← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

• ما الحكم لو وجد ماء يكفي بعض طهره؟ مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط. فقيل: يجب أن يستعمل الماء أولاً ثم يتيمم. أ-لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا). ب-ولقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). متفق عليه ج-وليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم. وقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله. والأول أرجح. • هل يشترط للتيمم أن يكون بتراب أم يجوز بالتراب وغيره؟ اختلف العلماء: هل لا بد من التراب للتيمم أم يجوز بغيره؟ على قولين: القول الأول: أنه لا بد من التراب. وهذا مذهب أحمد والشافعي وداود وأكثر الفقهاء. [قاله النووي] أ- لحديثي الباب (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا)، (وَجُعِلَ اَلتُّرَابُ لِي طَهُورًا). فخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه، ولو كان غير التراب طهوراً لذكره فيما منّ الله تعالى به عليه. ب- ولقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ). وجه الدلالة: أن الله سبحانه أمر بالتيمم بالصعيد - وهو التراب - كما فسره ابن عباس، وقال تعالى (منه) أي: ببعضه، ولا يحصل المسح بشيء منه إلا أن يكون ذا غبار يعلق باليد والوجه. القول الثاني: يجوز بكل ما تصاعد على الأرض من ترابها ورملها وحجرها ومدرها. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، واختاره ابن تيمية وابن القيم. أ-لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ). وجه الدلالة من وجهين: أحدهما: أن الصعيد هو الصاعد على وجه الأرض، وهذا يعم كل صاعد، فيتناول الحجر والمدر وسائر أجزاء الأرض. الثاني: أن معنى (منه) في الآية المذكورة لابتداء الغاية، فيكون ابتداء الفعل بالأرض، وانتهاء المسح بالوجه، فيمسح من وقت الضرب لا قبله. ب- ولقوله ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فدل على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض. ج-ولحديث أبي جهم قال: (أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردّ ﵇. د- ولأن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك وقطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يرد أنهم حملوا التراب معهم ولا أمرهم به، بل كانوا يتيممون بما تيسر لهم من الأرض. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 282

قال السعدي: والصحيح أنه يصح التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب له غبار أو رمل أو حجر أو غير ذلك وقال ابن القيم: ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلة، ولم يرد أنه حمل معه التراب ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب. وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: القول الراجح أنه لا يشترط للتيمم أن يكون تراب له غبار، بل إذا تيمم على الأرض أجزأه سواء كان فيها غبار أم لا. وهذا القول هو الراجح. وأما دليلهم: (وجعلت تربتها … ) فهذا من ذكر بعض أفراد العام ما يوافق حكم العام، وذكر بعض أفراد العام بما يوافق العام لا يفيد التخصيص. • وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن المريض لا يجد التراب فهل يتيمم على الجدار، وكذلك الفرش أم لا؟ فأجاب: الجدار من الصعيد الطيب، فإذا كان الجدار مبنياً من الصعيد سواء كان حجراً أو كان مدراً- لَبِنًا من الطين -، فإنه يجوز التيمم عليه، أما إذا كان الجدار مكسواً بالأخشاب أو (بالبوية) فهذا إن كان عليه تراب - غبار - فإنه يتيمم به ولا حرج، ويكون كالذي يتيمم على الأرض؛ لأن التراب من مادة الأرض، أما إذا لم يكن عليه تراب، فإنه ليس من الصعيد في شيء، فلا يتيمم عليه. وبالنسبة للفرش نقول: إن كان فيها غبار فليتيمم عليها، وإلا فلا يتيمم عليها لأنها ليست من الصعيد.

стр. 283

١٢٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: (بَعَثَنِي اَلنَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ اَلْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي اَلصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ اَلدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْه). === (فتمرغت) أي تقلبت، وكأن عمار استعمل القياس في هذه المسألة، لأنه رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى أن التيمم عند الغسل يقع على هيئة الغسل. (وَظَاهِرَ كَفَّيْه) أي: مسح ظاهر كل منهما براحة اليد الأخرى كما ورد مفسراً عند أبي داود. (وَوَجْهَهُ) أي: ومسح وجهه. • ما حكم من أجنب ولم يجد الماء؟ حكمه: أنه يتيمم، فالتيمم يكون عن الحدث الأكبر وعن الحدث الأصغر. وهذا مذهب أكثر العلماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة. أ-لحديث الباب. ب-ولحديث عمران بن حصين (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصلّ في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك). متفق عليه قال النووي: ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف إلا ما جاء عن عمر وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي التابعي، وقيل إن عمر وعبد الله رجعا عنه. • هل صفة التيمم عن الحدث الأكبر تختلف عن التيمم للحدث الأصغر؟ لا تختلف، فالتيمم صفته واحدة في الحدث الأصغر والأكبر. • ما صفة التيمم؟ قوله (إنما يكفيك … ) دليل على أن الواجب في التيمم هي الصفة المشروحة في هذا الحديث. وصفته: هو أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة بلا تفريج للأصابع وتمسح وجهك بكفيك، ثم تمسح الكفين بعضهما ببعض. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيديه ضربة واحدة يمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض.

стр. 284

• هل التيمم يكون إلى الكوع أو إلى المرفقين؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أن المسح إلى الكوع. وهذا مذهب مكحول وعطاء والأوزاعي وأحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول. وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث. لحديث الباب (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَه). القول الثاني: أنه إلى المرفقين. وهذا مذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة. قياساً على الوضوء، حيث أن الله أمر بغسل اليد إلى المرفق في الوضوء. قال ابن حجر في الفتح: وأما ما استدل به من اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك مشروط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار. والراجح الأول. فائدة: قال النووي في المجموع: وحكى الماوردي وغيره عن الزهري أنه يجب مسحهما إلى الإبطين، وما أظن هذا يصح عنه. • ما حكم الترتيب في التيمم في الحدث الأصغر؟ الراجح أنه واجب، وهو أن يبدأ بالوجه ثم باليدين. أ-لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فبدأ بالوجه قبل اليدين، وقد قال النبي ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به). ب- ولحديث الباب، حيث فعل التيمم مرتباً. ج-ولأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض فيها (وقد تقدم أن الترتيب واجب في الوضوء). وذهب بعض العلماء إلى أن الترتيب في الحدث الأصغر سنة ليس بواجب. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. والراجح الأول. • ما حكم الترتيب في التيمم عن الحدث الأكبر؟ جمهور العلماء أنه سنة ليس واجب. قياساً على الأصل وهو الغسل بالماء، فإن بدن الجنب في الغسل بمنزلة عضو واحد، ولا ترتيب في العضو الواحد، فإذا لم يفترض الترتيب في الأصل وهو الاغتسال بالماء، فلأن لا يفترض في بدله وهو التيمم من باب أولى. وقيل: الترتيب فرض في التيمم عن الحدث الأكبر، وهو مذهب الشافعية.

стр. 285

• ما هي فروض التيمم؟ أولاً: النية. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن التيمم لا يصح إلا بنية. ثانياً: مسح الوجه واليدين. لقوله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ). ولحديث الباب (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْه). • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - البيان بالفعل وأنه أبلغ في الفهم من القول. - مراجعة العلماء في العلم والاجتهاد، فإن عماراً راجع فيما اجتهد فيه. - أنه إذا تطهر الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده، والأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره ﷺ للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء. [قاله النووي: ٤/ ٥٧] - أن من أرسل في أمر عظيم ينبغي أن يتحفظ ويثبت ولا يشهر ما أرسل فيه إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما فعل عمار حيث لم يصرح بالحاجة ما هي. - أن المتأول المجتهد لا إعادة عليه، لأنه ﵇ لم يأمر بالإعادة وإن كان قد أخطأ في اجتهاده. - وجوب استيعاب مسح الوجه بالتيمم. - أنه لا قياس مع النص، لأن النبي ﷺ أبطل قياس عمار. - مشروعية نفخ اليدين بعد الضرب، لكن قيده بعض العلماء بما إذا علق في اليدين تراب كثير.

стр. 286

١٣٠ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى اَلْمِرْفَقَيْنِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ اَلْأَئِمَّةُ وَقْفَه. === • ما صحة حديث الباب؟ لا يصح. قال ابن القيم: لم يصح شيء في الضربتين. وقال الحافظ في الفتح: الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح فيها سوى حديث أبي جهيم وحديث عمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه والراجح عدم رفعه. وقال الدارقطني في سننه: وقفه عمر بن القطان وهشيْم وغيرهما وهو الصواب. وقال الألباني: في الضربتين أحاديث واهية معلومة. • كم ضربة للتيمم؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه ضربة واحدة للوجه والكفين. وإلى هذا ذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق. قال في الفتح: ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، وهو قول عامة أهل الحديث. واستدلوا بحديث عمار السابق وفيه (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة). القول الثاني: أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين. وهذا مذهب الشافعي، وروي ذلك عن ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والثوري، وأصحاب الرأي. أ- لحديث الباب (التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ … ). ب-ما رواه أبي جهم بن الحارث: (أن النبي ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه). رواه البخاري والراجح القول الأول. والرد على أدلة القول الثاني: قال الشوكاني: أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال، ولو صحت لكان الأخذ بها متعيناً لما فيها من الزيادة، فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصح الزيادة على ذلك المقدار. وحديث أبي الجهم (وذراعيه) فقد قال الحافظ ابن حجر: والثابت في حديث أبي جهم بلفظ (يديه) لا ذراعيه، فإنها رواية شاذة.

стр. 287

١٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلصَّعِيدُ وُضُوءُ اَلْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ اَلْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ اَلْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اَللَّهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ) رَوَاهُ اَلْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلْقَطَّانِ، [و] لَكِنْ صَوَّبَ اَلدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَه. ١٣٢ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وَصَحَّحَه. ١٣٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ اَلصَّلَاةَ -وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ- فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا اَلْمَاءَ فِي اَلْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ اَلْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: "أَصَبْتَ اَلسُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ" وَقَالَ لِلْآخَرِ: "لَكَ اَلْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيّ === • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث أبي هريرة رواه البزار، ويشهد له حديث أبي ذر الذي يليه - عند الترمذي - ولفظه (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصحَّح حديث أبي ذر: الترمذي، وابن حبان، والنَّووي، وغيرهم. قال الشيخ العصيمي: حديث (الصعيد وضوء المسلم)، وهذا الحديث إسناده صحيح إلا أن هذه اللفظة (وضوء المسلم) غلط وهِم فيها بعض الرواة، والمحفوظ بلفظ (الصعيد طهور المسلم) والطهور أعم من لفظ الوضوء. وأما حديث أبي سعيد، فأعل بالإرسال. قال أبو داود: وذِكْرُ أبي سعيد في هذا الحديث وَهْمٌ وليس بمحفوظ، وهو مرسل. (الصعيد) وجه الأرض. (عشر سنين) المقصود المبالغة دون التحديد. (فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا) أي: قصدا الصعيد الطاهر على الوجه المخصوص. (فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ) إما ظناً منه أن الأولى بطلت بوجود الماء في الوقت، وإما احتياطاً. (فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: "أَصَبْتَ اَلسُّنَّةَ) أي: وافقت الحكم المشروع بالكتاب والسنة. (وَقَالَ لِلْآخَرِ: لَكَ اَلْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ) مرة لصلاته الأولى بالتيمم، ومرة لصلاته الثانية بالوضوء. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أ-أن التيمم رافع لا مبيح، وقد تقدمت المسألة. ب-وأن وجود الماء مبطل للتيمم. ج-وأن التيمم يشرع عند فقد الماء. • اذكر مبطلات التيمم؟ أ- وجود الماء. ب- بمبطلات الوضوء.

стр. 288

• اذكر حالات وجود الماء للمتيمم؟ الحالة الأولى: أن يجد الماء قبل الصلاة، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يتوضأ ويبطل تيممه. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أن طهارته تنتقض وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي. الحالة الثانية: أن يجد الماء بعد خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه بالإجماع. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، أن لا إعادة عليه. الحالة الثالثة: أن يجد الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت، فلا إعادة عليه عند جماهير العلماء. لحديث أبي سعيد: (حديث الباب). وقال عطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري: يعيد الصلاة. الحالة الرابعة: أن يجد الماء أثناء الصلاة، فهذه موضع خلاف بين العلماء: القول الأول: أنه يبطل تيممه، ويجب أن يتوضأ ويعيد الصلاة. وبهذا قال أبو حنيفة والإمام أحمد وبه قال الثوري واختاره ابن عبد البر. أ-لقوله تعالى (فلم تجدوا ماءً فتيمموا … ) وهذا وجد الماء. ب-ولحديث الماء ( … فَإِذَا وَجَدَ اَلْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اَللَّهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ) وهذا وجد الماء. ج - ولأن من وجد الماء في أثنائها قد قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة. القول الثاني: أنه يكمل صلاته ولا يقطعها. وبهذا قال مالك والشافعي وداود الظاهري ورجحه ابن المنذر. لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم). والراجح القول الأول. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديثين؟ - الحديث الثاني فيه إشكال، وهو أن الرسول ﷺ قال للرجل: (لك الأجر مرتين) وقد أخبر أن الرجل إذا حكم فأخطأ فله أجر واحد، وهذا الرجل لا شك أنه اجتهد فأخطأ، فكيف نجمع بين قوله: (لك الأجر مرتين) وبين الحديث الذي أشرنا إليه؟ الجواب: أن هذا الحديث فيه فعلان الأول فعل، وأما الحديث الذي أشرنا إليه فليس منه إلا فعل واحد وهو أن الحاكم اجتهد فأخطأ في قضية واحدة، أما هذا فله فعلان: الأول بحسب الماء، والثاني بحسب الاجتهاد، فالحقيقة أن الإعادة ليس فيها إلا أجر واحد، والأجر الأول حاصل بدون اجتهاد، فهذا هو الجمع بين الحديثين الذي ظاهرها التعارض. (ابن عثيمين). - أنه متى تعذر استعمال الماء ولو طال الزمن فإن التيمم جائز. - بطلان طهارة التيمم بوجود الماء. - جواز استعمال المبالغة. - أن إصابة السنة خير من كثرة العمل.

стр. 289

١٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) قَالَ: إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ اَلْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَالْقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إِنْ اِغْتَسَلَ: تَيَمَّم) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ اَلْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِم. === (الجراحة) الجرح هو الشق في البدن. (القروح) جمع قرح، هي الجروح والشقوق من أثر السلاح. (يخاف أن يموت) وهذا ليس بشرط، بل لو خاف أن يزيد المرض، أو يتأخر الشفاء، أو يطول عليه المرض، فإنه يجوز له التيمم. • ماذا نستفيد من هذا الأثر؟ نستفيد: أنه إذا كان الإنسان مريضاً، ويخشى باستعمال الماء الضرر، فإنه يتيمم. وتفسير ابن عباس للآية بأن من به قروح، مثال للضرر المبيح للتيمم وإلا فكل مريض يضره استعمال الماء فله التيمم. تفسير ابن عباس للآية ليس على سبيل الحصر بل هو على سبيل التمثيل، ويدل لذلك: قوله (في سبيل الله) والجراحة التي تبيح التيمم سواء في سبيل الله أو في غير سبيل الله. فمن أسباب التيمم: الخوف من استعمال الماء بمرض في بدنه من جرح أو قرح. وهذا قول أكثر العلماء، بل حكاه بعضهم إجماعاً. ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم). قال النووي ﵀: المرض ثلاثة أضرب: أحدها: مرض يسير لا يخاف من استعمال الماء معه تلفاً ولا مرضاً مخوفاً ولا إبطاء برء ولا زيادة ألم ولا شيئاً فاحشاً، وذلك كصداع ووجع ضرس وحمى وشبهها، فهذا لا يجوز له التيمم بلا خلاف عندنا، وبه قال العلماء كافة إلا ما حكاه أصحابنا عن أهل الظاهر وبعض أصحاب مالك: أنهم جوزوه للآية .. الضرب الثاني: مرض يخاف معه من استعمال الماء تلف النفس أو عضو، أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو، فهذا يجوز له التيمم مع وجود الماء .. الضرب الثالث: أن يخاف إبطاء البرء، أو زيادة المرض، وهي كثرة الألم، وإن لم تطل مدته أو شدة الضنى، وهو الداء الذي يخامر صاحبه، وكلما ظن أنه برئ نكس .. فالصحيح جواز التيمم ولا إعادة عليه، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود وأكثر العلماء لظاهر الآية وعموم البلوى. (شرح المهذب). وجاء في فتاوى (اللجنة الدائمة) من به جروح أو قروح أو كسر أو مرض يضره منه استعمال الماء فأجنب جاز له التيمم، وإن أمكنه غسل الصحيح من جسده وجب عليه ذلك وتيمم للباقي.

стр. 290

• اذكر الأدلة على جواز التيمم إذا خاف الإنسان من شدة البرد إذا استعمل الماء؟ يدل على ذلك: أ-قوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). ب-وقوله سبحانه (ولا تقتلوا أنفسكم). ج-وحديث عمرو بن العاص قال (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو، أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول (ولا تقتلوا أنفسكم) فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً). رواه أبو داود وسكوت النبي ﷺ يدل على الجواز، لأنه لا يقر على الخطأ، ولأنه خائف على نفسه، فأبيح له التيمم كالجريح والمريض. • في قصة عمرو بن العاص فوائد: أولاً: جواز إمامة المتيمم بالمتوضئين. وهذا مذهب الجمهور. قال ابن حزم: وجائزٌ أن يؤمَّ المتيممُ المتوضئينَ، والمتوضئُ المتيممينَ، والماسحُ الغاسِلينَ، والغاسلُ الماسحينَ؛ لأن كلَّ واحدٍ ممن ذكرنا قد أدَّى فرضَه، وليس أحدُهما بأطهرَ من الآخر، ولا أحدُهما أتمَّ صلاةً من الآخر، وقد أمر رسول الله ﷺ إذا حضرت الصلاة أن يؤمَّهم أقرؤهم، ولم يخص ﵇ غير ذلك، ولو كان ههنا واجبٌ غير ما ذكره ﵇ لبيَّنه ولا أهمله، حاشا لله من ذلك، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر وسفيان والشافعي وداود وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي ذلك عن ابن عباس وعمار بن ياسر وجماعة من الصحابة ﵃، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء والزهري وحماد بن أبي سليمان. ثانياً: جواز التيمم إذا خشي الإنسان البرد. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين. ثالثاً: أن إقرار النبي ﷺ دليل يعمل به. رابعاً: أنه لا يلزمه الإعادة فيما بعد، لأن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة، لأنه أتى بما أمر به. قال شمس الحق آبادي ﵀ في شرح حديث عمرو بن العاص -: فيه دليل على جواز التيمم عند شدة البرد من وجهين: الأول: التبسم والاستبشار. والثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي ﷺ لا يقر على باطل، والتبسم والاستبشار أقوى دلالة من السكوت على الجواز. وقال الخطابي: فيه من الفقه أنه ﵇ جعل عدم إمكان استعمال الماء، كعدم عين الماء، وجعله بمنزلة من يخاف العطش ومعه ماء فأبقاه ليشربه وليتيمم به خوف التلف. قال ابن رسلان في (شرح السنن): لا يتيمم لشدة البرد مَنْ أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على درجة يأمن الضرر، مثل أن يغسل عضواً ويستره، وكلما غسل عضواً ستره ودفَّاه مِنْ البرد: لزمه ذلك، وإن لم يقدر: تيمم وصلَّى في قول أكثر العلماء. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: فأقره النبي ﷺ على ذلك ولم يأمره بالإعادة؛ لأن مَنْ خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالباً أو قاطعاً، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء. (مجموع فتاوى الشيخ العثيمين).

стр. 291

١٣٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: (اِنْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى اَلْجَبَائِرِ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ وَاهٍ جِداً. ١٣٦ - وَعَنْ جَابِر ﵄ فِي اَلرَّجُلِ اَلَّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اِخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِه. === (زندي) الزندان هما الساعد والذراع. (شج) الشجة هي الجرح في الرأس والوجه خاصة. • ما صحة أحاديث الباب؟ حديث علي ضعيف ولا يصح كما قال المصنف. حديث جابر الثاني مختلف فيه، لكن فيه ضعف كما قال المصنف. • ما تعريف الجبيرة؟ الجبيرة: هي أخشاب أو نحوها تربط على الكسر ونحوه. • ما حكم المسح على الجبيرة؟ اختلف العلماء هل يمسح على الجبيرة أم لا؟ على قولين: القول الأول: أنه لا يمسح على الجبيرة. وهذا اختيار ابن حزم، ورجحه الشيخ الألباني. لأنه لم يثبت حديث تقوم به حجة. قال البيهقي: لا يثبت في هذا الباب شيء. القول الثاني: أنه يمسح على الجبائر. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ-حديث علي. [وهو ضعيف] ب-حديث جابر وقد حسنه بعض العلماء. وله قصة، قال جابر (خرجنا في سفر فأصاب رجل منّا شجة في وجهه، ثم احتلم فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ثم يغسل سائر جسده). رواه أبو داود. قالوا: إن الأحاديث وإن كان فيها ضعف لكن يقوي بعضها بعض، وهذا ما ذهب إليه الصنعاني والشوكاني. ج-أنه ثبت عن ابن عمر أنه كان يمسح على الجبائر. فقد روى البيهقي من طريق نافع عن ابن عمر (أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك). قال البيهقي: هو عن ابن عمر صحيح.

стр. 292

• هل يشترط وضع الجبيرة على طهارة؟ قيل: يشترط أن توضع على طهارة. وقيل: لا يشترط، وهذا الصحيح وهو اختيار ابن تيمية. وقياسها على الخفين في هذه المسألة قياس فاسد، فإن الجرح يقع فجأة، أي في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه، فلو اشترطت الطهارة والحالة هذه لأفضى إلى الحرج والمشقة، وهما منتفيان شرعاً. ولأنها تأتي فجأة. قال ابن تيمية: ومن قال: لا يمسح عليها إلا إذا لبسها على طهارة ليس معه إلا قياسها على الخفين، وهو قياس فاسد. • اذكر بعض الفروق بين المسح على الخف والمسح على الجبيرة؟ أولاً: لا يشترط أن توضع على كمال طهارة بخلاف الخف. ثانياً: يمسح عليها في الطهارة الصغرى والكبرى، لأن في نزعها ضرر، بخلاف المسح على الخف فلا يمسح عليه في الطهارة الكبرى. ثالثاً: المسح يكون عليها كلها وليس على بعضها، لأن الأصل أن البدل له حكم المبدل ما لم ترد السنة بخلافه، وهذا المسح بدل عن الغسل، فكما أن الغسل يجب أن يعم العضو كله، فكذلك المسح يجب أن يعم جميع الجبيرة. رابعاً: المسح عليها غير مؤقت، بل يمسح عليها حتى يحصل البرء، لأن مسحها للضرورة فيتقدر بقدرها، بخلاف الخفين فيمسح عليها للمقيم يوماً وليلة. خامساً: لا يجوز المسح عليها إلا عند الحاجة، بخلاف المسح على الخفين، فيجوز من غير حاجة. • ما الحكم إذا كان على العضو جرح لكنه مكشوف؟ يتيمم عنه. فإذا كان على العضو جبيرة فإنه يمسح عليها عند الوضوء ولا يحتاج إلى التيمم، وإنما يحتاج إلى التيمم إذا كان العضو مكشوفاً، لا جبيرة عليه، ولم يستطع غسله ولا مسحه بالماء، فإنه يتيمم عنه. • فإذا كان هناك جرح في أحد أعضاء الوضوء، فهذا الجرح إما أن يكون مكشوفاً وإما أن يكون عليه لصوق أو رباط. فإن كان عليه لصوق أو رباط فإنه يغسل الجزء الصحيح ثم يبل يده بالماء ويمسح على اللصوق، ولا يحتاج مع هذا المسح إلى التيمم. أما إن كان الجرح مكشوفاً فالواجب غسله بالماء إن أمكن، فإن كان الغسل يضره، وأمكن مسحه، فالواجب مسحه، فإن تعذر، فإنه يُبقي هذا الجرح بلا غسل ولا مسح، ثم إذا انتهى من الوضوء تيمم. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (١/ ١٦٩): قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن الجرح ونحوه إما أن يكون مكشوفاً أو مستوراً. فإن كان مكشوفاً فالواجب غسله بالماء، فإن تعذر غسله بالماء فالمسح للجرح، فإن تعذر المسح فالتيمم، وهذا على الترتيب. وإن كان مستوراً بما يسوغ ستره به، فليس فيه إلا المسح فقط، فإن ضره المسح مع كونه مستوراً فيعدل إلى التيمم، كما لو كان مكشوفاً، هذا ما ذكره الفقهاء ﵏ " انتهى. وقال الشيخ ابن باز ﵀: إن كان عليه جبيرة مسح عليها، وإن كان مكشوفاً تيمم عنه.

стр. 293

١٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (مِنْ اَلسُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ اَلرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ اَلْأُخْرَى) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدَّاً. === • ما صحة هذا الأثر؟ الأثر ضعيف جداً كما قال المصنف. والصحيح كما سبق أن التيمم رافع، وأنه يقوم مقام الماء، فمن تيمم لصلاة فإنه يبقى على تيممه ويصلي به ما يشاء من الصلوات ما لم يجد الماء أو ينتقض وضوؤه. وهذا القول هو الراجح، وهو مذهب أبي حنيفة وسعيد بن المسيب والحسن والزهري. أ-لقوله تعالى (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم). ب-ولقوله ﷺ (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). ج-ولأنه بدل عن طهارة الماء، والقاعدة الشرعية: [أن البدل له حكم المبدل]. وعلى هذا القول الصحيح: فإن خروج الوقت لا يبطل التيمم، ومن تيمم لنافلة فإنه يصلي بها فريضة. وذهب بعض العلماء إلى أن خروج الوقت مبطل للتيمم، وهذا هو المذهب. وروي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس والشعبي والنخعي وقتادة ومالك والشافعي، واستدلوا: أ-بقول علي (التيمم لكل صلاة). رواه ابن أبي شيبة، وهو ضعيف. ب-وبقول ابن عمر قال (يتيمم لكل صلاة). ج-ولأنها طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة. والصحيح الأول. بَابُ اَلْحَيْضِ تعريف الحيض: لغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. وشرعاً: دم يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة؛ لحكمة تربية الولد، فإذا حملت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته؛ ولذلك لا تحيض الحامل، فإذا وضعت الولد قلبه الله تعالى بحكمته لبنا يتغذى به الطفل؛ ولذلك قلما تحيض المرضع.

стр. 294

١٣٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ دَمَ اَلْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي مِنَ اَلصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ اَلْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم. === (كَانَتْ تُسْتَحَاضُ) الاستحاضة: استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطع عنها أبداً، أو ينقطع عنها مدة يسيرة. قال الحافظ: هو جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه. وهو دم طبيعي كما في الحديث: (إن ذلك عرق) فهو يختلف عن دم الحيض في طبيعته وفي أحكامه. (يُعْرَفُ) بضم الياء وفتح الراء، أي: تعرفه النساء بلونه وثخانته، ويجوز ضم الياء وكسر الراء مأخوذ من الإعراف، أي: له عَرْف، والعَرْف: الرائحة. (فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ) بكسر الكاف، والمشار إليه الدم الأسود. (فَأَمْسِكِي مِنَ اَلصَّلَاةِ) أي: اتركي الصلاة. فَإِذَا كَانَ اَلْآخَرُ) أي: غير الأسود، بأن كان أصفر أو أشقر أو أكدر. (فإنما هو عرق) أي: دم عرق، والمعنى: أن غير الأسود ليس بحيض فاغتسلي وتوضئي، لأنه دم عرق انفجر، لا دم حيض. • اذكر الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة؟ ذكر العلماء بعض صفات دم الحيض: أولاً: أنه دم أسود يعرف، بينما دم الاستحاضة دم أحمر. ثانياً: أنه دم منتن، أي له رائحة كريهة، وأما دم الاستحاضة فهو دم عادي ليس له رائحة. ثالثاً: أن دم الحيض ثخين غليظ، ودم الاستحاضة رقيق ليس ثخيناً. • اذكر أحوال المستحاضة؟ القسم الأول: المستحاضة المبتدأة: أولاً: أن المستحاضة المبتدأة (يعني من أول ما بدأت الحيض والدم عليها) فهذه ترجع إلى التمييز بكل حال، لأنه ليس لها عادة ترجع إليها. ثانياً: فإذا كانت ليس لها تمييز، ودمها على وتيرة واحدة، فهنا تجلس غالب عادة النساء ستة أو سبعة أيام ثم تغتسل وتصلي. القسم الثاني: المستحاضة المعتادة [لها ثلاثة أحوال]: أولاً: أن يكون لها حيض معلوم قبل الاستحاضة، فهذه ترجع إلى حيضها المعلوم السابق، فتجلس فيها ويثبت لها أحكام الحيض وما عداها استحاضة. أ- لحديث عائشة (أن أم حبيبة بنت جحش شكت إلى رسول الله ﷺ الدم، فقال: امكثي قدر ما كنت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، فكانت تغتسل لكل صلاة). رواه مسلم ب- وفي رواية قال لفاطمة بنت أبي حبيش ( … ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) متفق عليه. مثال: امرأة كان يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأت عليها الاستحاضة، فصار الدم يأتيها باستمرار، فيكون حيضها ستة أيام من أول كل شهر وما عداها استحاضة. ثانياً: أن لا يكون حيض معلوم قبل الاستحاضة، فهذه تعمل بالتمييز. لحديث الباب ( … فإنه دم أسود يعرف … ). ثالثاً: أن لا يكون حيض معلوم ولا تمييز صالح، فهذه تعمل بعادة غالب النساء. ففي حديث حمنة بنت جحش الآتي ( … فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى … ).

стр. 295

• ما الحكم لو افترض أنه وجد عند المرأة صفتان (عادة وتمييز)؟ أولاً: إما أن تكون عادتها موافقة لتمييزها، فهذا لا إشكال فيه. ثانياً: أن يكون عندها تمييز لكنه مختلف عن عادتها (عادتها ستة أيام من أول الشهر، والتمييز مختلف) فهنا اختلف العلماء أيهما تقدم على قولين: القول الأول: تعمل بالتمييز. قال في المعني: وهو ظاهر مذهب الشافعي. أ-لحديث الباب ( … فإنه دم أسود يعرف … ). ب- ولأن صفة الدم أمارة قائمة به. القول الثاني: أنها تعمل بالعادة. وهذا المذهب. أ-لحديث أم حبيبة: ( … امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك … ). وجه الدلالة: فردها إلى العادة بدون استفصال، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. ب- ولأنه أسهل على المرأة، وأبعد عن الاضطراب، لأن الدم الأسود ربما يضطرب ويتغير وينتقل أخر الشهر أو أوله أو يتقطع فيكون يوماً أسود ويوم أحمر، فجلوسها أيام عادتها أسهل عليها وأضبط لها، لأن العادة لا تبطل دلالتها أبداً. وهذا القول هو الراجح. • ما حكم المستحاضة؟ المستحاضة حكمها حكم الطاهرات بالاتفاق. • ما حكم وطء المستحاضة؟ اختلف العلماء في حكم وطء المستحاضة على قولين: القول الأول: يكره وطؤها إلا أن يخاف العنت. وهذا مذهب الحنابلة. أ-لقول عائشة (المستحاضة لا يغشاها زوجها). ب-ولأن بها أذى فيحرم وطؤها كالحائض. القول الثاني: يجوز وطؤها مطلقاً. وهذا قول أكثر الفقهاء. أ-لما روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش: (أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها). قال النووي: إسناده حسن. ب-وقال عكرمة: كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها. ج- أن هذا الدم ليس دم حيض قطعاً لقول النبي ﷺ (إنما ذلك عرق وليس بالحيضة) وعلى ذلك فلا يأخذ شيئاً من أحكام الحيض. د- أن العبادات أعظم حرمة من الجماع، فالمستحاضة في لزوم العبادة كالطاهرة فكذلك في مسألة الجماع. هـ- لأن النبي ﷺ لم يمنع عبد الرحمن بن عوف وغيره من وطء زوجاتهم المستحاضات، ولأن الاستحاضة دم عرق فلا يمنع الوطء، ولأن حكمها حكم الطاهرات في كل شيء فكذلك في حل الوطء. (قاله السعدي). وهذا القول هو الراجح.

стр. 296

قال النووي: مرجحاً مذهب الجمهور: … وقال أحمد لا يجوز الموطئ إلا أن يخاف زوجها العنت، واحتج للمانعين بأن دمها يجرى فأشبهت الحائض. واحتج أصحابنا بما احتج به الشافعي في الأم، وهو قول الله تعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) وهذه قد تطهرت من الحيض. واحتجوا أيضا بما رواه عكرمة عن حمنة بنت جحش رضى الله عنها (أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها) رواه أبو داود وغيره بهذا اللفظ بإسناد حسن. وفى صحيح البخاري قال: قال ابن عباس (المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم). ولأن المستحاضة كالطاهر في الصلاة والصوم والاعتكاف والقراءة وغيرها، فكذا في الموطأ. ولأنه دم عرق فلم يمنع الوطء كالناسور. ولأن التحريم، بالشرع ولم يرد بالتحريم، بل ورد بإباحة الصلاة التي هي أعظم كما قال ابن عباس. والجواب عن قياسهم على الحائض، أنه قياس يخالف ما سبق من دلالة الكتاب والسنة فلم يقبل. ولأن المستحاضة لها حكم الطاهرات في غير محل النزاع، فوجب إلحاقه بنظائره لا بالحيض الذي لا يشاركه في شيء (المجموع). • ما كيفية طهارة المستحاضة؟ أولاً: يجب الوضوء عليها لكل صلاة. لقوله ﷺ : ( … ثم توضئي لكل صلاة). لكن تقدم أن هذه الرواية ضعيفة لا تصح، وأنه لا يجب لها أن تتوضأ لكل صلاة. (تقدم في باب نواقض الوضوء). ثانياً: أنها إذا أرادت الوضوء فإنها تغسل أثر الدم وتعصب على الفرج خرقة ليستمسك الدم. • هل يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة؟ أولاً: لابد من العلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في وجوب الغسل على المستحاضة عند انقضاء زمن الحيض، وإن كان الدم جارياً، وهذا أمر مجمع عليه لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، حيث قال لها النبي ﷺ ( … دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) متفق عليه. قال النووي: فيه دليل على وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض، وإن كان الدم جارياً، وهذا مجمع عليه. ثانياً: غسلها لكل صلاة. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: والصحيح أنه لا يجب عليها الغسل لكل صلاة، (فقط تغتسل غسلاً واحداً عند انقضاء حيضها) وهذا مذهب جمهور العلماء. قال النووي: وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف. أ-البراءة الأصلية. ب-أن النبي ﷺ لم يأمر المستحاضات بذلك. ج-أن هذا هو المتناسب مع يسر الشريعة الإسلامية وتخفيفها على العباد. وذهب بعض العلماء إلى أنها يجب عليها الغسل لكل صلاة.

стр. 297

لحديث عائشة قالت: (استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي ﷺ : اغتسلي لكل صلاة) رواه أبو داود. وهو حديث ضعيف، ضعفه النووي والشوكاني. قال النووي: ولم يصح عن النبي ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله ﷺ : (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي (وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل) وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي ﷺ أمرها بالغسل فليس فيها شيء ثابت، وقد بين البيهقي ومن قبله ضعفها. قال الشافعي: إنما أمرها أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولا شك أن غسلها كان تطوعاً غير ما أمرت به وذلك واسع لها. وكذا قال شيخه سفيان بن عيينة والليث بن سعد وغيرهما.

стр. 298

١٣٩ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ اَلْمَاءِ، فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلاً وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلاً وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلاً، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ). === (لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ) بكسر الميم وسكون الراء، وعاء تُغسل فيه الثياب .. (فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ اَلْمَاءِ … ) أي: أنها تجلس في مركن فيه ماء لتعرف حال دمها، فإذا علا الماء صفرة كان دم استحاضة، وإن علاه غيرها فهو حيض. • على ماذا يدل الحديث؟ الحديث استدل به من قال إن المستحاضة تؤخر الظهر وتغتسل لها وللعصر غسلاً واحداً، وتؤخر المغرب و تغتسل لها وللعشاء غسلاً واحداً، وتجمع الصلاتين في الوقتين، و تغتسل غسلاً مستقلاً لصلاة الصبح. و هذا مذهب ابن عباس و عطاء والنخعي، روى ذلك عنهم ابن سيد الناس في (شرح الترمذي). وأجاب عن هذا الحديث، وقال: إنه مخالف لرواية البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة، وهناك من أهل العلم من سلك سبيل الجمع، فجعل الأمر فيه للاستحباب بدليل الأحاديث الأخرى التي لم يأت فيها الأمر بالغسل لكل صلاة، أو جاء فيها التخيير كما في حديث حمنة. وهذا الأخير هو الذي يجمع بين النصوص.

стр. 299

١٤٠ - وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: (كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ اَلشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اِغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكَ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ اَلنِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي اَلظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي اَلْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّينَ اَلظُّهْرَ وَالْعَصْرِ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ اَلْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ اَلْعِشَاءِ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ اَلصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي. وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ اَلصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ. قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ اَلْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ اَلْبُخَارِيِّ. === (حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً) لفظ أبي داود والترمذي (كثيرة شديدة)، ومعنى (كثيرة أو كبيرة) أي: أيامها كثيرة أو كثير في كميتها، ومعنى (شديدة) أي: في كيفيتها، بمعنى أن دمها شديد. (إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ اَلشَّيْطَانِ) قيل: هو حقيقة وأن الشيطان ضربها حتى فتق عرقها، وقيل: إن الشيطان وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك عادتها. • ما صحة حديث الباب؟ الحديث مختلف في صحته. قال في المحرر: رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ، وَكَذَلِكَ صَححهُ أَحْمد بن حَنْبَل، وَحسنه البُخَارِيّ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ ابْن عقيل وَلَيْسَ بِقَوي، ووهنه أَبُو حَاتِم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، وَهُوَ مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج. • على ماذا يدل الحديث؟ حمل بعض العلماء هذا الحديث - على فرض صحته - بالمستحاضة التي لا تعرف عادة حيضها، وليس لدمها تمييز، فهنا تعمل بعادة غالب النساء، فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر. قال الشيخ ابن عثيمين مبيناً أحوال المستحاضة: الحالة الثالثة: ألا يكون لها حيض معلوم ولا تمييز صالح بأن تكون الاستحاضة مستمرة من أول ما رأت الدم ودمها على صفة واحدة أو على صفات مضطربة لا يمكن أن تكون حيضاً، فهذه تعمل بعادة غالب النساء فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة من كل شهر، يبتدئ من أول المدة التي رأت فيها الدم، وما عداه استحاضة. مثال ذلك: أن ترى الدم أول ما تراه في الخامس من الشهر ويستمر عليها من غير أن يكون فيه تمييز صالح للحيض لا بلون ولا غيره فيكون حيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة تبتدئ من اليوم الخامس من كل شهر. لحديث حمنة بنت جحش ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، إني أستحاض حيضة كبيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال ( … إنما هذا ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعاً وعشرين أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها وصومي). الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، ونقل عن أحمد أنه صححه، وعن البخاري أنه حسنه. وقوله ﷺ (ستة أيام أو سبعة) ليس للتخيير وإنما هو للاجتهاد فتنظر فيما هو أقرب إلى حالها ممن يشابهها خلقة ويقاربها سناً ورحماً، وفيما هو أقرب إلى الحيض من دمها، ونحو ذلك من الاعتبارات، فإن كان الأقرب أن يكون ستة جعلته ستة، وإن كان الأقرب أن يكون سبعة جعلته سبعة .... (رسالة في الدماء الطبيعية للنساء).

стр. 300

• ما معنى قوله ﷺ (فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةً)؟ قال الخطابي: يشبه أن يكون ذلك منه ﷺ على غير وجه التحديد بين الستة والسبعة، لكن على معنى اعتبار حالها بحال من هي مثلها وفي مثل سنها من نساء أهل إقليمها أو أهل بيتها، فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستاً قعدت ستاً وإن سبعاً فسبعاً. وقال الشيخ ابن عثيمين: قوله (ستة أيام أو سبعة) ليس للتخيير، وإنما هو للاجتهاد، فتنظر بما هو أقرب إلى حالها ممن يشابهها خِلْقَةً ويقاربها سناً ورحماً، وبما هو أقرب إلى الحيض من دمها. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن الاستحاضة حالة تعتري بعض النساء فيخرج منها الدم باستمرار، وهذا يخرج من عرق كما وضحه النبي ﷺ ، والطب الحديث يسميه نزيفاً نتيجة وجود التهابات بالرحم. - أن دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة ولا الصيام ولا غيرها من العبادات الواجب لها الطهارة. - أن دم الحيض يمنع من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة، وهذه الصلاة لا تُقْضى تخفيفاً من الله ، قال ﵇ في توضيح هذا الأمر: فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، في علم الله، ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلية، أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك (ومعناه أنها في خلال الستة الأيام أو السبعة لا تصوم ولا تصلي). - ذكر بعض أهل العلم أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، أو كل وقتين بغسل واحد، لكن ذكر الجمهور أن هذا الغسل مستحب، فما عليها إلا أن تغتسل عند طهرها من الحيض، وتتوضأ لكل صلاة، وإن اغتسلت كل وقتين فهو أفضل. - أن بعض ما يجري لابن آدم من أمراض إنما هو من تأثير الشيطان ليلبس عليه عبادته، ويلهيه عن ربه، فالرسول يقول لحمنة في هذا الحديث (إنما هي ركضة من ركضات الشيطان) ولذا أمرنا بالمحافظة على الأذكار صباحاً ومساء. - اهتمام الصحابيات الجليلات بشؤون دينهن والاستفسار عن ذلك، فينبغي للمسلم والمسلمة إذا واجه مشكلة أو مسألة أن يسأل أهل العلم، قال الله تعالى (فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون). - عادة النساء قد تكون ستة أيام أو سبعة. - أن الشيطان قد يسلط على بني آدم تسليطاً حسياً. - ينبغي للجاهل أن يسأل العالم، ويدل لذلك قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر … ). - أن صوت المرأة ليس بعورة. - أن الغالب في النساء أن يحضن في كل شهر مرة واحدة.

стр. 301

١٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂; (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ اَلدَّمَ، فَقَالَ: "اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اِغْتَسِلِي" فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ كُلَّ صَلَاةٍ) رَوَاهُ مُسْلِم. ١٤٢ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: (وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَهِيَ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. === • اذكر بعض فوائد الحديث؟ - الحديث دليل وجوب الغسل على المستحاضة إذا مضى قدر الأيام التي هي عادتها الأصلية. - والحديث دليل على أنه لا يجب على المستحاضة غُسل إلا مرة واحدة إذا أدبرت حيضتها. وهذا مذهب جماهير العلماء كما تقدم. فإن النبي ﷺ لم يأمرها بالاغتسال إلا عند إدبار حيضتها فقط. وأما ما جاء في صحيح مسلم في قصة أم حبيبة بنت جحش (فكانت تغتسل لكل صلاة) فهذا لا حجة فيه، لأنه أمر فعلته من جهة أنفسها، ولم يأمرها النبي بذلك. - رواية (وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ) تقدم الكلام عليها وأن الصحيح أنها غير محفوظة، كما قال مسلم وابن رجب وغيرهما.

стр. 302

١٤٣ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ (كُنَّا لَا نَعُدُّ اَلْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ اَلطُّهْرِ شَيْئًا) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَه. === (كُنَّا لَا نَعُدُّ) أي: في زمن النبي ﷺ مع علمه، وبهذا يعطى الحديث حكم الرفع. (الْكُدْرَةَ) بضم الكاف وسكون الدال، هي اللون الأحمر الذي يضرب إلى السواد، والمراد أن الدم يكون متكدراً بين الصفرة والسواد. (وَالصُّفْرَةَ) بضم الصاد وسكون الفاء، هي اللون الأحمر الذي يميل إلى البياض، والمراد: أن ترى الدم أصفر كماء الجروح. (شَيْئاً) أي: من الحيض، أي: بعد انقطاع الدم ورؤية الطهر. الحديث دليل على أن الصفرة والكدرة بعد الطهر من الحيض ليست بحيض فلا يلتفت إليها، وأما إذا كان ذلك في أثناء الحيض أو متصلاً به قبل الطهر فهو حيض، تثبت له أحكام الحيض. لأن قولها (بعد الطهر) يدل على أن ما قبل الطهر حيض. وهذا القول: هو مذهب جمهور العلماء. قال في المغني: من رأت الدم في أيام عادتها صفرة أو كدرة، فهو حيض، وإن رأته بعد أيام حيضها لم تعتد به، نص عليه أحمد، وهو مذهب الثوري ومالك والشافعي. لحديث الباب. قال الشيخ ابن باز: لو جاءت هذه الكدرة أو الصفرة بعد الطهر من الحيض فإنها لا تعتبر حيضاً، بل حكمها حكم الاستحاضة، وعليك أن تستنجي منها كل وقت، وتتوضئي وتصلي وتصومي، ولا تحتسب حيضاً، وتحلين لزوجك؛ لقول أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً) أخرجه البخاري في صحيحه. القول الثاني: لا تعد دماً ولا حيضاً. وهو اختيار ابن حزم. والصحيح الأول.

стр. 303

• كيف تعرف المرأة الطهر من الحيض؟ تعرف المرأة الطهر بإحدى علامتين: الأولى: نزول القصة البيضاء. والثانية: حصول الجفاف التام، بحيث لو احتشت بقطنة خرجت نظيفة، ليس عليها أثر من دم أو صفرة أو كدرة. وقال الباجي في (المنتقى): وَالْمُعْتَادُ فِي الطُّهْرِ أَمْرَانِ: الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ، وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ. وَالْأَمْرُ الثَّانِي: الْجُفُوفُ، وَهُوَ أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ الْقُطْنَ أَوْ الْخِرْقَةَ فِي قُبُلِهَا فَيَخْرُجَ ذَلِكَ جَافًّا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، وَعَادَةُ النِّسَاءِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُنَّ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى الْجَفَافَ. وقد كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدّرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. رواه البخاري معلقاً (كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره). والدُّرْجة: هو الوعاء التي تضع المرأة طيبها ومتاعها. والكرسف: القطن. والقَصَّة: ماء أبيض يخرج عند انتهاء الحيض. ومعنى الصفرة: أي ماء أصفر. فعائشة اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضاً وقالت (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) أي: علامة الطهر. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: فما بعد الطهر من كدرة، أو صفرة، أو نقطة، أو رطوبة، فهذا كله ليس بحيض، فلا يمنع من الصلاة، ولا يمنع من الصيام، ولا يمنع من جماع الرجل لزوجته؛ لأنه ليس بحيض. قالت أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً) أخرجه البخاري، وزاد أبو داود: (بعد الطهر) وسنده صحيح، وعلى هذا نقول: كل ما حدث بعد الطهر المتيقن من هذه الأشياء فإنها لا تضر المرأة ولا تمنعها من صلاتها وصيامها ومباشرة زوجها إياها، ولكن يجب أن لا تتعجل حتى ترى الطهر؛ لأن بعض النساء إذا جف الدم عنها بادرت واغتسلت قبل أن ترى الطهر، ولهذا كان نساء الصحابة يبعثن إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ بالكرسف - يعني: القطن - فيه الدم فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. (٦٠ سؤالاً عن أحكام الحيض).

стр. 304

١٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ اَلْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتْ اَلْمَرْأَةُ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ اِصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا اَلنِّكَاحَ) رَوَاهُ مُسْلِم. ١٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === (اَلنِّكَاحَ) الجماع. (فَأَتَّزِرُ) قال القرطبي: الائتزار: شد الإزار على الوسط إلى الركبة. (فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ) المراد بالمباشرة هنا أن يمس الجلد الجلد، أي: يمس بشرته بشرتها، وليس المراد به الجماع، لأن جماع الحائض حرام، قال القرطبي: يعني بذلك الاستمتاع بما فوق الإزار والمضاجعة. • اذكر حالات مباشرة الرجل لزوجته الحائض؟ مباشرة الرجل لزوجته الحائض ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولاً: أن يجامعها بالفرج. فهذا حرام بنص القرآن العزيز والسنة الصحيحة، [قاله النووي]. أ-قال تعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ). ب- حديث الباب. (إلا النكاح) أي: الجماع. ج-وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ رواه الترمذي. قال الشوكاني: ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهو معلوم من ضرورة الدين. ثانياً: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة. فهذا جائز. قال النووي: وهو حلال باتفاق المسلمين. ثالثاً: المباشرة فيما بين السرة والركبة ما عدا القبل والدبر. اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: الجواز. وهو المذهب، وقال به عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وابن المنذر. قال النووي: هو الأقوى دليلاً وَهُوَ الْمُخْتَار. أ- لقوله تعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ). قال ابن قدامة في (المغني) فتخصيصه موضع الدم بالاعتزال دليل على إباحته فيما عداه. ب-لقوله ﷺ (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، فهذا يدل على إباحة جميع جسد الحائض إلا موضع الأذى. فالحديث فيه دليل على أنه لا يجتنب من الحائض إلا الموضع الذي فيه الحيضة وحده وهو الفرج. ب- قالوا: إن تحريم وطء الحائض منع للأذى، فاختص بمحله كالدبر.

стр. 305

القول الثاني: أنه حرام. وهذا مذهب مالك وأبو حنيفة، وهو قول أكثر العلماء منهم: سعيد بن المسيب، وشريح وطاووس. [قاله النووي] أ- لحديث الباب - حديث عائشة - ( … فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ). ب- وعن ميمونة قالت (كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهن حُيّض) رواه مسلم. وجه الدلالة: يفهم من الحديثين تحريم الاستمتاع بما بين السرة والركبة بوطء وغيره. واستدلوا على ذلك بأدلة، ولكنها لا تخلو من اعتراضات عليها. فمن ذلك: ما رواه أبو داود عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: مَا فَوْقَ الإِزَارِ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ). وهذا الحديث ضعيف، لا يثبت عن النبي ﷺ . قال أبو داود: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ا. هـ. وضعفه العراقي كما في "عون المعبود". وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود. وروى أحمد عن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ (أنه سأل النبي ﷺ : مَا يَصْلُحُ للرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا فَوْقَ الإِزَار). قال أحمد شاكر في تحقيق المسند إسناده ضعيف لانقطاعه. وروى أبو داود أيضاً عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ (أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: لَكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ). وهذا الحديث اختلف العلماء فيه، فنقل ابن القيم في "تهذيب السنن" تضعيفه عن بعض الحفاظ وأقره على ذلك، وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ثم لو صح الحديث لم يكن دليلاً على تحريم الاستمتاع بالحائض فيما بين السرة والركبة، لأنه يمكن الجمع بينه وبين الأدلة الدالة على جواز ذلك بأحد أوجه الجمع الآتية: ١ - أنه على سبيل الاستحباب والتنزه والابتعاد عن مكان الحيض، وليس على سبيل الوجوب. ٢ - أنه محمول على من لا يملك نفسه، لأنه لو مُكِّنَ من الاستمتاع بين الفخذين مثلاً ربما لا يملك نفسه فيجامع في الفرج، فيقع في الحرام، إما لقلة دينه، أو قوة شهوته، فتكون الأحاديث الدالة على الجواز فيمن يملك نفسه، والأحاديث الدالة على المنع فيمن يخشى على نفسه الوقوع في المحرم. ا. هـ (الشرح الممتع).

стр. 306

ولذلك ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه جاز وإلا فلا، قال النووي: وهذا الوجه حسن. - والأولى للرجل إذا أراد أن يستمتع بامرأته وهي حائض أن يأمرها أن تلبس ثوباً تستر به ما بين السرة والركبة، ثم يباشرها فيما سوى ذلك. لحديث عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُها). ولحديث عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ). (فِي فَوْر حَيْضَتهَا) أي: أَوَّله وَمُعْظَمه. قَالَه الْخَطَّابِيُّ. قال ابن القيم في (تهذيب السنن) عند شرح حديث رقم (٢١٦٧) من عون المعبود: وَحَدِيث (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلا النِّكَاحَ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّحْرِيم إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى مَوْضِع الْحَيْض خَاصَّة، وَهُوَ النِّكَاح، وَأَبَاحَ كُلّ مَا دُونه، وَأَحَادِيث الإِزَار لا تُنَاقِضهُ، لأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغ فِي اِجْتِنَاب الأَذَى، وَهُوَ أَوْلَى. فائدة: ما سبق من الأحكام تستوي فيها الحائض والنفساء. قال ابن قدامة ﵀ بعد أن ذكر أقسام مباشرة الرجل لامرأته وهي حائض، قال: والنفساء كالحائض في هذا. • هل يجوز جماع الحائض بعد طهرها وقبل أن تغتسل؟ لا يجوز حتى تغتسل. لقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ). قال ابن كثير ﵀: وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم، إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا يحيى بن بكير من المالكية وهو أحد شيوخ البخاري، فإنه ذهب إلى إباحة وطء المرأة بمجرد انقطاع دم الحيض، ومنهم من ينقله عن ابن عبد الحكم أيضاً، وقد حكاه القرطبي عن مجاهد وعكرمة وعن طاوس كما تقدم، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: إنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل ولا يصح لأقل من ذلك. قال القرطبي في تفسيره: قوله تعالى (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يَعْنِي بِالْمَاءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِك وَجُمْهُور الْعُلَمَاء، وَأَنَّ الطُّهْر الَّذِي يَحِلّ بِهِ جِمَاع الْحَائِض الَّذِي يَذْهَب عَنْهَا الدَّم هُوَ تَطَهُّرهَا بِالْمَاءِ كَطُهْرِ الْجُنُب، وَلَا يُجْزِئ مِنْ ذَلِكَ تَيَمُّم وَلَا غَيْره، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالطَّبَرِيّ وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة وَأَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهم.

стр. 307

وقال ابن قدامة في المغني: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ حَرَامٌ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. إلى أن قال: … وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ) يَعْنِي إذَا اغْتَسَلْنَ، هَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَةِ (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ). فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْهُمْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ، وَفِعْلُهُمْ هُوَ الِاغْتِسَالُ دُونَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَشَرَطَ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالِاغْتِسَالَ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِهِمَا. وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ لِحَدَثِ الْحَيْضِ، فَلَمْ يُبَحْ وَطْؤُهَا كَمَا لَوْ انْقَطَعَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن اليهود يرون أن الحائض رجساً نجساً فيعتزلونها، فبدنها نجس وثيابها نجسة، أما النصارى فلديهم التساهل والتفريط، فإنهم يستحلون جماعها في الفرج، وأما الإسلام فهو الوسط بين الغلو والجفاء، فالحائض محصورة نجاستها في فرجها فقط، فهذا هو المحرم. - طهارة بدن الحائض وعرَقها. - أمر الرجل زوجته الحائض أن تتزر وهذا أفضل. - جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها.

стр. 308

١٤٦ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي اَلَّذِي يَأْتِي اِمْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِض قَالَ: (يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ وَابْنُ اَلْقَطَّانِ، وَرَجَّحَ غَيْرَهُمَا وَقْفَه. === • ما حكم من أتى زوجته وهي حائض من حيث الكفارة وعدمها؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين؟ القول الأول: أنه عليه الكفارة. وهذا مذهب الإمام أحمد، وهو قول ابن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي. لحديث الباب (يتصدق بدينار أو نصف دينار). القول الثاني: أنه ليس عليه كفارة وإنما التوبة فقط. قال النووي: وهو قول الشافعي الجديد، وقول مالك وجماهير السلف، وممن ذهب إليه من السلف: عطاء والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وربيعة وحماد بن أبي سلمة والثوري والليث بن سعد، قالوا: أن عليه فقط أن يتوب إلى الله تعالى ويستغفره. وقالوا: أ- إن الأحاديث الواردة في ذلك لا تصح. قال النووي: هو ضعيف باتفاق الحفاظ. وقال الشافعي: لو كان الحديث ثابتاً لأخذنا به. وقد أعل البيهقي هذا الحديث بأشياء منها: أن جماعة رووه عن شعبة موقوفاً على ابن عباس وأن شعبة رجع عن رفعه. وأن هذا الحديث روي معضلاً. وأن في متنه اضطراباً، لأنه روي بدينار أو نصف دينار على الشك، وروي يتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار، وروي أنه إذا كان دماً أحمر دينار، وإذا كان أصفر فنصف دينار. ب-وقالوا: الأصل براءة الذمة. والصحيح القول الأول وأنه عليه الكفارة. • أصحاب القول الأول اختلفوا في الكفارة على أقوال، اذكرها: القول الأول: عليه أن يتصدق بدينار أو نصفه على التخيير. القول الثاني: الدينار في إقبال الدم والنصف في إدباره. القول الثالث: أن عليه عتق رقبة.

стр. 309

١٤٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيث. === • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم الصلاة والصوم على الحائض. قال النووي: أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة والصوم في الحال، وأنه يجب قضاء الصوم دون الصلاة. أ-لحديث الباب. ب- وعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ (سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِى الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِى الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّى أَسْأَلُ. قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فُنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) متفق عليه. ج-وقال ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة) متفق عليه. • ما الحكمة أن الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ الحكمة: الامتثال لأمر الله ورسوله ﷺ . ولذلك قالت عائشة (كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فُنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) متفق عليه. قال بعض العلماء: إن الصلاة كثيرة متفرقة فيشق قضاؤها بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرة واحدة. [قاله النووي] • هل تؤجر الحائض بترك الصلاة أم لا؟ اختلف العلماء هل تثاب الحائض على تركها الصلاة أثناء الحيض، كما يثاب المريض على ترك النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟ قيل: لا تثاب على الترك. لأن وصفه لها ﷺ بنقصان الدين بترك الصلاة زمن الحيض يقتضي ذلك. وقيل: تثاب، إذا قصدت امتثال قول الشارع في تركه. وهذا القول أقرب.

стр. 310

١٤٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : اِفْعَلِي مَا يَفْعَلُ اَلْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيث. === (لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ) بفتح السين وكسر الراء، موضع قريب من مكة. (حِضْتُ) أي: جاءني الحيض. (اِفْعَلِي مَا يَفْعَلُ اَلْحَاجُّ) أي: افعلي ما يفعل من أحرم بالحج. (غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) أي: لا تطوفي ما دمتي حائضاً. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: تحريم الطواف على الحائض. ويدل لذلك أيضاً حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ. فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ. فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: اُخْرُجُوا). فقوله ﷺ (أحابستنا؟) فإن النبي ﷺ قصد بذلك، أن صفية إذا كانت حائض ولم تطف يوم النحر طواف الإفاضة فإنه يلزمها البقاء حتى تطوف بعد الطهر، فتحبس النبي ﷺ ، ثم إذا حبس النبي ﷺ حبس أصحابه معه، ففي هذا دليل على أن المرأة الحائض لا يجوز لها أن تطوف. ولذلك يسقط طواف الوداع عن الحائض: عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (أُمِرَ اَلنَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْحَائِضِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • ما العلة في منع الحائض من الطواف؟ اختلف في ذلك: فقيل: لأن من شروط الطواف الطهارة. وقيل: لكونها ممنوعة من دخول المسجد.

стр. 311

• ما حكم المرأة إذا حاضت قبل طوافها، ولا تستطيع البقاء بمكة ويتعذر عليها الرجوع؟ سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: قدمت امرأة محرمة بعمرة، وبعد وصولها إلى مكة حاضت. ومحرمها مضطر إلى السفر فوراً وليس لها أحد بمكة، فما الحكم؟ فأجابت: إذا كان الأمر كما ذكر من حيض المرأة قبل الطواف وهي محرمة، ومحرمها مضطر للسفر فوراً وليس لها محرم ولا زوج بمكة، سقط عنها شرط الطهارة من الحيض لدخول المسجد وللطواف للضرورة، فتستثفر وتطوف وتسعى لعمرتها، إلا إنْ تيسر لها أن تسافر وتعود مع زوج أو محرم، لقرب المسافة ويسر المؤونة فتسافر وتعود فور انقطاع حيضها لتطوف طواف عمرتها وهي متطهرة. فإن الله تعالى يقول (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). وقال تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). وقال (وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ). وقال (فاتقوا الله ما استطعتم). وقال رسول الله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم) الحديث، إلى غير ذلك من نصوص التيسير ورفع الحرج، وقد أفتى بما ذكرنا جماعة من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما. وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: امرأة حاضت ولم تطف طواف الإفاضة وتسكن خارج المملكة وحان وقت مغادرتها المملكة ولا تستطيع التأخر ويستحيل عودتها للمملكة مرة أخرى فما الحكم؟ فأجاب: إذا كان الأمر كما ذكر امرأة لم تطف طواف الإفاضة وحاضت ويتعذر أن تبقى في مكة أو أن ترجع إليها لو سافرت قبل أن تطوف، ففي هذه الحالة يجوز لها أن تستعمل واحداً من أمرين: فإما أن تستعمل إبراً توقف هذا الدم وتطوف، وإما أن تتلجم بلجام يمنع من سيلان الدم إلى المسجد وتطوف للضرورة، وهذا القول الذي ذكرناه هو القول الراجح والذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وخلاف ذلك واحد من أمرين: إما أن تبقى على ما بقي من إحرامها بحيث لا تحل لزوجها ولا أن يعقد عليها إن كانت غير متزوجة، وإما أن تعتبر محصرة تذبح هدياً وتحل من إحرامها، وفي هذه الحال لا تعتبر هذه الحجة لها، وكلا الأمرين أمر صعب، فكان القول الراجح هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀ في مثل هذه الحال للضرورة، وقد قال الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج). وقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). أما إذا كانت المرأة يمكنها أن تسافر ثم ترجع إذا طهرت فلا حرج عليها أن تسافر فإذا طهرت رجعت فطافت طواف الحج وفي هذه المدة لا تحل للأزواج لأنها لم تحل التحلل الثاني.

стр. 312

• اذكر خلاف العلماء في حكم الطهارة للطواف؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أن الطهارة من الحدث شرط لصحة الطواف، فمن طاف محدثاً، لم يصح طوافه، ولا يعتد به. وإلى هذا القول ذهب: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وجمهور العلماء. أ- لحديث عائشة (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه، وقد قال ﷺ (لتأخذوا عني مناسككم). وجه الاستدلال منه من وجهين: أولاً: أن فعل النبي ﷺ في الطواف بيان لمجمل القرآن، لأن الله أمر بالطواف في كتابه العزيز ولم يبين كيفيته، فجاء البيان بفعله ﷺ إذ توضأ قبل طوافه، والفعل إن جاء بياناً لأمر واجب دل على وجوبه، فدل ذلك على وجوب الطهارة من الحدث قبل الطواف. ثانياً: أن أمر النبي ﷺ صحابته ﵃ بأخذ مناسكه، والاقتداء به في ذلك دليل على وجوب جميع ما صدر منه في بيان أفعال المناسك- إلا ما دل الدليل على استثنائه- ومن ذلك الطهارة من الحدث قبل الطواف. ب-حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه المنطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير). (الصحيح أنه موقوف على ابن عباس). وجه الاستدلال منه من وجهين: أولاً: أن النبي ﷺ شبه الطواف بالصلاة وليس المراد التشبيه في الأفعال والهيئة لتباينهما، وإنما المراد التشبيه بها في الحكم، فدل ذلك على أن للطواف جميع الأحكام المتعلقة بالصلاة- إلا ما استثناه الدليل- ومن ذلك اشتراط الطهارة؛ لقوله ﷺ (لا يقبل الله صلاة بغير طهور). ثانياً: من قوله (إلا أن الله أباح فيه المنطق) فاستثناؤه ﷺ إباحة المنطق في الطواف، دليل على اشتراط ما عداه كما يشترط في الصلاة، ومن ذلك اشتراط الطهارة من الحدث. ج-حديث الباب في قوله ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت وهي محرمة (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) متفق عليه. وفي رواية لمسلم (حتى تغتسلي).

стр. 313

وجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ رخص لعائشة أن تفعل وهي حائض جميع ما يفعله الحاج، ولم يمنعها إلا من الطواف، وجعل ذلك مقيداً باغتسالها وتطهرها، فدل ذلك على ترتب منع الطواف على انتفاء الطهارة، وعلى أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وعلى عدم صحته بدونها، لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد. د-قوله ﷺ لما أخبر بأن صفية حاضت (أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذاً) متفق عليه. وجه الاستدلال: إخباره ﷺ بانحباسه- وانحباس من كان معه لانحباسه- لحيض صفية، لو لم تكن قد أفاضت، مع ما في ذلك من المشقة العامة، دليل ظاهر- إن لم يكن نصاً صريحاً- على اشتراط الطهارة لصحة الطواف. القول الثاني: أن الطهارة من الحدث في الطواف واجبة، وليست شرطاً لصحته، فمتى طاف للزيارة غير متطهر من الحدث، أعاد ما دام في مكة، فإن تعذرت عليه الإعادة لبعده عنها جبره بدم. وإلى هذا ذهب: أبو حنيفة، وأحمد في رواية. أ- لقوله تعالى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ). وجه الاستدلال منها: أن الله أمر بالطواف مطلقاً عن شرط الطهارة، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب، بخبر الواحد. ب- وبالأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول. وجه استدلالهم منها: أن مقتضاها وجوب الطهارة من الحدث في الطواف، وذلك لا يستلزم اشتراطها، لأن الدليل عليها أخبار آحاد، وهي توجب العمل، فيثبت بها الوجوب دون الفرضية، وأما القول باشتراطها فإنه يفضي إلى نسخ مطلق الكتاب بأخبار الآحاد، وهو ممنوع. القول الثالث: أن الطواف بالبيت على غير طهارة، جائز مطلقاً حتى للنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط. وإلى هذا ذهب ابن حزم الظاهري. أ-لقوله ﷺ لعائشة ﵂ (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري). وجه الاستدلال منه: قال ابن حزم: إن رسول الله ﷺ منع أم المؤمنين عائشة ﵂ إذ حاضت- من الطواف بالبيت، (وولدت أسماء بنت عميس بذي الحليفة فأمرها ﷺ بأن تغتسل وتهل)، ولم ينهها عن الطواف، فلو كانت الطهارة من الشروط لبينه رسول الله ﷺ كما بين أمر الحائض (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). ب-وقالوا: إن الأصل براءة الذمة، وعدم الاشتراط إلا بدليل، وقد اتفق العلماء على عدم اشتراط الطهارة لأداء المناسك من وقوف ومبيت ورمي، فالتفريق بينها وبين الطواف واشتراط الطهارة له لا يثبت إلا بالدليل. فدل ذلك على عدم اشتراط الطهارة للطواف، وجواز الطواف مطلقاً إلا للحائض.

стр. 314

القول الرابع: أن الطهارة من الحدث سنة، وأن الحائض والنفساء إذا احتاجتا للطواف لتعذر الإقامة، طافتا، ولا شيء عليهما، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية. أ- لأن النبي ﷺ بعث أبا بكر عام تسع لما أمره على الحج ينادي (ألا يطوف بالبيت عريان). وجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ نهى عن طواف العراة بالبيت، ولم يثبت أنه أمر بالطهارة للطواف، فدل ذلك على أن الطهارة ليست واجبة إذ لو كانت واجبة لأمر بها. ب-وقالوا: إن الأصل براءة الذمة، وعدم وجوب الطهارة إلا بدليل ولا دليل صريح صحيح على وجوبها. ج- ولحديث عائشة (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت) وهذا فعل والفعل يدل على الاستحباب … (بحث في مجلة البحوث الإسلامية ٥٦). وأجاب أصحاب هذا القول عن أدلة من قال باشتراط الطهارة للطواف: أما حديث (الطواف بالبيت صلاة) فقالوا: لا يصح من قول النبي ﷺ ، وإنما هو من قول ابن عباس ﵄. قال النووي في المجموع: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ ا. هـ. وأما فعل النبي ﷺ وأنه طاف متطهراً فقالوا: هذا لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب فقط، لأن النبي ﷺ فعله ولم يَرِد أنه أمر أصحابه بذلك. وأما قوله ﷺ لعائشة (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) فإنما منعها النبي ﷺ من الطواف لأنها حائض، والحائض ممنوعة من دخول المسجد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً؛ فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النَّبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمَراً متعددة والناس يعتمرون معه، فلو كان الوضوء فرضاً للطواف لبيَّنه النبي ﷺ بياناً عامّاً، ولو بيَّنه لنَقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر. (مجموع الفتاوى ٢١). • هل يجوز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة؟ نعم يجوز، فالسعي لا يشترط فيه الوضوء وهو مذهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، بل يجوز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة، لأن النبي ﷺ لم يمنع الحائض إلا من الطواف فقال لعائشة ﵂ لما حاضت - (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت). (المغني). قال الشيخ ابن عثيمين: فلو سعى محدثاً، أو سعى وهو جنب، أو سعت المرأة وهي حائض: فإن ذلك مجزئ، لكن الأفضل أن يسعى على طهارة.

стр. 315

• ما أكثر الحيض وما أقله؟ اختلف العلماء في أكثر الحيض وفي أقله؟ في قول النبي ﷺ لعائشة ( … حتى تطهري) دليل لقول من قال أن الحيض لا حدّ لمقداره. وهذه مسألة خلافية بين العلماء: فقال بعض العلماء: أكثره [١٥] يوماً، وأقله يوم وليلة. وقيل: أكثره [١٧] يوم، وقيل: أكثره [١٣] يوم، وقيل: أكثره [١٠] أيام. والراجح أنه ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حدّ بالأيام. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قال ﵀: ومن ذلك اسم الحيض علّق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدّر في ذلك حداً، فقد خالف الكتاب والسنة. ويدل لهذا القول: أ-قوله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن). فجعل الله غاية المنع هي الطهر، ولم يجعل الغاية مضي يوم وليلة ولا ثلاثة أيام ولا خمسة عشر يوماً، فدلّ هذا على أن علة الحكم هي الحيض وجوداً وعدماً، فمتى وجد الحيض ثبت الحكم، ومتى طهرت منه زالت أحكامه. ب-حديث الباب ( … حتى تطهري) فجعل غاية المنع الطهر، ولم يجعل الغاية زمناً معيناً، فدل هذا على أن الحكم يتعلق بالحيض وجوداً وعدماً. • هل للحيض سن معينة؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه لا حيص قبل تسع ولا بعد خمسين. واستدلوا: أن العادة أن لا تحيض قبل تسع ولا بعد خمسين سنة. وذهب بعض العلماء وهو اختيار ابن المنذر وابن تيمية وجماعة من أهل العلم أنه لا حد لأقل سن الحيض ولا لأكثره، بل متى رأت المرأة الدم المعروف فهو حيض تثبت له أحكامه، وإن كانت دون تسع سنين أو فوق الخمسين أو الستين. لقوله تعالى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ). فعلق أحكام الحيض على وجوده، ولم يحدد لذلك سناً معيناً. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن الحائض يصح منها جميع أعمال الحج كالسعي والوقوف بعرفة وغيرها ما عدا الطواف.

стр. 316

١٤٩ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ (أَنَّهُ سَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ اِمْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: "مَا فَوْقَ اَلْإِزَارِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَه. === الحديث ضعيف ولا يصح، وقد تقدمت المسألة، وأنه من أدلة من قال إنه يحرم الاستمتاع بالزوجة إذا كانت حائضاً فيما بين السرة والركبة ما عدا الفرج، وهو قول الجمهور. والصحيح الجواز كما تقدم.

стр. 317

١٥٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَتِ اَلنُّفَسَاءُ تَقْعُدُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: (وَلم يَأْمُرْهَا اَلنَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ اَلنِّفَاسِ) وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم. === • ما صحة حديث الباب؟ وهذا الإسناد مختلف فيه وقد ضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام والإمام ابن حزم. وصححه الحاكم وحسنه النووي وغيره. • ما هو النفاس؟ هو دم يخرج من المرأة عند الولادة أو معها أو قبلها بيومين أو ثلاثة مع الطلق. وأحكامه هي أحكام الحيض فيما يجب ويحرم. • ما أقل النفاس؟ اختلف العلماء في أقل النفاس: القول الأول: ليس لأقله حد. وهذا المذهب وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق وجمهور العلماء. لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلاً وكثيراً. وهذا القول هو الصحيح. فمتى طهرت المرأة من نفاسها وجب عليها الاغتسال والصلاة، ولو كان ذلك قبل مرور أربعين يوماً. قال الترمذي ﵀: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. • ما أكثر مدة النفاس؟ اختلف العلماء في أكثر النفاس: القول الأول: أكثره أربعون يوماً. وهذا المذهب، وبه قال أكثر أهل العلم. قال أبو عيسى الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. قال الشوكاني: والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوماً متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، فالمصير إليها متعين. أ- لحديث الباب. ب-وثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: النفساء تنتظر نحواً من أربعين يوماً. رواه ابن الجارود في المنتقى.

стр. 318

قال ابن عبد البر ﵀ في الاستذكار: ليس في مسألة أكثر النفاس موضع للاتباع والتقليد إلا من قال بالأربعين، فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ ولا مخالف لهم منهم، وسائر الأقوال جاءَت عن غيرهم ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم، لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم والنفس تسكن إليهم فأين المهرب عنهم دون سنة ولا أصل. وقال ابن قدامة: ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فكان إجماعاً. وهذا القول هو الصواب وذلك لأمور: الأول: أنه قول الصحابة ولا مخالف لهم. الثاني: أنه لا بد في المسألة من تحديد أيام تجلس فيها النفساء ولا يمكن تجاوز قول الصحابة إلى غيرهم. الثالث: أنه قول الأطباء وهم من أهل الاختصاص في معرفة الدم فاتفق قولهم مع رأي ابن عباس وقول أكثر أهل العلم. وأما أقل النفاس فلا حدَّ له في قول أكثر أهل العلم فإذا رأت النفساء الطهر وهو انقطاع الدم وجب عليها أن تغتسل وتصلي. (الإسلام سؤال وجواب). وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية أكثره ستون يوماً. وقال الحسن البصري تجلس أربعين يوماً إلى خمسين فإن زاد فهي استحاضة. وقيل غير ذلك من الأقوال وهي اجتهادات ليس على شيء منها دليل صحيح. • متى يثبت النفاس؟ لا يثبت النفاس إلا إذا وضعت ما يتبين فيه خلق إنسان. فلو وضعت سقطاً صغيراً لم يتبين فيه خلق إنسان، فليس دمها دم نفاس، بل هو دم عرق، فيكون حكمها حكم المستحاضات، وأقل مدة يتبين فيها خلق إنسان ثمانون يوماً من ابتداء مدة الحمل. قال علماء اللجنة الدائمة: إذا كان الجنين قد تخلق، بأن ظهرت فيه أعضاؤه من يد أو رجل أو رأس حرم عليه جماعها مادام الدم نازلاً إلى أربعين يوماً، ويجوز أن يجامعها في فترات انقطاعه أثناء الأربعين بعد أن تغتسل، أما إذا كان لم تظهر أعضاؤه في خلقه فيجوز له أن يجامعها ولو حين نزوله، لأنه لا يعتبر دم نفاس، إنما هو دم فاسد تصلي معه وتصوم. قال الشيخ عبد العزيز بن باز: إذا أسقطت المرأة ما تبين فيه خلق الإنسان من رأس أو يد أو رجل أو غير ذلك فهي نفساء لها أحكام النفاس فلا تصلي ولا تصوم ولا يحل لزوجها جماعها حتى تطهر أو تكمل أربعين يوماً، ومتى طهرت لأقل من أربعين وجب عليها الغسل والصلاة والصوم في رمضان وحل لزوجها جماعها. أما إذا كان الخارج من المرأة لم يتبين فيه خلق الإنسان بأن كان لحمة ولا تخطيط فيه أو كان دماً: فإنها بذلك تكون لها حكم المستحاضة لا حكم النفاس ولا حكم الحائض، وعليها أن تصلي وتصوم في رمضان وتحل لزوجها … لأنها في حكم المستحاضة عند أهل العلم.

стр. 319

وقال الشيخ ابن عثيمين: قال أهل العلم: إن خرج وقد تبيَّن فيه خلق إنسان: فإن دمها بعد خروجه يُعدُّ نفاساً، تترك فيه الصلاة والصوم ويتجنبها زوجها حتى تطهر، وإن خرج وهو غير مخلَّق: فإنه لا يعتبر دم نفاس بل هو دم فساد لا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام ولا من غيرهما. قال أهل العلم: وأقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يوماً. انتهى. والدليل: قوله ﷺ (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوح). فدل هذا الحديث على أن الإنسان يمر بعدة مراحل في الحمل: أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين أخرى علقة، ثم أربعين ثالثة مضغة. ثم ينفخ فيه الروح بعد تمام مائة وعشرين يوماً. والتخليق يكون في مرحلة المضغة، ولا يكون قبل ذلك، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ). فوصف الله تعالى المضغة بأنها مخلقة وغير مخلقة. ومعنى التخليق أن تظهر في الحمل آثار تخطيط الجسم كالرأس والأطراف ونحو ذلك. • ما حكم النفساء إذا طهرت قبل الأربعين؟ إذا طهرت قبل الأربعين وذلك بانقطاع الدم، اغتسلت وصلت وجوباً. ويجوز لزوجها أن يطأها ولا يكره، وهذا مذهب جماهير العلماء. لأن الكراهية تحتاج إلى دليل، ولا دليل على الكراهة. ولأن حكمها حكم الطاهرات في كل شيء، فكذا في الوطء. • ما الحكم لو طهرت قبل الأربعين ثم عاد إليها الدم وهي في الأربعين؟ إذا طهرت النفساء في الأربعين فصامت أياماً، ثم عاد إليها الدم في الأربعين فإن صومها صحيح، وعليها أن تدع الصلاة والصيام في الأيام التي عاد فيها الدم. (قال الشيخ ابن باز ﵀. وقال ﵀: فإن عاد عليها الدم في الأربعين فالصحيح أنها تعتبره نفاساً في مدة الأربعين ولكن صومها الماضي في حال الطهارة وصلاتها وحجها كله صحيح لا يعاد شيء من ذلك ما دام وقع حال الطهارة.

стр. 320

• ما حكم الدم النازل من النفساء بعد الأربعين؟ إن كان نزوله في وقت العادة، فهو دم حيض لا تصلي فيه المرأة ولا تصوم ولا يقربها زوجها، إلى أن تنقضي عادتها الشهرية، كما هو معلوم. وأما إن كان نزوله في غير العادة، فهو دم استحاضة؛ والمستحاضة: تصوم وتصلي، ويجامعها زوجها. ويلزمها أن تتوضأ لكل فريضة بعد دخول وقتها، وتصلي بالوضوء ما شاءت من النوافل. قال ابن قدامة: فإن زاد دم النفساء على أربعين يوماً فصادف عادة الحيض فهو حيض، وإن لم يصادف عادة فهو استحاضة. • ما الحكم لو أن المرأة ولدت ولم تر الدم؟ قال ابن قدامة المقدسي: وإن ولدت ولم تر دماً، فهي طاهر لا نفاس لها؛ لأنَّ النفاس هو الدم، ولم يُوجد. لكن اختلف العلماء في وجوب الغسل عليها. فقيل: لا يلزمها الغسل. لأن الشرع إنما أوجبه على النفساء، وليست هذه نفساء، ولا في معناها. وهذا مذهب المالكية والحنابلة. واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال: وإذا نفست المرأة فقد لا ترى الدم، وهذا نادر جداً، وعلى هذا لا تجلس مدة النفاس، فإذا ولدت عند طلوع الشمس ودخل وقت الظهر ولم تر دما فإنها لا تغتسل، بل تتوضأ وتصلي. وقيل: يلزمها الغسل. لأن الولادة مظنة للنفاس الموجب للغسل، فقامت مقامه في الإيجاب. وهو مذهب الشافعية، واختاره علماء اللجنة الدائمة للإفتاء، فقالوا: إذا وضعت الحامل ولم يخرج دم وجب عليها الغسل والصلاة والصوم، ولزوجها أن يجامعها بعد الغسل؛ لأن الغالب في الولادة خروج دم ولو قليل مع المولود أو عقبه. والأحوط: أن تغتسل خروجاً من خلاف العلماء. (الإسلام سؤال وجواب).
следующие страницы →