمله، ولم يتقدم له به معرفة: فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك. قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدَّى فتلف المريض كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه: متعدٍّ، فإذا تولد من فعله التلف: ضمن الدية، وسقط عنه القَوَد [القصاص]؛ لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض. (زاد المعاد). وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أما إذا لم يكن حاذقاً: فلا يحل له مباشرة العملية، بل يحرم، فإن أجراها: ضمن ما أخطأ فيه وسرايته. (الفتاوى). وهذا الضمان من الطبيب الجاهل المتعدي يكون حيث لا يعلم المريض أن الطبيب يجهل الطب والعلاج، فإن علِم أنه جاهل ورضي به معالِجاً: سقط حقه، ولم يضمن الطبيب، مع استحقاقهما للتعزير. قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: إن كان المريض يعلم منه أنه جاهل لا علم له بالطب، وأذن له في معالجته مقدماً على ما يحصل منه، وهو بالغ، عاقل: فلا ضمان على الطبيب في هذه الحالة. "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (٨/ ١٠٤) ثالثاً: الطبيب الماهر الذي أخطأت يدُه. ويضمن الطبيب الماهر إذا أخطأت يده فأتلفت عضواً صحيحاً، أو مات المريض بسبب ذلك الخطأ. قال ابن المنذر ﵀: وأجمعوا على أن قطع الخاتن إذا أخطأ، فقطع الذَّكر، والحشفة، أو بعضها: فعليه ما أخطأ به، يعقله عنه العاقلة. (الإجماع). العاقلة: هي ما يسمى الآن "العائلة"، والمراد هنا: الأقارب الذكور الذين ينتسبون إلى نفس العائلة، كالأب والجد والابن والإخوة والأعمام وأبنائهم.

стр. 2207

رابعاً: الطبيب الماهر إذا أخطأ في وصف الدواء. كما يضمن الطبيب الماهر إذا اجتهد في وصف دواء لمريض، ويكون أخطأ في تلك الوصفة، فأتلفت عضواً، أو قتلت المريض. خامساً: الطبيب الماهر الذي فعل ما لا يفعله غيره من أهل الاختصاص. وهو الطبيب الذي يتجاوز الحدود المعتبرة عند أهل الطب، أو يقصِّر في التشخيص. سادساً: الطبيب الذي يعالج وفق أصول المهنة، لكن من غير إذن ولي الأمر، ومن غير إذن المريض، ويتسبب ذلك العلاج بأضرار، وفاة، أو ما دونها. وجمهور العلماء على تضمينه، وهو الذي رجحه الشيخ محمد المختار الشنقيطي في " أحكام الجراحة الطبية " (٣٦٢) قال الإمام الشافعي ﵀: وإذا أمر الرجل أن يحجمه، أو يختن غلامه، أو يبيطر دابته، فتلفوا من فعله: فإن كان فعل ما يفعل مثله مما فيه الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بالصناعة: فلا ضمان عليه، وإن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح، وكان عالماً به: فهو ضامن. "الأم" (٦/ ١٦٦) وقد قسَّم ابن القيم ﵀ الأطباء المعالجين خمسة أقسام، وذكر حكم كل قِسم، ونحن نذكرها للفائدة، وفيها جواب السائل وزيادة: قال ﵀: قلت: الأقسام خمسة: أحدها: طبيب حاذق، أعطى الصنعة حقها، ولم تجنِ يدُه، فتولَّد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبه: تلف العضو، أو النفس، أو ذهاب صفة: فهذا لا ضمان عليه، اتفاقاً؛ فإنها سراية مأذون فيه [السراية: ما ترتب على الفعل ونتج منه]، وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنُّه قابل للختان، وأعطى الصنعة حقها، فتلف العضو، أو الصبي: لم يضمن. القسم الثاني: مطبِّب جاهل، باشرت يدُه من يطبه، فتلف به: فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له، وأذن له في طبه: لم يضمن، ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث؛ فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غرَّ العليل، وأوهمه أنه طبيب، وليس كذلك، وإن ظن المريض أنه طبيب، وأذن له في طبِّه لأجل معرفته: ضمِن الطبيب ما جنت يدُه، وكذلك إن وصف له دواء يستعمله، والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته، وحذقه، فتلف به: ضمنه، والحديث ظاهر فيه، أو صريح. القسم الثالث: طبيب حاذق، أُذن له، وأَعطى الصنعة حقها، لكنه أخطأت يدُه، وتعدَّت إلى عضو صحيح، فأتلفه، مثل: أن سبقت يدُ الخاتن إلى الكَمَرة - وهي: رأس الذَّكَر-: فهذا يضمن؛ لأنها جناية خطأ، ثم إن كانت الثلث فما زاد: فهو على عاقلته، فإن لم تكن عاقلة: فهل تكون الدية في ماله، أو في بيت المال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. القسم الرابع: الطبيب الحاذق الماهر بصناعته، اجتهد، فوصف للمريض دواءً، فأخطأ في اجتهاده، فقتله: فهذا يخرَّج على روايتين، إحداهما: أن دية المريض في بيت المال، والثانية: أنها على عاقلة الطبيب، وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام، والحاكم.

стр. 2208

القسم الخامس: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقَّها، فقطع سِلْعة - لحمة زائدة - مِنْ رجُل، أو صبي، أو مجنون، بغير إذنه، أو إذن وليه، أو ختن صبيّاً بغير إذن وليه، فتلف، فقال أصحابنا: يضمن؛ لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه، وإن أذِن له البالغ، أو ولي الصبي، والمجنون: لم يضمن، ويحتمل أن لا يضمن مطلقاً؛ لأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، وأيضاً: إنه إن كان متعديّاً: فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعديّاً: فلا وجه لضمانه، فإن قلت: هو متعد عند عدم الإذن، غير متعد عند الإذن قلت: العدوان، وعدمه، إنما يرجع إلى فعله هو، فلا أثر للإذن وعدمه فيه، وهذا موضع نظر. "زاد المعاد" (٤/ ١٢٨ - ١٣٠) وذكر ابن القيم ﵀ بعد ذلك فصلاً نافعاً في "الطبيب الحاذق" وأنه هو الذي يراعي عشرين أمراً! وذكرها هناك، فلتنظر. ومن أعطى المهنة حقَّها، وعالج وفق الأصول المهنية المعروفة، وترتب على عمله خطأ، كتلف عضو أو وفاة: لم يضمن الطبيب شيئاً؛ لأنه مأذون له في العلاج من ولي الأمر، ومن المريض أو وليه؛ ولأنه حاذق في مهنته، ولو ضمِّن مثل هذا لكان فيه ظلم له. قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: إذا كان الطبيب حاذقاً، وأعطى الصنعة حقَّها، ولم تجن يده، أو يقصر في اختيار الدواء الملائم بالكمية، والكيفية، فإذا استكمل كل ما يمكنه، ونتج من فعله المأذون من المكلف، أو ولي غير المكلف تلف النفس، أو العضو: فلا ضمان عليه، اتفاقاً؛ لأنها سراية مأذونة فيها، كسراية الحد، والقصاص. "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (٨/ ١٠٤) قال علماء اللجنة الدائمة: إذا فعل الطبيب ما أُمر بفعله، وكان حاذقاً في صناعته، ماهراً في معرفة المرض الذي يجري من أجله العملية وفي إجرائها، ولم يتجاوز ما ينبغي أن يفعله: لم يضمن ما أخطأ فيه، ولا ما يترتب على سرايته من الموت، أو العاهة؛ لأنه فعل ما أذن له فيه شرعاً، ونظيره ما إذا قطع الإمام يد السارق، أو فعل فعلاً مباحاً له، مأذوناً له فيه. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٤/ ٤٠٠) فهذه أقسام الأطباء، وهذه أحوالهم وأحكامهم، وتنطبق هذه الأحكام على كل من يشتغل بالطب، وتصدق هذه الأحكام على: الحجّام، والفاصد، والمجبِّر، والكوَّاء، والمعالج للحيوانات، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ بعد ذِكره تلك الأقسام للأطباء. والواجب على الأطباء أن يتقوا الله تعالى في مرضاهم، وأن لا يتعجلوا التشخيص، وأن يتعاون مع غيره ممن هم أعلم منه، وأن يعترف من أخطأ منهم. قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: يجب على الطبيب أن يتحرى في تشخيص المرض، ويتعاون مع زملائه في ذلك قبل إجراء العملية، ويستعين في التشخيص بقدر الإمكان بالآلات الحديثة، ولا يتعجل بالعملية قبل التأكد من التشخيص، وإذا أجراها بعد ذلك وأخطأ: فعليه أن يعلن خطأه لمن هو مسئول أمامهم، ولا يموه، ولا يعمِّي، ويسجل ذلك في ملف المريض؛ خوفاً من الله تعالى؛ وأداء لواجب الأمانة؛ وإيثاراً لمصلحة المريض؛ وتقديما لها على مصلحة المعالج؛ ودفعا لما قد يترتب على التعمية والتمويه من العواقب السيئة للمريض. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/ ٤٠١)

стр. 2209

١١٨٥ - وَعَنْهُ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ، خَمْسٌ مِنْ اَلْإِبِلِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْأَرْبَعَةُ. وَزَادَ أَحْمَدُ (وَالْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ، عَشْرٌ مِنَ اَلْإِبِلِ) وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ. === (الْمَوَاضِحِ) تقدم أن الموضحة كل جرح في الوجه أو الرأس ينتهي إلى عظم. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن دية الموضحة خمس من الإبل. والموضحة: هي ما توضح العظم وتبرزه. فائدة: الشجاج: الجراح إما أن تقع على الرأس والوجه، وتسمى «الشجاج» وإما أن تقع على سائر البدن. الشجاج أقسام؛ أشهرها عشرة: (الحارصة) وهي التي تشق الجلد قليلًا، نحو الخدش، ولا يخرج الدم، وتسمى «الحرصة» كذلك. (الدامية) وهي التي تدمي موضعها من الشق والخدش، ولا يقطر منها دم، وتسمى عند بعض الفقهاء (البازلة) لأنها تبزل الجلد أي تشقه. (الباضعة) وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي تقطعه، وقيل التي تقطع الجلد. (المتلاحمة) وهي التي تغوص في اللحم، ولا تبلغ الجلدة بين اللحم والعظم، وتسمى أيضًا «اللاحمة». (السمحاق) وهي التي تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم، وقد تسمى عند بعضهم (الملطاة أو اللاطئة). (الموضحة) وهي التي تخرق السمحاق، وتوضح العظم. (الهاشمة) وهي التي تهشم العظم (أي: تكسره) سواء أوضحته أم لا عند الشافعية. (المنقَّلة) وهي التي تكسر العظم وتنقله من موضع إلى موضع سواء أوضحته وهشمته أم لا. (المأمومة) وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي خريطة الدماغ المحيطة به ويقال لها: «الآمة». (الدامغة) وهي التي تخرق الخريطة وتصل إلى الدماغ. والتسميات السابق ذكرها تكاد تكون محل اتفاق بين المذاهب، وإن كان هناك خلاف يسير في ترتيبها، فمردُّه الاختلاف في تحديد المعنى اللغوي. وحكمها كالتالي: أولاً: اتفق العلماء على أنه لا قصاص فيما فوق الموضحة من الشجاج. (الهاشمة والمنقلة والأمة).

стр. 2210

قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً خالف في ذلك. وقال ابن قدامة: فأما ما فوق الموضحة، فلا نعلم أحداً أوجب فيها القصاص، إلا ما روي عن ابن الزبير أنه أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه. (المغني). وإنما امتنع القصاص فيما فوق الموضحة، لأنها لا نؤمن معها الزيادة، أو لا يؤمن معها من هلاك الجاني. وقد ورد عن العباس ﵁ مرفوعًا (لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة) وهو حديث ضعيف لا يثبت. ثانياً: واتفقوا على وجوب القصاص في الموضحة. أ- لحديث الباب. ب- ولقوله تعالى (والجروح قصاص). ج- ولأنه يتيسر ضبطها واستيفاء مثلها، إذ يمكن أن ينهي السكين إلى العظم فتتحقق المساواة. ثالثاً: واختلفوا فيما دون الموضحة: فذهب الحنفية والمالكية - وهو رواية عند الشافعية - إلى أن فيها القصاص. وذهب الشافعية - في المذهب - والحنابلة إلى عدم القصاص فيما دون الموضحة. قالوا: لأنها جراحات لا تنهي إلى عظم. ولأنه لا يؤمن فيها الزيادة. قال في زاد المستقنع: الشَّجَّةُ: الْجُرْحُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً، وَهِيَ عَشْرٌ: الْحَارِصَةُ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَليلاً وَلَا تُدْمِيهِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ الدَّامِيَةُ الدَّامِعَةُ وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الْغَائِصَةُ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ وَهِيَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، فَهذِهِ الْخَمْسُ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، بَلْ حُكُومَةٌ. قال الشيخ ابن عثيمين: أي ليس فيها شيء مقدر من الدية، بل فيها حكومة، فإذا طالب المجني عليه بدية، فليس له إلا حكومة. والحكومة: أن نقدر هذا الذي جُني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم نقدره كأنه عبد بريء منها، فما بين القيمتين له مثل نسبته من الدية. فإذ قدّرنا أن قيمته عشرة آلاف ريال لو كان عبداً بدون جناية، وهو بالجناية وقد برئت يساوي تسعة آلاف وخمسمائة، فديته نصف العشر ـ أي: خمس من الإبل ـ فيكون في الجناية خمس من الإبل. • ما الحكم إذا كانت الشجة فوق الموضحة وأحب أن يقتص موضحة؟ اختلف العلماء في ذلك. فذهب الشافعية، والحنابلة، إلى جواز ذلك. لأنه يقتصر على بعض حقه، ويقتص من محل جنايته. • وهل له أرش ما زاد على الموضحة؟ فيه قولان: قيل: له الأرش. وذهب إليه الشافعية. وقيل: ليس له ذلك. والله أعلم.

стр. 2211

١١٨٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (عَقْلُ أَهْلِ اَلذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ اَلْمُسْلِمِينَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ (دِيَةُ اَلْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ اَلْحُرِّ). وَلِلنِّسَائِيِّ (عَقْلُ اَلْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ اَلرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ اَلثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا) وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ. === (عَقْلُ اَلْمَرْأَةِ) بفتح العين وسكون القاف، أي: ديتها إذا قتلت خطأ. (حَتَّى يَبْلُغَ اَلثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا) يعني أنها تساوي الرجل في الدية فيما إذا لم يبلغ إلى ثلث الدية، فإذا تجاوزت الثلث وبلغ النصف صارت ديتها على النصف من دية الرجل. • كم دية الكتابي؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنها نصف دية الحر المسلم. أ- لحديث الباب (دية المعاهد نصف دية الحر). وفي رواية (دية الكافر نصف دية المسلم). وفي رواية (دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن). وفي رواية (إن دية المعاهد نصف دية المسلم). قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ولا بأس بإسناده، وقد قال به أحمد، وقول رسول الله ﷺ أولى. ب- وعنه أيضاً أن رسول الله ﷺ (قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى). ج- واستدلوا أيضاً ببعض الآثار الموقوفة، منها: عن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: دية المعاهد على النصف من دية المسلم. وعن هشام بن عروة عن أبيه ﵁ قال: دية الذمي خمس مئة دينار. القول الثاني: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم. وهذا قول الشافعي. واستدلوا بقضاء عمر وعثمان بذلك.

стр. 2212

القول الثالث: أن دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم. أ- لقوله ﵎ (إِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَة). قال الكاساني: أطلق القول بالدية في جميع أنواع القتل من غير فصل، فدل أن الواجب في الكل على قدر واحد ب- وعن أبي هريرة ﵁ أن الدية كانت على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ دية المسلم واليهودي والنصراني سواء، فلما استخلف معاوية صيَّر دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵀ رد الأمر إلى القضاء الأول) ج- وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال النبي ﷺ (دية ذمي دية مسلم). د- عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ ودى العامريين بدية المسلمين، وكان لهما عهد من رسول الله ﷺ . هـ-عن أسامة بن زيد ﵄ (أن رسول الله ﷺ جعل دية المعاهد كدية المسلم). • كم دية الكافر غير الكتابي كالمجوسي وبقية الكفار؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أن ديته ٨٠٠ درهم. قال ابن قدامة: (ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ونساؤهم على النصف) وهذا قول أكثر أهل العلم. وممن قال ذلك عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، ومالك، والشافعي، وإسحاق. ثم بعد قال بعد ذكر الأخرى الأخرى: ولنا، قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفاً، فكان إجماعاً. القول الثاني: أن ديته مثل دية المؤمن. وهو قول النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي. لأنه آدمي حر معصوم، فأشبه المسلم. القول الثالث: أنها ديته نصف دية المسلم كما في دية الكتابي. واختاره الشيخ ابن عثيمين. لعموم حديث (دية الكافر نصف … ).

стр. 2213

• كم دية المرأة الحرة المسلمة؟ نصف دية الرجل. قال النووي: دية المرأة نصف دية الرجل، هذا قول العلماء كافة إلا الأصم وابن علية فإنهما قالا: ديتها مثل دية الرجل. قال ابن قدامة (ودية الحرة المسلمة، نصف دية الحر المسلم) قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن علية، والأصم، أنهما قالا: ديتها كدية الرجل؛ لقوله ﵇ (في نفس المؤمنة مائة من الإبل). وهذا قول شاذ، يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبي ﷺ فإن في كتاب عمرو بن حزم (دية المرأة على النصف من دية الرجل). وهي أخص مما ذكروه، وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسراً لما ذكروه، مخصصاً له، ودية نساء كل أهل دين على النصف من دية رجالهم، على ما قدمناه في موضعه. وقالَ القرطبي: قَالَ أبو عمر: إنما صارت ديتها -والله أعلم- عَلَى النصف منْ دية الرجل منْ أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنما فِي دية الخطأِ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء؛ لقوله (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وقوله (الْحُرُّ بِالْحُرِّ). (تفسير القرطبي). • هل دية المرأة كالرجل فيما دون النفس؟ جراحها تساوي جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإذا زادت صارت على النصف. مثال: لو قطع ثلاث أصابع حرة مسلمة لزمه ثلاثون بعيراً، فلو قطع رابعة ردت إلى عشرين. قال ابن قدامة: وتُساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن جاوز الثلث فعلى النصف. ورُوي هَذَا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، ومالك. قَالَ ابن عبد البرّ: وهو قول فقهاء المدينة السبعة، وجمهور أهل المدينة، وحُكي عن الشافعيّ فِي القديم. وَقَالَ الحسن: يستويان إلى النصف. ورُوي عن علي ﵁: أنها عَلَى النصف فيما قَلّ، وكثر. ورُوي ذلك عن ابن سيرين، وبه قَالَ الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، والشافعي فِي ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر؛ لأنهما شخصان تختلف ديتهما، فاختلف أرش أطرافهما، كالمسلم والكافر، ولأنها جناية لها أرش مُقَدَّر، فكان منْ المرأة عَلَى النصف منْ الرجُلِ، كاليد. واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ المذكور فِي هَذَا الباب، قَالَ الموفّق: وهو نص، يقدم عَلَى ما سواه.

стр. 2214

وَقَالَ ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم فِي أصبع المرأة؟ قَالَ: عشر، قلت: ففي أصبعين؟ قَالَ: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قَالَ: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قَالَ: عشرون، قَالَ: قلت: لَمّا عَظُمت مصيبتها قَلَّ عقلها؟ قَالَ: هكذا السنة يا ابن أخي، وهذا مقتضى سنة رسول الله ﷺ ، رواه سعيد بن منصور. ولأنه إجماع الصحابة ﵃، إذ لم ينقل عنهم خلاف ذلك، إلا عن علي، ولا نعلم ثبوت ذلك عنه. • كم دية العبد؟ ديته قيمته. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم أن في العبد، الذي لا تبلغ قيمته دية الحر، قيمته. وإن بلغت قيمته دية الحر أو زادت عليها: فذهب أحمد ﵀ إلى أن فيه قيمته، بالغة ما بلغت، وإن بلغت ديات، عمداً كان القتل أو خطأ، سواء ضمن باليد أو بالجناية. وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وإياس بن معاوية، والزهري، ومكحول، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف. وقال النخعي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد: لا تبلغ به دية الحر. وقال أبو حنيفة: ينتقص عن دية الحر ديناراً، أو عشرة دراهم، القدر الذي يقطع به السارق، وهذا إذا ضمن بالجناية، وإن ضمن باليد، بأن يغصب عبدا فيموت في يده، فإن قيمته تجب وإن زادت على دية الحر. واحتجوا بأنه ضمان آدمي، فلم يزد على دية الحر، كضمان الحر؛ وذلك؛ لأن الله تعالى لما أوجب في الحر دية لا تزيد، وهو أشرف لخلوصه من نقيصة الرق، كان تنبيها على أن دية العبد المنقوص لا يزاد عليها، فنجعل مالية العبد معيارا للقدر الواجب فيه، ما لم يزد على الدية، فإذا زاد، علمنا خطأ ذلك، فنرده إلى دية الحر، كأرش ما دون الموضحة، يجب فيه ما تخرجه الحكومة، ما لم يزد على أرش الموضحة، فنرده إليها. ولنا، أنه مال متقوم، فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت، كالفرس، أو مضمون بقيمته، فكانت جميع القيمة، كما لو ضمنه باليد، ويخالف الحر، فإنه ليس بمضمون بالقيمة، وإنما ضمن بما قدره الشرع، فلم يتجاوزه، ولأن ضمان الحر ليس بضمان مال؛ ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته، وهذا ضمان مال، يزيد بزيادة المالية، وينقص بنقصانها، فاختلفا. وقد حكى أبو الخطاب، عن أحمد ﵀ رواية أخرى، أنه لا يبلغ بالعبد دية الحر، والمذهب الأول. (المغني).

стр. 2215

١١٨٧ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (عَقْلُ شِبْهِ اَلْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ اَلْعَمْدِ، وَلَا يَقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ اَلشَّيْطَانُ، فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ، وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ) أَخْرَجَهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ. === (عَقْلُ شِبْهِ اَلْعَمْدِ مُغَلَّظٌ) أي: أشد من دية الخطأ. (وَلَا يَقْتَلُ صَاحِبُهُ) أي: أنه لا قصاص في قتل شبه العمد كما تقدم. • ما صحة حديث الباب؟ سنده حسن، والحديث أخرجه أبوداود وأحمد. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - إثبات قتل شبه العمد. - أن دية شبه العمد مغلظة، وقد تقدم بحث ذلك. - أن قتل شبه العمد لا قصاص فيه. - حرص الشيطان على وجود العداوات بين الناس والاقتتال.

стр. 2216

١١٨٨ - عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ. === (دِيَتَهُ اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) أي: درهماً. • ما صحة حديث الباب؟ حديث ضعيف، قال النسائي في الكبرى: والصواب مرسل. وَقَالَ المنذري: فِي (مختصر السنن) وأخرجه الترمذيّ مرفوعا ومرسلا، وأخرجه النسائيّ، وابن ماجه مرفوعا، وَقَالَ الترمذيّ: ولا نعلم أحدا يَذكُر فِي هَذَا الْحَدِيث: "عن ابن عباس" غير محمد بن مسلم. • ما الأصل في الدية؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: قال ابن قدامة: وظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل لا غير. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ ذكر ذلك أبو الخطاب. وهو قول طاووس، والشافعي، وابن المنذر. وقال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم، فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها. وهذا قول عمر، وعطاء، وطاووس، وفقهاء المدينة السبعة. لأن عمرو بن حزم روى في كتابه، أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن (وأن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار) رواه النسائي. وروى ابن عباس. (أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفاً) رواه أبو داود، وابن ماجه. وروى الشعبي، أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن عمر قام خطيباً، فقال: ألا إن الإبل قد غلت، فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة) رواه أبو داود

стр. 2217

ثم قال ابن قدامة مرجحاً القول الأول: أ- ولنا، قول النبي ﷺ (ألا إن في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا، مائة من الإبل). ولأن النبي ﷺ فرق بين دية العمد والخطأ، فغلظ بعضها، وخفف بعضها، ولا يتحقق هذا في غير الإبل. ج- ولأنه بدل متلف حقا لآدمي، فكان متعينا كعوض الأموال. وحديث ابن عباس يحتمل أن النبي ﷺ أوجب الورق بدلا عن الإبل، والخلاف في كونها أصلاً. وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأصل الإبل، فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم، لغلاء الإبل، ولو كانت أصولا بنفسها، لم يكن إيجابها تقويما للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك، ولا لذكره معنى. وقد روي أنه كان يقوم الإبل قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم، ولذلك قيل: إن دية الذمي أربعة آلاف درهم، وديته نصف الدية، فكان ذلك أربعة آلاف حين كانت الدية ثمانية آلاف درهم. فائدة: قال ابن قدامة: وإن قلنا: الأصل الإبل خاصة. فعليه تسليمها إليه سليمة من العيوب، وأيهما أراد العدول عنها إلى غيرها، فللآخر منعه؛ لأن الحق متعين فيها، فاستحقت، كالمثل في المثليات المتلفة. وإن أعوزت الإبل، ولم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل، فله العدول إلى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم. وهذا قول الشافعي القديم. وقال في الجديد: تجب قيمة الإبل، بالغة ما بلغت؛ لحديث عمرو بن شعيب عن عمر في تقويم الإبل، ولأن ما ضمن بنوع من المال، وجبت قيمته، كذوات الأمثال، ولأن الإبل إذا أجزأت إذا قلت قيمتها، ينبغي أن تجزئ وإن كثرت قيمتها، كالدنانير إذا غلت أو رخصت. وهكذا ينبغي أن نقول إذا غلت الإبل كلها، فأما إن كانت الإبل موجودة بثمن مثلها، إلا أن هذا لم يجدها، لكونها في غير بلده، ونحو ذلك، فإن عمر قوم الدية من الدراهم اثني عشر ألفا وألف دينار. (المغني).

стр. 2218

١١٨٩ - وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ (أَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي اِبْنِي فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ " قُلْتُ: اِبْنِي. أَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: "أَمَّا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ. === (أَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي اِبْنِي) ولفظ النسائي: عَنْ أَبِي رِمْثَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبِي، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا مَعَكَ؟) فأبو رمثة هو الابن الذي جاء مع أبيه وليس هو الأب الذي جاء ومعه ابنه، وفي رواية أبي داود (آبنك هَذَا؟، قَالَ: إي وربّ الكعبة، قَالَ: حقّا، قَالَ: أشهد به، قَالَ: فتبسّم رسول الله ﷺ ضاحكًا منْ ثَبْتِ شبهي فِي أبي، ومن حلف أبي عليّ … ). (قُلْتُ: اِبْنِي. أَشْهَدُ بِه) بهمز المتكلم، أي: أشهد بكونه ابني، ويحتمل أن يكون بوصل الهمزة، فعل أمر، ومعناه: كن أنت شاهدًا بأنه ابني منْ صلبي. قيل: المقصود التزام ضمان الجنايات عنه، عَلَى ما كانوا عليه فِي الجاهليّة، منْ مؤاخذة كلّ منْ الوالد، والولد بجناية الآخر. وإنما سأله النبيّ ﷺ عنه، مع ظهور شبهه به؛ تأكيدًا للحكم الذي يخبره بعده. (قَالَ: أَمَّا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ) أي: لا تؤاخذ أنت بذنبه. (وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) أي: لا يؤاخذ بذنبك. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أنه لا يؤخذ أحد بجريرة غيره، وإنما يؤاخذ بجريرة نفسه. فمعني الحديث: أن جناية كلّ منهما قاصرة عَلَى نفسه، لا تتعدّاه إلى غيره، ولو كَانَ أقرب قريب له. كما قال تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. والمراد الجناية بالعمد، والمراد أنه لا يُقتَل إلا القاتل، كما كَانَ عليه أمر الجاهليّة، منْ قتل أبيه، أو ابنه، أو أخيه، أو نحوهم، منْ الأقارب، فيكون هَذَا إخبارًا ببطلان أمر الجاهلية، وهذا هو الذي يؤيّده الْحَدِيث الآتي بعد هَذَا فِي قصّة بني ثعلبة. قال القرطبي: ثبتت الأخبار، عن النبيّ المختار، محمد ﷺ أنه قضى بدية الخطأِ عَلَى العاقلة، وأجمع أهل العلم عَلَى القول به، وفي إجماع أهل العلم أن الدية فِي الخطأِ عَلَى العاقلة، دليل عَلَى أن المراد منْ قول النبيّ ﷺ لأبي رِمثَةَ حيث دخل عليه، ومعه ابنه (إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه) العمد دون الخطأ. • فإن قيل: فإن العاقلة تتحمل الدية في الخطأ وشبه العمد؟ فالجواب: أن تَحَمُّل العاقلة الدية عن القاتل فِي الخطأِ، وشبه العمد ليس منْ باب تحمّل جناية غيرها، بل هو منْ باب التناصر، والتعاون؛ تخفيفاً عن الجاني، حيث تحمّل جناية يُعذر فيها، ولذا لا تتحمل العاقلة جناية العمد؛ لأنه لا يُعذر فيها، بل هو الذي يتحملها، لكونه جانيًا عَلَى نفسه، متعدًا.

стр. 2219

بَابُ دَعْوَى اَلدَّمِ وَالْقَسَامَةِ ١١٩٠ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ، (أَنَّ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأُتِيَ مَحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اَللَّهِ بْنِ سَهْلِ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لَيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ كَبِّرْ كَبِّرْ، يُرِيدُ: اَلسِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ". فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ [كِتَابًا]. فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةُ، وَعَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنَ سَهْلٍ: "أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبَكُمْ؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ " قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ فَوَدَاهُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَائَةَ نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .. ١١٩١ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ اَلْأَنْصَارِ; (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَقَرَّ اَلْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ اَلْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ اِدَّعَوْهُ عَلَى اَلْيَهُودِ) رَوَاهُ مُسْلِم. === (أَنَّ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ) وفي رواية (خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ)، وجاء في رواية في المسند: (أتيا خيبر في حاجة لهما) وللبخاري: (وخيبر يومئذٍ صلح وأهلها يهود) وفي رواية (خرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يمتارون تمراً) ولمسلم (في زمن رسول الله ﷺ وهي يومئذٍ صلح وأهلها يهود). (فَأُتِيَ مَحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اَللَّهِ بْنِ سَهْلِ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ) وفي رواية (ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلاً فَدَفَنَهُ) وفي رواية (وهو يتشحط في دمه قتيلاً) أي: مضطرب فيتمرغ في دمه. (فَأَقْبَلَ هُوَ) أي: محيصة. (وَعَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أخو عبد الله بن سهل المقتول، وفي رواية (وكان أصغر القوم). (كَبِّرْ كَبِّرْ) أمر من التكبير، أي: قدّم الأكبر عليك سناً في الكلام، وعند مسلم: (فبدأ عبد الرحمن يتكلم وكان أصغر القوم) ولمسلم أيضاً: (في أمر أخيه). (إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ) أي: يدفع اليهود دية. (أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبَكُمْ؟) وفي رواية (فيُدفع إليكم برمته)، وجاء في رواية للبخاري (فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتله؟ قالوا: ما لنا بينة). (كيف نأخذ بأيمان قوم كفار) جاء في رواية: (لا نرضى بأيمان اليهود) وفي رواية: (ليسوا بمسلمين). (فَوَدَاهُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَائَةَ نَاقَةٍ) أي: أعطى ديته، جاء في رواية (فكره رسول الله ﷺ أن يطل) بضم أوله وفتح الطاء وتشديد اللام: أي يهدر، وفي رواية (فوداه بمائة من إبل الصدقة).

стр. 2220

• ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: مشروعية القسامة، فهذا الحديث أصل في مسألة القسامة. وجمهور العلماء على العمل بالقسامة. قال السمرقندي: القسامة مشروعة في القتيل الذي يوجد به علامة القتل من الجراح وغيرها ولم يعلم له قاتل بالأحاديث الصحيحة، وقضاء عمر ﵁ وإجماع الصحابة في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁. وقال القاضي عياض: وهذه الأيمان هي أيمان القسامة، وهي أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد أحكامه، وركن من أركان مصالح العباد أخذ به علماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. وقال محمد بن رشد: أما وجوب الحكم بها على الجملة فقال به جمهور فقهاء الأمصار: مالك والشافعي وأحمد وسفيان وداود وأصحابهم وغير ذلك من فقهاء الأمصار. وقال الشافعي بعد ذكره لحديث محيصة وحويصة: وبهذا نقول. • ما تعريف القسامة؟ هي شرعاً: أيمان مكررة في دعوة قتل معصوم. قال ابن قدامة: والمراد بالقسامة ها هنا الأيمان المكررة في دعوى القتل. • متى تشرع القسامة؟ تشرع القسامة في القتيل إذا وجد ولم يُعلم قاتله، واتُّهم به شخص ولم تكن بينة، وقامت القرائن على صدق المدعي. قال ابن دقيق العيد: ومَوْضِعُ جَرَيَانِ الْقَسَامَةِ: أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ، وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَيَدَّعِي وَلِيُّ الْقَتِيلِ قَتْلَهُ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَيَقْتَرِنُ بِالْحَالِ: مَا يُشْعِرُ بِصِدْقِ الْوَلِيِّ، عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الشُّرُوطِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، أَوْ بَعْضِهِمْ، وَيُقَالُ لَهُ: " اللَّوَثُ "؛ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيه. (إحكام الأحكام). • اذكر شروطها؟ أولاً: أجمعها وجود اللوث. وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله، كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله من أجله، فللأولياء حينئذٍ أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله، وإن كانوا غائبين. كما وقع في حديث الباب، فإنه من المعلوم أن بين الأنصار واليهود عداوة. جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: فمن أهم شروط القسامة: وجود (اللَّوْثَ)، وهي القرينة المشعرة بصدق أهل القتيل، كوجود العداوة الظاهرة بين القتيل وأهل المحلة التي وجد فيها مقتولاً، أو وجود تهديد سابق من المتهم بالقتل، أو نحو ذلك من القرائن التي تتفاوت بتفاوت الأحوال. ثانياً: إمكان القتل من المدعى عليه، فإن لم يمكن منه القتل لبعده عن مكان الحادث وقت وقوعه لم تسمع الدعوى عليه.

стр. 2221

• ما صفة القسامة؟ إذا توفرت شروط إقامتها، يبدأ بالمدعين، فيحلفون خمسين يميناً توزع على قدر إرثهم من القتيل، أن فلاناً هو الذي قتله، ويكون ذلك بحضور المدّعَى عليه، فإن أبى الورثة أن يحلفوا أو امتنعوا من تكميل الخمسين يميناً، فإنه يحلف المدّعَى عليه خمسين يميناً إذا رضي المدّعُون بأيمانه، فإذا حلف برئ، وإن لم يرض المدعون بتحليف المدّعَى عليه، فدى الإمام القتيل بالدية من بيت المال، لأن الأنصار لما امتنعوا من قبول أيمان اليهود، فدى النبي ﷺ القتيل من بيت المال، ولأنه لم يبق سبيل لإثبات الدم على المدّعَى عليه، فوجب الغرم من بيت المال، لئلا يضيع دم المعصوم هدراً بلا مبرر لإهداره. قال الشيخ ابن عثيمين: صفة القسامة أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة: أُعطي المدَّعَى عليه لهؤلاء يقتلونه، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط. • هل يشترط في المدعى عليه في القسامة أن يكون معيناً أم لا؟ اختلف العلماء ﵏ في المدعى عليه في القسامة: هل يشترط أن يكون معينا، أم لا؟ قال ابن قدامة ﵀: وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، فَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ، أَوْ محَلَّةٍ، أَوْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ، لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تُسْمَعُ، وَيُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ مِنْهُم. (المغني). ثم وقع الخلاف بين من يشترط التعيين، فيما إذا كانت دعوى القتل على جماعة معينين: فقيل: لا تصح الدعوى، سواء كانت بقتل عمد أو غيره، وهو مذهب الحنابلة. وقيل: تصح الدعوى، سواء كانت بقتل عمد أو غيره، فإذا تمت القسامة بشروطها: قُتلت الجماعة المعينة، إذا كان عمداً مستوفيا شروط القصاص، قاله بعض الشافعية. وقيل: إن كانت الدعوى بقتل عمد: لم تصح إلا على واحد. وإن كانت بغيره: صحت على الجماعة، فتجب الدية عليهم؛ وهو قول مالك والشافعي. وإلى إمكان إقامة الدعوى على أكثر من واحد يميل الشيخ ابن عثيمين ﵀ حيث قال: ولو قال قائل: نجعلها كغيرها من الدعاوِي، بمعنى إن ادعى على واحد أجرينا عليه القسامة، وإن ادعى على اثنين فأكثر: أجرينا عليهم القسامة؛ لأنه من الممكن أن يدعي المدعون أن شخصين قتلاه مع التواطؤ. (الشرح الممتع).

стр. 2222

• هل يترتب على القسامة قصاص أم لا؟ الراجح من أقوال العلماء أنه يجري فيها القصاص. فإذا وجد القتيل المجهول القاتل، ووجدت القرائن على قاتله، وحلف أولياء المقتول خمسين يميناً على صحة دعواهم، فإنهم يستحقون دم المدَّعى عليه إذا كان القتل عمداً محضاً. لقوله ﷺ (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته). والرمة: الحبل الذي يربط به عليه القود. وفي رواية لمسلم (فيُسَلّم إليكم). وفي لفظ (وتستحقون دم صاحبكم) فأراد دم القاتل، لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين. قال ابن قدامة: إن الأولياء إذا حلفوا استحقوا القَوَد إذا كانت الدعوى عمداً. روي ذلك عن ابن الزبير، وعن عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك، وأبو ثور، وابن المنذر. لقول النبي ﷺ (يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته). وفي رواية مسلم (فيسلم إليكم) وفي لفظ (وتستحقون دم صاحبكم) وأراد دم القاتل؛ لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين ولأنها حجة يثبت بها العمد، فيجب بها القود، كالبينة. وقد روى الأثرم، بإسناده عن عامر الأحول (أن النبي ﷺ أقاد بالقسامة الطائفة) وهذا نص. ولأن الشارع جعل القول قول المدعي مع يمينه، احتياطاً للدم، فإن لم يجب القود، سقط هذا المعنى. (المغني). وقال النووي: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْل عَمْدًا هَلْ يَجِب الْقِصَاص بِهَا؟ فَقَالَ مُعْظَم الْحِجَازِيِّينَ: يَجِب، وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد وَمَالِك وَأَصْحَابه وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَدَاوُد، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم. وَرُوِيَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز، قَالَ أَبُو الزِّنَاد: قُلْنَا بِهَا وَأَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ مُتَوَافِرُونَ، إِنِّي لَأَرَى أَنَّهُمْ أَلْف رَجُل، فَمَا اِخْتَلَفَ مِنْهُمْ اِثْنَان. (شرح مسلم). وقال الحافظ ابن حجر: واستدل به على القود في القسامة لقوله (فتستحقون قاتلكم) وفي الرواية الأخرى (دم صاحبكم). وقال بن دقيق العيد: الاستدلال بالرواية التي فيها (فيدفع برمته) أقوى من الاستدلال بقوله (دم صاحبكم) لأن قوله (يدفع برمته) لفظ مستعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل.

стр. 2223

• هل تكون القسامة فيما دون النفس؟ لا، فلا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجوارح، وعلى هذا فيشترط في القسامة أن تكون الجناية قتلاً. • من الذي يبدأ بالقسامة؟ القسامة تُبدأ بأيمان أولياء المقتول. قال القرطبي: قوله للمدَّعين (أتحلفون خمسين يمينًا) دليل على أن القسامة يبدأ فيها المدَّعون بالأيمان، وهو قول معظم القائلين: بأن القسامة يُستوجب بها الدَّم. قال مالك: الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث: أن المدَّعين يبدؤون في القسامة. • كم عدد الحالفين في القسامة؟ يجب أن يكون عدد الحالفين خمسيناً. لقوله ﷺ (يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته). قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن أيمان القسامة خمسون يميناً، واختلف في عدد الحالفين، فقال الشافعي لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يميناً سواء قلوا أم كثروا، فلو كان بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يميناً، وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحد حلف خمسين يميناً واستحق، حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب أو بالنسب والولاء حلف واستحق. (الفتح). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - إذا لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعَى عليه، فداه الإمام من بيت المال. كما في حديث الباب، فإن النبي ﷺ فداه من بيت المال، ففي قصة حديث الباب، لم يرض المدعون بيمين اليهود. - إن لم يحلف المدعون، حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ. قال في المغني: هذا ظاهر المذهب، وبه قال يحي وسعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد ومالك والليث والشافعي وأبو ثور. لقوله ﷺ (فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم) أي يتبرؤون منكم. وفي لفظ (فيحلفون خمسين يميناً ويبرؤون من دمه). - الصحابة في الحديث لم يحلفوا تورعاً، ولذلك لما قال لهم الرسول ﷺ : (أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نر ولم نشهد). - أنه إذا قتل شخص ولم يعلم عين قاتله وليس هناك عداوة توجب التهمة، فإنه لا قسامة. - أن مرجع الصحابة في الأحكام إلى رسول الله ﷺ . - استحباب تقديم الأكبر سناً في الأمور. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: هذا إذا تساوى الشخصان في البيان والتعريف، وأما إذا كان الكبير لا يكاد يبين، فإنه يقدم الصغير عند الحكومة والخصومة، لأنه إذا تكلم الكبير وهو لا يكاد يبين ضاع الحق.

стр. 2224

- الاعتذار بحلف الخصم وإن كان كافراً، لقوله ﷺ : (فتحلف لكم يهود … ). - قال ابن قدامة: في أنه إذا وجد قتيل في موضع، فادعى أولياؤه قتله على رجل، أو جماعة، ولم تكن بينهم عداوة، ولا لوث، فهي كسائر الدعاوى، إن كانت لهم بينة، حكم لهم بها، وإلا فالقول قول المنكر، وبهذا قال مالك، والشافعي، وابن المنذر. لحديث عبد الله بن سهل، وقول النبي ﷺ (لو أعطي الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم. وقول النبي ﷺ (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر). ولأن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته، ولم يظهر كذبه، فكان القول قوله، كسائر الدعاوى. (المغني) بَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ والبغاة جمع باغ، وهو لغة: الظلم ومجاوزة الحد، سموا بذلك لظلمهم وعدولهم عن الحق. واصطلاحاً: هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم شوكة. سموا بغاة لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين. • فإن اختل شرط من ذلك بأن لم يخرجوا على إمام أو خرجوا على إمام بلا تأويل أو بتأويل غير سائغ أو كانوا جمعاً يسيراً لا شوكة لهم فقطاع طريق. • يشترط في الخارجين على الإمام لكي يكونوا بغاة شروط: أولاً: أن يكونوا مسلمين. قال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا … ). فإذا خرج على الإمام ذميون أو مستأمنون فلا يعتبرون بغاة ولهم أحكامهم الخاصة. ثانياً: أن يكون لهم منعة وشوكة. وهو أن يكون للبغاة منعة وقوة وشوكة يحتاج معها الإمام إلى إعداد جيش لقتالهم. ثالثاً: أن يكون لهم تأويل سائغ. والدليل على ذلك: هو ما حصل من الخارجين على علي ﵁ من أهل الجمل وصفين، وذلك بأن قالوا إن علياً يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم، وهذا تأويل اعتقدوا به على جواز الخروج على الإمام وهو علي بن أبي طالب. ولا بد أن يكون التأويل سائغاً يصلح أن يعتمد عليه. وقد ذكر ابن تيمية في تفريقه بين البغاة والخوارج بأن قتال أهل الجمل وصفين علياً كان بسبب اعتمادهم على تأويل سائغ. أما المارقون من الخوارج فقاتلهم علي بسب تأويلهم الفاسد. - ويعتبرون بغاة ولو كان الإمام ظالماً جائراً ما لم يحدث كفراً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح برٌ أو يُستراح من فاجر، ويدل لذلك قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). فهذه الآية دلت على وجوب طاعة ولي الأمر ولم تشترط عدالته.

стр. 2225

١١٩٢ - عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ) أي: المسلمين، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم (من سلّ علينا السيف). (فَلَيْسَ مِنَّا) أي: ليس على طرقتنا وهدينا وليس معناه أنه كافر، كما سيأتي. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم قتال المسلمين ومحاربتهم، لأن حمل السلاح عليهم معناه قتالهم وترويعهم. فالحديث فيه الوعيد الشديد لمن حمل السلاح على المسلمين لقتالهم وترويعهم لقوله (ليس منا). قال ابن حجر: معنى الحديث حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حقّ؛ لما في ذلك من تخويفهم، وإدخال الرعب عليهم، لا من حمله لحراستهم مثلاً، فإنه يحمله لهم، لا عليهم. قال: وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة، أو القتل للملازمة الغالبة. قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يراد بالحمل ما يُضادّ الوضع، ويكون كنايةً عن القتال به، ويحتمل أن يُراد بالحمل حملها؛ إرادة القتال به لقرينة قوله (علينا) ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به، وعلى كلّ حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين، والتشديد فيه. • ما معنى قوله (ليس منا)؟ قال ابن حجر في الفتح في شرح قوله ﷺ (ليس منا) أي: من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، وقيل المعنى ليس على ديننا الكامل أي أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله. وقال البغوي: لم يرد به نفيه عن دين الإسلام، إنما أراد إنه ترك إتباعي، إذ ليس هذا من أخلاقنا وأفعالنا، أو ليس هو على سنتي و طريقتي في مناصحة الإخوان، هذا كما يقول الرجل أنا منك، يريد به الموافقة والمتابعة قال الله إخباراً عن إبراهيم ﵇ (فمن تبعني فإنه مني). (شرح السنة). فليس المقصود منه نفي أصل الإيمان، وإنما كما نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه من الوعيد الدال على نقص في الإيمان المفروض أو الواجب حيث قال (فحيث نفى الله الإيمان عن شخص، فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق، وكذلك قوله (من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا) كله من هذا الباب، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله عليه، أو فعل ما حرم الله ورسوله، فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفي عنه الاسم لأجله، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد، السالمين من الوعيد).

стр. 2226

• هل من يحمل السلاح علينا كافر؟ إن كان حمله مستحلاً لقتال المؤمنين فهو كافر، وإن كان باغياً ليس مستحلاً لقتال المسلمين فإنه ليس بكافر. قال القرطبيّ: مذهب أهل الحقّ أنه لا يُكفّر أحدٌ من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشرك، وما عدى هذا فيُحمل قوله ﷺ (ليس منّا) في مِثلِ هذا على معنى: ليس على طريقتنا، ولا على شريعتنا، إذ سنّة المسلمين، وشريعتهم التواصل، والتراحم، لا التقاطع، والتقاتل، ويَجري هذا مَجرى قوله ﷺ (من غشّنا فليس منّا) ونظائره، وتكون فائدته الردع، والزجر عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الوالد لولده إذا سلك غير سبيله: لستُ منك، ولستَ مني. (المفهم). وقال النووي: مذهب أهل السنة والفقهاء أن من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل ولم يستحله فهو عاص ولا يكفر بذلك، فإن استحله كفر، فقيل هذا الحديث محمول على المستحل بغير تأويل فيكفر، ويخرج من الملة، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة، وهدينا، وكان سفيان بن عيينة ﵀ يكره من يفسره بليس على هدينا، ويقول: بئس هذا القول. يعني بل يمسَك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر. والله أعلم. اهـ كلام النووي. • اذكر بعض النصوص التي تدل على تحريم ترويع المسلم؟ عن أبي هريرة ﵁، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال (لَا يُشِرْ أحَدُكُمْ إلَى أخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَع فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّار) متفق عليه. وفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم ﷺ (مَنْ أشَارَ إلَى أخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإنَّ المَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَنْزعَ، وَإنْ كَانَ أخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّه). قوله ﷺ : ((يَنْزع)) ضُبِطَ بالعين المهملة مع كسر الزاي، وبالغين المعجمة مع فتحها، ومعناهما مُتَقَارِبٌ، وَمَعنَاهُ بالمهملةِ يَرْمِي، وبالمعجمةِ أيضاً يَرْمِي وَيُفْسِدُ. وَأصْلُ النَّزْعِ: الطَّعْنُ وَالفَسَادُ. (نووي). وعن جابر ﵁ قال (نهى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولاً) رواه أبو داود. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن حمل السلاح على المسلمين من الكبائر. - تحريم قتال المسلمين بعضهم بعضاً. - قال في الفتح: من حقّ المسلم على المسلم أن ينصُره، ويُقاتل دونه، لا أن يُرعبه يحمل السلاح عليه لإرادة قتاله، أو قتله، ونظيره (من غشّنا فليس منّا) و (ليس منّا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب) وهذا في حقّ من لا يستحلّ ذلك، فأما من يستحقه، فإنه يكفر باستحلال المحرّم بشرطه، لا مُجرّد حمل السلاح. والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله؛ ليكون أبلغ في الزجر. وكان سفيان بن عُيينة يُنكر على من يصرفه عن ظاهره، فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه. والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحقّ، فيُحمل على البغاة، وعلى من بدأ بالقتال ظالماً. (الفتح). - عظم حرمة المسلمين عند اللَّه تعالى، فلا يحلّ لأحد أن يتعرض لهم بأذى؛ إلا بما شرعه اللَّه تعالى عليهم، من الحدود.

стр. 2227

١١٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَمَاتَ، فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === (مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ) أي: طاعة من وقع عليه الاجتماع وتمت بيعته. (وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ) أي: جماعة المسلمين الذين اتفقوا على طاعة إمام. (وَمَاتَ، فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) قال النووي: هِيَ بِكَسْرِ الْمِيم، أَيْ: عَلَى صِفَة مَوْتهمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ فَوْضَى لَا إِمَام لَهُمْ. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم الخروج على ولي الأمر، وأنه يجب طاعته ما لم يأمر بمعصية. وقد جاءت الأدلة الكثيرة في ذلك: قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). عن عُبَادَة بن الصامت. قَالَ (بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِم) متفق عليه. وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) متفق عليه. وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) متفق عليه. وعن أبي ذر. قال: قال رسول الله ﷺ (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) رواه مسلم، وعند البخاري (ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة). وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية) متفق عليه. وعن حُذَيْفَة بْن الْيَمَان. قال (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ. قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ قَالَ «نَعَمْ». قُلْتُ فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ «نَعَمْ». قُلْتُ كَيْفَ قَالَ «يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ». قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِع) رواه مسلم. وعَن ابن عمر .. قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) رواه مسلم.

стр. 2228

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ) رواه مسلم. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ). رواه مسلم وَعَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخرَ مِنْهُمَا). وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ فَقَالَ «لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ) رواه مسلم. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ. قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَف) رواه مسلم. وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً. وصلى ابن مسعود خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيْط وكان يشرب الخمر. فلا يجوز الخروج عليهم ولو كانوا فسقة ظلمة. عن ابن مسعود ﵁: أن رَسُول الله ﷺ قَال (إنَّهَا سَتَكونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَها!)) قَالُوا: يَا رَسُول الله، فَمَّا تَأْمُرُنا؟ قَالَ: ((تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسأَلُونَ الله الَّذِي لَكُمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ((وَالأَثَرَةُ)): الانْفِرادُ بالشَّيءِ عَمنَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ. وعن أبي يحيى أُسَيْد بن حُضَير ﵁ (أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصارِ، قَالَ: يَا رسولَ الله، ألَا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاناً، فَقَالَ: ((إنكُمْ سَتَلْقَونَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوني عَلَى الحَوْض) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. قال النووي: وَأَمَّا الْخُرُوج عَلَيْهِمْ وَقِتَالهمْ فَحَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانُوا فَسَقَة ظَالِمِينَ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث بِمَعْنَى مَا ذَكَرْته، وَأَجْمَعَ أَهْل السُّنَّة أَنَّهُ لَا يَنْعَزِل السُّلْطَان بِالْفِسْقِ.

стр. 2229

وقال شارح الطحاوية: أما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات، ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل. وقال ابن رجب: وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم. - وجوب الصبر على ظلم الولاة وعدم الخروج عليهم، وذلك لسببين: الأول: لما ينتج من ذلك من فساد كبير وفتنة عظيمة. ثانياً: أن أكثر من يخرج عن ولاة الأمور إنما يخرجون لأجل الدنيا لا لله. قال النووي: وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي ظَالِمًا عَسُوفًا، فَيُعْطَى حَقّه مِنْ الطَّاعَة، وَلَا يُخْرَج عَلَيْهِ وَلَا يُخْلَع؛ بَلْ يُتَضَرَّع إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي كَشْف أَذَاهُ، وَدَفْع شَرّه وَإِصْلَاحه، قال ابن تيمية: فَالْخُرُوج عَلَيْهِمْ يُوجِبُ مِنْ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ أَكْثَرَ مِنْ ظُلْمِهِمْ فَيُصْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُصْبَرُ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى ظُلْمِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) وَقَوْلِهِ (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) وَقَوْلِهِ (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) وَهَذَا عَامٌّ فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ وَفِي الرَّعِيَّةِ. وقال ﵀ أيضاً: ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة، أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ، لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادَيْن بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته. وقال ﵀: والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح، بمعرفة الحق وقصده، فيتفق أن بعض الولاة يظلم باستئثارٍ فلا تصبر النفوس على ظلمة، ولا يمكنها دفع ظلمة إلا بما هو أعظم فساداً منه، ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع الظلم عنه، لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله، ولهذا قال النبي ﷺ (إنكم ستلقون بعدي أثرة فأصبروا حتى تلقوني على الحوض). وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك وأسيد بن حضير (أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ قال: ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض).

стр. 2230

• وقال ﵀: … فهذا أمره بقتال الخوارج، وهذا نهيه عن قتال الولاة الظلمة، وهذا مما يُستدل به على أنه ليس كل ظالم باغ يجوز قتاله … ومن أسباب ذلك أن الظالم الذي يستأثر بالمال والولايات لا يُقاتل في العادة إلا لأجل الدنيا، يقاتله الناس حتى يعطيهم المال والولايات، وحتى لا يظلمهم، فلم يكن أصل قتالهم ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، ولا كان قتالهم من جنس قتال المحاربين قطاع الطريق. وبالجملة العادة المعروفة أن الخروج على ولاة الأمور يكون لطلب ما في أيديهم من المال والإمارة، وهذا قتال على الدنيا .... (منهاج السنة) ٥/ ١٥٢ - وَاعْلَمْ أَنَّهُ أَجْمَعَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِإِمَامٍ وَلَا غَيْرِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا، وَلَا مَطْعَنَ. كحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي السَّرِيَّةِ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ أَمِيرُهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي النَّارِ (لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا; إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوف) متفق عليه. (أضواء البيان). - قال الشنقيطي: وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَامُ عَلَيْهِ لِخَلْعِهِ إِلَّا إِذَا ارْتَكَبَ كُفْرًا بَوَاحًا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ (بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهَان) متفق عليه.

стр. 2231

• مباحث الخوارج: - تعريفهم: سموا بهذا الاسم لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ونزلوا بأرض يقال لها حروراء، فسموا بالحرورية، وأهم آرائهم تكفيرهم مرتكب الكبيرة، والقول بتخليده في النار. - و بدعة الخوارج: هي أول بدعة حدثت في الإسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أوَلُ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةُ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ، حَدَثَتَا فِي أَثْنَاءِ خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَعَاقَبَ الطَّائِفَتَيْن، أَمَّا الْخَوَارِجُ فَقَاتَلُوهُ فَقَتَلَهُمْ، وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَحَرَّقَ غَالِيَتَهُمْ بِالنَّارِ. وقال الشيخ ابن عثيمين: " وأول بدعة حدثت في هذه الأمة هي: بدعة الخوارج؛ لأن زعيمهم خرج على النبي ﷺ وهو ذو الخويصرة من بني تميم، حين قسم النبي ﷺ ذهبية جاءت فقسمها بين الناس، فقال له هذا الرجل: يا محمد اعدل! فكان هذا أول خروج خُرِجَ به على الشريعة الإسلامية، ثم عظمت فتنتهم في أواخر خلافة عثمان وفي الفتنة بين عليّ ومعاوية، فكفروا المسلمين واستحلوا دماءهم. - أمر النبي ﷺ بقتالهم. عن عَلِى. قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (سَيَخْرُجُ فِى آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِى قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَة) رواه مسلم. وفي حديث أبي سعيد ( … فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ. - قَالَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي» قَالَ ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ - يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ ضِئْضِئيِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَاد) متفق عليه. قال ابن تيمية: … وَأَنَّ قِتَالَ الْخَوَارِجِ مِمَّا أَمَرَ بِهِ ﷺ وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ عَلَى قِتَالِهِمْ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ. وَهَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ لَهُمْ أَسْمَاءٌ يُقَالُ لَهُمْ: " الحرورية " لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِمَكَانِ يُقَالُ لَهُ حَرُورَاءُ وَيُقَالُ لَهُمْ أَهْلُ النهروان: لِأَنَّ عَلِيًّا قَاتَلَهُمْ هُنَاكَ وَمِنْ أَصْنَافِهِمْ " الإباضية " أَتْبَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبَاضٍ و " الأزارقة " أَتْبَاعُ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ و " النَّجَدَاتُ " أَصْحَابُ نَجْدَةَ الحروري. وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِالذُّنُوبِ بَلْ بِمَا يَرَوْنَهُ هُمْ مِنْ الذُّنُوبِ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَلِكَ فَكَانُوا كَمَا نَعَتَهُمْ النَّبِي ﷺ : يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ " وَكَفَّرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عفان وَمَنْ وَالَاهُمَا وَقَتَلُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَحِلِّينَ لِقَتْلِهِ قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ المرادي مِنْهُمْ وَكَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخَوَارِجِ مُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ لَكِنْ كَانُوا جُهَّالًا فَارَقُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَة.

стр. 2232

وقال: وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أمامة الْبَاهِلِيِّ. عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَوَارِجِ (أَنَّهُمْ كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ) وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارِجِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، وَقَدْ خَرَّجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ طَائِفَةً مِنْهَا. • قاتلهم علي لما سفكوا الدم الحرام. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ الَّذِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِهِمْ قَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَاتَّفَقَ عَلَى قِتَالِهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ جَعَلُوهُمْ مُسْلِمِينَ مَعَ قِتَالِهِمْ. وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلِيٌّ حَتَّى: سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَاتَلَهُمْ لِدَفْعِ ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، لَا لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ. وَلِهَذَا لَمْ يَسْبِ حَرِيمَهُمْ وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُم. (الفتاوى). • هل الخوارج كفار؟ قال النووي ﵀: ومَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير أَصْحَابه الْعُلَمَاء أَنَّ الْخَوَارِج لَا يَكْفُرُونَ، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّة وَجَمَاهِير الْمُعْتَزِلَة وَسَائِر أَهْل الْأَهْواء. (نووي). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ الَّذِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِهِمْ قَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَاتَّفَقَ عَلَى قِتَالِهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ بَلْ جَعَلُوهُمْ مُسْلِمِينَ مَعَ قِتَالِهِمْ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلِيٌّ حَتَّى سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَقَاتَلَهُمْ لِدَفْعِ ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ لَا لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَسْبِ حَرِيمَهُمْ وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُم. (الفتاوى). وقال ﵀: وأصحاب الرسول ﷺ ، على بن أبي طالب وغيره: لم يكفروا الخوارج الذين قاتلوهم، بل أول ما خرجوا عليه، وتحيزوا بحروراء، وخرجوا عن الطاعة والجماعة: قال لهم علي بن أبي طالب ﵁: (إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا، ولا حقكم من الفيء)، ثم أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم، فرجع نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي وغلبهم، ومع هذا لم يسب لهم ذرية، ولا غنم لهم مالاً، ولا سار فيهم سيرة الصحابة في المرتدين كمسيلمة الكذاب وأمثاله، بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكر أحد على علي ذلك، فعلم اتفاق الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام. (منهاج السنة النبوية). وسئل الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود حفظه الله: " هل الخوارج كفار؟ فأجاب: اختلف العلماء في كفرهم، والصحيح أنهم لا يكفرون؛ فقد سئل عنهم علي بن أبي طالب ﵁: أكفار هم؟ قال: " من الكفر فروا "، فهم وقعوا في بدعة التكفير، فلا نقع نحن في بدعة التكفير فنكفرهم، هذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى، وإن كان يطلق على بدعهم أنها بدع كفرية. هم كلاب أهل النار.

стр. 2233

عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ) رواه ابن ماجه. ورواه الترمذي (من حديث أبي أمامة ﵁. وصححه الألباني. وأما معنى هذا الحديث، فيحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الخوارج يكونون في النار على صورة الكلاب، ويحتمل أنهم يكونون في النار، على بعض صفات الكلاب، أو وجوه الشبه بهم. قال القاري ﵀: أَيْ هُمْ كِلَابُ أَهْلِهَا، أَوْ عَلَى صُورَةِ كِلَابٍ فِيهَا. وقال المناوي ﵀: أي أنهم يتعاوون فيها عواء الكلاب، أو أنهم أخس أهلها، وأحقرهم، كما أن الكلاب أخس الحيوانات وأحقرها. (فيض القدير). والحكمة من عقابهم بهذا العقاب: أنهم كانوا في الدنيا كلاباً على المسلمين، فيكفرونهم ويعتدون عليهم ويقتلونهم، فعوقبوا من جنس أعمالهم، فصاروا كلابا في الآخرة. • كيف يعرف الخارجي؟ وحتَّى يصح إطلاق لفظ "خارجي" على أحد فلا بدَّ أن يكون موافقاً لهم في أصل من أصولهم، ومن أبرزها: أولاً: الخلل في مسألة الإيمان وعلاقة العمل به. فهم يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص! ويرون أن آحاد الأعمال الواجبة هو ترك للإيمان كله! لذا حكموا على تارك الواجب بالكفر المخرج من الملة، ومنه انطلقوا إلى القول بكفر فاعل الكبيرة كفراً مخرجاً من الملة وإذا لقي الله بها من غير توبة أو حدٍّ فهو مخلَّد في نار جهنم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ثم إذا ترك واجباً أو فعل محرَّماً قالوا بنفوذ الوعيد فيه، فيوجبون تخليد فسَّاق أهل الملة في النار، وهذا قول جمهور المعتزلة والخوارج، ولكن الخوارج يكفرون بالذنب الكبير - أو الصغير عند بعضهم - وأما المعتزلة فيقولون: هو في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر. " انتهى من " مجموع الفتاوى " (١٩/ ١٥١) ثانياً: أنهم يرون السيف على مخالفيهم، فيرفعونه على أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وفي الصحيحين في حديث أبي سعيد (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ؛ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلُهُمْ قَتْلَ عَادٍ) وهذا نعت سائر الخارجين كالرافضة ونحوهم؛ فإنهم يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون، أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين؛ لأن المرتد شر من غيره " انتهى من " ثالثاً: أنهم يبالغون في التكفير انطلاقاً من اتباع المتشابه في الأدلة الشرعية. وقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه باباً بعنوان: " بَاب قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ وَقَالَ إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ". انتهى.

стр. 2234

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فهؤلاء أصل ضلالهم: اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفراً، ثم يرتبون على الكفر أحكاماً ابتدعوها، فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم، في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام، حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية. • كلما ذهبت فرقة منهم ظهرت فرقة. عن عَبْد اللهِ بْن عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ، حَتَّى يَخْرُجَ فِي بَقِيَّتِهِمُ الدَّجَّالُ) وصححه الشيخ أحمد شاكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ إلَى زَمَنِ الدَّجَّالِ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِذَلِكَ الْعَسْكَرِ [يعني: الذين قاتلوا علياً ﵁. (الفتاوى). فأفاد الحديث: أن الخوارج فرقة من فرق الأمة، وأنها سيستمر وجودها إلى آخر الزمان، غير أنها تظهر فترة بعد فترة، وكلما ظهرت طائفة منهم قُطعت، وانتهى أمرها، ثم تظهر طائفة أخرى … وهكذا، حتى يخرج الدجال في آخرهم. فائدة: قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقصدوا - أي الخوارج - بلاد العراق وخراسان، فتفرقوا فيها بأبدانهم وأديانهم ومذاهبهم ومسالكهم المختلفة المنتشرة، التي لا تنضبط ولا تنحصر؛ لأنها مفرعة على الجهل، وقوة النفوس، والاعتقاد الفاسد. (البداية والنهاية)

стр. 2235

١١٩٤ - وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (تَقْتُلُ عَمَّارًا) يعني عمار بن ياسر، وقد توفي في صفين سنة ٣٧ مع علي بن أبي طالب، قتله جيش معاوية. (الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) المقصود جيش معاوية ومن معه. والحديث جاء في الصحيحين من حديث أَبِي سَعِيدٍ - في قصة بناء المسجد - وفيه، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ). • على ماذا يدل حديث الباب؟ الحديث دليل على فضل عمار بن ياسر وأنه على الحق، وأن علي بن أبي طالب كان مصيباً في حربه مع معاوية. تنبيه: فهم العلماء لحديث لباب. قال ابن حجر: وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وفضيلة ظاهرة لعلي وعمار، وردٌّ على النواصب الزاعمين أن عليًّا لم يكن مصيباً في حروبه. وقال أيضاً: دل الحديث (تقتل عمارًا الفئة الباغية) على أن عليًّا كان المصيب في تلك الحروب؛ لأن أصحاب معاوية قتلوه. وقال النووي: وكانت الصحابة يوم صفين يتبعونه حيث توجه لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة لهذا الحديث. وقال ابن كثير: كان علي وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، قال: حدثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار (تقتلك الفئة الباغية). وقال أيضًا: وهذا مقتل عمار بن ياسر ﵄ مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قتله أهل الشام، و بان وظهر بذلك سر ما أخبر به الرسول ﷺ من أنه تقتله الفئة الباغية، وبان بذلك أن عليًّا محق، وأن معاوية باغ، وما في ذلك من دلائل النبوة. وقال الذهبي: هم طائفة من المؤمنين، بغت على الإمام علي، وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله عليه وسلامه لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وقال ابن تيمية: وهذا يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة، والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار - وإن كان متأولاً - وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي، وعلى هذا فمقاتله مخطئ - وإن كان متأولاً - أو باغ - بلا تأويل - وهو أصح القولين لأصحابنا، وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليًا، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين. وقال أيضاً: مع أن عليًّا أولى بالحق ممن فارقه، ومع أن عمارًا قتلته الفئة الباغية - كما جاءت به النصوص - فعلينا أن نؤمن بكل ما جاء من عند الله ونقر بالحق كله، و لا يكون لنا هوى، و لا نتكلم بغير علم، بل نسلك سبل العلم العدل، وذلك هو اتباع الكتاب و السنة، فأما من تمسك ببعض الحق دون البعض، فهذا منشأ الفرقة والاختلاف.

стр. 2236

وقال عبد العزيز بن باز: وقال ﷺ في حديث عمار (تقتل عمارًا الفئة الباغية) معاوية وأصحابه في وقعة صفين، فمعاوية وأصحابه بغاة، لكن مجتهدون ظنوا أنهم مصيبون في المطالبة بدم عثمان. • هل يلزم من هذا الحديث تكفير معاوية وأصحابه؟ قال ابن كثير: ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم، لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ ، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم. (البداية والنهاية). وقال النووي: قالَ الْعُلَمَاء: هَذَا الْحَدِيث حُجَّة ظَاهِرَة فِي أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ مُحِقًّا مُصِيبًا، وَالطَّائِفَة الْأُخْرَى بُغَاة، لَكِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ، فَلَا إِثْم عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوَاضِع مِنْهَا هَذَا الْبَاب. وَفِيهِ مُعْجِزَة ظَاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه ﷺ مِنْ أَوْجُه: مِنْهَا أَنَّ عَمَّارًا يَمُوت قَتِيلًا، وَأَنَّهُ يَقْتُلهُ مُسْلِمُونَ، وَأَنَّهُمْ بُغَاة، وَأَنَّ الصَّحَابَة يُقَاتِلُونَ، وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِرْقَتَيْنِ: بَاغِيَة، وَغَيْرهَا، وَكُلّ هَذَا قَدْ وَقَعَ مِثْل فَلَق الصُّبْح، صَلَّى اللَّه وَسَلَّمَ عَلَى رَسُوله الَّذِي لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى. وقال ابن تيمية: وَلَيْسَ فِي كَوْنِ عَمَّارٍ تَقْتُلهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ مَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) فَقَدْ جَعَلَهُمْ مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ مُؤْمِنِينَ إخْوَةً؛ بَلْ مَعَ أَمْرِهِ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ جَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ بَغْيًا وَظُلْمًا أَوْ عُدْوَانًا يُخْرِجُ عُمُومَ النَّاسِ عَنْ الْإِيمَانِ، وَلَا يُوجِبُ لَعْنَتَهُمْ؛ فَكَيْفَ يُخْرِجُ ذَلِك مَنْ كَانَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ؟ وَكُلُّ مَنْ كَانَ بَاغِيًا، أَوْ ظَالِمًا، أَوْ مُعْتَدِيًا، أَوْ مُرْتَكِبًا مَا هُوَ ذَنْبٌ فَهُوَ " قِسْمَانِ " مُتَأَوِّلٌ، وَغَيْرُ مُتَأَوِّلٍ، فَالْمُتَأَوِّلُ الْمُجْتَهِدُ: كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، الَّذِينَ اجْتَهَدُوا، وَاعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ حِلَّ أُمُورٍ، وَاعْتَقَدَ الْآخَرُ تَحْرِيمَهَا كَمَا اسْتَحَلَّ بَعْضُهُمْ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ، وَبَعْضُهُمْ بَعْضَ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ بَعْضَ عُقُودِ التَّحْلِيلِ وَالْمُتْعَةِ، وَأَمْثَالُ ذَلِك، فَقَدْ جَرَى ذَلِك وَأَمْثَالُهُ مِنْ خِيَارِ السَّلَفِ. فَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلُونَ الْمُجْتَهِدُونَ غَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ. وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ ﵉ إنَّمَا حَكَمَا فِي الْحَرْثِ، وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، مَعَ ثَنَائِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ. وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا فَهِمَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْآخَرُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِك مَلُومًا وَلَا مَانِعًا لِمَا عُرِفَ مِنْ عِلْمِهِ وَدِينِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِك مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ يَكُون إثْمًا وَظُلْمًا، وَالْإِصْرَارُ عَلَيْهِ فِسْقًا، بَلْ مَتَى عُلِمَ تَحْرِيمُهُ ضَرُورَةً كَانَ تَحْلِيلُهُ كُفْرًا. فَالْبَغْيُ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَمَا إذَا كَانَ الْبَاغِي مُجْتَهِدًا وَمُتَأَوِّلًا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّهُ بَاغٍ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي اعْتِقَادِهِ: لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ " بَاغِيًا " مُوجِبَةً لِإِثْمِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تُوجِبَ فِسْقَهُ. وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ؛ يَقُولُونَ: مَعَ الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ قِتَالُنَا لَهُمْ لِدَفْعِ ضَرَرِ بَغْيِهِمْ؛ لَا عُقُوبَةً لَهُمْ؛ بَلْ لِلْمَنْعِ مِنْ الْعُدْوَانِ. وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ بَاقُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ؛ لَا يُفَسَّقُونَ. وَيَقُولُونَ هُمْ كَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ، كَمَا يُمْنَعُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالنَّاسِي وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ مِنْ الْعُدْوَانِ أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْهُمْ؛ بَلْ تُمْنَعُ الْبَهَائِمُ مِنْ الْعُدْوَانِ.

стр. 2237

فائدة: وقال الحافظ ابن حجر ﵀: فإِنْ قِيلَ: كَانَ قَتْلُهُ بِصِفِّينَ، وَهُوَ مَعَ عَلِيٍّ، وَالَّذِينَ قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الدُّعَاءُ إِلَى النَّارِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُمْ كَانُوا ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي اتِّبَاعِ ظُنُونِهِمْ، فَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ: الدُّعَاءُ إِلَى سَبَبِهَا وَهُوَ طَاعَةُ الْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْوَاجِبُ الطَّاعَةُ إِذْ ذَاكَ، وَكَانُوا هُمْ يَدْعُونَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ معذورون للتأويل الَّذِي ظهر لَهُمْ ". فائدة: وعنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ) رواه مسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلتا الطائفتين المقتتلتين - علي وأصحابه، ومعاوية وأصحابه - على حق، وأن عليّاً وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه.

стр. 2238

١١٩٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟»، قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا) رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ; فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. ١١٩٦ - وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمُ. === • ما صحة حديث الباب؟ لا يصح كما قال المصنف ﵀. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد كيفية قتال أهل البغي، وأن قتالهم يختلف عن قتال الكفار المحاربين. فالفرق بين قتالهم وقتال المشركين: أولاً: أن القصد من قتالهم ردعهم بخلاف المشركين. ثانياً: عدم جواز الإجهاز على جريح البغاة بعكس جريح المشركين فإنه يجوز الإجهاز عليه. ثالثاً: أنه لا يقتل أسير البغاة بخلاف أسير المشركين فإنه يجوز قتله. رابعاً: لا يتبع مدبرهم وهاربهم. خامساً: أن أموال البغاة لا يجوز قسمتها ولا تسبى ذريتهم، لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، بخلاف أموال المشركين فإنها غنيمة للمسلمين. سادساً: أنه لا ينصب عليهم المنجنيق ومثله في عصرنا الحاضر المدافع والقنابل والطيارات. سابعاً: لا تحرق مساكن البغاة ولا مصانعهم ولا يقطع نخيلهم وأشجارهم ولا يقطع الماء عنهم، بخلاف المشركين فإنه يستعمل معهم الوسائل المؤدية إلى استسلامهم والنصر عليهم.

стр. 2239

• ما الواجب على الإمام قبل قتالهم؟ الواجب عليه مراسلة البغاة، وإزالة ما ينقمون عليه مما لا يجوز وكشف شبههم. لأن علياً أرسل ابن عباس إلى الخوارج الذين خرجوا عليه ليناظرهم، فناظرهم فرجع كثير منهم إلى الحق. - فإن ذكروا مظلمة أزالها. لقوله تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، لأن إزالة المظلمة وسيلة إلى الصلح المأمور به. - ويكشف ما يدعونه من شبهة، لأن في كشف شبهتهم رجوعاً إلى الحق. لأن الله أمر بالإصلاح أولاً، والإصلاح إنما يكون بمراسلتهم وكشف شبهتهم وإزالة ما يدعونه من مظلمة. • ما الحكم إن لم ينتهوا؟ إن انتهوا كف عنهم وإلا قاتلهم وجوباً لدفع شرهم. لقوله تعالى (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ). ولدفع شرهم وأذاهم على المسلمين. وللحفاظ على وحدة الدولة الإسلامية وعزتها. • ما الواجب على الرعية؟ الواجب عليهم مساعدة الإمام وتأييده على قتال البغاة. لأن الصحابة قاتلوا مانعي الزكاة مع أبي بكر، وقاتلوا الخوارج مع علي. ولأنهم لو تركوا معونة الإمام لقهره أهل البغي وظهر الفساد في الأرض.

стр. 2240

١١٩٧ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمَرَكُمْ جَمِيعٌ، يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوه) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم الخروج على ولي الأمر الذي اجتمعت الكلمة عليه، وأن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين فإنه يجب قتله. وجاء في رواية (إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، أَوْ يُرِيدُ تَفْرِيقَ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ) رواه النسائي. وقد جاء في حديث أبي سعيد. قال: قال ﷺ (إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِر مِنْهُمَا) قال النووي: هَذَا مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَنْدَفِع إِلَّا بِقَتْلِهِ، وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاح هَذَا فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوز عَقْدهَا لِخَلِيفَتَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا الْإِجْمَاع فِيهِ، وَاحْتِمَال إِمَام الْحَرَمَيْنِ. قوله (هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ) أي: شرورٌ، وإفسادات متتابعة، خارجة، والمراد بها الفتن المتوالية، والمعنى أنه سيظهر في الأرض أنواع الفساد، والفتن؛ لطلب الإمارة من كلّ جهة، وإنما الإمام من انعقدت له البيعة أوّلًا. أفاده القاري. وقال القرطبيّ: الهنات: جمع هَنَة، وهي كناية عن نكرةٍ أيَّ شيء كان، ويعني به أنه سيكون أمور منكرة، وفتنٌ عظيمةٌ، كما قد ظهر، ووُجِد. انتهى وقال النوويّ: الهنات جمع هَنَة، وتُطلق على كلّ شيء، والمراد بها هنا الفتن، والأمور الحادثة. وقوله (كَائِنًا مَنْ كَانَ) أي شخص كان، شريفًا، أو وضيعًا، عالماً أو جاهلًا، أو غير ذلك. وقال القرطبيّ: أي لا يُحترم لشرفه، ونسبه، ولا يُهاب لعشيرته، ونَشَبه، بل يُبادر بقتله قبل شرارة شرّه، واستحكام فساده، وعدوى عُرِّه. وقوله (فَاقْتُلُوهُ) أي إن لم يندفع شرّه إلا بالقتل، وإلا فإن الواجب في حقّه أن يُنهَى أوّلًا عن ذلك، فإن انتهى فذاك، وإلا قُوتل، وإن لم يندفع شرّه إلا بقتله، فقُتل، كان دمه هدراً.

стр. 2241

• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن فيه فضل الجماعة، وبركتهم. - بيان مضرّة التفرّق، واختلاف الكلمة. - تحريم الخروج على ولي الأمر. - حرص الشريعة على اجتماع الكلمة. • مبحث: قطاع الطريق: تعريفهم: هم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان، فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة. (الزاد). قوله (بالسلاح) فلو أخذ المال بغير السلاح فلا يعتبر قاطع طريق؟ • ما الحكم لو أخذه عن طريق الخنق؟ قيل: لا يعتبر قاطع طريق، وهذا قول الأكثر. وقيل: يعتبر قاطع طريق. • قوله (في الصحراء أو البنيان) ماذا نستفيد من ذلك؟ نستفيد: أن قطع الطريق كما يكون في الصحراء يكون أيضاً داخل المدن. وهذا قول أكثر العلماء. وقال بعض العلماء: يشترط أن يكون في الصحراء، وهذا الشرط ذهب إليه أبو حنيفة • ما الأصل في حكم قطاع الطريق؟ الأصل في حكمهم قوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) هذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين.

стр. 2242

• هل عقوبة المحاربين على الترتيب أم على التخيير؟ اختلف العلماء في عقوبات المحاربين هل هي على الترتيب والاستحقاق على قدر الجناية أم على التخيير؟ على قولين: القول الأول: أنها على الترتيب. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ومذهب الشافعي وأصحابه، ومذهب أحمد وأصحابه. وجه الاستدلال من الآية: أنّ «أو» فيها للترتيب، وقد دلَّ على ذلك أنه بدأ فيها بالأغلظ - وهو القتل -، ولو كانت لغير الترتيب لبدأ بالأخفّ. قال الماوردي: أنه لّمَّا بدأ فيها بالأغلظ وجب أن يكون على الترتيب مثل كفارة القتل والظهار، ولو كانت على التخيير لبدأ فيها بالأخف مثل كفارة اليمين. وقال ابن مفلح - في كلامٍ له - وجوابه بأنه قد عرف من القرآن أنّ ما أريد به التخيير فيبدأ بالأخف ككفارة اليمين، وما أريد به الترتيب فيبدأ بالأغلظ ككفارة الظهار والقتل. وقد بدأ ها هنا بالأشدّ، فتكون للترتيب. ب- عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّب الزاني، والمفارِق لدينه التارك للجماعة). وجه الاستدلال من الحديث: قال ابن جرير: فحظر النبي ﷺ قتل رجل مسلم إلا بإحدى هذه الخلال الثلاث، فأما أن يُقتَل من أجل إخافته السبيل - من غير أن يَقتُل أو يأخذ مالاً - فذلك تقدُّم على الله ورسوله بالخلاف عليهما بالحكم. ج- أنّ الجنايات تتفاوت على الأحوال، فلائقٌ تغلُّظ الحكم بتغلظها. قال الماوردي: إنّ اختلاف العقوبات يوجب اختلاف أسبابها. وقال ابن قدامة: ويدلُّ عليه أيضًا أنّ العقوبات تختلف باختلاف الإجرام، ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف والسارق، وقد سوَّوا بينهم هاهنا مع اختلاف جناياتهم. القول الثاني: أنها على التخيير. وهذا مذهب مالك وأصحابه، وهو اختيار الخطابي. قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) وجه الاستدلال: أنّ «أو» في الآية هي للتخيير، وقد دلَّ على ذلك أنا وجدنا العطوف التي بـ «أو» في القرآن بمعنى التخيير في كلِّ ما أوجب الله به فرضًا منها. وذلك كقوله في كفارة اليمين (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)، وكقوله (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).

стр. 2243

وكقوله (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً). فإذا كانت العطوف التي بـ «أو» في القرآن - في كلّ ما أوجب الله به فرضًا منها في سائر القرآن - بمعنى التخيير، فكذلك في آية المحاربين: الإمامُ مُخَيَّر فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قدر عليه، وقد قال ابن عباس: «ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار. والراجح القول الأول، ويكون حكمهم كالتالي: إذا قتلوا وأخذوا المال، فإنهم يقتلون ويصلبون. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، فإنهم يقتلون ولا يصلبون. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم (اليد اليمنى والرجل اليسرى). وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً نفوا. هذا الترتيب في حكمهم هو قول جمهور العلماء. - إذا أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ويقطعان معاً، لأن الله قال (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) والواو للجمع والاشتراك. - فإذا لم يقتل ولم يسرق فإنه ينفى، فلا يُترك يأوي إلى بلد، وهذا قول الحنابلة لظاهر الآية (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ). وذهب بعض العلماء - وهو قول الحنفية والشافعية - أن النفي هو السجن. وذهب بعض العلماء - وهو قول لمالك واختاره ابن جرير والشنقيطي - أنه ينفى إلى بلد آخر ويُسجن فيه، ولا يزال منفياً حتى تظهر توبته. • إذا قتل فإنه يتحتم قتله، فيقام عليه القصاص، وليس فيه خيار لأولياء المقتول، لأن القتل هنا ليس قصاصاً، ولكنه حد، فلا يجوز العفو عنه، وآية المحاربة بينت أن عقوبة القتل عقوبة تثبت جزاء المحاربة لله تعالى، وما كان كذلك فهو حق لله تعالى لا يجوز إسقاطه، ولأن ضرر هذه الجريمة ضرر عام للمجتمع بأسره غير مختص بالمجني عليه. • إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، لقوله تعالى (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا). والصلب: أن يربط على خشبة لها يدان معترضتان وعود قائم. قيل: يقتل ثم يصلب، وقيل: بل يصلب قبل القتل، والله أعلم. والراجح في مدة الصلب، أنه يصلب حتى يشتهر أمره، لأن المقصود يحصل به. وهذا الترتيب على مذهب الجمهور كما سبق، وذهب مالك إلى أن تعدد العقوبات هنا يقصد به التخيير، وأن الإمام مخير، لأن لفظة (أو) للتخيير، والله أعلم.

стр. 2244

بَابُ قِتَالِ اَلْجَانِي وَقَتْلُ اَلْمُرْتَدِّ ١١٩٨ - عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مِنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق. قال النووي: فِيهِ جَوَاز قَتْل الْقَاصِد لِأَخْذِ الْمَال بِغَيْرِ حَقّ سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِعُمُومِ الْحَدِيث. وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء. وَقَالَ بَعْض أَصْحَاب مَالِك لَا يَجُوز قَتْله إِذَا طَلَبَ شَيْئًا يَسِيرًا كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجَمَاهِير عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَالَ «قَاتِلْهُ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَالَ «فَأَنْتَ شَهِيدٌ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ «هُوَ فِي النَّارِ). وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) متفق عليه. • ما كيفية مقاتلته؟ قال العلماء: لا يقتله بمجرد طلبه، بل يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن دفع بالأسهل لم يجز ما فوقه، وإن لم يندفع إلا بالقتل فليقتله، فإن كان يندفع بقطع يديه، بأن يكون مع المعتدى عليه سيف يستطيع أن يبتر به يديه، فإنه لا يجوز أن يقتله، لأن قطع اليدين أهون من القتل. فقد جاء في رواية (فانشده بالله) وفي رواية (ذكّره بالله). - أنه لا فرق بين أن يكون المال قليلاً أو كثيراً لعموم الحديث وهو قول الجماهير من العلماء، كما تقدم. وقال بعض أصحاب مالك لا يجوز قتله إذا طلب شيئاً يسيراً كالثوب والطعام، وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير. قال الشوكاني: وَأَحَادِيثُ الْبَابِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ مُقَاتَلَةُ مَنْ أَرَادَ أَخْذَ مَالِ إنْسَانٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إذَا كَانَ الْأَخْذُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ فِي الْفَتْح.

стр. 2245

• هل الدفاع عن المال واجب أم مباح؟ أكثر العلماء على أنه مباح غير واجب. فالمعتدى عليه مخير بين أن يدفع عن ماله، وبين أن يعطيه المال. قال النووي: وَالْمُدَافَعَة عَنْ الْمَال جَائِزَة غَيْر وَاجِبَة. • في الحديث أن من قتل دون ماله فهو شهيد، فما المراد بالشهيد هنا؟ المراد أنه شهيد الآخرة دون الدنيا، بل يغسل ويكفن ويصلى عليه. لأن الشهداء أقسام. قال النووي: اعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام: أحدها: المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال. فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفى أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا. وهو المبطون، والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يغسل ويصلى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول. والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدا إذا قتل في حرب الكفار. فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسل ولا يصلى عليه وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. وقال النووي في المجموع: والدليل للقسم الثاني أن عمر وعثمان وعليا ﵃ غسلوا وصلي عليهم بالاتفاق واتفقوا على أنهم شهداء والله أعلم. • هل يجب المدافعة عن العرض؟ نعم، تجب. عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) رواه النسائي. قال النووي: وَأَمَّا الْمُدَافَعَة عَنْ الْحَرِيم فَوَاجِبَة بِلَا خِلَاف.
следующие страницы →