← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن فيه فضل الجماعة، وبركتهم. - بيان مضرّة التفرّق، واختلاف الكلمة. - تحريم الخروج على ولي الأمر. - حرص الشريعة على اجتماع الكلمة. • مبحث: قطاع الطريق: تعريفهم: هم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان، فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة. (الزاد). قوله (بالسلاح) فلو أخذ المال بغير السلاح فلا يعتبر قاطع طريق؟ • ما الحكم لو أخذه عن طريق الخنق؟ قيل: لا يعتبر قاطع طريق، وهذا قول الأكثر. وقيل: يعتبر قاطع طريق. • قوله (في الصحراء أو البنيان) ماذا نستفيد من ذلك؟ نستفيد: أن قطع الطريق كما يكون في الصحراء يكون أيضاً داخل المدن. وهذا قول أكثر العلماء. وقال بعض العلماء: يشترط أن يكون في الصحراء، وهذا الشرط ذهب إليه أبو حنيفة • ما الأصل في حكم قطاع الطريق؟ الأصل في حكمهم قوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) هذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين.

стр. 2242

• هل عقوبة المحاربين على الترتيب أم على التخيير؟ اختلف العلماء في عقوبات المحاربين هل هي على الترتيب والاستحقاق على قدر الجناية أم على التخيير؟ على قولين: القول الأول: أنها على الترتيب. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ومذهب الشافعي وأصحابه، ومذهب أحمد وأصحابه. وجه الاستدلال من الآية: أنّ «أو» فيها للترتيب، وقد دلَّ على ذلك أنه بدأ فيها بالأغلظ - وهو القتل -، ولو كانت لغير الترتيب لبدأ بالأخفّ. قال الماوردي: أنه لّمَّا بدأ فيها بالأغلظ وجب أن يكون على الترتيب مثل كفارة القتل والظهار، ولو كانت على التخيير لبدأ فيها بالأخف مثل كفارة اليمين. وقال ابن مفلح - في كلامٍ له - وجوابه بأنه قد عرف من القرآن أنّ ما أريد به التخيير فيبدأ بالأخف ككفارة اليمين، وما أريد به الترتيب فيبدأ بالأغلظ ككفارة الظهار والقتل. وقد بدأ ها هنا بالأشدّ، فتكون للترتيب. ب- عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّب الزاني، والمفارِق لدينه التارك للجماعة). وجه الاستدلال من الحديث: قال ابن جرير: فحظر النبي ﷺ قتل رجل مسلم إلا بإحدى هذه الخلال الثلاث، فأما أن يُقتَل من أجل إخافته السبيل - من غير أن يَقتُل أو يأخذ مالاً - فذلك تقدُّم على الله ورسوله بالخلاف عليهما بالحكم. ج- أنّ الجنايات تتفاوت على الأحوال، فلائقٌ تغلُّظ الحكم بتغلظها. قال الماوردي: إنّ اختلاف العقوبات يوجب اختلاف أسبابها. وقال ابن قدامة: ويدلُّ عليه أيضًا أنّ العقوبات تختلف باختلاف الإجرام، ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف والسارق، وقد سوَّوا بينهم هاهنا مع اختلاف جناياتهم. القول الثاني: أنها على التخيير. وهذا مذهب مالك وأصحابه، وهو اختيار الخطابي. قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) وجه الاستدلال: أنّ «أو» في الآية هي للتخيير، وقد دلَّ على ذلك أنا وجدنا العطوف التي بـ «أو» في القرآن بمعنى التخيير في كلِّ ما أوجب الله به فرضًا منها. وذلك كقوله في كفارة اليمين (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)، وكقوله (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).

стр. 2243

وكقوله (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً). فإذا كانت العطوف التي بـ «أو» في القرآن - في كلّ ما أوجب الله به فرضًا منها في سائر القرآن - بمعنى التخيير، فكذلك في آية المحاربين: الإمامُ مُخَيَّر فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قدر عليه، وقد قال ابن عباس: «ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار. والراجح القول الأول، ويكون حكمهم كالتالي: إذا قتلوا وأخذوا المال، فإنهم يقتلون ويصلبون. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، فإنهم يقتلون ولا يصلبون. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم (اليد اليمنى والرجل اليسرى). وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً نفوا. هذا الترتيب في حكمهم هو قول جمهور العلماء. - إذا أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ويقطعان معاً، لأن الله قال (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) والواو للجمع والاشتراك. - فإذا لم يقتل ولم يسرق فإنه ينفى، فلا يُترك يأوي إلى بلد، وهذا قول الحنابلة لظاهر الآية (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ). وذهب بعض العلماء - وهو قول الحنفية والشافعية - أن النفي هو السجن. وذهب بعض العلماء - وهو قول لمالك واختاره ابن جرير والشنقيطي - أنه ينفى إلى بلد آخر ويُسجن فيه، ولا يزال منفياً حتى تظهر توبته. • إذا قتل فإنه يتحتم قتله، فيقام عليه القصاص، وليس فيه خيار لأولياء المقتول، لأن القتل هنا ليس قصاصاً، ولكنه حد، فلا يجوز العفو عنه، وآية المحاربة بينت أن عقوبة القتل عقوبة تثبت جزاء المحاربة لله تعالى، وما كان كذلك فهو حق لله تعالى لا يجوز إسقاطه، ولأن ضرر هذه الجريمة ضرر عام للمجتمع بأسره غير مختص بالمجني عليه. • إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، لقوله تعالى (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا). والصلب: أن يربط على خشبة لها يدان معترضتان وعود قائم. قيل: يقتل ثم يصلب، وقيل: بل يصلب قبل القتل، والله أعلم. والراجح في مدة الصلب، أنه يصلب حتى يشتهر أمره، لأن المقصود يحصل به. وهذا الترتيب على مذهب الجمهور كما سبق، وذهب مالك إلى أن تعدد العقوبات هنا يقصد به التخيير، وأن الإمام مخير، لأن لفظة (أو) للتخيير، والله أعلم.

стр. 2244

بَابُ قِتَالِ اَلْجَانِي وَقَتْلُ اَلْمُرْتَدِّ ١١٩٨ - عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مِنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق. قال النووي: فِيهِ جَوَاز قَتْل الْقَاصِد لِأَخْذِ الْمَال بِغَيْرِ حَقّ سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِعُمُومِ الْحَدِيث. وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء. وَقَالَ بَعْض أَصْحَاب مَالِك لَا يَجُوز قَتْله إِذَا طَلَبَ شَيْئًا يَسِيرًا كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجَمَاهِير عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَالَ «قَاتِلْهُ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَالَ «فَأَنْتَ شَهِيدٌ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ «هُوَ فِي النَّارِ). وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) متفق عليه. • ما كيفية مقاتلته؟ قال العلماء: لا يقتله بمجرد طلبه، بل يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن دفع بالأسهل لم يجز ما فوقه، وإن لم يندفع إلا بالقتل فليقتله، فإن كان يندفع بقطع يديه، بأن يكون مع المعتدى عليه سيف يستطيع أن يبتر به يديه، فإنه لا يجوز أن يقتله، لأن قطع اليدين أهون من القتل. فقد جاء في رواية (فانشده بالله) وفي رواية (ذكّره بالله). - أنه لا فرق بين أن يكون المال قليلاً أو كثيراً لعموم الحديث وهو قول الجماهير من العلماء، كما تقدم. وقال بعض أصحاب مالك لا يجوز قتله إذا طلب شيئاً يسيراً كالثوب والطعام، وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير. قال الشوكاني: وَأَحَادِيثُ الْبَابِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ مُقَاتَلَةُ مَنْ أَرَادَ أَخْذَ مَالِ إنْسَانٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إذَا كَانَ الْأَخْذُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ فِي الْفَتْح.

стр. 2245

• هل الدفاع عن المال واجب أم مباح؟ أكثر العلماء على أنه مباح غير واجب. فالمعتدى عليه مخير بين أن يدفع عن ماله، وبين أن يعطيه المال. قال النووي: وَالْمُدَافَعَة عَنْ الْمَال جَائِزَة غَيْر وَاجِبَة. • في الحديث أن من قتل دون ماله فهو شهيد، فما المراد بالشهيد هنا؟ المراد أنه شهيد الآخرة دون الدنيا، بل يغسل ويكفن ويصلى عليه. لأن الشهداء أقسام. قال النووي: اعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام: أحدها: المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال. فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفى أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا. وهو المبطون، والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يغسل ويصلى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول. والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدا إذا قتل في حرب الكفار. فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسل ولا يصلى عليه وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. وقال النووي في المجموع: والدليل للقسم الثاني أن عمر وعثمان وعليا ﵃ غسلوا وصلي عليهم بالاتفاق واتفقوا على أنهم شهداء والله أعلم. • هل يجب المدافعة عن العرض؟ نعم، تجب. عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) رواه النسائي. قال النووي: وَأَمَّا الْمُدَافَعَة عَنْ الْحَرِيم فَوَاجِبَة بِلَا خِلَاف.

стр. 2246

• هل يجب دفع الصائل على النفس أم لا؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِل عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الأْصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِل عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّائِل كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا، عَاقِلاً أَوْ مَجْنُونًا، بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا، مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ، آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ .... وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ: بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). فَالاِسْتِسْلَامُ لِلصَّائِل إِلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ لِلتَّهْلُكَةِ، لِذَا كَانَ الدِّفَاعُ عَنْهَا وَاجِبًا. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ). وعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ، فَهُوَ شَهِيد). وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الصَّائِل كَافِرًا، وَالْمَصُول عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَجَبَ الدِّفَاعُ … أمَّا إِنْ كَانَ الصَّائِل مُسْلِمًا غَيْرَ مَهْدُورِ الدَّمِ فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ فِي الأْظْهَرِ، بَلْ يَجُوزُ الاِسْتِسْلَامُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِل صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ .... عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي» قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: «كُنْ كَابْنِ آدَمَ). وعَنِ الحَسَنِ، قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» قِيلَ: فَهَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِه). وَلأِنَّ عُثْمَانَ ﵁ تَرَكَ الْقِتَال مَعَ إِمْكَانِهِ، وَمَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ نَفْسَهُ، وَمَنَعَ حُرَّاسَهُ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْهُ - وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ يَوْمَ الدَّارِ وَقَال: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ حُرٌّ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِل عَنِ النَّفْسِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْفِتْنَةِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). وَلأِنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْل نَفْسِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِبَاحَةُ قَتْلِهَا. أَمَّا فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ (فَإِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ). وَلأِنَّ عُثْمَانَ ﵁ تَرَكَ الْقِتَال عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ غَيْرَهُ قِتَالَهُمْ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لأَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ ذَلِكَ … اهـ (الموسوعة الفقهية).

стр. 2247

• ما الحكم إن قتل المصول عليه الصائل؟ إِنْ قَتَل الْمَصُولُ عَلَيْهِ الصَّائِل دِفَاعًا عَنْ نَفْسِهِ وَنَحْوِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ وَلَا قِيمَةٍ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لأِنهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ. أَمَّا إِذَا تَمَكَّنَ الصَّائِل مِنْ قَتْل الْمَصُول عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ. • كيف يدفع الصائل؟ يُدْفَعُ الصَّائِل بِالأْخَفِّ فَالأْخَفِّ إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِكَلَامٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ بِالنَّاسِ حَرُمَ الضَّرْبُ، أَوْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِضَرْبٍ بِيَدٍ حَرُمَ بِسَوْطٍ، أَوْ بِسَوْطٍ حَرُمَ بِعَصًا، أَوْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِقَطْع عُضْوٍ حَرُمَ دَفْعُهُ بِقَتْلٍ، لأِنَّ ذَلِكَ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الأَثْقَل مَعَ إِمْكَانِ تَحْصِيل الْمَقْصُودِ بِالأْخَفِّ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي؟ قَالَ: " انْشُدِ اللهَ، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ، قَالَ: " انْشُدِ اللهَ "، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ، قَالَ: " فَانْشُدِ اللهَ "، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ، قَالَ: " فَقَاتِلْ، فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ) رواه أحمد. قال الشوكاني: ولكنه ينبغي تقديم الأخف فالأخف فلا يعدل المدافع إلى القتل مع امكان الدفع بدونه ويدل على ذلك امره ﷺ بإنشاد الله قبل المقاتلة. • هل يستثنى من ذلك شيء؟ اسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا مِنْهَا: أ - لَوْ كَانَ الصَّائِل يَنْدَفِعُ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا وَنَحْوِهِمَا، وَالْمَصُولُ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ إِلاَّ السَّيْفَ فَلَهُ الضَّرْبُ بِهِ، لأنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ إِلاَّ بِهِ، وَلَيْسَ بِمُقَصِّرٍ فِي تَرْكِ اسْتِصْحَابِ السَّوْطِ وَنَحْوِهِ. ب - لَوِ الْتَحَمَ الْقِتَال بَيْنَهُمَا، وَاشْتَدَّ الأْمْرُ عَنِ الضَّبْطِ فَلَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا لَدَيْهِ، دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ. ج - إِذَا ظَنَّ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّائِل لَا يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالْقَتْل فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا إِنْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِالْقَتْل إِنْ لَمْ يَسْبِقْ هُوَ بِهِ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ. وَيُصَدَّقُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ إِمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِدُونِ مَا دَفَعَ بِهِ، لِعُسْرِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. د - إِذَا كَانَ الصَّائِل مُهْدَرَ الدَّمِ - كَمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ - فَلَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي حَقِّهِ بَلْ لَهُ الْعُدُول إِلَى قَتْلِهِ، لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ. • هل يجب عليه الهرب إذا أمكنه ذلك؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْمَصُول عَلَيْهِ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَلْتَجِئَ إِلَى حِصْنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ حَاكِمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقِتَال، لأِنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِالأْهْوَنِ فَالأْهْوَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِل إِلَى الأْشَدِّ مَعَ إِمْكَانِ الأْسْهَل وَلأِنَّهُ أَمْكَنَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ إِضْرَارِ غَيْرِهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ.

стр. 2248

١١٩٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ (قَاتَلَ يُعْلَى بْنُ أُمِّيَّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ اَلْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. === (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) الصحابي الجليل. (قَاتَلَ يُعْلَى بْنُ أُمِّيَّةَ) أي: ضارب. (فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) أي: أمسكها بأسنانه، وفي رواية (فانتزع يده من فمه) وفي رواية (عض ذراع رجل فجذبه). فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ) أي: أخرجها من فيه، والثنيّة من الأضراس: هي الأربع في مقدم الفم. (أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ اَلْفَحْلُ؟) وهو الذكر من الإبل، وهذا التشبيه المقصود منه التنفير. • ما حكم من عض يد شخصٍ فانتزع المعضوض يده من في العاض، فقلع سناً من أسنان العاض؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية. قال في الفتح: وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور فقالوا لا يلزم المعضوض قصاص، ولا دية، لأنه في حكم الصائل واحتجوا أيضاً بالإجماع، بأن من شهر على آخر سلاحاً ليقتله فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه فكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها. وقال الشوكاني: والحديث دليل على أن الجناية إذا وقعت على المجني عليه بسبب منه كالقصة المذكورة وما شابهها فلا قصاص ولا أرش، وإليه ذهب الجمهور ولكن بشرط أن يتمكن المعضوض مثلاً من إطلاق يده أو نحوها بما هو أيسر من ذلك وأن يكون ذلك العض مما يتألم به المعضوض. وظاهر الدليل عدم الاشتراط وقد قيل إنه من باب التقييد بالقواعد الكلية، وفي وجه للشافعية أنه يهدر مطلقاً. وروى عن مالك أنه يجب الضمان في مثل ذلك. وهو محجوج بالدليل الصحيح وقد تأول أتباعه ذلك الدليل بتأويلات في غاية السقوط وعارضوه بأقيسة باطلة. وما أحسن ما قال يحيى بن يعمر: لو بلغ مالكاً هذا الحديث لم يخالفه وكذا قال ابن بطال. (نيل الأوطار). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - تحريم الاعتداء على الآخرين. - تحريم العض. - وجوب الدفاع عن النفس.

стр. 2249

١٢٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو اَلْقَاسِمِ ﷺ (لَوْ أَنَّ اِمْرَأً اِطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ (فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ). === (فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ) أي: رميته بحصاة. (فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ) وفي رواية (فقد حلّ لهم أن يفقئوا عينه) أي: يقلعوها. (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ) المراد بالجناح هنا الحرج. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن من اطلع على بيت غيره بغير إذنه، فحذفه صاحب المنزل بحصاة ففقأ عينه لم يكن عليه إثم ولا ضمان. قال ابن قدامة: ومن اطلع في بيت إنسان من ثقب، أو شق باب، أو نحوه، فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعنه بعود، فقلع عينه، لم يضمنها، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يضمنها؛ لأنه لو دخل منزله، ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الفرج، لم يجز قلع عينه، فمجرد النظر أولى. ولنا، ما روى أبو هريرة، أن رسول الله ﷺ قال (لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح). وعن سهل بن سعد (أن رجلا اطلع في حجر من باب النبي ﷺ ، ورسول الله ﷺ يحك رأسه بمدرى في يده، فقال رسول الله ﷺ : لو علمت أنك تنظرني لطمت، أو لطعنت بها في عينك) متفق عليهما. ويفارق ما قاسوا عليه؛ لأن من دخل المنزل يعلم به، فيستتر منه، بخلاف الناظر من ثقب، فإنه يرى من غير علم به، ثم الخبر أولى من القياس. وقال الشوكاني: وقد استدل بأحاديث الباب من قال إن من قصد النظر إلى مكان لا يجوز له الدخول إليه بغير إذن جاز للمنظور إلى مكانه أن يفقأ عينه ولا قصاص ولا دية للتصريح بذلك في الحديث الآخر.

стр. 2250

ولقوله (فقد حل لهم أن يفقؤا عينه) ومقتضى الحل أنه لا يضمن ولا يقتص منه. ولقوله (ما كان عليك من جناح) وإيجاب القصاص أو الدية جناح. ولأن قوله ﷺ المذكور لو أعلم إنك تنظر طعنت به في عينك يدل على الجواز. وقد ذهب إلى مقتضى هذه الأحاديث جماعة من العلماء منهم الشافعي. وقال ابن القيم: ثَبَتَ فِي "الصّحِيحَيْنِ" مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النّبِيّ ﷺ قَالَ (لَوْ أَنّ امْرَأً اطّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةِ فَفَقَأَتْ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ) وَفِي لَفْظٍ فِيهِمَا (مَنْ اطّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاص) وَفِيهِمَا: (أَنّ رَجُلًا اطّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي بَعْضِ حُجَرِ النّبِيّ ﷺ فَقَامَ إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ) فَذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْحُكُومَةِ وَإِلَى الّتِي قَبْلَهَا فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشّافِعِيّ وَلَمْ يَقُلْ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ. وقال ابن القيم ﵀ لما ذكر حديث الباب - فَرُدَّتْ هَذِهِ السُّنَنُ بِأَنَّهَا خِلَافُ الْأُصُولِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَبَاحَ قَلْعَ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ، لَا بِجِنَايَةِ النَّظَرِ، وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ اسْتَمَعَ عَلَيْهِ بِإِذْنِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْطَعَ أُذُنَهُ، فَيُقَالُ: بَلْ هَذِهِ السُّنَنُ مِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ؛ فَمَا خَالَفَهُمَا فَهُوَ خِلَافُ الْأُصُولِ، وَقَوْلُكُمْ: " إنَّمَا شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْذَ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ " فَهَذَا حَقٌّ فِي الْقِصَاصِ، وَأَمَّا الْعُضْوُ الْجَانِي الْمُتَعَدِّي الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُ ضَرَرِهِ وَعُدْوَانِهِ إلَّا بِرَمْيِهِ، فَإِنَّ الْآيَةَ لَا تَتَنَاوَلُهُ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا، وَالسُّنَّةُ جَاءَتْ بِبَيَانِ حُكْمِهِ بَيَانًا ابْتِدَائِيًّا لِمَا سَكَتَ عَنْهُ الْقُرْآنُ، لَا مُخَالِفًا لِمَا حَكَمَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَهَذَا اسْمٌ آخَرُ غَيْرُ فَقْءِ الْعَيْنِ قِصَاصًا، وَغَيْرُ دَفْعِ الصَّائِلِ الَّذِي يُدْفَعُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ؛ إذْ الْمَقْصُودُ دَفْعُ ضَرَرِ صِيَالِهِ، فَإِذَا انْدَفَعَ بِالْعَصَا لَمْ يُدْفَعْ بِالسَّيْفِ. وَأَمَّا هَذَا الْمُتَعَدِّي بِالنَّظَرِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ وَالْخَتْلِ؛ فَهُوَ قِسْمٌ آخَرُ غَيْرُ الْجَانِي وَغَيْرُ الصَّائِلِ الَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ عُدْوَانُهُ، وَلَا يَقَعُ هَذَا غَالِبًا إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ وَعَدَمِ مُشَاهَدَةِ غَيْرِ النَّاظِرِ إلَيْهِ؛ فَلَوْ كُلِّفَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى جِنَايَتِهِ لَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَمَرَ بِدَفْعِهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ذَهَبَتْ جِنَايَةُ عُدْوَانِهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَإِلَى حَرِيمِهِ هَدَرًا، وَالشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ تَأْبَى هَذَا وَهَذَا؛ فَكَانَ أَحْسَنَ مَا يُمْكِنُ وَأَصْلَحَهُ وَأَكَفَّهُ لَنَا وَلِلْجَانِي مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا دَافِعَ لِصِحَّتِهَا مِنْ حَذْفِ مَا هُنَالِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَصَرٌ عَادَ لَمْ يَضُرَّ خَذْفُ الْحَصَاةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَالِكَ بَصَرٌ عَادَ لَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ؛ فَهُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ صَاحِبُهُ لِلتَّلَفِ، فَأَدْنَاهُ إلَى الْهَلَاكِ، وَالْخَاذِفُ لَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ، وَالنَّاظِرُ خَائِنٌ ظَالِمٌ، وَالشَّرِيعَةُ أَكْمَلُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تُضَيِّعَ حَقَّ هَذَا الَّذِي قَدْ هُتِكَتْ حُرْمَتُهُ وَتُحِيلَهُ فِي الِانْتِصَارِ عَلَى التَّعْزِيرِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ فَحُكْمُ اللَّهِ فِيهِ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ). (إعلام الموقعين).

стр. 2251

• هل يجوز رميه قبل أن ينذره أم لا؟ لا يشترط لحذفه تقدم الإنذار، لأن النبي ﷺ لم يشترط الجواز الحذف تقدم الإنذار. (ابن عثيمين). قال النووي: فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهمَا جَوَازه لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث وَاللَّه أَعْلَم. وقال ابن قدامة: وظاهر كلام أحمد، أنه لا يعتبر في هذا أنه لا يمكنه دفعه إلا بذلك، لظاهر الخبر. وقال ابن حامد: يدفعه بأسهل ما يمكنه دفعه به، فيقول له أولا: انصرف، فإن لم يفعل، أشار إليه يوهمه أنه يحذفه، فإن لم ينصرف، فله حذفه حينئذ، واتباع السنة أولى. (المغني). قال ابن تيمية: وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ مُعْتَدٍ بِنَظَرِهِ فَيُدْفَعُ كَمَا يُدْفَعُ سَائِرُ الْبُغَاةِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوا لَدُفِعَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ. وَلَمْ يَجُزْ قَلْعُ عَيْنِهِ ابْتِدَاءً إذَا لَمْ يَذْهَبْ إلَّا بِذَلِكَ وَالنُّصُوصُ تُخَالِفُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ أَبَاحَ أَنْ تَخْذِفَهُ حَتَّى تَفْقَأَ عَيْنَهُ قَبْلَ أَمْرِهِ بِالِانْصِرَافِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تُنْظِرُنِي لَطَعَنْت بِهِ فِي عَيْنِك) فَجَعَلَ نَفْسَ النَّظَرِ مُبِيحًا لِلطَّعْنِ فِي الْعَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَمْرَ لَهُ بِالِانْصِرَافِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُعَاقَبَةِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ جَنَى هَذِهِ الْجِنَايَةَ عَلَى حُرْمَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ فَلَهُ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَهُ بِالْحَصَى وَالْمِدْرَى. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - قال ابن قدامة: فأما إن ترك الاطلاع ومضى، لم يجز رميه؛ لأن النبي ﷺ لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف، ولأنه ترك الجناية، فأشبه من عض ثم ترك العض، لم يجز قلع أسنانه، وسواء كان المطلع منه صغيراً، كثقب أو شق، أو واسعاً، كثقب كبير. - وذكر بعض أصحابنا أن الباب المفتوح كذلك، والأولى أنه لا يجوز حذف من نظر من باب مفتوح؛ لأن التفريط من تارك الباب مفتوحا، والظاهر أن من ترك بابه مفتوحاً، أنه يستتر، لعلمه أن الناس ينظرون منه، ويعلم بالناظر فيه، والواقف عليه، فلم يجز رميه، كداخل الدار. (المغني). - أنه لو فقأ عينيه جميعاً فإنه ضامن للعين التي لم تطلع. - أنه لا يجوز أن يحذفه بما يقتله، لقوله (فحذفته بحصاة) ولم يقل بسهم. - تحريم الاطلاع على عورات الناس. - أن الاستئذان إنما جعل من أجل البصر.

стр. 2252

١٢٠١ - وَعَنْ اَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ (قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنَّ حِفْظَ اَلْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنْ حِفْظَ اَلْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ اَلْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيُّ،، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَفِي إِسْنَادِهِ اِخْتِلَافٌ. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن ما أفسدت المواشي نهاراً فلا ضمان على أصحابها، وما أفسدته ليلاً فإن أصحابها يضمنون. وهذا قول جمهور العلماء. قال الإمام البغوي: ذهب إلى هذا بعض أهل العلم أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل يضمنه ربها. لأن في عرف الناس أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي يسرحونها بالنهار ويردونها بالليل إلى المراح فمن خالف هذه العادة كان خارجاً عن رسوم الحفظ إلى حد التضييع هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفته سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها أو كانت واقفة وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو فمها وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. (شرح السنة). وقال الحافظ ابن عبد البر: وإنما وجب - والله أعلم - الضمان على أرباب المواشي فيما أفسدت من الزرع وشبهه بالليل دون النهار، لأن الليل وقت رجوع الماشية إلى مواضع مبيتها من دور أصحابها ورحالهم ليحفظوها ويمسكوها عن الخروج إلى حرث الناس وحوائطهم لأنها لا يمكن أربابها من حفظها بالليل لأنه وقت سكون وراحة لهم مع علمهم أن المواشي قد آواها أربابها إلى أماكن قرارها ومبيتها، وأما النهار فيمكن فيه حفظ الحوائط وحرزها وتعاهدها ودفع المواشي عنها). (الاستذكار). وقال الإمام النووي: … وأتلفت زرعاً أو غيره نظر إن أتلفته بالنهار فلا ضمان على صاحبها وإن أتلفته بالليل لزم صاحبها الضمان للحديث الصحيح. (روضة الطالبين).

стр. 2253

ومن أهل العلم من يحتج في هذه المسألة بقصة داود وسليمان ﵉ في الغنم التي نفشت في الحرث قال تعالى (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ). قال الشوكاني: فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية والملة الإسلامية، قلت قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث البراء أنه شرع لأمته، أن على أهل الماشية حفظها بالليل وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عينا أو قيمة وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث. (فتح القدير). وقال الحافظ العراقي: قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ: إنَّمَا لا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى أَصْحَابِ الْبَهَائِمِ إذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ حِفْظَهَا، فَإِذَا انْفَلَتَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ الأَنْصَارِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّه ﷺ فِيهَا، فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ. فائدة: وينبغي أن يعلم أن القول بتضمين أصحاب الحيوانات ما أتلفته حيواناتهم ليلاً إنما يلزمهم الضمان إن قصروا في حفظ حيواناتهم ليلاً أما إن أخذوا بأسباب حفظها فانفلتت بدون تقصير منهم فأتلفت شيئاً فلا ضمان عليهم. قال الإمام النووي: لو ربط بهيمة وأغلق بابه واحتاط على العادة ففتح الباب لص أو انهدم الجدار فخرجت ليلاً فلا ضمان إذ لا تقصير. روضة الطالبين ٧/ ٤٠٠.

стр. 2254

١٢٠٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ - (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ، فَقُتِلَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ (وَكَانَ قَدْ اُسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ). ١٢٠٣ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ) المراد بالدين هو الدين الإسلام الذي هو الدين الحقّ الذي رضيه اللَّه تعالى لعباده، حيث قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) الآية، وقوله تعالى (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) الآية، فلا يشمل عموم هذا الحديث كلّ الأديان، فمن انتقل من اليهوديّة، إلى النصرانيّة، أو غيرها من ملل الكفر، أو بالعكس، لا يقتل بذلك، وهذا الراجح. (فَاقْتُلُوهُ) أمر للوجوب. • من هو المرتد؟ فالمرتد لغة: هو الراجع. واصطلاحاً: هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر. • ما حكم المرتد عن دين الإسلام؟ كافر يقتل كفراً لا حداً. قال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد. أ- قال تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). ب- ولحديث الباب (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري. ج- وعن ابن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل دم امراء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه. د- وقال ﷺ (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب وإلا فاضرب عنقه، وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) سنده حسن كما قال الحافظ ابن حجر. وهذا يدل على أن المرأة كالرجل وهو قول أكثر العلماء.

стр. 2255

• هل المرأة المرتدة كالرجل تقتل كما يقتل؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة المرتدة تقتل كالرجل. قَالَ ابْن الْمُنْذِر: قَالَ الْجُمْهُور: تُقْتَل الْمُرْتَدَّة. وقال ابن قدامة: أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل. روي ذلك عن أبي بكر، وعلي ﵄. وبه قال الحسن، والزهري، والنخعي، وحماد، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. (المغني). أ- لعموم (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ). ب- وللحديث السابق (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب وإلا فاضرب عنقه، وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) سنده حسن كما قال الحافظ ابن حجر. وهذا يدل على أن المرأة كالرجل وهو قول أكثر العلماء. قال ابن حجر: وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث مَعَاذ ﵁ (أنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمَّا أَرسَلَهُ إِلَى الْيَمَن، قَالَ لَهُ: "أَيّمَا رَجُل ارْتَدَّ عَنْ الإسْلَام، فَادْعُهُ، فَإِنْ عَادَ، وَإلَّا فَاضْرِبْ عُنُقه، وَأَيّمَا امْرَأَة ارْتَدَّتْ عَنْ الإسْلَام، فادْعُها، فَإِنْ عَادَتْ، وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقها) وَسَنَده حَسَن، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِع النِّزَاع، فَيَجِب الْمَصِير إِلَيْهِ. وُيؤيِّدهُ اشْتِرَاك الرِّجال والنِّسَاء فِي الْحُدُود كُلّهَا، الزِّنَا، وَالسَّرِقَة، وَشُرْب الْخَمْر، وَالقَذْف، وَمِنْ صُوَر الزِّنَا رَجْم الْمُحْصَن حَتَّى يَمُوت، فَاسْتُثنِي ذَلِكَ مِنْ النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء، فَكَذَلِكَ يُسْتَثْنَى قَتْل الْمُرْتَدَّة. (الفتح). • هل يستتاب أم لا؟ بعد أن اتفق أهل العلم على وجوب قتل المرتد، اختلفوا في وجوب استتابته على قولين: القول الأول: أنه يستتاب وإلا قتل. وهذا مذهب أكثر أهل العلم. قال ابن قدامة: المرتد لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ; مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .... لأَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِشُبْهَةٍ، وَلا تَزُولُ فِي الْحَالِ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فِيهَا، وَأَوْلَى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ اهـ.

стр. 2256

القول الثاني: أنه لا يجب استتابته. وهذا قول الحسن وطاووس وأهل الظاهر. لقوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر الاستتابة. والراجح أن الأمر راجع إلى رأي الإمام ينظر حسب المصلحة. • ما رأيك بقول من قال: الردة خاصة بزمن النبي ﷺ -؟ قول باطل. ومن الأدلة على بطلان هذا القول: أولا: عموم قوله ﷺ (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ). و (مَنْ) اسم شرط، ومن المقرر عند علماء الأصول أن اسم الشرط يفيد العموم، فهذا الحكم عام في كل من ارتد عن دين الإسلام في كل زمان ومكان، ومن رام تخصيصه في زمن معين فيلزمه الدليل الشرعي الواضح على هذا التخصيص. ثانياً: جريان عمل الأمة الإسلامية على تطبيق "عقوبة الردة" من بعد زمن النبي ﷺ في العصور كافةً من غير نكير من أحد من أهل العلم. فقاتل أبو بكر المرتدين عن دين الإسلام، وتبعه الصحابة على ذلك ولم يخالفه منهم أحد. وأمر عمر بن الخطاب بقتل جماعة من المرتدين كما رواه عبد الرزاق في " المصنف" (١٠/ ١٦٨) عن عبد الله بن عتبة قال: أخذ ابن مسعود قوماً ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه: أن اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها فخل عنهم، وإن لم يقبلوها فاقتلهم فقبلها بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله. وكذلك قتل علي بن أبي طالب ﵁ جماعة من المرتدين، وأقره على قتلهم عبد الله بن عباس ﵄، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري. وفي " المصنف (لعبد الرزاق) عن أبي عمرو الشيباني: أن المستورد العجلي تنصر بعد إسلامه، فبعث به عتبة بن فرقد إلى علي، فاستتابه فلم يتب، فقتله. وقتل أبو موسى الأشعري ومعاذ ﵄ يهودياً أسلم ثم ارتد، فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: مَا لِهَذَا؟ قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ معاذ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . وحوادث قتل المرتين وشواهده في التاريخ كثيرة جداً، لا يمكن حصرها. ثالثاً: لم يقل أحد من علماء الإسلام في تاريخ هذه الأمة على مدار أربعة عشر قرناً أن "عقوبة المرتد " خاصة بزمن النبي ﷺ ، فكيف يخفى الحق في هذه المسألة الهامة على علماء الأمة على مدار هذه الأزمان حتى يأتي في هذا الزمن من يبينه لهم!!. (الاسلام س ج).

стр. 2257

• هل سب الله أو سب رسوله ردة؟ نعم. قال ابن قدامة المقدسي: ومَن سب الله تعالى: كفر، سواءَ كان مازحاً أو جادّاً، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن سب الله أو سب رسوله كفرٌ ظاهراً وباطناً، سواء كان السابُّ يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنَّة القائلين بأن الإيمان قول وعمل. وفي (الموسوعة الفقهية) اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ اللّه تعالى كفر، سواء كان مازحاً أو جادّاً أو مستهزئاً. وفيها أيضاً: اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ ملّة الإسلام أو دين المسلمين يكون كافراً. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: سب الدين من أعظم الكبائر، ومن أعظم المنكرات، وهكذا سب الرب ، وهذان الأمران من أعظم نواقض الإسلام، ومن أسباب الردة عن الإسلام، فإذا كان مَنْ سبَّ الرب أو سب الدين ينتسب إلى الإسلام: فإنه يكون بذلك مرتدّاً عن الإسلام، ويكون كافراً، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل من جهة ولي أمر البلد. • من الذي يتولى قتل المرتد؟ ولي الأمر. قال ابن قدامة الحنبلي ﵀: قتل المرتد إلى الإمام، حراً كان أو عبداً، وهذا قول عامة أهل العلم، إلا الشافعي، في أحد الوجهين في العبد. ويقول الحافظ ابن رجب ﵀: لا يجوز الافتئات عَلَى الأئمة ونوابهم، ولا إظهار مخالفتهم، ولو كانوا مفرطين في نفس الأمر، فإن تفريطهم عليهم لا عَلَى من لم يفرط، كما قال النبي ﷺ في الأئمة: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم) خرَّجه البخاري.

стр. 2258

• ما الفرق بين الكافر الأصلي والمرتد؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة. منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي. ومنها: أن المرتد يقتل وإن كان عاجزا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد. ومنها: أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي … إلى غير ذلك من الأحكام. • اذكر بعض أسباب الردة؟ قال مرعي الكرمي في دليل الطالب: المرتد وهو من كفر بعد إسلامه ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور: بالقول كسب الله تعالى ورسوله أو ملائكته أو ادعاء النبوة أو الشرك له تعالى وبالفعل كالسجود للصنم ونحوه وكإلقاء المصحف في قاذورة وبالاعتقاد كاعتقاده الشريك له تعالى أو أن الزنا أو الخمر حلال أو أن الخبز حرام ونحو ذلك مما أجمع عليه إجماعا قطعيا وبالشك في شيء من ذلك. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ • قال ابن قدامة: أن الردة لا تصح إلا من عاقل، فأما من لا عقل له، كالطفل الذي لا عقل له، والمجنون، ومن زال عقله بإغماء، أو نوم، أو مرض، أو شرب دواء يباح شربه، فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه، بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه، أنه مسلم على ما كان عليه قبل ذلك، ولو قتله قاتل عمداً، كان عليه القود، إذا طلب أولياؤه. وقد قال النبي ﷺ (رفع القلم عن ثلاث؛ عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق) أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. ولأنه غير مكلف، فلم يؤاخذ بكلامه، كما لو لم يؤاخذ به في إقراره، ولا طلاقه، ولا إعتاقه. (المغني). • أن المرتد إذا تاب تقبل توبته. قال في المجموع: وإذا تاب المرتد قبلت توبته. اهـ وفي الكافي: فإذا تاب المرتد قبلت توبته، وخلي سبيله. اهـ

стр. 2259

١٢٠٤ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدَ تَشْتُمُ اَلنَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخْذَ اَلْمِعْوَلَ، فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَلَّا اِشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرُوَاتُهُ ثِقَات. === - (أُمُّ وَلَدَ) أي: جارية يطؤها، وله منها ولد. (اَلْمِعْوَلَ) على وزن منبر. • ما حكم شتم الرسول الله ﷺ -؟ أجمع العلماء على أن من سب النبي ﷺ من المسلمين فهو كافر مرتد يجب قتله. وهذا الإجماع قد حكاه غير واحد من أهل العلم كالإمام إسحاق بن راهويه، وابن المنذر، والقاضي عياض والخطابي وغيرهم. وقد دل على هذا الحكم الكتاب والسنة: أما الكتاب؛ فقول الله تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فهذه الآية نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسب بطريق الأولى، وقد دلت الآية أيضاً على أن من تنقص رسول الله ﷺ فقد كفر، جاداً أو هازلاً. وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ (أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهَا). قال شيخ الإسلام: وهذا الحديث جيد، وله شاهد من حديث ابن عباس وسيأتي اهـ وهذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي ﷺ . ولحديث الباب. والظاهر من هذه المرأة أنها كانت كافرة ولم تكن مسلمة، فإن المسلمة لا يمكن أن تقدم على هذا الأمر الشنيع. ولأنها لو كانت مسلمة لكانت مرتدةً بذلك، وحينئذٍ لا يجوز لسيدها أن يمسكها ويكتفي بمجرد نهيها عن ذلك.

стр. 2260

• هل تقبل توبة من سب النبي ﷺ -؟ جمهور العلماء على أنه إذا تاب توبة نصوحاً، وندم على ما فعل، أن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة، فيغفر الله تعالى له. واختلفوا في قبول توبته في الدنيا، وسقوط القتل عنه على قولين: القول الأول: يسقط عنه القتل. القول الثاني: لا يسقط عنه القتل. وهذا الراجح. قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا هو الصحيح، إلا أن ساب الرسول ﷺ تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله، فإنه تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول ﷺ ، بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعا، أما ساب الرسول ﷺ فإنه يتعلق به أمران: الأول: أمر شرعي لكونه رسول الله ﷺ ، ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب. الثاني: أمر شخصي لكونه من المرسلين، ومن هذا يجب قتله لحقه ﷺ ويقتل بعد توبته على أنه مسلم، فإذا قتل غسلناه وكفناه وصلينا عليه. (مجموع الفتاوى)

стр. 2261

كتاب الحدود باب حد الزنا - باب حد القذف - باب حد السرقة باب حد الشارب - بَاب التَّعْزِيرِ وَحُكْمِ الصَّائِلِ ١/ ٥/ ١٤٣٧ هـ تعريف الحدود: الحدود جمع حد، والحد لغة: هو الحاجز بين الشيئين فيمنع اختلاطهما، والحد المنع، ومنه قيل: للبواب حداداً، لأنه يمنع الناس عن الدخول، وللسجان أيضاً؛ لأنه يمنع من الخروج، أو لأنه يعالج الحديد من القيود. وسميت العقوبات حدوداً، لأنها موانع من ارتكاب أسبابها ومعاودتها، وحدود الله محارمه؛ لأنه ممنوع عنها. واصطلاحاً: عقوبة مقدرة شرعاً لمنع الجناة من العود إلى المعاصي وزجر غيرهم وتكفير ذنب صاحبها. قوله (مقدرة شرعاً) خرج به العقوبة التي قدرها القاضي كالتعزير. • ف الحكمة من الحدود: أولاً: ردع العصاة ومنع انتشار الفساد. ثانياً: التكفير والتطهير للعاصي. - على من يجب إقامة الحد؟ يجب على كل مكلف عالم بالتحريم.

стр. 2262

وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ (أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ؟ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رواه النسائي. فعُلِم من هذا أن النبي ﷺ كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له، وهو بعمومه يشمل المسلم والكافر. فيشترط: أولاً: أن يكون مكلفاً. (وهو البالغ العاقل). قال في الشرح: أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الإقرار. أ- لحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق). ب- وفي حديث ابن عباس - في قصة ماعز - (أن النبي ﷺ سأل قومه: أمجنون هو؟ قالوا: ليس به بأس. وفي رواية (أنه سأل عنه، أمجنون هو؟ قالوا: ليس به بأس). ج- ولأنهما لا قصد لهما. ثانياً: ملتزم. أي: ملتزم لأحكام المسلمين، وهو المسلم والذمي. ودليل ذلك حديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ رجم اليهوديين لما زنيا) متفق عليه. ثالثاً: عالم بالتحريم. فإن كان جاهلاً، كحديث عهد بالإسلام، أو ناشئ في بادية بعيدة عن المسلمين فلا حدّ عليه. أ- لأن الحد يدرأ بالشبهة، والجهل بالشبهة. ب- وقد قال تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا). جاء في الحديث عن الله تعالى (قد فعلت). ج- وقال عمر وعلي وعثمان (لا حد إلا على من علمه). فمن كان جاهلاً بالحكم المنهيِّ عنه، وفعله، وكان في إتيانه حدٌّ أو كفارةٌ: فلا شيء عليه. وقد قال ﷺ لمن اعترف على نفسه بالزنا (فهلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟). رواه أبو داود، والحديث أصله في الصحيحين. قال ابن القيم - وصحَّحَ رواية أبي داود - فيه: أنَّ الحدَّ لا يجب على جاهلٍ بالتحريم؛ لأنَّه ﷺ سأله عن حكم الزنى، فقال " أَتَيْتُ مِنْها حَرَاماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً. (زاد المعاد).

стр. 2263

- هل يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة؟ لا يشترط ذلك. فلو سرق - وهو يعلم أنه حرام - لكنه لا يعلم أن في السرقة قطع اليد، فإنه يقام عليه الحد. قال ابن القيم في فوائد حديث ماعز: فيه أن الجهل بالعقوبة لا يسقط الحد إذا كان عالماً بالتحريم، فإن ماعزاً لم يعلم أن عقوبته القتل، ولم يُسقط هذا الجهل الحد عنه. - من الذي يقيم الحدود؟ لا يقيمه إلا الإمام أو نائبه. أ- لأن النبي ﷺ كان يقيم الحد في حياته وخلفاؤه بعده. ب- ولأن إقامة الحد من غير الإمام أو نائبه فيها مفاسد. ج- ولأجل أن يؤمن الحيْف في استيفائه. ولا يلزم حضور الإمام: لقوله ﷺ (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها). وأمر برجم ماعز ولم يحضر. • وينبغي للإمام أن ينوي بإقامة الحد أموراً ثلاثة: أولاً: الامتثال لأمر الله في إقامة الحدود. ثانياً: أن ينوي رفع الفساد. ثالثاً: أن ينوي إصلاح الخلق. - هل تقام الحدود في المسجد؟ يحرم إقامتها في المساجد. وهذا قول أكثر العلماء. أ- لحديث ابن عباس. أن النبي ﷺ قال (لا تقام الحدود في المساجد ولا يقتل والد بولده) رواه الترمذي. ويمكن أن يستدل أيضاً: ب- بحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا رده الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم.

стр. 2264

• كيف يضرب الرجل في الحد؟ يضرب الرجل قائماً: أ- لقول علي (لكل موضع من الجسد حظ إلا الوجه والفرج). ب- ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب. قال ابن قدامة: وإذا كان الزاني رجلاً أقيم قائماً، ولم يوثق بشيء ولم يحفر له، سواء ثبت الزنى ببينة أو إقرار. لا نعلم فيه خلافاً. لأن النبي ﷺ لم يحفر لماعز. قال أبو سعيد (لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا). ولأن الحفر له، ودفن بعضه، عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه، فوجب أن لا تثبت. (المغني). • كيف تضرب المرأة في الحد؟ - تضرب جالسة، لأنه أستر لها. - وتشد عليها ثيابها: لأنه ربما مع الضرب تضطرب وتتحرك وتنفك ثيابها. - وتمسك يداها: لئلا تكشف. وجاء في حديث عمران بن حصين قال (فأمر بها النبي ﷺ فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت) رواه مسلم. • بما يكون الجلد؟ • يكون بسوط. لقوله ﷺ (إذا شرب فاجلدوه) والجلد إنما يفهم من إطلاقه الضرب بالسوط. • ويكون بسوط لا جديد ولا خَلَق. لأن الجديد يجرح الجلد، والقديم: لا يحصل به التأديب المطلوب. قال علي (ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين) يعني وسطاً.

стр. 2265

• ولا يمد ولا يربط ولا يجرد. لا يمد: أي على الأرض. ولا يربط: أي لا يقيد. ولا يجرد من ثيابه. قال ابن مسعود (ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد). وجلد أصحاب رسول الله ﷺ من ثبت عليه جريمة فلم ينقل عن أحد منهم شيء من ذلك. • ما الذي يجب أن يُتقى في الجلد؟ يجب أن يُتقَى الوجه والرأس والفرج والمقاتل كالقلب والكبد. الوجه: لقوله ﷺ (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) متفق عليه. تتقى هذه: لأنها مقاتل وليس القصد قتله، وإنما المقصود هو التأديب. • ما الحكم لو مات في الحد؟ لا ضمان على من أقام الحد. لأن الحق قتله.

стр. 2266

بَابُ حَدِّ اَلزَّانِي ١٢٠٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ اَلْجُهَنِيِّ ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اَلْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَنْشُدُكَ بِاَللَّهِ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اَللَّهِ، فَقَالَ اَلْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ. فَاقَضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اَللَّهِ، وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: "قُلْ". قَالَ: إنَّ اِبْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِاِمْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنْ عَلَى اِبْنِي اَلرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمَائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلَتُ أَهْلَ اَلْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي: أَنَّمَا عَلَى اِبْنِيْ جَلْدُ مَائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى اِمْرَأَةِ هَذَا اَلرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ ا للَّهِ ﷺ "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اَللَّهِ، اَلْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى اِبْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى اِمْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، هَذَا وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. ١٢٠٦ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ اَلصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، اَلْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اَلْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ وفي رواية عند البخاري (كنا عند النبيّ ﷺ فقام إليه رجلٌ، فَقَالَ: أنشدك بالله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله). (أَنْشُدُكَ بِاَللَّهِ) بفتح أوله، ونون ساكنة، وضم الشين المعجمة-: أي أسألك بالله. (إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اَللَّهِ) المراد بكتاب الله ما حكم به، وكتب عَلَى عباده. وقيل: المراد القرآن، وهو المتبادر، وَقَالَ ابن دقيق العيد: الأول أولى؛ لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين فِي القرآن، إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله ﷺ . (إنَّ اِبْنِي) وفي رواية عند البخاريّ (إن ابني هَذَا) قَالَ فِي "الفتح": وفيه أن الابن كَانَ حاضراً، فأشار إليه، وخلا معظم الروايات عن هذه الإشارة. (كَانَ عَسِيفًا) هذه الإشارة لخصم المتكلم، وهو زوج المرأة، زاد شعيب فِي روايته: "والعسيف الأجير"، وهذا التفسير مدرج فِي الخبر، وكأنه منْ قول الزهريّ؛ لما عُرف منْ عادته أنه كَانَ يُدخل كثيراً منْ التفسير فِي أثناء الْحَدِيث، كما بيّنه الحافظ فِي مقدمة كتابه فِي المدرج، وَقَدْ فصله مالك، فوقع فِي سياقه: "كَانَ عسيفاً عَلَى هَذَا"، قَالَ مالك: والعسيف الأجير، وحذفها سائر الرواة. (عَلَى هَذَا) ضَمَّنَ عَلَى معنى "عند" بدليل رواية عمرو بن شعيب، وفي رواية محمّد بن يوسف: "عسيفاً فِي أهل هَذَا"، وكأن الرجل استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته منْ الأمور، فكان ذلك سببًا لما وقع له معها.

стр. 2267

(بِمَائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ) وفي رواية (بِمِائَةِ شَاةٍ، وَبِجَارِيةٍ لِي) وفي رواية سفيان: "بمائة شاة، وخادم"، والمراد بالخادم: الجارية المعدة للخدمة. (فَسَأَلَتُ أَهْلَ اَلْعِلْمِ) وفي رواية (فسألت رجالاً منْ أهل العلم) وفي رواية معمر (ثم أخبرني أهل العلم) وفي رواية عمرو بن شعيب (ثم سألت منْ يعلم) قَالَ الحافظ: لم أقف عَلَى أسمائهم، ولا عَلَى عددهم، ولا عَلَى اسم الخصمين، ولا الابن، ولا المرأة. (وَتَغْرِيبُ عَامٍ) أي: إبعاده عن وطنه. (عَلَيْكَ، وَعَلَى اِبْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هو محمول عَلَى أنه ﷺ عَلِم أن الابن كَانَ بكراً، وأنه اعترف بالزنا، ويحتمل أن يكون أضمر اعترافه، والتقدير: "وعلى ابنك إن اعترف"، والأول أليق، فإنه كَانَ فِي مقام الحكم، فلو كَانَ فِي مقام الإفتاء، لم يكن فيه إشكال؛ لأن التقدير: إن كَانَ زنى، وهو بكر، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه، وسكوته عما نسبه إليه، وأما العلم بكونه بكرا، فوقع صريحا منْ كلام أبيه، فِي رواية عمرو بن شعيب، ولفظه (كَانَ ابني أجيراً لامرأة هَذَا، وابني لم يحصن). (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى اِمْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) وفي رواية (فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها). (خذوا عني) أي: تلقوْا عني حكم حد الزنا. (خذوا عني) التكرار للتوكيد. (قد جعل الله لهن سبيلاً) الضمير يعود على النساء الزواني. (سبيلاً) السبيل: هو الخلاص من إمساكهن بالبيوت، وقد كانت الزانية تحبس في بيتها حتى تموت أو يجعل لها سبيلاً كما قال تعالى (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) فبيّن النبي ﷺ بهذا الحديث أن السبيل المراد بالآية: هو الحد الذي جاء بيانه بالنسبة للبكر وللثيب. (البكر بالبكر) أي: البكر يزني بالبكر. [البكر الشاب الذي لم ينكح والشابة التي لم تُنكح]. (جلد مائة) أي: عليهما جلد مائة.

стр. 2268

• عرف الزنا؟ هو فعل الفاحشة في قُبُل ودبر وزاد بعضهم: من آدمي. قوله (في قُبُل) المراد تغييب الحشفة أو قدرها، أي: تغييب الزاني حشفته، والحشفة: القسم المكشوف من رأس الذكر بعد الختان. قوله (ودبر) أي: تغييب الحشفة في دبر امرأة أجنبية، فإن هذا يعتبر زنا. قال ابن قدامة: والوطء في الدبر مثله - أي مثل الوطء في القبل - في كونه زنا. وهذا مذهب الجمهور (أي وطء المرأة في دبرها يعتبر زنا). قوله (من آدمي) احترازاً من غير الآدمي، بأن يطأ بهيمة فلا يعتبر زنا، لا لغة ولا شرعاً، ولا يجب فيه الحد، بل يعزر على القول الراجح، لأنه فعل محرماً مجمعاً عليه، فاستحق العقوبة. • ما حكم الزنا؟ حرام بالكتاب والسنة والإجماع. أ- قال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً). ب- وقال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً). ج- وعن ابن مسعود قال: (سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك). متفق عليه. (حليلة جارك: زوجة جارك). د- وقال ﷺ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). هـ- وقال ﷺ (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر). رواه مسلم قال القرطبي: وقد أجمع أهل الملل على تحريمه، فلم يحل في ملة قط، ولذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب، وهو من جملة الكليات الخمس، وهي حفظ النفس والدين والنسب والعقل والمال. وقال ابن القيم: ومن خاصيته أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس. ومن خاصيته أيضاً: أنه يشتت القلب، ويمرضه إن لم يمته، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك، ويقربه من الشيطان.

стр. 2269

• هل الزنا بعضه أشد من بعض؟ نعم، فالزنا بعضه أشد من بعض. فالزنا بالجارة أعظم من الزنا بالبعيدة: لحديث السابق ( … قال: أن تزني بحليلة جارك). ولحديث المقداد بن الأسود قال: قال ﷺ (لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره) رواه أحمد. قال النووي: حليلة جارك: أي تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحاً وأعظم جرماً، لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية القبح. والزنا بزوجات المجاهدين أعظم من غيرهن. عن بريدة. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ في أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلاَّ وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ فَمَا ظَنُّكُمْ) رواه مسلم. وزنا الشيخ الكبير أعظم من زنا الشاب. لقوله ﷺ (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر). رواه مسلم وقال ﷺ (أربعة يبغضهم الله: البياع الحلاف، والفقير المحتال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر) رواه النسائي. والزنا بالمحارم. قال ﷺ (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) رواه الترمذي. • ما حد الزاني؟ حد الزاني: إذا كان محصناً الرجم حتى الموت [وسيأتي بعد قليل من هو المحصن]. وإن كان غير محصن: جلد مائة جلدة، وغرّب عن وطنه عاماً. أ- لحديث الباب ( … وَعَلَى اِبْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى اِمْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا). ب- ولحديث عبادة (اَلْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْم). ج ولحديث عمر الآتي (أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ اَلْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْهِ آيَةُ اَلرَّجْمِ. قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ اَلرَّجْمَ فِي كِتَابِ اَللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اَللَّهُ، وَإِنَّ اَلرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اَللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنْ اَلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ اَلْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ اَلْحَبَلُ، أَوْ اَلِاعْتِرَافُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2270

د- ورجم النبي ﷺ ماعزاً – كما في حديث أبي هريرة الآتي (أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ: دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ أُحْصِنْت؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) متفق عليه. هـ- ورجم اليهوديين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: (إنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلاً زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ، فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ: فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ) متفق عليه. قال ابن القيم ﵀: الَّذِينَ رَجَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الزِّنَا مَضْبُوطُونَ مَعْدُودُونَ، وَقِصَصُهُمْ مَحْفُوظَةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَهُمْ: الْغَامِدِيَّةُ، وَمَاعِزٌ، وَصَاحِبَةُ الْعَسِيفِ، وَالْيَهُودِيَّان (الطرق الحكمية). • ما الحكمة من قتل الزاني المحصن بهذه الطريقة؟ قال العلامة ابن القيم ﵀: شرع في حق الزاني المحصن القتل بالحجارة: ليصل الألم إلى جميع بدنه حيث وصلت إليه اللذة بالحرام. ولأن تلك القتلة أشنع القتلات والداعي إلى الزنا داع قوي في الطباع، فجعلت غلظة هذه العقوبة في مقابلة قوة الداعي. ولأن في هذه العقوبة تذكيراً لعقوبة الله لقوم لوط بالرجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة. (الصلاة وحكم تاركها). • ما الدليل على أن الرجم خاص بالمحصن؟ قال ابن قدامة: الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم. أ- قال عمر (إن الرجم حق على من زنا وقد أحصن). ب- وقال ﷺ (لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث: … والزاني الثيب)، وفي رواية (أو زنا بعد إحصان).

стр. 2271

• من هو المحصن؟ الشروط التي يكون الإنسان فيها محصناً: الشرط الأول: الوطء في القبل. قال ابن قدامة: وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ). وَالثِّيَابَةُ تَحْصُلُ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ. (المغني). فلابد من الوطء في القبل، فلو وطئها في الدبر أو بين الفخذين فإنه لا يكون محصناً. قال في المغني: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ الْخَالِيَ عَنْ الْوَطْءِ، لَا يَحْصُلُ بِهِ إحْصَانٌ؛ سَوَاءٌ حَصَلَتْ فِيهِ خَلْوَةٌ، أَوْ وَطْءٌ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، أَوْ لَمْ يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ ثَيِّبًا، وَلَا تَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْأَبْكَارِ. الشرط الثاني: أَنْ يَكُونَ فِي نِكَاحٍ. لِأَنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى إحْصَانًا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ) يَعْنِي الْمُتَزَوِّجَاتِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ الزِّنَى، وَوَطْءَ الشُّبْهَةِ، لَا يَصِيرُ بِهِ الْوَاطِئُ مُحْصَنًا. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَلَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ. (المغني). الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً. احترازاً من النكاح الباطل. فلو تبين بعد أن تزوجها وجامعها أنها أخته من الرضاع، فإنه لا يكون محصناً، لأن النكاح غير صحيح. الشرط الرابع: أن يكون حراً. قال ابن قدامة: الحرية، وهي شرط في قول أهل العلم كلهم إلا أبا ثور. (المغني). فإذا تزوج وهو عبد رقيق ووطئ، ثم طلقها ثم أعتق ثم زنى، فإنه لا يكون محصناً، لأنه حين النكاح ليس حراً. خامساً: البلوغ، العقل. فلو وطئ وهو صغير أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصناً.

стр. 2272

• والراجح من أقوال أهل العلم أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان. فالذمي يحصن الذمية، وإذا تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين. وهذا مذهب الشافعي وأحمد، ورجحه ابن القيم. ويدل عليه حديث رجم النبي ﷺ لليهوديين كما سبق. • فلو عقد على امرأة وباشرها لكنه لم يجامعها، ثم زنى، فإنه لا يرجم، وهي لو زنت فإنها لا ترجم، إلا إذا كانت قد تزوجت من زوج قبله وحصل الجماع، فإنها ترجم. • لو تزوجها وهي صغيرة لم تبلغ وجامعها، ثم زنى فإنه لا يرجم، لأنه ليس بمحصن، لأنها لم تبلغ. • لو تزوج مجنونة وجامعها، ثم زنى، فإنه لا يرجم، لأنه ليس بمحصن. • هل يشترط أن تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات؟ اختلف العلماء على قولين: قيل: لا بد أن تكون متساوية. وهذا المذهب. فلو تزوج صغيرة أو مجنونة أو أمَة، فإنه لا يكون بذلك محصناً، لابد أن تكون المرأة مساوية له في هذه الصفات. وقيل: لا يشترط ذلك. • هل يشترط للإحصان الاستمرار؟ لا يشترط للإحصان استمرار. فلو أن رجلاً تزوج ثم بعد ذلك طلق، فإن زنى فإنه يعتبر محصناً. وكذلك لو أن امرأة مطلقة، فإنها تعتبر محصنة، فلو زنت فإنها ترجم. جاء في الموسوعة الفقهية (٢/ ٢٢٧) وَمِمَّا تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَقَاءُ النِّكَاحِ لِبَقَاءِ الْإِحْصَانِ، فَلَوْ نَكَحَ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً ثُمَّ طَلَّقَ وَبَقِيَ مُجَرَّدًا، وَزَنَى رُجِمَ " انتهى. وقال الشيخ سيد سابق ﵀: ولا يلزم بقاء الزواج لبقاء صفة الإحصان، فلو تزوج مرة زواجاً صحيحاً، ودخل بزوجته، ثم انتهت العلاقة الزوجية، ثم زنى وهو غير متزوج فإنه يرجم، وكذلك المرأة إذا تزوجت، ثم طلقت فرنت بعد طلاقها، فإنها تعتبر محصنة وترجم.

стр. 2273

• اختلف العلماء فيمن وجب عليه الرجم، هل يجلد أولاً أم لا؟ القول الأول: أن الزاني المحصن يرجم فقط ولا يجلد. وهذا مذهب جمهور العلماء. أ- لحديث الباب (فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر الجلد. ب- والنبي ﷺ رجم ماعزاً ولم يجلده. ج- ورجم الغامدية ولم يجلدها. د- ورجم اليهوديين ولم يجلدهما. هـ- ولأن الحد الأصغر ينطوي في الحد الأكبر، وذلك إنما وضع للزجر، فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم. القول الثاني: الجمع بين الجلد والرجم، فيجلد مائة ثم يرجم. وهذا القول مروي عن علي وابن عباس. أ- لحديث الباب - عبادة - (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). ب- ومن الأدلة: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَدَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةَ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والراجح القول الأول. وأما الجواب عن حديث عبادة: أنه منسوخ. فإن الأدلة التي بها الرجم فقط كلها متأخرة عن حديث عبادة، ويدل لذلك قوله ﷺ : (قد جعل الله لهن سبيلاً) فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في الزنا.

стр. 2274

قال الشنقيطي: وَأَقْرَبُهُمَا عِنْدِي: أَنَّهُ يُرْجَمُ فَقَطْ، وَلَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ لِأُمُورٍ: مِنْهَا: أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِنْهَا: أَنَّ رِوَايَاتِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّجْمِ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ، وَالْجُهَنِيَّةِ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْيَهُودِيِّيْنِ، كُلَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ بِلَا شَكٍّ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَقَدْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلٍّ مِنْهَا الْجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ مَعَ تَعَدُّدِ طُرُقِهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ الثَّابِتَ فِي الصَّحِيح (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)، تَصْرِيحٌ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ جَزَاءَ اعْتِرَافِهَا رَجْمُهَا، وَالَّذِي يُوجَدُ بِالشَّرْطِ هُوَ الْجَزَاءُ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الرَّجْمُ فَقَطْ. وَمِنْهَا: أَنَّ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِنَسْخِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ عَلَى أَدْنَى الِاحْتِمَالَاتِ لَا تَقِلُّ عَنْ شُبْهَةٍ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْخَطَأَ فِي تَرْكِ عُقُوبَةٍ لَازِمَةٍ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَأِ فِي عُقُوبَةٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُؤَيِّدُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالرَّجْمِ أَعْظَمُ الْعُقُوبَاتِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ عُقُوبَةٌ، فَلَا دَاعِيَ لِلْجَلْدِ مَعَهُ; لِانْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ فِي الْأَكْبَرِ. (أضواء البيان). • ما حد الزاني غير المحصن؟ حد الزاني الغير المحصن هو الجلد ١٠٠ جلدة والتغريب. أما الجلد فلا خلاف فيه. لقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ). وعليه تغريب عام بالنسبة للذكر. وهذا قول أكثر العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة. أ- لحديث الباب - عبادة - (البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة). ب- ولحديث أبي هريرة وزيد - حديث الباب - (وعلى ابنِك جلد مائة وتغريب عام). وذهب الحنفية إلى أن الزاني البكر لا يغرّب إلا إذا رأى الإمام. واستدلوا بالآية (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فقالوا: إن الحد هو الجلد ولم تذكر الآية التغريب. والراجح مذهب الجمهور.

стр. 2275

• هل تغرب المرأة إذا زنت وهي غير محصنة؟ اختلف العلماء على أقوال: القول الأول: تغرب مع محرمها. وهذا قول الشافعية والحنابلة. لعموم حديث عبادة السابق. قال النووي في شرحه لحديث عبادة السابق: وأما قوله ﷺ في البكر (ونفي سنة) ففيه حجة للشافعي والجماهير: أنه يجب نفيه سنة، رجلاً كان أو امرأة. القول الثاني: لا تغرب. وهذا قول المالكية. لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إلَى حِفْظٍ وَصِيَانَةٍ. وَلِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ التَّغْرِيبِ بِمَحْرَمٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، لَا يَجُوزُ التَّغْرِيبُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ). وَلِأَنَّ تَغْرِيبَهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ إغْرَاءٌ لَهَا بِالْفُجُورِ، وَتَضْيِيعٌ لَهَا، وَإِنْ غُرِّبَتْ بِمَحْرَمٍ، أَفْضَى إلَى تَغْرِيبِ مَنْ لَيْسَ بِزَانٍ، وَنَفْيِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِنْ كُلِّفَتْ أُجْرَتَهُ، فَفِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى عُقُوبَتِهَا بِمَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، كَمَا لَوْ زَادَ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ. وَالْخَبَرُ الْخَاصُّ فِي التَّغْرِيبِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الصَّحَابَةُ ﵃، وَالْعَامُّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِعُمُومِهِ مُخَالَفَةُ مَفْهُومِهِ، فَإِنَّهُ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الزَّانِي أَكْثَرُ مِنْ الْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَإِيجَابُ التَّغْرِيبِ عَلَى الْمَرْأَةِ يَلْزَمُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَفَوَاتُ حِكْمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ زَجْرًا عَنْ الزِّنَا، وَفِي تَغْرِيبِهَا إغْرَاءٌ بِهِ، وَتَمْكِينٌ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُخَصَّصُ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ بِإِسْقَاطِ الْجَلْدِ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، فَتَخْصِيصُهُ هَاهُنَا أَوْلَى. ورجح هذا القول ابن قدامة. القول الثالث: أن التغريب ليس من تمام الحد، وإنما هو عقوبة تعزيرية راجعة إلى رأي الإمام حسب المصلحة. والراجح إن وجد محرم متبرعاً بالسفر معها فإنها تغرب عملاً بأحاديث التغريب، وإن لم يوجد فلا تغرب عملاً بأحاديث النهي عن السفر بدون محْرَم.

стр. 2276

• ما فوائد التغريب؟ أولاً: أنه يبتعد عن محل الفاحشة لئلا تحدثه نفسه بالعودة إليها. ثانياً: أن التغريب يكون منشغل البال غير مطمئن. • ما حكم الزناة في أول الإسلام؟ قال الله تعالى في سورة النساء: (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً). قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ولهذا قال: "واللاتي يأتين الفاحشة" يعني الزنا "من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً. فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم. وكذا رُوِيَ عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة وهو أمر متفق عليه. وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: هذه أول عقوبات الزناة، وكان هذا في ابتداء الإسلام .. قاله ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد: وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه .. غير أن ذلك الحكم كان ممدوداً إلى غاية .. وهي قوله ﵇ في حديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .. وقد قال بعض العلماء: أن الأذى والتعيير باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع .. والله أعلم. • ما حكم من كرر الزنا عدة مرات؟ اتفق الفقهاء علي أن من زنا مرة وأقيم عليه الحد ثم زنا أخرى أنه يجب عليه حد آخر. واختلفوا فيما إذا تكرر منه الزنا ولم يقم عليه الحد، هل يقام حد واحد أو يقام عليه لكل مرة حد؟ والذي عليه جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة: أن من زنا مراراً ولم يقم عليه الحد فلا يجب عليه إلا حد واحد. قال ابن قدامة: قد أجمعوا أنه إذا تكرر الحد قبل إقامته أجزأ حد واحد. ومن المعقول: أن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد، لأن الغرض هنا من جنس واحد فوجب التداخل كالكفارات.

стр. 2277

• ما الحكم إذا أكرهت المرأة على الزنا؟ لا حد عليها. • ما الحكم إذا أكرِه الرجل على الزنا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: عليه الحد. وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد. قالوا: بأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار والإكراه ينافيه. القول الثاني: لا حد عليه. وهذا مذهب الشافعية. لعموم الأدلة التي ترفع الحرج عن المكرَه. وهذا أصح. جاء في (الموسوعة الفقهية) واختلف الفقهاء في حكم الرجل إذا أكره على الزنى: فذهب صاحبا أبي حنيفة، والمالكية في المختار والذي به الفتوى، والشافعية في الأظهر: إلى أنه لا حد على الرجل المكره على الزنى … لشبهة الإكراه. وذهب الأكثر من المالكية - وهو المشهور عندهم -، والحنابلة: إلى وجوب الحد على المكره، وذلك لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار الحادث بالاختيار. وفرق أبو حنيفة بين إكراه السلطان وإكراه غيره، فلا حد عليه في إكراه السلطان … والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين" انتهى بتصرف يسير. • بما خص الزنا من بين سائر الحدود؟ قال ابن القيم: وَخَصَّ سُبْحَانَهُ حَدَّ الزِّنَى مِنْ بَيْنِ الْحُدُودِ بِثَلَاثِ خَصَائِصَ: أَحَدُهَا: الْقَتْلُ فِيهِ بِأَشْنَعِ الْقَتَلَاتِ، وَحَيْثُ خَفَّفَهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْبَدَنِ بِالْجَلْدِ وَعَلَى الْقَلْبِ بِتَغْرِيبِهِ عَنْ وَطَنِهِ سَنَةً. الثَّانِي: أَنَّهُ نَهَى عِبَادَهُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ بِالزُّنَاةِ رَأْفَةٌ فِي دِينِهِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُهُمْ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ شَرَعَ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ؛ فَهُوَ أَرْحَمُ بِكُمْ، وَلَمْ تَمْنَعْهُ رَحْمَتُهُ مِنْ أَمْرِهِ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ أَنْتُمْ مَا يَقُومُ بِقُلُوبِكُمْ مِنَ الرَّأْفَةِ مِنْ إِقَامَةِ أَمْرِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُمَا بِمَشْهَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُمَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي مَصْلَحَةِ الْحَدِّ، وَالْحِكْمَةُ الزَّجْرُ، وَحَدُّ الزَّانِي الْمُحْصَنِ مُشْتَقٌّ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْمِ لُوطٍ بِالْقَذْفِ بِالْحِجَارَةِ، وَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ فِي الْفُحْشِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَسَادٌ يُنَاقِضُ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِه. قال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) مع أن ذلك مشروع في سائر الحدود؟ قال ابن القيم: وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ - وَلَكِنْ ذُكِرَ فِي حَدِّ الزِّنَى خَاصَّةً لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَجِدُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلْظَةِ وَالْقَسْوَةِ عَلَى الزَّانِي مَا يَجِدُونَهُ عَلَى السَّارِقِ وَالْقَاذِفِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ، فَقُلُوبُهُمْ تَرْحَمُ الزَّانِيَ أَكْثَرَ مِمَّا تَرْحَمُ غَيْرَهُ مِنْ أَرْبَابِ الْجَرَائِمِ، وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، فَنُهُوا أَنْ تَأْخُذَهُمْ هَذِهِ الرَّأْفَةُ وَتَحْمِلَهُمْ عَلَى تَعْطِيلِ حَدِّ اللَّهِ.

стр. 2278

وَسَبَبُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ: أَنَّ هَذَا ذَنْبٌ يَقَعُ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالْأَوْسَاطِ وَالْأَرَاذِلِ، وَفِي النُّفُوسِ أَقْوَى الدَّوَاعِي إِلَيْهِ، وَالْمُشَارِكُ فِيهِ كَثِيرٌ، وَأَكْثَرُ أَسْبَابِهِ الْعِشْقُ، وَالْقُلُوبُ مَجْبُولَةٌ إِلَى رَحْمَةِ الْعَاشِقِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعُدُّ مُسَاعَدَتَهُ طَاعَةً وَقُرْبَةً، وَإِنْ كَانَتِ الصُّورَةُ الْمَعْشُوقَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، وَلَا يَسْتَنْكِرُ هَذَا الْأَمْرَ، فَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَشْبَاهِ الْأَنْعَامِ، وَلَقَدْ حَكَى لَنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا نُقَّاصُ الْعُقُولِ كَالْخُدَّامِ وَالنِّسَاءِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا ذَنْبٌ غَالِبًا مَا يَقَعُ مَعَ التَّرَاضِي مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ وَالِاغْتِصَابِ مَا تَنْفُرُ النُّفُوسُ مِنْهُ وَفِي النُّفُوسِ شَهْوَةٌ غَالِبَةٌ لَهُ فَيُصَوِّرُ ذَلِكَ لَهَا، فَتَقُومُ بِهَا رَحْمَةٌ تَمْنَعُ إِقَامَةَ الْحَدِّ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَكَمَالُ الْإِيمَانِ أَنْ تَقُومَ بِهِ قُوَّةٌ يُقِيمُ بِهَا أَمْرَ اللَّهِ، وَرَحْمَةٌ يَرْحَمُ بِهَا الْمَحْدُودَ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرَبِّهِ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ. (الجواب الكافي). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - الرجوع إلى كتاب لله نصاً أو استنباطاً. - جواز القسم عَلَى الأمر لتأكيده، والحلف بغير استحلاف. - أنه استدل به عَلَى أن حضور الإِمام الرجم ليس شرطاً، وسيأتي الكلام على المسألة إن شاء الله. - أن فيه تركَ الجمع بين الجلد والتغريب. - أن فيه الاكتفاءَ بالاعتراف بالمرة الواحدة؛ لأنه لم يُنقل أن المرأة تكرر اعترافها، وسيأتي بحث المسألة إن شاء الله. والاكتفاء بالرجم منْ غير جلد؛ لأنه لم يُنقل فِي قصتها أيضاً. - حسن خلق النبيّ ﷺ وحلمه عَلَى منْ يخاطبه بما الأَوْلَى خلافه، وأن منْ تأسى به منْ الحكام فِي ذلك يحمد، كمن لا ينزعج لقول الخصم مثلاً: احكم بيننا بالحق. - استحباب استئذان المدعي، والمستفتي الحاكم، والعالم فِي الكلام، ويتأكد ذلك إذا ظن أن له عذراً. - أن منْ أقر بالحد، وجب عَلَى الإِمام إقامته عليه، ولو لم يعترف مشاركه فِي ذلك. - أن السائل يذكر كل ما وقع فِي القصة؛ لاحتمال أن يَفهَم المفتي، أو الحاكم منْ ذلك، ما يَستدل به عَلَى خصوص الحكم فِي المسألة؛ لقول السائل (إن ابني كَانَ عسيفاً عَلَى هَذَا) وهو إنما جاء يسأل عن حكم الزنا، والسر فِي ذلك أنه أراد أن يقيم لابنه معذرةً مّا، وأنه لم يكن مشهورا بالعَهْر، ولم يَهجُم عَلَى المرأة مثلاً، ولا استكرهها، وإنما وقع له ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس، والإدلال، فيستفاد منه الحثّ عَلَى إبعاد الأجنبي منْ الأجنبية، مهما أمكن؛ لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد، ويتسور بها الشيطان إلى الإفساد. - أن الحد لا يَقبل الفداء، وهو مجمع عليه فِي الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر، واختُلف فِي القذف، والصحيح أنه كغيره، وإنما يجري الفداء فِي البدن، كالقصاص فِي النفس والأطراف. - جواز الاستنابة فِي إقامة الحد. - أن حال الزانيين إذا اختلفا، أقيم عَلَى كل واحد حده؛ لأن العسيف جُلِدَ، والمرأة رُجمت.

стр. 2279

١٢٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (أَتَى رَجُلٌ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ- فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ. دَعَاهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ "أَبِكَ جُنُونٌ؟ " قَالَ. لَا. قَالَ: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اِذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٢٠٨ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْت؟ " قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اَللَّهِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === (أَتَى رَجُلٌ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وفي رواية (إن رجلاً من أسلم)، وفي حديث جابر بن سمرة (رأيت ماعز بن مالك الأسلمي). (وَهُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ) جملة حالية، أي: والحال أنه ﷺ جالس في المسجد النبوي. (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) أي: حول النبي ﷺ وجهه إلى جهة أخرى، كراهية لما قاله. (حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) أي: كرر، وفي رواية (حتى ردد). (فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) وفي رواية (أربع مرات) وفي حديث بريدة (حتى إذا كانت الرابعة قال: فيم أطهرك؟) وفي حديث جابر بن سمرة (فشهد على نفسه أربع شهادات). • بما يثبت الزنا؟ أولاً: بالإقرار والاعتراف. ثانياً: بالبينة. • اذكر الدليل على أن الاعتراف يثبت به الزنا؟ قوله ﷺ في الحديث المتقدم- ( … وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ). • هل يشترط أن يقر أربع مرات أم يكفي مرة واحدة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا بد أن يقر أربع مرات. وهذا مذهب الحنابلة. لحديث الباب؛ حديث ماعز. وجه الدلالة: النبي ﷺ لم يقم عليه الحد حتى شهد أربع مرات.

стр. 2280

القول الثاني: يثبت الزنا بإقراره مرة واحدة، ولا يشترط التكرار أربعاً. وهذا مذهب مالك، والشافعي، ورجحه الشوكاني. أ-لحديث (واغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر تكراراً. ب- وأن النبي ﷺ رجم اليهوديين، ولم ينقل أن النبي ﷺ كرر عليهما الإقرار. ج- والنبي ﷺ رجم امرأة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة. رواه مسلم قالوا: فلو كان تربيع الإقرار شرطاً لما تركه النبي ﷺ في مثل هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم. وأجاب هؤلاء عن حديث الباب: قال الشوكاني: وظاهر السياقات مشعر بأن النبي ﷺ إنما فعل ذلك في قصة جابر لقصد التثبت، كما يشعر بذلك قوله: (أبك جنون) ثم بسؤاله بعد ذلك لقومه، فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبساً في ثبوت العقل واختلاله والصحو والسكر ونحو ذلك، وإقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من كان معروفاً بصحة العقل وسلامة إقراره عن المبطلات. • هل يشترط أن يصرح بذكْر حقيقة الوطء؟ نعم يشترط. أ- فإن النبي ﷺ قال لماعز (أنكْتَها؟ قال: نعم، قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب الميل في المكحلة أو الرِّشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً). وفي حديث ابن عباس: (فقال: أنكتها؟ قال: نعم، قال: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهرني، فأمر به فرجم). ب- التعليل: لأنه ربما يظن ما ليس بزنا زناً موجباً للحد، فاشترط فيه التصريح. • ما الأمر الثاني الذي يثبت به الزنا؟ البينة، وهو شهادة أربعة رجال. فالشهود لا بد أن يكونوا أربع رجال يشهدون بأنهم رأوا الزنا نفسه، ولا تقبل شهادة النساء. قال تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ).
следующие страницы →