Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
١٣٥٥ - وَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄ قَالَ (نَحَرْنَا مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ عَامَ اَلْحُدَيْبِيَةِ: اَلْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ) رَوَاهُ مُسْلِم.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: جواز الاشتراك في البدنة والبقرة وأنهما يجزيان عن سبعة أشخاص.
وروى أبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ - أي: البعير - عَنْ سَبْعَةٍ).
قال النووي: فِي هَذِهِ الأَحَادِيث دَلالَة لِجَوَازِ الِاشْتِرَاك فِي الْهَدْي، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّاة لا يَجُوز الاشْتِرَاك فِيهَا. وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيث أَنَّ الْبَدَنَة تُجْزِئ عَنْ سَبْعَة، وَالْبَقَرَة عَنْ سَبْعَة، وَتَقُوم كُلّ وَاحِدَة مَقَام سَبْع شِيَاه، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمُحْرِم سَبْعَة دِمَاء بِغَيْرِ جَزَاء الصَّيْد، وَذَبَحَ عَنْهَا بَدَنَة أَوْ بَقَرَة أَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمِيع. (شرح مسلم).
وقال ابن قدامة: وهذا قول أكثر أهل العلم.
روي ذلك عن علي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة ﵃، وبه قال عطاء، وطاووس، وسالم، والحسن وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
هل هناك قول آخر قال به بعض العلماء؟
نعم.
قال بعض أهل العلم تجزئ البدنة عن عشرة أيضاً.
وبه قال سعيد بن المسيب وإسحاق وابن خزيمة.
لحديث ابن عباس ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضرنا النحر - وفي رواية الأضحى - فاشتركنا في الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد.
ورجح الشوكاني هذا القول وقال: إنه الحق فتجزئ البدنة والبعير عن عشرة في الأضحية دون الهدي فلا تجزئ إلا عن سبعة.
وقد رجح الحافظ ابن عبد البر حديث جابر على حديث ابن عباس فقال: وحديث (نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية البدنة عن سبعة) واضح لا مدخل فيه للتأويل، وحسبك بقول جابر (سَنَّ رسولُ الله ﷺ البدنةَ عن سبعةٍ والبقرةَ عن سبعة).
стр. 2557
وقال أبو جعفر الطبري: أجمعت الأمة على أن البدنة والبقرة لا تجزئ عن أكثر من سبعة.
قال وفي ذلك دليل على أن حديث ابن عباس وما كان مثله خطأٌ ووهمٌ أو منسوخ.
وقال البيهقي: إن حديث جابر أصح من حديث ابن عباس.
ورجح ابن قدامة حديث جابر أيضاً على حديث ابن عباس.
ومذهب الجمهور هو الراجح لقوة أدلتهم.
فائدة:
لا حرج في إعطاء لحم الأضحية لغير المسلم، وخاصةً إن كان من الأقارب أو الجيران أو الفقراء.
ويدل على ذلك قوله تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وإعطاؤه لحم الأضحية من البر الذي أذن الله لنا به
وعَنْ مُجَاهِدٍ: " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ فِي أَهْلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) رواه الترمذي وصححه الألباني.
قال ابن قدامة: "وَيَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا كَافِرًا، … ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ، فَجَازَ إطْعَامُهَا الذِّمِّيَّ وَالْأَسِيرَ، كَسَائِرِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. (المغني)
وفي فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٤٢٤): "يجوز لنا أن نطعم الكافر المعاهد، والأسير من لحم الأضحية، ويجوز إعطاؤه منها لفقره، أو قرابته، أو جواره، أو تأليف قلبه … ؛ لعموم قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، ولأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن تصل أمها بالمال وهي مشركة في وقت الهدنة ". انتهى
وقال الشيخ ابن باز ﵀: الكافر الذي ليس بيننا وبينه حرب، كالمستأمن أو المعاهد: يعطى من الأضحية، ومن الصدقة.
стр. 2558
بَابُ اَلْعَقِيقَةِ
تعريفها:
قال ابن حجر: (العقيقة) بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة، وَهُوَ اسْم لِمَا يُذْبَح عن الْمَوْلُود. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقهَا:
فَقَالَ أَبُو عُبَيْد، وَالْأَصْمَعِيّ: أَصْلهَا الشَّعْر الَّذِي يخْرُج عَلَى رَأْس الْمَوْلُود، وَتَبِعهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيْره، وسُمِّيَتْ الشَّاة الَّتِي تُذْبِح عَنْهُ، فِي تِلْكَ الْحَالَة عَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ يُحْلَق عَنْهُ ذَلِك الشَّعْر عِنْد الذَّبْح.
وَعَنَ أَحْمَد أنَّها مَأْخُوذَة مِنْ الْعَقِّ، وَهُوَ الشَّقّ وَالْقَطْع، وَرَجَّحَهُ ابْن عَبْد الْبَرّ، وَطَائِفَة.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَقِيقَة اسْم الشَّاة الْمَذْبُوحَة عَنْ الْوَلَد، سُمِّيتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تُعَقّ مَذَابِحهَا: أَيْ تُشَقّ، وَتَقْطَع.
قال ابن عبد البر: وَقَدْ أنكر أحمد بن حنبل تصير أبي عُبيد هَذَا للعقيقة، وما ذكره عن الأصمعيّ، وغيره فِي ذلك، وَقَالَ: إنما العقيقة: الذبح نفسه. قَالَ: ولا وجه لما قَالَ أبو عبيد، واحتجّ بعض المتأخّرين لأحمد بأن قَالَ ما قَالَ أحمد منْ ذلك، فمعروفٌ فِي اللغة؛ لأنه يقال: عقّ: إذا قطع، ومنه يقال: عقّ والديه: إذا قطعهما.
وشرعاً: العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه.
стр. 2559
١٣٥٦ - عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنْ اَلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ اَلْجَارُودِ، وَعَبْدُ اَلْحَق لَكِنْ رَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَه.
١٣٥٧ - وَأَخْرَجَ اِبْنُ حِبَّانَ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَه.
١٣٥٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَمْرَهُمْ; أَنْ يُعَقَّ عَنْ اَلْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنْ اَلْجَارِيَةِ شَاةٌ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَه.
١٣٥٩ - وَأَخْرَجَ اَلْخَمْسَة عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ نَحْوَه.
===
ما صحة أحاديث الباب؟
حديث ابن عباس مختلف في وصله ووقفه، والأصح أنه مرسل كما قال أبو حاتم.
اذكر بعض الأدلة على مشروعية العقيقة؟
أ- عن سَلْمَان بْن عَامِرٍ الضَّبِّي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى). رواه أبو داود … (أميطوا الأذى: المقصود بإماطة الأذى هنا حلق الرأس وتطييبه بطيب طيب).
ب- ولحديث سَمُرَةَ الآتي أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى) رَوَاه أبو داود.
ج- وعَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْت أَحْمَدَ قَالَ: مُكَافِئَتَانِ: أَيْ مُسْتَوِيَتَانِ أَوْ مُقَارِبَتَانِ.
د-ولحديث الباب - حديث عائشة - (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَمْرَهُمْ; أَنْ يُعَقَّ عَنْ اَلْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنْ اَلْجَارِيَةِ شَاةٌ).
هـ_ وعنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ العَقِيقَةِ؟ فَقَالَ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ. كَأَنَّهُ كَرِهَ الاِسْمَ وَقَالَ: مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ). رواه أبو داود
ما حكم العقيقة؟
اختلف العلماء في حكمها على قولين:
القول الأول: أنها واجبة.
وهو قول الحسن البصري، وهو قول الظاهرية.
أ- لحديث سَلْمَان بْن عَامِرٍ الضَّبِّي. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى) رواه أبو داود .... (أميطوا الأذى: المقصود بإماطة الأذى هنا حلق الرأس وتطييبه بطيب طيب).
ب- ولحديث سَمُرَةَ - الآتي - أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّاى).
فقوله مرتهن يدل على الوجوب لأن الرهن شيء لازم.
стр. 2560
القول الثاني: أنها مستحبة غير واجبة.
وهذا مذهب الجمهور.
قال ابن قدامة: وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَفُقَهَاءُ التَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ، إلَّا أَصْحَابَ الرَّأْيِ، قَالُوا لَيْسَتْ سُنَّةً، وَهِيَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ.
لحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أُرَاهُ عَنْ جَدِّهِ - السابق - (مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاة).
قال الشوكاني: احتج الجمهور بقوله (من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل) وذلك يقتضي عدم الوجوب لتفويضه في الاختيار.
وهذا الراجح.
كم مقدار العقيقة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: عَنْ اَلْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنْ اَلْجَارِيَةِ شَاةٌ.
وهذا قول جمهور العلماء.
للأحاديث السابقة.
أ-كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - السابق - (من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة).
ب- وحديث عائشة (أن رسول الله ﷺ أمرهم: أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة) رواه الترمذي.
ج- وحديث أم كرز (عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ).
قال الحافظ ابن حجر: وهذِهِ الأحادِيث حُجَّة لِلجُمهُورِ، فِي التَّفْرِقَة بين الغُلامِ والْجَارِية.
القول الثاني: يذبح عن الغلام شاة، وعن الجارية شاة.
وهذا قول مالك.
لحديث الباب (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنْ اَلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا).
والراجح قول الجمهور.
ما الجواب عن الحديث الذي استدلوا به (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنْ اَلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا).
стр. 2561
قال الحافظ: ولا حُجَّة فِيهِ، فَقَدْ أخرجهُ أبُو الشَّيْخ مِنْ وَجْه آخر، عن عِكْرِمة، عن ابن عَبَّاس بِلفظِ: "كَبْشَيْنِ، كَبْشَينِ". وأخرج أيْضًا منْ طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدّه مِثله. وعلى تَقْدِير ثُبُوت رِواية أبِي دَاوُد، فَلَيْسَ فِي الحدِيث مَا يُرَدّ بِهِ الأحَادِيث المُتَوَارِدة فِي التَّنْصِيص عَلَى التَّثنِية لِلْغُلامِ، بَلْ غَايته أن يَدُلّ عَلَى جَوَاز الِاقْتِصَار، وهُوَ كَذَلِك، فإِنَّ العَدَد لَيْسَ شَرطًا، بل مُستَحَبّ.
هل تجوز العقيقة بالإبل والبقر أم فقط بالغنم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: جواز العقيقة بهما.
وهذا قول الجمهور.
جاء في (الموسوعة الفقهية) يجزئ في العقيقة الجنس الذي يجزئ في الأضحية، وهو الأنعام من إبل وبقر وغنم، ولا يجزئ غيرها، وهذا متفق عليه بين الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو أرجح القولين عند المالكية، ومقابل الأرجح أنها لا تكون إلا من الغنم.
ما الحكمة في العقيقة عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة؟
قال ابن القيم ﵀: هَذِه قَاعِدَة الشَّرِيعَة؛ فَإِنْ الله سُبْحَانَهُ فَاضل بَين الذّكر وَالْأُنْثَى، وَجعل الْأُنْثَى على النّصْف من الذّكر: فِي الْمَوَارِيث، والديات، والشهادات، وَالْعِتْق، والعقيقة "، ثم قال فجرت المفاضلة فِي الْعَقِيقَة هَذَا المجرى لَو لم يكن فِيهَا سنة، كَيفَ وَالسّنَن الثَّابِتَة صَرِيحَة بالتفضيل؟.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِ الْأُنْثَى عَلَى النِّصْفِ مِنَ الذَّكَرِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِبْقَاء النَّفس، فَأَشْبَهت الدِّيَة، وَقواهُ ابن الْقَيِّمِ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ ذَكَرًا أَعْتَقَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهُ، وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَيْنِ كَذَلِكَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ.
هل يجوز أن يعق عن ولده الذكر بشاة واحدة؟
نعم يجوز لكن الأفضل بشاتين.
وقال الشيرازي ﵀ في (المذهب) السُّنَّةُ أَنْ يَذْبَحَ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةً؛ وَإِنْ ذَبَحَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةً جَاز.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإن لم يجد الإنسان، إلا شاة واحدة أجزأت وحصل بها المقصود، لكن إذا كان الله قد أغناه، فالاثنتان أفضل " انتهى.
стр. 2562
في حق من تشرع العقيقة؟
الأصل أن العقيقة مشروعة في مال والد المولود، وليس في مال أمه، ولا في مال المولود نفسه، إذ الأب هو المخاطب الأول في الأحاديث الواردة في مشروعية العقيقة
ولكن الفقهاء قالوا: يجوز لغير الأب أن يعق عن المولود في الحالات الآتية:
أولاً: إذا قصر الأب وامتنع عن ذبح العقيقة.
ثانياً: أو إذا استأذن من الأب أن ينوب عنه في ذبح العقيقة فأذن له.
واستدلوا بحديث الباب (عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ بِكَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ).
قالوا: فتولي النبي ﷺ العقيقة عن حفيده الحسن والحسين ﵄ دليل على جواز تولي العقيقة قريب غير الأب إذا كان بإذنه ورضاه
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح حديث (كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى).
قوله: (يذبح) بالضم على البناء للمجهول، فيه أنه لا يتعين الذابح، وعند الشافعية يتعين من تلزمه نفقة المولود، وعن الحنابلة يتعين الأب إلا أن تعذر بموت أو امتناع.
قال الرافعي: وكأن الحديث أنه ﷺ عق عن الحسن والحسين مؤول.
قال النووي: يحتمل أن يكون أبواه حينئذ كانا معسرين أو تبرع بإذن الأب، أو قوله: " عق " أي: أمر، أو هو من خصائصه ﷺ ، كما ضحى عمن لم يضح من أمته، وقد عده بعضهم من خصائصه. (الفتح).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: العقيقة سنة مؤكدة للذكر اثنتان وللأنثى واحدة، وإذا اقتصر على واحدة للذكر فلا حرج، وهي سنة في حق الأب، فإذا جاء وقت العقيقة وهو فقير فليس عليه شيء؛ لقول الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم)، وإذا كان غنياً فهي باقية على الأب وليس على الأم ولا على الأولاد شيء منها.
قال ابن قدامة: وَالْعَقِيقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقِيمَتِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَعُقُّ، فَاسْتَقْرَضَ، رَجَوْت أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إحْيَاءَ سُنَّةٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: صَدَقَ أَحْمَدُ، إحْيَاءُ السُّنَنِ وَاتِّبَاعُهَا أَفْضَلُ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا مِنْ التَّأْكِيدِ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي غَيْرِهَا.
وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى، كَالْوَلِيمَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ.
هل تأخذ العقيقة حكم الأضحية، فيصح الاشتراك في بقرة أو بعير؟
والأقرب: أنه لا يصح فيها الاشتراك.
وهو مذهب المالكية والحنابلة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: العقيقة لا يجزئ فيها الاشتراك، فلا يجزئ البعير عن اثنين، ولا البقرة عن اثنين، ولا تجزئ عن ثلاثة ولا عن أربعة من باب أولى. ووجه ذلك:
أولاً: أنه لم يرد التشريك فيها، والعبادات مبنية على التوقيف.
стр. 2563
ثانياً: أنها فداء، والفداء لا يتبعض، فهي عن فداء عن النفس، فإذا كانت فداء عن النفس فلا بد أن تكون نفساً، والتعليل الأول لا شك أنه الأصوب، لأنه لو ورد التشريك فيها بطل التعليل الثاني، فيكون مبنى الحكم على عدم ورود ذلك " انتهى.
هل يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية من اعتبار السن، والسلامة من العيوب؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يشترط.
وهذا قول جمهور أهل العلم، فيشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، من حيث كونها من الأنعام، ومن حيث السن، ومن حيث السلامة من العيوب.
قال النووي: المجزئ في العقيقة هو المجزئ في الأضحية فلا تجزئ دون الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز والإبل والبقر هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور.
وقال ابن قدامة: وَيُجْتَنَبُ فِيهَا مِنْ الْعَيْبِ مَا يُجْتَنَبُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حُكْمَ الْعَقِيقَةِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ؛ فِي سَنِّهَا، وَأَنَّهُ يُمْنَعُ فِيهَا مِنْ الْعَيْبِ مَا يُمْنَعُ فِيهَا.
القول الثاني: أنه لا يشترط.
ورجحه الشوكاني.
قال الشوكاني: هل يشترط فيها ما يشترط في الأضحية؟ وفيه وجهان للشافعية، وقد استدل بإطلاق الشاتين على عدم الاشتراط وهو الحق، لكن لا لهذا الإطلاق، بل لعدم ورود ما يدلّ ههنا على تلك الشروط والعيوب المذكورة في الأضحية، وهي أحكام شرعية لا تثبت بدون دليل .... والله أعلم.
هل تسقط العقيقة ببلوغ الولد؟
لا تسقط العقيقة ببلوغ الولد، فإذا كان الأب قادراً استحب له أن يعق عن أبنائه الذين لم يعق عنهم.
وإذا لم يعق الوالد عن ولده، فهل يشرع للولد أو لغيره أن يعق عن نفسه؟
فيه خلاف بين الفقهاء.
قال ابن قدامة: وإن لم يعق أصلاً، فبلغ الغلام، وكسب، فلا عقيقة عليه. وسئل أحمد عن هذه المسألة، فقال: ذلك على الوالد. يعني لا يعق عن نفسه; لأن السنة في حق غيره.
لأنها مشروعة في حق الوالد، فلا يفعلها غيره، كالأجنبي، وكصدقة الفطر.
وقال عطاء والحسن: يعق عن نفسه; لأنها مشروعة عنه، ولأنه مرتهن بها، فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه.
قال الشيخ ابن باز: يستحب أن يعق عن نفسه؛ لأن العقيقة سنة مؤكدة، وقد تركها والده فشرع له أن يقوم بها إذا استطاع؛ ذلك لعموم الأحاديث ومنها: قوله ﷺ (كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى) أخرجه الإمام أحمد.
стр. 2564
١٣٦٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِي.
===
ما صحة حديث الباب؟
صحيح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن وقت ذبح العقيقة هو اليوم السابع.
قال الإمام الترمذي بعد أن ساق حديث سَمُرة: والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع …
ما كيفية معرفة اليوم السابع؟
قال الشيخ ابن عثيمين: يسن أن تذبح في اليوم السابع، فإذا ولد يوم السبت فتذبح يوم الجمعة يعني قبل يوم الولادة بيوم هذه هي القاعدة، وإذا ولد يوم الخميس فهي يوم الأربعاء وهلم جرا.
ما الحكمة من ذبحها في اليوم السابع؟
أن اليوم السابع تختم به أيام السنة كلها فإذا ولد يوم الخميس مرَّ عليه الخميس والجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء فبمرور أيام السنة يُتفاءل أن يبقى هذا الطفل ويطول عمره. (ابن عثيمين).
ما حكم ذبح العقيقة قبل اليوم السابع؟
في المسألة قولان:
القول الأول: أنه يجوز.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
قال ابن القيم: والظاهر أن التقييد بذلك - السابع - استحباب وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأت.
القول الثاني: لا يجوز ذبح العقيقة قبل اليوم السابع.
وهو قول المالكية.
وهو قول ابن حزم الظاهري.
لأنه خلاف النص لأن قوله (تُذبح عنه يوم سابعه) فيه تحديد لوقتها فلا تشرع قبله.
стр. 2565
ما حكم العقيقة إذا مات قبل اليوم السابع؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تستحب العقيقة عن المولود إذا مات قبل اليوم السابع.
وهذا قول الشافعية.
القول الثاني: تجب.
وهذا قول ابن حزم.
القول الثالث: لا تستحب.
وهذا قول المالكية والحنابلة.
ورجح الشيخ ابن عثيمين أن العقيقة تسن ولو مات المولود قبل اليوم السابع.
والله أعلم.
ما معنى قوله (كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ)؟
اختلف العلماء في معناه على أقوال:
قيل: الإمساك عن تفسيرها لأن النبي ﷺ لم يفسرها ولا يجوز القول على الله بغير علم فهو مرتهن فالله أعلم بكيفية هذا الارتهان، اختاره ابن باز ﵀.
وقيل: إن نشأة المولود الصحيحة وكمال الانتفاع به رهينة بالعقيقة كما أن الرهن لا ينتفع به كمال الانتفاع إلا بعد فكه، قالوا: هكذا المولود لا يتم الانتفاع به كمال الانتفاع حتى يفك عنه هذه الرهينة التي هي العقيقة.
وقيل: أن المولود مرهون ومحبوس لا يشفع لوالديه يوم القيامة حتى يعق عنه وهذا مروي عن الإمام أحمد.
وقد قال به قبله عطاء الخُراساني ومحمد بن مطرف.
وضعف ابن القيم هذا المعنى، وضعفه كذلك الشيخ ابن باز رحم الله الجميع.
والراجح هو الإمساك.
стр. 2566
قال ابن القيم: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد مَعْنَاهُ أَنّهُ مَحْبُوسٌ عَنْ الشّفَاعَةِ فِي أَبَوَيْهِ وَالرّهْنُ فِي اللّغَةِ الْحَبْسُ قَالَ تَعَالَى (كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنّهُ رَهِينَةٌ فِي نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرَادُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أَبَوَيْهِ الْعَقِيقَةَ عَمّا يَنَالُهُ مَنْ عَقّ عَنْهُ أَبَوَاهُ وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ كَمَا أَنّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ إذَا سَمّى أَبُوهُ لَمْ يَضُرّ الشّيْطَانُ وَلَدَهُ وَإِذَا تَرَكَ التّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذَا الْحِفْظُ. وَأَيْضًا فَإِنّ هَذَا إنّمَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا لَازِمَةٌ لَا بُدّ مِنْهَا، فَشَبّهَ لُزُومَهَا وَعَدَمَ انفكاك المولود عنها بالرهن، وقد يستدل بهذا من يرى وجوبها كَاللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَأَهْلِ الظّاهِرِ. وَاَللّهُ أَعْلَمُ. (زاد المعاد).
وقال الحافظ ابن حجر -نقلاً عن الخطابيّ-: "اخْتَلفَ النَّاس في هذا، وأجودُ ما قيل فيه: ما ذَهَب إليه أحمد بن حنبل، قال: هذا في الشفاعة؛ يريد: أنه إذا لم يُعقَّ عنه فمات طِفلاً، لم يشفعْ في أبويه، وقيل: معناه: أنَّ العقيقة لازمةٌ لا بدَّ منها، فشبَّه المولود في لزومها، وعدم انفكاكه منها بالرَّهْن في يدِ المرتهن، وهذا يُقوِّي قولَ مَنْ قال بالوجوب، وقيل: المعنى: أنَّه مرهون بأذَى شَعْرِه؛ ولذلك جاء: "فأميطوا عنه الأذى.
- متى تكون تسمية المولود؟
جاء ما يدل على استحباب التسمية في اليوم السابع.
كحديث الباب ( … في اليوم السابع وَيُسَمَّى).
وكحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَوَضْعِ الْأَذَى عَنْهُ، وَالْعَق) رواه الترمذي
وجاء ما يدل على التسمية في أول يوم الولادة:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (ولد لي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ) رواه مسلم.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الأَوْلَى التسمية في اليوم السابع، قالوا: وحديث أنس بن مالك يدل على جواز التسمية في يوم الولادة فقط، وليس على الاستحباب. (المغني).
وقال بعض المالكية والنووي ووجه عند الحنابلة باستحباب التسمية في أول يوم، وكذا استحبابها في اليوم السابع.
يقول النووي في (الأذكار) السنة أن يُسَمَّى المولودُ في اليوم السابع من ولادته، أو يوم الولادة.
وذهب البخاري إلى أنَّ من يريد أن يَعُقَّ أَخَّرَ التسميةَ إلى حينِ العقيقةِ في اليومِ السابع، أما من لم يكن يريد العقيقة فَيُسَمِّي في أول يوم.
قال ابن حجر: وهو جمع لطيف لم أره لغير البخاري.
стр. 2567
يقول العراقي في "طرح التثريب" وَبِهَذَا (يعني باستحباب اليوم السابع) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَمَّى قَبْلَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَقَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: إذَا وُلِدَ وَقَدْ تَمَّ خَلْقُهُ سَمَّى فِي الْوَقْتِ إنْ شَاءُوا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: تَسْمِيَتُهُ يَوْمَ السَّابِعِ حَسَنٌ، وَمَتَى شَاءَ سَمَّاهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُسَمَّى يَوْمَ وِلَادَتِهِ، فَإِنْ أُخِّرَتْ تَسْمِيَتُهُ إلَى السَّابِعِ فَحَسَنٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُهَلِّبِ: يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ حِينَ يُولَدُ وَبَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْعَقِيقَةَ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، فَالسُّنَّةُ تَأْخِيرُهَا إلَى السَّابِعِ، وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي تَبْوِيبِهِ (بَابُ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ) " انتهى.
وعلى كل حال، فإن جميع ما سبق يدل على أن الأمر يدور بين الاستحباب والجواز، وليس ثمة ما يفرض ويوجب التسمية في اليوم السابع، فلو أخر التسمية عن السابع فلا بأس ولا حرج في ذلك.
يقول النووي ﵀ في "المجموع" (٨/ ٤١٥):
" قال أصحابنا وغيرهم: يستحب أن يسمى المولود في اليوم السابع، ويجوز قبله، وبعده، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في ذلك " انتهى.
ماذا نستفيد من قوله (وَيُحْلَقُ)؟
نستفيد أنه يستحب حلق رأس الصبي يوم سابعه.
قال ابن قدامة: ويستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى لحديث سمرة وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن.
وقال الإمام النووي: يستحب حلق رأس المولود يوم سابعه قال أصحابنا ويستحب أن يتصدق بوزن شعره ذهباً فإن لم يفعل ففضة.
ما حكم تلطيخ رأس المولود بشيء من دم العقيقة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث إلى كراهة تلطيخ رأس المولود بشيء من دم العقيقة، لأن ذلك من عادة أهل الجاهلية، وهو قول الزهري وإسحاق وابن المنذر وداود.
стр. 2568
القول الثاني: ذهب الحسن البصري وقتادة من التابعين وابن حزم الظاهري إلى أن ذلك مستحب فيلطخ رأس المولود بدم العقيقة ثم يغسل بعد ذلك، ونقله ابن حزم عن ابن عمر وهو قول عند الحنابلة.
واحتج هؤلاء - بحديث الباب - … عن رواه همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن الرسول ﷺ قال (غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق ويدمَّى).
وقد أجاب الجمهور على هذا الاستدلال وبينوا أن هذا القول شاذ وأن الرواية المحفوظة لحديث سمرة (يسمَّى) وليست (يدمَّى):
قال أبو داود صاحب السنن بعد روايته للحديث المذكور: خولف همام في هذا الكلام وهو وهم من همام وإنما قالوا: يسمَّى. فقال: همام: يدمَّى. قال أبو داود وليس يؤخذ بهذا.
وأكد الجمهور قولهم بأن التدمية منسوخة أنها كانت من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أبطلها ويدل على نسخها وإبطالها ما يلي:
أ- حديث عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: سمعت أبي - بريدة - يقول (كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران).
ب- عن عائشة ﵂ في حديث العقيقة قالت: (وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونه على رأس الصبي فأمر رسول الله (أن يجعل مكان الدم خلوقاً) رواه البيهقي وهذا لفظه، وقال النووي بإسناد صحيح. وقال الحافظ ابن حجر: وزاد أبو الشيخ (ونهى أن يمس رأس المولود بدم).
هل يكره تسمية العقيقة بهذا الاسم؟
ذهب بعض أهل العلم إلى كراهة تسمية العقيقة بهذا الاسم - عقيقة - وقالوا الأولى أن تسمى نسيكة أو ذبيحة.
واستدلوا بحديث: عنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ العَقِيقَةِ؟ فَقَالَ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ. كَأَنَّهُ كَرِهَ الاِسْمَ وَقَالَ: مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ … ).
قال الإمام الباجي: قوله (لا أحب العقوق) ظاهره كراهية الاسم لما فيه من مشابهة لفظ العقوق وآثر أن يسمى نسكاً.
وقال الحافظ ابن عبد البر: وكان الواجب بظاهر هذا الحديث أن يقال للذبيحة عن المولود في سابعه نسيكة، ولا يقال عقيقة، إلا أني لا أعلم خلافاً بين العلماء في تسمية ذلك عقيقةً - فدل على أن ذلك منسوخ، واستحباب واختيار. فأما النسخ، فإن في حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ (الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى).
стр. 2569
وفي حديث سلمان بن عامر الضبي عن النبي ﷺ قال (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى).
ففي هذين الحديثين لفظ العقيقة، فدل ذلك على الإباحة لا على الكراهة في الاسم، وعلى هذا كُتب الفقهاء في كل الأمصار، ليس فيها إلا العقيقة لا النسيكة، على أن حديث مالك هذا ليس فيه التصريح بالكراهة. وكذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، وإنما فيهما فكأنه كره الاسم؛ وقال: من أحب أن ينسك عن ولده.
كِتَاب اَلْأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ
تعريف الأيمان:
الأيْمان: بفتح الهمزة- جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأُطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخَذَ كلّ بيمين صاحبه. وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسُمّي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عَلي
وعُرِّفت شرعًا: بأنها توكيد الشيء بذكر اسم، أو صفة للَّه تعالى. وهذا أخصر التعاريف، وأقربها. قاله في (الفتح).
قال ابن قدامة: الأصل في مشروعيّة الأيمان الكتاب، والسنّة، والإجماع.
أما الكتاب، فقوله (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ).
وقال تعالى: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
وأمر نبيّه ﷺ بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ)، وقال تعالى: (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)، والثالث (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ).
وأما السنّة فقول النبيّ ﷺ (إني واللَّه إن شاء اللَّه، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحلّلتها) متّفقٌ عليه.
وكان أكثر قسم رسول اللَّه ﷺ ومُصَرِّفِ القلوب، و مقلّب القلوب.
وأجمعت الأمة على مشروعيّة اليمين، وثبوت حكمها، ووضعُها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه.
- الحكمة من تشريع اليمين:
أ- تأكيد صحة الخبر.
ب- تقوية عزم الحالف على فعل شيء يخشى إحجام نفسه عنه، أو ترك شيء يخشى إقدامها عليه.
ج-تقوية الطلب من المخاطب، وحثه على فعل شيء، أو منعه منه.
стр. 2570
١٣٦١ - عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، - عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ (أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ اَلْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَلَا إِنَّ اَللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٣٦٢ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاَللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاَللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ).
===
(فَمَنْ كَانَ حَالِفاً) أي: مريداً للحلف، وفي حديث ابْنَ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلاَّ بِاللَّهِ) وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا فَقَالَ (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ).
(وَلَا بِالْأَنْدَادِ) المراد به الأصنام والأوثان، وكل ما عبد من دون الله.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم الحلف بغير الله تعالى.
أ- لحديث الباب ( … أَلَا إِنَّ اَللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ … ).
قال عمر (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ذاكراً أو آثراً).
[ذاكراً] أي عامداً [آثراً] أي حاكياً عن الغير، والمعنى: أي ما حلفت بها، ولا حكيت ذلك عن غيري. (الفتح).
ب-ولحديث الباب الثاني (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ).
ج- وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) رواه أبوداود.
ج-وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِى وَلَا بِآبَائِكُم) رواه مسلم.
د- وعن ابن مسعود قال (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ أن أحلف بغيره صادقاً) رواه عبدالرزاق.
لأن الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله محرم إذا كان الحالف كاذباً.
قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله إجماعاً.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم فإنه منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة.
• لماذا خص حديث عمر النهي عن الحلف بغير الله بالآباء؟
وإنما خصّ في حديث عمر بالآباء لأمرين:
الأول: لوروده على سبب، وهو أنه ﷺ مرّ به، وهو يحلف بأبيه، فقال له ذلك.
الثاني: أو خصّ لكونه غالبًا عليهم، كما بيّنه في هذه الرواية بقوله (وكانت قريش تحلف بآبائها) ويدلّ على التعميم قوله: من كان حالفًا، فلا يحلف إلا باللَّه.
стр. 2571
• ما الحكمة من النهي عن الحلف بغير الله؟
لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.
قال ابن حجر: قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة لله وحده.
وقال ابن قدامة: وَلِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ عَظَّمَ غَيْرَ اللَّهِ تَعْظِيمًا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الرَّبِّ ﵎، وَلِهَذَا سُمِّيَ شِرْكًا؛ لِكَوْنِهِ أَشْرَكَ غَيْرَ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي تَعْظِيمِهِ بِالْقَسَمِ بِهِ.
• متى يعتبر الحلف بغير الله شركاً أكبر؟
إذا اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في العظمة.
قال الشيخ ابن باز: وقد يكون الشرك الأصغر شركاً أكبر إذا اعتقد صاحبه أن من حلف بغير الله أو قال: ما شاء الله وشاء فلان، فإن له التصرف في الكون، أو أن له إرادة تخرج عن إرادة الله وعن مشيئته سبحانه، أو أن له قدرة يضر وينفع من دون الله، أو اعتقد أنه يصلح أن يعبد من دون الله وأن يستغاث به، فإنه يكون بذلك مشركاً شركاً أكبر بهذا الاعتقاد.
أما إذا كان مجرد حلف بغير الله من دون اعتقاد آخر، لكن ينطق لسانه بالحلف بغير الله؛ تعظيماً لهذا الشخص، يرى أنه نبي أو صالح أو لأنه أبوه أو أمه وتعظيمها لذلك، أو ما أشبه ذلك فإنه يكون من الشرك الأصغر وليس من الشرك الأكبر.
• فإن قيل: ما الجواب عن حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ فَقَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْلَحَ [وأَبِيهِ] إِنْ صَدَقَ) رواه مسلم.
كيف حلف بأبيه مع أن الحلف بغير الله شرك؟
قد أجاب العلماء عن هذا بعدة أجوبة:
قيل: يحتمل أن هذا قبل النهي.
ورجحه الطحاوي، وقاله الماوردي، وقال السبكي: أكثر الشراح عليه.
ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله واحتمله الخطابي، والبيهقي، والقرطبي.
قال ابن عبد البر: وهذه لفظة إن صحت فهي منسوخة.
وقال ابن قدامة: ثم لو ثبت - يعني حديث أفلح وأبيه - فالظاهر أن النهي بعده.
وقيل: إن هذا ليس حلفاً وإنما كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة حقيقة الحلف، ورجحه النووي.
стр. 2572
قال النووي: قَوْله ﷺ (أَفْلَحَ وَأَبِيهِ) لَيْسَ هُوَ حَلِفًا إِنَّمَا هُوَ كَلِمَة جَرَتْ عَادَة الْعَرَب أَنْ تُدْخِلَهَا فِي كَلَامهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ بِهَا حَقِيقَةَ الْحَلِفِ. وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلِف لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْظَام الْمَحْلُوفِ بِهِ وَمُضَاهَاتِهِ بِهِ اللَّهَ . فَهَذَا هُوَ الْجَوَاب الْمَرْضِيُّ. وَقِيلَ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا قَبْل النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وهذا الجواب: جنح إليه البغوي، والمازري، وقال عنه النووي: إنه الجواب المرضي، وقواه ابن حجر.
وقيل: أن ذلك كان جائزاً ثم نسخ.
قال في الفتح: قاله الماوردي وحكاه البيهقي، وقال السبكي أكثر الشراح عليه حتى قال ابن العربي: وروى أنه ﷺ كان يحلف بأبيه حتى نهى عن ذلك.
وقيل: إن في الجواب حذفاً تقديره: أفلح ورب أبيه، ذكره البيهقي.
وقيل: إن ذلك خاص بالشارع دون غيره من أمته وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. (الفتح).
• ما الجواب عن القسم بغير الله الوارد في القرآن؟
قال في (الفتح) وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير اللَّه، ففيه جوابان:
أحدهما: أن فيه حذفاً، والتقدير ورب الشمس، ونحوه.
والثاني: أن ذلك يختصّ باللَّه تعالى، فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به، وليس لغيره ذلك.
• ما حكم الإكثار من الحلف؟
مكروه.
لأن كثرة الحلف يدل على الاستخفاف وعدم التعظيم لله، وغير ذلك مما ينافي التوحيد الواجب أو كماله. ويستدل لذلك:
أ- بقوله تعالى (ولا تطع كل حلاف مهين).
قال الطبري: ولا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل.
وقال القرطبي: الحلاف: كثير الحلف.
ب- قوله تعالى (واحفظوا أيمانكم).
فقد ورد في تفسير هذه الآية جملة أقوال أحدها: أن المراد بحفظ اليمين هو عدم الإكثار منها.
ج - قوله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم).
فقد ورد في تفسيرها عدة أوجه، من هذه الأوجه ما يفيد أن المقصود منها عدم الإكثار من الحلف.
قال ابن الجوزي: … وفي معنى الآية ثلاثة أقوال، الثالث: أن معناها لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه.
стр. 2573
١٣٦٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ). وَفِي رِوَايَةٍ (اَلْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ اَلْمُسْتَحْلِفِ) أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.
===
• ما معنى الحديث؟
قال النووي ﵀: هذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى الْحَلِف بِاسْتِحْلَافِ الْقَاضِي، فَإِذَا ادَّعَى رَجُل عَلَى رَجُل حَقًّا فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي، فَحَلَفَ، وَوَرَّى فَنَوَى غَيْر مَا نَوَى الْقَاضِي، اِنْعَقَدَتْ يَمِينه عَلَى مَا نَوَاهُ الْقَاضِي وَلَا تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ، وَدَلِيله هَذَا الْحَدِيث وَالْإِجْمَاع " انتهى
يعني: أنك إذا حلفت لشخص وأظهرت خلاف الواقع من باب التورية، فاليمين على حسب نية المستحلف.
مثال: إذا ادعى عليك شخص مائة ريال، وأنت تعلم أنه صادق، فقلت: والله ما عندي لك مائة، تريد أن (ما) بمعنى (الذي)، يعني: الذي عندي لك مائة، هو سيفهم النفي وأنت الآن تثبت أن له عندك مائة، لكن نيتك غير معتبرة، بل النية على حسب ما يصدقك به صاحبك، ولا يبرأ الإنسان عند الله ولا ينفعه هذا التأويل، أما عند القاضي فإنه يبرأ ظاهراً لأن القاضي يقضي بنحو ما يسمع.
стр. 2574
١٣٦٤ - وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ اَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ (فَائِت اَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ).
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ (فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ اِئْتِ اَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ) وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب الحنث في اليمين والتكفير عنه إذا كان الحنث خيراً من التمادي، وهذا متفق عليه بين العلماء.
قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث: دَلَالَة عَلَى مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل شَيْء أَوْ تَرْكه، وَكَانَ الْحِنْث خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْيَمِين، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْث، وَتَلْزَمهُ الْكَفَّارَة وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ. (شرح مسلم)
والخيرية في الحنث تارة تكون واجبة، وتارة تكون مستحبة، فإن كانت خيرية واجبة كان الحنث واجباً، وإن كانت خيرية تطوع صار الحنث تطوعاً.
مثال:
قال: والله لا أصلي اليوم، فهذا حلف على ترك واجب، فالحنث واجب.
قال: والله ما أوتر، هنا الأفضل أن يحنث، فنقول أوتر وكفر عن يمينك.
• ما حكم التكفير قبل الحنث؟
الكفارة لها ثلاث حالات:
أولاً: أن تكون قبل اليمين، فهذه لا تجزئ بالإجماع.
قال النووي: وأجمعوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَقْدِيمهَا عَلَى الْيَمِين.
وقال ابن قدامة: فَأَمَّا التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْيَمِينِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَبْلَ الْجَرْحِ.
جاء في (الموسوعة الفقهية) لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز التكفير قبل اليمين؛ لأنه تقديم الحكم قبل سببه، كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، وكتقديم الصلاة قبل دخول وقتها.
ثانياً: أن تكون بعد الحلف والحنث، فهذه تجزئ اتفاقاً.
ثالثاً: أن تكون بعد الحلف وقبل الحنث.
فهذه موضع خلاف، وجماهير العلماء على جواز ذلك.
стр. 2575
قال النووي: وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازهَا بَعْد الْيَمِين وَقَبْل الْحِنْث:
فَجَوَّزَهَا مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَأَرْبَعَة عَشَر صَحَابِيًّا وَجَمَاعَات مِنْ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْل جَمَاهِير الْعُلَمَاء، لَكِنْ قَالُوا: يُسْتَحَبّ كَوْنهَا بَعْد الْحِنْث.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَأَشْهَب الْمَالِكِيّ: لَا يَجُوز تَقْدِيم الْكَفَّارَة عَلَى الْحِنْث بِكُلِّ حَال.
وَدَلِيل الْجُمْهُور ظَوَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث، وَالْقِيَاس عَلَى تَعْجِيل الزَّكَاة. (نووي).
وقال ابن قدامة: فَأَمَّا كَفَّارَةُ سَائِرِ الْأَيْمَانِ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ، صَوْمًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُ تَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ ﵃، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَرَبِيعَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ (وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ).
وَلِأَنَّهُ كَفَّرَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ، فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ بَعْدَ الْجَرْحِ، وَقَبْلَ الزَّهُوقِ، وَالسَّبَبُ هُوَ الْيَمِينُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ). (المغني).
فائدة:
هذا الحديث مطابقٌ لقول الله تعالى (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم)، قال البغوي ﵀: معنى الآية: لا تجعلوا الحلف بالله سببًا مانعًا لكم من البرِّ والتقوى، يُدعَى أحدكم إلى صلة رحمٍ أو برٍّ فيقول: حلفت بالله ألا أفعلَه، فيعتلّ بيمينه في ترك البرِّ.
стр. 2576
١٣٦٥ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَال (مَنْ حَلِفِ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اَللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
- (فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) الحنث: أن يفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن اليمين إذا علقها الحالف بالمشيئة لم بحنث ولم تلزمه كفارة.
قال ابن قدامة: وَإِذَا حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً.
فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال (مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ اسْتَثْنَى) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً، وَأَنَّهُ مَتَى اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ لِمَ يَحْنَثْ فِيهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد (مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. (المغني).
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث قوله: (لم يحنث) فيه دليل على أن التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين أو يحل انعقادها، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور.
وقال الشيخ ابن عثيمين: والأفضل لكل حالف أن يعلق يمينه بالمشيئة لأن في ذلك فائدتين:
الأمر الأول: تيسير الأمر كما قال تعالى (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً).
الأمر الثاني: أن الإنسان إذا حنث لم تلزمه الكفارة.
قال في "زاد المستقنع": " ومن قال في يمين مكفرة: إن شاء الله، لم يحنث.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه: " وقوله: «يمين مكفرة» أي: تدخلها الكفارة، مثل اليمين بالله، والنذر، والظهار، فهذه ثلاثة أشياء كلها فيها كفارة، وخرج بذلك الطلاق والعتق فلا كفارة فيهما.
فإن قال في اليمين المكفرة: (إن شاء الله) لم يحنث، أي: ليس عليه كفارة، وإن خالف ما حلف عليه.
стр. 2577
مثال في اليمين بالله: قال: والله لا ألبس هذا الثوب إن شاء الله، ثم لبسه فليس عليه شيء؛ لأنه قال: إن شاء الله، ولو قال:
الله لألبسن هذا الثوب اليوم إن شاء الله، فغابت الشمس ولم يلبسه، فليس عليه شيء.
والدليل قوله ﷺ : من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه.
مثال النذر: لو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر إن شاء الله، فلا شيء عليه لو ترك، وكذلك لو قال: لله علي نذر أن لا أكلم فلاناً إن شاء الله، ثم كلمه فلا شيء عليه.
وقال ﵀: " لو علق النذر بالمشيئة فقال: لله علي نذر أن أفعل كذا إن شاء الله.
ففي النذر الذي حكمه حكم اليمين: ليس عليه حنث.
وإذا كان فعل طاعة، نظرنا إذا كان قصده التعليق فلا شيء عليه، وإذا كان قصده التحقيق أو التبرك وجب عليه أن يفعل، حسب نيته. (الشرح الممتع)
• ماذا يشترط في الاستثناء؟
أولاً: يشترط في الاستثناء أن يكون بلسانه فلو استثنى بقلبه لم ينفعه بالإجماع.
قال ابن قدامة: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بِلِسَانِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْقَلْبِ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْث، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ).
وَالْقَوْلُ هُوَ النُّطْقُ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ. (المغني).
ثانياً: وأن يكون متصل بيمينه حقيقة وحكماً:
حقيقة: والله لا أكلم فلاناً اليوم إن شاء الله [هذا اتصال حقيقي].
حكماً: لو قال والله لا ألبس هذا الثوب - فأخذه عطاس وجلس ربع ساعة وهو يعاطس - فلما هدأ قال: إن شاء الله [هذا اتصال حكماً لأنه منعه مانع من اتصال الكلام].
قال ابن قدامة: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ، وَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، فَأَمَّا السُّكُوتُ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ أَوْ صَوْتِهِ، أَوْ عَيٍّ، أَوْ عَارِضٍ، مِنْ عَطْسَةٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِهَا، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَثُبُوتَ حُكْمِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ الرَّأْيِ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى) وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ.
وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ بِهِ، كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا، وَلِأَنَّ الْحَالِفَ إذَا سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ يَمِينِهِ، وَانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا، وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ.
стр. 2578
١٣٦٦ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (كَانَتْ يَمِينُ اَلنَّبِيِّ ﷺ : لَا، وَمُقَلِّبِ اَلْقُلُوبِ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
(كَانَتْ يَمِينُ اَلنَّبِيِّ ﷺ وفي رواية (أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ)، ولابن ماجه (كان أكثر أيمان رسول الله ﷺ لا، ومصرف القلوب).
(لَا) إما زائدة لتأكيد القسم، كما في قوله تعالى (لَا أُقْسِمُ)، أو لنفي ما تقدّم من الكلام، مثل أن يقال له: هل الأمر كذا، فيقول: لا، ومقلّب القلوب. قاله السنديّ.
(وَمُقَلِّبِ اَلْقُلُوبِ) هذا هو المقسَم به.
والمرادَ بتقليبَ القلوب تقليب أعراضها، وأحوالها، لا تقليب ذات القلب. فالمعنى أنه تعالى متصرّف في قلوب عباده بما شاء، لا يمتنع عليه شيء منها، ولا تفوته إرادة.
• اذكر بعض أيمان النبي ﷺ ؟
أولاً: ومقلب القلوب.
لحديث الباب.
ثانياً: والله.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي) متفق عليه.
ثالثاً: رب الكعبة.
عنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ (انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قُلْتُ مَا شَأْنِي أَيُرَى فِيَّ شَيْءٌ مَا شَأْنِي فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَسْكُتَ وَتَغَشَّانِي مَا شَاءَ اللَّهُ فَقُلْتُ مَنْ هُمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) متفق عليه.
رابعاً: وايْم الله.
عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ (أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالَ، ...... وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) متفق عليه.
خامساً: وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (قَالَ: سُلَيْمَانُ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ) متفق عليه.
سادساً: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ.
стр. 2579
عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) متفق عليه.
سابعاً: فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
عنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا) متفق عليه.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
قال الحافظ: أن في الحديث حجةً لمن أوجب الكفّارة على من حلف بصفة من صفات اللَّه تعالى، فحنث، ولا نزاع في أصل ذلك، وإنما الخلاف في أيُّ صفة تنعقد بها اليمينُ؟، والتحقيق أنها مختصّة بالتي لا يُشاركه فيها غيره، كمقلّب القلوب.
• ما حكم الحلف بصفات الله؟
جائز، وهذا قول جماهير العلماء.
قال أبو العباس القرطبي ﵀: " وقوله ﷺ (من كان حالفًا فليحلف بالله) لا يُفهم منه قَصْرُ اليمين الجائزة على الحلف بهذا الاسم فقط، بل حكم جميع أسماء الله تعالى حكم هذا الاسم. فلو قال: والعزيز، والعليم، والقادر، والسميع، والبصير؛ لكانت يمينًا جائزة. وهذا متفق عليه. وكذلك الحكم في الحلف بصفات الله تعالى؛ كقوله: وعزة الله، وعلمه، وقدرته، وما أشبه ذلك مما يَتَمَحَّضُ فيه الصفة لله، ولا ينبغي أن يختلف في هذا النوع أنها أيمان كالقسم الأول.
وقال ابن قدامة: والقسم بصفات الله تعالى كالقسم بأسمائه.
جاء في الروض مع حاشيته لابن قاسم في بيان ما يجوز الحلف به: أو بصفة من صفاته تعالى كوجه الله، وعظمته، وكبريائه، وجلاله وعزته وعلوه، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن اليمين منعقدة بجميع صفات الله تعالى كعزة الله وجلاله، إلا أبا حنيفة استثنى علم الله، فلم يره يمينا. اهـ
وفي الفتح للحافظ ابن حجر: وقال ابن هبيرة في كتاب الإجماع: أجمعوا على أن اليمين منعقدة بالله وبجميع أسمائه الحسنى وبجميع صفات ذاته كعزته وجلاله وعلمه وقوته وقدرته واستثنى أبو حنيفة علم الله فلم يره يمينا وكذا حق الله .. وقال عياض: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الحلف بأسماء الله وصفاته لازم إلا ما جاء عن الشافعي من اشتراط نية اليمين في الحلف بالصفات وإلا فلا كفارة وتعقب إطلاقه ذلك عن الشافعي وإنما يحتاج إلى النية عنده ما يصح إطلاقه عليه وعلى غيره وأما ما لا يطلق في معرض التعظيم شرعا إلا عليه تنعقد اليمين به وتجب الكفارة إذا حنث كمقلب القلوب وخالق الخلق ورازق كل حي … انتهى
стр. 2580
وقال الشيخ ابن عثيمين: (أو صفة من صفاته) سواء أكانت هذه الصفة خبرية، أم ذاتيةً معنوية، أم فعلية، مثل أقسم بوجه الله لأفعلن، فيصح؛ لأن الوجه صفة من صفات الله . ولو قال: أقسم بعظمة الله لأفعلن يصح.
ولو قال: أقسم بمجيء الله للفصل بين عباده لأعدلن في القضاء بينكما، فيصح؛ لأنه قسم بصفة فعلية لله . انتهى
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: " القسم بقول الإنسان: "وحياة الله" لا بأس بها؛ لأن القسم يكون بالله ، وبأي اسم من أسمائه، ويكون كذلك بصفاته: كالحياة، والعلم، والعزة، والقدرة، وما أشبه ذلك، فيجوز أن يقول الحالف: وحياة الله، وعلم الله، وعزة الله، وقدرة الله، وما أشبه هذا مما يكون من صفات الله .
أ- قال تعالى (فبعزتك لأغوينهم أجمعين).
ب-وحديث أنس مرفوعاً (وفيه قول النار: قط قط وعزتك) رواه البخاري.
ج- وفي حديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها) متفق عليه.
د- وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفيه قول الذي يخرج من النار (وعزتك لا أسألك غيرها). متفق عليه.
• هل يجوز الحلف بآيات الله؟
الحلف بآيات الله ينقسم إلى قسمين:
الآيات الكونية: كالليل والنهار، والشمس والقمر، والجبال والأشجار.
فهذا لا يجوز الحلف بها لأنها قَسَم بالمخلوق.
الآيات الشرعية: كالقرآن فهذا يجوز.
• اذكر بعض الفوائد العامة؟
- أن فيه دلالة على مشروعيّة الحَلِفِ على الشيء؛ تأكيدًا له.
- استحباب الحلف بقوله: "لا، ومقلّب القلوب.
- أن القلوب بيد الله.
стр. 2581
١٣٦٧ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! مَا اَلْكَبَائِرُ؟ .... فَذَكَرَ اَلْحَدِيثَ، وَفِيهِ قُلْتُ: وَمَا اَلْيَمِينُ اَلْغَمُوسُ؟ قَالَ: "اَلَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ") أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
===
• اذكر لفظ الحديث كاملاً؟
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، ﵄، قَالَ (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ قَالَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قُلْتُ وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قَالَ الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ) رواه البخاري.
وفي لفظ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ).
• ما هي اليمين الغموس؟
اليمين الغموس: هي اليَمين الكاذِبة الفاجرة، كالتي يَقْتَطِع بها الحالفُ مالَ غيره، سُمِّيت غَمُوسا لأنها تَغْمِس صاحِبَها في الإثْمِ ثم في النار. كذا قال ابن الأثير في "النهاية".
قال الشيخ ابن عثيمين: والاقتطاع نوعان: إما أن يدعي ما ليس له، أو ينكر ما ثبت عليه، أما الأول فظاهر، مثل: أن يقول: هذه السيارة ملكي، فيقول من هي بيده: إنها لي ليست ملكا لك، فيقيم هذا المدعي شاهدا ويحلف معه، وإذا أقام شاهدا وحلف معه حكم له بها؛ لأن النبي ﷺ قضى بالشاهد واليمين، هذا الرجل الآن اقتطع مال امراء مسلم بيمين هو فيها كاذب والذي شهد معه شاهد زور.
الثاني: أن يجحد ما يجب عليه، مثل: أن يقول له شخص في ذمتك لي مائة ريال، فيقول: لا، ثم يحلف بأنه ليس في ذمته له مائة ريال، فحينئذ يكون اقتطع من ماله؛ لأن الأصل: أن ما في ذمة هذا المطلوب للطالب، فإذا أنكره وجحده وحلف عليه فقد اقتطعه.
تنبيه:
أن اليمين الغموس من كبائر الذنوب وهي التي يقتطع بها مال امراء مسلم، فإن لم يقتطع بها مال امراء مسلم ولكنه كاذب فيها فهل تكون غموسا؟ الجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ خص اليمين الغموس بالتي يحلفها ويقتطع بها مال امراء مسلم وهو كاذب، ولكن إذا حلف على شيء ماض هو فيه كاذب فهل عليه كفارة؟ لا، لأن الكفارة إنما تكون في اليمين على المستقبل. (ابن عثيمين)
• لماذا سميت بذلك؟
لأنها تغمس صاحبها في النار.
وقيل: تغمسه في الإثم، ولا منافاة بينهما.
стр. 2582
• ما حكمها؟
حرام وكبيرة من الكبائر.
أ- لحديث الباب.
ب-وعنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ). فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ).
ج-عن ابْن مَسْعُودٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ [وفي رواية هو فيها فاجر] لَقِىَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً) إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
• هل فيها كفارة؟
لا كفارة فيها.
وهذا قول جمهور العلماء.
جاء في (الموسوعة الفقهية) " اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة في اليمين الغموس، على قولين:
القول الأوّل: عدم وجوب الكفّارة في اليمين الغموس:
وإليه ذهب جمهور الفقهاء: الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة.
القول الثّاني: وجوب الكفّارة في اليمين الغموس: وإليه ذهب الشّافعيّة.
وقد استدلّ كل فريقٍ بأدلّة تؤيّد ما ذهب إليه. انتهى.
عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نعد من الذنب الذي ليس له كفارة اليمين الغموس قيل: وما اليمين الغموس؟ قال: الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وعن سعيد بن المسيب قال: هي من الكبائر وهي أعظم من أن تُكفّر.
стр. 2583
١٣٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ)
قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ اَلرَّجُلِ: لَا وَاَللَّهِ. بَلَى وَاَللَّهِ - أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. وَأَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعاً.
===
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن من أنواع اليمين: لغو اليمين.
والمراد بها: ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد كقول الرجل في معرض كلامه: لا والله لن أذهب، بلى والله سأذهب ونحو ذلك. فهذه لا كفارة فيها.
للآية (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ).
قالت عائشة. (هي قول الرجل: لا والله، وبلى والله) رواه البخاري.
فلغو اليمين أن يتلفظ بالقسم وهو لا ينوي ولا يريد القسم.
• هل فيها كفارة؟
لا كفارة فيها.
قال ابن جزي في (القوانين الفقهية) فاللغو لا كفارة فيه بالاتفاق.
قال ابن قدامة المقدسي: وجملته أن اليمين اللغو لا كفارة فيها في قول أغلب أهل العلم.
وجه ذلك قول الله تَعَالَى (لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ).
فَجَعَلَ الْكَفَّارَةَ لِلْيَمِينِ الَّتِي يُؤَاخَذُ بِهَا، وَنَفَى الْمُؤَاخَذَةَ بِاللَّغْوِ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا إيجَابَ الْكَفَّارَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي لَا مَأْثَمَ فِيهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْمُؤَاخَذَةُ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ، فَقَدْ نَفَاهَا فِي اللَّغْوِ، فَلَا تَجِبُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ، وَبَيَانِ الْأَيْمَانِ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ، خَرَجَ مِنْهَا تَفْسِيرًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ مَقْبُولٌ.
стр. 2584
• اذكر نوع آخر من أنواع لغو اليمين؟
من حلف على شيء وهو يغلب على ظنه أنه صادق، فبان بخلاف ما حلف عليه: فلا شيء عليه، وهذا داخل في لغو اليمين الذي عفا الله تعالى عنه، عند جمهور الأئمة: أبي حنيفة ومالك وأحمد.
قال الخرقي: وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ، فَلَمْ يَكُنْ: فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ.
قال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِر.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وفي المراد باللغو في الآية أقوال أشهرها عند العلماء اثنان:
الأول: أن اللغو ما يجري على لسان الإنسان من غير قصد، كقوله (لا والله) و (بلى والله).
وذهب إلى هذا القول الشافعي، وعائشة في إحدى الروايتين عنها، وروي عن ابن عمر، وابن عبّاس في أحد قوليه ....
القول الثاني: أن اللغو هو أن يحلف على ما يعتقده، فيظهر نفيه.
وهذا هو مذهب مالك بن أنس، وقال: إنه أحسن ما سمع في معنى اللغو، وهو مروي أيضاً عن عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس في أحد قوليه.
والقولان متقاربان، واللغو يشملهما.
لأنه في الأول لم يقصد عقد اليمين أصلاً، وفي الثاني لم يقصد إلا الحقّ والصواب، واللغو في اللُّغة: هو الكلام بما لا خير فيه، ولا حاجة إليه، ومنه حديث: (إذا قلت لصاحبك، والإمام يخطب يوم الجمعة انصت، فقد لغوت أو لغيت).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: لغو اليمين هي اليمين التي لم يعقد عليها قلبه، ولم يقصدها بل جرت على لسانه من غير قصد، في عرض كلامه، لا والله، والله، في عرض الكلام، من غير قصد اليمين، والمراد من غير قصد عقدها، فهذه اليمين تكون لاغية، ومثلها لو أنه حلف على أمر يظنه، فبان غير مصيب، كأ ن يقول: والله لقد رأيت فلانًا ثم تبين أنه شبيه له، ليس هو فلانًا، هو يعتقد أنه مصيب فهذا من لغو اليمين.
стр. 2585
١٣٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ اِسْماً، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ اَلْجَنَّةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسَاقَ اَلتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ اَلْأَسْمَاءِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ اَلرُّوَاةِ.
===
• هل أسماء الله كلها حسنى؟
نعم.
كلها حسنى بالغة الحسن غايته، فليس فيها نقص بوجه من الوجوه ولا بحال من الأحوال.
وقد ذكر سبحانه أن له الأسماء الحسنى في أربعة مواضع من القرآن الكريم:
قال تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال تعالى: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى).
وقال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى).
وقال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى).
مثال: (الحي) من أسماء الله متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال.
مثال: (العليم) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان.
والحسن في أسماء الله تعالى: يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.
مثال ذلك (العزيز الحكيم) فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيراً، فيكون كل منهما دالاً على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلماً وجوراً وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم ويجور ويسيء التصرف. وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل.
• هل أسماء الله محصورة؟
لا، غير محصورة.
عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ (ما قال عبد قط إذا أصابه هَمُّ وحَزَنٌ: اللهمِ إني عبدُك وابنُ عبدك وابنُ أَمَتك، ناصيتي بيدكِ، ماضٍ فيَّ حُكْمُك، عدْلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمَّيْتِ به نفسَك أو أنزلتَه فيِ كتابك، أو عَلّمته أحدِاً من خَلْقك، أو استأثرت به في علم الغيبِ عندك، أن تجعل القرآنَ ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاءَ حزني، وذَهَاب هَمِّي، إلاَّ أذهب الله هَمَّه، وأبدله مكان حُزْنه فَرَحاً"، قالوا: يا رسول الله، ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟، قال: أجَلْ، ينبغي لمن سمعهنَّ أن يتعلمهنّ) رواه أحمد.
стр. 2586
وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحد حصره ولا الإحاطة به.
فقوله ﷺ (أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ) دليل على أن من أسماء الله تعالى الحسنى ما استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، وهذا يدل على أنها أكثر من تسعة وتسعين.
قال شيخ الإسلام عن هذا الحديث: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً فَوْقَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ.
وقال أيضاً: قَالَ الخطابي وَغَيْرُهُ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَنَّ فِي أَسْمَائِهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: إنَّ لِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَعْدَدْتهَا لِلصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) فَأَمَرَ أَنْ يُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مُطْلَقًا، وَلَمْ يَقُلْ: لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى إلا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا.
وقال الشيخ ابن عثيمين: أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله ﷺ في الحديث الصحيح (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك … إلى أن قال: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك).
وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يُعلم به، وما ليس معلوماً ليس محصوراً.
• فإن قيل: ما الجواب عن حديث الباب: إن لله تسعة وتسعين اسماً … )؟
قال العلماء: هذا لا يدل على الحصر بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة.
قال النووي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ حَصْر لِأَسْمَائِهِ ، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاء غَيْر هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ، وَإِنَّمَا مَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة، فَالْمُرَاد الْإِخْبَار عَنْ دُخُول الْجَنَّة بِإِحْصَائِهَا لَا الْإِخْبَار بِحَصْرِ الْأَسْمَاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر: " أَسْأَلك بِكُلِّ اِسْم سَمَّيْت بِهِ نَفْسك أَوْ اِسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْم الْغَيْب عِنْدك "،
وقال الشيخ ابن عثيمين: وأما قوله ﷺ (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة).
فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء، لكن معناه أن من أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة، فقوله (مَنْ أَحْصَاهَا) تكميل للجملة الأولى وليست استئنافية منفصلة، ونظير هذا قول العرب: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله. فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المائة؛ بل هذه المائة معدة لهذا الشيء" اهـ.
стр. 2587
• ما معنى الإحصاء في قوله (مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة)؟
اخْتَلَفُ العلماء فِي الْمُرَاد بِإِحْصَائِهَا على أقوال:
القول الأول: معناه حفظها.
قال النووي: فَقَالَ الْبُخَارِيّ وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ: مَعْنَاهُ: حَفِظَهَا، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (مَنْ حَفِظَهَا). (شرح مسلم)
وقال في (الأذكار) وهو قول الأكثرين.
القول الثاني: أي: أَطَاقَهَا أَيْ: أَحْسَن الْمُرَاعَاة لَهَا، وَالْمُحَافَظَة عَلَى مَا تَقْتَضِيه، وَصَدَّقَ بِمَعَانِيهَا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: الْعَمَل بِهَا وَالطَّاعَة بِكُلِّ اِسْمهَا، وَالْإِيمَان بِهَا لَا يَقْتَضِي عَمَلًا.
قال الشيخ ابن عثيمين: معنى إحصاء هذه التسعة والتسعين الذي يترتب عليه دخول الجنة، ليس معنى ذلك أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ فقط، ولكن معنى ذلك:
أولاً: الإحاطة بها لفظا.
ثانياً: فهمها معنى.
ثالثاً: التعبد لله بمقتضاها، ولذلك وجهان:
الوجه الأول: أن تدعو الله بها؛ لقوله تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور، وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني من عقابك.
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء؛ فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالبا لرحمة الله، ومقتضى الغفور المغفرة، إذا افعل ما يكون سببا في مغفرة ذنوبك، هذا هو معنى إحصائها.
• هل صح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء؟
لا، لم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء والحديث المروي في تعيينها ضعيف، وقد رواه الترمذي وغيره.
قال ابن تيمية: تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه.
وقال ابن كثير: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد: أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن كما رود عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي.
وقال الصنعاني: اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة.
стр. 2588
فائدة:
أسماء الله توقيفية، فليس لنا أن نسمي الله بما لم يسمي به نفسه.
لقوله تعالى: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وإثبات اسم لله لم يسم به نفسه هذا من القول عليه بلا علم.
ولقوله ﷺ : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) وإثبات اسم لله لم يسم به نفسه من قفو ما ليس لنا به علم.
ولقوله ﷺ : (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) والحسنى البالغة في الحسن كماله، وأنت إذا سميت الله باسم، فليس عندك أنه بلغ كمال الحسن، بل قد تسميه باسم تظن أنه حسن، وهو سيء ليس بحسن.
فائدة:
أسماء الله مشتقة، أي أن كل اسم يتضمن الصفة التي اشتق منها، ولولا ذلك لم تكن حسنى.
الخلاق: يضمن صفة الخلق.
العليم: يتضمن صفة العلم.
السميع: يتضمن صفة السمع.
فائدة:
اختلف العلماء ما هو الاسم الأعظم الذي ورد فيه الحديث (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى).
القول الأول: هو الله.
لأن جميع الأسماء ترجع إليه.
ولأنه الاسم الذي تكرر في الأحاديث الواردة ومنها:
أن رجلاً قال (اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فقال ﷺ : لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى) رواه أبو داود.
وكحديث أنس قال (كنت جالساً مع النبي ﷺ في المسجد ورجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات … فقال رسول الله ﷺ : دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب) رواه أبو داود.
ولأن هذا الاسم لم أطلق على غير الله.
القول الثاني: إن اسم الله الأعظم: الحي القيوم.
واستدل لهذا القول ببعض الأحاديث التي فيها مقال مثل حديث (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وفاتحة آل عمران (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وهما عند أبي داود.
وهذان القولان أقوى الأقوال، والأول أقوى من الثاني.
وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: باب كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط من المعاشرة.
وفي هذا الحديث وعيدٌ على كفران العشير - الزوج - وهذا الوعيد يدل على أن كفران العشير كبيرةٌ من الكبائر.
• لما حث الإسلام على مكافأة من صنع معروفاً؟
стр. 2589
١٣٧٠ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكِ اَللَّهُ خَيْراً. فَقَدْ أَبْلَغَ فِي اَلثَّنَاءِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
• ما صحة حديث الباب؟
حديث صحيح.
• ما المشروع لمن صنع إليه معروفاً.
مشروعية مكافأة من صَنع لك معروفاً، وأن شكر من أحسن إليك مبدأ إسلامي ومن مكارم الأخلاق.
لحديث (وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ).
وقد جاءت الأحاديث في ذلك:
أ- الحديث السابق (من صنعَ إليكم معروفاً فَكَافِئُوهُ، … ).
ب-ولحديث الباب (من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد بالغ في الثناء) رواه الترمذي.
ج- وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (من أُتي إليه معروفٌ فليكافئ به، فإن لم يستطع فليذكره، فمن ذكره فقد شكره) رواه أحمد والطبراني.
د-وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من أُولي معروفاً، فليذكره، فمن ذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره) رواه الطبراني.
هـ- وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال (من أُعطي عطاءً فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثنِ، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يُعط كان كلابس ثوبي زور) رواه الترمذي.
و- وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (إذا قال الرجلُ لأخيه: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء) رواه عبد الرزاق في المصنف.
قال المباركفوري (جزاك الله خيراً) أي خير الجزاء أو أعطاك خيراً من خيري الدنيا والآخرة. (فقد أبلغ في الثناء) أي بالغ في أداء شكره، وذلك أنه اعترف بالتقصير، وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه، ففوض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى. قال بعضهم إذا قصرت يداك بالمكافأة، فليطل لسانك بالشكر والدعاء.
وقال عمر ﵁: لو يعلم أحدكم ما له في قوله لأخيه: جزاك اللهُ خيراً، لأكثرَ منها بعضُكم لبعض. رواه ابن أبي شيبة وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ (يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير) متفق عليه.
стр. 2590
أولاً: تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.
ثانياً: أن يكسر بها الذل الذي حصل له بصنع المعروف إليه.
وقدْ أشارَ شيخُ الإسلامِ إلى مَشْرُوعِيَّةِ المكافأةِ؛ لأنَّ القلوبَ جُبِلَتْ على حُبِّ مَنْ أحسنَ إليها، فهوَ إذا أحسنَ إليهِ ولمْ يُكَافِئْهُ يَبْقَى في قلبِهِ نوعُ تَأَلُّهٍ لِمَنْ أحسنَ إليهِ، فشرعَ قطعَ ذلكَ بالمكافأةِ؛ فهذا معنى كلامِهِ.
وقالَ غيرُهُ: (إنَّما أمرَ بالمكافأةِ لِيَخْلُصَ القلبُ منْ إحسانِ الخَلْقِ ويتَعَلَّقَ بالحق.
• ما المشروع إذا لم نجد ما نكافئ به صاحب المعروف؟
نكافئه بالدعاء والثناء.
لقوله ﷺ (فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له).
يعني من أحسن إليكم أي إحسان فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الثناء والدعاء له جهدكم حتى تحصل المسألة.
وفي حديث الباب (من صنع إليكم معروفاً، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء).
• هل ورد هذا الدعاء (جزاك الله خيراً) من قول النبي ﷺ -؟
نعم ورد.
جاء في حديث طويل وفيه قوله ( … وَأَنْتُمْ مَعشَرَ الأَنصَارِ! فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيرًا، فَإِنَّكُم أَعِفَّةٌ صُبُرٌ) رواه ابن حبان.
كما كانت هذه الجملة من الدعاء معتادة على ألسنة الصحابة رضوان الله عليهم:
جاء في مصنف ابن أبي شيبة، قال عمر بن الخطاب ﵁: (لو يعلم أحدكم ما له في قوله لأخيه: جزاك الله خيراً، لأَكثَرَ منها بعضكم لبعض).
وهذا أسيد بن الحضير ﵁ يقول لعائشة ﵂: (جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة) متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: (حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه، وقالوا: جزاك الله خيراً. فقال: راغب وراهب). أي راغب فيما عند الله من الثواب والرحمة، وراهب مما عنده من العقوبة.
ومعنى (جزاك الله خيراً) أي: أطلب من الله أن يثيبك خيرا كثيراً.
стр. 2591
١٣٧١ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ اَلنَّذْرِ وَقَالَ (إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ اَلْبَخِيلِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ) أي: لا يردّ شيئًا من القدر، كما بينته الرواية الأخرى (لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا، لم أقدّره عليه) وقال في "الفتح": أي أن عقباه لا تُحمَد، وقد يتعذر الوفاء به. وقد يكون معناه: لا يكون سببًا لخير لم يُقدّر، كما في الحديث، وبهذا الاحتمال الأخير صدّر ابن دقيق العيد كلامه، فقال: يحتمل أن تكون الباء للسببيّة، كأنه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر، وطبعه في طلب القربة، والطاعة من غير عِوَض يحصل له، وإن كان يترتّب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه.
(وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ اَلْبَخِيلِ) وفي الرواية الأخرى (من الشحيح) وفي رواية ابن ماجه: "من اللئيم"، ومدار الجميع على منصور بن المعتمر، عن عبد اللَّه ابن مرّة، فالاختلاف في اللفظ المذكور من الرواة عن منصور، والمعاني متقاربة؛ لأن الشح أخصّ، واللؤم أعمّ، قال الراغب الأصفهانيّ: البخل إمساك الْمُقْتَنَيات عمّا لا يَحِقُّ حبسها، والشخ بخلٌ مع حرص، واللزم فعل ما يلام عليه. انتهى، وقال البيضاويّ: عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة، أو دفع مضرّة، فنُهي عنه؛ لأنه فعل البخلاء، إذ السخي إذا أراد أن يتقرّب بادر إليه، والبخيل لا تُطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض، يستوفيه أوْلًا، فليلتزمه في مقابلة ما يحصُل له، وذلك لا يُغني من القدر شيئًا، فلا يسوق إليه خيرًا لم يُقدّر له، ولا يردّ عنه شرًّا قُضي عليه، لكن النذر قد يوافق القدر، فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليُخرِجه. ذكره في "الفتح".
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد النهي عن النذر.
وقد اختلف العلماء في حكم النذر على أقوال:
القول الأول: أنه حرام.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
لحديث الباب (عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر).
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل). متفق عليه
القول الثاني: أنه مكروه.
وهذا قول أكثر العلماء.
للأحاديث السابقة في النهي عنه، قالوا: والصارف عن التحريم أن الله أثنى على الموفين فقال (يوفون بالنذر).
стр. 2592
القول الثالث: أنه مستحب، والذي ورد النهي عنه هو نذر المجازاة.
ونذر المجازاة هو: أن يعلق فعل الطاعة على وجود النعمة أو دفع النقمة كما لو قال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أصوم شهراً، قالوا: هذا هو المنهي عنه، أما ماعدا ذلك كما لو قال: لله عليّ أن أصوم شهراً، فهذا مستحب.
واختار هذا القول النووي.
ويؤيد هذا: آخر الحديث، حيث قال (إنه لا يرد شيئًا) وقال أيضًا (لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا لم أقدره عليه) وقال أيضًا (النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره) فكل هذه النصوص تدُلّ دلالة واضحة على أن النذر المنهي عنه هو الذي كان في مقابلة حصول شيءَ، أو دفع شيء.
وقد اختار القرطبي في المفهم حيث قال: الذي يظهر لي حمله على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في حقّ من لم يعتقد ذلك. انتهى.
قال الحافظ في الفتح: وهو تفصيلٌ حسن، ويؤيّده قصَّة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر، فإنها في نذر المجازاة. وقد أخرج الطبريّ بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، قال: كانوا ينذرون طاعة اللَّه من الصلاة والصيام، والزكاة، والحج، والعمرة، وما افترض اللَّه عليهم، فسمّاهم اللَّه أبرارًا. وهذا صريحٌ في أن الثناء وقعَ في غير نذر المجازاة. وقد يُشعر التعبير بالبخيل أن المنهيّ عنه من النذر ما فيه مال، فيكون أخصّ من المجازاة، لكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة، كما في الحديث المشهور: "البخيل من ذُكرتُ عنده، فلم يُصلّ عليّ". أخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبّان. (الفتح).
والأرجح أنه مكروه مطلقاً.
• ما الحكمة من النهي؟
الحكمة: خشية أن يعتقد بعض الناس أنه يرد القدر، أو يظن أن النذر يوجب حصول غرضه الخاص، أو إنما يحسب أن الله يحقق له غرضه من أجل ذلك النذر، ولهذا قال في الحديث: (إن النذر لا يرد شيئاً) أو (لا يأتي بخير).
وهناك خطر آخر يتمثل في نذر المجازاة كقوله: إن رزقني الله ذكراً، أو إن شفى الله ولدي، أو إن ربحت تجارتي لأتصدق على الفقراء، أو لأنشئن مسجداً أو نحو ذلك، ومعنى ذلك أنه رتب فعل القربة المذكورة من الصدقة أو بناء المسجد على حصول غرضه الشخصي، فإذا لم يحصل غرضه لم يتصدق ولم يبن مسجداً.
وهذا يدل على أن نيته في التقرب إلى الله لم تكن خالصة ولا متمحضة، فحالته في الحقيقة هي حالة البخيل الذي لا يخرج من ماله شيئاً إلا بعوض يزيد على ما غرمه.
стр. 2593
ولهذا قال في الحديث (وإنما يستخرج من البخيل).
وسر ثالث في كراهة الالتزام بالنذر، وهو ما فيه من تضييق على النفس وإلزامها بما كان لها عنه مندوحة، وقد يغلبه الكسل أو الشح أو الهوى فلا يفي به، وقد يؤديه كارهاً مستثقلاً له بعد إن لم يعد له خيار في شأنه.
قال القرطبيّ: هذا النذر محلّه أن يقول: إن شفى اللَّه مريضي، أو قَدِم غائبي فعليّ عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا.
ووجه هذا النهي:
هو أنه لَمّا وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل، ظهر أنه لم يتمحّض له نية التقرّب إلى اللَّه تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا ترى أنه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟ وهذه حال البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربّي على ما أخرج، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله ﷺ إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يُخرجه.
ثم يُضاف إلى هذا، اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن اللَّه تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوده ﷺ (فإن النذر لا يردّ من قدر اللَّه شيئاً) وهاتان جهالتان، فالأولى تقارب الكفر، والثانية خطأٌ صُراح. (المفهم)
وقال النووي: قَالَ الْمَازِرِيّ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب النَّهْي عَنْ كَوْن النَّذْر يَصِير مُلْتَزَمًا لَهُ، فَيَأْتِي بِهِ تَكَلُّفًا بِغَيْرِ نَشَاط، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَبه كَوْنه يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ الَّتِي اِلْتَزَمَهَا فِي نَذْره عَلَى صُورَة الْمُعَاوَضَة لِلْأَمْرِ الَّذِي طَلَبَهُ فَيَنْقُص أَجْره، وَشَأْن الْعِبَادَة أَنْ تَكُون مُتَمَحِّضَة لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّهْي لِكَوْنِهِ قَدْ يَظُنّ بَعْض الْجَهَلَة أَنَّ النَّذْر يَرُدّ الْقَدَر، وَيَمْنَع مِنْ حُصُول الْمُقَدَّر فَنَهَى عَنْهُ خَوْفًا مِنْ جَاهِل يَعْتَقِد ذَلِكَ، وَسِيَاق الْحَدِيث يُؤَيِّد هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَم.
• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحثّ على الإخلاص في عمل الخير.
- أن فيه ذمّ البخل.
- أن من اتّبع المأمورات، واجتنب المنهيّات لا يُعد بخيلًا.
стр. 2594
١٣٧٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كَفَّارَةُ اَلنَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ اَلتِّرْمِذِيُّ فِيهِ (إِذَا لَمْ يُسَمِّ) وَصَحَّحَه.
١٣٧٣ - وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعاً (مِنْ نَذَرَ نَذْراً لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ; إِلَّا أَنَّ اَلْحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ.
١٣٧٤ - وَلِلْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اَللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ).
١٣٧٥ - وَلِمُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ (لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ).
===
• ما معنى حديث (كَفَّارَةُ اَلنَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)؟
أن كفارة النذر - إذا لم يسم - كفارة يمين، بأن قال الإنسان: لله عليّ نذر وسكت، فعليه كفارة يمين.
قال النووي: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهِ، فَحَمَلَهُ جُمْهُور أَصْحَابنَا عَلَى نَذْر اللِّجَاج، وَهُوَ أَنْ يَقُول إِنْسَان يُرِيد الِامْتِنَاع مِنْ كَلَام زَيْد مَثَلًا: إِنْ كَلَّمْت زَيْدًا مَثَلًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّة أَوْ غَيْرهَا، فَيُكَلِّمهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْن كَفَّارَة يَمِين وَبَيْن مَا اِلْتَزَمَهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا.
وَحَمَلَهُ مَالِك وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ عَلَى النَّذْر الْمُطْلَق، كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْر.
وَحَمَلَهُ أَحْمَد وَبَعْض أَصْحَابنَا عَلَى نَذْر الْمَعْصِيَة، كَمِنْ نَذَرَ أَنْ يَشْرَب الْخَمْر.
وَحَمَلَهُ جَمَاعَة مِنْ فُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث عَلَى جَمِيع أَنْوَاع النَّذْر، وَقَالُوا: هُوَ مُخَيَّر فِي جَمِيع النُّذُورَات بَيْن الْوَفَاء بِمَا اِلْتَزَمَ، وَبَيْن كَفَّارَة يَمِين. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم)
قال الشوكاني: والظاهر اختصاص الحديث بالنذر الذي لم يسم لأن حمل المطلق على المقيد واجب.
• اذكر أنواع النذر؟
النول الأول: النذر المطلق.
وهو نذر ما لم يُسم.
فلو نذر المسلم نذرا ولم يسم المنذور بل تركه مطلقا من غير تسمية أو تعيين كأن يقول: عليَّ نذر إن شفى الله مرضي ولم يُسمّ شيئاً كان عليه كفارة يمين.
لحديث الباب (كفارة النذر كفارة اليمين).
قال النووي: حمله مالك والكثيرون- بل الأكثرون - على النذر المطلق كقوله عليَّ نذر.
стр. 2595
النوع الثاني: نذر الطاعة.
وحكمه يجب الوفاء به، سواء كان مطلقاً أو معلقاً.
لحديث عائشة (من نذر أن يطيع الله فليطعه).
مثال المطلق: لله عليّ أن أصلي ركعتين.
مثال المعلق: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أصوم شهر.
النوع الثالث: النذر المباح.
كأن يقول الرجل: لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب.
فهنا يخير بين فعله وبين كفارة اليمين.
فنقول هو بالخيار: إن شئت البس الثوب وإن شئت كفر.
النوع الرابع: نذر اللجاج والغضب. [اللجاج: الخصومة].
أي النذر الذي سببه الخصومة أو المنازعة، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب.
فهذا يخير بين فعله أو كفارة يمين.
[أن يقصد المنع منه] كأن يقول: لله علي نذر أن أصوم سنة إن فعلت كذا.
[أن يقصد الحمل عليه] كأن يقول: إن لم أصل في الجماعة في المسجد فلله علي صوم سنة.
[أو تصديق خبره] كرجل قيل له - لما أخبر بخبر - أنت كاذب، فقال: إن كنت كاذباً فلله علي صوم سنة.
[أو تكذيبه] كأن يقول السامع: إن كنت صادقاً فلله علي أن أصوم سنة.
فإذا كان المراد منه المنع أو الحمل على الفعل أو التصديق أو التكذيب فقد جرى مجرى اليمين فيخير بين فعله وبين كفارة اليمين
فإذا قال مثلاً: إن زرت فلاناً فعليّ صيام سنة، فنقول: إن شئت أن تزوره وعليك كفارة يمين وإن شئت ألا تزوره.
مثال آخر: لو قال: إن لم أسافر اليوم إلى مكة فعليّ صيام شهر، ولم يسافر، فحكمه هنا حكم اليمين، فهو مخير، إن سافر فلا شيء عليه، وإن لم يسافر فعليه كفارة يمين.
ودليل ذلك: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (من نذر في غضب فعليه كفارة يمين) رواه أبوداود.
لكن الحديث إسناده ضعيف لكنه ثابت عن عمر، وعن عائشة كما في موطأ مالك.
следующие страницы →