← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

١٤٣٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ === ما صحة حديث الباب؟ حسن كما قال المصنف ﵀. عرف الكتابة، وما حكمها؟ الكتابة، هي: أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل. قال ابن قدامة: الْكِتَابَةُ: إعْتَاقُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدَّى مُؤَجَّلًا، سُمِّيَتْ كِتَابَةً؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ كِتَابَةً مِنْ الْكَتْبِ، وَهُوَ الضَّمُّ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْخَرَزُ كِتَابًا؛ لِأَنَّهُ يَضُمُّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ إلَى الْآخَرِ بِخَرْزِهِ .... (المغني) فالكتابة: هو شراء العبد نفسه من سيده بأن يقع بين الرقيق وسيده عقد اتفاق على أن الرقيق يدفع لسيده مبلغاً من المال وتكون هذه المال نجوماً موزعة على مدد معينة. فإذا أداها العبد لسيده عتق العبد وصار حراً. - قوله (بثمن مؤجل) أي: لا بد أن يكون المال مؤجلاً فلا تصح بمال حال. لأن العبد ليس عنده مال ولو ملَّكه أحد مالاً فماله لسيده. ولو قال قائل: العبد ليس عنده مال، ولكن لو فرض أن أحداً من الناس قال له: اشترِ نفسك من سيدك، وأنا أعطيك المال نقداً، ولهذا إن أراد المؤلف أنه لا بد من التأجيل فهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد تكون القضية كقضية بريرة مع عائشة ﵄ فإن بريرة كاتبت أهلها على تسع أواقٍ، ثم جاءت تستعين عائشة ﵂، فقالت: إن أراد أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فهذا دليل على أن الكتابة يجوز أن تكون بحالٍ إذا كان من غير العبد، أما من العبد فهذا متعذر؛ لأنه لا يملك. (الشرح الممتع) - والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). ومن السنة: حديث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ (جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَىَّ فَقَالَتْ يَا عَائِشَةُ إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ … ). متفق عليه

стр. 2697

وحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ) رواه أبو داود. وحديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي. وأجمع العلماء على مشروعية الكتابة. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن المكاتب لا يعتق ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي ما عليه من مال الكتابة، فإن بقي عليه شيء ولو قليلاً فهو عبد، تجري عليه أحكام الرقيق. وهذا مذهب جمهور العلماء. قال النووي: أَنَّ الْمُكَاتَب لَا يَصِير حُرًّا بِنَفْسِ الْكِتَابَة بَلْ هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَم كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الْمَشْهُور فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء.

стр. 2698

١٤٣٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .. === ما صحة حديث الباب؟ إسناده ضعيف. نَبْهان مُكاتَب أم سلمة مقبول حيث يتابع، ولم يتابع على هذا الحديث وتفرد به. قال الإِمام أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين، يعني هذا الحديث وحديث أفعمياوان أنتُما. ماذا نستفيد من الحديث؟ الحديث يدل على أن المكاتب إذا كان معه من المال ما يفي بما عليه من دين الكتابة فإن مولاته تحتجب منه لأنه قد صار حراً، وإن لم يكن سلم هذا المال إليها. لكن الحديث ضعيف، وهو معارض: أولاً: بالحديث السابق. (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ درهم). ثانياً: عمل عائشة بخلافه: فقد روى البيهقي في "سننه" بإسناد صحيح عن سليمان بن يسار قال (استأذنت على عائشة، فقالت: مَنْ هذا؟ فقلتُ: سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك، قال: قلت: عشر أواقٍ، قالت: ادخُل، فإنك عبد ما بقي عليك درهم). فائدة: استدل بالحديث من قال أن المرأة لا تحتجب عن عبدها الذي تملكه. جاء في موقع (الإسلام س ج): اتفقوا - أي العلماء - على وجوب احتجاب المرأة أمام العبيد الأجانب الذين لا تملكهم، لكن وقع الخلاف في وجوب احتجاب المرأة من عبدها الذي تملكه على أقوال منها القول الأول: جواز أن تظهر المرأة أمام مملوكها بما تظهر به عادة أمام المحارم. وإلى ذلك ذهب بعض الشافعية والمالكية والحنابلة. واستدلوا لذلك بقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ .. ) إلى قوله (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ).

стр. 2699

وبما روي عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ كَانَ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ﵂ ثَوْبٌ إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا تَلْقَى قَالَ: (إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ) أخرجه أبو داود. ولحديث الباب (إِنْ كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ). وقالوا أن هذا الحديث دل بمفهومه على عدم وجوب احتجابها منه إذا لم يكاتب ولم يجد مال الكتابة. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" وأطلق علماؤنا المتأخرون القول بأن غلام المرأة في ذوي محارمها يحل منها ما يحل لذي المحرم، وهو صحيح في القياس " انتهى وقال المرداوي في الإنصاف: " والصحيح من المذهب (أي الحنبلي) أن للعبد النظر من مولاته إلى ما ينظر إليه الرجل من ذوات محارمه " انتهى. القول الثاني: أن المرأة يجب أن تحتجب أمام مملوكها وأنه لا يجوز له النظر إليها. وإلى هذا ذهب فريق من العلماء منهم جمهور السلف كابن مسعود ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين وطاووس وسعيد بن المسيب والشعبي وهو قول أبي حنيفة وأحمد والشافعي في رواية. واستدلوا بعموم الأدلة على منع الرجال من النظر إلى النساء، ووجوب احتجاب المرأة منهم. وقالوا: إن العبيد رجال فحول والشهوةُ متحققة فيهم، وهم ليسوا أزواجًا ولا محارم، بل أجانب؛ فحرمة زواج المرأة من مملوكها لا تجعله محرمًا لها؛ لأن هذه الحرمة ليست على التأبيد وإنما هي حرمة مؤقتة عارضة بسبب الرق؛ بدليل أنه يجوز له أن يتزوجها إن تحرر؛ ومن ثم فلا يحل للعبد النظر إلى مولاته، ولا يجوز لها التكشف وإبداء الزينة أمامه. وتأولوا آية سورة النور بأنها في حق الإماء الإناث فقط دون الذكور، واستدلوا بما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: " لا تغرنكم آية النور فإنما عني بها الإماء، ولم يعن بها العبيد. قال الجصاص في " أحكام القرآن ": " قال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وابن المسيب: إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته، وهو مذهب أصحابنا، إلا أن يكون ذا محرم. وتأولوا قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) على الإماء؛ لأن العبد والحر في التحريم سواء، فهي وإن لم يجز لها أن تتزوجه وهو عبدها، فإن ذلك تحريم عارض كمن تحته امرأة أختها محرمة عليه ولا يبيح له ذلك النظر إلى شعر أختها، وكمن عنده أربع نسوة سائر النساء محرمات عليه في الحال ولا يجوز له أن يستبيح النظر إلى شعورهن، فلما لم يكن تحريمها على عبدها في الحال تحريمًا مؤبدًا كان العبد بمنزلة سائر الأجنبيين.

стр. 2700

وأيضا قال النبي ﷺ (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم). والعبد ليس بذي محرم منها، فلا يجوز أن يسافر بها، وإذا لم يجز له السفر بها لم يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي. فإن قيل: هذا يؤدي إلى إبطال فائدة ذكر ملك اليمين في هذا الموضع؟ قيل له: ليس كذلك لأنه قد ذكر النساء في الآية بقوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) وأراد بهن الحرائر المسلمات، فجاز أن يظن ظان أن الإماء لا يجوز لهن النظر إلى شعر مولاتهن وإلى ما يجوز للحرة النظر إليه منها، فأبان تعالى أن الأمة والحرة في ذلك سواء، وإنما خص نساءهن بالذكر في هذا الموضع لأن جميع من ذكر قبلهن هم الرجال بقوله: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنّ .. ) إلى آخر ما ذكر، فكان جائزًا أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذا كانوا ذوي محارم، فأبان تعالى إباحة النظر إلى هذه المواضع من نسائهن سواء كن ذوات محارم أو غير ذوات محارم، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) لئلا يظن ظان أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذ كان ظاهر قوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) يقتضي الحرائر دون الإماء، كما كان قوله: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ .. ) النور/ ٣٢، على الحرائر دون المماليك، وقوله: (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) الأحرار؛ لإضافتهم إلينا، كذلك قوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) على الحرائر، ثم عطف عليهن الإماء فأباح لهن مثل ما أباح في الحرائر " انتهى. وأجاب أصحاب القول الثاني كذلك عن حديث أنس بأنه واقعة حال، وبأن قوله ﷺ : (وغلامك) يدل بظاهره على أن هذا المملوك كان صغيرًا. وأجابوا عن حديث أم سلمة بأنه ضعيف لا يصح لجهالة نبهان مولى أم سلمة راوي الحديث، وقد نقل البيهقي في سننه (١٠/ ٣٢٧) عن الشافعي قوله: " لم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث " انتهى. القول الثالث: أجاز فريق من العلماء أن ينظر المملوك إلى الوجه والكفين من مولاته للحاجة فقط، وأنه بذلك لا يعد كمحارمها، فلا يجوز له الخلوة بها ولا السفر معها. ولعل هذا هو أعدل الأقوال وأوسطها وأقربها جمعًا للنصوص. انتهى.

стр. 2701

١٤٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (يُودَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْد) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. === (يُودَى) بضم الياء أي: يعطى دية. (بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ) أي: بحصة ما صار منه حراً بأداء بعض نجوم الكتابة. (وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْد) أي: ويعطى المكاتب دية العبد بقدر ما بقي منه عبداً. ما صحة حديث الباب؟ هذا الحديث اختلف فيه اختلافاً كبيراً ومداره على عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس، واختلف في وصله وإرساله وسيأتي كلام البيهقي فيه إن شاء الله. ما معنى الحديث؟ والمعنى: أنه ﷺ حكم للمكاتب إذا قُتِل أنه يُعطى دية الحر بقدر ما أدّى منْ مال الكتابة؛ لأنه حر بقدر ذلك، ويُعطى دية العبد بقدر ما بقي، فلو أدّى نصفه مثلاً، يعطى نصف دية الحرّ، ونصف دية العبد. ماذا نستفيد من الحديث؟ هذا الحديث يدل على أن المكاتب إذا أدى بعض أقساط دين الكتابة، أنه يكون مبعضاً، بعضه حر وبعضه رقيق. فإذا قتل المكاتب فإن فيه دية حر ودية رقيق، بقدر ما فيه من الحرية وما بقي فيه من الرق، فعلى قاتله نصف دية حر ونصف قيمته. وهذا الحديث معارض بالحديث الذي تقدم (أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم). فالراجح مذهب الجمهور أنه لا يثبت له شيء من أحكام الأحرار حتى يستكمل حريته. قَالَ فِي "المغني": قَالَ الخطّابيّ: أجمع عوام الفقهاء، عَلَى أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فِي جنايته، والجناية عليه، إلا إبراهيم النخعي، فإنه قَالَ فِي المكاتب يُؤدي بقدر ما أدى منْ كتابته دية الحر، وما بقي دية العبد، ورُوي فِي ذلك شيء عن علي ﵁، وَقَدْ رَوَى أبو داود فِي "سننه"، والإمام أحمد فِي "مسنده"، قَالَ: حدثنا محمد بن عبد الله، ثنا هشام بن أبي عبد الله، قَالَ: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: قضى رسول الله ﷺ فِي المكاتب، يُقتل أنه يُودَى ما أدى منْ كتابته دية الحر، وما بقي دية العبد، قَالَ الخطّابيّ: وإذا صح الْحَدِيث وجب القول به، إذا لم يكن منسوخًا، أو معارضا بما هو أولى منه. (المغني) قال البيهقي: حديث عكرمة إذا وقع فيه الاختلاف وجب التوقف فيه، وهذا المذهب إنما يروي عن علي بن أبي طالب ﵁ وهو أنه يعتق بقدر ما أدى وفي ثبوته عن النبي ﷺ نظر والله أعلم. (السنن الكبرى)

стр. 2702

١٤٣٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ اَلْحَارِثِ- أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ اَلْمُؤْمِنِينَ ﵄ قَالَ (مَا تَرَكَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ اَلْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. === - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ اَلْحَارِثِ) هو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار أخو جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها، روى عمرو عن أخته جويرية، وعن أبيه الحارث، وعن ابن مسعود ﵁. أَخِي جُوَيْرِيَةَ) بنت الحارث، سباها النبي ﷺ في غزوة بني المصطلق، ماتت سنة: ٥٦ هـ. قال ابن القيم: وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ السّبْيِ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ سَيّدِ الْقَوْمِ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَكَاتَبَهَا فَأَدّى عَنْهَا رَسُولُ اللّهِ ﷺ وَتَزَوّجَهَا فَأَعْتَقَ الْمُسْلِمُونَ بِسَبَبِ هَذَا التّزْوِيجِ مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مَنْ بُنِيَ الْمُصْطَلِقِ قَدْ أَسْلَمُوا وَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللّهِ ﷺ . (إِلَّا بَغْلَتَهُ اَلْبَيْضَاءَ) وفي رواية (إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها). (وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً) وفي رواية (وأرضا بخيبر جعلها صدقة) وفي رواية (وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة). ماذا نستفيد من الحديث؟ فيه بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد في الدنيا والتقلل منها. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة. قال ابن القيم ﵀: " وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها. وقال الإمام أحمد ﵀: الزهد على ثلاثة أوجه، الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين. وقد تكفَّل الله لمن لا يجعل الدنيا أكبر همه بالسعادة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : من كانت الآخرة هَمّهُ جعل الله كفاه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له .... (وسيأتي كلام عن الزهد في كتاب الجامع)

стр. 2703

كرم النبي ﷺ ، ففي الحديث إشارة إلى اتصاف النبي ﷺ بالكرم. قال القسطلاني ﵀ على قول عمرو بن الحارث في الحديث (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته: درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة) فيه دلالة على أن من ذكر من رقيق النبي ﷺ في جميع الأخبار كان إمَّا مات وإمَّا أعتقه. وقال العيني: وقد ذكرنا في تاريخنا الكبير أنه كان له عبيد ما ينيف على ستين، وكانت له عشرون أمة، فهذا يدل على أن منهم من مات في حياة النبي ﷺ ، ومنهم من أعتقهم، ولم يبق عبد بعده ولا أمة وهو في الرِّقيّة. (العمدة) وهذا يدل على كرمه ﷺ : فعن أنس ﵁ قال (ما سُئِل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: "فجاء رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة). (وسيأتي كلام عن الكلام إن شاء الله في كتاب الجامع). الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى، فقد دل الحديث على الإِعداد للجهاد والتأهب له. قال القسطلاني ﵀ في شرحه لهذا الحديث (إلا سلاحه) أي الذي أعده لحرب الكفار: كالسيوف. وقال ابن الأثير: السلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به، والسيف وحده يسمى سلاحاً. أهمية الوقف، فقد دل مفهوم الحديث وما في معناه من الأحاديث الأخرى على أن الوقف له أهمية بالغة؛ ولهذا اعتنى به النبي ﷺ كما في هذا الحديث (وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة) وقال ﷺ : إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. لم يوص النبي ﷺ وصية المال لأحد؛ لأنه لا يورث، وأوصى بأشياء أخرى. المؤمن يأخذ من الدنيا بقدر ما يعينه على الآخرة، ويقتدي بالرسول ﷺ في ذلك.

стр. 2704

١٤٣٦ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف. وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَر. === ما صحة حديث الباب؟ الراجح وقفه على عمر، وهو الصواب، فقد رواه البيهقي في «الكبرى» بسند صحيح عن عمر ﵁ قال (إذا ولدت أم الولد من سيدها، فقد عتقت وإن كان سقطاً). وقد ضعَّف الحافظ في «التلخيص» المرفوع، وصحَّح الموقوف. وهو الصواب. ماذا نستفيد من الحديث؟ أن أم الولد (هي التي ولدت لسيدها في ملكه) أن يطأ سيد أمته فتضع ما يتبين فيه خلق إنسان سواء وضعته حياً أو ميتاً فإنها تعتق بموته من رأس ماله. بشرط أن تضع ما يتبين فيه خلق إنسان سواء ولدته حياً أو ميتاً، وتكون حرة بعد موت سيدها وتعتق عتقاً قهرياً من رأس المال. قال الشيخ ابن عثيمين: يعني إذا ولدت ولو ميتاً أو حياً فإنه لا بد أن يتبين فيه خلق إنسان، يتبين فيه اليدان والرجلان والرأس، وهذا إنما يكون بعد بلوغ الحمل ثمانين يوماً، أما قبل ذلك فلا يمكن أن يُخَلَّق؛ لأن الجنين في بطن أمه يكون في الأربعين الأولى نطفة، وفي الثانية علقة، ثم في الثالثة يكون مضغة مخلقة وغير مخلقة، إذاً لا يمكن أن يبدأ التخطيط إلا بعد الثمانين، فبعد الثمانين يمكن أن يخلق، وفي التسعين الغالب أنه مخلَّقٌ.

стр. 2705

١٤٣٧ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اَللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم. === ما صحة حديث الباب؟ إسناده ضعيف؛ فيه عبد الله بن سهل بن حنيف وهو مجهول، وكذلك عبد الله بن محمد بن عقيل لا يقبل منه إذا تفرد. - ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد إثبات الكتابة - كما تقدم أدلتها - وفضل من أعان مكاتباً على كتابته. وقد تقدم تعريف الكتابة: وهي: أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل. ما حكم الكتابة إذا طلبها الرقيق؟ تسن الكتابة إذا طلب العبد ذلك من سيده. لقوله تعالى (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). لكن الله اشترط أن يعلم أسيادهم فيهم خيراً، وهو: أ- الصلاح في الدين. ب- والقدرة على الاكتساب. لأنه لو كان غير صالح في دينه ازداد بعد عتقه فساداً، ويخشى أن يميل بعاطفته إلى الكفر، ولو كان غير قادر على الاكتساب كمريض صار كَلاًّ على الناس. وهذا الأمر للاستحباب. وهذا مذهب جماهير العلماء. قال ابن قدامة: إذَا سَأَلَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ مُكَاتَبَتَهُ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتُهُ، إذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ. فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم .... (المغني) وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجب إجابته، إن علمنا فيه خيراً. (صلاح في الدين - وقدرة على الكسب). لظاهر الآية (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً). وهذا أمر، والأمر للوجوب. والراجح مذهب الجمهور. لأن العبد مال للسيد، وقد قال الرسول ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد.

стр. 2706

- اذكر بعض أحكام الكتابة؟ فائدة: ١ قال ابن قدامة: وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَدَاءِ عِوَضِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ إلَّا بِالِاكْتِسَابِ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ أَقْوَى جِهَاتِ الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ، أَنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ. وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَيُعْطِيَ، فِيمَا فِيهِ الصَّلَاحُ لِمَالِهِ، وَالتَّوْفِيرُ عَلَيْهِ. وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ؛ فِي مَأْكَلِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَكُسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهُ، وَعَلَى رَقِيقِهِ، وَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ. وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبِيدِهِ، وَتَعْزِيرُهُمْ، إذَا فَعَلُوا مَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ، فَمَلَكَهُ، كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ. (المغني). فائدة: ٢ ويجوزُ بيعُ المكاتَب، ومُشْتريهِ يقومُ مَقامَ مُكاتِبِه. لحديث عائشة ﵂ قالت (جاءَتني بريرة فقالت: كاتَبْتُ أَهلي عَلى تسعِ أوَاقٍ، في كلِّ عَامٍ أُوقيةٌ، فأعينيني. فقلت: إن أحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أعُدَّها لَهُم، ويَكُونَ وَلَاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا، فقالت لَهُمْ، فأبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِم، ورَسولُ الله ﷺ جَالِسٌ، فقالت: إنِّي عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فأبَوْ إلاَّ أنْ يكُونَ لَهُمْ الْوَلاءُ، فأخْبَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ النبي ﷺ فقالَ: (خُذِيَها، وَاشْتَرطِي لهُم الوَلَاءَ، فإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ) فَفَعَلَتْ عائشة، ثم قام النبي ﷺ في النَّاسِ، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: ما بالُ رجالٍ يشترطونَ شرُوطاً لَيْسَتْ في كتابِ اللهِ ما كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كتاب اللهِ فَهُوَ باطلٌ وَإنْ كانَ مَائَةَ شَرْط، فقضاءُ الله أحق، وَشَرْطُهُ أوْثَقُ، فإنما الولاء لمن أعتق) متفق عليه.

стр. 2707

قال ابن الملقن: اختلف العلماء في جواز بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: أحدها: جوازه. وهو قول عطاء والنخعي وأحمد ومالك في رواية الشافعي في أحد قوليه. استدلالاً بهذا الحديث. وعليه بوب البخاري بيع المكاتبة إذا رضي المكاتب. فإن بريرة كانت مكاتبة وباعتها الموالي واشترتها عائشة وأمر ﷺ ببيعها وعليه بوب البخاري بيع المكاتب إذا رضي المكاتب. (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) فائدة: ٣ الكتابة عقد لازم، فليس للآخر فسخ الكتابة إلا بإذن صاحبه. فائدة: ٤ ولا تنفسخ بموت السيد وجنونه، لأنها عقد لازم أشبه البيع، فإذا مات السيد أدى المكاتب ما عليه لورثة السيد. قال ابن قدامة: … وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَتِهِ، لَا سَبِيلَ إلَى فَسْخِهِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يُؤَدِّي نُجُومَهُ، وَمَا بَقِيَ مِنْهَا، إلَى وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لِمَوْرُوثِهِمْ، وَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. (المغني). فائدة: ٤ إذا حلّ نجم فلم يؤده فلسيده الفسخ، لأن السيد رضي بالكتابة على أن يسلم له مال الكتابة على الوجه الذي كاتبه عليه، فإذا لم يف فله الحق في فسخ العتق. فائدة: ٥ قال ابن قدامة: وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ، وَيَمُوتُ عَبْدًا، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ. فائدة: ٦ ليس للمكاتب أن يتزوج من غير إذن سيده. قال ابن قدامة: هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ لقول النَّبِيِّ ﷺ (أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ). وَلِأَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرًا، لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ نَاقِصَ الْقِيمَةِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ مِنْ كَسْبِهِ، فَيَعْجِزُ عَنْ تَأْدِيَةِ نُجُومِهِ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، كَالتَّبَرُّعِ بِهِ.

стр. 2708

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ .... (المغني) ما المراد بالظل في قوله (أظله الله في ظله)؟ اختلف العلماء في المراد في هذا الظل: القول الأول: المراد في ظل عرشه. وإلى هذا ذهب الطحاوي، وابن رجب، والقرطبي، وابن حجر، وهو ظاهر صنيع ابن منده، والسيوطي، وحافظ حكمي. ويدل عليه: أ-حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه … ) وحسن إسناده ابن حجر، والعيني، والسيوطي. ب- أن الظل جاء مضافاً إلى العرش في عدة أحاديث غير هذا: كحديث (من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه … ) رواه الترمذي. وحديث (المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله). القول الثاني: المراد بالظل المضاف إلى الله في الحديث رحمته. وإلى هذا ذهب ابن عبد البر في أحد قوليه، وذكره البغوي، والبيهقي وغيرهما. وأصحاب هذا القول، منهم من يفسر الرحمة بدخول الجنة كابن عبد البر، ومنهم من يفسرها بالرعاية والكرامة والحماية، كما يقال: أسبل الأمير أو الوزير ظله على فلان، بمعنى الرعاية والحماية. وممن فسرها بهذا: عيسى بن دينار، والبيهقي، والبغوي، والقاضي عياض. القول الثالث: أن المراد بالظل في الحديث: ظل يخلقه الله، لأنه في ذلك الوقت لا يوجد شيء يظل الخلائق من الشمس، فلا بناء ولا شجر ولا رمال ولا حجر، إلا ما يخلقه الله تعالى. وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين. والراجح الأول.

стр. 2709

اذكر بعض الخصال والطاعات الموجبة لهذا الفضل (في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله)؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) متفق عليه. قال ﷺ (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّه) رواه مسلم. قال ﷺ (من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه … ) رواه الترمذي. وقال ﷺ (المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله). وعن أبي هريرة. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي) رواه مسلم. وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (قَالَ اللَّهُ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي فِي ظِلِّ عَرْشِي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي) رواه أحمد. وعن عقبة بن عامر ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول (كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ) رواه أحمد. فائدة: هناك آخرون يظلّهم الله في ظلّه -غير السبعة المذكورين في الحديث السابق- جاء ذكرهم في أحاديث أخرى، نظمهم ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري وهم: "إِظْلال الْغَازِي، وعَوْن الْمُجَاهِد، وإِنْظَار الْمُعْسِر وَالْوَضِيعَة عَنْهُ وَتَخْفِيف حِمْلِهِ، وَإِرْفَادَ ذِي غُرْم، وَعَوْن الْمَكَاتِب، وتَحْسِين الْخُلُق، والمَشْي إلى المساجد، والتَّاجِر الصَّدُوق، وَآخِذ حَقّ، والبَاذِل، والكَافِل. ماذا نستفيد من قوله (من أعان … )؟ فضل إعانة المسلم لأخيه المسلم. عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (والله في عَونِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَونِ أخِيهِ) رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رَسُول الله ﷺ قَال ( … ومَنْ كَانَ في حَاجَة أخِيه، كَانَ اللهُ في حاجته) متفق عليه. وفي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَل) رواه مسلم.

стр. 2710

قال ابن رجب: وخرَّج الطبراني من حديث عمر مرفوعاً (أفضلُ الأعمال إدخالُ السُّرور على المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جَوْعَتُه، أو قضيت له حاجة). وبعث الحسنُ البصريُّ قوماً من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مرُّوا بثابت البناني، فخذوه معكم، فأتوا ثابتاً، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش أما تعلم أنَّ مشيك في حاجةِ أخيك المسلم خير لك مِنْ حجة بعد حَجَّةٍ؟ فرجعوا إلى ثابتٍ، فترك اعتكافه، وذهب معهم. وخرَّج الإمام أحمد من حديث ابنةٍ لخبَّاب بن الأرت، قالت: خرج خبَّاب في سريَّةٍ، فكان النَّبيُّ ﷺ يتعاهدُنا حتى يحلُب عنْزةً لنا في جَفْنَةٍ لنا، فتمتلئ حتّى تفيضَ، فلمَّا قدم خبَّابٌ حلبَها، فعادَ حِلابها إلى ما كان. وكان أبو بكر الصدِّيق ﵁ يحلبُ للحيِّ أغنامهم، فلمَّا استخلف، قالت جاريةٌ منهم: الآن لا يحلُبُها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلتُ فيه عن شيءٍ كنتُ أفعلُه، أو كما قال. وكان عمر يتعاهد الأرامل فيستقي لهنَّ الماءَ باللَّيل، ورآه طلحةُ بالليل يدخلُ بيتَ امرأةٍ، فدخلَ إليها طلحةُ نهاراً، فإذا هي عجوزٌ عمياءُ مقعدةٌ، فسألها: ما يصنعُ هذا الرَّجلُ عندك؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يُصلِحُني، ويخرج عنِّي الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمُّكَ طلحةُ، عثراتِ عمر تتبع؟ وكان أبو وائل يطوفُ على نساء الحيِّ وعجائزهم كلَّ يوم، فيشتري لهنَّ حوائجهنّ وما يُصلِحُهُنَّ. وقال مجاهد: صحبتُ ابنَ عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدُمُني. (جامع العلوم) قال ابن القيم ﵀ في وصف شيخ الإسلام ابن تيميه: كان شيخ الإسلام يسعى سعياً شديداً لقضاء حوائج الناس. قال الذهبي عن شيخ الإسلام ﵀ ابن تيمية: وله محبون من العلماء، والصلحاء، ومن الجند، والأمراء، ومن التجار والكبراء وسائر العامة تحبه، لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه. كان علي بن الحسين ﵀ يحمل الخبز إلى بيوت المساكين في الظلام فلما مات فقدوا ذلك، كان ناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين معاشهم فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كان يأتيهم بالليل. ومن نعم الله تعالى على العبد أن يجعله مفاتحاً للخير والإحسان. عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَال (عِنْدَ اللَّهِ خَزَائِنُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، مَفَاتِيحُهَا الرِّجَالُ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، وَمِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ، وَمِغْلاقًا لِلْخَيْر) رواه ابن ماجه. وأن يسخره لقضاء حوائج الناس. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِم) أخرجه الطبراني.

стр. 2711

كِتَابُ اَلْجَامِعِ بَابُ اَلْأَدَبِ تعريفه: قال ابن حجر: استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً. وقال ابن القيم: استعمال الخلق الجميل. أقوال في الأدب: قال الإمام مالك: كانت أمي تعمِّمني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وقال ابن المبارك: كانوا يطلبون الأدب ثم العلم. وقال أيضاً: كاد الأدب يكون ثلثي العلم. وقال أيضاً: تعلمت الأدب ثلاثين سنة، وتعلمت العلم عشرين سنة. وقال أيضاً: مَنْ تهاون بالأدب عوقب بحرمان السُّنن، ومَن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومَن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة .. وقال سفيان الثوري: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وكان الرجل لا يطلب العلم حتى يتأدب ويتعبد قبل ذلك عشرين سنة. وقال ابن سِيرين: كانوا يتعلمون الهديَ كما يتعلمون العلم. وقال بعض السلف لابنه: يا بني لأن تتعلم بابا من الأدب أحب إليَّ من أن تتعلم سبعين بابا من أبواب العلم. وقال الحسن البصري: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين. وقال الذهبي: يحضر مجلس الإمام أحمد خمسة آلاف، خمسمائة يكتبون، والباقون يستمدون من سمته وخلقه وأدبه. وقال مخلد بن الحسين لابن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث. وقال بعض الحكماء: الأدب في العمل علامةُ قَبول العمل. قال أبو حنيفة: صحِبْتُ حماد بن أبي سليمان ثمانيَ عَشْرةَ سنة. وقال ﵀: ما صليتُ صلاة منذ مات حماد إلا استغفرتُ له مع والديَّ، وإني لأستغفرُ لمَن تعلَّمت منه علمًا، أو علَّمته علماً. و قال مالكُ بن أنس: كان الرجلُ يختلَّف إلى الرجل ثلاثين سنةً يتعلَّم منه. وقال ﵀: جالس نُعَيم المُجِمر أبا هريرةَ عشرين سنة. وقال ثابتٌ البُناني: صحِبْتُ أنس بن مالكٍ أربعين سنةً، ما رأيتُ أعبَدَ منه. قال نافعُ بن عبدالله: جالستُ مالكًا أربعين سنةً، أو خمسًا وثلاثين سنةً، كل يومٍ أبكِّر وأهجِّر وأروح. قال الإمام ابن القيم: أدب المرء: عنوانُ سعادته وفلاحه، وقلة أدبه: عنوان شقاوته وبَوَارِه، فما استُجلِب خيرُ الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجلِب حرمانُهما بمثل قلة الأدب. قال الخطيبُ البغدادي: الواجب أن يكون طلبةُ الحديث أكملَ الناس أدبًا، وأشد الخَلْق تواضعًا، وأعظمهم نزاهةً وتديُّنًا، وأقلَّهم طيشًا وغضبًا؛ لدوام قرعِ أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله ﷺ وآدابه، وسيرة السلف الأخيار مِنْ أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدِّثين، ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها، ويَصدِفوا (يبتعدوا) عن أرذلِها وأدونها.

стр. 2712

١٤٣٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (حَقُّ اَلْمُسْلِمِ عَلَى اَلْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اِسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اَللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ) رَوَاهُ مُسْلِم. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن للمسلم على أخيه المسلم حقوقاً ينبغي مراعاتها: أولاً: إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ. فمن حق المسلم على أخيه المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه. ففي حديث أبي هريرة ( … إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ). وفي حديث البراء ( … وَإِفْشَاءِ السَّلامِ). وابتداء السلام سنة، ورد السلام واجب. قال النووي ﵀: نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اِبْتِدَاء السَّلَام سُنَّة، وَأَنَّ رَدَّهُ فَرْض. (نووي). جاء في (الموسوعة الفقهية) ابتدَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : (أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) وَيَجِبُ الرَّدُّ إِنْ كَانَ السَّلَامُ عَلَى وَاحِدٍ. وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فَالرَّدُّ فِي حَقِّهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ رَدَّ أَحَدُهُمْ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ رَدَّ الْجَمِيعُ كَانُوا مُؤَدِّينَ لِلْفَرْضِ، سَوَاءٌ رَدُّوا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبِينَ، فَإِنِ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ أَثِمُوا لِخَبَرِ؛ حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَام. الذي يجب عليه رد السلام هو المُسَلَّم عليه، أي: المقصود بإلقاء السلام؛ فإن كان شخصاً واحداً، وجب عليه وجوباً عينياً، وإن كانوا جماعة، وجب عليهم وجوباً كفائياً أن يردوا السلام؛ فمتى رد واحد منهم، حصل المقصود، ولو ردوا جميعاً فهو أفضل. - وينبغي أن يسلم على من يعرف ومن لا يعرف: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو م أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) متفق عليه. قال النووي: أي تسلم على كل مَنْ لقيته عرفته أم لم تعرفه، ولا تخُص به من تعرفه كما يفعله كثير من الناس. - وفي قوله (وتقرأ السلام … ) هذا عام مخصوص بالكفار فلا يجوز ابتداء الكافر بالسلام. لقوله ﷺ (لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام) متفق عليه.

стр. 2713

ثانياً: وَعِيَادَةُ المَريض. وقد اختلف العلماء في حكم عيادة المريض: القول الأول: أنها سنة مؤكدة. وهذا قول جمهور العلماء. للأحاديث الكثيرة التي وردت في فضلها. عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ ، قَال (إنَّ المُسْلِمَ إِذَا عَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ)) قِيلَ: يَا رَسولَ الله، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: (جَنَاهَا) واه مسلم. وعن ﵁ عليّ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ (مَا مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوة إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّة) واه الترمذي، وقال: ((حديث حسن)). وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من عاد مريضاً أو زار أخاً له، قيل له: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً) رواه الترمذي. وعنه، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ (إنَّ اللهَ يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) رواه مسلم القول الثاني: أنها فرض كفاية. وهذا اختيار ابن القيم ﵀، وهذا القول هو الراجح، للأمر بها: كما في حديث البراء قال (أمرنا رسولُ الله ﷺ بِسَبعٍ: بِعَيادَةِ المريض). وفي حديث أبي هريرة (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ … وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ). وعن أَبي موسى ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ (عُودُوا المَريضَ، وَأطْعِمُوا الجَائِعَ، وَفُكُّوا العَانِي) رواه البخاري. - في عيادة المريض فوائد: منها: يؤدي حق أخيه المسلم - أنه لا يزال في خرفة الجنة - أن في ذلك تذكيراً للعائد بنعمة الله عليه في الصحة - أن فيها جلباً للمحبة والمودة. (قاله الشيخ ابن عثيمين)

стр. 2714

ثالثاً: وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ. فإن كانت دعوة عرس، فقد ذهب جماهير العلماء إلى وجوبها، بل نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك كابن عبد البر، والقاضي عياض وغيرهما. قال ابن حجر: وقد نقل ابن عبد البر، ثم عياض، ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر. أ- للأمر بها كما في حديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى اَلْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: (إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ; عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ). وفي رواية (ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُم). وفي رواية (أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا). ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث: أنها تضمنت الأمر بإجابة الدعوة لوليمة العرس، والأمر للوجوب، والخطاب عام لكل من عُيّن بالدعوة، فكانت الإجابة فرض عين على من دعي إليها. ب-وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (شَرُّ اَلطَّعَامِ طَعَامُ اَلْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ اَلدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اَللَّهَ وَرَسُولَهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فهذا ظاهر على الوجوب، لأنه حكِمَ بالعصيان على من ترك الإجابة، ولا يحكم بالعصيان إلا على ترك واجب. قال الشوكاني: والظاهر الوجوب، للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب، ولجعْل الذي لم يجب عاصياً، وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور. وقيل: مستحبة. وإليه ذهب بعض المالكية والشافعية والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قالوا: لأن الأصل في الوليمة أنها مندوبة فيكون الحضور مندوباً. وقالوا: لأن الوليمة تمليك مال، وتمليك المال ليس بواجب وقيل: فرض كفاية. قالوا: لأن المقصود من حضور الوليمة إظهار الزواج وإعلانه، وهذا يحصل ببعض الناس. والراجح القول الأول وهو الوجوب. ولهذا قال ابن عبد البر: وفي قوله في هذا الحديث (فقد عصى الله ورسوله) ما يرفع الإشكال، ويغني عن الإكثار. - وأما إجابة دعوة غير العرس، فقد اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: مستحبة. وعزاها ابن حجر للجمهور. أ- لحديث ابن عمر (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب) قالوا: فلما خص الوجوب بوليمة العرس دل على أن غيرها لا يجب.

стр. 2715

ب-ولحديث أنس (أن جاراً فارسياً لرسول ﷺ كان طيب المرق فدعا رسول الله ﷺ فقال الرسول وهذه [لعائشة]؟ فقال الفارسي: لا فقال النبي ﷺ : لا، فعاد يدعوه فقال رسول الله ﷺ : وهذه [لعائشة] قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله ﷺ : وهذه، قال: نعم، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله) رواه مسلم قال العلماء: وإنما أبى الفارسي من حضور عائشة: أن هذا المرق كان قليلاً لا يكفي اثنين، فأراد أن يؤثر به النبي ﷺ . القول الثاني: الوجوب كالعرس. وهذا مذهب ابن عمر وهو قول أهل الظاهر وبعض الشافعية ونصره ابن حزم. أ- لرواية مسلم ( … عرساً كان أو نحوه) فهذا دليل على وجوب إجابة الدعوة مطلقاً. ب- ولقوله ﷺ (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله). ج- ولحديث أبي هريرة – حديث الباب - (حق المسلم على المسلم: وإذا دعاك فأجبه) د- ولقوله ﷺ (عودوا المريض وأجيبوا الداعي). والله أعلم. رابعاً: وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ. فيشرع للمسلم أن يشمت العاطس إذا حمد الله. قال النووي: وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوع، ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي إِيجَابه. (نووي). وقد اختلف العلماء في حكم تشميت العاطس إذا حمد الله على أقوال: فقيل: واجب. قال النووي: فَأَوْجَبَهُ أَهْل الظَّاهِر، وَابْن مَرْيَم مِنْ الْمَالِكِيَّة عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَهُ. أ- لحديث الباب – أبي هريرة – (وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ). ب- ولحديث البراء قال (أمرنا رَسُول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمَرَنَا بعيَادَة المَرِيض، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وتَشْمِيتِ العَاطسِ، … ). ج- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ وَأَمَّا التَّثَاوُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاع … ) رواه البخاري. قال ابن حجر: وقد أخذ بظاهرها ابن مزين من المالكية، وقال به جمهور أهل الظاهر وقال بن أبي جمرة قال جماعة من علمائنا إنه فرض عين وقواه بن القيم في حواشي السنن فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحق الدال عليه، وبلفظ على الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابي أمرنا رسول الله ﷺ ، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء. وقال ابن القيم: فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَبْدُوءِ بِهِ: أَنَّ التَّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ الْعَاطِسَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَلَا يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الْوَاحِدِ عَنْهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابن أبي زيد، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيَّانِ، وَلَا دَافِعَ لَه. (زاد المعاد).

стр. 2716

وقيل: فرض كفاية. ورجحه أبو الوليد بن رشد وأبو بكر بن العربي وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة. وقيل: مستحب. وذهب عبد الوهاب وجماعة من المالكية إلى أنه مستحب ويجزئ الواحد عن الجماعة وهو قول الشافعية. (الفتح). قال النووي: وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَآخَرِينَ أَنَّهُ سُنَّة وَأَدَب، وَلَيْسَ بِوَاجِب. قال ابن حجر: والراجح من حيث الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس وإن ورد في عموم المكلفين ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصح ويسقط بفعل البعض - يشرع تشميت العاطس إذا حمد الله، فإن لم يحمد الله فلا يشمت، قال ابن العربي: وهو مجمع عليه. أ- لحديث أبي هريرة السابق (فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ). ب- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلَانِ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ فَقَالَ الَّذِى لَمْ يُشَمِّتْهُ عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِي. قَالَ: إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ) متفق عليه. ج- وعن أَبِى مُوسَى قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ) رواه مسلم. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة الْحَمْد: فَقِيلَ: يَقُول: الْحَمْد لِلَّهِ. وَقِيلَ: الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، وَقِيلَ: الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال، وَقَالَ اِبْن جَرِير: هُوَ مُخَيَّر بَيْن هَذَا كُلّه، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُور بِالْحَمْدِ لِلَّهِ. (نووي). وَاخْتَلَفُوا فِي رَدّ الْعَاطِس عَلَى الْمُشَمِّت، فَقِيلَ: يَقُول: يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ، وَقِيلَ: يَقُول: يَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ: يُخَيَّر بَيْن هَذَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقَدْ صَحَّتْ الْأَحَادِيث بِهِمَا. (نووي). خامساً: وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ. قال النووي: مَعْنَاهُ طَلَبَ مِنْك النَّصِيحَة، فَعَلَيْك أَنْ تَنْصَحهُ، وَلَا تُدَاهِنهُ، وَلَا تَغُشّهُ، وَلَا تُمْسِك عَنْ بَيَان النَّصِيحَة. وحكمها: واجبة على الكفاية. قال ابن مفلح ﵀: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وُجُوبُ النُّصْحِ لِلْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْإِخْبَارِ (الآداب الشرعية) وقال الملا علي القاري ﵀: (وإذا استنصحك) أي طلب منك النصيحة (فانصح له) وجوباً، وكذا يجب النصح وإن لم يستنصحه. (مرقاة المفاتيح). سادساً: وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْه. ففي رواية لمسلم (خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيه .... ) قال الحافظ ابن حجر ﵀: والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية.

стр. 2717

١٤٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (أَسْفَلَ مِنْكُمْ) أي: في أمور الدنيا من مسكن وجاه ومال. (وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ) فيها. (فَهُوَ أَجْدَرُ) أي: أحرى. (أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ) أي: أن لا تحتقروا. ماذا من نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنه ينبغي للمسلم أن ينظر في أمور الدنيا - من جاه ومال ومسكن - إلى من هو أقل منه ودونه. وقد جاء في الصحيحين: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ). قال الحافظ العراقي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: " وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ أَدَّبَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ وَفِيهِ مَصْلَحَةُ دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَعُقُولِنَا وَأَبْدَانِنَا وَرَاحَةِ قُلُوبِنَا فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنْ نَصِيحَتِهِ أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ نَبِيّاً. وقال السعدي: فيالها من وصية نافعة، وكلمة شافية وافية. ونستفيد: أن نظر الإنسان إلى من فضّل عليه في المال والرزق والأولاد سبب لعدم شكر الله تعالى، واحتقار نعمة الله عليه.

стр. 2718

ما الفائدة التي يستفيدها المسلم من نظره إلى من هو أقل منه؟ في ذلك فوائد: أولاً: شكر الله على نعمه، فهذا التوجيه النبوي من أعظم أسباب تحقيق عبودية الشكر لله تعالى. ثانياً: عدم احتقاره نعمة الله على العبد. قال النووي: قَالَ اِبْن جَرِير وَغَيْره: هَذَا حَدِيث جَامِع لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَيْر؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا رَأَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسه مِثْل ذَلِكَ، وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْده مِنْ نِعْمَة اللَّه تَعَالَى، وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَاد لِيَلْحَق بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبهُ. هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي غَالِب النَّاس. وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُور الدُّنْيَا إِلَى مَنْ هُوَ دُونه فِيهَا ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ، فَشَكَرَهَا، وَتَوَاضَعَ، وَفَعَلَ فِيهِ الْخَيْر. وقال السعدي: ومن أنفع الأشياء في هذا الموضع: استعمال ما أرشد إليه النبي ﷺ في الحديث الصحيح حيث قال (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)، فإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل، رآه يفوق جمعاً كثيراً من الخلق في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه مهما بلغت به الحال، فيزول قلقه وهمه وغمه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره ممن هو دونه فيها … وكلما طال تأمل العبد بنعم الله الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، رأى ربه قد أعطاه خيرا كثيرا ودفع عنه شرورا متعددة، ولا شك أن هذا يدفع الهموم والغموم، ويوجب الفرح والسرور. انتهى. ولذلك كان النبي ﷺ يقول: اللهم ارزقني حب المساكين. قال ابن رجب ﵀: اعلم أن محبة المساكين لها فوائد كثيرة: منها: أنها توجب إخلاص العمل لله. لأن الإحسان إليهم لمحبتهم لا يكون إلا لله تعالى، لأن نفعهم في الدنيا لا يرجى غالباً. ومنها: أنها تزيل الكبْر. لأن المستكبر لا يرضى مجالسة المساكين، كما سبق عن رؤساء قريش والأعراب. ومنها: أنه يوجب صلاح القلب وخشوعه. ففي حديث أبي هريرة (أن رجلاً شكى إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: إن أحببتَ أن يلين قلبُك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم) رواه أحمد. ومنها: أن مجالسة المساكين توجب رضى من يجالسهم برزق الله ، وتعظم عنده نعمة الله، ومجالسة الأغنياء توجب التسخط بالرزق ومد العين إلى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى الله نبيه ﷺ عن ذلك فقال تعالى (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وقال ﷺ (انظروا إلى من دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقَكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم).

стр. 2719

ومنها: أن النبي ﷺ أوصى بحب المساكين. قال أبو الدرداء (أوصاني رسول الله ﷺ أن أنظر إلى دوني، ولا أنظر إلى من فوقي، وأوصاني أن أحب المساكين وأن أدنو منهم). وكان عون بن عبد اله يجالس الأغنياء فلا يزال في غم، لأنه لا يزال يرى من هو أحسن منه لباساً ومركباً وطعاماً ومسكناً، فتركهم وجالس المساكين فاستراح. وفي الحديث (اللهم إني أسألك فعل الخيرات … وحب المساكين). ويروى أن داود كان يجالس المساكين ويقول: مسكين بين مساكين. قال ابن رجب: وحب المساكين مستلزم لإخلاص العمل لله تعالى، والإخلاص هو أساس الأعمال الذي لا تثبت الأعمال إلا عليه. ولم يزل السلف يوصون بحب المساكين. كتب الثوري إلى بعض إخوانه: عليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن رسول الله ﷺ كان يسأل ربه حب المساكين. ويروى عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان النبي ﷺ يكنيه أبا المساكين. وكانت زينب بنت خزيمة تسمى أم المساكين لكثرة إحسانها إليهم، وتوفيت في حياة النبي ﷺ . ومر الحسن بن علي على مساكين يأكلون، فدعوه فأجابهم وأكل معهم وتلا (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ). وكان ابن عمر لا يأكل غالباً إلا مع المساكين، وكان يقول: لعل بعض هؤلاء أن يكون ملكاً يوم القيامة. وكان سفيان الثوري يعظم المساكين، ويجفو أهل الدنيا، فكان الفقراء في مجلسه هم الأغنياء والأغنياء هم الفقراء. وقال سليمان التيمي: كنا إذا طلبنا علية أصحابنا وجدناهم عند الفقراء والمساكين. وقال الفضيل: من أراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين. اذكر بعض الأسباب التي تحقق شكر الله؟ أولاً: سؤال الله ذلك. كما قال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ). وقال ﷺ لمعاذ: (يا معاذ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). رواه أبو داود ثانياً: أن يعلم الإنسان أن النعم إذا شكرت قرت وزادت. قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ). ثالثاً: أن يعلم الإنسان أن الله سيسأله يوم القيامة عن شكر نعمه. قال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ). قال ابن كثير: أي ثم لتسألن عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما ذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة.

стр. 2720

رابعاً: أن ينظر إلى من هو دونه في أمور الدنيا، فإذا فعل ذلك استعظم ما أعطاه الله. كما في حديث الباب. بالنسبة إلى أمور الآخرة إلى من ينظر؟ ينظر إلى من هو فوقه. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ حسن تعليم النبي ﷺ أنه إذا ذكر حكماً ذكر علته. أن الله خلق الناس متفاوتين في كل شيء. أهمية شكر الله تعالى. خطر النظر إلى أهل الدنيا وما متعوا به، كما قال تعالى (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى).

стр. 2721

١٤٤٠ - وَعَنْ اَلنَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ (سَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ: - اَلْبِرُّ: حُسْنُ اَلْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ اَلنَّاسُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === (عَنْ اَلْبِرّ) اسم جامع للخير. (حُسْنُ اَلْخُلُقِ) التحلي بالفضائل وترك الرذائل. (وَالْإِثْمُ) الذنب. (مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ) أي: لم يسكن إليه القلب. تنبيه: جاء في مسند أحمد: عن وابصة بن معبدٍ ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: جئتَ تسأل عن البر؟ قلت: نعم، فقال: استفتِ قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتَوْك. اذكر منزلة هذا الحديث؟ هذا الحديث من جوامع كلمه ﵊، وعليه مدار الإسلام؛ لأنه يبحث في أمرين عظيمين، الأول: عن الخلق الحسن، والثاني: عن الخلق السيء. قال ابن حجر الهيتمي ﵀: هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، بل من أوجزها؛ إذ البر كلمة جامعة لجميع أفعال الخير، وخصال المعروف، والإثم كلمة جامعة لجميع أفعال الشر والقبائح كبيرها وصغيرها. وقال المناوي ﵀: وذا من جوامع الكلم؛ لأن البر كلمة جامعة لكل خير، والإثم جامع للشر. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد الحث على حسن الخلق، وأنه من أعظم خصال البر، ولحسن الخلق فضائل كثيرة: فهو من أسباب دخول الجنة. فقد سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الجنة فقال (تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي. وكان النبي ﷺ يدعو به.

стр. 2722

كان ﷺ يقول في استفتاحه لصلاة الليل (واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت .... ). وكان يقول (اللَّهم كما أحسنت خلْقي فحسّن خُلُقي). وهو أثقل شيء في الميزان. قال ﷺ (ما من شيء أثقل في الميزان يوم القيامة من حسن الخلق) رواه الترمذي. وحسن الخلق من كمال الإيمان. قال ﷺ (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) رواه أحمد. والنبي ﷺ حصر دعوته في حسن الخلق. قال ﷺ (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه أحمد. الخلق الحسن من أسباب النجاة من النار. عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ (ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ على كُلِّ قريب هيّن سهل) رواه الترمذي. ويدرك المؤمن بحسن خلقه درجة الصائم القائم. قال ﷺ (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود. وتكَفَّل النبي ﷺ ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه. قال ﷺ (أنا زعيم بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) رواه أبو داود. ولخلق الحسن ذو أهمية بالغة. لأن اللَّه أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظّم شأنه الرسول الأمين ﷺ . قال اللَّه تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). وقال تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم). وأقرب الناس إلى رسول الله ﷺ صاحب الخلق الحسن. قال ﷺ (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً) رواه الترمذي. وخير الناس أحسنهم خلقاً.

стр. 2723

كما في قوله ﷺ (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا). ويحصل بالخلق الحسن: جوامع الخيرات والبركات. قال النبي ﷺ (البر حسن الخلق). الخلق الحسن خير من الدنيا وما فيها. قال النبي ﷺ لعبد اللَّه بن عمرو (أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة) رواه أحمد. والخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب الناس إلى الإسلام، والهداية، والاستقامة. ولهذا من تتبَّع سيرة المصطفى ﷺ وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى اللَّه تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين اللَّه أفواجاً بفضل اللَّه تعالى ثم بفضل حسن خلقه ﷺ فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم. فهذا يُسلم ويقول (واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إلي). وذاك يقول (اللَّهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً) تأثر بعفو النبي ﷺ ولم يتركه على تحجيره رحمة اللَّه التي وسعت كل شيء، بل قال له (لقد تحجَّرت واسعاً). والآخر يقول (فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه). والرابع يقول (يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة). وأمر النبي ﷺ به. عن أبي ذر جُنْدُب بنِ جُنادَةَ وأبي عبدِ الرحمانِ معاذِ بنِ جبلٍ ﵄، عن رسولِ الله ﷺ ، قَالَ (اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ وَأتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) رواه الترمذي. قال ابن رجب ﵀: هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرد بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيراً من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده … إلى أن قال: والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جداً، ولا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والصديقين.

стр. 2724

من أقوال السلف: قال الحسن: حسن الخلق: الكرم، والبذلة، والاحتمال. وقال ابن المبارك: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى. وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق فأنشد شعراً فقال: تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غيرُ روحهِ لجاد بها فليتق اللهَ سائلُه هو البحرُ من أي النواحي أتيتَه فلجته المعروفُ والجودُ ساحلُه وقال الشاعر: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا قال ابن القيم: حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصوّر قيام ساقِه إلا عليها: الصبر، والعفّة، والشجاعة، والعدل، ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة. في الحديث بعض علامات الإثم اذكرها؟ أولاً: قلق القلب واضطرابه، لقوله (والإثم ما حاك في صدرك). ثانياً: كراهة اطلاع الناس عليه، لقوله (وكرهت أن يطلع عليه الناس). قال ابن رجب: في قوله (الإثم ما حاك في … ): إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجاً وضيقاً وقلقاً واضطراباً فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر الناس فاعله وغير فاعله.

стр. 2725

اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن صاحب القلب السليم، يضطرب قلبه ويخاف عند فعل الحرام أو الشك به. - أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه. - أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم. قال ابن رجب ﵀: وهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكراً عند فاعله دون غيره وقد جعله أيضاً إثماً، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، أما إذا كان فتوى المفتي تستند إلى دليل شرعي فيجب على المرء أن يتقيد بها وإن لم يطمئن قلبه، قال تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً. - أنه كلما كان الإنسان أتقى لله فسيضيق صدره ذرعاً بالإثم. - أن الدين وازع ومراقب داخلي. - أن الدين يمنع من اقتراف الإثم. - طمأنينة القلب السليم للخير. - نفور القلب السليم من الشر. - بلاغة النبي ﷺ . - المؤمن يكره أن يطلع الناس على عيوبه. - أنه متى أمكن الاجتهاد، فإنه لا يعدل إلى التقليد؛ لقوله: وإن أفتاك الناس وأفتوك. - معجزة واضحة للنبي ﷺ ؛ حيث أخبر الصحابيَّ وابصةَ بما في نفسه قبل أن يتكلم به. فائدة: قوله (جئت تسأل عن البر؟) قلت: نعم، فقال: (استفت قلبك). قال العلماء: ولا يقال لكل إنسان: استفت قلبك، وإنما يقال ذلك لمن كان في مثل الصحابي وابصة في قوة الفهم، وصفاء النفس، وسَعة العلم، والحرص على تحري الخير، فمثله لا يرجع لفتوى ﵁، أما عامة الناس فلا يقال لأحدهم: استفت قلبك، وإنما يقال له: استفت العلماء الذين يميل قلبك إلى أمانتهم في العلم، فاسأل واعمل بفتواهم، وإن خالفت فتواهم ما في قلبك؛ لقوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون).

стр. 2726

١٤٤١ - وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَلَا يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُونَ اَلْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ; مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. === (فَلَا يَتَنَاجَى) أي: لا يتكلما سراً بينهما. (حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ) أي حتى يختلط الثلاثة بالناس. (مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ) تعليل للنهي. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أدب من آداب المجلس، وهو النهي عن تناجي اثنين دون الثالث. النهي الوارد في الأحاديث السابقة ظاهره التحريم، فيحرم أن يتناجى اثنان دون الثالث، أو مجموعة من الناس دون واحد منهم. قال النووي ﵀: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث النَّهْي عَنْ تُنَاجِي اِثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ ثَالِث، وَكَذَا ثَلَاثَة وَأَكْثَر بِحَضْرَةِ وَاحِد، وَهُوَ نَهْي تَحْرِيم، فَيُحَرِّم عَلَى الْجَمَاعَة الْمُنَاجَاة دُون وَاحِد مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْذَن. (شرح مسلم). ما الحكمة من ذلك؟ بينها النبي ﷺ بقوله (مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ). قال القرطبي: وقد نبَّه في هذه الزيادة على التعليل بقوله (فإنَّ ذلك يحزنه) أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك: بأن يقدر في نفسه: أن الحديث عنه بما يكره، أو أنَّهم لم يروه أهلاً ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان، وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده. هل مثل ذلك لو تناجى عشرة دون واحد؟ نعم. قال القرطبي: … وعلى هذا: يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد، ولا عشرة، ولا ألفٌ مثلاً؛ لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن، وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خصَّ الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتى فيه ذلك المعنى. وقال النووي: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث النَّهْي عَنْ تُنَاجِي اِثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ ثَالِث، وَكَذَا ثَلَاثَة وَأَكْثَر بِحَضْرَةِ وَاحِد. هل الحديث يعم الحضر والسفر، وكل زمن وكل وقت؟ نعم، لأن هذا ظاهر الحديث، فيعم الحضر والسفر. وهذا قول الجمهور.

стр. 2727

قال القرطبي: وظاهر هذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال. وإليه ذهب ابن عمر، ومالك، والجمهور. وقد ذهب بعض العلماء: إلى أن ذلك كان في أول الإسلام؛ لأنَّ ذلك كان حال المنافقين، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الاسلام؛ سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاصٌّ بالسفر، وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه. فأمَّا في الحضر، وبين العمارة: فلا. قلت: وكل ذلك تحكُّم، وتخصيصٌ لا دليل عليه. والصحيح: ما صار إليه الجمهور. والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. (المفهم) وقال النووي: وَمَذْهَب اِبْن عُمَر ﵁ وَمَالِك وَأَصْحَابنَا وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّ النَّهْي عَامّ فِي كُلّ الْأَزْمَان، وَفِي الْحَضَر وَالسَّفَر. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: إِنَّمَا الْمَنْهِيّ عَنْهُ الْمُنَاجَاة فِي السَّفَر دُون الْحَضَر، لِأَنَّ السَّفَر مَظِنَّة الْخَوْف. وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام، فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَام، وَأَمِنَ النَّاس سَقَطَ النَّهْي. وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُحْزِنُوهُمْ. أَمَّا إِذَا كَانُوا أَرْبَعَة، فَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُون اِثْنَيْنِ فَلَا بَأْس بِالْإِجْمَاعِ. وَاللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم). هل دخول الحزن على المسلم منهي عنه؟ نعم، فلا يجوز إدخال الحزن على المسلم، لأن ذلك يفرح الشيطان. قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ). ماذا يستثنى من النهي الوارد في الحديث؟ يستثنى مسائل: المسألة الأولى: إذا تناجى الاثنان بإذن الثالث، فأذن لهم جاز. لما روى أحمد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُه). المسألة الثانية: إذا كان العدد أكثر من ثلاثة، فيجوز أن يتناجى اثنان دون البقية. لما روى أبو داود، وفيه: قَالَ أَبُو صَالِحٍ، فَقُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: فَأَرْبَعَةٌ؟ قَالَ: (لَا يَضُرُّك). قال النووي: أَمَّا إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً فَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُونَ اِثْنَيْنِ، فَلَا بَأْسَ بِالْإِجْمَاعِ " انتهى.

стр. 2728

وقال الشيخ محمد بن عبد الهادي السندي ﵀: " قَوْله (إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَة) يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوز ذَلِكَ إِذَا كَانَ أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة؛ لِأَنَّهُ يُمْكِن أَنْ يَأْتَنِس الثَّالِث بِالرَّابِعِ، وَأَيْضًا بِوُجُودِ الرَّابِع لَا يَخَاف الثَّالِث عَلَى نَفْسه مِنْهُمَا الشَّرّ " انتهى من " حاشية السندي على سنن ابن ماجة ". المسألة الثالثة: إذا كانت هناك حاجة أو مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، فيجوز في هذه الحال أن يتناجى اثنان دون الثالث. قال النووي ﵀ في " رياض الصالحين ": باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة. وقال الشيخ محمد صالح المنجد حفظه الله في - ذكر صورة من صور التناجي المباح -: " ومن هذه الصور مثلاً: أحياناً يأتيك ضيف أنت وهو في المجلس فيأتي إليك ولدك أو خادمك فتضطر أن تسر في أذن الولد أو الخادم كلاماً عن تجهيز الطعام مثلاً، أو عن تفريغ طريق مثلاً، أو أحياناً يقول لك ولدك: إن أمي تقول كذا وكذا، وفي هذه الحالة فقد درجت مروءة الناس على عدم الجهر بهذه الأشياء أمام الضيوف، فهذه المسألة هي مصلحة راجحة تقاوم المفسدة المشكوك بها، لأن الضيف سوف يقدر أن ولدك هذا عندما تسر إليه بكلام لن تقول كلاماً سيئاً عنه، وإنما سوف ترتب أنت وإياه أمراً يتعلق بالضيافة، أو يتعلق بداخل أهلك بداخل البيت، فلذلك لن يحزن، هذا مثال على التناجي الجائز "انتهى من" شريط: كيف تكون مجالسنا إسلامية. ماذا نستفيد من قوله (حتى تختلطوا)؟ نستفيد أن غاية المنع أن يجد الثالث من يتحدث معه. قال القرطبي: وقد زاد في الرواية الأخرى زيادة حسنة، فقال (حتى يختلطوا بالناس)، فبيَّن غاية المنع، وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه، كما فعل ابن عمر، وذلك: أنه كان يتحدث مع رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه، فلم يناجه حتى دعا رابعًا، فقال له وللأول: تأخرا، وناجى الرجل الطالب للمناجاة ما أعظم مقاصد الشيطان؟ من أعظم مقاصده إدخال الحزن على المسلم. قال تعالى (إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا … ). وقال ﷺ (الرؤيا ثلاث: تحزين الشيطان، .... ). ماذا نستفيد من قوله (من أجل أن ذلك يحزنه)؟ نستفيد عدم إدخال الحزن على المسلم. قال ابن القيم: والمقصود أن النبي جعل الحزن مما يستعاذ منه وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم ويضر الإرادة ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن قال تعالى (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا) فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره كالمرض والألم ونحوهما. (طريق الهجرتين).

стр. 2729

وقال ﵀: وَلَمْ يَأْتِ الْحُزْنُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ مَنْفِيًّا. فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا) وَقَوْلِهِ (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَوْلِهِ (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وَالْمَنْفِيُّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الْحُزْنَ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْقَلْبِ، وَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الشَّيْطَانِ أَنْ يَحْزَنَ الْعَبْدُ لِيَقْطَعَهُ عَنْ سَيْرِهِ، وَيُوقِفَهُ عَنْ سُلُوكِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ الثَّلَاثَةَ أَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ مِنْهُمْ دُونَ الثَّالِثِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ. فَالْحُزْنُ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ، وَلَا مَقْصُودٍ، وَلَا فِيهِ فَائِدَةٌ، وَقَدِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ» فَهُوَ قَرِينُ الْهَمِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَكْرُوهَ الَّذِي يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ، إِنْ كَانَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ أَوْرَثَهُ الْهَمَّ، وَإِنْ كَانَ لِمَا مَضَى أَوْرَثَهُ الْحُزْنَ، وَكِلَاهُمَا مُضْعِفٌ لِلْقَلْبِ عَنِ السَّيْرِ، مُقَتِّرٌ لِلْعَزْمِ. (مدارج). ونستفيد أن من أعظم مقاصد الشريعة إسعاد المؤمن. ما فائدة قرن الحكم بعلته؟ فائدة قرن الحكم بالعلة ثلاثة: أولاً: بيان أن الشريعة سامية عالية، فما تحكم بشيء إلا وله حكمه. ثانياً: اقتناع النفوس بالحكم، لأن النفس إذا علمت علة الحكم اطمأنت، وإن كان المؤمن سيطمئن على كل حال لكن هذه زيادة طمأنينة. ثالثاً: شمول الحكم بشمول هذه العلة، بمعنى أن ما ثبت فيه هذه العلة ثبت له هذا الحكم المعلل. [قاله الشيخ ابن عثيمين]. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - حرص الإسلام على الآداب الإسلامية. - شمول الإسلام بتوجيهاته وتنظيماته كل جوانب الحياة. - الحكمة من النهي ذكرت في نفس الحديث: أن ذلك يحزنه ويظهر الشك فيه. - هذا الحكم في التناجي في الخير، أما التناجي بالشر فحرام وإن لم يكن معهما ثالث قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول). - قطع الإسلام لكل سبب ربما يوجد التباغض والتحاسد بين الناس.

стр. 2730

١٤٤٢ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يُقِيمُ اَلرَّجُلُ اَلرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. === (لَا يُقِيمُ) وفي لفظ لمسلم (لا يقيمنّ). (اَلرَّجُلُ الرجلَ مِنْ مَجْلِسِهِ) وعند مسلم (من مقعده). (وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا) قال ابن أبي جمرة: معنى الأول: أن يتوسعوا فيما بينهم، ومعنى الثاني: أن ينضم بعضهم إلى بعض حتى يفضل من الجمع مجلس للداخل. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم أن يقيم الرجل غيره من مكانه ثم يقعد فيه، ولا فرق في ذلك بين مسجد أو مجلس علم، أو مجلس عام. لأن الأصل في النهي التحريم. وقيل: على الكراهة، والأول أولى. (القرطبي). قال النووي: هَذَا النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ، فَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِع مُبَاح فِي الْمَسْجِد وَغَيْره يَوْم الْجُمُعَة أَوْ غَيْره لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرهَا فَهُوَ أَحَقّ بِهِ، وَيَحْرُم عَلَى غَيْره إِقَامَته لِهَذَا الْحَدِيث. ما الحكمة من النهي؟ لأن ذلك عدواناً على الغير. جاء في رواية تخصيص ذلك بيوم الجمعة (لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ)؟ فما الجواب عن ذلك؟ هذا القيد ليس معتبراً، كما بينته الروايات الأخرى، ولكن هذا الأمر يكثر يوم الجمعة بسبب ضيق المكان، لكثرة الناس فيه. قال الشوكاني: وَذَكَر يَوْم الْجُمُعَة فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ بَاب التَّنْصِيص عَلَى بَعْض أَفْرَاد الْعَامّ لَا مِنْ بَابِ التَّقْيِيد لِلْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَة، وَلَا مِنْ بَابِ التَّخْصِيص لِلْعُمُومَاتِ، فَمَنْ سَبَقَ إلَى مَوْضِع مُبَاح سَوَاءٌ كَانَ مَسْجِدًا أَوْ غَيْره فِي يَوْم جُمُعَة أَوْ غَيْرهَا لِصَلَاةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا مِنْ الطَّاعَات فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَحْرُم عَلَى غَيْره إقَامَته مِنْهُ وَالْقُعُود فِيهِ.

стр. 2731

ما الحكم لو قام الجالس للداخل باختياره؟ جايز. ما الجواب عن فعل ابن عمر (أنه كان إِذَا قَامَ لَهُ رَجُل عَنْ مَجْلِسه لَمْ يَجْلِس فِيهِ)؟ قال النووي: فَهَذَا وَرَع مِنْهُ، وَلَيْسَ قُعُوده فِيهِ حَرَامًا إِذَا قَامَ بِرِضَاهُ، لَكِنَّهُ تَوَرَّعَ عَنْهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّهُ رُبَّمَا اِسْتَحَى مِنْهُ إِنْسَان فَقَامَ لَهُ مِنْ مَجْلِسه مِنْ غَيْر طِيب قَلْبه، فَسَدَّ اِبْن عُمَر الْبَاب لِيَسْلَم مِنْ هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِيثَار بِالْقُرْبِ مَكْرُوه أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى، فَكَانَ اِبْن عُمَر يَمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرْتَكِب أَحَد بِسَبَبِهِ مَكْرُوهًا، أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى بِأَنْ يَتَأَخَّر عَنْ مَوْضِعه مِنْ الصَّفّ الْأَوَّل وَيُؤْثِرهُ بِهِ وَشِبْه ذَلِكَ. ما المشروع للحاضرين في حق الداخل ولم يجد مكاناً؟ التوسع والتفسح. وفي ذلك ثواب عظيم. قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال السعدي: هذا تأديب من الله لعباده المؤمنين، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم أو بعض القادمين عليهم للتفسح له في المجلس، فإن من الأدب أن يفسحوا له تحصيلا لهذا المقصود. وليس ذلك بضار للجالس شيئاً، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه هو، والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح فسح الله له، ومن وسع لأخيه، وسع الله عليه. ما تفسير قوله تعالى (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ)؟ قال ابن حجر: اختلف في معنى الآية: فقيل: إن ذلك خاص بمجلس النبي ﷺ . وعن الحسن البصري المراد بذلك مجلس القتال قال ومعنى قوله انشزوا انهضوا للقتال. وذهب الجمهور إلى أنها عامة في كل مجلس من مجالس الخير وقوله افسحوا يفسح الله أي وسعوا يوسع الله عليكم في الدنيا والآخرة. (الفتح).

стр. 2732

١٤٤٣ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ، حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد استحباب لعق الأصابع مما علق بها من الطعام قبل مسحها بالمنديل. قال القرطبي: .... هذا كله يدلّ على استحباب لعق الأصابع إذا تعلَّق بها شيء من الطعام، كما قدَّمناه. لكنه في آخر الطعام، كما نص عليه، لا في أثنائه؛ لأنَّه يمس بأصابعه بزاق في فيه إذا لعق أصابعه ثم يعيدها، فيصير كأنه يبصق في الطعام، وذلك مستقذر، مستقبح. ما الحكمة من ذلك؟ جاء في حديث جابر بيان العلة: عن جابر. (أنَّ رَسُول الله ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: ((إنَّكُمْ لا تَدْرونَ في أَيِّها البَرَكَةُ)) رواه مسلم. وفي رواية لَه (إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأخُذْهَا، فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، وَلْيَأكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بالمنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أصَابعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي في أيِّ طَعَامِهِ البَرَكَة). قال الحافظ: قال بن دقيق العيد جاءت علة هذا مبينة في بعض الروايات (فإنه لا يدري في أي طعامه البركة) وقد يعلل بأن مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لما يمسح به مع الاستغناء عنه بالريق لكن إذا صح الحديث بالتعليل لم يعدل عنه. قلت: الحديث صحيح أخرجه مسلم في آخر حديث جابر ولفظه من حديث جابر (إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما اصابها من أذى وليأكلها ولا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها فإنه لا يدري في أي طعامه البركة). زاد فيه النسائي من هذا الوجه (ولا يرفع الصحفة حتى يلعقها أو يلعقها). ولأحمد من حديث ابن عمر نحوه بسند صحيح وللطبراني من حديث أبي سعيد نحوه بلفظ (فإنه لا يدري في أي طعامه يبارك له) ولمسلم نحوه من حديث أنس ومن حديث أبي هريرة أيضاً والعلة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشيخ فقد يكون للحكم علتان فأكثر والتنصيص على واحدة لا ينفي غيرها. (الفتح) قال النووي: وَقَوْله ﷺ (لَا تَدْرُونَ فِي أَيّه الْبَرَكَة) مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَم أَنَّ الطَّعَام الَّذِي يَحْضُرهُ الْإِنْسَان فِيهِ بَرَكَة وَلَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَة فِيمَا أَكَلَهُ أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعه أَوْ فِي مَا بَقِيَ فِي أَسْفَل الْقَصْعَة أَوْ فِي اللُّقْمَة السَّاقِطَة، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظ عَلَى هَذَا كُلّه؛ لِتَحْصُل الْبَرَكَة، وَأَصْل الْبَرَكَة الزِّيَادَة وَثُبُوت الْخَيْر وَالْإِمْتَاع بِهِ، وَالْمُرَاد هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَم - مَا يَحْصُل بِهِ التَّغْذِيَة وَتَسْلَم عَاقِبَته مِنْ أَذًى، وَيُقَوِّي عَلَى طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَغَيْر ذَلِكَ. فائدة: من السنة أن يأكل بثلاث أصابع. عن كَعْب بْن مَالِكٍ. قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا) رواه مسلم. وهذا محمول على الطعام الذي تكفي فيه ثلاثة أصابع، كالتمر والعنب. قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ الشَّرَهِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ لِذَلِكَ لِجَمْعِهِ اللُّقْمَةَ وَإِمْسَاكِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثِ، وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الْأَكْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيقِهِ بِالثَّلَاثِ يَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ.

стр. 2733

١٤٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لِيُسَلِّمْ اَلصَّغِيرُ عَلَى اَلْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى اَلْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى اَلْكَثِيرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (وَالرَّاكِبُ عَلَى اَلْمَاشِي) (وَالْمَارُّ عَلَى اَلْقَاعِدِ) ولفظ البخاري (والمار على القاعد). === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أدب من آداب السلام، وهو أن الصغير يسلم على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي. ما الحكمة فيمن شرع لهم الابتداء؟ قال ابن بطال: قال المهلب: … وأما وجه تسليم الصغير على الكبير فمن أجل حق الكبير على الصغير بالتواضع له والتوقير، وتسليم المار على القاعدة هو من باب الداخل على القوم فعليه أن يبدأهم بالسلام. وتسليم القليل على الكثير من باب التواضع أيضًا، لأن حق الكثير أعظم من حق القليل. وسلام الراكب على الماشي لئلا يتكبر بركوبه على الماشي فأمر بالتواضع. وقال ابن العربي: حاصل ما هذا الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل. ما الحكم لو سلم صبي على بالغ، فهل يجب عليه الرد؟ نعم يجب عليه الرد، ورجحه النووي. قال النووي: وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيّ عَلَى رَجُل لَزِمَ الرَّجُل رَدّ السَّلَام. وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْجُمْهُور. وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: لَا يَجِب، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ غَلَط. (شرح مسلم). قال في الأذكار: الصحيح من الوجهين وجوب ردّ السلام لقول الله تعالى (وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها). هل يسن السلام على الصبيان؟ نعم. قال النووي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب السَّلَام عَلَى الصِّبْيَان. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) متفق عليه.

стр. 2734

١٤٤٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يُجْزِئُ عَنْ اَلْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنْ اَلْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنه يجزئ الواحد في السلام عن الجماعة، كما يجزئ الواحد في رد السلام عن الجماعة. قال النووي: اعلم أن ابتداء السَّلامِ سنَّةٌ مستحبّة ليس بواجب، وهو سنّةٌ على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة كفى عنهم تسليمُ واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل، وأما ردّ السلام، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعيَّنَ عليه الردّ، وإن كانوا جماعةً كان ردّ السلام فرضُ كفايةٍ عليهم، فإن ردّ واحد منهم سقطَ الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم، وإن ردّوا كلُّهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة، وكذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن. واتفق أصحابنا على أنه لو ردّ غيرُهم لم يسقط الردّ عنهم، بل يجب عليهم أن يردّوا، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبيّ أثموا. هل من آداب السلام أن يسلم ثلاثاً؟ نعم، إذا لم يُسمع سلامه. عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً) رواه البخاري. معنى الحديث: قال النووي في رياض الصالحين: هذا محمول على ما إذا كان الجمع كثيراً. قال ابن القيم: كان من هديه ﷺ أن يسلم ثلاثاً، ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد، أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث، إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع، وإلا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثاً لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك، وكان يسلم على كل من لقيه ثلاثاً، وإذا دخل بيته ثلاثاً، ومن تأمل هديه، علم أن الأمر ليس كذلك، وأن تكرار السلام كان منه أمراً عارضاً في بعض الأحيان. وقال الشيخ ابن عثيمين: يتكلم ثلاثاً إذا لم تفهم عنه، وأما إذا فهمت عنه فلا يكرر، لو لم تفهم لكون المخاطب ثقيل السمع، أو لكثرة الضجة حوله أو ما أشبه ذلك فليعد مرتين، وكذلك إذا سلّمت ولم يسمع المسلَّم عليه، أعِد مرة ثانية وثالثة. ما الحكم لو سَلم على رجال وصبيان فرد السلام صبي منهم، هل يسقط فرض الرد على الرجال؟ قال النووي: وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى رِجَال وَصِبْيَان فَرَدَّ السَّلَام صَبِيّ مِنْهُمْ هَلْ يَسْقُط فَرْض الرَّدّ عَنْ الرِّجَال؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهمَا يَسْقُط.

стр. 2735

١٤٤٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَبْدَؤُوا اَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقَيْتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد تحريم ابتداء الكافر بالسلام. وهذا قول جمهور العلماء. ومما يدل على تحريم ذلك أيضاً: حديث أَبَي بصْرَة قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (إِنَّا غَادُونَ إِلَى يَهُودَ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُم) رواه أحمد. وحديث أبي هريرة ﵁. قال: قال (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم. فقوله (بينكم) يعني على المسلمين. قال الحافظ ابن حجر في الاستدلال بالحديث: المسلم مأمور بمعاداة الكافر فلا يشرع له فعل ما يستدعي مودته ومحبته. قال ابن القيم: قَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَبْدَءُونَ بِالسّلَامِ. قال النووي: واختَلَفَ الْعُلَمَاء فِي رَدّ السَّلَام عَلَى الْكُفَّار وَابْتِدَائِهِمْ بِهِ، فَمَذْهَبنَا تَحْرِيم اِبْتِدَائِهِمْ بِهِ، وَوُجُوب رَدّه عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُول: وَعَلَيْكُمْ، أَوْ عَلَيْكُمْ فَقَطْ، وَدَلِيلنَا فِي الِابْتِدَاء قَوْله ﷺ (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ) وَفِي الرَّدّ قَوْله ﷺ (فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ) وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَذْهَبنَا قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء وَعَامَّة السَّلَف. وقال في الأذكار: وأما أهل الذمة فاختلف أصحابنا فيهم، فقطع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، وحكى أقضى القضاة الماوردي وجها لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، وهذان الوجهان شاذان ومردودان. فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى في قصة إبراهيم (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)؟ الجواب: قال القرطبي: والجمهور على أن المراد بسلامه: المسالمة التي هي المتاركة لا التحية. ما الحكمة من النهي؟ لأن السلام نوع إكرام، والكافر ليس أهلاً لذلك. ولأن السلام أيضاً يستدعي المودة والمحبة، والمسلم مأمور بمعاداة الكافر.
следующие страницы →