Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
فائدة:
من يعطى أجره مرتين:
قال تعالى (ومن يقنت منكم لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين).
وقال ﷺ (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه.
وقال ﷺ (إذا اجتهد الحاكم فأصاب له أجران) متفق عليه.
وقال النبي ﷺ لزينب لما سألته عن الصدقة على الزوج (لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة) متفق عليه.
وقال ﷺ (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجرهم شيء) رواه مسلم
عن أبي بُردةً عن أبيه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ (يَطَؤُهَا) فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ) متفق عليه.
عن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (إن العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة الله، فله أجره مرتين) متفق عليه.
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (للعبد المملوك المصلح أجران) متفق عليه.
وعن أبي موسى. قال: قال رسول الله ﷺ (المملوك الذي يحسن عبادة ربه، ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران) رواه البخاري.
стр. 2627
١٣٨٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول (لا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَانُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
تحريم أن يقضي القاضي وهو غضبان.
لحديث الباب.
وَفِي رِوَايَةٍ (لا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ).
وقد اختلف في النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟ والراجح أنه للتحريم.
قال في المغني: لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان.
ما الحكم لو حكم القاضي وهو غضبان وأصاب الحق، فهل ينفذ حكمه أم لا؟
لو أن القاضي خالف فحكم وهو في حال غضب ونحوه، وأصاب الحق، فإنه ينفذ الحكم.
وهذا قول الجمهور.
قال النووي في حديث اللقطة: فيه جواز الفتوى في حال الغضب، وكذلك الحكم، وينفذ ولكنه مع الكراهة في حقنا ولا يكره في حقه ﷺ لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا ينفذ قضاؤه.
لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
والراجح قول الجمهور.
فإن قال قائل: كيف ينفذ وهو محرم، وقد قال النبي ﷺ : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، أفليست القاعدة أن مثل هذا يوجب بطلان الحكم، كما لو عقد على امرأة عقداً محرماً فإن العقد يبطل؟
فالجواب: أن يقال: إنه إنما نهي عن ذلك خوفاً من مخالفة الصواب، فإذا وقعت الإصابة فهذا هو المطلوب، إذاً هنا نقول: هذا لم يخرج عن القاعدة، وهي أن الشيء المحرم لا ينفذ ولا يصح؛ لأن العلة التي من أجلها حرم انتفت، حيث إنه أصاب الصواب، فإن لم يصب الحق فإنه لا ينفذ؛ لأنه على غير حكم الله ورسوله ﷺ .... (الشرح الممتع)
ما الحكمة من النهي؟
لأن الغضب يمنع من تصور المسألة أولاً ثم تطبيق الحكم الشرعي عليها.
قال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب، لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه.
وهل مثله الحاقن أو شديد الجوع؟
نعم، مثله الحاقن أو في شدة جوع أو عطش أو همٍ أو ملل.
قال ابن دقيق: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقاً يشغله عن استيفاء النظر.
وقال ابن قدامة: وفي معنى الغضب كلما شغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والجوع المزعج ومدافعة أحد الأخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح، فهذه كلها تمنع الحاكم لأنها تمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي بمعنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه.
стр. 2628
١٣٨٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ، حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي». قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ المدِينِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
===
ما صحة حديث الباب؟
الحديث فيه ضعف.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أنه يحرم على القاضي أن يقضي لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الآخر.
لقوله (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي).
هل يجوز أن يحكم القاضي للمدعي إذا كان المدعَى عليه غائباً؟ (كأن يكون مسافراً)؟
ذهب بعض العلماء إلى الجواز.
قال ابن قدامة: أَنَّ مَنْ ادَّعَى حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ، وَالْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ إجَابَتُهُ، إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةُ وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَسَوَّارٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
أ-لحديث عَائِشَة قَالَتْ (دَخَلَتْ بِنْتُ عُتْبَةَ -اِمْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ اَلنَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلِيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيك) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وجه الدلالة: قضاء النبي ﷺ على أبي سفيان لزوجته وهو غائب.
قال ابن المنذر: هذا حكم منه بالنفقة، وأبو سفيان ليس بحاضر ولم ينتظر حضوره.
ب- صح عن رسول الله ﷺ أنه حكم على الغائب، كما حدث في حادثة العرنيين الذين قتلوا الرعاء، وسملوا أعينهم، وفروا، فأرسل إليهم القائف يتبعهم وهم غيب، حتى أدركوا، واقتص منهم.
ج-صح عن عمر، وعثمان ﵄ القضاء على الغائب، ولا مخالف لهما من الصحابة.
د- المدعي له بينة مسموعة عادلة فجاز الحكم بها، كما لو كان الخصم حاضراً.
стр. 2629
وذهب بعض العلماء: إلى عدم جواز ذلك.
أ-لحديث أُمّ سَلَمةَ أَنْ رسول اللَّه ﷺ قال (إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، فأَقْضِي لَهُ بِنحْو ما أَسْمَعُ).
قال ابن رشد: هذا الحديث عمدة من منع القضاء على الغائب.
وجه الدلالة: قوله (فأَقْضِي لَهُ بِنحْو ما أَسْمَعُ) وهذا يدل على أن القاضي لا يحكم إلا بما يسمع من الخصمين.
ب- ولحديث الباب (إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ، حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اَلْآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي) قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ).
وجه الدلالة: نهيه ﷺ عن الحكم لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر، والحكم على الغائب حاله هكذا، يقضَى للمدعِي في غيبة المدعى عليه، فهو قضاء لأحدهما قبل سماع كلام الآخر، وهذا منهي عنه.
والراجح الأول.
تنبيه:
الاستدلال بحديث هند في قصة أبي سفيان فيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أن أبا سفيان لم يكن غائباً عن مكة بل كان في مكة اثناء هذا القضاء، وهم لا يقولون بالقضاء على الغائب في البلد.
الوجه الثاني: أن هذا من باب الفتوى وليس من باب القضاء بدليل أن النبي ﷺ لم يسألها البينة.
قال ابن القيم: وَقَدْ احْتَجّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا وَالنّبِيّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْهَا الْبَيّنَةَ وَلَا يُعْطَى الْمُدّعِي بِمُجَرّدِ دَعْوَاهُ وَإِنّمَا كَانَ هَذَا فَتْوَى مِنْهُ ﷺ . (زاد المعاد).
فائدة:
ذهب جمهور العلماء إلى عدم صحة القضاء على الغائب عن مجلس الحكم إذا كان غيابه داخل البلد.
فهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة.
أ-أن الغائب خارج البلد غيبته تطول غالباً، أما من كان في البلد فلا تطول، ولذا لزم حضوره مجلس القاضي، فلعله يجد مطعناً ودفعاً لما ادعي عليه.
ب-أن إحضار من كان غائباً داخل البلد فيه تسهيل للقضاء، وسلوك أقرب الطرق واجب في القضاء.
стр. 2630
١٣٩١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(إنكم تختصمون إليّ) أي: تتحاكمون إلي.
(ولعل) لعل هنا بمعنى عسى.
(ألحن بحجته من بعض) أي: أفطن وأبلغ في حجته من الآخر.
(فمن قطعت له من حق أخيهِ شيئاً) معنى قطعت له: أي: أعطيته بهذا الحكم.
(فإنما أقطع له قطعة من النار) إذا كان الذي قضيت له بحسب الظاهر، لا يستحقه باطناً فهو عليه حرام.
(قطعة من النار) أي: يؤول به إلى النار.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: أن القاضي يقضي ويحكم على حسب ما يسمع من الخصمين، لأنه مأمور بالحكم بالظاهر، والإثم والتبعة على من كسب القضية بأمر باطل.
ونستفيد: أن حكم القاضي لا يغير حكماً شرعياً في الباطن فلا يحل حراماً.
مثال: لو شهدا شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم القاضي بهذا المال لهذا الشخص فإنه لا يحل له بناء على هذه الشهادة، وهذا مذهب
جماهير العلماء، وعلى هذا فيكون قضاء القاضي نافذاً ظاهراً لا باطناً.
وجه الدلالة: لأنه توعد من حكم له بأنه يقتطع له قطعة من نار.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجَمَاهِير عُلَمَاء الْإِسْلَام وَفُقَهَاء الْأَمْصَار مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُحِيل الْبَاطِن، وَلَا يُحِلّ حَرَامًا، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدًا زُور لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ، فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِم؛ لَمْ يَحِلّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ ذَلِكَ الْمَال، وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلّ لِلْوَلِيِّ قَتْله مَعَ عِلْمه بِكَذِبِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا بِالزُّورِ أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته لَمْ يَحِلّ لِمَنْ عَلِمَ بِكَذِبِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجهَا بَعْد حُكْم الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ﵁: يُحِلّ حُكْم الْحَاكِم الْفُرُوج دُون الْأَمْوَال، فَقَالَ: يَحِلّ نِكَاح الْمَذْكُورَة، وَهَذَا مُخَالِف لِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَلِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْله، وَمُخَالِف لِقَاعِدَةٍ وَافَقَ هُوَ وَغَيْره عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ الْأَبْضَاع أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنْ الْأَمْوَال. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم)
стр. 2631
هل يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؟
لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه.
وهذا قول مالك وأحمد ونصره ابن القيم.
لحديث الباب (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ اَلنَّارِ).
لقوله ﷺ (فأقضي له نحو ما أسمع) فدل على أنه يقضي فيما يسمع لا فيما يعلم.
قال القرطبي: قوله تعالى (يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ … ).
هَذِهِ الْآيَةُ تَمْنَعُ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ، لِأَنَّ الْحُكَّامَ لَوْ مُكِّنُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِعِلْمِهِمْ لَمْ يَشَأْ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْفَظَ وَلِيَّهُ وَيُهْلِكَ عَدُوَّهُ إِلَّا ادَّعَى عِلْمَهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ. وَنَحْوَ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، مَا أَخَذْتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرِي. وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى عُمَرَ فَقَالَتْ لَهُ: احْكُمْ لِي عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا فَإِنَّكَ تَعْلَمُ مَا لِي عِنْدَهُ. فَقَالَ لَهَا: إِنْ أَرَدْتِ أَنْ أَشْهَدَ لَكِ فَنَعَمْ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلَا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اشْتَرَى فَرَسًا فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ، فَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ وَقَالَ: "مَنْ يَشْهَدُ لِي "فَقَامَ خُزَيْمَةُ فَشَهِدَ فَحَكَمَ. خَرَّجَ الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُه
وذهب بعض العلماء: إلى جواز ذلك.
وهو قول أبي يوسف وأبي ثور واختاره المزني وهو قول الظاهرية.
واستدلوا بحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ) متفق عليه.
стр. 2632
فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها.
وقالوا: إن علم القاضي أقوى من الشهادة، لأن علمه يقين، والشهادة قد تكون كذباً.
والراجح الأول.
قال ابن قدامة: فأما حديث أبي سفيان فلا حجة فيه لأنه فتيا لا حكم، بدليل أن النبي ﷺ أفتى في حق أبي سفيان من غير حضوره، ولو كان حكماً عليه لم يحكم عليه في غيبته.
وقال ابن القيم: ولا دليل فيه، لأن أبا سفيان كان حاضراً في البلد لم يكن مسافراً، والنبي ﷺ لم يسألها البينة ولا يُعطى المدعي بمجرد دعواه، وإنما كان هذا فتوى منه ﷺ .
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن حكم القاضي لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً.
- عقوبة من أخذ مالاً بدون حق أنه يقتطع قطعة من النار.
- أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب. قال تعالى: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).
- أن الرسول يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على غيره، لأنه ﷺ يحكم على الناس بأمور الظاهر.
- مشروعية وعظ الخصوم وتحذيرهم من عاقبة الكذب.
стр. 2633
١٣٩٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ). رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ
١٣٩٣ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ البَزَّارِ.
١٣٩٤ - وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَه.
===
(كَيْفَ تُقَدَّسُ) بضم التاء وفتح القاف وتشديد الدال، أي: كيف تُطَهّر أمة وتنزه من الذنوب لا يُنتصف لضعيفها من قويها.
ما صحة حديث الباب؟
صحيح لشواهده.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد وجوب نصرة المظلوم حتى يؤخذ حقه من القوي.
عن أنس قال: قال ﷺ (انْصُرْ أخَاكَ ظَالماً أَوْ مَظْلُوماً) فَقَالَ رجل: يَا رَسُول اللهِ، أنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُوماً، أرَأيْتَ إنْ كَانَ ظَالِماً كَيْفَ أنْصُرُهُ؟ قَالَ: تحْجُزُهُ - أَوْ تمْنَعُهُ - مِنَ الظُلْمِ فَإِنَّ ذلِكَ نَصرُه) رواه البخاري.
وفي حديث البراء قَالَ (أمَرَنَا رسولُ الله ﷺ بعِيَادَةِ الْمَريضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ) متفقٌ عَلَيْهِ.
وماذا نستفيد أيضاً؟
نستفيد أيضاً: عاقبة الظلم وخاصة ظلم الغني للفقير.
ففي هذا الحديث: ينفي فيه النبي ﷺ القداسة والطهارة عن الأمة التي تتسامح مع الظالم، ولا تنتصر للضعيف، وأن الأمة التي تنتصر للضعيف وتأخذ الحق له يُثنَي عليها ولو لم تكن مسلمة، ولهذا قال ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.
وقال ابن عثيمين: فالمظلوم يستجيب الله دعاءه حتى ولو كان كافراً، فلو كان كافراً وظُلِم ودعا على من ظلمه أجاب الله دعاءه، لأن الله حكم عدل ، يأخذ بالإنصاف والعدل لمن كان مظلوماً ولو كان كافراً، فكيف إذا كان مسلماً؟! "
لقد بين لنا النبي ﷺ في مواقف وأحاديث كثيرة: أن الظلم عاقبته وخيمة، وأن الله يأخذ من الظالم للمظلوم حقه يوم القيامة، فلا يدخل أحدٌ الجنة ولأحدٍ من أهل النار عنده مظلمة، ولا يدخل أحدٌ النار ولأحدٍ من أهل الجنة عنده مظلمة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء). وقال ﷺ (من كانت عنده مَظْلَمَةٌ لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه).
والسيرة النبوية مليئة بالأحاديث والمواقف التي حرص النبي ﷺ ـ من خلالها على بيان خطورة الظلم، فلا قوة ولا أمان لأمة وهي ظالمة، ولا علو لمجتمع بغير العدل.
стр. 2634
قال الله تعالى (وكم قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِين).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال ﷺ (إن الله ليُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، قال: ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).
قال المناوي: وفيه تسلية للمظلوم في الحال، ووعيد للظالم لئلا يغتر بالإمهال، كما قال تعالى (ولا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَار).
وفي مقابل الظلم أكد النبي ﷺ على إقامة العدل مع القريب والبعيد، والمساواة في إقامة الحدود بين الناس غنيهم وفقيره، وشريفهم ووضيعهم، وفي قصّة المرأة المخزومية التي سرقت في غزوة الفتح دليل واضع على ذلك.
فخيرية الأمة وقداستها في عدم معاونة الظالم والتبرأ من صنيعه:
قال ﷺ (ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منهم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازناً).
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة، وقضاة خونة وفقهاء كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكونن لهم كاتبًا ولا عريفًا ولا شرطياً).
стр. 2635
١٣٩٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (يُدْعَى بِالقَاضِي العَادِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ: «فِي تَمْرَةٍ»).
===
ما صحة حديث الباب؟
سنده ضعيف.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: شدة حساب القضاة العادلين، فكيف حال الجائرين.
وقد تقدم أنه جاءت أحاديث في الترهيب من القضاء، وأحاديث في الترعيب.
فأحاديث الترغيب تحمل لمن وليه بلا طلب، وقام بحقه وعدل ولم تأخذه في الله لومة لائم.
وأحاديث الترهيب محمولة على من طلب القضاء ولم يعدل ولم يقم بحقه.
فائدة:
ولخطر وظيفة القضاء هرب منها كثير من العلماء:
في ترجمة عبدالله بن وهب في الغربال أنه كتب إليه الخليفة فاختفى في بيته، فاطلع عليه بعضهم يوماً فقال: يا ابن وهب ألا تخرج فتحكم بين الناس بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؟ فقال: أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء والقضاة مع السلاطين؟.
وهرب أبو قِلابة إلى مصر لما طلب للقضاء فلقيه أيوب فأشار إليه بالترغيب فيه، وقال له: لو ثبتَّ لنلتَ أجراً عظيماً، فقال له أبو قلابة: الغريق في البحر إلى متى يسبح؟!
جاء في موقع (الإسلام س ج): قد عزف كثير من الأئمة عن تولي القضاء، بل وقبَل بعضهم بالضرب والسجن على توليه، وهرب بعضهم من بلده من أجل أن لا يتولى القضاء، ويمكن إجمال أسباب عزوف أولئك الأئمة عن القضاء بالأسباب التالية:
أ-أنه يرى نفسه ليس أهلاً للقضاء، فالمعروف عن القضاء أنه يحتاج لسعة بال، وذكاء، وفطنة، وقد يرى الإمام العازف عن القضاء نفسه غير محقق لتلك الشروط.
ب-أنه يرى أنه غير واجب عليه، ولا مستحب، بل إن قولاً للإمام أحمد يحتمل أن يكون معناه: أنه لا يجب عليه حتى لو تعيَّن الأمر عليه، ولم يوجد غيره.
ج- أن فيه خطراً في الحكم بخلاف الحق، فيخشى العالِم على نفسه من تولي القضاء من أجل ذلك.
قال ابن قدامة: وفيه - أي: القضاء - خطر عظيم، ووزر كبير، لمن لم يؤدِّ الحق فيه، ولذلك كان السلف رحمة اللّه عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم خطره".
وفي (الموسوعة الفقهية) كان كثير من السلف الصالح يحجم عن تولّي القضاء ويمتنع عنه أشد الامتناع حتى لو أوذي في نفسه؛ وذلك خشيةً من عظيم خطره، كما تدلّ عليه الأحاديث الكثيرة والتي ورد فيها الوعيد والتخويف لمن تولى القضاء ولم يؤدّ الحق فيه.
د- عدم القدرة على تحمل بلاء القضاء
قال الشيخ أبو الحسن النباهي: ولما تقرر من بلاء القضاء: فرَّ عنه كثير من الفضلاء، وتغيبوا، حتى تركوا، وسُجن بسببه عند الامتناع آخرون، منهم أبو حنيفة، وهو النعمان بن ثابت، دعاه عمر بن هبيرة للقضاء، فأبى؛ فحبسه، وضربه أياماً، كل يوم عشرة أسواط، وهو متماد على إبايته، إلى أن تركه.
هـ- انشغالهم بما هو أهم، كانشغالهم بالرحلة في طلب العلم، وتعليم الناس
.
стр. 2636
١٣٩٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن المرأة لا يجوز لها أن تتولى القضاء.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
فهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وبعض الحنفية.
أ-لقوله الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ).
فالرجل قيم على المرأة، بمعنى أنه رئيسها وكبيرها والحاكم عليها، فالآية تفيد عدم ولاية المرأة، وإلا كانت القوامة للنساء على الرجال، وهو عكس ما تفيده الآية.
ب- ولقوله تعالى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ).
فمنح الله تعالى الرجال درجة زائدة على النساء، فتولي المرأة لمنصب القضاء ينافي الدرجة التي أثبتها الله تعالى للرجال في هذه الآية لأن القاضي حتى يحكم بين المتخاصمين لا بد أن تكون له درجة عليهما.
- وعن أَبِي بَكْرَة قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً) رواه البخاري.
استدل الفقهاء بهذا الحديث على عدم جواز تولي المرأة القضاء، لأن عدم الفلاح ضرر يجب اجتناب أسبابه، والحديث عام في جميع الولايات العامة، فلا يجوز أن تتولاها امرأة، لأن لفظ (أمرهم) عام فيشمل كل أمر من أمور المسلمين العامة.
قال ابن حجر: قال ابن التين: استدل بحديث أبي بكرة من قال: لا يجوز أن تولى المرأة القضاء، وهو قول الجمهور.
وقال الشوكاني: فليس بعد نفي الفلاح شيء من الوعيد الشديد، ورأس الأمور هو القضاء بحكم الله ، فدخوله فيها دخولاً أولياً
قال ابن قدامة: وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْضُرُ مَحَافِلَ الْخُصُومِ وَالرِّجَالِ، وَيُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَمَالِ الرَّأْيِ وَتَمَامِ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ، وَالْمَرْأَةُ نَاقِصَةُ الْعَقْلِ، قَلِيلَةُ الرَّأْيِ، لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْحُضُورِ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا أَلْفُ امْرَأَةٍ مِثْلِهَا، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ضَلَالِهِنَّ وَنِسْيَانِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) وَلَا تَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَلَا لِتَوْلِيَةِ الْبُلْدَانِ.
وَلِهَذَا لَمْ يُوَلِّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، امْرَأَةً قَضَاءً وَلَا وِلَايَةَ بَلَدٍ، فِيمَا بَلَغَنَا، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ جَمِيعُ الزَّمَانِ غَالِبًا. (المغني)
стр. 2637
اذكر بعض شروط القاضي؟
أن يكون بَالِغاً عاقلاً:
هذا الشرط الأول من شروط القاضي: أن يكون بالغاً عَاقِلاً.
لأنه بفواتهما تفوت القوة التي هي أحد ركني الكفاءة، ولأنهما هما بأنفسهما يحتاجان إلى ولي، فلا يمكن أن يكونا وليين على غيرهما.
أن يكون ذَكَراً:
هذا الشرط الثاني من شروط القاضي: أن يكون ذكراً. وقد تقدم.
أن يكون حُرّاً:
هذا الشرط الثالث من شروط القاضي: أن يكون حراً.
فلا يكون العبد قاضياً.
وهذا مذهب جمهور العلماء، يشترط أن يكون حراً.
قالوا: لأن القضاء منصب شريف، فلا يجوز أن يتولاه عبد، كالإمامة العظمى.
ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوع للفصل بين الخصوم، فحال الرقيق ينافي حال الولاية.
ولأنه مشغول بخدمة سيده.
أن العبد لا يصح أن يتولى الإمامة العظمى، فيقاس عليها عدم صحة توليه القضاء.
وذهب بعض العلماء: إلى جواز أن يكون الرقيق قاضياً.
وهذا قول ابن حزم، ورجحه ابن تيمية، لعموم الأدلة، بشرط أن يأذن له سيده.
أن يكون مُسْلِماً:
هذا الشرط الرابع من شروط القاضي: أن يكون مسلماً.
فلا يُولّى الكافر.
لقوله تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).
ولأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقاضي يجب احترامه، وبينهما منافاة.
ولأن الإسلام شرط في الشهادة، فلأن يكون شرطاً في القضاء بطريق الأولى.
стр. 2638
أن يكون عَدْلاً:
هذا الشرط الخامس من شروط القاضي: أن يكون عدلاً.
فلا يجوز تولية فاسق.
لأن الله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) والحاكم يجيء بقول، فلا يجوز قبوله مع فسقه.
ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً، فلأن لا يجوز أن يكون قاضياً بطريق الأولى.
ولأنه لا يؤمن أن يحيف لفسقه.
والعدل هنا: من كان قائماً بالواجبات، مبتعداً عن المحرمات، بعيداً عن الريب، ظاهر الأمانة، مأموناً في الغضب والرضا.
أن يكون سَمِيعاً:
هذا الشرط السادس من شروط القاضي: أن يكون سميعاً.
فلا يكون أصم.
لأن الْأَصَم لَا يَسْمَعُ قَوْلَ الْخَصْمَيْنِ، لأن النبي ﷺ قال (إني أقضي بنحو ما أسمع … ).
أن يكون بَصِيرَاً:
هذا الشرط السابع من شروط القاضي: أن يكون بصيراً.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة.
فالأعمى لا يصح أن يكون قاضياً.
أ-لأنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُقِرَّ مِنْ الْمُقَرَّ لَهُ، وَالشَّاهِدَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ. (المغني).
ب-أن عدم الإبصار يؤثر في قبول الشهادة، فكذلك يؤثر في تولي القضاء.
ج- أن الأعمى ربما خُدع من أحد الخصوم أو الشهود.
وقيل: لا يشترط.
بل يصح قضاء الأعمى، ونسبه ابن قدامة لبعض الشافعية.
أ-أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم - وهو رجل أعمى - على المدينة، مما يدل على صحة تولي الأعمى للقضاء.
ونوقش هذا: بأن النبي ﷺ إنما استخلفه إماماً في الصلاة لا قاضياً، أو أن هذا خاص بابن أم مكتون.
ب- أن نبي الله شعيباً ﵇ كان أعمى، والقضاء من وظائف الأنبياء ﵈.
ونوقش هذا: أن هذا لم يثبت.
стр. 2639
١٣٩٧ - وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقِيرِهِم، احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
===
ما صحة حديث الباب؟
صحيح.
قال ابن حجر في الفتح: إسناده جيد.
- ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد الوعيد الشديد لمن كان حاكماً بين الناس فاحتجب عنهم بغير عذر، لما في ذلك من تأخير الحقوق أو تضييعها.
ما حكم اتخاذ القاضي حاجباً؟
ذهب بعض العلماء: إلى أنه لا ينبغي للقاضي أن يتخذ حاجباً.
لحديث الباب.
وذهب آخرون: إلى أنه ينبغي للقاضي أن يتخذ حاجباً يدخل الخصوم إلى القاضي بالترتيب.
وأجابوا عن حديث الباب:
بأن المراد به الاحتجاب الذي يؤدي إلى تأخير القضاة النظر في حاجات الناس وفض الخصومات بينهم. (منحة العلام)
стр. 2640
١٣٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ إِلَّا النَّسَائِيَّ.
===
- (الراشي) هو دافع الرشوة.
(والمرتشي) هو آخذها.
عرف الرشوة؟
الرشوة: هي ما يدفع من مال ونحوه كمنفعة، ليتوصل به إلى ما لا يحل.
قال ابن حجر: الرشوة: بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح وهي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب أخذه.
وقال ابن العربي: الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عوناً على ما لا يحل، والمرتشي قابضه، والراشي معطيه والرائش الواسطة. (الفتح).
وقال الصنعاني: والراشي هو الذي يبذل المال ليتوصل به إلى الباطل، مأخوذ من الرشا وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء في البئر.
وقال أيضاً: وفي النهاية لابن الأثير قال: الراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل والمرتشي الآخذ والرائش هو الذي يمشي بينهما وهو السفير بين الدافع والآخذ، وإن لم يأخذ على سفارته أجراً فإن أخذ فهو أبلغ (أي بالإثم والحرمة). (سبل السلام)
ما حكم الرشوة؟
حرام وكبيرة من كبائر الذنوب.
أ- لحديث الباب.
ب-ولحديث ثوبان ﵁ قال (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما) رواه أحمد، وهو ضعيف بهذه الزيادة.
ج-وقال تعالى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْت) قال الحسن وسعيد بن جبير: هو الرشوة.
د-وقوله تعالى (وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون).
стр. 2641
قال الشيخ ابن عثيمين: وهي محرمة لما يلي:
أولاً: للحديث الصحيح: أن النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا يقتضي أن تكون الرشوة من كبائر الذنوب.
ثانياً: أن فيها فساد الخلق؛ فإن الناس إذا كانوا يُحكم لهم بحسب الرشوة فسد الناس، وصاروا يتباهون فيها أيهم أكثر رشوة، فإذا كان الخصم إذا أعطى ألفاً حكم له، وإذا أعطى ثمانمائة لم يحكم له، فسيعطي ألفاً، وإذا ظن أن خصمه سيعطي ألفاً أعطى ألفين، وهكذا فيفسد الناس.
ثالثاً: أنها سبب لتغيير حكم الله ؛ لأنه بطبيعة الحال النفس حيّافة ميّالة، تميل إلى من أحسن إليها، فإذا أعطي القاضي رشوة حكم بغير ما أنزل الله، فكان في هذا تغيير لحكم الله .
رابعاً: أن فيها ظلماً وجَوراً؛ لأنه إذا حكم للراشي على خصمه بغير حق فقد ظلم الخصم، ولا شك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الجور من أسباب البلايا العامة، كالقحط وغيره.
خامساً: أن فيها أكلاً للمال بالباطل، أو تسليطاً على أكل المال بالباطل، لأنه ليس من حق القاضي أن يأخذ شيئاً على حكمه؛ لأننا نقول: هذا الذي أخذه القاضي إما أن يحمله على الحكم بالحق، والحكم بالحق لا يجوز أن يأخذ عليه عوضاً دنيوياً، وإما أن يحمله على الحكم بخلاف الحق، وهذا أشد وأشد، فكان أخذ الرشوة أكلاً للمال بالباطل، وبذلها أعانةً لأكل المال بالباطل.
سادساً: أن فيها ضياع الأمانات، وأن الإنسان لا يؤتمن، والإنسان لا يدري أيحكم له بما معه من الحق، أو يحكم عليه؟ وهذا فساد عظيم، ولذلك استحق الراشي والمرتشي لعنة الله ـ والعياذ بالله ـ.
- متى يجوز دفع الرشوة؟
يجوز دفع الرشوة، إذا لم يتمكن الإنسان من الوصول إلى حقه إلى بها، وتكون حينئذ حراماً على الآخذ دون المعطي.
قال ابن حزم ﵀: ولا تحل الرشوة: وهي ما أعطاه المرء ليحكم له بباطل، أو ليولي ولاية، أو ليظلم له إنسان، فهذا يأثم المعطي والآخذ.
فأما من منع من حقه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباح للمعطي، وأما الآخذ فآثم. (المحلى).
وقال ابن تيمية ﵀: إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه، أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراماً على الآخذ، وجاز للدافع أن يدفعها إليه، كما كان النبي ﷺ يقول (إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً، قيل: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل) ومثل ذلك: إعطاء من أعتق وكتم عتقه، أو كان ظالماً للناس فإعطاء هؤلاء جائز للمعطي، حرام عليهم أخذه.
стр. 2642
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " أما الرشوة التي يتوصل بها الإنسان إلى حقه، كأن لا يمكنه الحصول على حقه إلا بشيء من المال، فإن هذا حرام على الآخذ وليس حراماً على المعطي، لأن المعطي إنما أعطى من أجل الوصول إلى حقه، لكن الآخذ الذي أخذ تلك الرشوة هو الآثم لأنه أخذ ما لا يستحق " انتهى نقلا عن "فتاوى إسلامية" (٤/ ٣٠٢).
قال الخطابي: الراشي: المعطي، والمرتشي: الأخذ، وإنما تلحقهما العقوبة معًا إذا استويا في القصد والإرادة، فرشا المعطي لينال به باطلًا، ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا رشا ليتوصل به إلى حق، أو يدفع به عن نفسه ظلمًا، فإنه غير داخل في هذا الوعيد، وقد روي أن ابن مسعود أخذ في سبي وهو بأرض الحبشة، فأعطى دينارين حتى خلي سبيله.
ومما يدل على ذلك: واستدلوا ما رواه أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَسْأَلُنِي الْمَسْأَلَةَ فَأُعْطِيهَا إِيَّاهُ فَيَخْرُجُ بِهَا مُتَأَبِّطُهَا، وَمَا هِيَ لَهُمْ إِلا نَارٌ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلِمَ تُعْطِيهِمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ يَأْبَوْنَ إِلا أَنْ يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ).
فكان النبي ﷺ يعطي هؤلاء المال مع أنه حرام عليهم، حتى يدفع عن نفسه مذمة البخل.
стр. 2643
١٣٩٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ (قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
===
ما صحة حديث الباب؟
سنده ضعيف.
- ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد وجوب العدل بين الخصمين.
قال الفقهاء: وعليه أن يَعْدلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَدُخُولِهِمَا عَلَيْهِ.
أي: ويجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه ودخولهما عليه.
لحظه: أي النظر، فلا ينظر إلى أحد الخصمين نظرة غضب وللآخر نظرة رضا.
لفظه: أي كلامه، فلا يلين لأحدهما ويغلظ للآخر.
لقوله تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
وقال تعالى (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا).
قال ابن رشد: "اجمعوا على أنه واجب على القاضي أن يسوي بين الخصمين في المجلس.
ما الحكم إن ترافع إليه مسلم وكافر؟
قيل: يرفع مجلس المسلم على الكافر.
وقيل: لا فرق بين مجلس المسلم ومجلس الكافر، بل يجب العدل.
وهذا الصواب.
стр. 2644
بَابُ اَلشَّهَادَاتِ
تعريفها:
الشهادة لغة: تطلق الشهادة في اللغة على معان منها:
الحضور، ومنه قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
والمعاينة، ومنه قوله تعالى: (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ).
والقسم، ومنه قوله تعالى: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ).
والخبر القاطع، ومنه قوله: (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا).
واصطلاحاً: إخبار بحق يعلمه للغير على الغير.
قولنا (يعلمه) فلا بد من علمه بالشيء، فلا يمكن أن يشهد بالظن.
والأصل فيها:
قوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء).
وقوله تعالى (وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ).
وقوله تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ).
وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالإشهاد، والأمر دليل المشروعية.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ:
عن الأشْعَث بْنَ قَيْس قال (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ). رواه مسلم
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ طلب الشهادة صراحة فقال: شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال (الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وَالْبَيِّنَةُ هِيَ الشَّهَادَةُ.
وقَدِ انْعَقَدَ الإْجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا لإِثْبَاتِ الدَّعَاوَى.
أَمَّا الْمَعْقُول: فَلأِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا لِحُصُول التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا.
стр. 2645
١٤٠٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ اَلْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ اَلشُّهَدَاءِ؟ اَلَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) رَوَاهُ مُسْلِم.
١٤٠١ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَن) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
إلى كم قسم تنقسم الشهادة؟
الشهادة تنقسم إلى قسمين:
تحمل، وأداء.
تحمل: ويكون ذلك بشهود الواقعة (التزام الإنسان بالشهادة).
وأداء: ويكون ذلك عند الحاكم وهو الإخبار عن الواقعة المشهود بها.
مثال: لو أردت أن أبيع بيتي على شخص، وقلت لشخصين تعالا فاشهدا، فهذا يسمى تحملاً، ولو وصل الأمر إلى القاضي بسبب عيب أو غير ذلك، وطلب منهما الشهادة عنده، فشهادتهما تسمى أداءً.
ما حكم كل منهما؟
تحمل الشهادة: في حقوق الآدميين فرض كفاية (إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي).
لقوله تعالى (وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) أي: إذا دعوا.
وعلى هذا فإذا طلب منك شخص أن تشهد على إقرار دين بحق له، فالشهادة فرض كفاية، إن قام بها من يكفي سقطت عن الباقي وإلا وجبت عليك.
- فإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه (فرض عين).
مثال: دعاك شخص لتشهد على إقرار زيد بحق له، وليس في المكان غيرك، فيجب أن تجيب، لأنه لايوجد من يقوم بالكفاية. [الشرح الممتع]
- وجه تعين تحمل الشهادة إذا لم يوجد إلا الكفاية: أن الواجب لا يتم إلا بهم فتكون المسؤولية على جميعهم.
وَأَدَاؤُهَا: فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا، مَتَى دُعِيَ إِلَيْهِ.
أي: وأداء الشهادة - على من تحملها - عند القاضي فرض عين.
أ-لقوله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)، [وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها].
ب-ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات.
ج-ولأن امتناعه من أداء الأمانة التي تحملها قد يكون سبباً في ضياع الحقوق.
стр. 2646
لكن بشرط أن يدعى إليها، فإن لم تطلب منه الشهادة فلا تجب، إلا في حالة واحدة وهي: إذا كان صاحب الحق لا يعلم عن هذه الشهادة، أو نسي البينة، ففي هذه الحال تتعين الشهادة.
مثاله: تبايع رجلان، وكان هناك رجل ثالث أو رابع يسمعان هذا العقد، ثم إنه حصل منازعة عند القاضي بين هذين المتبايعين، فهنا صاحب الحق لا يعلم بشهادة الشهود، فيجب عليهما أن يأتيا ويشهدا.
وكذلك لو أن صاحب الحق نسي الشاهد، فهنا يجب أن يأتي ويشهد.
جاء في (الموسوعة الفقهية) تَحَمُّل الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) وقَوْله تَعَالَى (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) وَقَوْلُهُ (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ).
وَلأِنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا كَسَائِرِ الأْمَانَاتِ. فَإِذَا قَامَ بِهَا الْعَدَدُ الْكَافِي سَقَطَ الإْثْمُ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ أَثِمُوا كُلُّهُمْ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُمْتَنِعُ إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِالشَّهَادَةِ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ تَنْفَع.
إذاً كان لا يجب أداء الشهادة إلا إذا دعي إليها كما سبق، فما الجواب عن حديث الباب (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ اَلشُّهَدَاءِ؟ اَلَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا).
هذا الحديث محمول على: إن كان المشهود له لا يعلم بالشهادة، فإن الشاهد يؤديها وإن لم يسألها، وإن كان المشهود له عالماً ذاكراً فإنه لا يشهد حتى تطلب منه الشهادة.
قال الحافظ ابن حجر: وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَأَجَابُوا بِأَجْوِبَة:
أَحَدُهَا: أَنَّ اَلْمُرَادَ بِحَدِيثِ زَيْد: مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَة لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا أَوْ يَمُوتُ صَاحِبُهَا اَلْعَالِمُ بِهَا وَيَخْلُفُ وَرَثَةً فَيَأْتِي اَلشَّاهِدُ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ فَيُعْلِمُهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ اَلْأَجْوِبَةِ، وَبِهَذَا أَجَابَ يَحْيَى بْن سَعِيد شَيْخُ مَالِك، وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا.
وقال النووي: وَفِي الْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ .... ) تأْوِيلَانِ:
أَصَحّهمَا وَأَشْهَرهُمَا: تَأْوِيل مَالِك وَأَصْحَاب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ عِنْده شَهَادَة لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ، وَلَا يَعْلَم ذَلِكَ الْإِنْسَان أَنَّهُ شَاهِد، فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرهُ بِأَنَّهُ شَاهِد لَهُ.
ما معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر (قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ)؟
قيل في معناه:
أ-أنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ مَعَهُ شَهَادَة لِآدَمِيِّ عَالِم بِهَا فَيَأْتِي فَيَشْهَد بِهَا قَبْل أَنْ تُطْلَب مِنْهُ.
ب-أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى شَاهِد الزُّور فَيَشْهَد بِمَا لَا أَصْل لَهُ وَلَمْ يُسْتَشْهَد.
ج- أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ يَنْتَصِب شَاهِدًا وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْل الشَّهَادَة.
د- أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ يَشْهَد لِقَوْمٍ بِالْجَنَّةِ أَوْ النَّار مِنْ غَيْر تَوَقُّف وَهَذَا ضَعِيف. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم)
стр. 2647
فائدة:
قوله في حديث عمران (ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَن).
(وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) قال النووي: وَمَعْنَاهُ يَخُونُونَ خِيَانَة ظَاهِرَة بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهَا أَمَانَة، بِخِلَافِ مَنْ خَانَ بِحَقِيرٍ مَرَّة وَاحِدَة؛ فَإِنَّهُ يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ خَانَ، وَلَا يَخْرُج بِهِ عَنْ الْأَمَانَة فِي بَعْض الْمَوَاطِن.
قوله (وَيَنْذِرُونَ، وَلَا يَفُونَ).
أي: لا يؤدون ما وجب عليهم.
فِيهِ وُجُوب الْوَفَاء بِالنَّذْرِ، وَهُوَ وَاجِب بِلَا خِلَاف، وَإِنْ كَانَ اِبْتِدَاء النَّذْر مَنْهِيًّا عَنْهُ كَمَا سَبَقَ فِي بَابه.
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَائِل لِلنُّبُوَّةِ، وَمُعْجِزَة ظَاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ؛ فَإِنَّ كُلّ الْأُمُور الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا وَقَعَتْ كَمَا أَخْبَرَ.
ففي هذا وجوب الوفاء بالنذر، وفي الحديث (من نذر أن يطيع الله فليطعه).
وفيه مدح الوفاء بالنذر.
- قوله (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ).
فبكسر المهملة وفتح الميم بعدها نون، أي: يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن بالتشديد، قال بن التين: المراد ذم محبته وتعاطيه لا من تخلق بذلك، وقيل المراد يظهر فيهم كثرة المال، وقيل: المراد أنهم يتسمنون أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف، ويحتمل: أن يكون جميع ذلك مراداً.
وقد رواه الترمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين بلفظ (ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن) وهو ظاهر في تعاطي السمن على حقيقته فهو أولى ما حمل عليه خبر الباب وإنما كان مذموماً، لأن السمين غالباً بليد الفهم ثقيل عن العبادة كما هو مشهور. (الفتح).
قال النووي: السَّمَانَة بِفَتْحِ السِّين هِيَ السِّين هِيَ السِّمَن، قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث: الْمُرَاد بِالسِّمَنِ هُنَا كَثْرَة اللَّحْم، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكْثُر ذَلِكَ فِيهِمْ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَمَحَّضُوا سِمَانًا، قَالُوا: وَالْمَذْمُوم مِنْهُ مَنْ يَسْتَكْسِبُهُ، وَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهِ خِلْقَة فَلَا يَدْخُل فِي هَذَا، وَالْمُتَكَسِّب لَهُ هُوَ الْمُتَوَسِّع فِي الْمَأْكُول وَالْمَشْرُوب زَائِدًا عَلَى الْمُعْتَاد، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالسِّمَنِ هُنَا أَنَّهُمْ يَتَكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الشَّرَف وَغَيْره، وَقِيلَ: الْمُرَاد جَمْعهمْ الْأَمْوَال.
стр. 2648
١٤٠٢ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ اَلْقَانِعِ لِأَهْلِ اَلْبَيْتِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
١٤٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه.
===
(لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ) أي: لا تقبل، والمراد بالخائن من يخون فيما ائتمن عليه.
(وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ) قال الخطابي: الغِمْر: هو الذي بينه وبين الشهود عداوة ظاهرة.
(وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ اَلْقَانِعِ لِأَهْلِ اَلْبَيْتِ) القانع: هو الخادم الذي ينفق عليه أهل البيت.
ما صحة حديث الباب؟
حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. واللفظ لأحمد، وزاد: "وتجوز شهادته لغيرهم).
وحديث أبي هريرة صحيح.
ماذا نستفيد من الأحاديث؟
نستفيد أن هناك من لا تقبل شهادتهم: الخائن، لأنه يشترط في الشاهد العدالة.
فمن شروط الشهادة: العدالة فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ.
جاء في (الفقه الإسلامي) اتفق العلماء على اشتراط العدالة في الشهود.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَشْهَدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ لِذَلِكَ.
وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) فَأَمَرَ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ نَبَأِ الْفَاسِقِ، وَالشَّهَادَةُ نَبَأٌ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ).
وَلِأَنَّ دِينَ الْفَاسِقِ لَمْ يَزَعْهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ لَا يَزَعَهُ عَنْ الْكَذِبِ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِخَبَرِهِ. (المغني)
فائدة:
والعدل: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ: وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِسُنَنِهَا الرَّاتِبَةِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ بِأَنْ لَا يَأْتِي كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرة واسْتِعْمَالُ الْمُرُوءَةِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ، وَيَزِينُهُ، وَاجْتِنابُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ.
стр. 2649
هذا هو العدل.
واختار ابن تيمية، واختاره بعض العلماء: من رضيه الناس.
للآية (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ). فكل مرضيٍّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول.
قال السعدي: وهذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره.
قال ابن تيمية: بَابُ الشَّهَادَةِ مَدَارُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ مَرْضِيًّا أَوْ يَكُونَ ذَا عَدْلٍ يَتَحَرَّى الْقِسْطَ وَالْعَدْلَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَالصِّدْقَ فِي شَهَادَتِهِ وَخَبَرِهِ وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ هَذَا مَعَ الْإِخْلَالِ بِكَثِيرِ مِنْ تِلْكَ الصِّفَات.
وممن لا تقبل شهادته: شهادة العدو على عدوه.
لقوله (وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ).
كمن شهد على من قذفه، أو قطع الطريق عليه.
جاء في (حاشية الروض) وهو مذهب مالك، والشافعي، وحجتهم قوله (لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين) رواه أبو داود، وقال ابن القيم: منعت الشريعة، من قبول شهادة العدو على عدوه، لئلا تتخذ ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه، بالشهادة الباطلة.
وقد أجمع الجمهور، على تأثيرها في الأحكام الشرعية. (الحاشية)
جاء في (الموسوعة الفقهية) تُرَدُّ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لِتُهْمَةِ قَصْدِ الإْضْرَارِ وَالتَّشَفِّي إِذَا كَانَتِ الْعَدَاوَةُ دُنْيَوِيَّةً عِنْدَ الأْكْثَرِ؛ لأِنَّ الْعَدُوَّ قَدْ يَجُرُّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ، وَهُوَ التَّشَفِّي مِنَ الْعَدُوِّ فَيَصِيرُ مُتَّهَمًا كَشَهَادَةِ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ. أَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ فَلَا تَمْنَعُ قَبُول الشَّهَادَةِ اتِّفَاقًا. (الموسوعة)
فإذا قذف رجل شخصاً بالزنا، ثم في يوم من الأيام شهد المقذوف على من قذفه بالزنا، فإن الشهادة لا تقبل؛ لأن قذفه إياه بالزنا سببٌ للعداوة، أما من شهد بأن فلاناً قذفه فليس هذا مراد، لأن هذا ليس بشاهد ولكنه مدعٍ.
وإذا شهد رجل على من قطع الطريق عليه، نقول: إن شهادته لا تقبل؛ من أجل التهمة. (الشرح الممتع)
فائدة:
ضابط العداوة:
(مَنْ سَرَّهُ مَسَاءَةُ شَخْصٍ، أَوْ غَمَّهُ فَرَحُهُ فَهُوَ عَدُوُّهُ).
هذا ضابط العدو: هو الذي يفرح بحزنك، ويغمه فرحك.
ماذا نستفيد من قوله (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ اَلْقَانِعِ لِأَهْلِ اَلْبَيْتِ)؟
نستفيد عدم قبول شهادة الشاهد إذا كان فيه وصف يخشى معه أن يميل فيشهد بخلاف الحق، كالخادم لأهل البيت، لأنه مظنة تهمة دفع الضرر عنهم وجلب الخير لهم.
стр. 2650
هل تقبل شهادة الوالد لولده، والولد لوالده؟
أكثر العلماء على عدم قبولها. فلا تقبل شهادة الوالد لولده وإن نزل، وشهادة الولد لوالده وإن نزل.
العلة: للتهمة بقوة القرابة.
لحديث عَائِشَة، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ).
وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَالْأَبُ يُتَّهَمُ لِوَلَدِهِ.
قال ابن تيمية: أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْوَالِدِ وَشَهَادَةَ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ لَا تُقْبَل.
وقال الشوكاني: اخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَكْسُ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَعَلَّلُوا بِالتُّهْمَةِ فَكَانَ كَالْقَانِعِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَشُرَيْحٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْعِتْرَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ: إنَّهَا تُقْبَلُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: (ذَوَيْ عَدْلٍ)، وَهَكَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لَلْآخَرِ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقَرَابَةَ وَالزَّوْجِيَّةَ مَظِنَّةٌ لَلتُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِمَا الْمُحَابَاة. (نيل الأوطار)
هل تقبل شهادة الزوجين للآخر؟
لا تقبل.
لوجود الصلة بينهم، وهي مظنة النهمة.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ تُهْمَةِ الْمَحَبَّةِ وَالإْيثَارِ فِي شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى رَدِّ شَهَادَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ.
وَقَالُوا: لأِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الآْخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ وَتَتَبَسَّطُ الزَّوْجَةُ فِي مَال الزَّوْجِ، وَتَزِيدُ نَفَقَتُهَا بِغِنَاهُ فَلَمْ تُقْبَل شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ بِتُهْمَةِ جَرِّ النَّفْع.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَل شَهَادَةُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ؛ لأِنَّ الأْمْلَاكَ بَيْنَهُمَا مُتَمَيِّزَةٌ وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِثُبُوتِهِ ضِمْنًا فَلَا تُهْمَة.
стр. 2651
هل تقبل شهادة البدوي على الحضري؟
ذهب بعض العلماء إلى عدم قبولها.
لحديث الباب (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ).
وذهب الأكثر إلى قبولها.
لحديث ابن عباس (أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال … ).
فقد قبِلَ النبي ﷺ شهادة الأعرابي في إثبات دخول رمضان، وهو في الصوم، فيقاس عليه غيره من الأحكام.
وأما حديث الباب: محمول على من لا تعرف عدالته من أهل البادية.
قال أبو بكر اِلْجَصَّاص: اخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ هِيَ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا.
وقال الإمام الشوكاني: ذهب الأكثر إلى القبول قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم ا. هـ. وهذا حمل مناسب لأن البدوي إذا كان معروف العدالة كان رد شهادته لعلة كونه بدوياً غير مناسب لقواعد الشريعة لأن المساكن لا تأثير لها في الرد والقبول لعدم صحة جعل ذلك مناطاً شرعياً ولعدم انضباطه فالمناط هو العدالة الشرعية إن وجد للشرع اصطلاح في العدالة وإلا توجه الحمل على العدالة اللغوية فعند وجود العدالة يوجد القبول وعند عدمها يعدم ولم يذكر ﷺ المنع من شهادة البدوي إلا لكونه مظنة لعدم القيام بما تحتاج إليه العدالة وإلا فقد قبل ﷺ في الهلال شهادة بدوي .... (نيل الأوطار)
وقال القرطبي: … فعمموا الحكم، ويلزم منه قبول شهادة البدوي على القروي إذا كان عدلاً مرضياً وبه قال الشافعي ومن وافقه، وهو -أي البدوي- من رجالنا وأهل ديننا. وكونه بدوياً ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي، قال الله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) وقال تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) فمنكم خطاب للمسلمين. (تفسير القرطبي)
فائدة:
أما الذين لم يجيزوا شهادة البدوي على الحضري فيرون أن لذلك أسباباً منها أنه يغلب على أهل البادية الجهل بأحكام الدين عامة والشهادة خاصة.
قال الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها ويغيرها عن وجهها.
стр. 2652
١٤٠٤ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ (إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَإِنَّ اَلْوَحْيَ قَدْ اِنْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُم اَلْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ.
===
(كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ) أي: يعرف الصادق فيهم من الكاذب بإعلام الله رسوله ﷺ عنهم بواسطة الوحي في زمنه ﷺ .
- ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد قبول شهادة من لم تظهر منه ريبة، نظراً إلى ظاهر حاله.
- اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
إجراء الأحكام الإسلامية على ظواهر الناس وما يصدر منهم من أعمال.
الحساب يوم الجزاء يكون على ما أخفى العبد من سريرته، فإن كانت حسنة فحسن، وإن كانت شرا فجزاؤه من جنس عمله.
لا تُسوِّغ النية الحسنة فعل المعصية، ولا تسقط إقامة الحدود والقصاص.
إخبار عمر ﵁ عن أحوال الناس في فترة النبوة وما بعدها.
стр. 2653
١٤٠٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ اَلزُّورِ فِي أَكْبَرِ اَلْكَبَائِرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيث.
===
لفظ الحديث كاملاً:
عن أبي بكرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ).
- ماذا نستفيد من الحديث؟
فيه تحريم شهادة الزور وأنها من الكبائر.
تعريفها:
وهي الكذب متعمداً في الشهادة، فكما أن شهادة الزور سبب لإبطال الحق، فكذلك كتمان الشهادة سبب لإبطال الحق.
قال القرطبي: شهادة الزور: هي الشهادة بالكذب؛ ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس، أو أخذ مالٍ، أو تحليل حرامٍ، أو تحريم حلال.
- لماذا كانت من أكبر الكبائر؟
لأنها يتوصل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، فلا شيء في الكبائر أعظم ضرراً ولا أكثر فساداً منها بعد الشرك.
فشهادة الزور هي: أن يشهد الإنسان أمام حاكم أو نحوه بغير علم، ويتحرى الباطل ويكذب، وهذه الشهادة يترتب عليها:
ضياع الحقوق.
وطمس معالم العدل.
وإعانة الظالم.
وإعطاء المال أو الحقوق لغير مستحقيها.
وتقويض أركان الأمن؛ إذ يجرؤ الناس على ارتكاب الجرائم، واقتراف الآثام؛ اتِّكالاً على وجود أولئك الفسقة العصاة الآثمين المجرمين.
قال الإمام الذهبي: إن شاهد الزور قد ارتكب عظائم:
أحدها: الكذب والافتراء.
ثانيها: أنه ظلَمَ الذي شهد عليه حتى أخذ بشهادته مالَه وعرضه، وروحه (أحيانًا).
ثالثها: أنه ظلم الذي شهد له بأن ساق إليه المال الحرام، فأخذه بشهادته، فوجبت له النار؛ مصداقًا لقوله ﷺ : مَنْ قضيت له من مال أخيه بغير حق، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار.
رابعها: أنه أباح ما حرَّم الله تعالى وعصمه من المال والدم والعرض" اهـ.
стр. 2654
قال بعض العلماء: وإن في شهادة الزور ثلاثة آثام:
الإثم الأول: كونها معصية، وإثمًا من أكبر الآثام والكبائر، فبها يظلم الإنسان نفسه لكذبه وافترائه.
الإثم الثاني: إعانة الظالم على ظلمه؛ حيث يشهد له ويساعده على أكل أموال الناس بالباطل، وإباحة ما حُرِّمَ عليه من حقوقهم.
الإثم الثالث: خذلان المظلوم؛ حيث يؤخذ بهذه الشهادة ماله، وعرضه، ودمه، فيبني القاضي عليه حكمه، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال (إنما أنا بشر مثلكم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له في مال أخيه بغير حق فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار).
- اذكر الأدلة على تحريمها؟
جاءت الأدلة الكثيرة بتحريم ذلك:
قال تعالى (ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور): " (مِنْ) هنا لبيان الجنس؛ أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بقول الزور كقوله (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون)، ومنه شهادة الزور.
وقال تعالى (والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "وقيل المراد بقوله تعالى (لَا يَشْهَدُونَ الزُّور) أي: شهادة الزور، وهي الكذب مُتَعَمِّدًا على غيره"؛ اهـ.
فهذا لما فيه من ضياع للحقوق، أو ظلم لبريء، أو تبرئة لظالم، وهذا كذب وزور، فينبغي أن تكون الشهادة كما ورد في كتاب الله تعالى (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا).
وأما الأحاديث:
فحديث الباب.
وعن أنس ﵁ قال (سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الكبائر؟ فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) رواه البخاري.
وكثرة شهادة الزور من علامات الساعة:
جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ (إن بين يدي الساعة … شهادة الزور وكتمان شهادة الحق) رواه أحمد.
ومن صفات عباد الرحمن التي ذكرها الله في القرآن في آخر سورة الفرقان أنهم لا يشهدون الزور.
كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَاذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا).
وتدبر قوله تعالى في سورة الحج (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ففي هذه الآية أمر الله تعالى باجتناب الشرك واجتناب قول الزور.
стр. 2655
ومن شناعة شهادة الزور أو قول الزور أنه يخدش صيام الصائم.
لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.
ما الدليل على شدة تحريم شهادة من الحديث؟
في الحديث شدة تحريم شهادة الزور، لقوله (وكان ﷺ متكئاً فجلس فما زال يكررها).
قال الحافظ: قَوْلُهُ (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ.
وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِباً. (الفتح).
وقوله (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ ﷺ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْه.
وقال النووي: وَأَمَّا قَوْله: (فَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) فَجُلُوسه ﷺ لِاهْتِمَامِهِ بِهَذَا الْأَمْر، وَهُوَ يُفِيد تَأْكِيد تَحْرِيمه، وَعِظَم قُبْحه.
وَأَمَّا قَوْلهمْ (لَيْتَهُ سَكَتَ) فَإِنَّمَا قَالُوهُ وَتَمَنَّوْهُ شَفَقَة عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَكَرَاهَة لِمَا يُزْعِجهُ وَيُغْضِبهُ.
وجاء في (سبل السلام) وَإِنَّمَا اهْتَمَّ ﷺ بِإِخْبَارِهِمْ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَجَلَسَ، وَأَتَى بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وَكَرَّرَ الْإِخْبَارَ؛ لِكَوْنِ قَوْلِ الزُّورِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ: أَسْهَلَ عَلَى اللِّسَانِ، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ؛ وَلِأَنَّ الْحَوَامِلَ عَلَيْهِ (قول الزور) كَثِيرَةٌ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إلَى الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ، بِخِلَافِ الْإِشْرَاكِ، فَإِنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَتَعَدَّى مَفْسَدَتُهُ إلَى غَيْرِ الْمُشْرِكِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الزُّورِ، فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى مَنْ قِيلَ فِيه. (سبل السلام)
فائدة:
وليعلم: أن من شهادة الزور أن يشهد الشاهد من غير تثبت ولا تبيّن.
والدليل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ان جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ان تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).
لأن في الشهادة من غير تثبت ظلما للناس، وضياعاً لحقوقهم، وتشويهاً لسمعتهم، وقد تصل درجة الضرر ببعض من شهد عليهم بالباطل أن تسفك دماؤهم أو تتلطخ أعراضهم أو تختلط انسابهم أو يحصل لهم غير ذلك من الأضرار والمفاسد الكثيرة بسبب شهادة الزور وعدم التثبت بها.
стр. 2656
١٤٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "تَرَى اَلشَّمْسَ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ فَأَخْطَأ.
===
ما صحة حديث الباب؟
لا يصح كما قال المصنف.
- ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن الشاهد لا يجوز له أن يشهد إلا على ما يعلمه يقيناً كما تُعلم الشمس بالمشاهدة، فلا يجوز أن يشهد أحد بالقرينة أو بغلبة الظن بل لا بد بما يعلمه يقيناً.
لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
قال المفسرون هنا: وهو يعلم ما شهد به؛ عن بصيرة وإيقان.
ولأن الشهادة خبر عن أمر واقع فلا بد أن يعلم هذا الأمر الواقع.
ولحديث الباب، وهو ضعيف، لكن معناه صحيح، فهو يدل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه يقيناً، كما تُعلم الشمس بالمشاهدة.
ويؤيد ذلك قوله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) فإن معنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به.
فائدة:
فإن شهد الشاهد بما لم يتيقنه: كان آتيا بشهادة زور.
ما هي طرق العلم؟
أ-رؤية المشهود به.
كما سبق لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
قال الشيخ ابن عثيمين: لا يشترط علم المشهود عليه بوجود الشاهد، فلو أن صاحب الحق أتى بالمطلوب في مكان وجعل واحداً يشهد مختبئاً، فإن ذلك يجوز، لأن هذا الذي عليه الحق إذا كان منفرداً صاحب الحق أقر له وإذا كان عنده أحد أنكر، فتحيّل صاحب الحق وفعل ذلك، وهذه حيلة لكنها حيلة جائزة للتوصل للحق.
ب-أَوْ سَمَاعٍ:
هذه الطريقة الثانية: وهي السماع من المشهود عليه.
مثل: أن يسمعه وهو يطلق امرأته أو يسمعه وهو يبيع أو ينكح، أو يسمعه يقر أن لفلان عليه ديناً، أو استأجر منه داره أو اشترى منه سيارة وما أشبه ذلك.
ج-أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ فِيْمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ بِدُونِهَا:
هذه الطريقة الثالثة من طرق العلم: وهي الاستفاضة.
وهي انتشار الخبر وشيوعه بأن يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضاً، فيشهد الشاهد على واقعة لم يشهدها ببصره ولم يدركها بسمعه.
- والاستفاضة لا تقبل إلا فيما يتعذر علمه في الغالب بدونها، كالنسب والولادة والموت والرضاع.
لأنه لو منع من الشهادة بالاستفاضة فيما ذكر لوقع الناس في حرج عظيم، لأن مثل هذه الأمور تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدة أسبابها.
стр. 2657
١٤٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَأَبُو دَاوُدَ. وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ: إِسْنَادُ [هُ] جَيِّد.
١٤٠٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِثْلَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن للقاضي أن يحكم بالشاهد الواحد ويمين المدعي، وذلك إذا أقام المدعي شاهداً وعجز عن الإتيان بشاهد آخر.
وهذا المسألة وقع فيها خلاف بين العلماء:
تحرير محل النزاع:
أ- اتفق الفقهاء على أنه لا يُقضى باليمين مع الشاهد في الحقوق الجزائية، وبشكل خاص جرائم الحدود.
ب- اتفق الفقهاء على أنه لا يُقضى باليمين مع الشاهد في الدماء والقصاص، وشذَّ في ذلك الظاهرية.
جـ- انحصرَ خلاف الفقهاء في الحقوق المالية، هل تثبت بشهادة الشاهد الواحد ويَمين المدَّعي، أم لا؟
القول الأول: يقبل القضاء بشاهد مع يمين المدعي.
وبه قال: المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية.
أ-لحديث الباب.
ب-آثار وردت عن عدة من الصحابة.
روي أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ كانوا يقضون بشهادة الشاهد الواحد، ويمين المدعي.
رُوي عن سعد بن عبادة والمغيرة بن شعبة ﵄: جواز القضاء بالشاهد واليمين.
وجه الاستدلال بهذه الآثار: تفيد هذه الآثار بوضوح أن كبار الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقضون باليمين مع الشاهد الواحد، وهم لا يفعلون ذلك إلا عن توقيف وسَماع من الرسول ﷺ ؛ لأنه لا مدخل للرأي في ذلك، وهذا دليل واضح على جواز القضاء بالشاهد واليمين.
ج- المعقول:
إن اليمين تُشرع في حق من قوي جانبه في الدعوى؛ ولذلك شرعت في حق المُنكِر؛ لأن موقفه في الدعوى أقوى من موقف المدعي؛ لأنَّ الظاهر يؤيد المُنكِر، وكذلك الأمر في حق المدعي؛ لأن جانبه في الدعوى يقوى بشهادة الشاهد على جانب المدَّعى عليه، فتُشرع اليمين في حقه، تأكيدًا لرجحان موقفه في الدعوى، ونفيًا للتهمة، وهذا يكفي في إثبات الدعوى.
стр. 2658
القول الثاني: لا يقبل القضاء بالشاهد مع اليمين.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
ويُنسب هذا الرأي إلى الثوري والنخعي والأوزاعي وابن شبرمة والليث بن سعد، وبه قال بعض المالكية.
واستدلُّوا على ذلك، بما يلي:
أ- قال تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى).
وجه الاستدلال: أن الآية نص صريح في اشتراط العدد في الشهود، فلا يجوز أقل من هذا العدد بمفهوم المخالفة.
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال (البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه).
جـ- عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل اليمين على المدعى عليه، وجعْلها على المدعي مخالفة لهذا الحديث.
أيضاً: الأحاديث لم تُشر إلى شهادة الشاهد مع يمين المدَّعي، فدلَّ ذلك على عدم جواز القضاء بالشاهد واليمين.
والقول الأول أرجح.
стр. 2659
بَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
الدعاوى: جمع دعوى، وهي: أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقاً على غيره.
والبينات جمع بينة: وهي ما يَبين الحق ويظهره كالشهود.
١٤٠٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح (الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ).
===
- (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ) أي: بمجرد دعواهم وطلبهم دون ما يثبت ذلك.
(وَلَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وهو من عليه الحق.
عرف المدعِي والمدعَى عليه؟
المدعي: هو الذي يدعي الحق فيضيف الشيء إلى نفسه.
والمدعَى عليه: هو الذي عليه الحق.
اذكر منزلة هذا الحديث؟
قال القرطبيّ: وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، يقتضي ألا يُحكَم لأحد بدعواه - وإن كان فاضلًا شريفًا - في حقٍّ من الحقوق - وإن كان محتقَرًا يسيرًا - حتَّى يستند المدَّعي إلى ما يقوّي دعواه، وإلا فالدَّعاوي متكافئة، والأصل: براءة الذمم من الحقوق، فلا بدَّ مما يدلّ على تعلُّق الحق بالذمَّة، وتترجَّحُ به الدعوى.
وقال النووي: وهذا الحديث قاعدة كبيرةٌ من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنَّه لا يُقْبَل قول الإنسان فيما يدّعيه بمجرد دعواه، بل يَحتاج إلى بيّنة، أو تصديق المدعَى عليه، فإن طلب يمين المدعَى عليه فله ذلك، وقد بَيَّن ﷺ الحكمة في كونه لا يُعْطَى بمجرد دعواه؛ لأنه لو كان أُعطي بمجردها لادَّعَى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح، ولا يمكن المدعَى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة. انتهى.
وقال السعدي: هذا الحديث عظيم القدر، وهو أصل من أصول القضايا والأحكام، فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع، هذا يدعي على هذا حقاً من الحقوق، فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتاً عليه، فبين ﷺ أصلاً بفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل، فمن ادعى عيناً من الأعيان، أو ديناً، أو حقاً من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير، فالأصل مع المنكر، فهذا المدعي إن أتى ببينة تثبت ذلك الحق، ثبت له، وحُكمَ له به، وإن لم يأت ببينة، فليس له على الآخر إلا اليمين.
стр. 2660
ما معنى هذا الحديث؟
معناه: أن من ادعى مالاً ونحوه فعليه البينة، فإن لم يكن له بينة - ولم يقر المدعَى عليه - حلف المدَّعَى عليه وبرئ وخَلّى سبيلَه
أي: أن من ادعى مالاً ونحوه على شخص فعليه البينة، أي: يطالب أن يقيم المطالب الدليل على صدقه ويُظهر الحجة، وهي البينة.
والبينة. ما يظهر به الحق ويبين به، كالشهود وغيرهم.
فإن جاء بالبينة سمعها وكان ذات عدل: حكم بمقتضاها.
فإن لم يكن للمدعِي بينة - لا رجلان، ولا رجل وامرأتان، ولا رجل ويمين - ولم يقر بالحق، فإن القاضي يطلب من المدعى عليه أن يحلف على البراءة فيقول: والله ما له عندي شيء، ويبرأ ويخلي سبيله.
لحديث الباب (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
فالبينة على المدعي، أي يقيم المطالب الدليل على صدقه ويُظهر الحجة، ومن البينة الشهود، الذين يشهدون على صدقه.
قال النووي: … وهذا الحديث قاعدة كبيرةٌ من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنَّه لا يُقْبَل قول الإنسان فيما يدّعيه بمجرد دعواه، بل يَحتاج إلى بيّنة، أو تصديق المدعَى عليه، فإن طلب يمين المدعَى عليه فله ذلك.
فائدة: ١
الحكمة في كون البينة على المدعي.
لأنه يدعي أمراً خفياً بحاجة إلى إظهار، والبينة دليل قوي لإظهار ذلك.
فائدة: ٢
أنه إذا لم يجد المدعي بينة ولا شهوداً، فإن القاضي يطلب من المدعَى عليه أن يحلف أن ما ادعاه عليه المدعي غير صحيح ويكون الحكم له بيمينه.
ما الحكم إن نكل ورفض المدعى عليه الحلف؟
إن رفض المدعَى عليه أن يحلف، فإنه يقضَى عليه بالنكول، بمعنى أنه يحكم عليه بما ادعي عليه به.
والنكول: هو الامتناع عن اليمين الموجهة من الحاكم إلى المدعى عليه، أو المدعي.
أ- لورود ذلك عن عثمان.
ب- ولأن امتناعه عن اليمين قرينة ظاهرة تدل على صدق المدعِي، فإنه لولا صدقه لدفع المدعىَ عليه دعواه باليمين، فلما نكل عنها كان نكوله قرينة ظاهرة دالة على صدق المدعِي، فقدمت على أصل براءة الذمة.
стр. 2661
فيقضى عليه بالنكول بمجرد رفضه الحلف ولا ترد على المدعي.
مثال: ادعى زيد على عمرو (١٠٠) ريال، فقيل لزيد: هات البينة، فقال: ليس عندي بيّنة، وطلب أن يحلف المُنكر - الذي هو عمرو - فقال عمرو: لا أحلف، فعلى هذا القول: يحكم عليه بالنكول ولا نقول لزيد - المدعي - احلف أنك تطلبه كذا وكذا.
لقوله ﷺ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فلم يجعل في جانب المدعي إلا البينة.
وذهب بعض العلماء: إلى أن اليمين ترد على المدعي (وهو طالب الحق)، وهو إن كان صادقاً في دعواه فالحلف لا يضره، وإن كان كاذباً فقد يهاب الحلف ولا يحلف. [الشرح الممتع: ١٥/ ٣٢١]
وفي هذه الحالة: إذا حلف أخذ ما ادعى به واستحق المتنازع عليه.
واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق) رواه الدارقطني وهو حديث ضعيف [معنى رد الحق: تنقل من المدعَى عليه إلى المدعِي].
ولأنه إذا رفض المدعي عليه أن يحلف ظهر صدق المدعي، فقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه كما كانت تشرع في حق المدعى عليه قبل نكولهِ. [اليمين في حق من جانبه أقوى دائماً].
ما الحكمة البينة على المدعي؟
الحكمة في كون البينة على المدعِي، واليمين على المدعَى عليه، هو ما بيّنه النبيّ ﷺ : لو يُعطَى الناس بدعواهم لادَّعَى ناس دماء رجال، وأموالهم.
وقال العلماء: الحكمة في ذلك أن جانب المدعِي ضعيف؛ لأنه يقول خلاف الظاهر، فكُلّف الحجة القوية، وهي البينة؛ لأنها لا تجلُب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضررًا، فيقوى بها ضَعف المدعِي، وجانب المدعَى عليه قويّ؛ لأنَّ الأصل فراغ ذمته، فاكتُفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأنَّ الحالف يجلب لنفسه النفع، ويدفع الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة.
فالرسول ﷺ : في هذا الحديث بيّن الحكم، وبين الحكمة في هذه الشريعة الكلية، وأنها عين صلاح العباد في دينهم ودنياهم، وأنه لو يعطى الناس بدعواهم لكثر الشر والفساد، ولإدعى رجال دماء قوم وأموالهم.
стр. 2662
١٤١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
===
(أَنْ يُسْهَمَ) أن يقرع.
ما معنى الحديث؟
معنى الحديث: أن النبي ﷺ كما أفاده الحافظ -تخاصم إليه اثنان تنازعا عيناً ليست في يد واحدٍ منهما، ولا بينة لواحد منهما، وكانت تلك العين في يد شخص ثالث غيرهما، فعرض عليهما النبي ﷺ اليمين، فتسارعا إليه، وبادر كل منهما لأدائه.
قال: فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف أي فأجرى ﷺ بينهما قرعة، فأيهم خرج سهمه وجه إليه اليمين.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه إذا تداعى رجلان متاعاً في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة، أو لكل منهما بينة، وقال الثالث: لا أعلم إن كان هذا المتاع لهذا أو ذاك، فالحكم أن يقرع بين المتداعيين، فأيهما خرجت له القرعة يحلف ويعطى له.
وهو قول علي ﵁.
وقال الشافعي: يترك في يد الثالث.
وقال أبو حنيفة: يجعل بين المتداعيين.
وقال أحمد والشافعي في قول: يقرع بينهما في اليمين كقول على .... (منار القارئ)
قال الخطابي: قوله (يسهم) معناه: يقرع … وإنما يفعل ذلك إذا تساوت درجاتهم في أسباب الاستحقاق، مثل أن يكون الشيء في يدي اثنين؛ كل واحد منهما يدعيه كله، فيريد أحدهما أن يحلف عليه، ويستحقهن فيريد الآخر مثل ذلك فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة خلف واستحقه.
стр. 2663
١٤١١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيُّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبٌ مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
١٤١٢ - وَعَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(من اقتطع) أي من أخذ، لأن من أخذ شيئاً لنفسه فقد قطعه عن مالكه.
(بيمنيه) أي بسبب يمينه الكاذبة.
(قضيباً) القضيب الغصن المقطوع.
أراك: شجر يستاك بقضبانه.
(فيها فاجر) أي في الإقدام عليها، والمراد بالفجور لازمه: وهو الكذب.
ماذا نستفيد من الحديث.
الوعيد الشديد لمن اقتطع وأخذ حق امرئ مسلم بيمينه الكاذبة، وأنه من كبائر الذنوب. (لأنه رتبت عليه هذه العقوبة العظيمة، وكل ذنب رتبت عليه عقوبة دينية أو دنيوية، فإنه من كبائر الذنوب).
وهذا له صورتان:
الصورة الأولى: أن يدعي شيئا ويأتي بشاهد ويحلف معه وهو يعلم أنه كاذب، فهنا اقتطع حقا؛ لأنه استباح ماله بيمين كاذبة.
والصورة الثانية: في مقام الدفاع بأن يكون على شخص حق ثم ينكره وليس للمدعي بينة، فهنا سوف يحلف المدعى عليه ويخلى سبيله، فيكون قد اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق.
إذاً: لها صورتان الصورة الأولى في دعوى ما ليس له، والصورة الثانية في إنكار ما يجب عليه. (ابن عثيمين)
وأن عقوبته:
قد أوجب الله له النار.
وحرم عليه الجنة.
لقي الله وهو عليه غضبان.
لقي الله وهو عنه معرض، قال ﷺ (لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ).
стр. 2664
وعند أبي داود: (إلا لقي الله وهو أجذم).
وعند أبي داود أيضاً: (فليتبوأ مقعده من النار).
وفي هذا: تحريم مال المسلم مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً، وتعظيم انتهاك عظمة الله، فهذا استحق هذا الوعيد الشديد مع أنه لم يحلف إلا على قضيب من أراك، مع أنه لو غصب قضيب من أراك أو ما هو أعظم منه ما استحق هذا الوعيد، لكنه هنا استحق هذا الوعيد بسبب اليمين الكاذبة.
فالوعيد على مجموع الأمرين:
الأول: ظلم أخيه، الثاني: انتهاك عظمة الله باليمين الكاذبة.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- التحذير من ظلم العباد.
- الرد على المرجئة.
- أن اليمين الغموس من الكبائر.
- الأصل في مال المسلم الحرمة.
- الاستدلال بالقرآن على المسائل.
- إثبات الغضب لله تعالى.
- الإيمان بالجنة والنار.
стр. 2665
١٤١٣ - وَعَنْ أَبَى مُوسَى اَلْأَشْعَرِيِّ ﵁ (أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اَللَّه ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّد.
===
(أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ) أي: ملكها، بأن ادّعى كلّ منهما أنها ملكه. ولفظ أبي داود: أن رجلين ادّعيا بعيرًا، أو دابّة.
(لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ) أي: لا بينة لهما أصلاً.
(فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اَللَّه ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) قسمها بينهما نصفين.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أنه إذا ادعى اثنان عيناً كبعير أو شاة، وليس لواحد منهما بيّنة، فإن العين بينهما.
وذلك لاستوائهما في الملك باليد، لأن ظاهر الحديث أن العين بيدهما معاً كدابة يركبانها أو أرضاً بينهما، وذلك لأن يد كل واحد منهما على نصفه.
قَالَ الخطّابيّ: يُشبه أن يكون هَذَا البعير، أو الدّابّة كَانَ فِي أيديهما معًا، فجعله النبيّ ﷺ بينهما؛ لاستوائهما فِي الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقّانه لو كَانَ الشيء فِي يد غيرهما. انتهى. قَالَ القاري: أو فِي يد ثالث، غير منازع لهما.
وقال ابن قدامة: إذا تنازع رجلان فِي عين فِي أيديهما، فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه، ولم تكن لهما بينة، حَلَف كل واحد منهما لصاحبه، وجُعلت بينهما نصفين، لا نعلم فِي هَذَا خلافا؛ لأن يد كل واحد منهما عَلَى نصفها، والقول قول صاحب اليد مع يمينه.
следующие страницы →