← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

كِتَاب اَلْأَطْعِمَةِ الطعام في اللغة يطلق في الغالب على ما يؤكل، وقد يطلق على ما يشرب بقلة كقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ). وقال ﷺ في زمزم (إنها طعام طُعْم). الأصل في الأطعمة الحل. أ-لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً). قال في تفسير المنار: وهذه نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء: أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، والمراد إباحة الانتفاع بها أكلاً وشرباً ولباساً وتداوياً وركوباً وزينة. ب- وقال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ). دلت هذه الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة، لأن الاستفهام في (مَنْ) للإنكار، ومن هذا يعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في هذه الأشياء التي هي من أنواع الزينة وكل ما يتجمل به ومن الطيبات من الرزق هو الحل. ج- وقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ). وجه الدلالة: أنه إذا كان ما في الأرض مسخراً لنا، جاز استمتاعنا به، وهذا معنى الإباحة. د- وقال ﷺ (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) رواه الدار قطني.

стр. 2487

١٣٢٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ اَلسِّبَاعِ، فَأَكَلَهُ حَرَامٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ١٣٢١ - وَأَخْرَجَهُ: مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظٍ: نَهَى. وَزَادَ (وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ اَلطَّيْرِ). === (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ اَلسِّبَاعِ) أي: يفترس به. (وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ اَلطَّيْرِ) أي: له ظفر يصيد به كالصقر والعقاب. قال ابن حجر في الفتح (والمخلب) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة وهو للطير كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ وأحد، فهو له كالناب للسبع. ولفظ حديث ابن عباس: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ). - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم أكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. السباع: كَالأْسَدِ، وَالنِّمْرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفِيلِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالسِّنَّوْرِ، وَالنِّمْسِ، وَالْقِرْدِ، وَالدُّبِّ والطيور: كَالْعُقَابِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالبَاشِقِ، وَالحِدَأَةِ، وَالْبُومَةِ. أ-لحديث - الباب - حديث أبي هريرة. ب-ولحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) رواه مسلم. ج- وعَنْ أَبِى ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) متفق عليه. وهذا قول جماهير العلماء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وإحدى الروايتين عن مالك. قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَدَاوُد وَالْجُمْهُور أَنَّهُ يَحْرُم أَكْل كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع وَكُلّ ذِي مِخْلَب مِنْ الطَّيْر. وقال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ قَوِيٍّ مِنْ السِّبَاعِ، يَعْدُو بِهِ وَيَكْسِرُ، إلَّا الضَّبُعَ. وقال الشوكاني: وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وإلى ذلك ذهب الجمهور. - ما الحكمة من تحريم أكلها؟ قال ابن القيم: السبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي. وقال ابن عثيمين: ولأن الحكمة تقتضيه؛ لأن للغذاء تأثيراً على المُتَغَذِّي به، فالإنسان ربما إذا اعتاد التغذِّي على هذا النوع من اللحوم صار فيه محبة العدوان على الغير؛ لأن ذوات الناب من السباع تعتدي، فإن الذئب مثلاً إذا رأى الغنم عدى عليها، ومع ذلك فإن بعض الذئاب إذا دخل في القطيع ما يكتفي بقتل واحدة ويأكلها، بل يمر على القطيع كله فيقتله كله، ويأكل ما شاء ثم يخرج.

стр. 2488

- ما الجواب عن قوله تعالى (قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) حيث استدل ب ها بعض العلماء على الكراهة دون التحريم؟ الجواب: أن الآية مكية نزلت قبل الهجرة، قصد بها الرد على أهل الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرم أمور كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، فالآية ليس فيها إلا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرماً إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع. (أحكام الأطعمة الفوزان). وقال النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيث قَالُوا: وَالْآيَة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْإِخْبَار بِأَنَّهُ لَمْ يَجِد فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُحَرَّمًا إِلَّا الْمَذْكُورَات فِي الْآيَة، ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِتَحْرِيمِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع، فَوَجَبَ قَبُوله وَالْعَمَل بِهِ. وقال الشنقيطي: الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ بِالدَّلِيلِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ: مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِطَرِيقٍ صَحِيحَةٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُّنَّةٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَيُزَادُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَاتِ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَيُّ مُنَاقَضَةٍ لِلْقُرْآنِ; لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَزِيدَةَ عَلَيْهَا حُرِّمَتْ بَعْدَهَا، … فَوَقْتُ نُزُولِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَحَصْرُهَا صَادِقٌ قَبْلَ تَحْرِيمِ غَيْرِهَا بِلَا شَكٍّ، فَإِذَا طَرَأَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ آخَرَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْحَصْرَ. - هناك حيوانات اختلف في حكمها هل هي من السباع أم لا؟ الضبع. وسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله. والثعلب. فقيل: بإباحته. وقيل: بتحريمه. وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وبه قال الظاهرية. لحديث الباب، والثعلب ذو ناب فيدخل في عموم النهي ويكون محرماً. والدب. وهو حرام عند جماهير العلماء. لأن له ناب يفترس فيه.

стр. 2489

١٣٢٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأَهْلِيَّةِ، وَأْذَنْ فِي لُحُومِ اَلْخَيْلِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ اَلْبُخَارِيِّ (وَرَخَّصَ). === (يَوْمَ خَيْبَرَ) عام ٧ هـ. (اَلْحُمُرِ اَلْأَهْلِيَّةِ) وهي الحمر الإنسية، وهي التي تألف البيوت. (وَأْذَنْ فِي لُحُومِ اَلْخَيْلِ) وفي رواية البخاري (رخص). (في لحوم الخيل) أي: أكل لحمها. - ما حكم أكل لحم الحمر الأهلية؟ حرام. قال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِهُوهَا. وقال النووي: فَقَالَ الْجَمَاهِير مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومهَا لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات: أَشْهَرهَا أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهِيَة تَنْزِيه شَدِيدَة، وَالثَّانِيَة: حَرَام، وَالثَّالِثَة: مُبَاحَة، وَالصَّوَاب التَّحْرِيم كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِير لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَة. أ- لحديث الباب. ب-ولحديث أنس قال (لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُر اَلْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْس) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ج- وعن ابن عمر ﵁ قال (أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية) متفق عليه. د- وعن علي ﵁ قال (إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية) متفق عليه. هـ- وعن ابن أبي أوفى قال (نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر) رواه البخاري. فهذه الأحاديث فيها النهي الصريح عن لحوم الحمر الأهلية. قال ابن القيم: أحاديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواها عن النبي ﷺ علي، وجابر، والبراء، وابن أبي أوفى، و … ، والعرباض، وأبو ثعلبة، وابن عمر، وأبو سعيد، وسلمة، .... - ما العلة في النهي عنها؟ قيل: لحاجتهم إليها. فقد جاء في حديث ابن عمر ( … وكان الناس قد احتاجوا إليها). لكن يرد هذا القول حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل) فلو كان النهي من أجل أنها حمولة الناس لكان النهي عن لحوم الخيل أولى.

стр. 2490

وقيل: لأنها كانت تأكل العذرة. عَنْ غَالِب بْن أَبْجَرَ قَالَ (أَصَابَتْنَا سَنَة فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْء أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا شَيْء مِنْ حُمُر، وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ حَرَّمَ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَأَتَيْت النَّبِيّ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُول اللَّه أَصَابَتْنَا السَّنَة فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا سِمَان حُمُر، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِين حُمُرك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْل جَوَّال الْقَرْيَة). (يَعْنِي بِالْجَوَّالِ الَّتِي تَأْكُل الْجُلَّة، وَهِيَ الْعُذْرَة). قال النووي: فَهَذَا الْحَدِيث مُضْطَرِب مُخْتَلَف الْإِسْنَاد شَدِيد الِاخْتِلَاف، وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْأَكْل مِنْهَا فِي حَال الِاضْطِرَار وَاللَّهُ أَعْلَم. وقال الشنقيطي: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ»: اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ فِي إِسْنَادِهِ، يَعْنُونَ مُضْطَرِبًا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تُعَارَضُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا. وقيل: إنه إنما حرمت لأنها رجس في نفسها. قال ابن القيم: وهذا أصح العلل، فإنها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه في الصحيحين. (إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمر اَلْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْس). • ما حكم أكل البغل؟ حرام. لحَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ (حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) أَصْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ، بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَالشَّوْكَانِيُّ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تفسيره: وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ (ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِغَالِ وَالْحُمُرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ).

стр. 2491

قال الشنقيطي: وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْبِغَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهَا مُتَوَلَّدَةٌ عَنِ الْحَمِيرِ وَهِيَ حَرَامٌ قَطْعًا; لِصِحَّةِ النُّصُوصِ بِتَحْرِيمِهَا وقال ابن قدامة: وَالْبِغَالُ حَرَامٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ حَرَّمَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهَا، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الشَّيْءِ لَهُ حُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ. قَالَ قَتَادَةُ: مَا الْبَغْلُ إلَّا شَيْءٌ مِنْ الْحِمَارِ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ الْخَيْلِ). قال ابن قدامة ﵀: والبغال حرام (أي: أكلها) عند كل من حرم الحمر الأهلية; لأنها متولدة منها، والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم. جاء في (الموسوعة الفقهية): مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَالثَّانِي حَلَالٌ مَعَ الإْباحَةِ أَوْ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الصِّنْفِ: الْبِغَال: قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْبَغْل وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُتَوَلِّدَاتِ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأْصْلَيْنِ. وَحُجَّتُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأصْلَيْنِ، أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُمَا فَيَجْتَمِعُ فِيهِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ، فَيُغَلَّبُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا. وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي، أَوِ الْحَاظِرُ وَالْمُبِيحُ، غُلِّبَ جَانِبُ الْمَانِعِ الْحَاظِرِ احْتِيَاطًا. • ما حكم أكل الحمر الوحشية؟ حلال. فقد جاء في حديث جابر قال (أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي) رواه مسلم. وفي حديث أبي قتادة قال: (قلت: يا رسول الله، أصبت حمار وحش وعندي منه فاضلة، فقال للقوم: كلوا، وهم محرمون) متفق عليه. فقد أمر ﷺ الصحابة بالأكل من حمار الوحش وهم محرمون، وهذا دليل على حله. • ما حكم أكل لحم الخيل؟ حلال عند جماهير العلماء. قال النووي: فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَالْجُمْهُور مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف أَنَّهُ مُبَاح لَا كَرَاهَة فِيهِ، وَبِهِ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَفَضَالَة بْن عُبَيْد وَأَنَس بْن مَالِك وَأَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر وَسُوَيْد بْن غَفَلَة وَعَلْقَمَة وَالْأَسْوَد وَعَطَاء وَشُرَيْح وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَحَمَّاد بْن سُلَيْمَان وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد وَدَاوُد وَجَمَاهِير الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرهم. (شرح مسلم)

стр. 2492

وقال في المجموع: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه حلال لا كراهة فيه وبه قال أكثر العلماء. أ- لحديث الباب (وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ). ب-عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ (نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ). وَفِي رِوَايَةٍ (وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ). ج- وعن جابر ﵁ قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ وكنا نأكل لحم الخيل ونشرب ألبانها) رواه الدارقطني والبيهقي. قال النووي: بإسناد صحيح. ج- وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ مُسْتَطَابٌ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ وَلَا مِخْلَبٍ، فَيَحِلُّ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْمُبِيحَةِ. (المغني). وذهب بعض العلماء إلى أنها حرام. وهذا مذهب أبي حنيفة، والأشهر عند مالك. أ- لقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً). وجه الدلالة من الآية: (ذكرها ابن حجر في الفتح). أَحَدهَا: أنَّ اللام لِلتَّعْلِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّها لَمْ تُخْلَق لغَيْرَ ذَلِكَ، لأَنَّ الْعِلَّة المَنْصُوصَة، تُفِيد الْحَصْر، فَإِبَاحَة أَكْلهَا تَقْتَضِي خِلَاف ظَاهِرِ الآيَة. ثَانِيهَا: عَطْف الْبِغَال، وَالْحَمِير، فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكهَا مَعَهَا فِي حُكْم التَّحْرِيم، فَيَحْتَاجُ مَنْ أَفْرَدَ حُكْمهَا عَنْ حُكْم مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيل. ثَالِثهَا: أَنَّ الآية سِيقَتْ مَسَاق الامْتِنَان، فَلَوْ كَانَتْ يُنْتَفَع بِها فِي الأَكْل، لَكَانَ الامْتِنَان بهِ أَعْظَم؛ لأَنَّهُ يَتَعَلَّق بِهِ بَقَاء الْبنْيَة، بِغَيْرِ وَاسِطَة، وَالْحَكِيم لا يَمْتَنّ بِأَدْنَى النِّعَم، وَيَترُكَ أَعْلاهَا، وَلاسِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ الامْتِنَان بِالأَكْلِ فِي المَذْكُورَات قَبْلهَا. رَابِعِهَا: لَوْ أُبِيحَ أَكْلهَا، لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَة بِهَا، فِيْمَا وَقَعَ بِهِ الامْتِنَان، مِنْ الرُّكُوب، وَالزِّينَة، هَذَا مُلَخَّص مَا تَمَسَّكُوا بِهِ منْ هَذِهِ الآيَة. (الفتح). ب- ولحديث خالد بن الوليد قال (غزوت مع رسول الله ﷺ خيبر، فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد شرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله ﷺ : ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام حمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع). رواه أبو داود

стр. 2493

والصحيح الأول. وأما الجواب عن الآية: فإنها نزلت في مكة اتفاقاً، والإذن في أكل لحوم الخيل يوم خيبر، كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين. وأما الحديث فلا يصح. قال النووي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث وَغَيْرهمْ عَلَى أَنَّهُ حَدِيث ضَعِيف وَقَالَ بَعْضهمْ: هُوَ مَنْسُوخ، رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ مُوسَى بْن هَارُون الْحَمَّال (بِالْحَاءِ) الْحَافِظ قَالَ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، قَالَ: وَلَا يُعْرَف صَالِح بْن يَحْيَى وَلَا أَبُوهُ، وَقَالَ الْبُخَارِيّ: هَذَا الْحَدِيث فِيهِ نَظَر، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إِسْنَاد مُضْطَرِب، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي إِسْنَاده نَظَر، قَالَ: وَصَالِح بْن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه لَا يُعْرَف سَمَاع بَعْضهمْ مِنْ بَعْض، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدِيث الْإِبَاحَة أَصَحّ، قَالَ: وَيُشْبِه إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا أَنْ يَكُون مَنْسُوخًا. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِأَحَادِيث الْإِبَاحَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره، وَهِيَ صَحِيحَة صَرِيحَة، وَبِأَحَادِيث أُخَر صَحِيحَة جَاءَتْ بِالْإِبَاحَةِ، وَلَمْ يَثْبُت فِي النَّهْي حَدِيث. (نووي). وقال ابن حجر: من حجج من منع أكل الخيل حديث خالد بن الوليد المخرج في السنن (أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل) وتعقب بأنه شاذ منكر لأن في سياقه أنه شهد خيبر وهو خطأ فإنه لم يسلم الا بعدها على الصحيح والذي جزم به الأكثر أن إسلامه كان سنة الفتح. (الفتح). وقَالَ ﵀ فِي " فَتْحِ الْبَارِي " فِي بَابِ " لُحُومِ الْخَيْلِ " مَا نَصُّهُ: وَقَدْ ضَعَّفَ حَدِيثَ خَالِدٍ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْخَطَّابِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَعَبْدُ الْحَقِّ، وَآخَرُونَ. فائدة: قَالَ فِي "الفتح": قَالَ الطَّحَاويُّ: وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة إِلَى كَرَاهَة أَكْلِ الخَيل، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، وَغَيْرهمَا، وَاحْتَجوا بِالأخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَة فِي حِلِّهَا، وَلَو كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا منْ طَرِيق النَّظَر، لَمَا كَانَ بَيْن الْخَيْل وَالْحُمُر الأَهْلِيَّة فَرْق، وَلَكِن الآثَارُ إِذَا صَحَّتْ عَنْ رَسُول الله ﷺ أَوْلَى أنْ يُقَال بِهَا، مِمَّا يُوجِبهُ النَّظَر، وَلاسِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ جَابِر، أنَّهُ ﷺ أَبَاحَ لَهُمْ لُحُوم الْخَيْل، فِي الْوَقْت الَّذِي مَنَعَهُمْ فِيهِ منْ لُحُوم الحُمُر، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَاف حُكْمهمَا. قَالَ الحافظ وَقَدْ نَقَلَ الحِلّ بَعْضُ التَّابِعِين عن الصَّحَابَة، منْ غَيْر اسْتِثْنَاء أَحَدٍ.

стр. 2494

١٣٢٣ - وَعَنْ اِبْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ اَلْجَرَادَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (الْجَرَادَ) هو بفتح الجيم وتخفيف الراء معروف، والواحدة جرادة، والذكر والأنثى سواء كالحمامة، ويقال: إنه مشتق من الجَرد لأنه لا ينزل على شيء إلا جرّده. ويقال: جرّده من ثوبه عرّاه، وجرد الجلد: نزع عنه الشعر، وجرد الجراد الأرض: أكل ما عليه من النبات وأتى ما عليه فلم يبق منه شيئا، وجرد القحط الأرض أذهب نباتها، والسيف من غمده سله، والقطن حلجه، وجرد القوم: سألهم فمنعوه أو أعطوه كارهين، وجرد ما في المخزن أو الحانوت: أحصى ما فيه من البضائع. (نَأْكُلُ اَلْجَرَادَ) وفي رواية البخاري (فكنّا نأكل معه الجراد) فَقَالَ فِي الفتح: يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو، دون ما تبعه منْ أكل الجراد. ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل عَلَى الثاني، أنه وقع فِي رواية أبي نعيم فِي الطب (ويأكل معنا). قَالَ الحافظ: رحمه الله تعالى: وهذا إن صحّ، يرد عَلَى الصيمري، منْ الشافعية، فِي زعمه أنه ﷺ عافه كما عاف الضب. ثم وقفت عَلَى مستند الصيمري، وهو ما أخرجه أبو داود، منْ حديث سلمان ﵁، سئل ﷺ عن الجراد؟، فَقَال: لا آكله، ولا أحرمه، والصواب مرسل، ولابن عدي فِي ترجمة ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه ﷺ سئل عن الضب، فَقَالَ: لا آكله، ولا أحرمه، وسئل عن الجراد، فَقَالَ: مثل ذلك. وهذا ليس ثابتاً، لأن ثابتاً، قَالَ فيه النسائيّ: ليس بثقة. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد حل أكل الجراد، وهذا بالإجماع كما حكاه النووي وغيره. قال النووي: فِيهِ إِبَاحَة الْجَرَاد، وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبَاحَته. (شرح مسلم). وقال القرطبي: ولم يختلف العلماء في أكله على الجملة. (التفسير). وجه الدلالة من حديث الباب: أن كون هذا الصحابي يأكل الجراد مع الرسول ﷺ في هذه المدة المذكورة، دليل على حل الجراد، لأنه لو كان حراماً لبيّن النبي ﷺ حكمه ولم يسكت عنه. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد). رواه أبو داود، وقد روي مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصح وله حكم الرفع. فهذا فيه التصريح بأن الجراد حلال.

стр. 2495

• هل يجوز أكله بدون ذكاة؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز أكل الجراد بدون ذكاة (يجوز أكل ميتته). لحديث ابن عمر السابق: (ميتتان … ). ففيه أن مما أحله الله لنا ميتتيْ السمك والجراد، وهذا دليل على حل ميتة الجراد بدون تفصيل. قال النووي: … ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة، وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير: يَحِلّ، سَوَاء مَاتَ بِذَكَاةٍ أَوْ بِاصْطِيَادِ مُسْلِم أَوْ مَجُوسِيّ، أَوْ مَاتَ حَتْف أَنْفه، سَوَاء قُطِعَ بَعْضه أَوْ أُحْدِثَ فِيهِ سَبَب. فائدة: ورد ذكر الجراد في القرآن في موضعين: الموضع الأول كان ذكره كجندي من جنود الله أرسله الله على العصاة من عباده عقاباً لهم فقال تعالى (فأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِين). فهو إذن عقاب وابتلاء يسلطه الله سبحانه على من يشاء بأمره، وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀: وهو جند من جنود الله ضعيف الخلقة عجيب التركيب فيه خلق سبع حيوانات فإذا رأيت عساكره قد أقبلت أبصرت جنداً لا مرد له ولا يحصى منه عدد ولا عدة فلو جمع الملك خيله ورجله ودوابه وسلاحه ليصده عن بلاده لما أمكنه ذلك فانظر كيف ينساب على الأرض كالسيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته ويسد وجه السماء بأجنحته ويبلغ من الجو إلى حيث لا يبلغ طائر أكبر جناحين منه، فسل المعطل من الذي بعث هذا الجند الضعيف الذي لا يستطيع أن يرد عن نفسه حيواناً رام أخذه بلية على العسكر أهل القوة والكثرة والعدد والحيلة فلا يقدرون بأجمعهم على دفعه بل ينظرون إليه يستبد بأقواتهم دونهم ويمزقها كل ممزق ويذر الأرض قفراً منها وهم لا يستطيعون أن يردوه ولا يحولوا بينه وبينها وهذا من حكمته سبحانه أن يسلط الضعيف من خلقه الذي لا مؤنة له على القوى فينتقم به منه وينزل به ما كان يحذره منه حتى لا يستطيع لذلك رداً ولا صرفاً. والموضع الثاني جاء ذكره في سياق وصف يوم الحشر وحال الناس حين يخرجون من قبورهم وهم في فزع عظيم وأمر مريج كأنهم الجراد المنتشر بكل اتجاه. فقال عز من قائل (خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِر). أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد منتشر في الآفاق، منتشر في كثرتهم وتفرقهم في كل جهة والجراد مثل في الكثرة والتموج، ويقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاءوا كالجراد. فائدة: قال القرطبي: واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حل بأرض فأفسد. فقيل: لا يقتل. وقال أهل الفقه كلهم: يقتل. احتج الأولون بأنه خلق عظيم من خلق الله يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم. وبما روي (لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم). واحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبي ﷺ بقتال المسلم إذا أراد أخذ مال؛ فالجراد إذا أرادت فساد الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها. ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه يجوز قتل الحية والعقرب؟ لأنهما يؤذيان الناس فكذلك الجراد .... (تفسير القرطبي)

стр. 2496

١٣٢٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - فِي قِصَّةِ اَلْأَرْنَبِ - قَالَ (فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَبِلَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا) بفتح الواو وهو ما فوق الفخذ. - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد حل أكل الأرنب. قال النووي: وَأَكْل الْأَرْنَب حَلَال عِنْد مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِي وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَابْن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمَا كَرِهَاهَا. دَلِيل الْجُمْهُور هَذَا الْحَدِيث مَعَ أَحَادِيث مِثْله، وَلَمْ يَثْبُت فِي النَّهْي عَنْهَا شَيْء. وقال ابن قدامة: وَالْأَرْنَبُ مُبَاحَةٌ، أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَاللَّيْثُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَائِلًا بِتَحْرِيمِهَا، إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ (أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا، فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتهَا، فَجِئْت بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا - أَوْ قَالَ - فَخِذِهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا حَيَوَانٌ مُسْتَطَابٌ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ؛ فَأَشْبَهَ الظَّبْيَ. (المغني). (مَعْنَى اِسْتَنْفَجْنَا: أَثَرْنَا وَنَفَرْنَا). وقال ابن حجر: وفي الحديث جواز أكل الأرنب وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء. واحتج بحديث خزيمة بن جزء (قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه، قلت فإني أكل ما لا تحرمه ولم يا رسول الله قال نبئت أنها تدمى) وسنده ضعيف ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة.

стр. 2497

١٣٢٥ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعِ مِنْ اَلدَوَابِّ: اَلنَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ. === - ما صحة حديث الباب؟ سنده صحيح. - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم أكل هذه الدواب، لأنه لو حلّ أكلها لما نهي عن قتلها. فمن الأشياء التي يحرم أكلها: ما نهى الشرع عن قتله، فكل شيء نهى الشرع عن قتله فأكله حرام. لحديث الباب (ونهى عن قتل أربع من الدواب: النملة … ). ولأنا لو قتلناه لوقعنا فيما نهى الشارع عنه. ولأنه لو كان حلال الأكل لما نهىَ عن قتله. - اذكر قاعدة أخرى من قواعد باب الأطعمة؟ القاعدة: كل حيوان أمر الشارع بقتله فهو محرم الأكل. لأنه لو كان الانتفاع بأكلها جائزاً لما أذن ﷺ بقتلها. ولما فيها من الإيذاء والتعدي. الحيوانات التي أمر بقتلها: قال ﷺ (خمس يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والحدأة والفأر والكلب العقور). متفق عليه وكذلك الوزغ (فقد أمر النبي ﷺ بقتلها) متفق عليه.

стр. 2498

١٣٢٦ - وَعَنْ اِبْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ (قُلْتُ لِجَابِرٍ: اَلضَّبُعُ صَيْدُ هِيَ؟ قَالَ: نِعْمَ. قُلْتُ: قَالَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: نِعْمَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةَ وَصَحَّحَهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. === (اَلضَّبُع) هو الواحد الذكر والأنثى ضبعان ولا يقال ضبعة، ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكراً، وسنة أنثى فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم. (نيل الأوطار). - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد حل أكل الضبع، وقد اختلف العلماء في حكم أكله على قولين: القول الأول: أنه حرام. وهو قول الحنفية وجماعة من العلماء. واستدلوا بعموم حديث (نهى عن كل ذي ناب من السباع). قالوا: والضبع لها ناب تصيد به فتدخل تحت الحديث. القول الثاني: أنها حلال. وهو قول الشافعية والحنابلة. وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) وعبد الرزاق في (المصنف) هذا القول عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري ﵃ جميعاً. وعزاه ابن المنذر في (الأوسط) لأكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في أكل الضبع فرخص أكثر أهل العلم فيه. لحديث الباب. ولفظ أبي داود عن جابر قال (هو صيد ويجعل فيه كبش إذا أصابه المحرم). وجه الدلالة من الحديث: أن جعل الضبع صيداً. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 2499

- ما الجواب عن حديث (نهى عن كل ذي ناب من السباع)؟ أجابوا بجوابين: الأول: قالوا بتخصيص الضبع من عموم حديث تحريم كل ذي ناب من السباع، ودليل التخصيص هو حديث جابر ﵁، فيحرم كل ذي ناب من السباع إلا الضبع. الثاني: أجاب بعضهم بأن الضبع لا يشمله حديث التحريم أصلاً، لأنه ليس من السباع العادية. قال ابن القيم: فإنه ﷺ إنما حرم ما اشتمل على الوصفين، أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد، والذئب، والنمر، والفهد، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين؛ وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمتغذي، ولا ريب أن القوة السبعية في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفاً. (إعلام الموقعين). وقال ﵀: فَحرم على الأمة أكلها (أي السباع ذوات الأنياب) وَلم يحرم عَلَيْهِم الضبع وان كَانَ ذَا نَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ من السبَاع عِنْد أحد من الأمم، وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ لما تضمن الوصفين أن يكون ذَا نَاب وأن يكون من السبَاع. (مفتاح دار السعادة). فائدة: استدل بعضهم على تحريم أكل الضبع بما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال (سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال أو يأكل الضبع أحد) وفي رواية (ومن يأكل الضبع) فيجاب بأن هذا الحديث ضعيف لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية وهو متفق على ضعفه والراوي عنه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. (نيل الأوطار).

стр. 2500

١٣٢٧ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اَلْقُنْفُذِ، فَقَالَ (قُلْ لَا أَجدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ) فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: - ذُكِرَ عِنْدَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ (خِبْيثَة مِنْ اَلْخَبَائِثِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ === - ما صحة حديث الباب؟ ضعيف كما قال المصنف ﵀. - ما حكم أكل القنفذ؟ اختلف العلماء في حكم القنفذ على قولين: القول الأول: أنه حلال. وهذا مذهب الشافعي. لأن العرب تستطيبه لطيب أكله. القول الثاني: أنه حرام. وهذا قول الحنفية والحنابلة. لحديث الباب، حيث جعل القنفذ من جملة الخبائث. والله أعلم.

стр. 2501

١٣٢٨ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةِ إِلَّا النَّسَائِيُّ، وَحَسَّنَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ. === - ما صحة حديث الباب؟ صحيح وله شواهد: عن ابن عباس ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَة) رواه الترمذي، صححه النووي، وقال ابن حجر: على شرط البخاري، وصححه الألباني. وعَنْ عبد الله بن عمرو ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنْ الْجَلَّالَةِ، وَعَنْ رُكُوبِهَا، وَعَنْ أَكْلِ لَحْمِهَا) رواه النسائي وحسنه ابن حجر في الفتح. - ما تعريف الجلالة؟ الجلالة: هي التي أكثر علفها النجاسة، قد تكون بعيراً، وقد تكون بقرة، وقد تكون دجاجة. والْجَلالَة هِيَ الَّتِي تَأْكُل الجِلَّة، والجلة: البَعر. ينظر: "غريب الحديث" للقاسم بن سلام (١/ ٧٨)، و "غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٢٧٦). وقال أبو داود ﵀: " الْجَلَّالَةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ. وقال الإمام أحمد ﵀: الْجَلَّالَةُ: مَا أَكَلَتِ الْعَذِرَةَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ" انتهى من " مسائل الإمام أحمد " رواية أبي داود. فالجلالة: اسم يشمل أي حيوان يتغذى على النجاسات، سواء كان من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، أو الإوز، أو غيرها من الحيوانات المأكولة. قال النووي ﵀: وَتَكون الْجَلالَة: بَعِيرًا، وبقرةً، وشَاةً، ودجاجةً، وإوزة، وَغَيرهَا " انتهى من " تحرير ألفاظ التنبيه " - ما حكم أكل الجلالة؟ يحرم أكلها لظاهر النهي في الحديث. وهذا مذهب الحنابلة. وذهب بعض العلماء بإباحة أكلها. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ، وَبِهِ جَزَمَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَأَلْحَقُوا بِلَبَنِهَا وَلَحْمِهَا: بَيْضَهَا. (الفتح).

стр. 2502

- متى تعتبر جلالة؟ قيل: إذا كان أكثر علفها النجاسة. وهذا مذهب الحنابلة. قال ابن قدامة ﵀: فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، حُرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ، لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهَا وَلَا لَبَنُهَا. وقيل: الاعتبار بالرائحة والنتن. قال النووي ﵀: لَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي عَرَقِهَا وَغَيْرِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ فَجَلَّالَةٌ، وَإِلَّا فَلَا. (المجموع شرح المهذب). قال البيهقي ﵀: وَمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْجَلَّالَةِ، وَمَا قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا: إِذَا ظَهَرَ رِيحُ الْقَذَرِ فِي لَحْمِهَا. (شعب الإيمان). قال الشيخ خالد المشيقح حفظه الله: فالصواب في هذه المسألة أنه إذا كان للنجاسة أثر في طعم اللحم أو رائحته، أو اللبن، أو يسبب أمراضاً، ونحو ذلك، فإنه محرم، وأما إذا لم يكن لها أثر فإنه جائز؛ لأن النجاسات تطهر بالاستحالة، وهذه الأشياء قد استحالت إلى دم، ولحم، وحليب، ونحو ذلك، هذا هو الصواب الأقرب من قولي العلماء ﵏ فيما يتعلق بالجلالة. - متى يزول عنها حكم الجلالة؟ تزول حُرمة أكْل لحم الجلَّالة بمنعها من النَّجاسات، وحبسها على العلف الطاهر. قال ابن قدامة: وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا. وقال النووي: وَلَوْ حُبِسَتْ بَعْدَ ظُهُورِ النَّتْنِ، وَعُلِفَتْ شَيْئًا طَاهِرًا، فَزَالَتْ الرَّائِحَةُ، ثُمَّ ذُبِحَتْ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا قَطْعًا لأن أنَّ المانع من الحِلِّ - وهو أكْل النَّجاسة - قد زال بحبسها على العلف الطَّاهر، والحُكم إذا عُلِّق بعِلَّة، زال بزوالها. - واختلف في مقدار حبسها لكي تحل؟ قيل: تحبس ثلاثة أيام، سواء كانت طائراً أو بهيمة، وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً. وقيل: التفصيل: فيحبس الطائر ثلاثاً والشاة سبعاً وما عدا ذلك يحبس أربعين يوماً. روى نافع عن ابن عمر ﵄ (أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الْجَلَّالَةَ ثَلَاثًا) انتهى من مصنف ابن أبي شيبة، وسنده صحيح كما قال الحافظ في (الفتح). والراجح: أنها لا تتقدر، بل متى غلب على الظن ذهاب أثر النجاسة عنها حلت، لأن التحديد لا دليل عليه، والمقصود زوال المحذور.

стр. 2503

وهذا مذهب الحنفيّة، والشَّافعيَّة، واختاره ابن حزم. وذلك للآتي: أوَّلًا: أنَّ العِبرة بزوال الوصف الذي أدَّى إلى كراهتها وهو النَّجاسة، وهو شيءٌ محسوس؛ فإذا زالت النَّجاسة، زال حُكمها. ثانيًا: أنَّه لا يتقدَّر بالزَّمان لاختلاف الحيوانات في ذلك؛ فيُصار فيه إلى اعتبار زوال المضرّ. قال السرخسي من الحنفية: الأصح أنها تحبس إلى أن تزول الرائحة المنتنة، لأن الحرمة لذلك، وهو شيء محسوس، ولا يتقدر بالزمان لاختلاف الحيوانات في ذلك، فيصار فيه إلى اعتبار زوال المضر، فإذا زال بالعلف الطاهر حل تناوله والعمل عليه بعد ذلك. وقال النووي: وَلَيْسَ لِلْقَدْرِ الَّذِي تُعْلفُهُ مِنْ حَدٍّ، وَلَا لِزَمَانِهِ مِنْ ضَبْطٍ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا يُعْلَمُ فِي الْعَادَةِ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ تَزُولُ بِه، وَلَوْ لَمْ تُعْلَفْ لَمْ يَزُلْ الْمَنْعُ بِغَسْلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَلَا بِالطَّبْخِ وَإِنْ زَالَتْ الرَّائِحَةُ بِه. (المجموع). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فَإِذَا حُبِسَتْ حَتَّى تَطِيبَ كَانَتْ حَلَالًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِي لَبَنِهَا وَبَيْضِهَا وَعَرَقِهَا، فَيَظْهَرُ نَتْنُ النَّجَاسَةِ وَخُبْثُهَا، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَادَتْ طَاهِرَةً، فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةِ زَالَ بِزَوَالِهَا. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَالْمُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ: زَوَالُ رَائِحَةِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ أَنْ تُعْلَفَ بِالشَّيْءِ الطَّاهِرِ عَلَى الصَّحِيح. - ما الحكمة في النهي عن أكل لحم الجلالة؟ الحكمة – والله أعلم – ترفع الإسلام بأهله عن تناول الخبائث ولو من طريق غير مباشر، لما لذلك من تأثير سيء على صحة الإنسان وسلوكه، لأن المتغذي يشبه ما تغذى به فينتقل الخبث من المأكول إلى الآكل ويكتسب من أخلاقه. [أحكام الأطعمة للشيخ صالح الفوزان حفظه الله]. - لماذا نهي عن ألبانها وعن ركوبها؟ قال الإمام إبراهيم الحربي: وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ أَلْبَانِهَا، لِأَنَّ آكِلَهُ يَجِدُ فِيهِ طَعْمَ مَا أَكَلَتْ، وَكَذَلِكَ فِي لُحُومِهَا، وَنُهِيَ عَنْ رُكُوبِهَا، لِأَنَّهَا تَعْرَقُ، فَتُوجَدُ رَائِحَتُهُ فِي عَرَقِهَا، وَرَاكِبُهَا لَا يَخْلُو أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ، أَوْ يَجِدَ رَائِحَتَهُ، فَإِنْ تَحَفَّظَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ رُكُوبُهَا، وَلَمْ يَجُزْ شُرْبُ أَلْبَانِهَا، وَلَا أَكْلُ لُحُومِهَا إِلَّا أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا يُزِيلُهَا. (غريب الحديث). - ما الحكم إذا كان يتغذى بالنجاسة قليلاً وأكثر طعامه من الطيبات؟ هذا لا يشمله حكم الجلالة. قال الخطابي ﵀: فأما إذا رعت الكلأ، واعتلفت الحَبَّ، وكانت تنال مع ذلك شيئاً من الجِلَّة، فليست بجلالة، وإنما هي كالدجاج ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها، وغالب غذائه وعلفه من غيرها: فلا يكره أكله. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإذا كانت تأكل الطيب والقبيح، وأكثر علفها الطيب، فإنها ليست جلالة، بل هي مباحة، ومن هذا ما يفعله بعض أرباب الدواجن يعطونها من الدم المسفوح من أجل تقويتها أو تنميتها فلا تحرم بهذا ولا تكره؛ لأنه إذا كان الأكثر هو الطيب، فالحكم للأكثر. (شرح رياض الصالحين).

стр. 2504

١٣٢٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةٌ ﵁ فِي قِصَّةِ اَلْحِمَارِ اَلْوَحْشِيِّ- (فَأَكَلَ مِنْهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد حل الحمار الوحشي. وقد روى مسلم في صحيحه عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّه قال (أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ وَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ) - اذكر لفظ حديث الباب كاملاً؟ عن أَبِى قَتَادَة ﵁ قَالَ (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا وَخَرَجْنَا مَعَهُ - قَالَ - فَصَرَفَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ «خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى تَلْقَوْنِي، قَالَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ. فَلَمَّا انْصَرَفُوا قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبَا قَتَادَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا - قَالَ - فَقَالُوا أَكَلْنَا لَحْمًا وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ - قَالَ - فَحَمَلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا فَقُلْنَا نَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ. فَحَمَلْنَا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا. فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ». قَالَ قَالُوا لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا). متفق عليه وفي رواية (فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالُوا مَعَنَا رِجْلُهُ. قَالَ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلَهَا).

стр. 2505

١٣٣٠ - وَعَنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ (نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَرَساً، فَأَكَلْنَاهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ === - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد حل لحوم الخيل، وقد تقدمت المسألة.

стр. 2506

١٣٣١ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (أَكُلَّ اَلضَّبِّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === - ما حكم أكل الضب؟ الراجح أنه حلال. أ- لحديث الباب، ولفظه كاملاً: عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ) متفق عليه. (محنوذ) أي مشوي بالحجارة المحماة، (لم يكن بأرض قومي) جاء في رواية: (هذا لحم لم آكله قط). وجه الدلالة: إقرار النبي ﷺ لخالد على أكله، وإقرار النبي ﷺ دليل على الجواز. ب- وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال (الضب لست آكله ولا أحرمه). وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر قال (سئل النبي ﷺ عن الضب فقال: لست بآكله ولا محرمه). وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي). وهذا نص صريح على عدم الحرمة الشرعية، وإشارة إلى الكراهة الطبيعية. قال النووي: ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره … وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الضَّبّ حَلَال لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة مِنْ كَرَاهَته، وَإِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ قَوْم أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ حَرَام، وَمَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْ أَحَد، وَإِنْ صَحَّ عَنْ أَحَد فَمَحْجُوج بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاع مَنْ قَبْله. (شرح مسلم). - اذكر بعض أدلة من قال بحرمته أو كراهته؟ أ- ما روت عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ أهدي له ضب فلم يأكله، فقام عليهم سائل فأرادت أن تعطيه فقال لها النبي ﷺ : أتعطين ما لا تأكلين). ب- أن الضب من جملة الممسوخ، والممسوخ محرم، لما روي أن رسول الله ﷺ سئل عن الضب فقال ﵇: (إن أمة مسخت في الأرض، وإني أخاف أن يكون منها) رواه أحمد وأبو داود.

стр. 2507

- ما الجواب عن هذه الأدلة؟ أولاً: أما قولهم بأن الضب من الممسوخ فقد قال الحافظ ابن حجر: قال الطبري: ليس في الحديث الجزم بأن الضب مما مسخ، وإنما خشي أن يكون منه فتوقف عنه، وإنما قال ذلك قبل أن يعلم الله نبيه أن الممسوخ لا ينسل. ثانياً: وأما حديث عائشة فيجاب عنه: بأنه لا يتعين أن الرسول ﷺ منع التصرف به لأجل حرمته، بل يحتمل أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ). فأراد النبي ﷺ ألا يكون ما يتقرب به إلى الله إلا من خير الطعام. - ماذا نستفيد من قوله (وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي)؟ نستفيد بيان علة عدم أكل النبي ﷺ من الضب، وهو قوله ﷺ (لم يكن بأرض قومي). قال ابن حجر: وقد ورد سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار، فذكر نص حديث ابن عباس وفي آخره (قال النبي ﷺ : كلا - يعني لخالد بن الوليد، وعباس - فإنني يحضرني من الله حاضرة). قال المازري: يعني الملائكة، وكأن للحم الضب ريحاً فترك أكله لأجل ريحه، وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول ويكون لتركه الأكل من الضب سببان. (فتح الباري). - هل الإقرار حجة شرعية؟ نعم. وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَة رَسُول اللَّه ﷺ . هَذَا تَصْرِيح بِمَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاء، وَهُوَ إِقْرَار النَّبِيّ ﷺ الشَّيْء وَسُكُوته عَلَيْهِ إِذَا فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ يَكُون دَلِيلًا لِإِبَاحَتِهِ، وَيَكُون بِمَعْنَى قَوْله: أَذَنْت فِيهِ وَأَبَحْته، فَإِنَّهُ لَا يَسْكُت عَلَى بَاطِل، وَلَا يُقِرّ مُنْكَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَم. - اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - ذكاء ورجحان عقل ميمونة. - أن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات. - أن النبي ﷺ كان يؤاكل أصحابه.

стр. 2508

١٣٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ اَلْقُرَشِيُّ ﵁ (أَنَّ طَبِيباً سَأَلَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلضِّفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ. === - ما صحة حديث الباب؟ صحيح. - ما حكم أكل الضفدع؟ حرام. وهذا قول الجمهور. للنهي عن قتله كما في حديث الباب. قَالَ الخطابي رحمه الله تعالى: فِي هَذَا دليل عَلَى أن الضفدع مُحَرَّم الأكل، وأنه غير داخل فيما أبيح منْ دواب الماء، وكل منهي عن قتله منْ الحيوان، فإنما هو لأحد أمرين: إما لحرمة فِي نفسه، كالآدمي، وإما لتحريم لحمه، كالصرد، والهدهد، ونحوهما، وإذا كَانَ الضفدع ليس بمحرم، كالآدمي، كَانَ النهي فيه منصرفا إلى الوجه الآخر، وَقَدْ نهى رسول الله ﷺ عن ذبح الحيوان، إلا لمأكله. وقال الشنقيطي: وَالظَّاهِرُ مَنْعُ أَكْلِ الضَّفَادِعِ مُطْلَقًا; لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ»: وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الصَّحَابِيِّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلَ طَبِيبٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهَا. والله أعلم.

стр. 2509

باب اَلصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ الصيد: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً غير مقدور عليه. • وفي هذا الباب ذكر أحكام الذكاة. تعريفها: لغة: تمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل. وشرعاً: ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه أو عقر ممتنع. وقيل: إنهار الدم من بهيمة تحل، إما في العنق إن كان مقدوراً عليها، أو في أي محل من بدنه إن كان غير مقدور عليها. • والذكاة شرط لحل الحيوان المباح. أجمع العلماء على أنه لا يحل الحيوان المأكول اللحم غير السمك والجراد إلا بذكاة. لقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) فاشترط الله الذكاة. والحكمة منها: تطييب الحيوان المذكى، فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طِيب، لأنه يسارع إليه التجفف. والميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سبب الحل.

стр. 2510

١٣٣٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، اِنْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ === (مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً) وفي رواية (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا) قَالَ القرطبيّ: اقتنى، واتّخذ، واكتسب كلّها بمعنى واحد. (قِيرَاطٌ) قَالَ النوويّ: القيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء منْ أجزاء عمله. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم اقتناء الكلاب - إلا ما استثني - وأن من فعل ذلك نقص من أجره كل يوم قيراط. عن أبي طلحة. قال: قَال ﷺ (لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة بَيْتًا فِيهِ كَلْب وَلَا صُورَة) رواه مسلم. قال النووي: وَسَبَب اِمْتِنَاعهمْ مِنْ بَيْت فِيهِ كَلْب لِكَثْرَةِ أَكْله النَّجَاسَات، وَلِأَنَّ بَعْضهَا يُسَمَّى شَيْطَانًا كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيث، وَالْمَلَائِكَة ضِدّ الشَّيَاطِين، وَلِقُبْحِ رَائِحَة الْكَلْب وَالْمَلَائِكَة تَكْرَه الرَّائِحَة الْقَبِيحَة، وَلِأَنَّهَا مَنْهِيّ عَنْ اِتِّخَاذهَا؛ فَعُوقِبَ مُتَّخِذهَا بِحِرْمَانِهِ دُخُول الْمَلَائِكَة بَيْته، وَصَلَاتهَا فِيهِ، وَاسْتِغْفَارهَا لَهُ، وَتَبْرِيكهَا عَلَيْهِ وَفِي بَيْته، وَدَفْعهَا أَذًى لِلشَّيْطَانِ. (شرح مسلم) ونستفيد من الحديث: أنه يجوز اقتناء الكلاب لهذه الأغراض الثلاثة المذكورة في الحديث. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: فِي هَذَا الْحَدِيث إِبَاحَة اِتِّخَاذ الْكِلَاب لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَة، وَكَذَلِكَ الزَّرْع. • ماذا نستفيد من قوله (إِلَّا صَيْدٍ)؟ نستفيد جواز الصيد. • اذكر متى يباح الصيد، ومتى يكره، ومتى يحرم؟ أ- يباح إذا قصد منه دفع الحاجة والانتفاع بلحمه. ب- يكره إذا كان القصد منه التلهي به واللعب والمفاخرة. لأنه يشغل عما هو أنفع منه من الأعمال الدينية والدنيوية. ج-: يحرم إذا ترتب عليه ظلم للناس بالعدوان على زروعهم وبساتينهم وأموالهم. فإن قيل: ما الجواب عن حديث (من اتبع الصيد غفل) رواه الترمذي. فالجواب: المراد الإكثار منه حتى يشغله.

стр. 2511

• ما الجمع بين حديث الباب في قوله (اِنْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) وفي رواية أخرى (نقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَان)؟ قال الحافظ العيني ﵀: أ- يجوز أنْ يكونا في نوعين مِنْ الكلاب، أحدُهما أشدُّ إيذاءً. ب- وقيل: القيراطان في المدن والقرى، والقيراط في البوادي. جـ- وقيل: هما في زمانين، ذكر القيراط أولاً، ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين. (عمدة القارئ). • هل يجوز اقتناء الكلب لحراسة البيوت؟ قال النووي: اختلف في جواز اقتنائه لغير هذه الأمور الثلاثة كحفظ الدور والدروب، والراجح: جوازه قياساً على الثلاثة عملاً بالعلَّة المفهومة من الحديث وهي: الحاجة. (شرح مسلم). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وعلى هذا فالمنزل الذي يكون في وسط البلد لا حاجة أنْ يتخذ الكلب لحراسته، فيكون اقتناء الكلب لهذا الغرض في مثل هذه الحال محرماً لا يجوز وينتقص من أجور أصحابه كل يوم قيراط أو قيراطان، فعليهم أنْ يطردوا هذا الكلب وألا يقتنوه، وأما لو كان هذا البيت في البر خالياً ليس حوله أحدٌ فإنَّه يجوز أنْ يقتني الكلب لحراسة البيت ومَن فيه، وحراسةُ أهلِ البيت أبلغُ في الحفاظ مِنْ حراسة المواشي والحرث. (مجموع فتاوى ابن عثيمين). • هل الكلاب التي يباح اقتناؤها تمنع دخول الملائكة للبيت؟ قيل: لا تمنع. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة بَيْتًا فِيهِ كَلْب أَوْ صُورَة مِمَّا يَحْرُم اِقْتِنَاؤُهُ مِنْ الْكِلَاب وَالصُّوَر، فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِحِرَامٍ مِنْ كَلْب الصَّيْد وَالزَّرْع وَالْمَاشِيَة وَالصُّورَة الَّتِي تُمْتَهَن فِي الْبِسَاط وَالْوِسَادَة وَغَيْرهمَا فَلَا يَمْتَنِع دُخُول الْمَلَائِكَة بِسَبَبِهِ. وقيل: تمنع. قال النووي: وَالْأَظْهَر أَنَّهُ عَامّ فِي كُلّ كَلْب، وَكُلّ صُورَة، وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الْجَمِيع. لِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيث. وَلِأَنَّ الْجِرْو الَّذِي كَانَ فِي بَيْت النَّبِيّ ﷺ تَحْت السَّرِير كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْر ظَاهِر؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَم بِهِ، وَمَعَ هَذَا اِمْتَنَعَ جِبْرِيل ﷺ مِنْ دُخُول الْبَيْت، وَعَلَّلَ بِالْجِرْوِ، فَلَوْ كَانَ الْعُذْر فِي وُجُود الصُّورَة وَالْكَلْب لَا يَمْنَعهُمْ لَمْ يَمْتَنِع جِبْرِيل. وَاللَّه أَعْلَم.

стр. 2512

١٣٣٤ - وَعَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَرْسَلَتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اَللَّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قُتِلَ وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قُتِلَ فَلَا تَأْكُلْ: فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اَللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْماً، فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقاً فِي اَلْمَاءِ، فَلَا تَأْكُل) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِم. === (إِذَا أَرْسَلَتَ كَلْبَكَ) وفي رواية (إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ). (وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ) أي: الكلب. (قَدْ قتِلَ) أي: الصيد. (وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْهُ) أي: ولم يأكل الكلب من ذلك الصيد الذي قتله. (فَكُلْهُ) فقد جاء في رواية أخرى (وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ، فَقَدْ أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ) أي: لأجلك. وجاء في رواية ( .... إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِه). ١ - قوله (إِذَا أَرْسَلَتَ … ) فيه دليل على أنه يشترط أن يكون الصائد له عقل يميز. فمن شروط الصيد: أن يكون الصائد من أهل الذكاة، وذلك بأن يتوفر فيه الشرطان: (العقل والدين). فالعقل يعني به أن يكون مخيراً غير سكران ولا مجنون، لأنه لا قصد لهما (وكذلك إذا كان طفل دون التمييز). والدين يعني به أن يكون مسلماً أو كتابياً، فلا يحل صيد الوثني والمجوسي والمرتد. ٢ - (قوله (إِذَا أَرْسَلَتَ … ) فيه دليل على أنه يشترط لحل الصيد أن يرسل الآلة قاصداً للصيد. لأن الكلب أو البازي آلة، والذبح لا يحصل بمجرد الآلة بل لا بد من الاستعمال، وذلك فيهما: بالإرسال مع القصد. قال ابن قدامة الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يُرْسِلَ الْجَارِحَةَ عَلَى الصَّيْدِ، فَإِنْ اسْتَرْسَلَتْ بِنَفْسِهَا فَقَتَلَتْ، لَمْ يُبَحْ. وَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك، وَسَمَّيْت، فَكُلْ). وَلِأَنَّ إرْسَالَ الْجَارِحَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، وَلِهَذَا اُعْتُبِرْت التَّسْمِيَةُ مَعَهُ.

стр. 2513

• إذا استرسل الكلب بنفسه فقتل صيداً، لم يحل لفقدان الشرط، وهو الإرسال، لأن الإرسال يقوم مقام التذكية. • إذا استرسل الكلب بنفسه على صيد فزجره صاحبه وسمى فزاد في عدوه وقتل، فهل يحل؟ قيل: يحل. وهو مذهب الحنفية، والحنابلة. قالوا: لأن زجره أثّر في عدوه فصار كما لو أرسله. وقيل: لا يحل. وهو مذهب الشافعي. لاجتماع الاسترسال المانع والإغراء المبيح، فتغلب جانب المنع. • ما حكم من أرسل كلبه على صيد فاصطاد غيره؟ يحل. وهذا قول الجمهور. لعموم قوله ﷺ (كل ما أمسك عليك). وقال مالك: لا يحل. والراجح الأول. ٣ - قوله (كَلْبَكَ) فيه نوع من أنواع آلة الصيد، وآلة الصيد نوعان: أولاً: ما يرمى به الصيد من كل محدد. كالرماح، والسيوف، والسهام وما جرى مجراها مما يجرح بحده كرصاص البنادق اليوم. ثانياً: الجوارح، وهي الكواسر من السباع، كالكلاب والطير. لقوله (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ). (وهو نوعان: ما يصيد بنابه: كالكلب والفهد، وما يصيد بمخلبه: الصقر والبازي). ٤ - قوله (كَلْبَكَ الْمُعَلَّم) فيه دليل أنه يشترط في إباحة صيد الكلب أن يكون معلماً، وهذا الشرط لا خلاف فيه. قال ابن قدامة: أَنْ يَكُونَ الْجَارِحُ مُعَلَّمًا. وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ). وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ.

стр. 2514

• وكيفية التعليم: بالنسبة ما يصيد بنابه كالكلاب، فيتبين تعلمه بأمور: أولاً: أن يسترسل إذا أرسله صاحبه في طلب الصيد. ثانياً: أن ينزجر إذا زجره [وهذا يكون لأحد غرضين: يكون بطلب وقوفه وكفه عن العدو، ويكون الزجر لإغراء الجارح بزيادة العدو في طلب الصيد]. وهذان الشرطان اتفقت المذاهب الأربعة على اعتبارهما. ثالثاً: أن لا يأكل من الصيد إذا أمسكه، فإن أكل لم يبح. وقد اختلفوا في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يشترط أن لا يأكل من الصيد، فإن أكل لم يبح. وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. قال النووي: وبه قال أكثر العلماء. أ-لحديث عدي - فقد جاء في رواية - (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِه). وهذا نص. ب-ولقوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) وهذا مما لم يمسك علينا بل على نفسه. القول الثاني: أنه يحل. وهو قول مالك. واستدلوا بحديث أبي ثعلبة قال (يا رسول الله، إن لي كلاباً مكلبة، فأفتني في صيدها؟ قال: كل مما أمسكن عليك، قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه) رواه أبو داود، وقال الحافظ: لا بأس بسنده. والراجح القول الأول. وأما الجواب عن حديث أبي ثعلبة: - أن حديث عدي مقدم عليه، لأنه أصح. - ومنهم من حمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر. - وأيضاً رواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم، وهو خوف الإمساك على نفسه متأيّدة بأن الأصل في الميتة التحريم. • وأما تعليم الطير فإنه يتبين بأمور: أولاً: أن يسترسل إذا أرسل. ثانياً: أن ينزجر إذا زجر. ثالثاً: واختلفوا هل يشترط أن لا يأكل أم لا؟ قيل: يشترط، وهذا مذهب الشافعي قياساً على جارحة الكلب. وقيل: لا يشترط، وهذا قول الحنفية والحنابلة. والله أعلم.

стр. 2515

٥ - قوله (كَلْبَكَ الْمُعَلَّم) في إطلاقه دليل لإباحة الصيد بجميع أنواع الكلاب المعلمة من الأسود وغيرها. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجوز الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيرها. قال النووي: وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء. لعموم النص (إذا أرسلت كلبك المعلم). القول الثاني: يحرم الصيد بالكلب الأسود البهيم. قال النووي: وبه قال الحسن البصري، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق. لأنه شيطان. والأول أرجح. ٥ - قوله (فَاذْكُرِ اسْمَ اَللَّهِ … ) فيه دليل على مشروعية التسمية عند الصيد. قال النووي: وقد أجمع المسلمون على التسمية عند الإرسال. وقد اختلف العلماء في حكم التسمية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها شرط لا تسقط مطلقاً، حتى لو تركها نسياناً أو جاهلاً فلا تحل. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: وهذا أظهر الأقوال، فإن الكتاب والسنة قد علقا الحل بذكر اسم الله عليه في غير موضع. أ-لقوله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ). قالوا: وهذا عام، ففيه النهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وتسميته فسقاً. ب- ولحديث رافع بن خديج. قال: قال ﷺ (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) متفق عليه. فقرن بين إنهار الدم وذكر اسم الله على الذبيحة في شرط الحل، فكما أنه لو لم ينهر الدم ناسياً أو جاهلاً لم تحل الذبيحة، فكذلك إذا لم يسم، لأنهما شرطان قرن بينهما النبي ﷺ في جملة واحدة، فلا يمكن التفريق بينهما إلا بدليل. القول الثاني: أنها واجبة في حال الذكر دون حال النسيان. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والمشهور في مذهب الحنابلة. لقوله ﷺ (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.

стр. 2516

القول الثالث: أنها سنة مطلقاً. وهذا مذهب الشافعي. أ- لقوله تعالى (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ). قال النووي: فأباح التذكي من غير اشتراط التسمية. ب-ولقوله تعالى (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) وهم لا يسمون. والجواب عن الآية: بأن المراد (إلا ما ذكيتم) وذكرتم اسم الله عليه، لما ثبت من الأدلة الأخرى على الأمر بالتسمية وأما آية (وطعام الذين أوتوا الكتاب … ) أن المراد بذبائح أهل الكتاب المباحة هي ما ذبحوها بشرطها كذبائح المسلمين ج- ولحديث (ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله) وهو حديث ضعيف. والصحيح الأول وأنها لا تسقط مطلقاً، واختاره ابن عثيمين ﵀. • يشترط أن يكون بلفظ: بسم الله. فلو قال: بسم الرحمن أو باسم رب العالمين: فقيل: لا يجزئ. وهذا قول الشافعية، والحنابلة. لأن إطلاق التسمية ينصرف إلى: بسم الله. وقيل: يجزئ. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. قالوا: المراد بالتسمية ذكر الله من حيث هو، لا خصوص: بسم الله، وهذا الراجح. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ويعتبر أن تكون التسمية على ما أراد ذبحه، فلو سمى على شاة ثم تركها إلى غيرها أعاد التسمية، وأما تغيير الآلة فلا يضر، فلو سمى وبيده سكين ثم ألقاها وذبح بغيرها فلا بأس. أما في الصيد، لو سمى على صيد فأصاب غيره حل، مثال: أرسل كلبه على أرنب، ثم إن الكلب صاد غزالاً فإنه يحل. والفرق: أن التسمية في باب الصيد تقع على الآلة، والتسمية في باب الذكاة تقع على عين المذبوح.

стр. 2517

٦ - قوله (فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحه). قال النووي: هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ ذَكَاته وَجَبَ ذَبْحه، وَلَمْ يَحِلّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْحَسَن وَالنَّخَعِيِّ خِلَافه فَبَاطِل، لَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْهُمَا. وَأَمَّا إِذَا أَدْرَكَهُ وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة بِأَنْ كَانَ قَدْ قَطَعَ حُلْقُومه وَمُرَّيْهِ، أَوْ أَجَافَهُ أَوْ خَرَقَ أَمْعَاءَهُ، أَوْ أَخْرَجَ حَشْوَته. فَيَحِلّ مِنْ غَيْر ذَكَاة بِالْإِجْمَاعِ. (شرح مسلم). ٧ - قوله (وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قتلَ فَلَا تَأْكُلْ: فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ). قال النووي: فِيهِ بَيَان قَاعِدَة مُهِمَّة، وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ الشَّكّ فِي الذَّكَاة الْمُبِيحَة لِلْحَيَوَانِ لَمْ يَحِلّ؛ لِأَنَّ الْأَصْل تَحْرِيمه، وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ، وَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا وَفِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة فَذَكَّاهُ حَلَّ، وَلَا يَضُرّ كَوْنه اِشْتَرَكَ فِي إِمْسَاكه كَلْبه وَكَلْب غَيْره لِأَنَّ الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ فِي الْإِبَاحَة عَلَى تَذْكِيَة الْآدَمِيّ لَا عَلَى إِمْسَاك الْكَلْب. قال الشيخ ابن عثيمين: ظاهر الحديث العموم، لكنه يقيد بما إذا كان الكلب الثاني لم يرسله صاحبه ولم يسم عليه، فإن كان الكلب الثاني قد أرسله صاحبه وسمى عليه، فإن الصيد يحل، لأنه صِيدَ بكلبٍ معلم مرسل من قبل صاحبه، لكن بقى النظر لمن يكون هذا الصيد؟ الظاهر أقرب الاحتمالات أن يقسم بينهما. ٨ - قوله (وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اَللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْماً، فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ شِئْت). قال النووي: هَذَا دَلِيل لِمَنْ يَقُول: إِذَا أَثَّرَ جُرْحه فَغَابَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا، وَلَيْسَ فِيهِ أَثَر غَيْر سَهْمه، حَلَّ، وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَمَالك فِي الصَّيْد وَالسَّهْم، وَالثَّانِي: يَحْرُم، وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا، وَالثَّالِث يَحْرُم فِي الْكَلْب دُون السَّهْم، وَالْأَوَّل أَقْوَى وَأَقْرَب إِلَى الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. وَأَمَّا الْأَحَادِيث الْمُخَالِفَة لَهُ فَضَعِيفَة، وَمَحْمُولَة عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَكَذَا الْأَثَر عَنْ اِبْن عَبَّاس: كُلْ مَا أَصْمَيْت، وَدَعْ مَا أَنْمَيْت. أَيْ كُلْ مَا لَمْ يَغِبْ عَنْك دُون مَا غَابَ. ٩ - قوله (وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقاً فِي اَلْمَاءِ، فَلَا تَأْكُل) هَذَا مُتَّفَق عَلَى تَحْرِيمه. وجاء السبب في نفس الحديث (فإنك لا تدري الماء قتله، أو سهمك). • هل يلحق بالكلب غيره ممن يقبل التعليم؟ نعم. قال القرطبي: وقد ألحق الجمهور بالكلب كلَّ حيوان مُعَلَّم يتأتى به الاصطياد. تمسُّكًا بالمعنى. وبما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: (ما أمسك عليك فَكُل) على أن في إسناده مجالدًا، ولا يُعرف إلا من حديثه، وهو ضعيف. والمعتمد: النظر إلى المعنى، وذلك أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلاً، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير، وهذا هو القياس في معنى الأصل.

стр. 2518

وقد خالف في ذلك قوم، فقصروا الإباحة على الكلاب خاصة. ومنهم من يستثني الكلب الأسود، وهو الحسن، والنخعي، وقتادة؛ لأنَّه شيطان كما قال النبي ﷺ ، متمسكين بقوله (مكلِّبين)، وبأنَّه ما وقع في الصحيح إلا ذكر الكلاب، وهذا لا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ ذكر الكلاب في هذه المواضع إنما كان لأنها الأغلب والأكثر. (المفهم). وقال ابن قدامة: وَكُلُّ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، وَيُمْكِنُ الِاصْطِيَادُ بِهِ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، كَالْفَهْدِ، أَوْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكَلْبِ فِي إبَاحَةِ صَيْدِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْله تَعَالَى (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ) هِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ، وَكُلُّ طَيْرٍ تَعَلَّمَ الصَّيْدَ، وَالْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُهَا. وَبِمَعْنَى هَذَا قَالَ طاووس، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّيْدُ إلَّا بِالْكَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين) يَعْنِي كَلَّبْتُمْ مِنْ الْكِلَابِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ (سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي، فَقَالَ: إذَا أَمْسَكَ عَلَيْك، فَكل). وَلِأَنَّهُ جَارِحٌ يُصَادُ بِهِ عَادَةً، وَيَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، فَأَشْبَهَ الْكَلْب .... (المغني). ١١ - جواز الاصطياد وأنه من الأمور المباحة. ١٢ - جواز اقتناء الكلب للصيد. ١٣ - اشتراط أن يكون الكلب معلماً.

стр. 2519

١٣٣٥ - وَعَنْ عَدِيٍّ قَالَ: - سَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ اَلْمِعْرَاضِ فَقَالَ (إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ، فَقُتِلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي. === (صَيْدِ اَلْمِعْرَاض) قال النووي: بكسر الميم، هي خشبة ثقيلة أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح في تفسيره. وفي رواية (إذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ). (إذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ) أي: بأن نفذ في اللحم، وقطع شيئاً من الجلد. (فَكُلْ) لأنه قد ذكي ذكاة شرعية. (وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ) أي: بغير طرفه المحدد. (فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ) أي: فهو حرام، لعدّ الله تعالى الموقوذة منْ المحرّمات. و"الوقيذ": -بِالْقَافِ، وآخِره ذال مُعْجَمة، وَزْن عَظِيم، فعِيل بِمعنى مفْعُول، وهُوَ مَا قُتِل بِعصًا، أو حَجَر، أوْ مَا لا حَدّ لهُ، والموْقُوذَة: هي الَّتِي تُضْرب بِالخَشَبةِ حتَّى تَمُوت. قال النووي: وَالْوَقْذ وَالْمَوْقُوذ هُوَ الَّذِي يُقْتَل بِغَيْرِ مُحَدَّد مِنْ عَصًا أَوْ حَجَر وَغَيْرهمَا. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن المعراض وغيره من السلاح إن قتل الصيد بحده ونفوذه فهو مباح، لحصول المقصود وهو إنهار الدم، وإن قتله بصدمه وثقله فلا يباح، لأنه وقيذ محرم. قال النووي: وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير: أَنَّهُ إِذَا اِصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ فَقَتَلَ الصَّيْد بِحَدِّهِ حَلَّ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلّ لِهَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ مَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ فُقَهَاء الشَّام: يَحِلّ مُطْلَقًا. (شرح مسلم). قال ابن حجر: وَحَاصِله أنَّ السَّهْم، وما فِي معناهُ، إِذَا أصَابَ الصَّيد بِحدِّهِ حَلَّ، وكانت تِلك ذكاته، وإِذَا أصَابهُ بِعَرْضِهِ لمْ يحِلّ؛ لِأنَّهُ فِي مَعْنى الخَشَبة الثَّقِيلة، والحَجَر، وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ المُثَقَّل.

стр. 2520

١٣٣٦ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === (مَا لَمْ يُنْتِنْ) بضم الياء، وفتحها، وكسر التاء، من أنتن الرباعي، ومعناه: ما لم تتغير رائحته، وتخبث. جاء في رواية (أن النبي ﷺ قال فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ، بَعْدَ ثَلَاثٍ: فَلْيَأْكُلْهُ إِلاَّ أَنْ يُنْتِن). • ماذا نستفيد من حديث الباب؟ نستفيد أن الصيد إذا غاب ثم وجده الصائد فإنه يحل أكله إلا إذا أنتن. قال في الفتح: وهذا الحديث صريح فِي كون الصيد حلالاً، وإن غاب أكثر منْ ثلاثة أيّام، إذا لم ينتن، حيث جَعَلَ الغَايَة أتى يُنْتِن الصَّيد، فَلَوْ وَجَدَهُ مَثَلاً بَعد ثَلاث، وَلَمْ يُنْتِن حَلَّ، وَإِنْ وَجَدَهُ بدونَهَا وَقد أَنْتَنَ فَلا، هَذَا ظَاهِر الْحَدِيث. وَأَجَابَ النَّوَوِي بأَنَّ النَّهْي عَنْ أَكْله إِذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ، إلا إن خيف منه الضرر، فيحرم، وهذا مذهب الشافعيّة، وأما المالكية، فحملوا النهي عَلَى التحريم مطلقًا، قَالَ فِي "الفتح": وهو الظاهر. واستدلّ منْ حمل النهي عَلَى التنزيه بقصّة الحوت الذي أكل منه الجيش مع أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه نصف شهر. ووجهه أنهم أكلوا منْ لحم الحوت نصف شهر، وأكل منه النبيّ ﷺ بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالباً بلا نتن فِي تلك المدة، لاسيما فِي الحجاز، مع شدّة الحرّ. لكن يحتمل -كما قَالَ فِي "الفتح"- أن يكونوا ملّحوه، وقدّدوه، فلم يدخله نتن، وبهذا لا يتمّ الاستدلال به عَلَى صرف النهي عن التحريم إلى التنزيه. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - حرص الإسلام على صحة الإنسان. - تحريم أكل اللحم المنتن، ورجحه الحافظ والشوكاني.

стр. 2521

١٣٣٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ قَوْماً يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اِسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: سَمُّوا اَللَّهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ، وَكُلُوهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي. === (لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اِسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟) وفي رواية أبي داود (أم لم يذكروا، أفنأكل منها؟). (فَقَالَ: سَمُّوا اَللَّهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ، وَكُلُوهُ) وفي رواية للبخاري (قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر) وفي رواية أبي داود (بجاهليّة) وزاد مالك فِي آخره (وذلك فِي أول الإِسلام). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن حكم ذبيحة منْ لم يُعرف، هل سمّى الله تعالى عليها، أم لا؟ وهو الحلّ؛ حملاً لحال المسلم عَلَى الصلاح. فإذا ذبح المسلم أو الكتابي ذبيحة، ولم يُدر أذكر اسم الله عليها أم لا، فيجوز الأكل منها، ويسمي من أكل. قال ابن قدامة: فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَسَمَّى الذَّابِحُ أَمْ لَا؟ أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَمْ لَا؟ فَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا أَكْلَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّنَا لَا نَقِفُ عَلَى كُلِّ ذَابِحٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا؟ قَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ، وَكُلُوا) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. (المغني). وقال ابن حزم: وَكُلُّ مَا غَابَ عَنَّا مِمَّا ذَكَّاهُ مُسْلِمٌ فَاسِقٌ، أَوْ جَاهِلٌ، أَوْ كِتَابِيٌّ فَحَلَالٌ أَكْلُهُ، … ثم ذكر حديث الباب. وقال ابن تيمية: وَلَكِنْ إذَا وَجَدَ الْإِنْسَانُ لَحْمًا قَدْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِحَمْلِ أَمْرِ النَّاسِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نَاسًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ يَأْتُونَ بِاللَّحْمِ وَلَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا؟ فَقَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ولا يلزم السؤال عما ذبحه المسلم أو الكتابي كيف ذبحه، وهل سمى عليه أو لا؟ بل ولا ينبغي، لأن ذلك من التنطع في الدين، والنبي ﷺ أكل مما ذبحه اليهود ولم يسألهم. وفي صحيح البخاري وغيره عن عائشة ﵂ أن قوما قالوا للنبي ﷺ : إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال: (سموا عليه أنتم وكلوه) قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر. فأمرهم النبي ﷺ بأكله دون أن يسألوا مع أن الآتين به قد تخفى عليهم أحكام الإسلام، لكونهم حديثي عهد بكفر.

стр. 2522

• بماذا استدل بعض العلماء بهذا الحديث؟ استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن التسمية سنة وليست واجبة. قال ابن كثير: واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة - ثم ذكر حديث الباب - .... قال: فلو كان وجود التسمية شرطاً لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم. لكن أجاب الشيخ ابن عثيمين عن هذا بقوله: أن الرسول ﷺ أذن لهم في أكله، لأن الأصل في الفعل الواقع من أهله أنه واقع على السلامة والصحة، لا لأن التسمية ليست شرطاً. وقد تقدم الخلاف في حكم التسمية. قال ابن تيمية: وَ " التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ " مَشْرُوعَةٌ. لَكِنْ قِيلَ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ. كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ مَعَ الْعَمْدِ وَتَسْقُطُ مَعَ السَّهْوِ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَقِيلَ: تَجِبُ مُطْلَقًا؛ فَلَا تُؤْكَلُ الذَّبِيحَةُ بِدُونِهَا سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ. وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ. فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ عَلَّقَ الْحَلَّ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ). وَقَوْلِهِ (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا). وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ لَعَدِيٍّ (إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَقَتَلَ فَكُلْ وَإِنْ خَالَطَ كَلْبَك كِلَابُ آخَرَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِه). وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْجِنَّ سَأَلُوهُ الزَّادَ لَهُمْ وَلِدَوَابِّهِمْ فَقَالَ (لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفًا لِدَوَابِّكُمْ) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ) فَهُوَ ﷺ لَمْ يُبِحْ لِلْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ إلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَكَيْفَ بِالْإِنْسِ. (مجموع الفتاوى) • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - قال ابن عبد البرّ: فيه أن ما ذبحه المسلم يؤكل، ويُحمَل عَلَى أنه سَمَّى؛ لأن المسلم لا يُظَن به فِي كل شيء إلا الخير، حَتَّى يتبين خلاف ذلك. - ما كَانَ عليه الصحابة ﵃ منْ الورع، حيث إنهم لم يكتفوا بظاهر الحال، بل تورّعوا عن أكل ما أتى به منْ لم يُعرف حاله، حَتَّى سألوا النبيّ ﷺ عن ذلك، فبيّن لهم أنه حلال. - أن الفعل إذا وقع من أهله فإنه لا يسأل عنه، لأن الأصل السلامة. - يسر الشريعة الإسلامية.

стр. 2523

١٣٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ اَلْخَذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ اَلسِّنَّ، وَتَفْقَأُ اَلْعَيْنَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. === (نَهَى عَنِ اَلْخَذْفِ) وَهُوَ رَمْي الْإِنْسَان بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاة وَنَحْوهمَا يَجْعَلهَا بَيْن أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ أَوْ الْإِبْهَام وَالسَّبَّابَة. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد النَّهْي عَنْ الْخَذْف. • ما العلة في النهي عنه؟ لأنه لا مصلحة فيه، وفيه مضرة. بيّن ﷺ ذلك بقوله: (إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا) لأنه ليس له نفوذ، بل المضروب بها (أي بالحصاة) إن مات فهو وقيذ. (وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا) أي: لا تجرح عدواً، لأن العدو إنما ينكأ بالسهام لا بالحصى الصغيرة. (وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ اَلسِّنَّ، وَتَفْقَأُ اَلْعَيْنَ) وهذا ضرر. فالخذف لَا مَصْلَحَة فِيهِ وَيُخَاف مَفْسَدَته، وَيَلْتَحِق بِهِ كُلّ مَا شَارَكَهُ فِي هَذَا. وَفِيهِ: أَنَّ مَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَة أَوْ حَاجَة فِي قِتَال الْعَدُوّ وَتَحْصِيل الصَّيْد فَهُوَ جَائِز، وَمِنْ ذَلِكَ رَمْي الطُّيُور الْكِبَار بِالْبُنْدُقِ إِذَا كَانَ لَا يَقْتُلهَا غَالِبًا بَلْ تُدْرَك حَيَّة وَتُذَكَّى فَهُوَ جَائِز. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - النهي عن الخذف. - أن من مات بحصى الخذف فإنه لا يحل، لكن لو أدركه حياً فذكاه حلّ. - أن إظهار القوة والشجاعة أمام الأعداء مطلب مرغوب للإسلام. قال ابن تيمية: وَلِهَذَا كَانَتْ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَكَانَ إذَا عَادَ مَرِيضًا يَقُولُ (اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَك يَشْهَدُ لَك صَلَاةً وَيَنْكَأُ لَك عَدُوًّا). - تجنب كل ما فيه ضرر.

стр. 2524

١٣٣٩ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄; أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا تَتَّخِذُوا شَيْئاً فِيهِ اَلرُّوحُ غَرَضًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. === (لَا تَتَّخِذُوا شَيْئاً فِيهِ اَلرُّوحُ) أي: الحيوان الحي. (غَرَضًا) بغين معجمة، وراء مفتوحتين، آخره ضاد معجمة: أي هَدَفًا منصوبًا للرمي. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم اتخاذ الحيوان هدفاً يرمى إليه. قال النووي: أَيْ لَا تَتَّخِذُوا الْحَيَوَان الْحَيّ غَرَضًا تَرْمُونَ إِلَيْهِ، كَالْغَرَضِ مِنْ الْجُلُود وَغَيْرهَا، وَهَذَا النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر الَّتِي بَعْد هَذِهِ: (لَعَنْ اللَّه مَنْ فَعَلَ هَذَا) وَلِأَنَّهُ تَعْذِيب لِلْحَيَوَانِ وَإِتْلَاف لِنَفْسِهِ، وَتَضْيِيع لِمَالِيَّتِهِ، وَتَفْوِيت لِذَكَاتِهِ إِنْ كَانَ مُذَكًّى، وَلِمَنْفَعَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى. (شرح مسلم). وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل هذا: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ (مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا) متفق عليه. قَالَ فِي "الفتح": فيه دليل عَلَى تحريم التمثيل بالحيوان؛ لأن اللعن منْ دلائل التحريم، وأخرج أحمد منْ طريق أبي صالح الحنفيّ، عن رجل منْ الصحابة، أراه عن ابن عمر، رفعه (منْ مثل بذي رُوح، ثم لم يتب، مثل الله به يوم القيامة) رجاله ثقات. انتهى. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - عظمة الإسلام في احترام الحيوان. - الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون للرماة غرضاً يترامون إليه، لأن هذا هو الذي يحصل به تعلم الرمي.

стр. 2525

١٣٤٠ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي. === (أَنّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ) وفي لفظ للبخاري: عَنْ نَافِعٍ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُخْبِرُ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ (أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا فَقَالَ لأَهْلِهِ لَا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، أَوْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِهَا). • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد حل ذبيحة المرأة ولو كانت حائضاً. وقد بوب البخاري على الحديثين: باب ذبيحة المرأة والأمَة. قال ابن حجر: كأنه يشير إلى الرد على من منع ذلك وقد نقل محمد بن عبد الحكم عن مالك كراهته وفي المدونة جوازه وفي وجه للشافعية يكره ذبح المرأة الأضحية وعند سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال في ذبيحة المرأة والصبي لا بأس إذا أطلق الذبيحة وحفظ التسمية وهو قول الجمهور. (الفتح). قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمْكَنَهُ الذَّبْحُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، إذَا ذَبَحَ، حَلَّ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ. وَقَدْ رُوِي (أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسِلْعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: كُلُوهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ سَبْعٌ: أَحَدُهَا: إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالثَّانِيَة: إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْأَمَةِ. وَالثَّالِثَةُ: إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ. وَالرَّابِعَةُ: إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْحَجَرِ. وَالْخَامِسَةُ: إبَاحَةُ ذَبْحِ مَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ. وَالسَّادِسَةُ: حِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَالسَّابِعَةُ: إبَاحَةُ ذَبْحِهِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهِ. (المغني). فائدة: قَالَ الإمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وأكيلة السبع، وما أصابها مرض، فماتت به محرمة، إلا أن تدرك ذكاتها؛ لقول الله تعالى (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ)، وفي حديث جارية كعب: أنها أصيبت شاة منْ غنمها، فأدركتها، فذبحتها بحجر، فسأل النبيّ ﷺ ؟، فَقَالَ: "كلوها. متَّفقٌ عليه.
следующие страницы →