← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

١٣٧١ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ اَلنَّذْرِ وَقَالَ (إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ اَلْبَخِيلِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ) أي: لا يردّ شيئًا من القدر، كما بينته الرواية الأخرى (لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا، لم أقدّره عليه) وقال في "الفتح": أي أن عقباه لا تُحمَد، وقد يتعذر الوفاء به. وقد يكون معناه: لا يكون سببًا لخير لم يُقدّر، كما في الحديث، وبهذا الاحتمال الأخير صدّر ابن دقيق العيد كلامه، فقال: يحتمل أن تكون الباء للسببيّة، كأنه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر، وطبعه في طلب القربة، والطاعة من غير عِوَض يحصل له، وإن كان يترتّب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه. (وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ اَلْبَخِيلِ) وفي الرواية الأخرى (من الشحيح) وفي رواية ابن ماجه: "من اللئيم"، ومدار الجميع على منصور بن المعتمر، عن عبد اللَّه ابن مرّة، فالاختلاف في اللفظ المذكور من الرواة عن منصور، والمعاني متقاربة؛ لأن الشح أخصّ، واللؤم أعمّ، قال الراغب الأصفهانيّ: البخل إمساك الْمُقْتَنَيات عمّا لا يَحِقُّ حبسها، والشخ بخلٌ مع حرص، واللزم فعل ما يلام عليه. انتهى، وقال البيضاويّ: عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة، أو دفع مضرّة، فنُهي عنه؛ لأنه فعل البخلاء، إذ السخي إذا أراد أن يتقرّب بادر إليه، والبخيل لا تُطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض، يستوفيه أوْلًا، فليلتزمه في مقابلة ما يحصُل له، وذلك لا يُغني من القدر شيئًا، فلا يسوق إليه خيرًا لم يُقدّر له، ولا يردّ عنه شرًّا قُضي عليه، لكن النذر قد يوافق القدر، فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليُخرِجه. ذكره في "الفتح". • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد النهي عن النذر. وقد اختلف العلماء في حكم النذر على أقوال: القول الأول: أنه حرام. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. لحديث الباب (عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر). وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل). متفق عليه القول الثاني: أنه مكروه. وهذا قول أكثر العلماء. للأحاديث السابقة في النهي عنه، قالوا: والصارف عن التحريم أن الله أثنى على الموفين فقال (يوفون بالنذر).

стр. 2592

القول الثالث: أنه مستحب، والذي ورد النهي عنه هو نذر المجازاة. ونذر المجازاة هو: أن يعلق فعل الطاعة على وجود النعمة أو دفع النقمة كما لو قال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أصوم شهراً، قالوا: هذا هو المنهي عنه، أما ماعدا ذلك كما لو قال: لله عليّ أن أصوم شهراً، فهذا مستحب. واختار هذا القول النووي. ويؤيد هذا: آخر الحديث، حيث قال (إنه لا يرد شيئًا) وقال أيضًا (لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا لم أقدره عليه) وقال أيضًا (النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره) فكل هذه النصوص تدُلّ دلالة واضحة على أن النذر المنهي عنه هو الذي كان في مقابلة حصول شيءَ، أو دفع شيء. وقد اختار القرطبي في المفهم حيث قال: الذي يظهر لي حمله على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في حقّ من لم يعتقد ذلك. انتهى. قال الحافظ في الفتح: وهو تفصيلٌ حسن، ويؤيّده قصَّة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر، فإنها في نذر المجازاة. وقد أخرج الطبريّ بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، قال: كانوا ينذرون طاعة اللَّه من الصلاة والصيام، والزكاة، والحج، والعمرة، وما افترض اللَّه عليهم، فسمّاهم اللَّه أبرارًا. وهذا صريحٌ في أن الثناء وقعَ في غير نذر المجازاة. وقد يُشعر التعبير بالبخيل أن المنهيّ عنه من النذر ما فيه مال، فيكون أخصّ من المجازاة، لكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة، كما في الحديث المشهور: "البخيل من ذُكرتُ عنده، فلم يُصلّ عليّ". أخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبّان. (الفتح). والأرجح أنه مكروه مطلقاً. • ما الحكمة من النهي؟ الحكمة: خشية أن يعتقد بعض الناس أنه يرد القدر، أو يظن أن النذر يوجب حصول غرضه الخاص، أو إنما يحسب أن الله يحقق له غرضه من أجل ذلك النذر، ولهذا قال في الحديث: (إن النذر لا يرد شيئاً) أو (لا يأتي بخير). وهناك خطر آخر يتمثل في نذر المجازاة كقوله: إن رزقني الله ذكراً، أو إن شفى الله ولدي، أو إن ربحت تجارتي لأتصدق على الفقراء، أو لأنشئن مسجداً أو نحو ذلك، ومعنى ذلك أنه رتب فعل القربة المذكورة من الصدقة أو بناء المسجد على حصول غرضه الشخصي، فإذا لم يحصل غرضه لم يتصدق ولم يبن مسجداً. وهذا يدل على أن نيته في التقرب إلى الله لم تكن خالصة ولا متمحضة، فحالته في الحقيقة هي حالة البخيل الذي لا يخرج من ماله شيئاً إلا بعوض يزيد على ما غرمه.

стр. 2593

ولهذا قال في الحديث (وإنما يستخرج من البخيل). وسر ثالث في كراهة الالتزام بالنذر، وهو ما فيه من تضييق على النفس وإلزامها بما كان لها عنه مندوحة، وقد يغلبه الكسل أو الشح أو الهوى فلا يفي به، وقد يؤديه كارهاً مستثقلاً له بعد إن لم يعد له خيار في شأنه. قال القرطبيّ: هذا النذر محلّه أن يقول: إن شفى اللَّه مريضي، أو قَدِم غائبي فعليّ عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا. ووجه هذا النهي: هو أنه لَمّا وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل، ظهر أنه لم يتمحّض له نية التقرّب إلى اللَّه تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا ترى أنه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟ وهذه حال البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربّي على ما أخرج، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله ﷺ إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يُخرجه. ثم يُضاف إلى هذا، اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن اللَّه تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوده ﷺ (فإن النذر لا يردّ من قدر اللَّه شيئاً) وهاتان جهالتان، فالأولى تقارب الكفر، والثانية خطأٌ صُراح. (المفهم) وقال النووي: قَالَ الْمَازِرِيّ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب النَّهْي عَنْ كَوْن النَّذْر يَصِير مُلْتَزَمًا لَهُ، فَيَأْتِي بِهِ تَكَلُّفًا بِغَيْرِ نَشَاط، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَبه كَوْنه يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ الَّتِي اِلْتَزَمَهَا فِي نَذْره عَلَى صُورَة الْمُعَاوَضَة لِلْأَمْرِ الَّذِي طَلَبَهُ فَيَنْقُص أَجْره، وَشَأْن الْعِبَادَة أَنْ تَكُون مُتَمَحِّضَة لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّهْي لِكَوْنِهِ قَدْ يَظُنّ بَعْض الْجَهَلَة أَنَّ النَّذْر يَرُدّ الْقَدَر، وَيَمْنَع مِنْ حُصُول الْمُقَدَّر فَنَهَى عَنْهُ خَوْفًا مِنْ جَاهِل يَعْتَقِد ذَلِكَ، وَسِيَاق الْحَدِيث يُؤَيِّد هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَم. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - الحثّ على الإخلاص في عمل الخير. - أن فيه ذمّ البخل. - أن من اتّبع المأمورات، واجتنب المنهيّات لا يُعد بخيلًا.

стр. 2594

١٣٧٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كَفَّارَةُ اَلنَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ اَلتِّرْمِذِيُّ فِيهِ (إِذَا لَمْ يُسَمِّ) وَصَحَّحَه. ١٣٧٣ - وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعاً (مِنْ نَذَرَ نَذْراً لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ; إِلَّا أَنَّ اَلْحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ. ١٣٧٤ - وَلِلْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اَللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ). ١٣٧٥ - وَلِمُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ (لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ). === • ما معنى حديث (كَفَّارَةُ اَلنَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)؟ أن كفارة النذر - إذا لم يسم - كفارة يمين، بأن قال الإنسان: لله عليّ نذر وسكت، فعليه كفارة يمين. قال النووي: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهِ، فَحَمَلَهُ جُمْهُور أَصْحَابنَا عَلَى نَذْر اللِّجَاج، وَهُوَ أَنْ يَقُول إِنْسَان يُرِيد الِامْتِنَاع مِنْ كَلَام زَيْد مَثَلًا: إِنْ كَلَّمْت زَيْدًا مَثَلًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّة أَوْ غَيْرهَا، فَيُكَلِّمهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْن كَفَّارَة يَمِين وَبَيْن مَا اِلْتَزَمَهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا. وَحَمَلَهُ مَالِك وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ عَلَى النَّذْر الْمُطْلَق، كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْر. وَحَمَلَهُ أَحْمَد وَبَعْض أَصْحَابنَا عَلَى نَذْر الْمَعْصِيَة، كَمِنْ نَذَرَ أَنْ يَشْرَب الْخَمْر. وَحَمَلَهُ جَمَاعَة مِنْ فُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث عَلَى جَمِيع أَنْوَاع النَّذْر، وَقَالُوا: هُوَ مُخَيَّر فِي جَمِيع النُّذُورَات بَيْن الْوَفَاء بِمَا اِلْتَزَمَ، وَبَيْن كَفَّارَة يَمِين. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم) قال الشوكاني: والظاهر اختصاص الحديث بالنذر الذي لم يسم لأن حمل المطلق على المقيد واجب. • اذكر أنواع النذر؟ النول الأول: النذر المطلق. وهو نذر ما لم يُسم. فلو نذر المسلم نذرا ولم يسم المنذور بل تركه مطلقا من غير تسمية أو تعيين كأن يقول: عليَّ نذر إن شفى الله مرضي ولم يُسمّ شيئاً كان عليه كفارة يمين. لحديث الباب (كفارة النذر كفارة اليمين). قال النووي: حمله مالك والكثيرون- بل الأكثرون - على النذر المطلق كقوله عليَّ نذر.

стр. 2595

النوع الثاني: نذر الطاعة. وحكمه يجب الوفاء به، سواء كان مطلقاً أو معلقاً. لحديث عائشة (من نذر أن يطيع الله فليطعه). مثال المطلق: لله عليّ أن أصلي ركعتين. مثال المعلق: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أصوم شهر. النوع الثالث: النذر المباح. كأن يقول الرجل: لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب. فهنا يخير بين فعله وبين كفارة اليمين. فنقول هو بالخيار: إن شئت البس الثوب وإن شئت كفر. النوع الرابع: نذر اللجاج والغضب. [اللجاج: الخصومة]. أي النذر الذي سببه الخصومة أو المنازعة، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب. فهذا يخير بين فعله أو كفارة يمين. [أن يقصد المنع منه] كأن يقول: لله علي نذر أن أصوم سنة إن فعلت كذا. [أن يقصد الحمل عليه] كأن يقول: إن لم أصل في الجماعة في المسجد فلله علي صوم سنة. [أو تصديق خبره] كرجل قيل له - لما أخبر بخبر - أنت كاذب، فقال: إن كنت كاذباً فلله علي صوم سنة. [أو تكذيبه] كأن يقول السامع: إن كنت صادقاً فلله علي أن أصوم سنة. فإذا كان المراد منه المنع أو الحمل على الفعل أو التصديق أو التكذيب فقد جرى مجرى اليمين فيخير بين فعله وبين كفارة اليمين فإذا قال مثلاً: إن زرت فلاناً فعليّ صيام سنة، فنقول: إن شئت أن تزوره وعليك كفارة يمين وإن شئت ألا تزوره. مثال آخر: لو قال: إن لم أسافر اليوم إلى مكة فعليّ صيام شهر، ولم يسافر، فحكمه هنا حكم اليمين، فهو مخير، إن سافر فلا شيء عليه، وإن لم يسافر فعليه كفارة يمين. ودليل ذلك: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (من نذر في غضب فعليه كفارة يمين) رواه أبوداود. لكن الحديث إسناده ضعيف لكنه ثابت عن عمر، وعن عائشة كما في موطأ مالك.

стр. 2596

النوع الخامس: نذر المعصية. وهذا لا يجوز الوفاء به. لحديث عائشة (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه). ولحديث عمران بن حصين. قال: قال ﷺ (لا وفاء لنذر في معصيةٍ) رواه مسلم. مثال: رجل قال: لئن حدث كذا وكذا فلله علي نذر أن أشرب الخمر، فهذا لا يجوز أن يشرب الخمر. لكن هل عليه كفارة يمين؟ قولان للعلماء: القول الأول: أنه عليه الكفارة. وهذا قول المذهب. لحديث عائشة. قالت: قال ﷺ (لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين) رواه أبوداود، واحتج به أحمد وكذا إسحاق وصححه الطحاوي. القول الثاني: أنه لا كفارة عليه. وهذا قول جماهير العلماء. لحديث عائشة -السابق- ( .. ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، قالوا: لو كانت الكفارة واجبة لذكرها النبي ﷺ ، فدل ذلك على عدم وجوبها. والراجح والأحوط القول الأول. النوع السادس: نذر المستحيل. وهوالذي لا يمكن الوفاء به. قال بعض أهل العلم: إنه لا ينعقد أصلاً، وبالتالي فلا يلزم منه شيء. وقال بعضهم: إنه منعقد، وفيه كفارة يمين، واستدلوا بحديث الباب (كفارة النذر كفارة اليمين). وهذا القول الأخير هو الراجح. • ما حكم من نذر أن يتصدق بجميع ماله؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: يكفي أن يخرج ثلث ماله. قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ. وَلَنَا (قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي لُبَابَةَ، حِينَ قَالَ: إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ: يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ).

стр. 2597

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ (قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَبِي دَاوُد (يُجْزِئُ عَنْك الثُّلُثُ). القول الثاني: أنه يتصدق بجميع ماله. وَهذا قول الشَّافِعِيُّ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ). وَلِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَنَذْرِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. قال الشنقيطي: الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ جَمِيعَ مَالِهِ لِلَّهِ لِيُصْرَفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَنَّهُ يَكْفِيهِ الثُّلُثُ وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُ الْجَمِيعِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعُلَمَاءِ عَشَرَةُ مَذَاهِبَ أَظْهَرُهَا عِنْدَنَا: هُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَيَلِيهِ فِي الظُّهُورِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ كُلُّهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالنَّخَعِيِّ. ثم ذكر ﵀ حديث كعب (إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) ثم قال: فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ كَعْبًا غَيْرُ مُسْتَشِيرٍ بَلْ مُرِيدُ التَّجَرُّدِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ، كَمَا فِي تَرْجَمَةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَمَرَهُ ﷺ بِأَنْ يُمْسِكَ بَعْضَ مَالِهِ، وَصَرَّحَ لَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي يُمْسِكُهُ بِالثُّلُثَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ، فَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى إِيفَائِهِ بِنَذْرِهِ، وَلَوْ أَتَى عَلَى كُلِّ الْمَالِ، إِلَّا أَنَّ دَلِيلَ مَا قَبْلَهُ أَخَصُّ مِنْهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَعَمِّ. فائدة: قال ابن قدامة ﵀: وإذا نذر الصدقة بمعيّن من ماله أو بمقدّر، كألف، فروي عن أحمد أنه يجوز ثلثه؛ لأنه مالٌ نَذَرَ الصدقة به، فأجزأه ثلثه، كجميع المال. والصحيح في المذهب لزوم الصدقة بجميعه؛ لأنه منذور، وهو قربة، فيلزمه الوفاء به، كسائر المنذورات، ولعموم قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ). وإنما خولف هذا في جميع المال للأثر فيه، ولما في الصدقة بجميع المال من الضرر اللاحق به، اللهم إلا أن يكون المنذور هاهنا يستغرق جميع المال، فيكون كنذر ذلك.

стр. 2598

فائدة: إن نذر صيام أيام لم يلزمه التتابع إلا بشرط أو نية. فإذا قال: لله علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام، لم يلزمه التتابع، فيجوز أن يصومها متتابعة أو متفرقة. إلا أن يشترط أو ينوي. يشترط: كأن يقول لله علي أن أصوم ثلاثة أيام متتابعة فهنا يلزمه التتابع. ينوي: كأن يقول لله علي أن أصوم ثلاثة أيام، وينوي أنها متتابعة فيلزمه التتابع. فائدة: من نذر صوم شهر معيناً لزمه التتابع. كأن يقول: لله علي نذر أن أصوم شهراً، فيلزمه التتابع، وذلك لأن هذا هو مقتضى إطلاق اللفظ. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه التتابع إلا بنية أو شرط. وهذا القول هو الصحيح لقوله تعالى في الكفارة (فصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فلو كان إطلاق الشهر يقتضي التتابع لما احتيج أن يقيده الله تعالى بالتتابع. فائدة: إذا نذر شخص الصلاة في أحد المساجد الثلاثة لزمه الوفاء بنذره. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا) متفق عليه. لو نذر الصلاة في المسجد الأقصى جاز أن يصليها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي. لو نذر الصلاة في المسجد النبوي جاز أن يصليها في المسجد الحرام ولم يجز أن يصليها في المسجد الأقصى. لو نذر أن يصلي في المسجد الحرام فإنه لا يجوز له أداؤها إلا فيه لعدم جواز الانتقال من الأفضل إلى المفضول. ويدل لذلك: ما جاء في حديث جابر (أن رجلاً قام يوم الفتح فقال يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذاً) رواه أبوداود. • مسألة نقل النذر، هذه المسألة لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينقله من المفضول إلى الفاضل: فهذا لا بأس به. مثال: لو نذر أن يصوم يوم الثلاثاء، ثم صام يوم الإثنين، فهنا لا يحنث، لأنه نقل نذره من مفضول إلى فاضل، فهو أتى بالمفضول وزيادة. الحالة الثانية: أن ينقله من مساوٍ إلى مساو: فهذا تلزمه كفارة يمين. مثال: لو نذر أن يصوم يوم الأربعاء فصام يوم الثلاثاء. الحالة الثالثة: أن ينقل من فاضل إلى مفضول. مثال: لو نذر صيام يوم الإثنين، ثم صام يوم الثلاثاء، فليس له ذلك، وعليه أن يصوم يوم الإثنين، لأن النذر لم يقع موقعه.

стр. 2599

١٣٧٦ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ (نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اَللَّهِ حَافِيَةً، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. ١٣٧٧ - وَلِلْخَمْسَةِ فَقَالَ (إِنَّ اَللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئاً، مُرْهَا: [فَلْتَخْتَمِرْ]، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ). === (نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اَللَّهِ حَافِيَةً) أي: بدون نعل، جاء في رواية (أن تحج ماشية). وعند أحمد وأصحاب السنن (أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة)، وعند أبي داود (أن عقبة سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها). (فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ) قال النووي: مَعْنَاهُ تَمْشِي فِي وَقْت قُدْرَتهَا عَلَى الْمَشْي، وَتَرْكَب إِذَا عَجَزَتْ عَنْ الْمَشْي أَوْ لَحِقَتْهَا مَشَقَّة ظَاهِرَة فَتَرَكَّبَ. (إِنَّ اَللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئاً) أي: بتعبها أو مشقتها، وفي حديث أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَىَ شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقَالَ «مَا بَالُ هَذَا». قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِىَ. قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِىٌّ». وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ). (وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ذكر الصيام لم يأت من طريق صحيح. • ماذا نستفيد من حديث الباب؟ نستفيد: أن من نذر المضي إلى بيت الله الحرام فإنه يلزمه. قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى). • ما حكم من نذر المشي إلى بيت الحرام، هل يلزمه المشيء أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنه لا يلزمه المشيء، وله أن يركب، ولا شيء عليه. القول الثاني: أنه يلزمه المشيء، فإن عجز ركب وعليه كفارة يمين. وهذا مذهب الحنابلة.

стр. 2600

أ- لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ يَعْنِي أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، فَلْتَحُجَّ رَاكِبَةً، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا) رواه أبو داود. ب- ولحديث (من نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين). فالخلاصة: في هذا الحديث نذرت هذه المرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرم حافية، فاشتمل هذا النذر على أمرين: الأمر الأول: أن تقصد المسجد الحرام. الأمر الثاني: أن تذهب للمسجد الحرام حافية. وحيث إن النذر إذا اشتمل على عبادة وعلى أمر غير عبادة، فلكل واحد حكمه: فنذر العبادة (وهو قصد البيت الحرم) يجب الوفاء به. ونذر المباح (أن تمشي حافية) فإنها تكفر عن يمينها، لأن نذر الذهاب للمسجد حافية ليس من مقصود العبادة. ففي هذا الحديث حكم من نذر طاعة وغير طاعة: - فما كان طاعة فإنه يجب الوفاء به. لقوله ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري. - وما كان غير طاعة [مباح] فهو مخير وإن تركه فعليه كفارة يمين • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - جواز الاستنابة في الفتيا. - حرص السلف على الخير. - وجوب الوفاء بنذر الطاعة. - أن الله مستغن عن تعذيب الإنسان نفسه. - رحمة الإسلام وعدم مشقته. - في الحديث بعض العلل من النهي عن النذر: وهو العجز عن القيام بالمنذور.

стр. 2601

١٣٧٨ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (اِسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلِ أَنْ تَقْضِيَهُ؟ فَقَالَ: اِقْضِهِ عَنْهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (اِسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) أي: طلب الفتيا. (فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ) قيل: إن هذا النذر كان عتقاً، وقيل: صوماً، وقيل: صدقة. (تُوُفِّيَتْ قَبْلِ أَنْ تَقْضِيَهُ) أي: قبل أن تؤدي ذلك النذر الذي نذرته. (فَقَالَ: اِقْضِهِ عَنْهَا) هذا أمر للاستحباب لا للوجوب كما هو مذهب الجماهير. • ما هو نذر أم سعد؟ اختلف العلماء في تعيين نذر أم سعد: فقيل: كان صوماً. لحديث ابن عباس عند مسلم قال: (جاء رجل فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها. قال: نعم). وتعقب بأنه لم يتعين أن الرجل المذكور هو سعد بن عبادة. وقيل: كان عتقاً. قاله ابن عبد البر. وقيل: كان نذرها صدقة. والله أعلم. قال ابن حجر: واختلف في تعيين نذر أم سعد: فقيل: كان صوماً. لما رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن بن عباس جاء رجل فقال: (يا رسول الله ان أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها قال نعم). الحديث. وتعقب بأنه لم يتعين أن الرجل المذكور هو سعد بن عبادة. وقيل: كان عتقاً، قاله بن عبد البر. واستدل بما أخرجه من طريق القاسم بن محمد ان سعد بن عبادة قال يا رسول الله ان أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها، قال نعم. وتعقب بأنه مع إرساله ليس فيه التصريح بأنها كانت نذرت ذلك.

стр. 2602

وقيل: كان نذرها صدقة وقد ذكرت دليله من الموطأ وغيره من وجه آخر عن سعد بن عبادة أن سعداً خرج مع النبي ﷺ فقيل لأمه أوص، قالت: المال مال سعد فتوفيت قبل أن يقدم فقال يا رسول الله هل ينفعها أن اتصدق عنها قال نعم. وعند أبي داود من وجه آخر نحوه وزاد (فأي الصدقة أفضل قال الماء) الحديث وليس في شيء من ذلك التصريح بأنها نذرت ذلك. قال عياض: والذي يظهر انه كان نذرها في المال او مبهماً، قلت بل ظاهر حديث الباب أنه كان معيناً عند سعد والله أعلم. (الفتح) • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن من مات وعليه نذر فإنه يقضي عنه وليه. فإن كان النذر مالياً - وخلّف تركة - فإنه يجب قضاؤه. وأما إذا كان النذر مالياً - ولم يخلف تركة - أو كان صوماً فإنه يستحب قضاؤه عن الميت استحباباً لا وجوباً. وهذا مذهب جماهير العلماء. استحباباً لحديث (من مات وعليه صوم صام عنه وليه). لكن لا يجب لقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزرى أخرى). وذهب أهل الظاهر إلى الوجوب لحديث سعد هذا. قال النووي: حديث سعد يحمل أنه قضاه من تركتها، أو تبرع به، وليس في الحديث تصريح بإلزامه بذلك. [وقد سبقت المسألة في كتاب الصيام]. • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - وجوب الوفاء بالنذر. - فضل بر الوالدين. - استفتاء الأعلم. - فضل بر الوالدين بعد الوفاة والتوصل إلى براءة ما في ذمتهم.

стр. 2603

١٣٧٩ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ اَلضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ (نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ: فَقَالَ: "هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟. قَالَ: لَا. قَالَ: "فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ; فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ اَلْإِسْنَادِ. ١٣٨٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ: مِنْ حَدِيثِ كَرْدَمٍ. عِنْدَ أَحْمَدَ. === (ببُوانة) قال البغوي: موضع في أسفل مكة. (وثن من أوثانهم) الوثن: كل ما عبد من دون الله من شجر أو حجر. (عيد) قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود ـ من الاجتماع العام ـ على وجه معتاد. (نذر) النذر هو: إلزام المكلف نفسه شيئاً غير واجب عليه أصلاً. • ما صحة حديث الباب؟ صحيح. قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين. (المجموع). • ما المعنى الإجمالي للحديث؟ يذكر الراوي أن رجلاً التزم لربه أن ينحر إبلاً في موضع معين على وجه الطاعة والقربة، وجاء يسأل النبي ﷺ عن التنفيذ فاستفصل النبي ﷺ عن ذلك المكان هل سبق أن وجد فيه شيء من معبودات المشركين أو سبق أن المشركين يعظمونه ويجتمعون فيه فلما علم ﷺ بخلو هذا المكان أفتى بتنفيذ النذر. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ تَقَرُّبًا لِلَّهِ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، فَلَا بَأْسَ بِإِيفَائِهِ بِنَذْرِهِ، بِأَنْ يَنْحَرَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمُعَيَّنِ، إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ بِهِ وَثَنٌ يُعْبَدُ، أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ فِيهِ وَثَنًا يُعْبَدُ، أَوْ عِيدًا مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِيهِ. (الشنقيطي) أن فيه المنع من الذبح في المكان الذي فيه وثن من أوثان الجاهلية أو فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله.

стр. 2604

• اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أنه لو وجد في مكان النذر مانع شرعي لم يجز الوفاء بالنذر في ذلك المكان. - جواز تخصيص النذر بمكان إذا كان خالياً من معصية. - استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك. - أنه لا يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، والحكمة من ذلك أنه يؤدي إلى التشبه بالكفار. - المنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية ولو بعد زواله. - ينبغي للمسلم أن يبتعد عن أماكن الجاهلية، ولا يخصصها بعبادة حتى لا يتشبه بهم وينسب إليهم. - أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. - سد الذريعة وترك مشابهة الكفار. - وجوب الوفاء بالنذر إذا لم يقصد مشابهة الكفار. - تحريم الوفاء بنذر المعصية، كأن يقول: نذرت لله أن أشرب الخمر، فلا يوفي بنذره هذا بالإجماع. واختلف العلماء هل فيها الكفارة على قولين، وتقدمت المسألة. أنه لا وفاء لنذر فيما لا يملكه ابن آدم، كأن يقول: لله علي نذر أن أعتق عبد فلان، فنذره هذا باطل. تقرر في الشريعة أنه لا يجوز للمسلم أن يتشبه بالكفار، سواء في عبادتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاصة بهم وهذه قاعدة عظيمة لها أدلتها من الكتاب والسنة الصحيحة: من الكتاب: قال تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد … ﴾. قال ابن كثير: (نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية). من السنة: قال رسول الله ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم). رواه أبو داود عن ابن عمر قال شيخ الإسلام: (وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم). أ. هـ فتبين من ذلك أن ترك هدي الكفار والتشبه بهم في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها وجاء بها القرآن الكريم، وفصلها النبي ﷺ لأمته.

стр. 2605

وأذكر نتفاً قليلة لتقف على أهمية هذا الأمر، حيث أنه لم يقتصر على العادات بل تعداها إلى غيرها من العبادات والآداب: أولاً: الصلاة. عن جندب بن عبد الله قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك). رواه مسلم وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم). رواه أبو داود وعن ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ نهى رجلاً وهو جالس معتمداً على يده اليسرى في الصلاة، فقال: "إنها صلاة اليهود"). رواه البخاري وعن مسروق عن عائشة: (أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول إن اليهود تفعله) رواه البخاري ثانياً: الصوم. عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر). رواه مسلم وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما يزال الدين ظاهراً ما عجّل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون). رواه أبو داود وعن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: (أردت أن أصوم يومين مواصلة فنهاني عنه بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهاني عن ذلك وقال: " إنما يفعل ذلك النصارى "). رواه أحمد ثالثاً: الجنائز. ما رواه جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (اللحد لنا والشق لغيرنا). رواه أبو داود وأحمد وفي رواية لأحمد: (والشق لأهل الكتاب). رابعاً: اللباس والزينة. عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها). رواه مسلم وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم). متفق عليه وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا النصارى). رواه أحمد والترمذي خامساً: الآداب والعادات. عن جابر بن عبد الله مرفوعاً: (لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف والإشارة). رواه الترمذي

стр. 2606

١٣٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ (أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَوْمَ اَلْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ، فَقَالَ: صَلِّ هَا هُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "صَلِّ هَا هُنَا". فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "شَأْنُكَ إِذًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ. === • ما صحة حديث الباب؟ صحيح. • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أنه يجوز الانتقال عن النذر إلى ما هو أفضل منه. لو نذر الصلاة في المسجد الأقصى جاز أن يصليها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي. ولو نذر الصلاة في المسجد النبوي جاز أن يصليها في المسجد الحرام ولم يجز أن يصليها في المسجد الأقصى. ولو نذر أن يصلي في المسجد الحرام فإنه لا يجوز له أداؤها إلا فيه لعدم جواز الانتقال من الأفضل إلى المفضول. قال ابن تيمية: وَهَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا وَأَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ: قَالُوا: إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَجْزَأَهُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أَجْزَأَهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ. فمسألة نقل النذر لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينقله من المفضول إلى الفاضل: فهذا لا بأس به. مثال: لو نذر أن يصوم يوم الثلاثاء، ثم صام يوم الإثنين، فهنا لا يحنث، لأنه نقل نذره من مفضول إلى فاضل، فهو أتى بالمفضول وزيادة. الحالة الثانية: أن ينقله من مساوٍ إلى مساو: فهذا تلزمه كفارة يمين. مثال: لو نذر أن يصوم يوم الأربعاء فصام يوم الثلاثاء. الحالة الثالثة: أن ينقل من فاضل إلى مفضول. مثال: لو نذر صيام يوم الإثنين، ثم صام يوم الثلاثاء، فليس له ذلك، وعليه أن يصوم يوم الإثنين، لأن النذر لم يقع موقعه.

стр. 2607

- وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: عمن نذر أن يعمر والدته كل سنة يوم العيد، فهل يجوز له أن يعمرها في رمضان أو غيره بدل يوم العيد بدون كفارة، وإذا لم ترغب ذلك فماذا يلزمه؟ فأجابوا: إن أعمرت والدتك في رمضان فلا شيء عليك؛ لأنك أديت ما هو أفضل من وقت المنذور، كما لو نذر أن يصلي في المسجد الأقصى فصلى في المسجد الحرام أو المسجد النبوي؛ لكونه أداها في مكان أفضل، وقد جاء في الحديث الصحيح أنه لا شيء عليه في هذه المسألة الأخيرة، وهو عن جابر ﵁، … [وذكروا الحديث المتقدم] • اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - صحة النذر المعلق. قال ابن قدامة ﵀ عن نذر الطاعة: وهو ثلاثة أنواع، أحدها: التزام طاعة في مقابل نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني الله فلله علي صوم شهر، فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع، كالصوم والصلاة والصدقة والحج، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم. - وجوب الوفاء بالنذر المعلق إذا تحقق الشرط. - وجوب الوفاء بالنذر.

стр. 2608

١٣٨٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِد اَلْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. === الحديث تقدم شرحه في كتاب الصوم. (لَا تُشَدُّ) بضم أوله، بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصت به. (اَلرِّحَالُ) جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وشده كناية عن السفر، لأنه لازمه غالباً. (اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ) أي: المحرم. (وَمَسْجِدِي هَذَا) أي: المسجد النبوي. (وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى) سمي بذلك لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقال الزمخشري: سمي أقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد. • ماذا نستفيد من هذا الحديث؟ نستفيد: استحباب شد الرحال والسفر لقصد هذه المساجد الثلاثة: المسجد الحرام - والمسجد النبوي - والمسجد الأقصى. • ما حكم من نذر الصلاة في أحد هذه المساجد الثلاثة؟ من نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة لزمه الوفاء بنذره، ولو لزم من ذلك شد الرحال، لأن هذه المساجد تشد إليها الرحال قال ابن حجر: اختلف أهل العلم فيمن نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة: فقال بوجوب الوفاء: مالك، وأحمد، والشافعي، والبويطي ﵏، واختاره أبو إسحاق المروزي ﵀ (الفتح). لأن هذه المساجد تشد إليها الرحال، ومن نذر أن يطيع الله في المشروع لزمه الوفاء به، لما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه). • ما حكم من نذر إتيان غير هذه المساجد لصلاة أو غيرها؟ لا يلزمه الوفاء به. لأنه لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان.

стр. 2609

قال النووي ﵀ لا اختلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به. وعن الحنابلة رواية يلزمه كفارة يمين، ولا ينعقد نذره، وعن المالكية رواية إن تعلقت به عبادة تختص به، كرباط لزم، وإلا فلا، وذكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه يلزم في مسجد. ويدل لذلك: أولاً: بأن الشارع الحكيم لم يعين موضعاً خاصاً للعبادات فلا تتعين. ثانياً: أنه لو ألزمناه بما نذر للزم من ذلك أن تشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فلو نذر أن يعتكف في مسجد خارج بلدته للزمه أن يشد الرحال إلى هذا المسجد. والنبي ﷺ يقول (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). القول الثاني في هذه المسألة: أن من نذر أن يعتكف في مسجد معين فإنه يلزمه أن يعتكف في هذا المسجد إلا إذا لزم من ذلك شد الرحال فلا يلزمه. والقول الثالث: أن من نذر الاعتكاف في مسجد معين فلا يلزمه إلا إذا كان نذر ذلك لمزية شرعية في المسجد ككثرة الجماعة أو قدم المسجد أو أي مزية شهد لها الشارع بالاعتبار، وهذا اختيار شيخ الاسلام بن تيمية. (شرح الزاد للحمد). • اذكر بعض مميزات هذه المساجد؟ أولاً: استحباب شد الرحال والسفر إليها للعبادة فيها، وبالنسبة للمسجد الحرام فالسفر له واجب وغيره مستحب. قال ابن القيم: وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيه غيرها. ثانياً: أن هذه المساجد أفضل البقاع. ثالثاً: مضاعفة الصلاة فيها. فالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والمسجد النبوي بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وقيل: بمائتين وخمسين صلاة. رابعاً: أن هذه المساجد بناها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالكعبة المشرفة بناها إبراهيم وإسماعيل. والمسجد الأقصى بناه يعقوب. ومسجد المدينة بناه النبي محمد ﷺ . ولكل مسجد فضائل خاصة نذكرها إن شاء الله في موضعها.

стр. 2610

• ما حكم السفر لزيارة القبور؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يجوز. ذهب طائفة من المتأخرين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك. استدل هؤلاء بأدلة فضل زيارة القبور، ولم يفرقوا بين زيارة القبور مع السفر إليها وبين الزيارة بدون سفر، بل أطلقوا دلالة الأحاديث على الاستحباب. ب- واستدلوا بحديث ابن عمر قال (كان النبي ﷺ يأتي قباء راكباً وماشياً). أورد هذا الحديث ابن قدامة، ولعل وجه الدلالة منه: جواز زيارة المواضع الفاضلة من المساجد وغيرها كالقبور والمشاهد، وعدم حصر ذلك في المساجد الثلاثة. ج- استدلوا بأحاديث تدل على استحباب السفر لأجل زيارة القبور، وأكثر ما ذكروه من الأحاديث هي في زيارة قبر النبي ﷺ : كحديث (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي). وحديث (من زارني بعد مماتي كنت له شفيعاً يوم القيامة). وحديث (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني). وغيرها من الأحاديث، وكلها ضعيفة واهية لا تصح. القول الثاني: أن السفر لزيارة القبور غير مشروع، بل هو حرام ولا يجوز. وهذا قول مالك وأكثر أصحابه، واختار هذا القول ابن تيمية، وابن القيم. أ- واستدلوا بحديث الباب، ففيه النهي عن السفر لغير المساجد الثلاثة. وهذا عام يشمل كل شيء من المساجد والمشاهد لمن زارها تعبداً وتقرباً ما عدا المساجد الثلاثة المذكورة بالحديث. ب- ولأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين لم يكن موجوداً في الإسلام وقت القرون الثلاثة -قرن الصحابة والتابعين وأتباعهم- التي أثنى عليه رسول الله ﷺ ، ولو كان هذا السفر جائزاً فلا بد أن يقع من أحدهم، ولم يحدث هذا السفر إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة. ج-أن شد الرحال إلى مقابر الأنبياء والصالحين يؤدي إلى اتخاذها أعياداً واجتماعات عظيمة، كما هو مشاهد، (ولا فرق بين شد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ أو إلى غيره). وهذا القول هو الصحيح. • اذكر أحوال زيارة قبر الرسول ﷺ -: أولاً: تستحب زيارة قبره ﷺ لمن بالمدينة. ثانياً: تستحب زيارة قبره لمن زار مسجده. ثالثاً: السفر وشد الرحل لقصد زيارة القبر فقط دون المسجد، وهذه وقع فيها خلاف بين العلماء والصحيح أنه لا يجوز وغير مشروع ورجحه ابن تيمية.

стр. 2611

١٣٨٣ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ; أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ. قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ اَلْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ (فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً). === (فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ) المراد بالجاهليّة هنا جاهليّة عمر ﵁، وهو ما قبل إسلامه، لا أنه أراد ما قبل بعثة النبيّ ﷺ لأن جاهليّة كلّ أحد بحسبه، ووهم من قال: الجاهليّة في كلامه زمن فترة النبوّة، والمراد بها هنا ما قبل بعثة نبيّنا ﷺ ، فان هذا يتوقّف على النقل، وقد ثبت أنه نذر قبل أن يسلم، وبين البعثة، وإسلامه مدّة. قاله في "الفتح". • ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد صحة النذر من الكافر. فإن وفى به حال كفره برئت ذمته، وإن لم يف به لزمه أن يوفي به بعد إسلامه. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: صحة نذره. القول الثاني: لا يصح نذره حال كفره. والراجح الأول لحديث الباب. قال النووي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي صِحَّة نَذْر الْكَافِر: فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَجُمْهُور أَصْحَابنَا: لَا يَصِحّ. وَقَالَ الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ وَأَبُو ثَوْر وَالْبُخَارِيّ وَابْن جَرِير وَبَعْض أَصْحَابنَا: يَصِحّ. وَحُجَّتهمْ ظَاهِر حَدِيث عُمَر. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْهُ أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب، أَيْ: يُسْتَحَبّ لَك أَنْ تَفْعَل الْآن مِثْل ذَلِكَ الَّذِي نَذَرْته فِي الْجَاهِلِيَّة. وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفي حديث عمر ﵁ دليلٌ على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعيّ.

стр. 2612

وعند الجمهور: لا ينعقد النذر من الكافر. وحديث عمر ﵁ حجة عليهم. وقد أجابوا عنه: بأن النبيّ ﷺ لَمّا عرف أن عمر ﷺ قد تبرع بفعل ذلك أذن له به، لأن الاعتكاف طاعة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب. وأجاب بعضهم بأنه ﷺ أمره بالوفاء استحبابًا، لا وجوبًا. وُيردّ بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادّعى عدم الانعقاد. انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-. • ماذا نستفيد من قوله (أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ)؟ قال في "الفتح": قوله (أن أعتكف ليلةً) استُدلّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره النبيّ ﷺ به، وتُعُقّب بأن في رواية شعبة عن عبيد اللَّه عند مسلم (يومًا) بدل (ليلة) فجمع ابن حبّان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر ﵄ صريحًا، لكن إسنادها ضعيف. (الفتح) وقال القرطبي: يحتج به من يُجيز الاعتكاف بالليل، وبغير صوم، ولا حجة له فيه؛ لأنه قد قال في الرواية الأخرى (أنه نذر أن يعتكف يومًا) والقصّة واحدة، فدلّ مجموع الراويتين على أنه نذر يومًا وليلةً، غير أنه أفرد أحدهما بالذكر لدلالته على الآخر من حيث إنهما تلازما في الفعل، ولهذا قال مالكٌ: إن أقلّ الاعتكاف يومٌ وليلة، فلو نذر أحدهما لزمه تكميله بالآخر، ولو سلّمنا أنه لم يجاء لليوم ذكرٌ لما كان في تخصيص الليلة بالذكر حجة؛ لإمكان حمل ذلك الاعتكاف على المجاورة؛ فإنها تُسمّى اعتكافًا لغةً، وهي تصحّ بالليل والنهار، وبصوم، وبغير صوم. انتهى. وقد اختلف العلماء هل يشترط لصحة الاعتكاف الصوم أم لا على قولين: القول الأول: يشترط للاعتكاف صوم. وهذا قول أبي حنيفة ومالك، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم.

стр. 2613

قال ابن القيم: القول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية. أ- لقوله تعالى ( … ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). وجه الاستدلال: أنّ الله تعالى ذكر الاعتكاف إثر الصوم فوجب أن لا يكون الاعتكاف إلا بصوم. ب- لقول عائشة: (من السنة … ولا اعتكاف إلا بصوم). جما روته عائشة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا بصوم) رواه الدارقطني. القول الثاني: لا يشترط الصوم للاعتكاف. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. أ-أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال. فعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاِعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ «آلْبِرَّ تُرِدْنَ». فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ في الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ) رواه مسلم. قال البغوي: وفي اعتكافه في أوَّل شوال دليلٌ على أنّ الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف؛ لأنّ يوم العيد غير قابل للصوم. ب-ولحديث الباب ( … أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك). والليل ليس محلاً للصوم، ولو كان الصوم شرطاً لما صح اعتكاف الليل؛ لأنه لا صيام فيه. قال الخطابي: وفيه دليل على أنّ الاعتكاف جائز بغير صوم؛ لأنه كان نذرَ اعتكافَ ليلة، والليل ليس بمحل للصوم. وهذا الحديث أيضًا قد بوّب له ابن خزيمة بقوله: باب الخبر الدال على إجازة الاعتكاف بلا مقارنة للصوم، إذ النبي ﷺ قد أمر باعتكاف ليلة، ولا صوم في الليل. ج- حديث ابن عَبَّاسٍ - أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَيْسَ عَلَى اَلْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ) وتقدم أنه ضعيف.

стр. 2614

د-ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يشترط له الصيام كالصلاة، ولأنه عبادة تصح في الليل، فأشبه سائر العبادات. هـ-ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص، ولا إجماع، فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف. قال الشوكاني: استدل به على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن الليل ليس بوقت صوم. وهذا القول هو الراجح. • ما الجواب عن أدلة القول الأول؟ أما قوله تعالى ( … ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). فليس فيها ما يدلُّ على تلازمهما وإلا لكان لا صوم إلا باعتكاف، ولا قائل به. وأما قول عائشة: (من السنة … ولا اعتكاف إلا بصوم). قال البيهقي: قد ذهب كثيرٌ من الحفاظ إلى أنّ هذا الكلام من قول من دون عائشة، وأنّ من أدرجه في الحديث وهم فيه. وقال أيضًا: قد أخرج البخاري ومسلم صدر هذا الحديث في الصحيح إلى قوله: «والسنة في المعتكف أن لا يخرج»، ولم يُخرجا الباقي؛ لاختلاف الحفاظ فيه: منهم من زعم أنه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنه من قول الزهري، ويشبه أن يكون من قول مَنْ دون عائشة. وقال ابن عبد البر: لم يَقل أحدٌ في حديث عائشة هذا «السنة» إلا عبد الرحمن بن إسحاق، ولا يصح الكلام عندهم إلا من قول الزهري، وبعضه من كلام عروة. وأما ما روته عائشة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا بصوم) رواه الدارقطني. فهذا ضعيف لا يصح. فيه سويْد بن عبد العزيز، قال ابن حجر: ضعيف جداً. وأيضاً قد رواه غير واحد عن الزهري موقوفاً على عائشة. قال البيهقي: رفعُه وهم، والصحيح موقوف. أما حديث وأما قول عائشة (لا اعتكاف إلا بصوم)، فلا يصح مرفوعاً، وعلى فرض صحته فالمعنى أنه لا اعتكاف كامل إلا بصوم. قال النووي: لو ثبت لوجب حمله على الاعتكاف الأكمل، جمعًا بين الأحاديث. وقال ابن قدامة: ولو صحَّ فالمراد به الاستحباب، فإنّ الصوم فيه أفضل.

стр. 2615

• اذكر بعض الفوائد من الحديث؟ - أن الاعتكاف يجب بالنذر. - وجوب الوفاء بالنذر ولو عقد في حال الكفر. فائدة: ١ النذر لا يصح الرجوع فيه. لقول عمر: (أربع جائزة في كل حال [أي ماضية نافذة]: العتق والطلاق والنكاح والنذر) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٨٢). وعن علي ﵁: (أربع لا رجوع فيهن إلا بالوفاء: النكاح، والطلاق، والعتاق، والنذر) ذكره ابن حزم في المحلى. فائدة: ٢ • ما عقوبة عدم الوفاء بالنذر؟ يخشى عليه من النفاق. قال تعالى (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ). قال ابن القيم: إذَا قَالَ: إنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ تَصَدَّقْت، أَوْ لأَتَصَدَّقَنَّ، فَهُوَ وَعْدٌ وَعَدَهُ اللَّهَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ بِهِ، وَإِلا دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) فَوَعْدُ الْعَبْدِ رَبَّهُ نَذْرٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ; والنذر المعلق أَوْلَى بِاللُّزُومِ مِنْ أَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً: " لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا "وَإِخْلَافُهُ يُعْقِبُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ. ذَمَّ الرسولُ ﷺ الذين ينذرون ولا يوفون. عن عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -قَالَ عِمْرَانُ: فَلا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً - ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَن) متفق عليه. قال النووي: فِيهِ وُجُوب الْوَفَاء بِالنَّذْرِ، وَهُوَ وَاجِب بِلا خِلَاف.

стр. 2616

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب القضاء تعريفه: القضاء لغة: إحكام الشيء والفراغ منه. واصطلاحاً: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به، وفصل الخصومات. (تبيين الحكم الشرعي) جنس يشمل القاضي والمفتي. (والإلزام به) هذا قيد يخرج المفتي، لأنه لا يلزم بالحكم الشرعي. (وفصل الخصومات) فيه بيان الغرض من القضاء وهو قطع الخصومة بين المتخاصمين. والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع والعقل. قال تعالى (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). وقال سبحانه (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ). وعن عمرو بن العاص. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) متفق عليه وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس. وعقلاً: لأن القضاء من ضرورات الاجتماع، به ينتشر العدل، ويعم الأمن، ويُدفع القوي عن الضعيف، ويُنصف المظلوم من الظالم، لولا الفضاء لعمت الفوضى، واختل الأمن، وفسد النظام. وهو فرض كفاية. إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثم الجميع. لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه. وكان ﷺ يتولاه بنفسه، وبعث علياً إلى اليمن قاضياً، وبعث معاذاً قاضياً. ولعموم قوله ﷺ (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم).

стр. 2617

قال الإمام أحمد: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ فائدة: قال ابن قدامة: وَالنَّاسُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ: وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا قَضَى بَيْنَ النَّاسَ بِجَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ). وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَدْلِ فِيهِ، فَيَأْخُذُ الْحَقَّ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ وَيَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ، مَنْ يَجُوزُ لَهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ: وَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالِاجْتِهَادِ، وَيُوجَدُ غَيْرُهُ مِثْلُهُ، فَلَهُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ بِحُكْمِ حَالِهِ وَصَلَاحِيَتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ السَّلَامَةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ وَالذَّمِّ، وَلِأَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ وَالتَّوَقِّي، وَقَدْ أَرَادَ عُثْمَانُ ﵁ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَاهُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ رَجُلًا خَامِلًا، لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا يُعْرَفُ فَالْأَوْلَى لَهُ تَوَلِّيهِ، لِيُرْجَعَ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَيَقُومَ بِهِ الْحَقُّ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي النَّاسِ بِالْعِلْمِ، يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى، فَالْأَوْلَى الِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ الْغَرَرِ. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالُوا أَيْضًا: إذَا كَانَ ذَا حَاجَةٍ، وَلَهُ فِي الْقَضَاءِ رِزْقٌ، فَالْأَوْلَى لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْمَكَاسِبِ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ طَلَبُهُ، وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ: لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ، وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2618

الثَّالِثُ: مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَلَا يُوجَدُ سِوَاهُ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ غَيْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا يَأْثَمُ. فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِضْرَارُ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَبُو قِلَابَةَ مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ غَيْرُك. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ، لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ. (المغني) يكون القضاء فرض عين، وذلك بأمور: أولاً: إذا طلب منه، فإذا لم يطلب منه فلا يكون فرض عين عليه، لأن المسؤول عن تولية القضاة هو الإمام. ووجه ذلك: أ-أنه من طاعة ولي الأمر وهي في غير المعصية واجبة. ب-أنه لو لم يدخل فيه لتعطل مرفق القضاء وذلك لا يجوز كسائر فروض الكفاية. ثانياً: ولم يوجد أهلٌ يوثق به، فإن وجِد لم يتعين. ووجه ذلك: أنه من تغيير المنكر، وتغيير المنكر واجب وهو متوقف عليه فيجب عليه. وقد تقدم كلام ابن قدامة بقوله: مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَلَا يُوجَدُ سِوَاهُ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ غَيْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا يَأْثَمُ. فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِضْرَارُ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَبُو قِلَابَةَ مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ غَيْرُك. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ، لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ. (المغني)

стр. 2619

١٣٨٤ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ. رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الجَنَّةِ. وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ) رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. ١٣٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. === ما صحة أحاديث الباب؟ حديث بريدة، فيه خلف بن خليفة وهو حسن الحديث لكنه اختلط في آخر عمره. وللحديث عن ابن بريدة متابعات، منها: ما أخرجه الترمذي وغيره من طريق شريك القاضي وفيه ضعف. ومنها: ما أخرجه وكيع في أخبار القضاة (١/ ١٥) من طريق إسحاق بن عبد الرحمن لؤلؤ عن داود بن عبد الحميد وهو ضعيف. وقد صحح الحديث: الحاكم في المستدرك (٤/ ١٠١، ١٠٢)، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار ح (١٥٢)، وقال ابن عبد الهادي في المحرر في الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٦٣٧): "إسناده جيد"، والله تعالى أعلم. وحديث أبي هريرة: حديث حسن. اذكر ما ورد في تولي القضاء؟ القضاء ورد فيه ترغيب وترهيب: الترغيب: عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله .. ). الترهيب: كأحاديث الباب. ففيه أجرٌ عظيم لمن قامَ به وعدل. كما في حديث الباب ( .... رَجُلٌ عَرَفَ اَلْحَقَّ، فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي اَلْجَنَّةِ. وَرَجُل). قال ابن قدامة: وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ: وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ أَجْرًا مَعَ الْخَطَأِ. وَأَسْقَطَ عَنْهُ حُكْمَ الْخَطَأِ.

стр. 2620

وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ، وَنُصْرَةَ الْمَظْلُومِ، وَأَدَاءَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ، وَرَدًّا لِلظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ، وَإِصْلَاحًا بَيْنَ النَّاسِ، وَتَخْلِيصًا لَبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْقُرَبِ. وَلِذَلِكَ تَوَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، فَكَانُوا يَحْكُمُونَ لِأُمَمِهِمْ، وَبَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، وَبَعَثَ أَيْضًا مُعَاذًا قَاضِيًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَجْلِسَ قَاضِيًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَة. (المغني) وجاء في (الموسوعة الفقهية) وَلِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وَعَظِيمِ فَضْلِهِ جَعَل اللَّهُ فِيهِ أَجْرًا مَعَ الْخَطَأِ، وَأَسْقَطَ عَنْهُ حُكْمَ الْخَطَأِ، قَال رَسُول اللَّهِ ﵁ (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنَّمَا أُجِرَ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَبَذْل وُسْعِهِ لَا عَلَى خَطَئِهِ). وفيه الإثم العظيم لمن لم يقُم به: لمن جار وظلم، أو حكم بغير علم. لحديث الباب (اَلْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اِثْنَانِ فِي اَلنَّارِ … وَرَجُلٌ عَرَفَ اَلْحَقَّ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وَجَارَ فِي اَلْحُكْمِ، فَهُوَ فِي اَلنَّارِ. وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ اَلْحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي اَلنَّار). وحديث (مَنْ وَلِيَ اَلْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ). وجاء في (الموسوعة الفقهية) كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ يُحْجِمُ عَنْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ وَيَمْتَنِعُ عَنْهُ أَشَدَّ الاِمْتِنَاعِ حَتَّى لَوْ أُوذِيَ فِي نَفْسِهِ، وَذَلِكَ خَشْيَةً مِنْ عَظِيمِ خَطَرِهِ كَمَا تَدُل عَلَيْهِ الأْحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ وَالَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْوَعِيدُ وَالتَّخْوِيفُ لِمَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَلَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ، كَحَدِيثِ (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ) وَحَدِيثُ (مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ جُعِل قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ) وَحَدِيثُ (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ). وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كُل مَا جَاءَ مِنَ الأْحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَخْوِيفٌ وَوَعِيدٌ إِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ قُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْجُهَّال الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. فَالأْحَادِيثُ السَّابِقَةُ بِجُمْلَتِهَا، بَعْضُهَا مُرَغِّبٌ وَبَعْضُهَا مُرَهِّبٌ. وَالْمُرَغِّبُ مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى الصَّالِحِ لِلْقَضَاءِ الْمُطِيقِ لِحَمْل عِبْئِهِ، وَالْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ، وَالْمُرَهِّبُ مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل دُخُول مَنْ دَخَل فِيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَامْتِنَاعُ مَنِ امْتَنَعَ عَنْهُ، فَقَدْ تَقَلَّدَهُ بَعْدَ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، سَادَاتُ الإْسْلَامِ وَقَضَوْا بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَدُخُولُهُمْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عُلُوِّ قَدْرِهِ، وَوُفُورِ أَجْرِهِ، فَإِنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ، وَوَلِيَهُ بَعْدَهُمْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ. وَمَنْ كَرِهَ الدُّخُول فِيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعَ فَضْلِهِمْ وَصَلَاحِيَّتِهِمْ وَوَرَعِهِمْ مَحْمُولٌ كُرْهُهُمْ عَلَى مُبَالَغَةٍ فِي حِفْظِ النَّفْسِ، وَسُلُوكٍ لِطَرِيقِ السَّلَامَةِ، وَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ فُتُورًا أَوْ خَافُوا مِنَ الاِشْتِغَال بِهِ الإْقْلَال مِنْ تَحْصِيل الْعُلُومِ.

стр. 2621

وَمِمَّنِ امْتَنَعَ عَنْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ بَعْدَ أَنْ طُلِبَ لَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. (الموسوعة). روى مسلم عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال (إنَّك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خِزي وندامة، إلاَّ مَنْ أخَذها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه منها). قال النووي: هذا أصلٌ عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيَّما من كان فيه ضَعْف، وهو في حقِّ مَنْ دخَل فيها بغير أهليَّة، ولَم يَعدل؛ فإنه يَندم على ما فرطَ منه إذا جُوِزي بالخِزي يوم القيامة، وأمَّا مَنْ كان أهلاً وعدَل فيها، فله فضلٌ عظيم، تظاهَرت به الأحاديث الصحيحة. في الحديث (لا حسدَ إلاَّ في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسَلَّطه على هَلَكته في الحقِّ، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويُعلِّمها). قال ابن حجر: وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لِمَنْ استجمَع شروطه، وقَوِي على أعمال الحقِّ، ووجَد له أعوانًا؛ لِما فيه من الأمر بالمعروف، ونَصْر المظلوم، وأداء الحقِّ لِمُستحقه، وكفِّ يد الظالم، والإصلاح بين الناس، وكلُّ ذلك من القُربات؛ فلذلك تولاَّه الأنبياء ومَن بعدهم من الخلفاء الراشدين، ومِن ثَمَّ اتَّفقوا على أنَّه من فروض الكفاية؛ لأن أمرَ الناس لا يستقيم دونه، وإنما فرَّ مَنْ فرَّ منه؛ خشية العجز عنه، وعند عدم المُعين عليه. هـ؛ الفتح. ما معنى (فقد ذبح نفسه بغير سكين)؟ قال الصنعاني: دلَّ الحديث على التحذير من ولاية القضاء، والدخول فيه، والمراد مِنْ ذَبْح نفسه: إهلاكها؛ فإنه إنْ حكَم بغير الحقِّ مع عِلمه به، أو جَهْله له، فهو في النار، وهو إن أصاب الحق، أتعَب نفسه في الدنيا؛ لاستقصاء ما يجب عليه رعايته. قال ابن فرحون في تَبصرة الحُكام: "وأمَّا قوله ﷺ (من وُلِّي القضاء، فقد ذُبِح بغير سكين) فقد أورَده أكثر الناس في مَعرض التحذير من القضاء" وقال بعض أهل العلم: هذا الحديث دليلٌ على شرف القضاء وعظيم منزلته، وأن المتولي له مجاهدٌ لنفسه وهواه، وهو دليل على فضيلة مَنْ قضى بالحقِّ؛ إذ جعَله ذبيحَ الحقِّ امتحانًا؛ لتَعظم له المثوبة امتنانًا، فالقاضي لَمَّا استَسْلَم لحكم الله، وصبَر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتها، فلم تأْخُذه في الله تعالى لومة لائمٍ؛ حتى قادَهم إلى مُرِّ الحق وكلمة العدل، وكفَّهم عن دواعي الهوى والعناد - جُعِل ذبيحَ الحقِّ لله، وبلَغَ به حال الشهداء الذين لهم الجنة"؛ انتهى كلامه - رحمه الله تعالى.

стр. 2622

١٣٨٦ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ. === (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ) أي: سيكون من بعضكم حرص بالطلب وغيره. (الإِمَارَة): يدخل فيه الإمارة العظمى وهي الخلافة، والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد. (فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ) لما يكون فيها في الدنيا من الجاه والمال ونفاذ الكلمة. (وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ) أي: بعد الموت. الحديث دليل على ذم طلب الإمارة، وأنها ستكون خزي وندامة يوم القيامة، أي: لمن لم يعمل فيها بما ينبغي. ويوضح ذلك: ما أخرجه البزار والطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك بلفظ (أولها ملامة; وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل). وفي الطبراني الأوسط من رواية شريك عن عبد الله بن عيسى عن أبي صالح عن أبي هريرة قال شريك: لا أدري رفعه أم لا، قال (الإمارة أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة). " وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ أولها ملامة وثانيها ندامة أخرجه الطبراني وعند الطبراني من حديث زيد بن ثابت رفعه: نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها تكون عليه حسرة يوم القيامة وهذا يقيد ما أطلق في الذي قبله، ويقيده أيضا ما أخرج مسلم عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية ولا سيما لمن كان فيه ضعف. وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها والله أعلم. سبب ذم طلب الإمارة: أولاً: ليس من صفات أهل الآخرة. قال تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين). وطالب الإمارة يريد أن يكون أرفع على الناس. ثانياً: لكثرة تبعاتها ومقشتها وعظيم مسؤوليتها. لقوله ﷺ في هذا الحديث (بئست الفاطمة). وقال ﷺ لأبي ذر (وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة) رواه مسلم.

стр. 2623

ثالثاً: لنهي النبي ﷺ عن ذلك. عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي النبي ﷺ (يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها) متفق عليه. قال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة (لا تسأل الإمارة) متفق عليه. وقال ﷺ لأبي ذر (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن بين اثنين) رواه مسلم. عن مسألة: أي سؤال. قوله (وكلت إليها) بضم الواو وكسر الكاف مخففا ومشددا وسكون اللام، ومعنى المخفف أي صرف إليها ومن وكل إلى نفسه هلك، ومنه في الدعاء " ولا تكلني إلى نفسي " ووكل أمره إلى فلان صرفه إليه; ووكله بالتشديد استحفظه، ومعنى الحديث أن من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه. وقال النووي ﵀: (لَا تَسَألِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا): فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ: مِنْهَا: كَرَاهَةُ سُؤَالِ الْوِلَايَةِ، سَوَاءٌ وِلَايَةُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْهَا: بَيَانُ أَنَّ مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَةَ لَا يَكُونُ مَعَهُ إِعَانَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَكُونُ فيه كفاية لذلك العمل؛ فينبغي أن لا يُوَلَّى؛ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : (لَا نُوَلِّي عَمَلَنَا مَنْ طَلَبَهُ أَوْ حَرَصَ عَلَيْهِ). ا. هـ وقال -أيضًا- ﵀: (قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ لَا يُوَلَّى مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَةَ، أَنَّهُ يُوكَلُ إِلَيْهَا، وَلَا تَكُونُ مَعَهُ إِعَانَةٌ؛ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ السَّابِقِ؛ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ إِعَانَةٌ لَمْ يَكُنْ كُفْئًا وَلَا يُوَلَّى غَيْرُ الْكُفْءِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً لِلطَّالِبِ وَالْحَرِيصِ. وَاللَّهُ أَعْلَم. وأما الجمع بين تلك الأحاديث التي فيها النهي عن طلب الإمارة، وبين قول يوسف ﵇: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ([يوسف: ٥٥]. فقد قال القرطبي ﵀: (وَدَلَّتِ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ أَنْ يَخْطُبَ الْإِنْسَانُ عَمَلًا يَكُونُ لَهُ أَهْلًا، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ … [وذكر الأحاديث السالفة الذكر]. فَالْجَوَابُ: أَوَّلًا: أَنَّ يُوسُفَ ﵇ إِنَّمَا طَلَبَ الْوِلَايَةَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْعَدْلِ وَالْإِصْلَاحِ وَتَوْصِيلِ الْفُقَرَاءِ إِلَى حُقُوقِهِمْ، فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ الْيَوْمَ؛ لَوْ عَلِمَ إِنْسَانٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَقُومُ بِالْحَقِّ فِي الْقَضَاءِ أَوِ الْحِسْبَةِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَتَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَوَجَبَ أَنْ يَتَوَلَّاهَا وَيَسْأَلُ ذَلِكَ، وَيُخْبِرُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَمَا قَالَ يُوسُفُ ﵇. فَأَمَّا لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَيَصْلُحُ لَهَا وَعَلِمَ بِذَلِكَ، فَالْأَوْلَى أَلَّا يَطْلُبَ؛ لقوله ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ». وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ فِي سُؤَالِهَا وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا مَعَ العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها، دليل عَلَى أَنَّهُ يَطْلُبُهَا لِنَفْسِهِ وَلِأَغْرَاضِهِ؛ وَمَنْ كَانَ هَكَذَا يُوشِكُ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَيَهْلِكُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «وُكِلَ إِلَيْهَا» وَمَنْ أَبَاهَا لِعِلْمِهِ بِآفَاتِهَا، وَلِخَوْفِهِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهَا فَرَّ مِنْهَا، ثُمَّ إِنِ ابْتُلِيَ بِهَا فَيُرْجَى لَهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «أُعِينَ عَلَيْهَا».

стр. 2624

الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: "إِنِّي حَسِيبٌ كَرِيمٌ" وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ؛ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ» وَلَا قَالَ: "إِنِّي جَمِيلٌ مَلِيحٌ" إِنَّمَا قَالَ: (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) فَسَأَلَهَا بِالْحِفْظِ وَالْعِلْمِ، لَا بِالنَّسَبِ وَالْجَمَالِ. لثَّالِثُ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَأَرَادَ تَعْرِيفَ نَفْسِهِ، وَصَارَ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ). الرَّابِعُ: أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ غَيْرُهُ؛ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَم. فائدة: خطورة الولاية، ولذلك امتنع الأكابر من الدخول فيها. قال عمر (ما أحببت الإمارة إلا يومئذ) قال ذلك يوم سمع النبي ﷺ يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فائدة: أن دخل فيها وعدل واجتهد ولم يطلبها وقام بحقها فله أجر عظيم، ولذلك قال ﷺ (وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها) رواه مسلم. وفي الحديث (سبعة يظلهم الله في ظله: … وذكر منها: إمام عادل). قال العز بن عبد السلام على هذا بقوله: "وأجمع المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات، فإن الولاة المقسطين أعظم أجراً وأجلّ قدراً من غيرهم؛ لكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق ودرء الباطل، فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع بها مائة ألف مظلمة فما دونها، أو يجلب بها مائة ألف مصلحة فما دونها، فيا له من كلامٍ يسير وأجرٍ كبير. قال النووي معلقاً على حديث (يَا أَبَا ذَرّ إِنِّي أَرَاك ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبّ لَك مَا أُحِبّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اِثْنَيْنِ، وَلَا تُوَلَّيَنَّ مَال يَتِيم). هَذَا الْحَدِيث أَصْل عَظِيم فِي اِجْتِنَاب الْوِلَايَات، لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْف عَنْ الْقِيَام بِوَظَائِفِ تِلْكَ الْوِلَايَة، وَأَمَّا الْخِزْي وَالنَّدَامَة فَهُوَ حَقّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا، أَوْ كَانَ أَهْلًا وَلَمْ يَعْدِل فِيهَا فَيُخْزِيه اللَّه تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَيَفْضَحهُ، وَيَنْدَم عَلَى مَا فَرَّطَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ، وَعَدَلَ فِيهَا، فَلَهُ فَضْل عَظِيم، تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة كَحَدِيثِ: " سَبْعَة يُظِلّهُمْ اللَّه " وَالْحَدِيث الْمَذْكُور هُنَا عَقِب هَذَا (أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُور) وَغَيْر ذَلِكَ، وَإِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِد عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا فَلِكَثْرَةِ الْخَطَر فِيهَا حَذَّرَهُ ﷺ مِنْهَا، وَكَذَا حَذَّرَ الْعُلَمَاء، وَامْتَنَعَ مِنْهَا خَلَائِق مِنْ السَّلَف، وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى حِين اِمْتَنَعُوا. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ لا ينبغي لمسلم أن يحرص على الإمارة، لما يعقبها من الحسرات، وما فائدة لذة تعقبها حسرات وتبعات. الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض. قال ابن حجر: هذا إخبار منه ﷺ بالشيء قبل وقوعه فوقع كما أخبر.

стр. 2625

١٣٨٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === - (حكم) الحكم اصطلاحاً: تبين الحكم الشرعي والإلزام به. (فاجتهد) الاجتهاد اصطلاحاً: بذل الفقيه وسعه في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط. (أخطأ) الخطأ اصطلاحاً: هو أن يقصد بفعله شيئاً فيصادف فعله غير ما قصد. - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن الحاكم إذا اجتهد في قضية ما، وبذل وسعه فيها ثم حكم، فإن كان حكمه صواباً فله أجران، أجر الاجتهاد - وأجر الصواب، وإذا اجتهد ولكن لم يصل إلى الصواب فله أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد، لأن اجتهاده في طلب الحق عبادة. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - قوله: إذا حكم الحاكم، المراد بذلك القاضي وغير القاضي ممن يقضي بين الناس. - يجب معرفة الحكم الشرعي، لأن من لا يعرف الحكم الشرعي فإنه لا يمكن أن يجتهد، لأنه لو اجتهد وحكم وهو لا يعرف الحكم الشرعي سيكون حاكماً برأيه لا بالشرع. - فضل الاجتهاد وإصابة الحق، وإنما كان المصيب للحق له أجران، لأن إصابته للحق تستلزم ظهور الحق للناس وبيانه. - أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، لأن من اجتهد وأخطأ فله أجر لاجتهاده. - أن المصيب واحد، ولا يمكن أن يصيب اثنان الحق في قولين مختلفين. - أن القاضي إذا حكم من غير اجتهاد ولا إمعان ولا تدبر فهو آثم، لأنه حكم بين الناس وهو لا يعرف الحق فهذا في النار.

стр. 2626

فائدة: من يعطى أجره مرتين: قال تعالى (ومن يقنت منكم لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين). وقال ﷺ (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه. وقال ﷺ (إذا اجتهد الحاكم فأصاب له أجران) متفق عليه. وقال النبي ﷺ لزينب لما سألته عن الصدقة على الزوج (لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة) متفق عليه. وقال ﷺ (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجرهم شيء) رواه مسلم عن أبي بُردةً عن أبيه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ (يَطَؤُهَا) فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ) متفق عليه. عن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (إن العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة الله، فله أجره مرتين) متفق عليه. وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (للعبد المملوك المصلح أجران) متفق عليه. وعن أبي موسى. قال: قال رسول الله ﷺ (المملوك الذي يحسن عبادة ربه، ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران) رواه البخاري.

стр. 2627

١٣٨٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول (لا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَانُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === ماذا نستفيد من الحديث؟ تحريم أن يقضي القاضي وهو غضبان. لحديث الباب. وَفِي رِوَايَةٍ (لا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ). وقد اختلف في النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟ والراجح أنه للتحريم. قال في المغني: لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان. ما الحكم لو حكم القاضي وهو غضبان وأصاب الحق، فهل ينفذ حكمه أم لا؟ لو أن القاضي خالف فحكم وهو في حال غضب ونحوه، وأصاب الحق، فإنه ينفذ الحكم. وهذا قول الجمهور. قال النووي في حديث اللقطة: فيه جواز الفتوى في حال الغضب، وكذلك الحكم، وينفذ ولكنه مع الكراهة في حقنا ولا يكره في حقه ﷺ لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا ينفذ قضاؤه. لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. والراجح قول الجمهور. فإن قال قائل: كيف ينفذ وهو محرم، وقد قال النبي ﷺ : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، أفليست القاعدة أن مثل هذا يوجب بطلان الحكم، كما لو عقد على امرأة عقداً محرماً فإن العقد يبطل؟ فالجواب: أن يقال: إنه إنما نهي عن ذلك خوفاً من مخالفة الصواب، فإذا وقعت الإصابة فهذا هو المطلوب، إذاً هنا نقول: هذا لم يخرج عن القاعدة، وهي أن الشيء المحرم لا ينفذ ولا يصح؛ لأن العلة التي من أجلها حرم انتفت، حيث إنه أصاب الصواب، فإن لم يصب الحق فإنه لا ينفذ؛ لأنه على غير حكم الله ورسوله ﷺ .... (الشرح الممتع) ما الحكمة من النهي؟ لأن الغضب يمنع من تصور المسألة أولاً ثم تطبيق الحكم الشرعي عليها. قال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب، لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه. وهل مثله الحاقن أو شديد الجوع؟ نعم، مثله الحاقن أو في شدة جوع أو عطش أو همٍ أو ملل. قال ابن دقيق: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقاً يشغله عن استيفاء النظر. وقال ابن قدامة: وفي معنى الغضب كلما شغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والجوع المزعج ومدافعة أحد الأخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح، فهذه كلها تمنع الحاكم لأنها تمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي بمعنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه.

стр. 2628

١٣٨٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ، حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي». قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ المدِينِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. === ما صحة حديث الباب؟ الحديث فيه ضعف. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أنه يحرم على القاضي أن يقضي لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الآخر. لقوله (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي). هل يجوز أن يحكم القاضي للمدعي إذا كان المدعَى عليه غائباً؟ (كأن يكون مسافراً)؟ ذهب بعض العلماء إلى الجواز. قال ابن قدامة: أَنَّ مَنْ ادَّعَى حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ، وَالْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ إجَابَتُهُ، إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةُ وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَسَوَّارٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. أ-لحديث عَائِشَة قَالَتْ (دَخَلَتْ بِنْتُ عُتْبَةَ -اِمْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ اَلنَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلِيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيك) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وجه الدلالة: قضاء النبي ﷺ على أبي سفيان لزوجته وهو غائب. قال ابن المنذر: هذا حكم منه بالنفقة، وأبو سفيان ليس بحاضر ولم ينتظر حضوره. ب- صح عن رسول الله ﷺ أنه حكم على الغائب، كما حدث في حادثة العرنيين الذين قتلوا الرعاء، وسملوا أعينهم، وفروا، فأرسل إليهم القائف يتبعهم وهم غيب، حتى أدركوا، واقتص منهم. ج-صح عن عمر، وعثمان ﵄ القضاء على الغائب، ولا مخالف لهما من الصحابة. د- المدعي له بينة مسموعة عادلة فجاز الحكم بها، كما لو كان الخصم حاضراً.

стр. 2629

وذهب بعض العلماء: إلى عدم جواز ذلك. أ-لحديث أُمّ سَلَمةَ أَنْ رسول اللَّه ﷺ قال (إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، فأَقْضِي لَهُ بِنحْو ما أَسْمَعُ). قال ابن رشد: هذا الحديث عمدة من منع القضاء على الغائب. وجه الدلالة: قوله (فأَقْضِي لَهُ بِنحْو ما أَسْمَعُ) وهذا يدل على أن القاضي لا يحكم إلا بما يسمع من الخصمين. ب- ولحديث الباب (إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ، حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اَلْآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي) قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ). وجه الدلالة: نهيه ﷺ عن الحكم لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر، والحكم على الغائب حاله هكذا، يقضَى للمدعِي في غيبة المدعى عليه، فهو قضاء لأحدهما قبل سماع كلام الآخر، وهذا منهي عنه. والراجح الأول. تنبيه: الاستدلال بحديث هند في قصة أبي سفيان فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: أن أبا سفيان لم يكن غائباً عن مكة بل كان في مكة اثناء هذا القضاء، وهم لا يقولون بالقضاء على الغائب في البلد. الوجه الثاني: أن هذا من باب الفتوى وليس من باب القضاء بدليل أن النبي ﷺ لم يسألها البينة. قال ابن القيم: وَقَدْ احْتَجّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا وَالنّبِيّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْهَا الْبَيّنَةَ وَلَا يُعْطَى الْمُدّعِي بِمُجَرّدِ دَعْوَاهُ وَإِنّمَا كَانَ هَذَا فَتْوَى مِنْهُ ﷺ . (زاد المعاد). فائدة: ذهب جمهور العلماء إلى عدم صحة القضاء على الغائب عن مجلس الحكم إذا كان غيابه داخل البلد. فهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة. أ-أن الغائب خارج البلد غيبته تطول غالباً، أما من كان في البلد فلا تطول، ولذا لزم حضوره مجلس القاضي، فلعله يجد مطعناً ودفعاً لما ادعي عليه. ب-أن إحضار من كان غائباً داخل البلد فيه تسهيل للقضاء، وسلوك أقرب الطرق واجب في القضاء.

стр. 2630

١٣٩١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (إنكم تختصمون إليّ) أي: تتحاكمون إلي. (ولعل) لعل هنا بمعنى عسى. (ألحن بحجته من بعض) أي: أفطن وأبلغ في حجته من الآخر. (فمن قطعت له من حق أخيهِ شيئاً) معنى قطعت له: أي: أعطيته بهذا الحكم. (فإنما أقطع له قطعة من النار) إذا كان الذي قضيت له بحسب الظاهر، لا يستحقه باطناً فهو عليه حرام. (قطعة من النار) أي: يؤول به إلى النار. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد: أن القاضي يقضي ويحكم على حسب ما يسمع من الخصمين، لأنه مأمور بالحكم بالظاهر، والإثم والتبعة على من كسب القضية بأمر باطل. ونستفيد: أن حكم القاضي لا يغير حكماً شرعياً في الباطن فلا يحل حراماً. مثال: لو شهدا شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم القاضي بهذا المال لهذا الشخص فإنه لا يحل له بناء على هذه الشهادة، وهذا مذهب جماهير العلماء، وعلى هذا فيكون قضاء القاضي نافذاً ظاهراً لا باطناً. وجه الدلالة: لأنه توعد من حكم له بأنه يقتطع له قطعة من نار. قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجَمَاهِير عُلَمَاء الْإِسْلَام وَفُقَهَاء الْأَمْصَار مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُحِيل الْبَاطِن، وَلَا يُحِلّ حَرَامًا، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدًا زُور لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ، فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِم؛ لَمْ يَحِلّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ ذَلِكَ الْمَال، وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلّ لِلْوَلِيِّ قَتْله مَعَ عِلْمه بِكَذِبِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا بِالزُّورِ أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته لَمْ يَحِلّ لِمَنْ عَلِمَ بِكَذِبِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجهَا بَعْد حُكْم الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ﵁: يُحِلّ حُكْم الْحَاكِم الْفُرُوج دُون الْأَمْوَال، فَقَالَ: يَحِلّ نِكَاح الْمَذْكُورَة، وَهَذَا مُخَالِف لِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَلِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْله، وَمُخَالِف لِقَاعِدَةٍ وَافَقَ هُوَ وَغَيْره عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ الْأَبْضَاع أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنْ الْأَمْوَال. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم)
следующие страницы →