← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

فيقضى عليه بالنكول بمجرد رفضه الحلف ولا ترد على المدعي. مثال: ادعى زيد على عمرو (١٠٠) ريال، فقيل لزيد: هات البينة، فقال: ليس عندي بيّنة، وطلب أن يحلف المُنكر - الذي هو عمرو - فقال عمرو: لا أحلف، فعلى هذا القول: يحكم عليه بالنكول ولا نقول لزيد - المدعي - احلف أنك تطلبه كذا وكذا. لقوله ﷺ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فلم يجعل في جانب المدعي إلا البينة. وذهب بعض العلماء: إلى أن اليمين ترد على المدعي (وهو طالب الحق)، وهو إن كان صادقاً في دعواه فالحلف لا يضره، وإن كان كاذباً فقد يهاب الحلف ولا يحلف. [الشرح الممتع: ١٥/ ٣٢١] وفي هذه الحالة: إذا حلف أخذ ما ادعى به واستحق المتنازع عليه. واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق) رواه الدارقطني وهو حديث ضعيف [معنى رد الحق: تنقل من المدعَى عليه إلى المدعِي]. ولأنه إذا رفض المدعي عليه أن يحلف ظهر صدق المدعي، فقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه كما كانت تشرع في حق المدعى عليه قبل نكولهِ. [اليمين في حق من جانبه أقوى دائماً]. ما الحكمة البينة على المدعي؟ الحكمة في كون البينة على المدعِي، واليمين على المدعَى عليه، هو ما بيّنه النبيّ ﷺ : لو يُعطَى الناس بدعواهم لادَّعَى ناس دماء رجال، وأموالهم. وقال العلماء: الحكمة في ذلك أن جانب المدعِي ضعيف؛ لأنه يقول خلاف الظاهر، فكُلّف الحجة القوية، وهي البينة؛ لأنها لا تجلُب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضررًا، فيقوى بها ضَعف المدعِي، وجانب المدعَى عليه قويّ؛ لأنَّ الأصل فراغ ذمته، فاكتُفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأنَّ الحالف يجلب لنفسه النفع، ويدفع الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة. فالرسول ﷺ : في هذا الحديث بيّن الحكم، وبين الحكمة في هذه الشريعة الكلية، وأنها عين صلاح العباد في دينهم ودنياهم، وأنه لو يعطى الناس بدعواهم لكثر الشر والفساد، ولإدعى رجال دماء قوم وأموالهم.

стр. 2662

١٤١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. === (أَنْ يُسْهَمَ) أن يقرع. ما معنى الحديث؟ معنى الحديث: أن النبي ﷺ كما أفاده الحافظ -تخاصم إليه اثنان تنازعا عيناً ليست في يد واحدٍ منهما، ولا بينة لواحد منهما، وكانت تلك العين في يد شخص ثالث غيرهما، فعرض عليهما النبي ﷺ اليمين، فتسارعا إليه، وبادر كل منهما لأدائه. قال: فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف أي فأجرى ﷺ بينهما قرعة، فأيهم خرج سهمه وجه إليه اليمين. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه إذا تداعى رجلان متاعاً في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة، أو لكل منهما بينة، وقال الثالث: لا أعلم إن كان هذا المتاع لهذا أو ذاك، فالحكم أن يقرع بين المتداعيين، فأيهما خرجت له القرعة يحلف ويعطى له. وهو قول علي ﵁. وقال الشافعي: يترك في يد الثالث. وقال أبو حنيفة: يجعل بين المتداعيين. وقال أحمد والشافعي في قول: يقرع بينهما في اليمين كقول على .... (منار القارئ) قال الخطابي: قوله (يسهم) معناه: يقرع … وإنما يفعل ذلك إذا تساوت درجاتهم في أسباب الاستحقاق، مثل أن يكون الشيء في يدي اثنين؛ كل واحد منهما يدعيه كله، فيريد أحدهما أن يحلف عليه، ويستحقهن فيريد الآخر مثل ذلك فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة خلف واستحقه.

стр. 2663

١٤١١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيُّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبٌ مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ١٤١٢ - وَعَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (من اقتطع) أي من أخذ، لأن من أخذ شيئاً لنفسه فقد قطعه عن مالكه. (بيمنيه) أي بسبب يمينه الكاذبة. (قضيباً) القضيب الغصن المقطوع. أراك: شجر يستاك بقضبانه. (فيها فاجر) أي في الإقدام عليها، والمراد بالفجور لازمه: وهو الكذب. ماذا نستفيد من الحديث. الوعيد الشديد لمن اقتطع وأخذ حق امرئ مسلم بيمينه الكاذبة، وأنه من كبائر الذنوب. (لأنه رتبت عليه هذه العقوبة العظيمة، وكل ذنب رتبت عليه عقوبة دينية أو دنيوية، فإنه من كبائر الذنوب). وهذا له صورتان: الصورة الأولى: أن يدعي شيئا ويأتي بشاهد ويحلف معه وهو يعلم أنه كاذب، فهنا اقتطع حقا؛ لأنه استباح ماله بيمين كاذبة. والصورة الثانية: في مقام الدفاع بأن يكون على شخص حق ثم ينكره وليس للمدعي بينة، فهنا سوف يحلف المدعى عليه ويخلى سبيله، فيكون قد اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق. إذاً: لها صورتان الصورة الأولى في دعوى ما ليس له، والصورة الثانية في إنكار ما يجب عليه. (ابن عثيمين) وأن عقوبته: قد أوجب الله له النار. وحرم عليه الجنة. لقي الله وهو عليه غضبان. لقي الله وهو عنه معرض، قال ﷺ (لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ).

стр. 2664

وعند أبي داود: (إلا لقي الله وهو أجذم). وعند أبي داود أيضاً: (فليتبوأ مقعده من النار). وفي هذا: تحريم مال المسلم مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً، وتعظيم انتهاك عظمة الله، فهذا استحق هذا الوعيد الشديد مع أنه لم يحلف إلا على قضيب من أراك، مع أنه لو غصب قضيب من أراك أو ما هو أعظم منه ما استحق هذا الوعيد، لكنه هنا استحق هذا الوعيد بسبب اليمين الكاذبة. فالوعيد على مجموع الأمرين: الأول: ظلم أخيه، الثاني: انتهاك عظمة الله باليمين الكاذبة. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - التحذير من ظلم العباد. - الرد على المرجئة. - أن اليمين الغموس من الكبائر. - الأصل في مال المسلم الحرمة. - الاستدلال بالقرآن على المسائل. - إثبات الغضب لله تعالى. - الإيمان بالجنة والنار.

стр. 2665

١٤١٣ - وَعَنْ أَبَى مُوسَى اَلْأَشْعَرِيِّ ﵁ (أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اَللَّه ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّد. === (أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ) أي: ملكها، بأن ادّعى كلّ منهما أنها ملكه. ولفظ أبي داود: أن رجلين ادّعيا بعيرًا، أو دابّة. (لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ) أي: لا بينة لهما أصلاً. (فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اَللَّه ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) قسمها بينهما نصفين. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنه إذا ادعى اثنان عيناً كبعير أو شاة، وليس لواحد منهما بيّنة، فإن العين بينهما. وذلك لاستوائهما في الملك باليد، لأن ظاهر الحديث أن العين بيدهما معاً كدابة يركبانها أو أرضاً بينهما، وذلك لأن يد كل واحد منهما على نصفه. قَالَ الخطّابيّ: يُشبه أن يكون هَذَا البعير، أو الدّابّة كَانَ فِي أيديهما معًا، فجعله النبيّ ﷺ بينهما؛ لاستوائهما فِي الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقّانه لو كَانَ الشيء فِي يد غيرهما. انتهى. قَالَ القاري: أو فِي يد ثالث، غير منازع لهما. وقال ابن قدامة: إذا تنازع رجلان فِي عين فِي أيديهما، فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه، ولم تكن لهما بينة، حَلَف كل واحد منهما لصاحبه، وجُعلت بينهما نصفين، لا نعلم فِي هَذَا خلافا؛ لأن يد كل واحد منهما عَلَى نصفها، والقول قول صاحب اليد مع يمينه.

стр. 2666

١٤١٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ اَلنَّارِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّان. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد عظم إثم من حلف على منبر رسول الله ﷺ كاذباً في يمينه، لأن هذا المكان محل تعظيم ومحل اقتداء بالنبي ﷺ . هل يشرع تغليظ اليمين بالمكان؟ فيه خلاف: قيل: التغليظ بالمكان جائز لا مستحب وهذا مذهب الحنابلة، وإليه ذهب الإمام البخاري، ورجحه الشوكاني. قالوا: لأن الأحاديث الواردة في أحكام اليمين لم تخص مكاناً دون مكان. كحديث: اليمين على المدعى عليه. وحديث: شاهداك أو يمينه. وقالوا: إن حديث الباب ليس فيه ما يدل على جواز التغليظ بالمكان، وإنما يدل على تعظيم ذنب الحالف على منبره ﷺ كاذباً. وقيل: يجب تغليظ اليمين بالمكان. وهو قول مالك. والقول بالوجوب هو أحد قولي الإمام الشافعي، واختيار ابن تيمية إذا رآه الحاكم وطلبه. لحديث الباب. ولآثار وردت عن الخلفاء الراشدين تدل على وجوب تغليظ اليمين بالمكان. وقيل: لا تغلظ اليمين في المكان مطلقاً. وهو قول ابن حزم. وحجته: أن غاية ما ورد في الحلف عند منبره ﷺ إنما فيه تعظيم اليمين عند منبره ﷺ فقط وليس فيه أمر أن لا يحلف المطلوب إلا عنده. وأنه لو وجبت اليمين في مكان دون مكان، وفي حال دون حال لبينها النبي ﷺ ، فإذا لم يبين فلا يخص باليمين مكان دون مكان ولا حال دون حال.

стр. 2667

وقيل: يشرع التغليظ في اليمين في المكان على الكافر، أما في حق المسلم فلا يشرع. والله أعلم. فائدة: المراد بتغليظ اليمين في المكان الاحلاف بمكان معظم كالركن والمقام في مكة، وعند منبره ﷺ في المدينة، وفي غيرهما في الجامع عند المنبر. فائدة: وكذلك اختلف العلماء في تغليظ اليمين في الزمان؟ والتغليظ بالزمان هو تحليف المحلف في زمان فاضل: كتحليفه بعد عصر يوم الجمعة، ورمضان أو ليلة القدر ويوم عرفة وعاشوراء ونحو ذلك. فقيل: تغلظ اليمين في الزمان في اللعان والدماء، أما الأموال فلا تغلظ اليمين فيها. وبهذا قال أكثر المالكية. جاء في بداية المجتهد: وتغلظ بالمكان عند مالك في القسامة واللعان وكذلك بالزمان. وقيل: مستحب. وهو أحد القولين في المذهب الشافعي، واختاره أبو الخطاب. وقيل: جائز. وهو المذهب عند الحنابلة. وقيل: واجب إذا رآه الحاكم وطلبه. واختاره ابن تيمية. ما حكم تغليظ اليمين بالألفاظ؟ تغليظ اليمين بالألفاظ على الحالف: أن يذكر مع اسم الله تعالى من صفات ذاته الخارجة عن العرف المألوف في اليمين ما يكون أزجر وأردع. مثل أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، اختلف العلماء في مشروعية التغليظ بالألفاظ إلى قولين: القول الأول: أن اليمين يشرع تغليظها بالألفاظ إذا رأى ذلك الحاكم. وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة

стр. 2668

جاء في الإنصاف: وإن رأى الحاكم تغليظها -يعني اليمين - بلفظ أو زمن أو مكان جاز، وهو المذهب. واستدلوا: أ-عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا فَدَعَاهُمْ ﷺ فَقَالَ «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ». قَالُوا نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلاً مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ». قَالَ لَا وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ نَجِدُهُ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ قُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ». فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ غلظ اليمين بالألفاظ على اليهودي لينزجر عن الكذب، فيقاس عليه المسلم، ليحصل له الانزجار كذلك. ب- أن الناس متفاوتون في العتو، فمنهم من يحجم عن اليمين إذا غلظت عليه، ومنهم من يتجاسر إذا لم تغلظ عليه، فكانت المصلحة في مراعاة ذلك، لتغلظ على من رأى الحاكم الفائدة في تغليظها عليه. القول الثاني: أن اليمين لا تغلظ بالألفاظ. وبه قال المالكية. مستدلين بأن الصفات والألفاظ التي تغلظ بها اليمين عند من يرى ذلك لا غاية لها، وليس بعضها بأولى من بعض، فكان الاقتصار على اسمه تعالى وصفته الأخص متعيناً.

стр. 2669

١٤١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اَللَّهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ، يَمْنَعُهُ مِنْ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ; وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ اَلْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاَللَّهِ: لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ; وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا، لَمْ يَفِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === (رجل على فضل ماء) أي على ماء فاضل، أي فاضل عن كفايته التي يستحقها السابق للماء، فإنه أحق من غيره، حتى يأخذ حاجته، فإذا منع المستحق بعد أخذه كفايته عما زاد عن حاجته، فقد استحق هذا الوعيد. (بالفلاة) هي المفازة. (يمنعه) أي فضل الماء. (من ابن السبيل) أي المسافر، والسبيلُ: الطريق، وسمِّي المسافرُ بذلك؛ لأنَّ الطريقَ تُبْرِزه وتُظْهِره، فكأنَّها وَلَدَتْهُ، وقيل: سمِّي بذلك؛ لملازمتِهِ إياه. (وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بسلعة) أي عقد البيع معه. (بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر. (فَحَلَفَ لَهُ) أي: للذي بايعه. (بِاللَّهِ لأَخَذَهَا) أي لقد أخذ السلعة، يعني أنه اشتراها. (بِكَذَا وَكَذَا من الثمن) قال القرطبي: يعني أنه كذب، فزاد في الثمن الذي اشترى به فكذب واستخف باسم الله. (فَصَدَّقَهُ) أي صدق المحلوف له الحالف. (وهو على غير ذلك) أي: والحال أن الواقع خلاف ما ذكره. (ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا) أي من أجل الدنيا. (فإن أعطاه منها) أي من أغراضه من تلك الدنيا. (وفّى) أي ما عليه من الطاعة، مع أن الوفاء واجب عليه مطلقاً. ماذا نستفيد من الحديث؟ استدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على تغليظ اليمن في الزمان كبعد العصر، وقد تقدمت المسألة. لما خص بعد العصر؟ قيل: لشرف هذا الوقت بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار فيه، واختاره النووي. وقيل: لأنها الصلاة الوسطى وخصها الله بالمحافظة بعد عموم الصلوات الأخرى. وقيل: لأن العصر وقت ختام الأعمال، واختاره الخطابي.

стр. 2670

قال الخطابي: … وهو يوم وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغُلّظتْ العقوبة فيه، لئلا يُقدِم عليها تجرؤاً، فإن من تجرأ عليها فيه اعتادها في غيره. وقيل: لأنه وقت ارتفاع الأعمال، واختاره ابن حجر. ورد ابن حجر -في الفتح- القول الأول، وهو لكونه اجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار، وكذلك رده القرطبي -في المفهم- وبين القرطبي أنه وجه بعيد لسببين: أ-لأن الملائكة أيضًا تجتمع في الفجر. ب- أن حضور الملائكة واجتماعهم إنما هو في حال فعل هاتين الصلاتين لا بعدهما، كما هو ظاهر نص الحديث، فإنه فيه (ثم يجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر) وتقول الملائكة (أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون). اذكر الأعمال التي عقوبتها: لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؟ الأولى: منع فضل الماء. في الحديث دلالة على تحريم منع فضل الماء، وأن من منع منه ابن السبيل دخل في الوعيد الشديد في حديث الباب، وهذا إذا كان ابن السبيل غير مضطر، وإذا كان مضطرًّا ومنعه فالحال أشد. والسبب دخوله في هذا الإثم: لأن الناس كما قال النبي ﷺ (شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ). وقد تقدمت المسألة في كتاب البيوع. ثانياً: الحلف بالله كذباً لترويج سلعته. كأن يحلف بأن هذه السلعة جيدة وهي ليست كذلك. أو يحلف بأنه اشتراها بكذا، أو رأس مالها كذا، وهو اشتراها بأقل. أو كأن يعرض سلعة مخفضة ويحلف بأن سعرها قبل التخفيض كذا وهي ليست كذلك، وما أشبه هذا من الأيمان التي تزيد في قيمة السلعة. واستحق هذه العقوبة: أ-استهانته باليمين ومخالفته أمر الله بحفظ اليمين. ب-كذبه. ج- أكله المال الذي أخذه على هذه اليمين بالباطل. د- أن يمينه من أعظم الأيمان جرمًا؛ فهي تسمى اليمين الغموس؛ فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان

стр. 2671

ثالثاً: مبايعة الإمام من أجل الدنيا. في الحديث دلالة على أن من جعل مبايعته لإمام المسلمين من أجل مصالح وأغراض دنيوية فإن أعطي منها وفى ما للإمام من طاعة، وإن لم يعط منها خرج عليه، فإنه يدخل في الوعيد الشديد في حديث الباب، والعلة في دخوله في هذا الوعيد الشديد؛ لأنه غاشٌّ لإمام المسلمين، والغش للإمام غش للرعية؛ لأن في ذلك سببًا لإثارة الفتن. ومما جاء فيمن يستحق هذه العقوبة: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ - وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِر) رواه مسلم. وعَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ). شَيْخٌ زَانٍ: أي: من طعن في السن واستطال فيه. وَمَلِكٌ كَذَّابٌ: أي: الإمام الكاذب. وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِر: أي: فقير متكبر. وسبب استحقاقهم هذه العقوبة: قال القرطبي: وإنما غلَّظ العقابَ على هؤلاءِ الثلاثة؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تلك المعاصي مَحْضُ المعاندة، واستخفافُ أمرِ تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذْ لم يَحْمِلْهم على ذلك حاملٌ حَاجِيٌّ، ولا دعتهم إليها ضرورةٌ كما تدعو مَنْ لم يكنْ مثلهم. وبيانُ ذلك: أنَّ الشَّيْخَ لا حاجةَ له ولا داعية تدعوه إلى الزنا؛ لضعفِ داعيةِ النكاحِ في حقِّه، ولكمالِ عَقْلِه، ولقربِ أجله؛ إذ قد انتهى إلى طَرَفِ عمره. ونحوٌ من ذلك: "المَلِكُ الكَذَّابُ"؛ إذْ لا حاجةَ له إلى الكذب؛ فإنه يمكنه أنْ يُمَشِّيَ أغراضَهُ بالصِّدْق، فإنْ خاف من الصدق مفسدةً، وَرَّى. وأما "العَائِلُ المُسْتَكْبِرُ": فاستحقَّ ذلك؛ لغلبة الكِبْرِ على نفسه؛ إذْ لا سببَ له مِنْ خارجٍ يحملُهُ على الكبر؛ فإنَّ الكِبْرَ غالبًا إنما يكونُ بالمالِ والخَوَلِ والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلَّه؛ فلا مُوجِبَ له إلا غلبةُ الكِبْرِ على نفسه، وقِلَّةُ مبالاتِهِ بتحريمِهِ وتوعيدِ الشرعِ عليه، مع أنَّ اللائقَ به والمناسبَ لحالِهِ: الذُّلُّ والتواضُعُ؛ لفقره وعجزه.

стр. 2672

وقال القاضي عياض: سبب تخصيص هؤلاء بهذا الوعيد أن كلاً منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه وعدم ضرورته إليها وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يعذر أحد بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة ولا دواعي معتادة أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق اللّه تعالى وقصد معصيته لا لحاجة غيرها. الْمُسْبِلُ: المراد خيلاء. لأنه من الخيلاء والتكبر. وَالْمَنَّانُ: الذي لا يعطي شيئاً إلا منّه. قال القرطبي: وإنَّما كان المَنُّ كذلك؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن البُخْلِ، والعُجْبِ، والكِبْر، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ فالبخيلُ: يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ وإنْ كانتْ حقيرةً في نفسها، والعُجْبُ: يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة، وأنَّه مُنْعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له، ومتفضِّلٌ عليه، وأنَّ له عليه حَقًّا تجبُ عليه مراعاتُهُ،، والكِبْرُ: يحمله على أن يحتقر المُعْطَى له وإنْ كان في نفسه فاضلاً، ومُوجِبُ ذلك كلِّه: الجهلُ، ونِسْيانُ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ إذْ قد أنعَمَ عليه بما يُعْطِي، ولم يَحْرِمْهُ ذلك، وجعله ممَّنْ يُعْطِي، ولم يجعلْهُ ممَّن يَسْأَل، ولو نظَرَ ببصره، لعَلِمَ أنَّ المِنَّةَ للآخذ؛ لِمَا يُزِيلُ عن المعطي مِنْ إثمِ المنعِ وذَمِّ المانع، ومن الذنوب، ولِمَا يحصُلُ له من الأجرِ الجزيل، والثناءِ الجميل وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ. يعني يحلف وهو كاذب ليزيد ثمن السلعة، فيقول: والله إني اشتريتها بعشرة، وهو لم يشترها إلا بثمانية. تقدم سبب ذلك.

стр. 2673

١٤١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ (أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَ نُتِجَتْ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ). === ما صحة حديث الباب. ضعيف. رواه الدارقطني. وقال الحافظ في "التلخيص" إسناده ضعيف. - ماذا نستفيد من الحديث؟ أنه إذا تداعى اثنان عيناً كدابة وكانت العين بيد واحد منهما، وأقام كل واحد منهما بينة على أن العين له، فإن العين تكون لمن هي في يده. قال الشيخ البسام: … أمَّا إنْ أقام كلُّ واحدٍ منهما بينةً أنَّها له -كما في هذا الحديث- فقد اختلف العلماء فيمن تقدَّم بينته، وتكون العين له: فمذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة-: أنَّها للدَّاخل، وهو صاحب اليد؛ وذلك عملاً بما يلي: أ- حديث الباب. ب- أنَّ الدَّاخل عنده زيادة على بينته؛ لأَنَّ يده على العين. ج- جانبه أقوَى من الآخر. أمَّا تقديم بينة الخارج، فهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو من مفرداته. ولكن القول الأوَّل -قول الجمهور- أرجح؛ ولذا اختاره جمعٌ من علمائنا، منهم: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز ابن باز مفتيا الدِّيار السعودية سابقاً، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي أحد علماء الدِّيار السعودية وصاحب المؤلَّفات النَّافعة، والله أعلم .... (توضيح الأحكام).

стр. 2674

١٤١٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ رَدَّ اَلْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ اَلْحَقِّ) رَوَاهُمَا اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعْف. === ما صحة حديث الباب؟ ضعيف كما قال المصنف ﵀. - ماذا نستفيد من الحديث؟ صورة المسألة: إذا ادَّعى المدَّعي شيئاً، وأنكر المدَّعَى عليه تلك الدعوى، وليس عند المدَّعِي بينةً تثبت دعواه، فإنَّ له اليمينَ على المدَّعَى عليه على نفي الدَّعوَى، فإنْ نَكَلَ عن اليمين. فهل يحكم عليه بالنكولِ وحده، أو يحكم به مع ردِّ اليمين على المدَّعِي فيحلف على صحَّة دعواه ويحكم له بما ادَّعاه؟ فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: لا ترد اليمين على المدعي. مثال: ادعى زيد على عمرو (١٠٠) ريال، فقيل لزيد: هات البينة، فقال: ليس عندي بيّنة، وطلب أن يحلف المُنكر - الذي هو عمرو - فقال عمرو: لا أحلف، فعلى هذا القول: يحكم عليه بالنكول ولا نقول لزيد - المدعي - احلف أنك تطلبه كذا وكذا. لقوله ﷺ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فلم يجعل في جانب المدعي إلا البينة. القول الثاني: ترد اليمين على المدَّعِي، فإنْ حلف، قُضِيَ له. وهو قول علي بن أبي طالب، وشُرَيّح، وابن سيرين، والأوزاعي، والنخعي، واختاره وشيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم. أ-لحديث الباب. ب-ولأنه إذا رفض المدعي عليه أن يحلف ظهر صدق المدعي، فقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه كما كانت تشرع في حق المدعى عليه قبل نكولهِ. [اليمين في حق من جانبه أقوى دائماً].

стр. 2675

١٤١٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (مسروراً) أي فرحاً. (تبرق) بفتح التاء وضم الراء، أي تضيء وتستنير من السرور. (أسارير) أي الخطوط التي في الجبهة. (مُجَزِّرَاً) بضم الميم، ثم جيم مفتوحة، ثم زاي مشددة، وهو من بني مدلج، بضم الميم وإسكان الدال وكسر اللام. قال العلماء: وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد تعترف لهم العرب بذلك. (نظر أنفاً) أي قريباً. (هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) وفي رواية (يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَىَّ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) وعند مسلم (كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا). - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد العمل بقول القائف في إلحاق النسب، بشرط عدم ما هو أقوى منه كالفراش. وجه الدلالة: إقرار النبي ﷺ هذا القائف على قوله (هذه أقدام بعضها من بعض) وسروره بذلك، ولا يسر النبي ﷺ إلا بحق، والإقرار حجة شرعية. وهذا قول جماهير العلماء. (العمل بقول القائف). ومن الأدلة اشتهار العمل بها عن عمر وعلي. ما يشترط في القائف: أن يكون عدلاً. قال النووي: واتفق القائلون بالقائف على أنه يشترط فيه العدالة ". أن يكون خبيراً بهذا مجرباً. قال النووي: واتفقوا على أنه يشترط أن يكون خبيراً بهذا مجرباً. واختلف هل يكتفى فيه بواحد: فقيل: يكفي واحد. لحديث الباب. وقيل: يشترط اثنان. والأول أصح. قال ابن قدامة: وَالْقَافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الْإِنْسَانَ بِالشَّبَهِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ، وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْإِصَابَةُ، فَهُوَ قَائِفٌ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِي الَّذِي رَأَى أُسَامَةَ وَأَبَاهُ زَيْدًا قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. وَكَانَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيّ قَائِفًا، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي شُرَيْحٍ. وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، عَدْلًا، مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ، حُرًّا. لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ، وَالْحَكَمُ تُعْتَبَرُ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ. (المغني) ما سبب فرح النبي ﷺ -: قال النووي: وكانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود وشديد السواد، وكان زيد أبيض، فلما قضى هذا القائف نسبه مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية تعتمد قول القائف، فرح النبي ﷺ لكونه زاجراً لهم عن الطعن في النسب.

стр. 2676

كِتَابُ اَلْعِتْقِ تعريفه. الْعِتْقُ فِي اللُّغَةِ: الْخُلُوصُ. وَمِنْهُ عَتَاقُ الْخَيْلِ وَعِتَاقُ الطَّيْرِ، أَيْ خَالِصَتُهَا، وَسُمِّيَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ عَتِيقًا؛ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وَتَخْلِيصُهَا مِنْ الرِّقِّ. يُقَالُ: عَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَعْتَقْته أَنَا، وَهُوَ عَتِيقٌ، وَمُعْتَقٌ. - سواء كان التخليص من مالك أو من غيره. من مالك: كأن يكون عنده رقاب فأعتقها. أو من غيره: كما لو اشترى رقبة وأعتقها. - وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَكُّ رَقَبَةٍ). وَأَمَّا السُّنَّةُ: الحديث الآتي، فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذَا. وَأَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى صِحَّةِ الْعِتْقِ، وَحُصُولِ الْقُرْبَةِ بِهِ .... (المغني)

стр. 2677

١٤١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ اِمْرَأً مُسْلِماً، اِسْتَنْقَذ اَللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّار) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٤٢٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ; عَنْ أَبِي أُمَامَةَ (وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ اِمْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّار). ١٤٢١ - وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ (وَأَيُّمَا اِمْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ اِمْرَأَةً مُسْلِمَةً، كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ اَلنَّارِ). === - (أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ) هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري (أيما رجل). [مسلم] يخرج الكافر. (أَعْتَقَ اِمْرَأً مُسْلِماً) هذا قيد في الرقبة المعتقة، فهذه الفضيلة لا تنال إلا بعتق الرقبة المسلمة. (اِسْتَنْقَذ اَللَّهُ) أي: خلّصه. (بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ) أي: من المعتَق. (عُضْوًا مِنْهُ) أي: من المعتِق. (فكاكه) أي: خلاصه. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل عتق الرقاب وتخليصها من الرق وأن ذلك من أجل الطاعات وأعظم القربات. ففي عتق الرقاب: العتق من النار، ودخول الجنة. لأنه من أسباب العتق من النار. عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه) رواه أحمد. وهذا الفضل - والله أعلم - لكون الرقيق قبل العتق كان في حكم المعدوم، إذ لا تصرف له في نفسه، بل هو يُتصرف فيه. فالعتق من أعظم القرب التي يتقرب بها إلى الله، وهو من أفضل العبادات. قال ابن قدامة: وَالْعِتْقُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. أ-لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ، وَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ وَالْأَيْمَانِ. ب- وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِكَاكًا لِمُعْتِقِهِ مِنْ النَّارِ. ج- وَلِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا لِلْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ وَمِلْكَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ، وَتَمَكُّنَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ، عَلَى حَسْبِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ .... (المغني).

стр. 2678

ماذا نستفيد من قوله (أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ اِمْرَأً مُسْلِماً)؟ نستفيد أن هذا الفضل خاص بمن أعتق مسلماً. قال القرطبيّ: فيه ما يدل على أن هذا الفضل العظيم إنما هو في عتق المؤمن، ولا خلاف في جواز عتق الكافر تطوّعًا، فلو كان الكافر أغلى ثمنًا، فرُوي عن مالك: أنه أفضل من المؤمن القليل الثمن؛ تمسكًا بحديث أبي ذر ﵁. وخالفه في ذلك أكثر أهل العلم؛ نظرًا إلى حرمة المسلم، وإلى ما يحصل منه من المنافع الدينية، كالشهادات، والجهاد، والمعونة على إقامة الدين، وهو الأصح، والله تعالى أعلم. وقال النووي: أَمَّا التَّقْيِيد بِالرَّقَبَةِ بِكَوْنِهَا مُؤْمِنَة فَيَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْفَضْل الْخَاصّ إِنَّمَا هُوَ فِي عِتْق الْمُؤْمِنَة. وَأَمَّا غَيْر الْمُؤْمِنَة فَفِيهِ أَيْضًا فَضْل بِلَا خِلَاف وَلَكِنْ دُون فَضْل الْمُؤْمِنَة، وَلِهَذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَط فِي عِتْق كَفَّارَة الْقَتْل كَوْنهَا مُؤْمِنَة، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ مَالِك: أَنَّ الْأَعْلَى ثَمَنًا أَفْضَل وَإِنْ كَانَ كَافِرًا. وَخَالَفَهُ غَيْر وَاحِد مِنْ أَصْحَابه وَغَيْرهمْ قَالَ: وَهَذَا أَصَحّ. ماذا نستفيد من قوله (اِسْتَنْقَذ اَللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّار)؟ نستفيد أن إعتاق كامل الأعضاء أفضل من عتق ناقصها، ليحصل الاستيعاب المستفاد من قوله ﷺ (استنقذ الله من كل عضو منه … ). قال النووي: فِيهِ اِسْتِحْبَاب عِتْق كَامِل الْأَعْضَاء فَلَا يَكُون خَصِيًّا وَلَا فَاقِد غَيْره مِنْ الْأَعْضَاء وَفِي الْخَصِيّ وَغَيْره أَيْضًا الْفَضْل الْعَظِيم لَكِنْ الْكَامِل أَوْلَى وَأَفْضَله أَعْلَاهُ ثَمَنًا وَأَنْفَسه. وقال ابن حجر: إن في قوله: "أعتق الله بكل عضو منه عضوًا" إشارةً إلى أنه لا ينبغي أن يكون في الرقبة نقصان؛ ليحصل الاستيعاب. أيهما أفضل بالعتق الذكر أم الأنثى؟ الحديث دليل على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى، لأنه جعل عتق الأنثى على النصف من عتق الذكر. فالرجل إذا اعتق الذكر أو اعتق امرأتين كان فكاكه من النار. وذلك لأن جنس الرجال أفضل من جنس النساء. ولأن عتق الذكر فيه من المنافع ما ليس في عتق الأنثى من الجهاد وتولي القضاء وتولي الإمامة ونحو هذا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيّمَا أَفْضَل عِتْق الْإِنَاث أَمْ الذُّكُور؟ فَقَالَ بَعْضهمْ: الْإِنَاث أَفْضَل لِأَنَّهَا إِذَا عَتَقَتْ كَانَ وَلَدهَا حُرًّا سَوَاء تَزَوَّجَهَا حُرّ أَوْ عَبْد. وَقَالَ آخَرُونَ: عِتْق الذُّكُور أَفْضَل لِهَذَا الْحَدِيث وَلِمَا فِي الذِّكْر مِنْ الْمَعَانِي الْعَامَّة الْمَنْفَعَة الَّتِي لَا تُوجَد فِي الْإِنَاث مِنْ الشَّهَادَة وَالْقَضَاء وَالْجِهَاد وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَخُصّ بِالرِّجَالِ إِمَّا شَرْعًا وَإِمَّا عَادَة، وَلِأَنَّ مِنْ الْإِمَاء مَنْ لَا تَرْغَب فِي الْعِتْق وَتَضِيع بِهِ بِخِلَافِ الْعَبِيد. وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الصَّحِيح. (شرح مسلم)

стр. 2679

من الذي يستحب عتقه؟ يستحب عتق من له كسب، ويكره إن كان لا قوة له. قال ابن قدامة: وَالْمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ دِينٌ وَكَسْبٌ يَنْتَفِعُ بِالْعِتْقِ. فَأُمًّا مَنْ يَتَضَرَّرُ بِالْعِتْقِ، كَمَنْ لَا كَسْبَ لَهُ، تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ سَيِّدِهِ، فَيَضِيعُ، أَوْ يَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَالرُّجُوعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ، كَعَبْدٍ يُخَافُ أَنَّهُ إذَا أُعْتِقَ وَاحْتَاجَ سَرَقَ، وَفَسَقَ، وَقَطَعَ الطَّرِيقَ أَوْ جَارِيَةٍ يُخَافُ مِنْهَا الزِّنَى وَالْفَسَادُ، كُرِهَ إعْتَاقُهُ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إفْضَاؤُهُ إلَى هَذَا، كَانَ مُحَرَّمًا؛ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ .... (المغني). بما يحصل العتق؟ يحصل العتق: بالقول: وهو لفظ العتق وما في معناه. فيحصل العتق بالصيغة القولية، وهي نوعان: صريح وكناية. أ- الصريح: ما لا يحتمل إلا العتق، مثل: أعتقتك، حررتك، أنت عتيق، أنت حر. لِأَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَرَدَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْعِتْقِ عُرْفًا، فَكَانَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ، فَمَتَى أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، حَصَلَ بِهِ الْعِتْقُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، عَتَقَ أَيْضًا .... (المغني). ب- الكناية: كل لفظ يحتمل المعنى وغيره. أي: يحتمل العتق ويحتمل غيره، فلا يقع العتق به إلا بالنية. قال ابن قدامة: وَأَمَّا الْكِنَايَةُ، فَنَحْوُ قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك، وَأَنْتَ سَائِبَةٌ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْت، وَقَدْ خَلَّيْتُك. فَهَذَا إنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ، عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ بِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ. وَلَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا عُرْفُ اسْتِعْمَالٍ. (المغني). قال ابن قدامة: وَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ، فَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، كَسَائِرِ الْإِزَالَةِ. تنبيه: ويحصل العتق بملك ذا رحم - وبالسراية كما سيأتي في الأحاديث القادة إن شاء الله. اذكر بعض الأمور التي فيها الأنثى على النصف من الذكر؟ العقيقة. الثاني: العتق. وَالثّالِثُ: الشّهَادَةُ فَإِنّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ. وَالرّابِعُ: الْمِيرَاثُ. وَالْخَامِسُ: الدّيَةُ.

стр. 2680

١٤٢٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ (سَأَلْتُ اَلنَّبي ﷺ أَيُّ اَلْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاَللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ". قُلْتُ: فَأَيُّ اَلرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " أَعْلَاهَ ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === لفظ الحديث كاملاً: عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الْأَعْمَالِ أفضَلُ؟ قَالَ: "الإيمانُ بِالله، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أفضَلُ؟ قَالَ: "أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَكثَرُهَا ثَمَنًا"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أفعَلْ؟ قَالَ: "تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: "تَكُفُّ شَرَّكَ عَنْ النَّاس، فَإنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِك). (الإيمان بالله والجهاد في سبيله) ولفظ البخاريّ: (إيمان بالله، وجهاد في سبيله) والواو هنا بمعنى "ثمّ"، كما قاله ابن حبّان، رحمه الله تعالى. قال العيني: إنما قرن الجهاد بالإيمان، لأنه كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا. (أي الرقاب أفضل) أي للعتق، حتى يكون ثوابها أكثر عند الله تعالى، والمراد بالرقبة الرقيق، وسمي رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، والمعنى: أي المماليك أحب في العتق إلى الله. (أنفسها عند أهلها) أي أجودها وأرفعها عندهم، والمال النفيس: هو المرغوب فيه. (وأكثرها ثمناً) أي من حيث الثمن. (فإن لم أفعل) أي لم أقدر عليه، ولا تيسر لي، لأن من المعلوم من أحوالهم أنهم لا يمتنعون من فعل مثل هذا إلا إذا تعذر عليهم. (أو) للتنويع لا للشك. (تصنع لأخرق) الأخرق هو الذي لا يحسن العمل. (أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل) أي من الصناعة أو الإعانة، أي فماذا أفعل. (قال تكف شرَّك عن الناس) أي تمنع وصول شرّك. (فإنها) أي كف شرك عن الناس. (صدقة منك على نفسك) أي تتصدق بهذه الصدقة على نفسك. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن أفضل الرقاب التي يراد إعتاقها ما كان أكثرها قيمة وأكثرها نفاسة عند أهلها لحسن أخلاقها وكثرة منافعها. لماذا أنفسها أفضل؟ لأنه علامة الإيمان والإخلاص. لأن عتق مثل ذلك ما يقع غالبًا إلا خالصًا، وهو كقوله تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).

стр. 2681

فائدة: قال النووي: قوله ﷺ في الرقاب (أفضلها أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً) فالمراد به والله أعلم إذا أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما اذا كان معه ألف درهم وأمكن أن يشترى بها رقبتين مفضولتين أو رقبة نفيسة مثمنة فالرقبتان أفضل وهذا بخلاف الأضحية فان التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها في السمن. قال في "الفتح" بعدما ذكر نحو هذا: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فربّ شخص واحد إذا أُعتق انتفع بالعتق، وانتفع به أضعاف ما يَحصُل من النفع بعتق أكثر عددًا منه، وربّ محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم. فالضابط أن ما كان أكثر نفعًا كان أفضل، سواء قلّ أو كثر، واحْتُجّ به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمنًا من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ وغيره، وقالوا: المراد بقوله: "أغلى ثمنًا" من المسلمين. ويؤيّد ما قالوه حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أيما رجل أعتق امرءًا مسلمًا، استنقذ الله بكلّ عضو منه عضوًا منه من النار. (الفتح) اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن الإيمان أفضل الأعمال على الإطلاق. - فضل الجهاد وأنه من أفضل الأعمال وهو بعد الإيمان، قال ابن حبان: الواو في حديث أبي ذر هذا بمعنى (ثم)، وقد تقدم الجمع بين الأحاديث المختلفة في تفضيل الأعمال. - أن الأعمال الصالحة بعضها أفضل من بعض. - حرص الصحابة على الخير، حيث كانوا يسألون من أجل العمل. - علو الهمة، لسؤالهم أي العمل أفضل؟ - أن أفضل الرقاب عتقاً ما كان نفيساً غالياً عند أهله. قال الحافظ ابن حجر: فإن عتق مثل ذلك ما يقع غالباً إلا خالصاً وهو كقوله تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ). - فضل الثقة بوعد الله وأجره العظيم. - من علامات قوة الإيمان بذل المال في سبيل الله ثقة بوعد الله بالخلف. - فضل الكرم والسخاء. - مصداق قوله ﷺ : (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).

стр. 2682

١٤٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ اَلْعَبْدِ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ اَلْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ١٤٢٤ - وَلَهُمَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ). وَقِيلَ: إِنَّ اَلسِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي اَلْخَبَر. === (شركاً) بكسر الشين أي حصة ونصيباً. (عدل) بفتح العين وسكون الدال: أي من غير زيادة في قيمته ولا نقصان. (شقصاً) قال ابن الأثير: الشقص السهم في الملك والشركة فيه، قليلاً كان أو كثيراً. (استسعيَ العبد) قال العلماء: معنى الاستسعاء أن العبد يكلف الاكتساب والطلب. ماذا نستفيد من الحديث؟ هذه الأحاديث تتكلم عن العبد إذا كان بين شركاء. الحديث الأول: معناه أن العبد له عدة مالكين، وأعتق واحد منهم نصيبه [شِركه]، فيكون هذا المعتِق [الذي أعتق نصيبه] إن كان له مال فإنه يدفع للآخرين قيمة أنصبائهم ويعتق جميع العبد [يسري العتق على جميع العبد]، وإذا لم يكن له مال، فإنه يعتق نصيب المعتق، ويكون هذا العبد مبعضاً، يعني بعضه حر وبعضه عبد. الحديث الثاني: معناه نفس الحديث السابق لكن فيه زيادة تسعية العبد [أي يستسعى ويقال له اعمل] لكي يعطى بقية الشركاء حقهم. فالمعتق إذا أعتق نصيبه فإنه يعتق نصيبه مباشرة، وأما نصيب شريكه فإنه يعتق أيضاً، ويُقوّم عليه نصيب شريكه. لظاهر حديث الباب [ابن عمر]. هذا إذا كان المعتِق موسراً.

стр. 2683

أما إذا كان المعتق معسراً، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة: القول الأول: ينفذ العتق في نصيب المعتِق فقط ولا يطالب المعتق بشيء ولا يستسعى العبد، بل يبقى نصيب الشريك رقيقاً كما كان. وهذا مذهب جمهور العلماء: كمالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد. لحديث الباب (ابن عمر). وجعلوا قوله في الحديث الثاني (فإن لم يكن له مال قُوِّمَ المملوك قيمة عدل ثم استُسعيَ العبد) مدرجة. وقد جزم ابن المنذر والخطابي بأنه من فتيا قتادة. القول: يستسعى العبد في حصة الشريك. وهذا مذهب ابن شبرمة والأوزاعي وأبي حنيفة وابن أبي ليلى واستدلوا بالحديث الثاني (فإن لم يكن له مال قُوِّمَ المملوك قيمة عدل ثم استُسعيَ العبد). وهذا القول هو الراجح. فائدة: حرص الإسلام وتشوفه للعتق، وجعل له من السراية والنفوذ ما يفوت على مالك الرقيق رقه بغير اختياره في بعض الأحوال، التي منها ما ذكر في هذا الحديث، ومن هذه السراية: لو أن الإنسان ملك العبد كله، ثم أعتق بعضه، فإنه يعتق كله في الحال بغير استسعاء، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والعلماء كافة.

стр. 2684

١٤٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيُعْتِقَهُ) رَوَاهُ مُسْلِم. === (لَا يَجْزِي) بفتح أوله، من الجزاء الذي هو بمعنى المجازاة؛ أي: لا يكافئ. (وَلَدٌ وَالِدًا) أي: إحسان والد، يعني أنه لا يقوم بما له عليه من الحقوق حتى يفعل معه ذلك. (فَيُعْتِقَهُ) الذي في الصحيح (فيشتريه فيعتقه). ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنَّ فضلَ برٍّ بِالوَالدَيْنِ، أو أحدهما: هو أنْ يجد أباه أو أمه رقيقًا مملوكًا، فيشتريه ويعتقه؛ لأَنَّه خلَّصه من الرق، الَّذي حَرَمَه من الحرية، والاستقلال بالنفس، والكسب. وفي إعتاق الإنسان أباه، أو أُمَّه مجازاةٌ على إحسانهما إلى ولدهما؛ ذلك أنَّهما سبب وجوده من العدم، وهو بإعتاقهما أو إعتاقِ أحدهما -كأنَّه أخرجهما من العدم إلى الوجود؛ فإنَّ الرَّقيق مملوك المنافع والمكاسب .... (توضيح الأحكام). هل يعتق الوالد بمجرد الشراء أم لا بد من إعتاقه؟ اختلف العلماء: قيل: لا يعتق بمجرد الشراء وهذا مذهب أهل الظاهر. وقيل: يعتق بمجرد الشراء. وهذا قول جماهير العلماء. قال النووي: وَاخْتَلَفُوا فِي عِتْق الْأَقَارِب إِذَا مَلَكُوا. فَقَالَ أَهْل الظَّاهِر: لَا يَعْتِق أَحَد مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ الْمِلْك سَوَاء الْوَالِد وَالْوَلَد وَغَيْرهمَا بَلْ لَا بُدّ مِنْ إِنْشَاء عِتْق. وَاحْتَجُّوا بِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء: يَحْصُل الْعِتْق فِي الْآبَاء وَالْأُمَّهَات وَالْأَجْدَاد وَالْجَدَّات وَإِنْ عَلَوْا وَعَلَوْنَ، وَفِي الْأَبْنَاء وَالْبَنَات وَأَوْلَادهمْ الذُّكُور وَالْإِنَاث وَإِنْ سَفَلُوا بِمُجَرَّدِ الْمِلْك سَوَاء الْمُسْلِم وَالْكَافِر وَالْقَرِيب وَالْبَعِيد وَالْوَارِث وَغَيْره. وَتَأْوِيل الْجُمْهُور الْحَدِيث الْمَذْكُور عَلَى أَنَّهُ لَمَّا تَسَبَّبَ فِي شِرَاء الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ عِتْقه أُضِيفَ الْعِتْق إِلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَم.

стр. 2685

١٤٢٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَة. وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوف. === (ذا رَحِم) بفتح الرَّاء، وكسر الحاء، وأصله: موضع تكوين الولد، ثمَّ استعمل للقرابة؛ فالمراد بها هنا: كل من كان بينك وبينه نسب يوجب تحريم النكاح. (مَحْرَم) بفتح الميم، وسكون الحاء، وفتح الرَّاء المخففة، ويُقال: "مُحَرَّم" بصيغة المفعول من التحريم، والمحرم: من لا يحل نكاحه من الأقارب. ما صحة حديث الباب؟ سنده ضعيف، اختلف في وصله وإرساله، ورفعه ووقفه وغيرها من العلل. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن من أسباب العتق: أنَّ القريب إذا ملك قريبه (من بينه وبينه رحم محرمة للنكاح) فإنَّه يعتق، عليه بمجرد ملكه له ويكون حراً. قال ابن رشد: جمهور العلماء على أنَّه يعتق عليه بالقرابة؛ فقد أجمع الأئمة الأربعة على هذا الحكم، على اختلاف بينهم في تحديد ذلك، وتفصيله. فالحديث دليل على أن ملك من بينه وبينه رحِم محرمة للنكاح فإنه يعتق عليه بمجرد ملكهِ له فيكون حراً، فإذا ملك أباه أو أمه أو أخته أو خالته، ملكها بشراء أو بهبة أو بغنيمة فإنه بمجرد دخوله في ملكه فإنه يعتق عليه، فيدخل في الحديث الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأخوال والخالات، والأعمام والعمات لا أولادهم، لأنهم ليسوا من ذي الرحِم المحرّم. قال ابن قدامة: ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ: الْقَرِيبُ الَّذِي يَحْرُمُ نِكَاحُهُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا وَالْآخَرُ امْرَأَةً. وَهُمْ الْوَالِدَانِ وَإِنْ عَلَوْا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ جَمِيعًا، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، وَالْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ دُونَ أَوْلَادِهِمْ. فَمَتَى مَلَكَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَتَقَ عَلَيْهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَشَرِيكٌ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ. (المغني) الشافعي: لا يعتق بالملك إلا الآباء والأبناء. مالك: قصره على الأصول، والفروع، والإخوة، والأخوات فقط. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ أنَّ ذا الرحم يعتق بمجرد الملك أو الشراء. أن الشَّارع الحكيم الرحيم جَعَلَ للعتق عدَّةَ أسباب، ومن تلك الأسباب: أنَّ القريب إذا ملك قريبه، فإنَّه يعتق عليه. إذا ملك قريبا من أقاربه لا يحرم عليه فإنه لا يلزمه العتق.

стр. 2686

١٤٢٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ (أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ، عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيدًا) رَوَاهُ مُسْلِم. === (أَنَّ رَجُلاً) لا يُعرف اسمه، ولا عبيده الذين أعتقهم، وفي الرواية التالية (أن رجلًا من الأنصار أوصى عند موته، فأعتق ستة مملوكين). (أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ) وفي رواية أبي داود (ستة أعبد له). (عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: عند مرض موته، وظاهر هذا أنه نجّز عنقهم في هذه الحال. (لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وفي رواية النسائيّ (فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فغَضِبَ من ذلك، وقال: لقد هممتُ أن لا أصلي عليه) وفي رواية أبي داود (لو شهدته قبل أن يدفن، لم يُدفن في مقابر المسلمين). (فَجَزَّأَهُمْ) أي: قسّمهم. (أَثْلَاثًا) أي: ثلاث حصص، كل عبدين على حدة. (ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) القرعة: استهام يتعين به نصيب الإنسان. (فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً) أي: أبقى حكم الرق على الأربعة. (وَقَالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيدًا) أي: غلظ له بالقول والذم والوعيد. - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن العتق في مرض الموت يأخذ حكم الوصية، فلا ينفذ إلا فيما أذن فيه الشرع وهو الثلث فأقل. وهذا قول جمهور العلماء. مثال: لو أن شخصاً وهو في مرض الموت تبرع بنصف ماله، نقول: ليس لك أن تتبرع إلا بالثلث إلا أن يجيز الورثة. قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَابْن جَرِير وَالْجُمْهُور فِي إِثْبَات الْقُرْعَة فِي الْعِتْق وَنَحْوه، وَأَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَض مَوْته أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ الثُّلُث أَقْرَعَ بَيْنهمْ، فَيُعْتِق ثُلُثهمْ بِالْقُرْعَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: الْقُرْعَة بَاطِلَة لَا مَدْخَل لَهَا فِي ذَلِكَ؛ بَلْ يُعْتِق مِنْ كُلّ وَاحِد قِسْطه، وَيُسْتَسْعَى فِي الْبَاقِي لِأَنَّهَا خَطَر، وَهَذَا مَرْدُود بِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَأَحَادِيث كَثِيرَة. (شرح مسلم)

стр. 2687

فالمرض ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: المرض غير المخوف. هذا حكمه حكم الصحيح، فللإنسان أن يتبرع من كل ماله. جاء في (الملخص الفقهي) … مرض غير مخوف، أي: لا يخاف منه الموت في العادة، كوجع ضرس، وعين، وصداع يسير؛ فهذا القسم من المرض يكون تصرف المريض فيه لازماً كتصرف الصحيح، وتصح عطيته من جميع ماله، ولو تطور إلى مرض مخوف ومات منه، اعتبارًا بحاله حال العطية، لأنه في حال العطية في حكم الصحيح. القسم الثاني: المرض مرضاً مخوفاً (يخشى منه الهلاك)، ومن كان في حكمه كالواقف بين الصفين، ومن قدم ليقتل قصاصاً وكراكب البحر حال هيجانه. فهذا ليس له من ماله تبرعاً إلا الثلث (كأنه مات) فحكمه: حكم الوصية. فلا تجوز بزيادة على الثلث ولا لوارث بشيء ولو أقل من الثلث إلا بإجازة الورثة. لحديث الباب (أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته … فجزأهم أثلاثاً، فأعتق اثنين وأرق أربعة). - لماذا قال له قولاً شديداً؟ قال القرطبيّ ﵀: قوله (وقال له قولًا شديدًا) أي: غلّظ له بالقول، والذم، والوعيد؛ لأنه أخرج كل ماله عن الورثة، ومنعهم حقوقهم منه، ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله، وأن المدبَّر، والوصايا، إنما تُخرج من الثلث، وأن الوصية إذا مَنَع من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعي استحالت إلى الثلث، كما يقوله مالك. انتهى. وقال النوويّ: وَأَمَّا " قَوْله: (وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا) فَمَعْنَاهُ: قَالَ فِي شَأْنه قَوْلًا شَدِيدًا كَرَاهِيَة لِفِعْلِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى تَفْسِير هَذَا الْقَوْل الشَّدِيد: قَالَ (لَوْ عَلِمْنَا مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ) وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ النَّبِيّ ﷺ وَحْده كَانَ يَتْرُك الصَّلَاة عَلَيْهِ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ عَلَى مِثْل فِعْله … وَأَمَّا أَصْل الصَّلَاة عَلَيْهِ فَلَا بُدّ مِنْ وُجُودهَا مِنْ بَعْض الصَّحَابَة. - عرف القرعة وما دليل ثبوتها؟ القرعة: استهام يتعين به نصيب الإنسان. وتشرع: عند التساوي وعدم معرفة المستحق. فالقرعة يعمل بها: عند التساوي في الاستحقاق وعدم إمكان الجمع، قال ابن القيم: الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة صح استعمالها فيها.

стр. 2688

قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَابْن جَرِير وَالْجُمْهُور فِي إِثْبَات الْقُرْعَة فِي الْعِتْق وَنَحْوه. (نووي). والأدلة على مشروعيتها والعمل بها كثيرة جداً. قال تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيهِم إِذْ يُلقُونَ أَقلَامَهُم أَيُّهُمْ يَكفُلُ مَريَمَ). وقال تعالى (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدحَضِينَ) أي فقارع أهل السفينة فكان من المغلوبين. وعن أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا) متفق عليه. قال النووي: معناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان، وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقاً يحصلونه، لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحداً لاقترعوا في تحصيله. وعن عائشة. قالت (كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه) رواه البخاري. وعن النعمان بن بشير. قال: قال رسول الله ﷺ (مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا … ). وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لَوْ تَعْلَمُونَ - أَوْ يَعْلَمُونَ - مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً) رواه مسلم. قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ونبينا محمد ﷺ . وقال الإمام أحمد: أقرع النبي ﷺ في خمسة مواضع وهي في القرآن في موضعين. قال ابن القيم: والشارع جعل القرعة معينة في كل موضع تتساوى فيه الحقوق، ولا يمكن التعيين بها، إذ لولاها للزم أحد باطلين: إما الترجيح بمجرد الاختيار والشهوة وهو باطل في تصرفات الشارع، وإما بالتعطيل ووقف الأعيان، وفي ذلك تعطيل الحقوق وتضرر المكلفين بما لا تأتي به الشريعة الكاملة بل ولا السياسة العادلة. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث لأجنبي، إلاَّ بإجازة الورثة لها بعد الموت؛ لقوله ﷺ لسعد: "الثلث والثلث كثير"، والأجنبي هنا من ليس بوارث. - أنَّ التبرعات في مرض الموت حكمها حكم الوصية، فينفذ منها ما يجوز تنفيذه في الوصية، ويمنع منها ما يمنع فيها. - الحكمة لا ينفذ إلا الثلث: لأنه في حال المرض المخوف يغلب موته به، فكانت عطيته من رأس المال تجحف بالوارث، فردت إلى الثلث كالوصية.

стр. 2689

١٤٢٨ - وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁ قَالَ (كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أُعْتِقُكَ، وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْتَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ. === ما صحة حديث الباب؟ حديث حسن، فيه سعيد بن جمهان - وهو حسن الحديث - عن سفينة، به. وزادوا إلا أحمد (قال: قلت: لو أنك لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت. قال: فأعتقتني، واشترطت علي أن أخدم رسول الله ﷺ ما عشت). ما حكم تعليق العتق على أمر؟ يجوز. فإذا قال لعبده: أنت حر في وقت سماه (كقوله أنت حر إذا جاء رمضان). أو علق عتقه على شرط (كقوله أنت حر إن قدم زيد) عتق إذا جاء الوقت أو وجد الشرط. لأنه عتق بصفة فجاز كالتدبير. (لكن بشرط أن يكون في ملكه عند حصول الشرط). ولا يعتق قبل وجود ذلك: لأنه حق علق على شرط فلا يثبت قبله كالجعل في الجعالة. قال ابن قدامة: ويجوز تعليق العتق بصفة، نحو قوله: إن دخلت الدار فأنت حر، أو: إن أعطيتني ألفاً، فأنت حر، لأنه عتق بصفة، فجاز، كالتدبير، ولا يعتق قبل وجود الصفة بكمالها، لأنه حق علق على شرط، فلا يثبت قبله، كالجعل في الجعالة. وإن قال ذلك في مرض موته، اعتبر من الثلث، لأنه لو أعتقه، اعتبر من الثلث، فإذا عقده، كان أولى. (الكافي) فائدة: لا يبطل التعليق بقوله: أبطلت ما علقت عليه العتق، لأنه صفة لازمة ألزمها نفسه. وللسيد بيع العبد المعلق عتقه على شرط قبل حصول الشرط وله التصرف فيه بهبة وبيع وجعالة. ومتى عاد العبد المعلق عتقه على شرط أو صفة إلى سيده عاد إليه الشرط، كأن يبيعه أو يهبه ثم يعود إلى سيده بعد بيعه فإنه يعود إليه بشرطه. جمهور العلماء على أن من علق عتق عبده على شرط ثم باعه قبل وقوع الشرط أو وهبه، فإن وقع الشرط بعد ذلك، فإن البيع لا ينفسخ ولا تبطل الهبة ولا يعتق العبد. وبه يقول أبو حنيفة والشافعي. وهو مذهب أحمد، وقال النخعي وابن أبي ليلى: ينتقض البيع ويعتق العبد. - اذكر بعض الفوائد من الحديث؟ - جواز تنجيز العتق مع اشتراط نفعه للمعتِق، أو اشتراط نفعه لغير المعتِق. - صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق، وأنه يصح تعليق العتق بشرط، فيقع بوقوع الشرط. - فيه جواز اشتراط الخدمة على المعتَق مدة معلومة بعد العتق أو قبله.

стр. 2690

١٤٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ. === -الحديث تقدم شرحه (٧٩٠). وفيه أن الولاء لمن أعتق. فائدة: عن عَائِشَة قَالَتْ (كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وكان زوجها عبداً. قَالَتْ وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِى لَنَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ). رواه مسلم

стр. 2691

١٤٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (اَلْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ اَلنَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ) رَوَاهُ اَلشَّافِعِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم وَأَصْلُهُ فِي "اَلصَّحِيحَيْنِ" بِغَيْرِ هَذَا اَللَّفْظ. === (اَلْوَلَاءُ) المراد به هنا ولاء العتاقة، ما معنى قوله (لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ اَلنَّسَبِ)؟ وقال الزرقاني (في شرح الموطأ) الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» قَالَ الْأُبِّيُّ: هَذَا مِنْهُ ﷺ تَعْرِيفٌ لِحَقِيقَةِ الْوَلَاءِ شَرْعًا، وَلَا تَجِدُ تَعْرِيفًا أَتَمَّ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَالْعَتِيقِ نِسْبَةً تُشْبِهُ نِسْبَةَ النَّسَبِ وَلَيْسَتْ بِهِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ الْعَبْدَ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ كَالْمَعْدُومِ فِي نَفْسِهِ وَالْمُعْتِقُ صَيَّرَهُ مَوْجُودًا، كَمَا أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَعْدُومًا فَتَسَبَّبَ الْأَبُ فِي وُجُودِهِ، انْتَهَى. وَأَصْلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَى: "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَهُ بِالْحُرِّيَّةِ إِلَى النَّسَبِ حُكْمًا كَمَا أَنَّ الْأَبَ أَخْرَجَهُ بِالنُّطْفَةِ إِلَى الْوُجُودِ حِسًّا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ لَا يَقْضِي وَلَا يَلِي وَلَا يَشْهَدُ، فَأَخْرَجَهُ سَيِّدُهُ بِالْحُرِّيَّةِ إِلَى وُجُودِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ عَدَمِهَا، فَلَمَّا شَابَهَ حُكْمَ النِّسَبِ أُنِيطَ بِالْعِتْقِ فَلِذَا جَاءَ: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَأُلْحِقَ بِرُتْبَةِ النَّسَبِ، فَنَهَى عَنْ بَيْعِهِ وَعَنْ هِبَتِه. وقال الشيخ ابن جبرين: .... والمراد به أن الرجل إذا كان يملك عبداً فأعتقه، فذلك العبد العتيق يصير مولىً لذلك المعتق، وكأنه أحد أسرته وأحد أقاربه، ينتمي إلى تلك القبيلة التي هي قبيلة المعتق، وينتسب إليهم، ويكون كأحد أفرادهم، فلا يجوز أن تباع قرابته ولا أن توهب ولا أن تورث، بل تصير منة المعتق عليه أنه يلحق بنسبه ويكون كأحد أفراد النسب، هذا المراد بالولاء. ولهذا شبه بالنسب: (لحمة كلحمة النسب) والنسب لا يجوز أن يباع ولا يجوز أن يوهب، فلو أن إنساناً مثلاً من قبيلة مشهورة أراد أن يخرج عن هذه القبيلة ويقول: أنا أبرأ من هذه القبيلة، وأنا أنتسب إلى قبيلة أخرى، كما لو كان مثلاً من قبيلة تميم وأراد أن ينتسب إلى غطفان، هل يجوز له ذلك؟ لا يجوز، هل يجوز لبني تميم أن يبيعوا واحداً منهم، ويقولون: نبيعكم يا غطفان، نبيعكم يا بني حنظلة، نبيعكم يا رباب هذا الرجل الذي كان منا ويكون واحداً منكم وينتسب إليكم؟ نقول: هذا أيضاً لا يجوز. فإذا لم يجز بيع النسب فكذلك بيع الولاء. يقول: (نهى عن بين الولاء وهبته) البيع: أخذ العوض على المبيع، والهبة: الهدية بلا عوض أو بلا عوض مسمى. بمعنى أنه لا يجوز للمعتق أن يقول لإنسان أجنبي: بعتك قرابتي من هذا العبد الذي أعتقته بكذا وكذا، أو أهديتك قرابتي منه أو ولايتي منه، كما لا يجوز أن يبيع أولاده، فلا يجوز أن يقول: بعتك ولدي هذا، أو قرابتي من هذا الولد، أو أهديتك قرابتي من هذا الولد، أو قرابتي من هذا الأخ أو من هذا العم، أو نحو ذلك .... (شرح عمدة الأحكام) ماذا نستفيد من الحديث؟ تحريم بيع الولاء وعن هبته، لأن الرسول ﷺ شبهه بالنسب، والنسب لا ينتقل بعوض ولا بغير عوض. وقد تقدم ذلك في كتاب البيوع: في حديث ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2692

بَابُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ المدبر: تعليق العتق بالموت. قال النووي: أي قال له أنت حر بعد موتي، وسمي هذا تدبيراً لأنه يحصل العتق فيه في دبر الحياة. والمكاتَب: شراء العبد نفسه من سيده. وأم الولد: هي التي ولدت من سيدها في ملكه، بأن يطأها السيد فتضع ما تبين فيه خلق إنسان، فتعتق بموته من رأس ماله.

стр. 2693

١٤٣١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ (فَاحْتَاجَ). وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ (وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ وَقَالَ: اقْضِ دَيْنَكَ). === (دبّر) قال النووي: أي قال له أنت حر بعد موتي، وسمي هذا تدبيراً لأنه يحصل العتق فيه في دبر الحياة. (لم يكن له مال غيره) جاء في رواية (وعليه دين) وفي رواية (وكان محتاجاً وعليه دين فباعه النبي ﷺ بثمانمائة درهم وأعطاه وقال: اقض دينك). ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد جواز التدبير. قال النووي: وأجمع المسلمون على صحة التدبير. ما سبب بيع النبي ﷺ للعبد المدبر في حديث الباب؟ بيّنة الروايات سبب ذلك: في رواية البخاري (لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ) ففي هذه الرواية دلالة على أن سبب بيعه أنه لا يملك غيره. وفي رواية للبخاري أخرى ( … فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ فقال: من يشتريه مني) ففي هذه الرواية التصريح أن سبب بيعه هو احتياجه لثمنه. وجاء في رواية النسائي ( … وكان محتاجاً، وعليه ديْن، فباعه رسول الله ﷺ ففي هذه الرواية أن سبب بيعه هو الديْن. ما حكم بيع المدبّر؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: الجواز مطلقاً. قال النووي: وممن جوزه عائشة وطاووس وعطاء والحسن ومجاهد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود. قياساً على الموصَى بعتقه فإنه يجوز بيعه بالإجماع. (قاله النووي). وقالوا: إن قوله (وكان محتاجاً) لا مدخل له في الحكم، وإنما ذُكر لبيان السبب في المبادرة لبيعه. القول الثاني: لا يجوز بيعه. لحديث (لا يُباع مدبّر ولا يُوهب).

стр. 2694

القول الثالث: يجوز بيعه للحاجة. وهذا قول عطاء والحسن. واختار هذا القول ابن دقيق العيد. والراجح الجواز للحاجة. قال الشوكاني: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْفِسْقِ وَالضَّرُورَةِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ مُطْلَقًا. وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا لَا الْمُدَبَّرُ تَدْبِيرًا مُقَيَّدًا نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَفُلَانٌ حُرٌّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا. ثم قال ﵀: وَقَدْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ الْبَيْعِ لِمُطْلَقِ الْحَاجَةِ عَطَاءٌ، وَإِلَيْهِ مَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، فَقَالَ: مَنْ مَنَعَ الْبَيْعَ مُطْلَقًا كَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَنْعَ الْكُلِّيَّ يُنَاقِضُهُ الْجَوَازُ الْجُزْئِيُّ، وَمَنْ أَجَازَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: قُلْت بِالْحَدِيثِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَهُ مُطْلَقًا بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ: " وَكَانَ مُحْتَاجًا " لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِبَيَانِ السَّبَبِ فِي الْمُبَادَرَةِ لِبَيْعِهِ لِيُبَيِّنَ لِلسَّيِّدِ جَوَازَ الْبَيْع. (نيل الأوطار). هل المدبر يعتق من كل المال أم من الثلث؟ الجمهور يحسب من الثلث قياساً على الوصية. قال الشوكاني: وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّدْبِيرِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ يَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الثُّلُثِ؟ فَذَهَبَ الْفَرِيقَانِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ وَالْعِتْرَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : وَهُوَ حُرٌّ مِنْ الثُّلُثِ. وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَدَاوُد وَمَسْرُوقٌ إلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ قِيَاسًا عَلَى الْهِبَةِ وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُخْرِجُهَا الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَاعْتَذَرُوا عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَقَالِ الْمُتَقَدِّمِ. وَلَكِنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِالْوَصِيَّةِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْهِبَةِ لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمُشَابَهَةِ التَّامَّةِ (نيل الأوطار)

стр. 2695

قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا قال الإنسان لعبده: أنت حر بعد موتي، صح، فإذا مات عتق، ولكن لا يعتق إلا بعد الديْن ومن الثلث فأقل، فحكمه حكم الوصية. فإذا مات السيد والعبد مدبر، قيمته عشرة آلاف ريال، وعليه دين يبلغ عشرة آلاف، فإن العبد لا يعتق، لأن الدين مقدم عليه، ولهذا باع النبي ﷺ العبد المدبر لقضاء دين سيده. وإذا دبّر سيد عبده وقيمة العبد عشرة آلاف ريال، وعليه دين يبلغ خمسة آلاف ريال، وليس له سوى هذا العبد، فنصفه للدين ويعتق ثلث النصف الباقي، أي سدس جميعه، والباقي للورثة، فيباع العبد على أن سدسه حر، فيوفى الدين، والباقي من الثمن يكون ثلثه للعبد، لأنه كسبَه بجزئه الحر، والباقي للورثة. فائدة: جمهور الفقهاء بل عامتهم على أنه لا فرق في حكم بيع المدبر بين أن يكون عبدًا وبين أن يكون أمة. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - في الحديث نظر الإمام في مصالح رعيته وأمرهم إياهم بما فيه الرفق بهم وإبطالهم ما يضرهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها. - أن الإنسان ينبغي له أن يبدأ بنفسه وبمن يعول قبل الصدقة والتبرع. - العتق بالتدبير أقل أجراً من العتق حال الحياة، لأن عتق التدبير يكون بعد الموت، بعد أن خرج الإنسان من الدنيا، وقد قال النبي ﷺ (أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان) أي الوارث. - وكذلك العتق في مرض الموت أقل من العتق في الصحة. - وجوب الاهتمام بسداد الديون وما على الإنسان من حقوق.

стр. 2696

١٤٣٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ === ما صحة حديث الباب؟ حسن كما قال المصنف ﵀. عرف الكتابة، وما حكمها؟ الكتابة، هي: أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل. قال ابن قدامة: الْكِتَابَةُ: إعْتَاقُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدَّى مُؤَجَّلًا، سُمِّيَتْ كِتَابَةً؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ كِتَابَةً مِنْ الْكَتْبِ، وَهُوَ الضَّمُّ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْخَرَزُ كِتَابًا؛ لِأَنَّهُ يَضُمُّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ إلَى الْآخَرِ بِخَرْزِهِ .... (المغني) فالكتابة: هو شراء العبد نفسه من سيده بأن يقع بين الرقيق وسيده عقد اتفاق على أن الرقيق يدفع لسيده مبلغاً من المال وتكون هذه المال نجوماً موزعة على مدد معينة. فإذا أداها العبد لسيده عتق العبد وصار حراً. - قوله (بثمن مؤجل) أي: لا بد أن يكون المال مؤجلاً فلا تصح بمال حال. لأن العبد ليس عنده مال ولو ملَّكه أحد مالاً فماله لسيده. ولو قال قائل: العبد ليس عنده مال، ولكن لو فرض أن أحداً من الناس قال له: اشترِ نفسك من سيدك، وأنا أعطيك المال نقداً، ولهذا إن أراد المؤلف أنه لا بد من التأجيل فهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد تكون القضية كقضية بريرة مع عائشة ﵄ فإن بريرة كاتبت أهلها على تسع أواقٍ، ثم جاءت تستعين عائشة ﵂، فقالت: إن أراد أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فهذا دليل على أن الكتابة يجوز أن تكون بحالٍ إذا كان من غير العبد، أما من العبد فهذا متعذر؛ لأنه لا يملك. (الشرح الممتع) - والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). ومن السنة: حديث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ (جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَىَّ فَقَالَتْ يَا عَائِشَةُ إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ … ). متفق عليه

стр. 2697

وحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ) رواه أبو داود. وحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي. وأجمع العلماء على مشروعية الكتابة. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن المكاتب لا يعتق ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي ما عليه من مال الكتابة، فإن بقي عليه شيء ولو قليلاً فهو عبد، تجري عليه أحكام الرقيق. وهذا مذهب جمهور العلماء. قال النووي: أَنَّ الْمُكَاتَب لَا يَصِير حُرًّا بِنَفْسِ الْكِتَابَة بَلْ هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَم كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الْمَشْهُور فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء.

стр. 2698

١٤٣٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .. === ما صحة حديث الباب؟ إسناده ضعيف. نَبْهان مُكاتَب أم سلمة مقبول حيث يتابع، ولم يتابع على هذا الحديث وتفرد به. قال الإِمام أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين، يعني هذا الحديث وحديث أفعمياوان أنتُما. ماذا نستفيد من الحديث؟ الحديث يدل على أن المكاتب إذا كان معه من المال ما يفي بما عليه من دين الكتابة فإن مولاته تحتجب منه لأنه قد صار حراً، وإن لم يكن سلم هذا المال إليها. لكن الحديث ضعيف، وهو معارض: أولاً: بالحديث السابق. (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ درهم). ثانياً: عمل عائشة بخلافه: فقد روى البيهقي في "سننه" بإسناد صحيح عن سليمان بن يسار قال (استأذنت على عائشة، فقالت: مَنْ هذا؟ فقلتُ: سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك، قال: قلت: عشر أواقٍ، قالت: ادخُل، فإنك عبد ما بقي عليك درهم). فائدة: استدل بالحديث من قال أن المرأة لا تحتجب عن عبدها الذي تملكه. جاء في موقع (الإسلام س ج): اتفقوا - أي العلماء - على وجوب احتجاب المرأة أمام العبيد الأجانب الذين لا تملكهم، لكن وقع الخلاف في وجوب احتجاب المرأة من عبدها الذي تملكه على أقوال منها القول الأول: جواز أن تظهر المرأة أمام مملوكها بما تظهر به عادة أمام المحارم. وإلى ذلك ذهب بعض الشافعية والمالكية والحنابلة. واستدلوا لذلك بقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ .. ) إلى قوله (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ).

стр. 2699

وبما روي عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ كَانَ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ﵂ ثَوْبٌ إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا تَلْقَى قَالَ: (إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ) أخرجه أبو داود. ولحديث الباب (إِنْ كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ). وقالوا أن هذا الحديث دل بمفهومه على عدم وجوب احتجابها منه إذا لم يكاتب ولم يجد مال الكتابة. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" وأطلق علماؤنا المتأخرون القول بأن غلام المرأة في ذوي محارمها يحل منها ما يحل لذي المحرم، وهو صحيح في القياس " انتهى وقال المرداوي في الإنصاف: " والصحيح من المذهب (أي الحنبلي) أن للعبد النظر من مولاته إلى ما ينظر إليه الرجل من ذوات محارمه " انتهى. القول الثاني: أن المرأة يجب أن تحتجب أمام مملوكها وأنه لا يجوز له النظر إليها. وإلى هذا ذهب فريق من العلماء منهم جمهور السلف كابن مسعود ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين وطاووس وسعيد بن المسيب والشعبي وهو قول أبي حنيفة وأحمد والشافعي في رواية. واستدلوا بعموم الأدلة على منع الرجال من النظر إلى النساء، ووجوب احتجاب المرأة منهم. وقالوا: إن العبيد رجال فحول والشهوةُ متحققة فيهم، وهم ليسوا أزواجًا ولا محارم، بل أجانب؛ فحرمة زواج المرأة من مملوكها لا تجعله محرمًا لها؛ لأن هذه الحرمة ليست على التأبيد وإنما هي حرمة مؤقتة عارضة بسبب الرق؛ بدليل أنه يجوز له أن يتزوجها إن تحرر؛ ومن ثم فلا يحل للعبد النظر إلى مولاته، ولا يجوز لها التكشف وإبداء الزينة أمامه. وتأولوا آية سورة النور بأنها في حق الإماء الإناث فقط دون الذكور، واستدلوا بما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: " لا تغرنكم آية النور فإنما عني بها الإماء، ولم يعن بها العبيد. قال الجصاص في " أحكام القرآن ": " قال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وابن المسيب: إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته، وهو مذهب أصحابنا، إلا أن يكون ذا محرم. وتأولوا قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) على الإماء؛ لأن العبد والحر في التحريم سواء، فهي وإن لم يجز لها أن تتزوجه وهو عبدها، فإن ذلك تحريم عارض كمن تحته امرأة أختها محرمة عليه ولا يبيح له ذلك النظر إلى شعر أختها، وكمن عنده أربع نسوة سائر النساء محرمات عليه في الحال ولا يجوز له أن يستبيح النظر إلى شعورهن، فلما لم يكن تحريمها على عبدها في الحال تحريمًا مؤبدًا كان العبد بمنزلة سائر الأجنبيين.

стр. 2700

وأيضا قال النبي ﷺ (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم). والعبد ليس بذي محرم منها، فلا يجوز أن يسافر بها، وإذا لم يجز له السفر بها لم يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي. فإن قيل: هذا يؤدي إلى إبطال فائدة ذكر ملك اليمين في هذا الموضع؟ قيل له: ليس كذلك لأنه قد ذكر النساء في الآية بقوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) وأراد بهن الحرائر المسلمات، فجاز أن يظن ظان أن الإماء لا يجوز لهن النظر إلى شعر مولاتهن وإلى ما يجوز للحرة النظر إليه منها، فأبان تعالى أن الأمة والحرة في ذلك سواء، وإنما خص نساءهن بالذكر في هذا الموضع لأن جميع من ذكر قبلهن هم الرجال بقوله: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنّ .. ) إلى آخر ما ذكر، فكان جائزًا أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذا كانوا ذوي محارم، فأبان تعالى إباحة النظر إلى هذه المواضع من نسائهن سواء كن ذوات محارم أو غير ذوات محارم، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) لئلا يظن ظان أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذ كان ظاهر قوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) يقتضي الحرائر دون الإماء، كما كان قوله: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ .. ) النور/ ٣٢، على الحرائر دون المماليك، وقوله: (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) الأحرار؛ لإضافتهم إلينا، كذلك قوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) على الحرائر، ثم عطف عليهن الإماء فأباح لهن مثل ما أباح في الحرائر " انتهى. وأجاب أصحاب القول الثاني كذلك عن حديث أنس بأنه واقعة حال، وبأن قوله ﷺ : (وغلامك) يدل بظاهره على أن هذا المملوك كان صغيرًا. وأجابوا عن حديث أم سلمة بأنه ضعيف لا يصح لجهالة نبهان مولى أم سلمة راوي الحديث، وقد نقل البيهقي في سننه (١٠/ ٣٢٧) عن الشافعي قوله: " لم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث " انتهى. القول الثالث: أجاز فريق من العلماء أن ينظر المملوك إلى الوجه والكفين من مولاته للحاجة فقط، وأنه بذلك لا يعد كمحارمها، فلا يجوز له الخلوة بها ولا السفر معها. ولعل هذا هو أعدل الأقوال وأوسطها وأقربها جمعًا للنصوص. انتهى.
следующие страницы →