Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
• ما فوائد التغريب؟
أولاً: أنه يبتعد عن محل الفاحشة لئلا تحدثه نفسه بالعودة إليها.
ثانياً: أن التغريب يكون منشغل البال غير مطمئن.
• ما حكم الزناة في أول الإسلام؟
قال الله تعالى في سورة النساء: (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ولهذا قال: "واللاتي يأتين الفاحشة" يعني الزنا "من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً.
فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك.
قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم.
وكذا رُوِيَ عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة وهو أمر متفق عليه.
وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: هذه أول عقوبات الزناة، وكان هذا في ابتداء الإسلام .. قاله ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد: وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه .. غير أن ذلك الحكم كان ممدوداً إلى غاية .. وهي قوله ﵇ في حديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .. وقد قال بعض العلماء: أن الأذى والتعيير باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع .. والله أعلم.
• ما حكم من كرر الزنا عدة مرات؟
اتفق الفقهاء علي أن من زنا مرة وأقيم عليه الحد ثم زنا أخرى أنه يجب عليه حد آخر.
واختلفوا فيما إذا تكرر منه الزنا ولم يقم عليه الحد، هل يقام حد واحد أو يقام عليه لكل مرة حد؟
والذي عليه جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة: أن من زنا مراراً ولم يقم عليه الحد فلا يجب عليه إلا حد واحد.
قال ابن قدامة: قد أجمعوا أنه إذا تكرر الحد قبل إقامته أجزأ حد واحد.
ومن المعقول: أن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد، لأن الغرض هنا من جنس واحد فوجب التداخل كالكفارات.
стр. 2277
• ما الحكم إذا أكرهت المرأة على الزنا؟
لا حد عليها.
• ما الحكم إذا أكرِه الرجل على الزنا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: عليه الحد.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد.
قالوا: بأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار والإكراه ينافيه.
القول الثاني: لا حد عليه.
وهذا مذهب الشافعية.
لعموم الأدلة التي ترفع الحرج عن المكرَه.
وهذا أصح.
جاء في (الموسوعة الفقهية) واختلف الفقهاء في حكم الرجل إذا أكره على الزنى: فذهب صاحبا أبي حنيفة، والمالكية في المختار والذي به الفتوى، والشافعية في الأظهر: إلى أنه لا حد على الرجل المكره على الزنى … لشبهة الإكراه.
وذهب الأكثر من المالكية - وهو المشهور عندهم -، والحنابلة: إلى وجوب الحد على المكره، وذلك لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار الحادث بالاختيار.
وفرق أبو حنيفة بين إكراه السلطان وإكراه غيره، فلا حد عليه في إكراه السلطان … والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين" انتهى بتصرف يسير.
• بما خص الزنا من بين سائر الحدود؟
قال ابن القيم: وَخَصَّ سُبْحَانَهُ حَدَّ الزِّنَى مِنْ بَيْنِ الْحُدُودِ بِثَلَاثِ خَصَائِصَ:
أَحَدُهَا: الْقَتْلُ فِيهِ بِأَشْنَعِ الْقَتَلَاتِ، وَحَيْثُ خَفَّفَهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْبَدَنِ بِالْجَلْدِ وَعَلَى الْقَلْبِ بِتَغْرِيبِهِ عَنْ وَطَنِهِ سَنَةً.
الثَّانِي: أَنَّهُ نَهَى عِبَادَهُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ بِالزُّنَاةِ رَأْفَةٌ فِي دِينِهِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُهُمْ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ شَرَعَ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ؛ فَهُوَ أَرْحَمُ بِكُمْ، وَلَمْ تَمْنَعْهُ رَحْمَتُهُ مِنْ أَمْرِهِ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ أَنْتُمْ مَا يَقُومُ بِقُلُوبِكُمْ مِنَ الرَّأْفَةِ مِنْ إِقَامَةِ أَمْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُمَا بِمَشْهَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُمَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي مَصْلَحَةِ الْحَدِّ، وَالْحِكْمَةُ الزَّجْرُ، وَحَدُّ الزَّانِي الْمُحْصَنِ مُشْتَقٌّ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْمِ لُوطٍ بِالْقَذْفِ بِالْحِجَارَةِ، وَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ فِي الْفُحْشِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَسَادٌ يُنَاقِضُ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِه.
قال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) مع أن ذلك مشروع في سائر الحدود؟
قال ابن القيم: وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ - وَلَكِنْ ذُكِرَ فِي حَدِّ الزِّنَى خَاصَّةً لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَجِدُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلْظَةِ وَالْقَسْوَةِ عَلَى الزَّانِي مَا يَجِدُونَهُ عَلَى السَّارِقِ وَالْقَاذِفِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ، فَقُلُوبُهُمْ تَرْحَمُ الزَّانِيَ أَكْثَرَ مِمَّا تَرْحَمُ غَيْرَهُ مِنْ أَرْبَابِ الْجَرَائِمِ، وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، فَنُهُوا أَنْ تَأْخُذَهُمْ هَذِهِ الرَّأْفَةُ وَتَحْمِلَهُمْ عَلَى تَعْطِيلِ حَدِّ اللَّهِ.
стр. 2278
وَسَبَبُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ: أَنَّ هَذَا ذَنْبٌ يَقَعُ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالْأَوْسَاطِ وَالْأَرَاذِلِ، وَفِي النُّفُوسِ أَقْوَى الدَّوَاعِي إِلَيْهِ، وَالْمُشَارِكُ فِيهِ كَثِيرٌ، وَأَكْثَرُ أَسْبَابِهِ الْعِشْقُ، وَالْقُلُوبُ مَجْبُولَةٌ إِلَى رَحْمَةِ الْعَاشِقِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعُدُّ مُسَاعَدَتَهُ طَاعَةً وَقُرْبَةً، وَإِنْ كَانَتِ الصُّورَةُ الْمَعْشُوقَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، وَلَا يَسْتَنْكِرُ هَذَا الْأَمْرَ، فَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَشْبَاهِ الْأَنْعَامِ، وَلَقَدْ حَكَى لَنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا نُقَّاصُ الْعُقُولِ كَالْخُدَّامِ وَالنِّسَاءِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا ذَنْبٌ غَالِبًا مَا يَقَعُ مَعَ التَّرَاضِي مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ وَالِاغْتِصَابِ مَا تَنْفُرُ النُّفُوسُ مِنْهُ
وَفِي النُّفُوسِ شَهْوَةٌ غَالِبَةٌ لَهُ فَيُصَوِّرُ ذَلِكَ لَهَا، فَتَقُومُ بِهَا رَحْمَةٌ تَمْنَعُ إِقَامَةَ الْحَدِّ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَكَمَالُ الْإِيمَانِ أَنْ تَقُومَ بِهِ قُوَّةٌ يُقِيمُ بِهَا أَمْرَ اللَّهِ، وَرَحْمَةٌ يَرْحَمُ بِهَا الْمَحْدُودَ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرَبِّهِ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ. (الجواب الكافي).
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الرجوع إلى كتاب لله نصاً أو استنباطاً.
- جواز القسم عَلَى الأمر لتأكيده، والحلف بغير استحلاف.
- أنه استدل به عَلَى أن حضور الإِمام الرجم ليس شرطاً، وسيأتي الكلام على المسألة إن شاء الله.
- أن فيه تركَ الجمع بين الجلد والتغريب.
- أن فيه الاكتفاءَ بالاعتراف بالمرة الواحدة؛ لأنه لم يُنقل أن المرأة تكرر اعترافها، وسيأتي بحث المسألة إن شاء الله.
والاكتفاء بالرجم منْ غير جلد؛ لأنه لم يُنقل فِي قصتها أيضاً.
- حسن خلق النبيّ ﷺ وحلمه عَلَى منْ يخاطبه بما الأَوْلَى خلافه، وأن منْ تأسى به منْ الحكام فِي ذلك يحمد، كمن لا ينزعج لقول الخصم مثلاً: احكم بيننا بالحق.
- استحباب استئذان المدعي، والمستفتي الحاكم، والعالم فِي الكلام، ويتأكد ذلك إذا ظن أن له عذراً.
- أن منْ أقر بالحد، وجب عَلَى الإِمام إقامته عليه، ولو لم يعترف مشاركه فِي ذلك.
- أن السائل يذكر كل ما وقع فِي القصة؛ لاحتمال أن يَفهَم المفتي، أو الحاكم منْ ذلك، ما يَستدل به عَلَى خصوص الحكم فِي المسألة؛ لقول السائل (إن ابني كَانَ عسيفاً عَلَى هَذَا) وهو إنما جاء يسأل عن حكم الزنا، والسر فِي ذلك أنه أراد أن يقيم لابنه معذرةً مّا، وأنه لم يكن مشهورا بالعَهْر، ولم يَهجُم عَلَى المرأة مثلاً، ولا استكرهها، وإنما وقع له ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس، والإدلال، فيستفاد منه الحثّ عَلَى إبعاد الأجنبي منْ الأجنبية، مهما أمكن؛ لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد، ويتسور بها الشيطان إلى الإفساد.
- أن الحد لا يَقبل الفداء، وهو مجمع عليه فِي الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر، واختُلف فِي القذف، والصحيح أنه كغيره، وإنما يجري الفداء فِي البدن، كالقصاص فِي النفس والأطراف.
- جواز الاستنابة فِي إقامة الحد.
- أن حال الزانيين إذا اختلفا، أقيم عَلَى كل واحد حده؛ لأن العسيف جُلِدَ، والمرأة رُجمت.
стр. 2279
١٢٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (أَتَى رَجُلٌ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ- فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ. دَعَاهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ "أَبِكَ جُنُونٌ؟ " قَالَ. لَا. قَالَ: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اِذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٢٠٨ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْت؟ " قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اَللَّهِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(أَتَى رَجُلٌ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وفي رواية (إن رجلاً من أسلم)، وفي حديث جابر بن سمرة (رأيت ماعز بن مالك الأسلمي).
(وَهُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ) جملة حالية، أي: والحال أنه ﷺ جالس في المسجد النبوي.
(فَأَعْرَضَ عَنْهُ) أي: حول النبي ﷺ وجهه إلى جهة أخرى، كراهية لما قاله.
(حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) أي: كرر، وفي رواية (حتى ردد).
(فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) وفي رواية (أربع مرات) وفي حديث بريدة (حتى إذا كانت الرابعة قال: فيم أطهرك؟) وفي حديث جابر بن سمرة (فشهد على نفسه أربع شهادات).
• بما يثبت الزنا؟
أولاً: بالإقرار والاعتراف.
ثانياً: بالبينة.
• اذكر الدليل على أن الاعتراف يثبت به الزنا؟
قوله ﷺ في الحديث المتقدم- ( … وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ).
• هل يشترط أن يقر أربع مرات أم يكفي مرة واحدة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا بد أن يقر أربع مرات.
وهذا مذهب الحنابلة.
لحديث الباب؛ حديث ماعز.
وجه الدلالة: النبي ﷺ لم يقم عليه الحد حتى شهد أربع مرات.
стр. 2280
القول الثاني: يثبت الزنا بإقراره مرة واحدة، ولا يشترط التكرار أربعاً.
وهذا مذهب مالك، والشافعي، ورجحه الشوكاني.
أ-لحديث (واغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر تكراراً.
ب- وأن النبي ﷺ رجم اليهوديين، ولم ينقل أن النبي ﷺ كرر عليهما الإقرار.
ج- والنبي ﷺ رجم امرأة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة. رواه مسلم
قالوا: فلو كان تربيع الإقرار شرطاً لما تركه النبي ﷺ في مثل هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم.
وأجاب هؤلاء عن حديث الباب:
قال الشوكاني: وظاهر السياقات مشعر بأن النبي ﷺ إنما فعل ذلك في قصة جابر لقصد التثبت، كما يشعر بذلك قوله: (أبك جنون) ثم بسؤاله بعد ذلك لقومه، فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبساً في ثبوت العقل واختلاله والصحو والسكر ونحو ذلك، وإقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من كان معروفاً بصحة العقل وسلامة إقراره عن المبطلات.
• هل يشترط أن يصرح بذكْر حقيقة الوطء؟
نعم يشترط.
أ- فإن النبي ﷺ قال لماعز (أنكْتَها؟ قال: نعم، قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب الميل في المكحلة أو الرِّشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً).
وفي حديث ابن عباس: (فقال: أنكتها؟ قال: نعم، قال: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهرني، فأمر به فرجم).
ب- التعليل: لأنه ربما يظن ما ليس بزنا زناً موجباً للحد، فاشترط فيه التصريح.
• ما الأمر الثاني الذي يثبت به الزنا؟
البينة، وهو شهادة أربعة رجال.
فالشهود لا بد أن يكونوا أربع رجال يشهدون بأنهم رأوا الزنا نفسه، ولا تقبل شهادة النساء.
قال تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ).
стр. 2281
• ماذا يشترط في هؤلاء الشهود؟
يشترط:
أولاً: أن يكونوا عدولاً.
قال ابن قدامة: فلا خلاف في اشتراطها.
ثانياً: وأن يكونوا أحراراً.
فلا تقبل شهادة العبد، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافاً.
- وهل يشترط أن يكون مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد؟
المذهب: يشترط أن يكون في مجلس واحد دون الحضور، وقيل: لا يشترط، لأن النصوص عامة.
- ويشترط: أن يصرحوا بشهادتهم، فيصرحون بالزنا فيقولون: رأينا ذكره في فرجها، فلو قالوا: رأيناه عليها متجردين فلا يقبل.
فوائد عامة:
• اختلف العلماء هل يحفر للمرجوم أم لا؟ على أقوال:
القول الأول: أنه يحفر له.
فقد جاء في رواية لمسلم من حديث بريدة: (فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم).
فذهب بعض العلماء إلى أنه يحفر للمرجوم لهذه الرواية.
القول الثاني: أنه لا يحفر له.
لحديث اليهوديين حيث لم يحفر لهما.
ولحديث: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر حفراً، وهذا يدل على عدم الحفر.
القول الثالث: يحفر للمرأة دون الرجل.
والراجح القول الثاني، وهو أنه لا يحفر للمرجوم.
وأما رواية: (فحفر له) في قصة ماعز، فأكثر الروايات في قصة ماعز على عدم الحفر، ومن ثَمّ حكم بعض العلماء على هذه الرواية بالشذوذ.
стр. 2282
• اختلف العلماء: هل المقر بالزنا إذا رجع عن إقراره يقبل أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن المقر بالزنا إذا رجع، فإنه يقبل رجوعه ولا يقام عليه الحد.
وهذا قول أكثر العلماء.
لأن النبي ﷺ قال كما عند أبي داود: (هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه).
فقالوا: هذا دليل على جواز رجوع المقر، وأنه إذا رجع في إقراره حرم إقامة الحد عليه.
القول الثاني: لا يقبل الرجوع عن الإقرار.
وهذا مذهب الظاهرية.
قالوا: لأن الرسول ﷺ قال لأنيس: (واغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يقل ما لم ترجع.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: وأما قولكم إن ماعزاً رجع عن إقراره، فإن ماعزاً لم يرجع عن إقراره أبداً، وهربه لا يدل على رجوعه إطلاقاً، نعم ماعز هروبه قد يكون عن طلب إقامة الحد عليه، فهو في الأول يريد أن يقام عليه الحد، وفي الثاني أراد أن لا يقام عليه الحد وتكون التوبة بينه وبين الله، ولهذا قال: (ألا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) فدل هذا على أن حكم الإقرار باقي، فنحن نقول إن قصة ماعز ما فيها دليل إطلاقاً على رجوع الإقرار، ولكن فيها دليل على أنه رجع عن إقامة طلب الحد عليه، ولهذا إذا جاءنا رجل يقر بأنه زنى ويطلب إقامة الحد، ولما هيأنا الآلة لنقيم عليه الحد وآتينا بالحصى لأجل أن نرجمه، فلما نظر إلى الحصى قال: دعوني أتوب إلى الله، ما ذا نقول له؟ يجب أن ندعه يتوب إلى الله، لأن الرسول ﷺ قال: (هلاّ تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) حينئذٍ ندعه يتوب فيتوب الله عليه.
وأما لو قال: إنه ما زنى، فلا يقبل، لأن هذا الرجل يريد أن يدفع عن نفسه وصفاً ثبت عليه بإقراره.
- والحد الذي ثبت بالإقرار: فإنه لا يجب على الحاكم أن يبادر إليه؛ بل يستحب له أن يُعَرِّض للمقر ليرجع عن إقراره، فإن أصر المقر على إقراره، أقام الإمام عليه الحد.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى عن قصة ماعز: فتضمنت هذه الأقضية رجم الثيب …
وأن الإمام يستحب له أن يعرض للمقر بأن لا يقر.
قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
وقد ذكر بعض العلماء أنه يستحب للإمام أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالإقرار التعريض له بالرجوع، كما روي عن النبي ﷺ أنه أعرض عن ماعز حين أقر عنده، ثم جاء من الناحية الأخرى فأعرض عنه، حتى تم إقراره أربعاً. ثم قال: (لعلك لمست). وفي "المغني" لابن قدامة (١٢/ ٤٦٦): قال الإمام أحمد: لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره، وهذا قول عامة الفقهاء" انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (١٢/ ٤٦٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"إذَا جَاءَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَاعْتَرَفَ وَجَاءَ تَائِبًا فَهَذَا لَا يَجِبُ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ الإمام أَحْمَد، نَصَّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهَا الْقَاضِي بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَحَدِيثُ الَّذِي قَالَ: (أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ … إلخ الحديث) يَدْخُلُ فِي هَذَا، لِأَنَّهُ جَاءَ تَائِبًا.
стр. 2283
١٢٠٩ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ ﵁ (أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ اَلْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْهِ آيَةُ اَلرَّجْمِ. قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ اَلرَّجْمَ فِي كِتَابِ اَللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اَللَّهُ، وَإِنَّ اَلرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اَللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنْ اَلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ اَلْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ اَلْحَبَلُ، أَوْ اَلِاعْتِرَافُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ) قدم عمر هذا الكلام قبل ما أراد أن يقوله توطئة له، ليتيقظ السامع لما يقول.
(وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ اَلْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْهِ آيَةُ اَلرَّجْمِ) وهي كما ذكره بعض العلماء (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة).
(قَرَأْنَاهَا) أي: تلوناها.
(وَوَعَيْنَاهَا) أي: حفظناها.
(وَعَقَلْنَاهَا) أي: تدبرناها.
(وَإِنَّ اَلرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اَللَّهِ) أي: في قوله تعالى (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) فبيّن النبي أن المراد به رجم الثيب وجلد البكر. قاله في الفتح.
(إِذَا قَامَتْ اَلْبَيِّنَةُ) قال القرطبي: يعني بالبينة، الأربعة الشهداء العدول.
(أَوْ كَانَ اَلْحَبَلُ) أي: وجدت المرأة الخلية من زوج أو سيد حبلى، ولم تذكر شبهة ولا إكراهاً.
أَوْ اَلِاعْتِرَافُ) أي: الإقرار بالزنا.
• هل يقام الحد بالقرينة الظاهرة (الحمل)؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إقامة حد الزنا بالحبل بشرط أن لا تدع شبهة موجبة لدرء الحد كدعوى أنها مكرهة.
وهذا قول عمر، وهو مذهب مالك.
لقول عمر (وَإِنَّ اَلرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اَللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنْ اَلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ اَلْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ اَلْحَبَلُ).
فجعل عمر مجرد وجود الحمل موجباً لإقامة حد الزنا كإيجابه بالبينة أو الاعتراف.
قال ابن القيم: وقد حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة معه برجم المرأة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد.
ولأن وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنا أظهر من دلالة البينة، وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر.
القول الثاني: أنها لا تحد بمجرد الحبل.
وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، ورجحه الشوكاني.
لحديث (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً) رواه ابن ماجه.
قالوا: والشبهة هنا متحققة من وجوه متعددة:
فيحتمل أنه من وطء إكراه، والمستكرهة لا حد عليها.
ويحتمل أنه من وطء رجل واقعها في نوم وهي ثقيلة النوم.
ويحتمل أنه من وطء شبهة.
ويحتمل أنه حصل الحبل بإدخال ماء الرجل في فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها.
والراجح القول الأول.
стр. 2284
١٢١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا اَلْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا اَلْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ اَلثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
١٢١١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَقِيمُوا اَلْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
===
(إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ) الأمَة هي المملوكة.
(فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا) أي: ظهر، قال النووي: معنى تبيّن زناها: تحققه، إما بالبينة، وإما برؤية.
(فَلْيَجْلِدْهَا اَلْحَدَّ) الواجب عليها.
(وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) التثريب: التوبيخ واللوم.
(فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) أي: ولو كان البيع بثمن قليل، كالحبل من الشعر.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: وجوب إقامة الحد على الأمة إذا زنت.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى وُجُوب حَدّ الزِّنَا عَلَى الْإِمَاء وَالْعَبِيد.
• كم حد الأمة إذا زنت؟
(٥٠) جلدة سواء كانت بكراً أو محصنة.
قال تعالى (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ).
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ خَمْسُونَ جَلْدَةً بِكْرَيْنِ كَانَا أَوْ ثَيِّبَيْنِ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَالْعَنْبَرِي.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ، فَالتَّنْصِيصُ عَلَى أَحَدِهِمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ) ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ، ثُمَّ إنَّ الْمَنْطُوقَ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. (المغني).
وقال النووي: وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَبْد وَالْأَمَة لَا يُرْجَمَانِ، سَوَاء كَانَا مُزَوَّجَيْنِ أَمْ لَا، لِقَوْله ﷺ (فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدّ) وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن مُزَوَّجَة وَغَيْرهَا.
وقال الشنقيطي: … أَمَّا إِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَإِنَّهَا تُجْلَدُ نِصْفَ الْمِائَةِ وَهُوَ خَمْسُونَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ هُنَا: الْحَرَائِرُ وَالْعَذَابُ الْجَلْدُ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحُرَّةِ الزَّانِيَةِ: مِائَةُ جَلْدَةٍ وَالْأَمَةُ عَلَيْهَا نِصْفُهُ بِنَصِّ آيَةِ «النِّسَاءِ» هَذِهِ، وَهُوَ خَمْسُونَ; فَآيَةُ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّانِيَةِ الْأُنْثَى.
стр. 2285
وَعُمُومُ الزَّانِي فِي آيَةِ «النُّورِ» هَذِهِ، مُخَصَّصٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَيْضًا مَرَّةً أُخْرَى، بِكَوْنِ جَلْدِ الْمِائَةِ خَاصًّا بِالزَّانِي الْحُرِّ، أَمَّا الزَّانِي الذَّكَرُ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ نِصْفَ الْمِائَةِ، وَهُوَ الْخَمْسُونَ.
وَوَجْهُ هَذَا التَّخْصِيصِ: إِلْحَاقُ الْعَبْدِ بِالْأَمَةِ فِي تَشْطِيرِ حَدِّ الزِّنَى بِالرِّقِّ; لِأَنَّ مَنَاطَ التَّشْطِيرِ الرِّقُّ بِلَا شَكٍّ; لِأَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحُدُودِ وَصْفَانِ طَرْدِيَّانِ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا حُكْمٌ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آيَةِ «النِّسَاءِ» فِي الْإِمَاءِ: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، أَنَّ الرِّقَّ مَنَاطُ تَشْطِيرِ حَدِّ الزِّنَى، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي الْحُدُود.
• هل تغرب الأمة؟
لا تغرب.
قال ابن قدامة: وَلَا تَغْرِيبَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا أَمَةٍ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ) وَحَدَّ ابْنُ عُمَرَ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَنَفَاهَا إلَى فَدَكَ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ (الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ).
أ- وَلَنَا، الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي حُجَّتِنَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَغْرِيبًا، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ.
ب- وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ، مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ؛ فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ غَرَّبَهَا.
وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّهَا حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّ الْعَذَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ مِائَةُ جَلْدَةٍ لَا غَيْرُ، فَيَنْصَرِفُ التَّنْصِيفُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى تَنْصِيفِ الرَّجْمِ.
стр. 2286
ج- وَلِأَنَّ التَّغْرِيبَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ عُقُوبَةٌ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ، فَلَمْ يَجِبْ فِي الزِّنَى، كَالتَّغْرِيمِ، بَيَانُ ذَلِكَ، أَنَّ الْعَبْدَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَغْرِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُتْرِفُهُ بِتَغْرِيبِهِ مِنْ الْخِدْمَةِ، وَيَتَضَرَّرُ سَيِّدُهُ بِتَفْوِيتِ خِدْمَتِهِ، وَالْخَطَرِ بِخُرُوجِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، وَالْكُلْفَةِ فِي حِفْظِهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مَعَ بُعْدِهِ عَنْهُ، فَيَصِيرُ الْحَدُّ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ غَيْرِ الزَّانِي، وَالضَّرَرُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي.
• من يقيم حد الجلد على الرقيق؟
يقيمه سيده.
لحديث الباب.
قال النووي: وَفِي الحديث: أَنَّ السَّيِّد يُقِيم الْحَدّ عَلَى عَبْده وَأَمَته، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ﵁ فِي طَائِفَة: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي الدَّلَالَة لِلْجُمْهُورِ.
قال ابن قدامة: وَلِلسَّيِّدِ إقَامَةُ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْحُدُودَ إلَى السُّلْطَانِ.
وَلِأَنَّ مِنْ لَا يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْحُرِّ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الْعَبْدِ، كَالصَّبِيِّ.
وَلِأَنَّهُ حَدٌّ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَيُفَوَّضُ إلَى الْإِمَام.
ثم قال ابن قدامة: وَلَنَا ثم ذكر أحاديث الباب ثم قال:
وَلِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ أَمَتِهِ وَتَزْوِيجَهَا، فَمَلَكَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهَا، كَالسُّلْطَانِ، وَفَارَقَ الصَّبِيَّ. (المغني).
• هل للسيد أن يقيم حد القتل والسرقة على عبده؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين والجمهور على عدم جواز ذلك.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْقَتْلُ فِي الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ، فَلَا يَمْلِكُهَا إلَّا الْإِمَامُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
• ما حكم من زنى مراراَ؟
اتفق الفقهاء علي أن من زنا مرة وأقيم عليه الحد ثم زنا أخرى أنه يجب عليه حد آخر.
قال النووي: الزَّانِي إِذَا حُدَّ ثُمَّ زَنَى ثَانِيًا يَلْزَمهُ حَدٌّ آخَر، فَإِنْ زَنَى ثَالِثَة لَزِمَهُ حَدّ آخَر، فَإِنْ حُدَّ ثُمَّ زَنَى لَزِمَهُ حَدّ آخَر، وَهَكَذَا أَبَدًا.
стр. 2287
واختلف العلماء فيما إذا تكرر منه الزنا ولم يقم عليه الحد، هل يقام حد واحد أو يقام عليه لكل مرة حد؟ على قولين:
جمهور العلماء على أن من زنا مراراً ولم يقم عليه الحد فلا يجب عليه إلا حد واحد.
قال النووي: فَأَمَّا إِذَا زَنَى مَرَّات وَلَمْ يُحَدّ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَيَكْفِيه حَدّ وَاحِد لِلْجَمِيعِ.
واستدلوا بالإجماع والمعقول:
أما الإجماع:
أ- فقد قال ابن قدامة: قد أجمعوا أنه إذا تكرر الحد قبل إقامته أجزأ حد واحد.
أما المعقول:
ب- أن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد، لأن الغرض هنا من جنس واحد فوجب التداخل كالكفارات.
ج- أنها طهارة سببها واحد فتداخلت.
د- أن تكرار الزنا كتكرار الإيلاج و الاجتراع جرعة بعد جرعة لأن ذلك كالأحداث إذا تواترت قبل الطهارة.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أَنَّهُ لَا يُوَبَّخ الزَّانِي، بَلْ يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ فَقَطْ.
قال القرطبي: قوله (ولا يُثَرِّب عليها) أي: لا يُوبِّخ، ولا يُعيِّر، ولا يُكْثِر من اللَّوم، فإنَّ الإكثار من ذلك يزيل الحياء والحشمة، ويُجزئ على ذلك الفعل. وأيضًا: فإن العبد غالب حاله: أنَّه لا ينفعه اللوم والتوبج، ولا يؤثر، فلا يظهر له أثر، وإنما يظهر أثره في حق الحر. ألا ترى قول الشاعر:
واللَّوم للحرِّ مُقيمٌ رادِعٌ والعبدُ لا يَرْدَعُهُ إلا العصا
وأيضًا: فإن التوبيخ واللَّوم عقوبة زائدة على الحد الذي نصّ الله تعالى عليه فلا ينبغي أن يلتزم ذلك. ولا يدخل في ذلك الوعظ والتخويف بعقاب الله تعالى.
- قوله (فَلْيَبِعْهَا) وَهَذَا الْمَأْمُور بِهِ يَلْزَم صَاحِبه أَنْ يُبَيِّنْ حَالهَا لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ عَيْب، وَالْإِخْبَار بِالْعَيْبِ وَاجِب، فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَكْرَه شَيْئًا وَيَرْتَضِيه لِأَخِيهِ الْمُسْلِم؟ فَالْجَوَاب: لَعَلَّهَا تَسْتَعِفّ عِنْد الْمُشْتَرِي بِأَنْ يُعِفّهَا بِنَفْسِهِ أَوْ يَصُونَهَا بِهَيْبَتِهِ أَوْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا وَالتَّوْسِعَة عَلَيْهَا أَوْ يُزَوِّجهَا أَوْ غَيْر ذَلِكَ. (نووي).
- فيه دليل على إبعاد أهل المعاص واحتقارهم.
стр. 2288
١٢١٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصِينٍ ﵁ (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا- فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا. فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفَضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
===
(أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ) وهي قبيلة معروفة.
(وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا) اعتراف منها بالزنا.
(فَإِذَا وَضَعَتْ) أي: ولدت.
(فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ (فَشُكَّتْ)، وَفِي بَعْضهَا (فَشُدَّتْ) بِالدَّالِ بَدَل الْكَاف، وَهُوَ مَعْنَى الْأَوَّل.
(ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ) أي: أمر الناس.
(ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا) أي: صلى النبي ﷺ على تلك المرأة.
(لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً) عظيمة.
(لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ) أي: لكفتهم.
(وَهَلْ وَجَدَتْ) بتاء الخطاب، والخطاب لعمر.
(أَفَضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ) من الجود، كأنها تصدقت بنفسها لله تعالى، حيث أقرت عليها بما أدى إلى موتها.
• هل هذه المرأة هي الغامدية المذكورة في حديث بريدة؟
اختلف العلماء في ذلك:
فذهب بعض العلماء إلى أن هذه المرأة هي المعروفة بالغامدية التي روى حديثها بريدة.
عن بُرَيْدَةَ (أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَزَنَيْتُ وَإِنّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَرَدَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ. فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا». فَقَالُوا مَا نَعْلَمُهُ إِلاَّ وَفِىَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بِعَقْلِهِ فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
قَالَ فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي. وَإِنَّهُ رَدَّهَا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى. قَالَ «إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِى». فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِىِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ. قَالَ «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ». فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِىِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ. فَدَفَعَ الصَّبِىَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ «مَهْلاً يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ». ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ).
ورجح هذا النووي.
وقيل: هما قصتان، للاختلاف الشديد بينهما.
стр. 2289
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن الحد لا يقام على الحامل حتى تضع.
قال النووي ﵀: فِيهِ أَنَّهُ لَا تُرْجَمُ الْحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا مِنْ زِنًا أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُقْتَلَ جَنِينُهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ وَهِيَ حَامِلٌ لَمْ تُجْلَدْ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى تَضَع. (نووي).
وقال ابن قدامة: وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًى أَوْ غَيْرِهِ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا … وَلِأَنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا إتْلَافًا لَمَعْصُومٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُ الْوَلَدِ مِنْ سِرَايَةِ الضَّرْبِ وَالْقَطْعِ، وَرُبَّمَا سَرَى إلَى نَفْسِ الْمَضْرُوبِ وَالْمَقْطُوعِ، فَيَفُوتُ الْوَلَدُ بِفَوَاتِه. (المغني).
• ماذا نستفيد من قوله (فشكت عليها ثيابها)؟
قال النووي: وَفِي هَذَا اِسْتِحْبَاب جَمْع أَثْوَابهَا عَلَيْهَا وَشَدّهَا بِحَيْثُ لَا تَنْكَشِف عَوْرَتهَا فِي تَقَلُّبهَا وَتَكْرَار اِضْطِرَابهَا، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا تُرْجَم إِلَّا قَاعِدَة، وَأَمَّا الرَّجُل فَجُمْهُورهمْ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَم قَائِمًا، وَقَالَ مَالِك: قَاعِدًا، وَقَالَ غَيْره: يُخَيَّر الْإِمَام بَيْنهمَا.
• ماذا نستفيد من قوله (ثم أمر بها فرجمت)؟
نستفيد أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم.
قال النووي: قوْله فِي بَعْض الرِّوَايَات (فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ)، وَفِي بَعْضهَا (وَأَمَرَ النَّاس فَرَجَمُوهَا) وَفِي حَدِيث مَاعِز (أَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمهُ) وَنَحْو ذَلِكَ فِيهَا كُلّهَا دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَمُوَافِقِيهِمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَم الْإِمَام حُضُور الرَّجْم، وَكَذَا لَوْ ثَبَتَ بِشُهُودٍ لَمْ يَلْزَمهُ الْحُضُور.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد: يَحْضُر الْإِمَام مُطْلَقًا، وَكَذَا الشُّهُود إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، وَيَبْدَأ الْإِمَام بِالرَّجْمِ إِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالشُّهُودِ بَدَأَ الشُّهُود، وَحُجَّة الشَّافِعِيّ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يَحْضُر أَحَدًا مِمَّنْ رُجِمَ، وَاللَّهُ أَعْلَم. (نووي).
• لماذا أمر النبي ﷺ بالإحسان إليها في قوله (فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا. فَقَالَ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا)؟
قال النووي: هذا الْإِحْسَان لَهُ سَبَبَانِ:
أَحَدهمَا: الْخَوْف عَلَيْهَا مِنْ أَقَارِبهَا أَنْ تَحْمِلهُمْ الْغَيْرَة وَلُحُوق الْعَار بِهِمْ أَنْ يُؤْذُوهَا، فَأَوْصَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا تَحْذِيرًا لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَمَرَ بِهِ رَحْمَة لَهَا إِذْ قَدْ تَابَتْ، وَحَرَّضَ عَلَى الْإِحْسَان إِلَيْهَا لِمَا فِي نُفُوس النَّاس مِنْ النُّفْرَة مِنْ مِثْلهَا، وَإِسْمَاعهَا الْكَلَام الْمُؤْذِي وَنَحْو ذَلِكَ فَنَهَى عَنْ هَذَا كُلّه.
• هل يصلي الإمام على المرجوم؟
نعم، يصلي الإمام كما يصلي عليه بقية المسلمين.
فحديث الباب نص على أنه ﷺ صلى عليها.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الاعتراف تثبت به الحد.
- أنه يكتفى به مرة واحدة.
- الرجم خاص بمن أحصن.
- شد ثياب المرأة عليها عند رجمها، لئلا تنكشف عند اضطرابها.
стр. 2290
١٢١٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ (رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، وَامْرَأَةً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
١٢١٤ - وَقِصَّةُ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
===
• اذكر لفظ حديث ابن حديث ابن عمر؟
عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ فَقَالَ «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى». قَالُوا نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ «فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ». فَجَاءُوا بِهَا فَقَرَءُوهَا حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِى يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَهْوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ فَرَفَعَهَا فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ).
(نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا) قال النووي: هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ (نَحْمِلهُمَا) بِالْحَاءِ وَاللَّام، وَفِي بَعْضهَا (نُجَمِّلهَا) بِالْجِيمِ، وَفِي بَعْضهَا (نُحَمِّمهُمَا) بِمِيمَيْنِ وَكُلّه مُتَقَارِب، فَمَعْنَى الْأَوَّل: نَحْمِلهُمَا عَلَى الْحَمْل، وَمَعْنَى الثَّانِي: نُجَمِّلهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْجَمَل، وَمَعْنَى الثَّالِث: نُسَوِّد وُجُوههمَا بِالْحُمَمِ - بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الْمِيم - وَهُوَ الْفَحْم، وَهَذَا الثَّالِث ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْله: نُسَوِّد وُجُوههمَا.
(وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا) بأن يُجعل قفا أحدهما مقابل قفا الآخر.
(وَيُطَافُ بِهِمَا) أي: بين الناس حتى يفضحا بينهم.
• هل الإسلام شرط في الإحصان؟ (لو تزوج مسلم ذمية هل يعتبر محصناً)؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الإسلام شرط في الإحصان.
فلا يكون الكافر محصناً، ولا تحصن الذمية مسلماً.
وهذا مذهب المالكية.
لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (من أشرك بالله فليس بمحصن) رواه الدارقطني، وهو ضعيف.
القول الثاني: أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان.
فالذمي يحصن الذمية، وإذا تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
واختاره ابن القيم وقال: تضمنت هذه الحكومة أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان وأن الذمي يحصن الذمية وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي. (زاد المعاد).
لحديث الباب.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ مأمور بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله تعالى كما في قوله تعالى (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).
стр. 2291
وحكم الزاني المحصن في شريعة الإسلام الرجم بالحجارة، وهما محصنان كما وقع التصريح به في بعض روايات الحديث بلفظ
(إن أخيار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم قد أحصنت) - فحكم ﷺ برجم اليهوديين وهما كافران ليسا من أهل الإسلام، فدل ذلك على أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان، إذ لو كان شرطاً فيه لما كان حكمهما الرجم، وعليه: فإن الذمي محصن الذمية وأن المسلم إذا تزوج ذمية ووطئها صار محصناً والله أعلم.
وهذا القول هو الراجح.
• ما الجواب عن من قال: إن النبي ﷺ إنما حكم بينهما بحكم التوراة؟
هذا جواب غير صحيح، بل حكم بينهم بحكم الله.
قال الخطابي: وهذا تأويل غير صحيح: لأن الله سبحانه يقول (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله) وإنما جاءه القوم مستفتين طمعاً في أن يرخص لهم في ترك الرجم ليعطلوا به حكم التوراة، فأشار عليهم رسول الله ﷺ بما كتموه من حكم التوراة، ثم حكم عليهم بحكم الإسلام على شرائطه لواجبة فيه، وليس يخلو الأمر فما صنعه ﷺ من ذلك عن أن يكون موافقاً لحكم الإسلام
أو مخالفاً له، فان كان مخالفاً فلا يجوز أن يحكم بالمنسوخ ويترك الناسخ، وإن كان موافقاً له فهو شريعته، والحكم الموافق لشريعته لا يجوز أن يكون مضافاً إلى غيره ولا يكون فيه تابعاً لمن سواه.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر جواب الخطابي وأيده وذكر الجواب عما في رواية أبي هريرة (فأني أحكم بما في التوراة) بأن في سند هذه الرواية رجل مبهم ثم قال الحافظ، ومع ذلك فلو ثبت لكان معناه لإقامة الحجة عليهم.
وقال ابن القيم: وهذا مما لا يجدي عنهم شيئاً البتة، فإنه حكم بينهم بالحق المحض فيجب اتباعه بكل حال فماذا بعد الحق إلا الضلال.
• اذكر بعض الفوائد من هذا الحديث؟
- وجوب الحد على الكافر الذمي إذا زنى، وهو قول الجمهور، وَأَنَّهُ يَصِحّ نِكَاحه لِأَنَّهُ لَا يَجِب الرَّجْم إِلَّا عَلَى مُحْصَن، فَلَوْ لَمْ يَصِحّ نِكَاحه لَمْ يَثْبُت إِحْصَانه، وَلَمْ يُرْجَم.
- وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرْع وَهُوَ الصَّحِيح، وَقِيلَ: لَا يُخَاطَبُونَ بِهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالنَّهْيِ دُون الْأَمْر.
- وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّار إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا حَكَمَ الْقَاضِي بَيْنهمْ بِحُكْمِ شَرْعنَا.
- وَقَالَ مَالِك: لَا يَصِحّ إِحْصَان الْكَافِر. قَالَ: وَإِنَّمَا رَجَمَهُمَا لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا أَهْل ذِمَّة، وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل، لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْل الْعَهْد، وَلِأَنَّهُ رَجَمَ الْمَرْأَة، وَالنِّسَاء لَا يَجُوز قَتْلهنَّ مُطْلَقًا.
- في الحديث الاقتصار على الرجم دون الجلد.
- قوْله ﷺ (فَقَالَ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة؟) قَالَ الْعُلَمَاء: هَذَا السُّؤَال لَيْسَ لِتَقْلِيدِهِمْ وَلَا لِمَعْرِفَةِ الْحُكْم مِنْهُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ لِإِلْزَامِهِمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي كِتَابهمْ، وَلَعَلَّهُ ﷺ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ الرَّجْم فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة فِي أَيْدِيهمْ لَمْ يُغَيِّرُوهُ كَمَا غَيَّرُوا أَشْيَاء، أَوْ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَلِهَذَا لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ عَلَيْهِ حِين كَتَمُوهُ.
стр. 2292
١٢١٥ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بِأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اضْرِبُوهُ حَدَّهُ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً»، فَفَعَلُوا) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِه.
===
(رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ) تصغير رجل.
(فَخَبَثَ) أي: زنا وفجر.
(فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ) هو سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج.
(خُذُوا عِثْكَالًا) العِثكال هو عذق النخل.
(شِمْرَاخٍ) بالكسر هي فروع العثكال، وهي غصون دقيقة تنبت على أصل العثكال في أعلى الغصن الغليظ.
• ما صحة حديث الباب؟
رجح النسائي، والدارقطني، والبيهقي الإرسال.
• هل يقام الحد على المريض؟
الْمَرِيضُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُرْجَى بُرْؤُهُ.
فهذا يؤخر الحد حتى يبرأ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِي.
عن عَلِى قَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «أَحْسَنْتَ) رواه مسلم قال النووي: فِيهِ أَنَّ الْجَلْد وَاجِب عَلَى الْأَمَة الزَّانِيَة، وَأَنَّ النُّفَسَاء وَالْمَرِيضَة وَنَحْوهمَا يُؤَخَّر جَلْدهمَا إِلَى الْبُرْء.
стр. 2293
فائدة:
تضمن التأخير لفائدتين:
أولاً: سلامة المحدود من أن يصيبه مضاعفات.
ثانياً: أنه لا يتعطل حق الله تعالى.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ.
فَهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَالِ وَلَا يُؤَخَّرُ، بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ، كَالْقَضِيبِ الصَّغِيرِ، وَشِمْرَاخِ النَّخْلِ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، جُمِعَ ضِغْثٌ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
أ- لحديث أبي أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ. عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ اشْتَكَى حَتَّى ضَنِيَ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَهَشَّ لَهَا، فَوَقَعَ بِهَا، فَسُئِلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
ب- وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، أَوْ لَا يُقَامَ أَصْلًا، أَوْ يُضْرَبَ ضَرْبًا كَامِلًا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَلَا يَجُوزُ جَلْدُهُ جَلْدًا تَامًّا، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إتْلَافِهِ، فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ. (المغني).
стр. 2294
١٢١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا.
===
• ما صحة حديث الباب؟
هذا الحديث مشتمل على حديثين:
قال أبو داود في سننه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ، وَالْمَفْعُولَ بِهِ).
وقال ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ).
وقد جمعهما الحافظ ابن حجر في سياق واحد لاتحاد الصحابي والسند. (منحة العلام).
والحديث ضعيف لا يصح.
- وقد جاء: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ منْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
قال الترمذي: وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
• ما حكم اللواط:
قال في المغني: أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وقد ذمه الله في كتابه وعاب على من فعله، وذمه رسول الله ﷺ فقال الله تعالى (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ).
وقد نقل الذهبي الاتفاق عل أنه من كبائر الذنوب.
وجريمة اللواط لم يعملها أحد من العالمين قبل قوم لوط، وقد ذكر الله تعالى السور التي فيها عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن الكريم.
قال ابن القيم: لم يثبت عنه ﷺ أنه قضى في اللواط بشيء، لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه ﷺ ، ولكن ثبت عنه أنه ﷺ قال: (اقتلوا الفاعل والمفعول به).
стр. 2295
• ما عقوبة جريمة اللواط؟
اختلف العلماء في عقوبة اللواط على أقوال:
القول الأول: أنه عقوبته كالزاني (الرجم إن كان محصناً والجلد لغير المحصن).
قال ابن القيم: وذهب الحسن، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي في ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه إلى أن عقوبته وعقوبة الزنا سواء.
أ-قالوا: لأن الله سماه فاحشة (أتأتون الفاحشة) كما سمى الزنا فاحشة في قوله (وَلا تَقْرَبُوا الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) واشتراكهما في الاسم يدل على اشتراكهما في الحكم.
ب- ولأن كلاً منهما إيلاج محرم في فرج محرم، فيعطى حكمه.
القول الثاني: أن فيه التعزير.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
قالوا: لأنه معصية من المعاصي لم يُقدِّر الله ولا رسوله فيه حداً مقدراً فكان فيه التعزير.
القول الثالث: أن عقوبته القتل مطلقاً (محصناً أم غير محصن).
وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال ابن القيم: إنها أصح الروايتين، وهو مذهب مالك.
قال ابن القيم: فذهب أبو بكر الصديق وعلي وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وجابر بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وربيعة الرأي ومالك وإسحاق بن راهوية … إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا، وعقوبته القتل بكل حال، محصناً كان أو غير محصن.
لحديث الباب (مَنْ وَجَدتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَومِ لُوطٍ فَاقتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ به).
قال ابن القيم: إن الإمام أحمد احتجَّ بهذا الحديث.
وقد نقل ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهم إجماع الصحابة على قتله.
قال ابن القيم: اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله، ولم يختلف فيه منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة ﵃، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع.
والراجح أن عقوبته القتل مطلقاً.
стр. 2296
• واختلف الصحابة في كيفية قتله:
فقيل: يحرق.
وهذا قول أبي بكر وعلي وابن الزبير.
قال ابن القيم: حرق باللوطية أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعلي، وعبد الرحمن بن الزبير، وهشام بن عبد الملك.
وقيل: يرجم بالحجارة حتى الموت.
وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس.
وقيل: يرمى من أعلى بناء في البلد ثم يتبع بالحجارة.
وهو مروي عن أبي بكر، وابن عباس.
والأظهر أن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، حسب مصلحة الردع والزجر.
• من زنى بذات محرم (كعمته أو خالته) فجمهور العلماء أن حكمه حكم الزنا (يرجم إن كان محصناً، ويجلد ويغرب إن كان غير محصن).
استدلالاً بالأدلة العامة في حكم الزاني، وأنها تشمل بعمومها من زنا بأجنبية أو بذات محرم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يقتل بكل حال واختاره ابن القيم.
لحديث البراء قال (لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية، فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله) رواه النسائي وأحمد.
وفي سنن ابن ماجه من حديث ابن عباس. قال: قال ﷺ (من وقع على ذات محرم فاقتلوه).
قال ابن القيم: إنه مقتضى حكم رسول الله ﷺ .
• ما عقوبة من وقع على بهيمة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه يعزر ولا حد عليه.
وهذا قول الجمهور.
قال ابن القيم: وبه أخذ الشافعي ومالك وأبو حنيفة، وأحمد في رواية فإن ابن عباس ﵄ أفتى بذلك وهو راوي الحديث.
وقال في موضع آخر: أنه يؤدب ولا حد عليه، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وهو قول إسحاق.
واستدل هؤلاء: أنه لم يصح فيه شيء عن النبي ﷺ ، والعقوبات المقدرة لا بد فيها من دليل مثبت ولا دليل هنا ثابت فلا حد إذاً.
قال ابن القيم: ومن لم ير عليه حداً قالوا: لم يصح فيه الحديث، ولو صح لقلنا به، ولم يحل لنا مخالفته.
стр. 2297
القول الثاني: أنه يقتل بكل حال.
وهذا مذهب أبي سلمة ابن عبد الرحمن والرواية الثانية عن الإمام أحمد حكى ذلك ابن القيم عنهما. وقال الشافعي إن صح الحديث قلت به.
لحديث الباب (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه).
وجه الاستدلال من هذا الحديث على هذا القول واضح فإنه ﷺ أمر بقتل من أتى بهيمة وقتل البهيمة معه، وليس فيه تفصيل في الفرق بين المحصن وغيره بل يفيد قتله مطلقاً.
القول الثالث: أن حده حد الزاني، يجلد إن كان بكراً ويرجم إن كان محصناً.
وهو قول الحسن البصري، وأحد أقوال الشافعي.
واستدل هؤلاء بالقياس على الزنى بجامع أن كلا منهما وطء في فرج محرم ليس له فيه شبهة فيكون حده كالزنا.
والراجح القول الأول.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما نصه:
ذهب جماهير الفقهاء إلى أنه لا حد على من أتى بهيمة لكنه يعزر.
لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال (من أتى بهيمة فلا حد عليه) ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف، ولأن الطبع السليم يأباه، فلم يحتج إلى زجر بحد، وعند الشافعية قول: إنه يحد حد الزنى وهو رواية عن أحمد، وعند الشافعية قول آخر: بأنه يقتل مطلقاً محصناً كان أو غير محصن.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فلو أولج الإنسان في بهيمة عزّر، وقتلت البهيمة على أنها حرام جيفة، فإن كانت البهيمة له فاتت عليه، وإن كانت لغيره وجب عليه أن يضمنها لصاحبها.
وقيل إن من أتى بهيمة قتل لحديث ورد في ذلك أن النبي ﷺ قال (من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) وهذا عام أخذ به بعض أهل العلم، وقالوا: إن فرج البهيمة لا يحل بحال، فيكون كاللواط، ولكن الحديث ضعيف، ولهذا عدل أهل العلم لمّا ضعف الحديث عندهم إلى أخف الأمرين، وهو قتل البهيمة، وأما الآدمي فلا يقتل؛ لأن حرمته أعظم، ولكن يعزر لأن ذلك معصية، والقاعدة العامة أن التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. (الشرح الممتع).
• ما الحكمة من قتل البهيمة؟
قال ابن قدامة: واختلف في علة قتلها.
فقيل: إنما قتلت لئلا يعير فاعلها، ويذكر برؤيتها.
وقيل: لئلا تلد خلقا مشوها.
وقيل: لئلا تؤكل. وإليها أشار ابن عباس في تعليله. (المغني).
وجاء في تحفة الأحوذي: قيل: لِئَلَّا يَتَوَلَّدَ مِنْهَا حَيَوَانٌ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ، وَقِيلَ: كَرَاهَةَ أَنْ يَلْحَقَ صَاحِبُهَا الْخِزْيُ فِي الدُّنْيَا لِإِبْقَائِهَا.
стр. 2298
١٢١٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ.
===
• لماذا أتى المصنف ﵀ بهذا الحديث؟
أتى المصنف ﵀ بهذا ليبين أن جلد الزاني البكر وتغريبه لم ينسخ.
وقد تقدمت المسألة وحكمها.
стр. 2299
١٢١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُم) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
===
(الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ) جمع مخنث، وهو الرجل الذي يتشبه بالنساء في أخلاقه وحركاته وكلامه.
(وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) جمع مترجلة، وهي المرأة التي تتشبه بالرجال في أخلاقها وحركاتها وكلامها.
• ما حكم تشبه الرجال بالنساء والعكس؟
حرام.
أ- لحديث الباب.
ورواه البخاري بلفظ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ).
ب- وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ) رواه أبو داود وصححه النووي في (المجموع).
ج- وقالت عَائِشَةُ ﵂: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَةَ مِنْ النِّسَاء) رواه أبو داود.
قال المناوي ﵀:
قال المناوي ﵀: فيه كما قال النووي: حرمة تشبه الرجال بالنساء وعكسه؛ لأنه إذا حرم في اللباس ففي الحركات والسكنات والتصنع بالأعضاء والأصوات أولى بالذم والقبح، فيحرم على الرجال التشبه بالنساء وعكسه في لباس اختص به المشبه، بل يفسق فاعله للوعيد عليه باللعن. (فيض القدير).
• هل التحريم مختص بالقصد؟
لا.
قال ابن تيمية: كذلك ما نهى عنه من مشابهتهم يعم ما إذا قصدت مشابهتهم أو لم تقصد، فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها مالا يتصور قصد المشابهة فيه، كبياض الشعر، وطول الشارب، ونحو ذلك.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وليُعلم أن التشبه لا يكون بالقصد، وإنما يكون بالصورة، بمعنى: أن الإنسان إذا فعل فعلاً يختص بالكفار وهو من ميزاتهم وخصائصهم فإنه يكون متشبهاً بهم، سواء قصد بذلك التشبه أم لم يقصده، وكثير من الناس يظن أن التشبه لا يكون تشبهاً إلا بالنية، وهذا غلط، لأن المقصود هو الظاهر.
وقال: فإذا قصت المرأة رأسها حتى يكون كرأس الرجل صارت متشبهة بالرجل سواء قصدت التشبه أو لم تقصد؛ لأن ما حصل به التشبه لا يشترط فيه نية التشبه، إذ التشبه تحصل صورته ولو بلا قصد، فإذا حصلت صورة التشبه كانت ممنوعة، ولا فرق في هذا بين التشبه بالكفار، أو تشبه المرأة بالرجل، أو الرجل بالمرأة، فإنه لا يشترط فيه نية التشبه ما دام وقع على الوجه المشبه.
• اذكر بعض من نهينا عن التشبه بهم؟
جاءت الشريعة بالنهي عن التشبه بكل ناقص، فمما جاءت في النهي عن الشبه بهم: الكفار، والأعاجم، وأهل الجاهلية، والشيطان، والنساء، والأعراب، والحيوانات.
стр. 2300
١٢١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ادْفَعُوا الْحُدُودَ، مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
١٢٢٠ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظ (ادْرَأُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُم) وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضاً.
١٢٢١ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: «ادْرَأُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَات).
===
(ادْرَأُوا) أي: ادفعوا.
(بِالشُّبُهَات) أي: فلا تحدوا إلا بأمر متيقن لا يتطرق إليه تأويل.
• ما صحة أحاديث الباب؟
ضعيفة كما قال المصنف ﵀.
• ماذا نستفيد من أحاديث الباب؟
أن الحدود تدرأ بالشبهات، كدعوى الإكراه، أو أنها أتيت وهي نائمة.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الحدود تدرأ بالشبهات.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
واستدلوا بالسنة والإجماع والمعقول.
أما السنة، فاستدلوا بأحاديث الباب.
وأما الإجماع، فقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ من أهل العلم عنه على أن الحدود تدرأ بالشبهة.
أما المعقول فمن جهتين:
الأولى: أن الحد عقوبة كاملة فتستدعي جناية كاملة ووجود الشبهة ينفي تكامل الجناية.
الثانية: أن النبي ﷺ لقن ماعزاً ﵁ لعلك لمست، لعلك قبلت، لعلك كذا، لعلك كذا، وفعل علي ﵁ ذلك مع شراحة، أفلا يكون مقصوداً به الاحتيال للدرء بعد الثبوت لأنه كان بعد صريح الإقرار، وأن لم يكن هذا فلا فائدة إذن من التلقين.
القول الثاني: أنه لا يجوز أن تدرأ الحدود بالشبهات.
وهذا قول الظاهرية.
واستدلوا بالكتاب والسنة والمعقول.
أ- أما الكتاب: فقوله تعالي (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
وجه الدلالة: في الآيات دلالة علي النهي عن تعدي أوامر الله و نواهيه، التي منع الشرع من مجاوزتها، فالحدود إذا درأت فهذا تعدٍ وقد نهي عنه.
ب- أما السنة: فقوله ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا .... ).
وجه الدلالة: في الحديث دلالة علي أن الحدود لا تثبت مع شبهة؛ لأن الدماء والأعراض و الأبشار مبناها علي التحريم.
ج- أما المعقول: فإن درء الحدود إن استعمل أدي إلي إبطال الحدود جملة، وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام، وخلاف الدين وخلاف القرآن والسنن، لأن كل واحد مستطيع أن يدرأ كل حد يأتيه فلا يقيمه، فبطل أن يستعمل هذا اللفظ وسقط أن تكون فيه حجة، خاصة والشبهة خاضعة لتقدير العقول.
стр. 2301
١٢٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، وَلِيَتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ) رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ فِي «الْمُوَطَّإِ» مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَم.
===
(الْقَاذُورَاتِ) أي: المعاصي.
• ما صحة حديث الباب؟
الحديث: صححه الحاكم وابن السكن وابن الملقن.
انظر: " التلخيص الحبير " (٤/ ٥٧) و" خلاصة البدر المنير " لابن الملقِّن.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن من ألمّ بذنب فالمستحب له أن يستتر ويتوب إلى الله.
قال ﷺ (لَا يَسْتُر اللَّه عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة)
قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنْ يَسْتُر مَعَاصِيه وَعُيُوبه عَنْ إِذَاعَتهَا فِي أَهْل الْمَوْقِف. وَالثَّانِي تَرْك مُحَاسَبَته عَلَيْهَا، وَتَرْك ذِكْرهَا. قَالَ: وَالْأَوَّل أَظْهَر لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر "يُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ يَقُول: سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم. (نووي)
قال الشيخ ابن عثيمين: ولا نقول بالوجوب، لأنه لو كان واجباً لمنع النبي ﷺ من إقرار الذين أقروا عنده بالزنا.
• اذكر بعض الأدلة على وجوب اجتناب المعاصي؟
قال تعالى (وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).
وقال تعالى (وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً).
قال ﷺ (ما نهيتكم عنه فانتهوا) متفق عليه.
كان ﷺ يقول (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) متفق عليه.
وقال ﷺ ( … والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه البخاري.
وقال ﷺ (والمهاجر من هجر السيئات).
стр. 2302
قال محمد بن كعب القرظي ﵀: ما عُبد الله بشيء قط أحب إليه من ترك المعاصي.
وقال سهل بن عبد الله ﵀: أعمال البر يعملها البر والفاجر ولا يتجنب المعاصي إلا صديق.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: إن أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم.
قال ابن الجوزي ﵀: ولو أن شخصًا ترك معصية لأجل الله تعالى لرأى ثمرة ذلك وكذلك إذا فعل طاعة.
• هل هذا حديث: (إذا ابتليتم فاستتروا)؟
جاء معناه في حديث فيه ضعف مرسل عن زيد بن أسلم أنه … قال: (من أصاب شيئاً من هذه القاذورات - يعني المعاصي - فليتب إلى الله وليستتر بستر الله) وهذا يدل على أنه ينبغي للمؤمن أن يستتر بستر الله، ولا يفضح نفسه، ولهذا لما جاء ماعز إلى النبي ﷺ يقول أنه زنى أعرض عنه النبي ﷺ مرات لعله يتوب ويستغفر ويرجع حتى لا يتظاهر بهذا الأمر العظيم. فالمقصود أن الإنسان مأمور بالستر والتوبة إلى الله، وعدم إبراز معصيته وإظهارها للناس، ومن تاب تاب الله عليه، ولهذا يقول ﷺ (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، فالمؤمن يستر نفسه ولا يعلن معصيته، لكن متى أعلنها إلى ولي الأمر وجب أن يقام عليه الحد إذا كان فيها حد، وإن كان فيها تعزير وجب التعزير، لكن هو مشروع له أن لا يبديها للناس، وأن لا يذهب إلى الحاكم، بل يستتر بستر الله، وليتب إلى الله، وليستغفر الله، ويكفي والحمد لله، هذا هو المشروع. (ابن باز) … الأربعاء: ١٥/ ٥/ ١٤٣٧ هـ
стр. 2303
بَابُ حَدِّ اَلْقَذْفِ
تعريفه:
لغة: الرمي.
واصطلاحاً: الرمي بالزنا وباللواط ونحوه مثل قول: يا زاني، يا لوطي.
١٢٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَلَى اَلْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا اَلْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَاِمْرَأَةٍ فَضُرِبُوا اَلْحَدَّ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.
١٢٢٤ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي اَلْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بْنُ سَمْحَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِاِمْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : اَلْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك) اَلْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَي، وَرِجَالُهُ ثِقَات.
١٢٢٥ - وَهُوَ فِي اَلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ.
===
• ما صحة حديث عائشة؟
حسنه الترمذي، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه، لكن صرح بالتحديث عند الطحاوي.
والحديث رواه البخاري ومسلم في قصة الإفك مطولة ولم يرد ذكر لجلد الرامين.
• ما حكم قذف المحصن؟
حرام ومن كبائر الذنوب.
أ- قال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
ب- وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
قال السعدي ﵀: ذكر الله تعالى الوعيد الشديد على رمي المحصنات فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أي: العفائف عن الفجور (الْغَافِلاتِ) التي لم يخطر ذلك بقلوبهن (الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) واللعنة لا تكون إلا على ذنب كبير.
وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهذا زيادة على اللعنة، أبعدهم عن رحمته، وأحل بهم شدة نقمته.
ج- وعن أبي هريرة قال: قال ﷺ (اجتنبوا السبع الموبقات: .. وذكر منها: وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات). متفق عليه
وقال ابن قدامة: وهو محرم بإجماع الأمة.
стр. 2304
• ما عقوبة من قذف محصناً؟
إذا قذف المكلف محصناً - وسيأتي تعريف المحصن - جلد ثمانين جلدة للحر.
لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
فتضمنت هذه الآية ثلاثة أحكام في القاذف:
الأول: جلده ثمانين جلدة.
الثاني: رد شهادته أبداً.
الثالث: فسقه.
قال ابن كثير ﵀: فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة، الثاني: أنه ترد شهادته أبداً، الثالث: أن يكون فاسقاً ليس بعدل لا عند الله، ولا عند الناس.
• في قوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ … ) هذا الاستثناء يرفع الحكم الأخير، ولاشك في ذلك، وهو الفسق، فإذا تابوا زال عنهم وصف الفسق إلى العدالة، وهل يرجع الاستثناء إلى ما قبل الأخير وهو أنه إذا تاب قبلت شهادته؟
فيه تفصيل:
- إذا أقيم عليه الحد ولم يتب فإنه لا تقبل شهادته.
- وأما بعد توبته، فقد اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: لا تقبل شهادة المحدود في قذف ولو تاب.
وهذا قول أبي حنيفة.
أ- واستدلوا بقوله تعالى (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً .. ) وجه الدلالة: بأن الله أبّد المنع من قبول شهادتهم، وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقي المنع من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده.
ب- ولأن رد شهادة القاذف ولو تاب عقوبة من تمام الحد، فلا تسقط هذه العقوبة بالتوبة.
стр. 2305
القول الثاني: قبول شهادة القاذف إذا تاب.
وهذا قول الشافعي وأحمد ومالك.
أ- واستدلوا بالاستثناء في آية القذف وهو قوله تعالى ( … إلا الذين تابوا .. ) عائد إلى الجملتين المتعاطفتين قبله في قوله تعالى (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
ب- ولأن الصحابة قبلوا شهادة القاذف كما ذكر ذلك ابن القيم.
ج- وقال ابن القيم: وأعظم موانع الشهادة: الكفر والسحر وقتل النفس وعقوق الوالدين والزنا، ولو تاب من هذه الأشياء قبلت اتفاقاً، والتائب من القذف أولى بالقبول.
د- ولعموم قوله ﷺ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
هـ- أنه ورد عن عمر ﵁ أنه قال لمن قذفوا المغيرة بن شعبة بعدما جلدهم الحد، قال: (من تاب قبلت شهادته) رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به.
وتوبته: أن يكذب نفسه في اتهام المقذوف بالزنى، ولهذا جاء لفظ عمر عند ابن جرير: (من كذب نفسه قبلت شهادته)
فإذا تاب القاذف واستقام قُبلت شهادته، كغيره من المسلمين العدول.
وهذا القول هو الصحيح.
• ما الحكمة من مشروعية حد القذف
أولاً: منع الترامي بالفاحشة.
ثانياً: صيانة أعراض الناس عن الانتهاك، وحماية سمعتهم من التدنيس.
ثالثاً: لئلا تحصل عداءات وبغضاء، وربما تحصل حروب بسبب الاعتداء على العرض وتدنيسه.
رابعاً: تنزيه الرأي العام من أن يسري فيه هذا القول، ويسمعه الناس بآذانهم.
خامساً: منع إشاعة الفاحشة في المؤمنين، فإن كثرة الترامي بها، وكثرة سماعها، وسهولة قولها، يجرئ السفهاء على ارتكابها.
стр. 2306
• من هو المحصن الذي يجب بقذفه الحد؟
المحصن: هو الحر البالغ المسلم العاقل العفيف.
الحر.
فلو قذف عبداً فلا حد عليه، لأن الإحصان يطلق على الحرية كما في قوله تعالى (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: الحرائر، فالرقيق ليس محصناً بهذا المعنى على قول الجمهور، وقالت الظاهرية: يقام الحد على قاذف العبد لعموم قوله ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام) ولم يفرق في ذلك بين الحر والعبد.
البالغ.
بأن يكون المقذوف بالغاً، فإن كان صبياً لم يجب الحد على القاذف وإنما يعزّر، لأن زنا الصبي لا يوجب عليه الحد فلا يجب الحد بالقذف كزنا المجنون، وقيل: لا يشترط البلوغ، وهذا قول مالك، لأنه حر عاقل عفيف يتعيّر بهذا القول الممكن صدقه فأشبه الكبير، والأول أظهر، وهو أن من قذف غير بالغ لا يُحد، ولكنه يعزر.
المسلم.
فالكافر ليس بمحصن، فمن أشرك بالله فلا حد على قاذفه على قول الجمهور.
أ- لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
ب- ولأنه لا يتورع عن الزنا، إذ ليس هناك ما يردعه عن ارتكاب الفاحشة.
ج- ولأن عِرْض الكافر لا حرمة له، كالفاسق المعلن لا حرمة لعرضه، بل الكافر أولى، لزيادة الكفر على المعلن بالفسق، فلو قذف كافراً فلا حد عليه.
العاقل.
بأن يكون المقذوف عاقلاً، فإن كان مجنوناً لم يجب الحد على القاذف ولكنه يعزز.
العفيف.
أي: أن يكون عفيفاً عن الزنا لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أي: العفيفات عن الزنا، وقال تعالى (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) أي: عفت.
فمن قذف المعروف بفجوره أو المشتهر بالعبث والمجون فلا يحد، لأن القذف إنما شرع لحفظ كرامة الإنسان الفاضل، ولا كرامة للفاسق الماجن، لكن كما سبق في قذف غير المحصن التعزير.
أمثلة: مكلف قذف صغيراً فلا حد عليه.
امرأة بالغة قذفت رجلاً بالغاً فإنه يقام عليها الحد.
حر قذف عبداً فلا يقام عليه الحد.
مكلف عاقل قذف مجنوناً فلا يقام عليه الحد.
стр. 2307
• هل هناك فرق بين أن يكون المقذوف رجلاً أو امرأة؟
لا فرق بين أن يكون القاذف أو المقذوف رجلاً أو امرأة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء.
فإن قيل: ما الحكمة من ذكر المحصنات في الآية وكذلك في الحديث؟
فقيل: إنما ذكر النساء دون الرجال لأن قذفهن أكثر وأشنع.
قال ابن جزي ﵀: والمحصنات يراد بهن هنا العفائف من النساء، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أكثر وأشنع من قذف الرجال، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى، إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد.
وقيل: المراد بالمحصنات في الآية (الأنفس المحصنات)؛ فتعم بذلك الرجال والنساء.
وقيل: تخصيص النساء هنا لخصوص الواقعة، ومراعاة قصة كانت سبب نزول الآية، ثم يكون الحكم بالعلة الجامعة والمعنى المشترك الذي يمنع تخصيص النساء دون الرجال.
• ماذا يشترط في القاذف؟
أن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً (سواء كان ذكراً أو أنثى).
فلو أن امرأة قذفت رجلاً فإنه يقام عليها الحد.
• ما الدليل على أن قذف الصبي والمجنون لا يعتبر؟
أ- قواعد الشريعة المأخوذة من النصوص العامة، كحديث (رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَة).
ب- وحديث (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ).
ج- ولأن القذف جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بأنه جناية.
د- فإذا كان القاذف صبياً أو مجنوناً أو مكرهاً فلا حد عليه، لأن العقل مدار التكليف ومناطه، والمجنون لا يعتد بكلامه، فلا يؤثر قذفه، فإن كان الصبي مراهقاً بحيث يؤذي قذفه فإنه يعزر تعزيراً مناسباً، لكن لا يُحدّ ما دام أنه لم يبلغ.
стр. 2308
• ما ألفاظ القذف؟
الألفاظ التي يقذف بها نوعان: صريحة، وكناية.
أما اللفظ الصريح، فهو الذي لا يفهم منه إلا القذف بالزنى أو اللواط، ولا يقبل من القاذف أن يدعي أنه أراد به معنى آخر غير القذف.
مثاله: يا زاني، زنيتَ، زنيتِ، يا لوطي.
ولا يقبل منه إذا قال: أردت بقولي له: "يا لوطي" أنه على دين لوط ﵇، أو أنه يعمل عمل قومه إلا إتيان الفاحشة، لأن هذا اللفظ "يا لوطي" لا يفهم منه عند الإطلاق إلا القذف بالفاحشة.
قال في الروض المربع: وصريح القذف" قول: يا زاني يا لوطي ونحوه، كـ يا عاهر أو قد زنيت أو زنى فرجك ويا منيوك ويا منيوكة إن لم يفسره بفعل زوج أو سيد.
وأما الكناية.
فهو اللفظ الذي يحتمل أن يكون قذفاً، ويحتمل غير ذلك احتمالاً قوياً.
فهذا يُسأل القاذف عما أراد ويجب عليه أن يصدق، لأن إقامة الحد عليه في الدنيا أهون عليه من عقوبته في الآخرة، فإن قال: أردت القذف، فهو قذف، وإن قال: أردت غير القذف، فلا حد عليه، ولكن يعزر لسبه الناس.
مثال ذلك: يا خبيث، يا خبيثة، يا فاجر، يا فاجرة …
وينبغي أن يُعلم أنه يرجع في معاني الألفاظ إلى العرف، وذلك يختلف باختلاف البلاد والأزمان، فقد يكون اللفظ كناية عند قوم، صريحاً عند آخرين، فيجب أن يراعى ذلك.
• هل حد القذف يجوز العفو عنه من قبل المقذوف؟
نعم.
حد القذف حق للمقذوف، فإن أسقطه: سقط.
قال ابن قدامة: ويعتبر لإقامة الحد [حد القذف] مطالبة المقذوف، لأنه حق له فلا يستوفى قبل طلبه، كسائر حقوقه … فلو طلب [يعني: إقامة الحد] ثم عفا عن الحد، سقط، وبهذا قال الشافعي.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وَلَا يُحَدُّ الْقَاذف إلَّا بِالطَّلَبِ إجْمَاعاً.
وقال في (زاد المستقنع) وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ" انتهى.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وبناء على أنه حق للمقذوف: يسقط بعفوه، فلو عفا بعد أن قذفه بالزنا فإن حد القذف يسقط؛ لأنه حق له، كما لو كان عليه دراهم، فعفا عنها: فإنها تسقط عنه، ولا يُستوفى بدون طلبه.
стр. 2309
• ما الحكم إن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور منهم الزنا؟
لا يحد ولكنه يعزر.
لأنه لا عار عليهم به، للقطع بكذبه.
• متى يسقط حق القذف عن القاذف؟
يسقط حد القذف عن القاذف في عدة حالات:
الأولى: أن يأتي بأربعة شهود فيشهدون على المقذوف بأنه زنى، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).
الثانية: أن يقر المقذوف على نفسه بالزنى، باتفاق العلماء. (المغني).
الثالثة: إذا كان القاذف هو الزوج وقد قذف زوجته، فله أن يسقط الحد عن نفسه باللعان، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ).
ولما قذف هلال بن أمية امرأته لاعن النبي ﷺ بينهما ولم يحد هلالاً حد القذف. رواه مسلم.
الرابعة: أن يعفو المقذوف عن حقه، ولا يطالب بإقامة الحد على القاذف.
فائدة:
قذف عائشة كفر بالاتفاق.
قال الإمام النووي ﵀: براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين.
وقال ابن القيم ﵀: واتفقت الأمة على كفر قاذفها.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن.
وقال بدر الدين الزركشي: فمن قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها.
فائدة:
قال المرداوي الحنبلي: من تاب من الزنى، ثم قُذف: حُدَّ قاذفه، على الصحيح من المذهب. (الإنصاف).
стр. 2310
• هل جلد النبي ﷺ ممن تكلم في عائشة في قصة الإفك؟
قال ابن القيم: وَلَمّا جَاءَ الْوَحْيُ بِبَرَاءَتِهَا أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ بِمَنْ صَرّحَ بِالْإِفْكِ فَحُدّوا ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ وَلَمْ يَحُدّ الْخَبِيثَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُبَيّ مَعَ أَنّهُ رَأْسُ أَهْلِ الْإِفْكِ.
فَقِيلَ: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلاً لذلك، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة فيكفيه ذلك عن الحد.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَسْتَوْشِي الْحَدِيثَ وَيَجْمَعُهُ وَيَحْكِيهِ وَيُخْرِجُهُ فِي قَوَالِبِ مَنْ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ.
وَقِيلَ: الْحَدّ لَا يَثْبُتُ إلّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِبَيّنَةٍ وَهُوَ لَمْ يُقِرّ بِالْقَذْفِ وَلَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَإِنّهُ إنّمَا كَانَ يَذْكُرُهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: حَدّ الْقَذْفِ حَقّ الْآدَمِيّ لَا يُسْتَوْفَى إلّا بِمُطَالَبَتِهِ وَإِنْ قِيلَ إنّهُ حَقّ لِلّهِ فَلَا بُدّ مِنْ مُطَالَبَةِ الْمَقْذُوفِ وَعَائِشَةُ لَمْ تُطَالِبْ بِهِ ابْنَ أُبَيّ.
وَقِيلَ بَلْ تَرَكَ حَدّهُ لِمَصْلَحَةٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ إقَامَتِهِ كَمَا تَرَكَ قَتْلَهُ مَعَ ظُهُورِ نِفَاقِهِ وَتَكَلّمِهِ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ مِرَارًا وَهِيَ تَأْلِيفُ قَوْمِهِ وَعَدَمُ تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنّهُ كَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ فَلَمْ تُؤْمَنْ إثَارَةُ الْفِتْنَةِ فِي حَدّهِ وَلَعَلّهُ تُرِكَ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ كُلّهَا.
فجلد مسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيراً لهم وتكفيراً. وترك عبد الله ابن أبي إذا: فليس هو من أهل ذاك.
والحافظ ابن حجر يقف على هذه الوجوه من الحكمة التي أبداها ابن القيم في ترك حد عبد الله ابن أبي فيتعقبه بأن الرواية قد وردت بإقامة الحد على عبد الله ابن أبي فيقول: وأبدى صاحب (الهدى) الحكمة في ترك الحد على عبد الله ابن أبي، وفاته أنه ورد ذكره أيضا فيمن أقيم عليه الحد، ووقع ذلك في رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد عن عبد الله ابن أبي بكر أخرجه الحاكم في (الإكليل).
стр. 2311
١٢٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ (لَقَدْ أَدْرَكَتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ﵃، وَمِنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ اَلْمَمْلُوكَ فِي اَلْقَذْفِ إِلَّا أَرْبَعِينَ) رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ فِي "جَامِعِهِ".
===
• كم حد المملوك إذا قذف حراً؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن حد المملوك ذكراً أم أنثى إذا قذف حراً أربعون جلدة.
لفعل الصحابة.
قال الشنقيطي: اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَذَفَ حُرًّا يُجْلَدُ أَرْبَعِينَ; لِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ كَحَدِّ الزِّنَى.
القول الثاني: أن حد المملوك إذا قذف حراً ثمانون جلدة كحد الحر.
وهذا قول ابن مسعود، واختاره ابن حزم.
لعموم الآية (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).
ورجحه الشنقيطي فقال: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي دَلِيلًا: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَذَفَ حُرًّا جُلِدَ ثَمَانِينَ لَا أَرْبَعِينَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا اسْتَظْهَرْنَا جَلْدَهُ ثَمَانِينَ.
لِأَنَّ الْعَبْدَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) وَلَا يُمْكِنُ إِخْرَاجُهُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ يُخْرِجُ الْعَبْدَ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، لَا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ عَلَى تَشْطِيرِ الْحَدِّ عَنِ الْأَمَةِ فِي حَدِّ الزِّنَى وَأَلْحَقَ الْعُلَمَاءُ بِهَا الْعَبْدَ بِجَامِعِ الرِّقِّ، وَالزِّنَى غَيْرُ الْقَذْفِ.
أَمَّا الْقَذْفُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ فِي خُصُوصِهِ.
وَأَمَّا قِيَاسُ الْقَذْفِ عَلَى الزِّنَى فَهُوَ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الْفَارِقِ; لِأَنَّ الْقَذْفَ جِنَايَةٌ عَلَى عِرْضِ إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ، وَالرَّدْعُ عَنِ الْأَعْرَاضِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ فَيُرْدَعُ الْعَبْدُ كَمَا يُرْدَعُ الْحُرُّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (أضواء البيان).
стр. 2312
١٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مِنْ قَذْفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ اَلْحَدُّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(مِنْ قَذْفَ مَمْلُوكَهُ) عند مسلم (وهو بريء مما قال).
• هل يحد الحر إذا قذف عبداً؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
لقول الأول: أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وإنما عليه التعزير.
أ-لحديث الباب (من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال).
وجه الدلالة: أنه لو وجب على السيد حد في الدنيا إذا قذف عبده لذكره كما ذكره في الآخرة، فلما لم يذكره دل على أنه لا حد عليه.
قال النووي معلقاً على هذا الحديث: فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، ولكن يعرز قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن فيه، سواء من هو كامل الرق أو فيه شائبة حرية.
ب- الإجماع.
وقد حكاه على هذا الحكم بالتفريق غير واحد من أهل العلم منهم النووي، والقرطبي، وابن قدامة، والحافظ ابن حجر.
القول الثاني: أن الحر إذا قذف العبد أقيم عليه الحد.
وهو قول الظاهرية وانتصر له ابن حزم
أ- لعموم آية القذف وهي قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).
وجه الدلالة: أن الله رتب حكم الذين يرمون المحصنات أي العفائف على الإحصان وهو العفة، وهذا يشمل الحر والعبد لأن (المحصنات) جمع معرف بـ (أل) فيفيد العموم، كما أن لفظ (الذين) اسم موصول عام، فيشمل الذين يرمون الأحرار أو العبيد بناء على تفسير المحصنات بالعفائف، فيجب إذا حد قاذف العبد كقاذف الحر.
ب- أن العبد يحد للزنا، فيحد القاذف له بالزنا؛ كالحر.
ج-أن الحكمة من الحد هي منع الترامي بالفاحشة وتنزيه الرأي العام من أن يسري فيه هذا القول، وتلك حكمة تتحقق في رمي العبيد وغيرهم.
ج-أن للعبد كرامته فيجب أن تصان عن الابتذال؛ كما تصان كرامة الأحرار.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن السيد إذا قذف عبده بالزنا لم يحد للقذف في الدنيا.
- أن مرتبة العبد دون مرتبة الحر.
- إثبات القصاص يوم القيامة.
стр. 2313
بَابُ حَدِّ اَلسَّرِقَةِ
تعريفها:
لغة: مأخوذة من الاستخفاء والتستر.
وشرعاً: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار.
١٢٢٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. وَلَفْظُ اَلْبُخَارِيِّ: (تُقْطَعُ اَلْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا).
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ (اِقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ).
١٢٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍ، ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
• ما حكم السرقة؟
حرام، ومن كبائر الذنوب.
قال تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ).
وقال ﷺ (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) متفق عليه.
وقال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكن هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه.
وقال ﷺ (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده).
• لماذا قدم تعالى الرجل في قوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ) وفي الزنا قال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) فقدم المرأة؟
لأن مقام السرقة يكون الأكثر فيه الرجل، فلديه من القوة والشجاعة والإقدام ما ليس عند المرأة، ومن ثم قدمه في الذكر، بينما في موضع الزنا، قدم الأنثى لأن المرأة عندها من التفنن في الافتتان ما ليس عند الرجل، ولذا قد يخرج الرجل يريد الزنا ولا يجد شيئاً، بينما المرأة لو خرجت تريد الزنا وجدته، فلذلك قدمها على الرجل.
وقال بعض العلماء: قُدِّمَ ذِكْرُ الزَّانِيَةُ عَلَى الزَّانِي لِلِاهْتِمَامِ بِالْحُكْمِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الْبَاعِثُ (أي السبب) عَلَى زِنَى الرَّجُلِ وَبِمُسَاعَفَتِهَا الرَّجُلَ يَحْصُلُ الزِّنَى وَلَوْ مَنَعَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مَا وَجَدَ الرَّجُلُ إِلَى الزِّنَى تَمْكِينًا، فَتَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ فِي تَحْذِيرِهَا.
فقدمت المرأة في الزنا لأنها هي من تعرض نفسها، فهي سلعة معروضة، فإذا فقدت السلعة فقد الطالب لها، فلما كانت معروضة كانت مطلوبة، ولو بقيت محجوبة متعففة لما حصل بها فتنة.
стр. 2314
فدور المرأة في مسألة الزنا أعظم ومدخلها أوسع، فهي التي تغري الرجل وتثيره وتهيج عواطفه، وتفتنه لذلك أمر الحق ﵎ الرجال بغَضِّ البصر وأمر النساء بذلك أيضاً وبعدم إبداء الزينة، وعدم التبرج، والمكوث في البيت كل ذلك ليسُدَّ نوافذ هذه الجريمة ويمنع أسبابها.
قال الحافظ في الفتح: وقدم السارق وقدمت الزانية على الزاني لوجود السرقة غالباً في الذكورية، ولأن داعية الزنا في الإناث أكثر، ولأن الأنثى سبب.
وقال الشيخ محمد السريّع: وأما السؤال الثاني: فقد يتردد على ألسنة المفسرين كثيراً، وذكروا له عدة أجوبة، والذي يظهر لي هو أن الابتداء بالمذكر في المائدة هو الأصل، ومع ذلك فله مناسبة وهي أن السرقة في الرجال قد تكون أكثر.
وأما تقديم المؤنث في قوله (الزانية والزاني) فلأمور منها:
أن الزنا لا يحصل إلا بمساعفة المرأة وتمكينها من نفسها، بل وتعرضها للرجل وإغوائها وإغرائها له، ولذا قدمت زجراً لها.
الوجه الثاني وهو أظهر: أنها لما كان الزنا في حق المرأة أشنع، وعاقبته أفظع، وتبعاته عليها أضر، مِنْ فقد البكارة، والتلبس بالحبل، وما يتبعه من الولد واشتباه النسب، وزيادة العار المتعدي، وكانت هذه الأمور وغيرها مما يبقى أثره ومعرفته على المرأة بخلاف الرجل الذي لا يلحقه من ذلك شيء، ولذلك يقل إقبال الأزواج على المرأة الزانية، وتضعف رغبتهم فيها .. لهذا كله ولغيره -والله أعلم- قدم لفظ (الزانية).
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد وجوب قطع يد السارق.
كما في الآية (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا … ).
قال ابن قدامة: بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ، نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهَا، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجُمْلَةِ.
стр. 2315
• الحديث دليل لشرط من شروط قطع يد السارق؛ فما هو؟
الشرط هو: أن يكون المسروق نصاباً.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال النووي: وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء: وَلَا تُقْطَع إِلَّا فِي نِصَاب لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشترط النصاب، بل تقطع اليد في القليل والكثير.
قال النووي: … فَقَالَ أَهْل الظَّاهِر: لَا يُشْتَرَط نِصَاب بَلْ وَيُقْطَع فِي الْقَلِيل وَالْكَثِير، وَبِهِ قَالَ اِبْن بِنْت الشَّافِعِيّ مِنْ أَصْحَابنَا، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالْخَوَارِج وَأَهْل الظَّاهِر، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى (وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا) وَلَمْ يَخُصُّوا الْآيَة. (نووي).
واستدلوا بالحديث الآتي (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، … ) وسيأتي الجواب عنه.
والراجح مذهب الجمهور.
• كم مقدار النصاب؟
اختلف القائلون بشرطية النصاب في مقداره على أقوال:
وقد ذكر النووي الخلاف فقال:
فَقَالَ الشَّافِعِيّ النِّصَاب رُبْع دِينَار ذَهَبًا، أَوْ مَا قِيمَته رُبْع دِينَار، سَوَاء كَانَتْ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم أَوْ أَقَلّ أَوْ أَكْثَر، وَلَا يُقْطَع فِي أَقَلّ مِنْهُ.
وَبِهَذَا قَالَ كَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ.
وَهُوَ قَوْل عَائِشَة وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْث وَأَبِي ثَوْر وَإِسْحَاق وَغَيْرهمْ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ دَاوُدَ.
وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة: تُقْطَع فِي رُبْع دِينَار أَوْ ثَلَاثَة دَرَاهِم أَوْ مَا قِيمَته أَحَدهمَا، وَلَا تُقْطَع فِيمَا دُون ذَلِكَ، وَقَالَ سُلَيْمَان بْن يَسَار وَابْن شُبْرُمَةَ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَن فِي رِوَايَة عَنْهُ: لَا تُقْطَع إِلَّا فِي خَمْسَة دَرَاهِم، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب.
следующие страницы →