Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
ما الحكم لو قام الجالس للداخل باختياره؟
جايز.
ما الجواب عن فعل ابن عمر (أنه كان إِذَا قَامَ لَهُ رَجُل عَنْ مَجْلِسه لَمْ يَجْلِس فِيهِ)؟
قال النووي: فَهَذَا وَرَع مِنْهُ، وَلَيْسَ قُعُوده فِيهِ حَرَامًا إِذَا قَامَ بِرِضَاهُ، لَكِنَّهُ تَوَرَّعَ عَنْهُ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: أَنَّهُ رُبَّمَا اِسْتَحَى مِنْهُ إِنْسَان فَقَامَ لَهُ مِنْ مَجْلِسه مِنْ غَيْر طِيب قَلْبه، فَسَدَّ اِبْن عُمَر الْبَاب لِيَسْلَم مِنْ هَذَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِيثَار بِالْقُرْبِ مَكْرُوه أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى، فَكَانَ اِبْن عُمَر يَمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرْتَكِب أَحَد بِسَبَبِهِ مَكْرُوهًا، أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى بِأَنْ يَتَأَخَّر عَنْ مَوْضِعه مِنْ الصَّفّ الْأَوَّل وَيُؤْثِرهُ بِهِ وَشِبْه ذَلِكَ.
ما المشروع للحاضرين في حق الداخل ولم يجد مكاناً؟
التوسع والتفسح. وفي ذلك ثواب عظيم.
قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ).
قال السعدي: هذا تأديب من الله لعباده المؤمنين، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم أو بعض القادمين عليهم للتفسح له في المجلس، فإن من الأدب أن يفسحوا له تحصيلا لهذا المقصود.
وليس ذلك بضار للجالس شيئاً، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه هو، والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح فسح الله له، ومن وسع لأخيه، وسع الله عليه.
ما تفسير قوله تعالى (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ)؟
قال ابن حجر: اختلف في معنى الآية:
فقيل: إن ذلك خاص بمجلس النبي ﷺ .
وعن الحسن البصري المراد بذلك مجلس القتال قال ومعنى قوله انشزوا انهضوا للقتال.
وذهب الجمهور إلى أنها عامة في كل مجلس من مجالس الخير وقوله افسحوا يفسح الله أي وسعوا يوسع الله عليكم في الدنيا والآخرة. (الفتح).
стр. 2732
١٤٤٣ - وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ، حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب لعق الأصابع مما علق بها من الطعام قبل مسحها بالمنديل.
قال القرطبي: .... هذا كله يدلّ على استحباب لعق الأصابع إذا تعلَّق بها شيء من الطعام، كما قدَّمناه. لكنه في آخر الطعام، كما نص عليه، لا في أثنائه؛ لأنَّه يمس بأصابعه بزاق في فيه إذا لعق أصابعه ثم يعيدها، فيصير كأنه يبصق في الطعام، وذلك مستقذر، مستقبح.
ما الحكمة من ذلك؟
جاء في حديث جابر بيان العلة:
عن جابر. (أنَّ رَسُول الله ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: ((إنَّكُمْ لا تَدْرونَ في أَيِّها البَرَكَةُ)) رواه مسلم.
وفي رواية لَه (إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأخُذْهَا، فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، وَلْيَأكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بالمنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أصَابعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي في أيِّ طَعَامِهِ البَرَكَة).
قال الحافظ: قال بن دقيق العيد جاءت علة هذا مبينة في بعض الروايات (فإنه لا يدري في أي طعامه البركة) وقد يعلل بأن مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لما يمسح به مع الاستغناء عنه بالريق لكن إذا صح الحديث بالتعليل لم يعدل عنه.
قلت: الحديث صحيح أخرجه مسلم في آخر حديث جابر ولفظه من حديث جابر (إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما اصابها من أذى وليأكلها ولا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها فإنه لا يدري في أي طعامه البركة).
زاد فيه النسائي من هذا الوجه (ولا يرفع الصحفة حتى يلعقها أو يلعقها).
ولأحمد من حديث ابن عمر نحوه بسند صحيح وللطبراني من حديث أبي سعيد نحوه بلفظ (فإنه لا يدري في أي طعامه يبارك له)
ولمسلم نحوه من حديث أنس ومن حديث أبي هريرة أيضاً والعلة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشيخ فقد يكون للحكم علتان فأكثر والتنصيص على واحدة لا ينفي غيرها. (الفتح)
قال النووي: وَقَوْله ﷺ (لَا تَدْرُونَ فِي أَيّه الْبَرَكَة) مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَم أَنَّ الطَّعَام الَّذِي يَحْضُرهُ الْإِنْسَان فِيهِ بَرَكَة وَلَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَة فِيمَا أَكَلَهُ أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعه أَوْ فِي مَا بَقِيَ فِي أَسْفَل الْقَصْعَة أَوْ فِي اللُّقْمَة السَّاقِطَة، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظ عَلَى هَذَا كُلّه؛ لِتَحْصُل الْبَرَكَة، وَأَصْل الْبَرَكَة الزِّيَادَة وَثُبُوت الْخَيْر وَالْإِمْتَاع بِهِ، وَالْمُرَاد هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَم - مَا يَحْصُل بِهِ التَّغْذِيَة وَتَسْلَم عَاقِبَته مِنْ أَذًى، وَيُقَوِّي عَلَى طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَغَيْر ذَلِكَ.
فائدة:
من السنة أن يأكل بثلاث أصابع.
عن كَعْب بْن مَالِكٍ. قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا) رواه مسلم.
وهذا محمول على الطعام الذي تكفي فيه ثلاثة أصابع، كالتمر والعنب.
قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ الشَّرَهِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ لِذَلِكَ لِجَمْعِهِ اللُّقْمَةَ وَإِمْسَاكِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثِ، وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الْأَكْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيقِهِ بِالثَّلَاثِ يَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ.
стр. 2733
١٤٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لِيُسَلِّمْ اَلصَّغِيرُ عَلَى اَلْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى اَلْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى اَلْكَثِيرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (وَالرَّاكِبُ عَلَى اَلْمَاشِي) (وَالْمَارُّ عَلَى اَلْقَاعِدِ) ولفظ البخاري (والمار على القاعد).
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أدب من آداب السلام، وهو أن الصغير يسلم على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي.
ما الحكمة فيمن شرع لهم الابتداء؟
قال ابن بطال: قال المهلب: … وأما وجه تسليم الصغير على الكبير فمن أجل حق الكبير على الصغير بالتواضع له والتوقير، وتسليم المار على القاعدة هو من باب الداخل على القوم فعليه أن يبدأهم بالسلام.
وتسليم القليل على الكثير من باب التواضع أيضًا، لأن حق الكثير أعظم من حق القليل.
وسلام الراكب على الماشي لئلا يتكبر بركوبه على الماشي فأمر بالتواضع.
وقال ابن العربي: حاصل ما هذا الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل.
ما الحكم لو سلم صبي على بالغ، فهل يجب عليه الرد؟
نعم يجب عليه الرد، ورجحه النووي.
قال النووي: وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيّ عَلَى رَجُل لَزِمَ الرَّجُل رَدّ السَّلَام. وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْجُمْهُور. وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: لَا يَجِب، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ غَلَط. (شرح مسلم).
قال في الأذكار: الصحيح من الوجهين وجوب ردّ السلام لقول الله تعالى (وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها).
هل يسن السلام على الصبيان؟
نعم.
قال النووي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب السَّلَام عَلَى الصِّبْيَان.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) متفق عليه.
стр. 2734
١٤٤٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (يُجْزِئُ عَنْ اَلْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنْ اَلْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أنه يجزئ الواحد في السلام عن الجماعة، كما يجزئ الواحد في رد السلام عن الجماعة.
قال النووي: اعلم أن ابتداء السَّلامِ سنَّةٌ مستحبّة ليس بواجب، وهو سنّةٌ على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة كفى عنهم تسليمُ واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل، وأما ردّ السلام، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعيَّنَ عليه الردّ، وإن كانوا جماعةً كان ردّ السلام فرضُ كفايةٍ عليهم، فإن ردّ واحد منهم سقطَ الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم، وإن ردّوا كلُّهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة، وكذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن. واتفق أصحابنا على أنه لو ردّ غيرُهم لم يسقط الردّ عنهم، بل يجب عليهم أن يردّوا، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبيّ أثموا.
هل من آداب السلام أن يسلم ثلاثاً؟
نعم، إذا لم يُسمع سلامه.
عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً) رواه البخاري.
معنى الحديث:
قال النووي في رياض الصالحين: هذا محمول على ما إذا كان الجمع كثيراً.
قال ابن القيم: كان من هديه ﷺ أن يسلم ثلاثاً، ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد، أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث، إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع، وإلا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثاً لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك، وكان يسلم على كل من لقيه ثلاثاً، وإذا دخل بيته ثلاثاً، ومن تأمل هديه، علم أن الأمر ليس كذلك، وأن تكرار السلام كان منه أمراً عارضاً في بعض الأحيان.
وقال الشيخ ابن عثيمين: يتكلم ثلاثاً إذا لم تفهم عنه، وأما إذا فهمت عنه فلا يكرر، لو لم تفهم لكون المخاطب ثقيل السمع، أو لكثرة الضجة حوله أو ما أشبه ذلك فليعد مرتين، وكذلك إذا سلّمت ولم يسمع المسلَّم عليه، أعِد مرة ثانية وثالثة.
ما الحكم لو سَلم على رجال وصبيان فرد السلام صبي منهم، هل يسقط فرض الرد على الرجال؟
قال النووي: وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى رِجَال وَصِبْيَان فَرَدَّ السَّلَام صَبِيّ مِنْهُمْ هَلْ يَسْقُط فَرْض الرَّدّ عَنْ الرِّجَال؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهمَا يَسْقُط.
стр. 2735
١٤٤٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَبْدَؤُوا اَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقَيْتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم ابتداء الكافر بالسلام.
وهذا قول جمهور العلماء.
ومما يدل على تحريم ذلك أيضاً:
حديث أَبَي بصْرَة قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (إِنَّا غَادُونَ إِلَى يَهُودَ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُم) رواه أحمد.
وحديث أبي هريرة ﵁. قال: قال (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم.
فقوله (بينكم) يعني على المسلمين.
قال الحافظ ابن حجر في الاستدلال بالحديث: المسلم مأمور بمعاداة الكافر فلا يشرع له فعل ما يستدعي مودته ومحبته.
قال ابن القيم: قَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَبْدَءُونَ بِالسّلَامِ.
قال النووي: واختَلَفَ الْعُلَمَاء فِي رَدّ السَّلَام عَلَى الْكُفَّار وَابْتِدَائِهِمْ بِهِ، فَمَذْهَبنَا تَحْرِيم اِبْتِدَائِهِمْ بِهِ، وَوُجُوب رَدّه عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُول: وَعَلَيْكُمْ، أَوْ عَلَيْكُمْ فَقَطْ، وَدَلِيلنَا فِي الِابْتِدَاء قَوْله ﷺ (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ) وَفِي الرَّدّ قَوْله ﷺ (فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ) وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَذْهَبنَا قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء وَعَامَّة السَّلَف.
وقال في الأذكار: وأما أهل الذمة فاختلف أصحابنا فيهم، فقطع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، وحكى أقضى القضاة الماوردي وجها لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، وهذان الوجهان شاذان ومردودان.
فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى في قصة إبراهيم (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)؟
الجواب:
قال القرطبي: والجمهور على أن المراد بسلامه: المسالمة التي هي المتاركة لا التحية.
ما الحكمة من النهي؟
لأن السلام نوع إكرام، والكافر ليس أهلاً لذلك.
ولأن السلام أيضاً يستدعي المودة والمحبة، والمسلم مأمور بمعاداة الكافر.
стр. 2736
هل يشرع الرد على الكافر إذا سلم؟
نعم يشرع.
أ-لعموم قوله تعالى (وإذا حييتم بتحية … ).
ب-ولعموم الأدلة الدالة على مشروعية رد السلام.
ج- ولحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُم) متفق عليه.
قال ابن القيم: وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الرّدّ عَلَيْهِمْ:
فَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ الصّوَابُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَجِبُ الرّدّ عَلَيْهِمْ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَوْلَى.
وَالصّوَابُ الْأَوّلُ وَالْفَرْقُ أَنّا مَأْمُورُونَ بِهَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ تَعْزِيرًا لَهُمْ وَتَحْذِيرًا مِنْهُمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الذّمّة.
ما كيفية الرد على أهل الكتاب.
إذا قال أحدهم (السام عليكم) - أي: الموت عليكم -، أو لم يظهر لفظ السلام واضحاً من كلامه: فإننا نجيبه بقولنا: وعليكم.
لِما جاء عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم السام عليكم فقل: عليك) متفق عليه.
فإذا تحققنا من سلام الكفار علينا باللفظ الشرعي، فإن ابن القيم يرى أنه يرد بالرد الشرعي.
قال ابن القيم ﵀: فلو تحقق السامع أن الذمي قال له (سلام عليكم) لا شك فيه، فهل له أن يقول وعليك السلام أو يقتصر على قوله وعليك؟
فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية، وقواعد الشريعة: أن يقال له: (وعليك السلام) فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان … ولا ينافي هذا شيئاً مِنْ أحاديث الباب بوجه ما، فإنه ﷺ إنما أمر بالاقتصار على قول الرادّ "وعليكم" بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم وأشار إليه في حديث عائشة ﵂، فقال: ألا ترَيْنني قلت وعليكم لمّا قالوا السام عليكم، ثم قال: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم.
وقال بعض العلماء: بل يقال: وعليكم.
قال النووي: … لَكِنْ لَا يُقَال لَهُمْ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَام، بَلْ يُقَال: عَلَيْكُمْ فَقَطْ، أَوْ وَعَلَيْكُمْ. وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرهَا (مُسْلِم) (عَلَيْكُمْ) (وَعَلَيْكُمْ) بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَحَذْفهَا، وَأَكْثَر الرِّوَايَات بِإِثْبَاتِهَا، وَعَلَى هَذَا فِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ: أَحَدهمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره، فَقَالُوا: عَلَيْكُمْ الْمَوْت، فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا أَيْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء، وَكُلّنَا نَمُوت. وَالثَّانِي أَنَّ الْوَاو هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيك، وَتَقْدِيره: وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الذَّمّ. وَأَمَّا حَذْف الْوَاو فَتَقْدِيره بَلْ عَلَيْكُمْ السَّام. قَالَ الْقَاضِي: اِخْتَارَ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْهُمْ اِبْن حَبِيب الْمَالِكِيّ حَذْف الْوَاو لِئَلَّا يَقْتَضِي التَّشْرِيك، وَقَالَ غَيْره: بِإِثْبَاتِهَا كَمَا هُوَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات. قَالَ: وَقَالَ بَعْضهمْ: يَقُول: عَلَيْكُمْ السِّلَام بِكَسْرِ السِّين أَيْ الْحِجَارَة، وَهَذَا ضَعِيف. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَامَّة الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ هَذَا الْحَرْف (وَعَلَيْكُمْ) بِالْوَاوِ، وَكَانَ اِبْن عُيَيْنَةَ يَرْوِيه بِغَيْرِ وَاو. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، لِأَنَّهُ إِذَا حُذِفَ (الْوَاو) صَارَ كَلَامهمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ خَاصَّة، وَإِذَا ثَبَتَ (الْوَاو) اِقْتَضَى الْمُشَارَكَة مَعَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ. هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيِّ. وَالصَّوَاب أَنَّ إِثْبَات الْوَاو وَحَذْفهَا جَائِزَانِ كَمَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَات، وَأَنَّ الْوَاو أَجْوَد كَمَا هُوَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات، وَلَا مَفْسَدَة فِيهِ، لِأَنَّ السَّام الْمَوْت، وَهُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، وَلَا ضَرَر فِي قَوْله بِالْوَاوِ.
стр. 2737
ما الحكم إذا مر واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفار؟
فالسنة أن يسلم عليهم يقصد المسلمين أو المسلم.
عن أسامة بن زيد ﵄ (أن النبي ﷺ مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فسلم عليهم النبي ﷺ .
قال ابن حجر: يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار وينوي حينئذ بالسلام المسلمين.
ما حكم ابتداء الكافر بتحية غير السلام؟
اختلف العلماء بابتداء الكافر بتحية غير السلام، كقول: مرحباً، أهلاً ونحوها؟
القول الأول: لا يجوز.
وهذا مذهب الحنابلة، واختاره ابن عثيمين.
لحديث الباب (لَا تَبْدَؤُوا اَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَام … ).
فالرسول ﷺ نهى عن بدئهم بالسلام، والتحية جنس يشمل السلام وغيره، فالنهي عن السلام نهي عن جنسه، قال الإمام أحمد: وهذا عندي أكثر من السلام.
القول الثاني: يكره.
وهذا قول الحنفية.
لحديث الباب، وحملوا النهي على الكراهة.
القول الثالث: يجوز مع الحاجة.
وهذا قول الشافعية.
القول الرابع: يجوز.
وهذا اختيار ابن تيمية.
لأنه لم يرد نهي في التحية، بل أحاديث النهي هي في السلام الذي هو من خواص هذه الأمة، فتبقى بقية التحايا على أصلها من الإباحة.
والله أعلم.
ماذا نستفيد من قوله (وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)؟
نستفيد أن الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق، فإن المسلم لا يفسح له، لأن هذا من إكرامه، بل يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم، وهذا مقيد عند العلماء بقيدين:
الأول: أن هذا عند الزحام، فيركب المسلمون صدر الطريق، ويكون الذمي في أضيقه.
الثاني: أن هذا التضييق مقيد بحيث لا يقع الذمي في ضرر، كأن يقع في حفرة أو يصدمه جدار ونحوه. (منحة العلام).
стр. 2738
١٤٤٧ - وَعَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ يَرْحَمُكَ اَللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اَللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اَللَّهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد أن العاطس يسن له أن يقول الحمد لله بعد عطاسه.
ما حكم تشمست العاطس؟
يشرع للمسلم أن يشمت العاطس إذا حمد الله.
قال النووي: وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوع، ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي إِيجَابه. (نووي).
وقد اختلف العلماء في حكم تشميت العاطس إذا حمد الله على أقوال:
القول الأول: واجب.
قال النووي: فَأَوْجَبَهُ أَهْل الظَّاهِر، وَابْن مَرْيَم مِنْ الْمَالِكِيَّة عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَهُ.
أ- لحديث الباب أبي هريرة -وقد تقدم- (وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ).
ب- ولحديث البراء قال (أمرنا رَسُول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمَرَنَا بعيَادَة المَرِيض، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وتَشْمِيتِ العَاطسِ، … )
ج- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ وَأَمَّا التَّثَاوُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاع … ) رواه البخاري.
قال ابن حجر: وقد أخذ بظاهرها ابن مزين من المالكية، وقال به جمهور أهل الظاهر وقال بن أبي جمرة قال جماعة من علمائنا إنه فرض عين وقواه بن القيم في حواشي السنن فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحق الدال عليه، وبلفظ على الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابي أمرنا رسول الله ﷺ ، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء.
وقال ابن القيم: فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَبْدُوءِ بِهِ: أَنَّ التَّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ الْعَاطِسَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَلَا يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الْوَاحِدِ عَنْهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابن أبي زيد، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيَّانِ، وَلَا دَافِعَ لَه. (زاد المعاد).
وقيل: فرض كفاية.
ورجحه أبو الوليد بن رشد وأبو بكر بن العربي وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة.
وقيل: مستحب.
وذهب عبد الوهاب وجماعة من المالكية إلى أنه مستحب ويجزئ الواحد عن الجماعة وهو قول الشافعية. (الفتح).
стр. 2739
قال النووي: وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَآخَرِينَ أَنَّهُ سُنَّة وَأَدَب، وَلَيْسَ بِوَاجِب.
قال ابن حجر: والراجح من حيث الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس وإن ورد في عموم المكلفين ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصح ويسقط بفعل البعض
متى يشرع تشميت العاطس؟
إذا حمد الله، فإن لم يحمد الله فلا يشمت، قال ابن العربي: وهو مجمع عليه.
أ- لحديث أبي هريرة السابق (فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ).
ب- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلَانِ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ فَقَالَ الَّذِى لَمْ يُشَمِّتْهُ عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِي. قَالَ: إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ) متفق عليه.
ج- وعن أَبِى مُوسَى. قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ) رواه مسلم.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة الْحَمْد:
فَقِيلَ: يَقُول: الْحَمْد لِلَّهِ. وَقِيلَ: الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، وَقِيلَ: الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال، وَقَالَ اِبْن جَرِير: هُوَ مُخَيَّر بَيْن هَذَا كُلّه، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُور بِالْحَمْدِ لِلَّهِ. (نووي).
وَاخْتَلَفُوا فِي رَدّ الْعَاطِس عَلَى الْمُشَمِّت، فَقِيلَ: يَقُول: يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ، وَقِيلَ: يَقُول: يَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ: يُخَيَّر بَيْن هَذَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقَدْ صَحَّتْ الْأَحَادِيث بِهِمَا. (نووي).
стр. 2740
١٤٤٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
===
ما حكم الشرب قائماً؟
وردت أحاديث تدل على النهي عن ذلك:
أ- كحديث الباب.
ب- وحديث أَنَسٍ (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا) رواه مسلم.
ج- وحديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا).
ووردت أحاديث أخرى أن النبي ﷺ شرب قائماً، منها:
أ-حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِم) متفق عليه.
ب- وعن عَلِيّ ﵁ أنه شَرِبَ قَائِمًا ثم قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْت) رواه البخاري.
ج- وروى أحمد (أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ شَرِبَ قَائِمًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهُ فَقَالَ: مَا تَنْظُرُونَ! إِنْ أَشْرَبْ قَائِمًا فَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا، وَإِنْ أَشْرَبْ قَاعِدًا فَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَشْرَبُ قَاعِدًا).
فاختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث:
فذهب قوم إلى أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الجواز، فقالوا بتحريم الشرب قائماً.
وهذا قول ابن حزم، ورجحه الصنعاني.
قالوا: الأصل الإباحة فتحمل أحاديث الشرب عليها ثم ورد النهي عن الشرب قائماً فنسخت الإباحة.
وذهب قوم إلى أن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي.
وهذه طريقة أبي بكر الأثرم.
دليلهم: شرب النبي ﷺ قائماً من زمزم وذلك في حجة الوداع.
وذهب قوم فقالوا: تعارضت الأحاديث والآثار فتسقط والأصل إباحة الشرب قائماً فيتمسك به حتى يثبت خلافه.
قال بذلك ابن عبد البر، وأبو الوليد بن رشد.
стр. 2741
وقال قوم: بحمل أحاديث الشرب قائماً على حال الحاجة وأحاديث النهي مع عدمها.
قال به شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.
والرد من وجهين:
الأول: ظاهر أكثر الأحاديث شرب النبي ﷺ من غير حاجة.
الثاني: شرب الصحابة ﵃ قياماً وأفتوا بجوازه من غير أن يقيدوه بالحاجة وهم أعلم الناس بالشرع.
وقال قوم: النهي عن الشرب قائماً للتنزيه وشرب النبي ﷺ قائماً يدل على الجواز.
وهذا قول جمهور العلماء.
قال بذلك الطبري، والبيهقي، والخطابي، والمازري، وأبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، والنووي، وابن حجر، وابن الجوزي، والسخاوي، ومحمد بن أحمد السفاريني، وابن مفلح.
قال ابن حجر: وسلك آخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه وأحاديث الجواز على بيانه وهي طريقة الخطابي وبن بطال في آخرين وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض. (الفتح).
وقال النووي: وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى إِشْكَال، وَلَا فِيهَا ضَعْف، بَلْ كُلّهَا صَحِيحَة، وَالصَّوَاب فِيهَا أَنَّ النَّهْي فِيهَا مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه. وَأَمَّا شُرْبه ﷺ قَائِمًا فَبَيَان لِلْجَوَازِ، فَلَا إِشْكَال وَلَا تَعَارُض، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَتَعَيَّن الْمَصِير إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ نَسْخًا أَوْ غَيْره فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا، وَكَيْف يُصَار إِلَى النَّسْخ مَعَ إِمْكَان الْجَمْع بَيْن الْأَحَادِيث لَوْ ثَبَتَ التَّارِيخ وَأَنَّى لَهُ بِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَكُون الشُّرْب قَائِمًا مَكْرُوهًا وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيّ ﷺ ؟ فَالْجَوَاب: أَنَّ فِعْله ﷺ إِذَا كَانَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ لَا يَكُون مَكْرُوهًا، بَلْ الْبَيَان وَاجِب عَلَيْهِ ﷺ . (شرح مسلم).
ما حكم الأكل قائماً؟
لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يحرم الأكل قائما، وإنما اختلفوا في ذلك: هل هو مكروه، أو خلاف الأولى؟
القول الأول: يكره الأكل قائما لغير حاجة؛ قياسا على الشرب.
ويؤيده تتمة حديث أنس في النهي عن الشرب قائما " قَالَ قَتَادَةُ لأنس: فَقُلْنَا فَالْأَكْلُ، فَقَالَ: "ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ ".
قال ابن حجر: قيل وَإِنَّمَا جُعِلَ الْأَكْلُ أَشَرَّ لِطُولِ زَمَنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِزَمَنِ الشُّرْب.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ﵀: ويكره الأكل والشرب قائما لغير حاجة.
وقال به الشيخ ابن باز، وابن عثيمين رحمهما الله. ينظر "فتاوى ابن باز" (٢٥/ ٢٧٦)، و"شرح رياض الصالحين لابن عثيمين".
стр. 2742
والقول الثاني: يباح الأكل قائما، ولا يكره؛ وهو ظاهر مذهب الحنابلة، وقال به ابن حزم الظاهري.
لعدم ورود دليل على منع الأكل، والكراهة إنما وردت في الشرب.
وأما القياس فقالوا: إنه قياس مع الفارق بين الأكل والشرب، واحتمال الضرر فيه غير ظاهر.
قال المرداوي: قال صاحب الفروع: وظاهر كلامهم: لا يكره أكله قائما. ويتوجه أنه كالشرب. وقاله الشيخ تقي الدين ﵀.
قلت: إن قلنا: إن الكراهة في الشرب قائما لما يحصل له من الضرر، ولم يحصل مثل ذلك في الأكل: امتنع الإلحاق " انتهى من "الإنصاف.
وأما ما ورد عن أنس (ذاك أشر أو أخبث) فموقوف على أنس.
قال ابن حزم: "ولم يأت في الأكل نهي؛ إلا عن أنس من قوله.
قال النووي ﵀: مسألة: هل يكره الأكل والشرب قائمًا، وما الجواب عن الأحاديث في ذلك؟
الجواب: يكره الشرب قائمًا من غير حاجة، ولا يحرم.
وأما الأكل قائمًا فإن كان لحاجة: فجائز.
وإِن كان لغير حاجة: فهو خلاف الأفضل. ولا يقال: إِنه مكروه.
وثبت في صحيح البخاري من رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنهم كانوا يفعلونه، وهذا مقدم على ما في صحيح مسلم عن أنس: أنه كرهه.
وأما الشرب قائمًا ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى عنه، وفي صحيح البخاري وغيره، أحاديثُ صحيحةٌ أن النبي ﷺ فعله. فأحاديث النهي تدل لكراهة التنزيه، وأحاديث فعله تدل لعدم التحريم. " انتهى، من "فتاوى النووي"
стр. 2743
١٤٤٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا اِنْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنْ اَلْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ).
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد استحباب البدء بالرجل اليمنى عند لبس النعل، والبدء بخلع نعل الرجِل اليسرى قبل اليمنى.
ومما يدل على ذلك:
حديث عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ اَلتَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
ما القاعدة في ذلك؟
قال النووي: هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب وتقليم الأظافر وقص الشارب وترجيل الشعر … وغير ذلك مما هو في فعله يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضده، كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب … فيستحب التياسر فيه.
أمثلة: الخروج من الخلاء، ولبس النعال، ولبس الثوب ونحو ذلك باليمين.
ودخول الخلاء، والاستنجاء، وخلع الثوب، هذه بالشمال.
اذكر بعض الأحاديث التي وردت في البداءة باليمين؟
أ- حديث الباب (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا انتزع فيبدأ بالشمال) متفق عليه.
ب- وحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إذا توضأتم وإذا لبستم فابدؤوا باليمين) رواه الترمذي.
ج- وحديث جابر. قال قال ﷺ (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه) متفق عليه.
د- وعن أنس (أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البُدن فنحرَها، والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن فقَسَمه فيمن يليه) رواه مسلم.
وفي رواية ( … قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر … ).
стр. 2744
١٤٥٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد النهي أن يمشي الرجل في نعل أو خف واحدة.
وقد جاء عنْ جَابِرٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلَ بِشِمَالِهِ أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ).
وجمهور العلماء على الكراهة.
وقد جاء في الصحيحين: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا).
ما الحكمة من النهي؟
اختلف في الحكمة من النهي:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحِكْمَة فِي النَّهْي: أَنَّ النَّعْل شُرِعَتْ لِوِقَايَةِ الرِّجْل عَمَّا يَكُون فِي الْأَرْض مِنْ شَوْك أَوْ نَحْوه، فَإِذَا اِنْفَرَدَتْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ اِحْتَاجَ الْمَاشِي أَنْ يَتَوَقَّى لِإِحْدَى رِجْلَيْهِ مَا لَا يَتَوَقَّى لِلْأُخْرَى، فَيَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ سَجِيَّة مَشْيه، وَلَا يَأْمَن مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْعِثَار.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِل بَيْن جَوَارِحه، وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِل ذَلِكَ إِلَى اِخْتِلَال الرَّأْي أَوْ ضَعْفه.
وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: قِيلَ: الْعِلَّة فِيهَا أَنَّهَا مِشْيَة الشَّيْطَان، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خَارِجَة عَنْ الِاعْتِدَال. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْكَرَاهَة فِيهِ لِلشُّهْرَةِ فَتَمْتَدّ الْأَبْصَار لِمَنْ تَرَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْي عَنْ الشُّهْرَة فِي اللِّبَاس، فَكُلّ شَيْء صَيَّرَ صَاحِبه شُهْرَة فَحَقّه أَنْ يَجْتَنِب. (الفتح).
وقال النووي: يُكْرَه الْمَشْي فِي نَعْل وَاحِدَة أَوْ خُفّ وَاحِدَة أَوْ مَدَاس وَاحِد لَا لِعُذْرٍ، وَدَلِيله هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم. قَالَ الْعُلَمَاء: وَسَبَبه أَنَّ ذَلِكَ تَشْوِيه وَمِثْله، وَمُخَالِف لِلْوَقَارِ، وَلِأَنَّ الْمُنْتَعِلَة تَصِير أَرْفَع مِنْ الْأُخْرَى، فَيَعْسُر مَشْيه، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْعِثَارِ.
وقال الألباني في (السلسلة الصحيحة) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة). أخرجه الطحاوي
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الربيع بن سليمان
المرادي و هو ثقة.
والحديث في " الصحيحين " و غيرهما من طريق أبي الزناد عن الأعرج به بلفظ
" لا يمش أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعا، أو ليخلعهما جميعا ".
وله شاهد من حديث جابر مرفوعا بلفظ (لا تمش في نعل واحدة) أخرجه مسلم (٦/ ١٥٤) وأحمد (٣/ ٣٢٢) وغيرهما.
стр. 2745
قلت: فالحديث في النهي عن المشي في نعل واحدة صحيح مشهور، و إنما خرجت حديث الطحاوي هذا لتضمنه علة النهي، فهو يرجح قولاً واحداً من الأقوال التي قيلت في تحديدها، فجاء في " الفتح " … فذكر ما تقدم من الفتح، ثم قال الالباني:
فأقول: الصحيح من هذه الأقوال، هو الذي حكاه ابن العربي أنها مشية الشيطان، وتصديره إياه بقوله: " قيل " مما يشعر بتضعيفه، وذلك معناه أنه لم يقف على هذا الحديث الصحيح المؤيد لهذا "القيل"، ولو وقف عليه لما وسعه إلا الجزم به.
كذلك سكوت الحافظ عليه يشعرنا أنه لم يقف عليه أيضاً، و إلا لذكره على طريقته في جمع الأحاديث وذكر أطرافها المناسبة للباب، لاسيما و ليس في تعيين العلة و تحديدها سواه.
فخذها فائدة نفيسة عزيزة ربما لا تراها في غير هذا المكان، يعود الفضل فيها إلى الإمام أبي جعفر الطحاوي، فهو الذي حفظها لنا بإسناد صحيح في كتابه دون عشرات الكتب الأخرى لغيره. (السلسلة الصحيحة)
تنبيه:
أما الحديث الذي رواه ليث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت (ربما مشى النبي ﷺ في نعل واحدة).
فهو ضعيف لا يحتج به، أخرجه الترمذي.
- قال الحافظ ﵀: قَدْ يَدْخُل فِي هَذَا كُلّ لِبَاس شَفْع كَالْخُفَّيْنِ وَإِخْرَاج الْيَد الْوَاحِدَة مِنْ الْكُمّ دُون الْأُخْرَى والتَّرَدِّي [أي لبس الرداء] عَلَى أَحَد الْمَنْكِبَيْنِ دُون الْآخَر. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. قُلْت: وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ حَدِيث الْبَاب مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بلفظ: (لَا يَمْشِ أَحَدكُمْ فِي نَعْل وَاحِدَة وَلَا خُفّ وَاحِد) وَهُوَ عِنْد مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث جَابِر، وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد، وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس، وَإِلْحَاق إِخْرَاج الْيَد الْوَاحِدَة مِنْ الْكُمّ وَتَرْك الْأُخْرَى بِلُبْسِ النَّعْل الْوَاحِدَة وَالْخُفّ الْوَاحِد بَعِيد، إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ الْأَمْر بِالْعَدْلِ بَيْن الْجَوَارِح وَتَرْك الشُّهْرَة، وَكَذَا وَضْع طَرَف الرِّدَاء عَلَى أَحَد الْمَنْكِبَيْنِ، وَاَللَّه أَعْلَم " انتهى.
وعليه؛ فإنْ لعب الإنسان بالشراب دون لبس النعلين، لزمه أن يلبس الشرابين معاً أو أن يخلعهما معاً، لأنهما في حكم الخف المذكور في الحديث.
стр. 2746
١٤٥١ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَنْظُرُ اَللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
===
(لَا يَنْظُرُ اَللَّهُ) أي: نظر رحمة.
(إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ) أي: أسبله ثوبه.
(خُيَلَاءَ) الخيلاء الكبر، والعجب.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم جر الإزار خيلاء، وأن هذا من كبائر الذنوب، وهو حرام بالإجماع.
أ- لحديث الباب.
ب- ولحديث أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) متفق عليه.
وعنه. قال: قال ﷺ (من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة) رواه البخاري.
فهذه الأحاديث صريحة في تحريم جر الرجل ثوبه خيلاء، وأن ذلك من الكبائر.
قال الذهبي: الكبيرة الخامسة والخمسون: إسبال الإزار والثوب واللباس والسراويل تعززاً وعجباً وفخراً وخيلاء.
ونستفيد أن من جر ثوبه لغير الخيلاء، فإنه لا يستحق هذا الوعيد، لأن تقييد الحكم بوصف يستلزم انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف. (ابن عثيمين).
ما حكم الإسبال لغير الخيلاء؟
اختلف العلماء في حكم الإسبال لغير الخيلاء على قولين:
القول الأول: أنه حرام.
واختاره القاضي عياض، والذهبي، ورجحه ابن حجر، وبه قال الصنعاني.
ورجحه ابن باز، وابن عثيمين، والألباني.
أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) رواه البخاري.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ توعد المسبل من غير تفريق بين خيلاء وغيره.
стр. 2747
قال الخطابي: قوله (فهو في النار) يُتأول على وجهين:
أحدهما: ما دون الكعبين من قدم صاحبه في النار عقوبة له على فعله.
والآخر: إنّ فعله ذلك في النار، أي هو معدود من أفعال أهل النار.
ب- وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من الكعبين هو في النار، يقولها ثلاث مرات) رواه أحمد.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ توعد المسبل ثيابه بالنار من غير تفريق بين خيلاء وغيره، فدل على تحريم الإسبال مطلقاً.
وممن رجح التحريم: ابن العربي، والحافظ ابن حجر.
قال الحافظ ابن حجر: وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضاً.
وقال ابن العربي ﵀: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجره خيلاء، لأن النهي تناوله لفظاً، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكماً أن يقول لا أمتثله، لأن العلة ليس فيَّ، فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره) انتهى.
وقد نقله ابن حجر ﵀، وعلق عليه بقوله: وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه (وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة).
وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة (بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله ﷺ يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله، ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك، حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني حمش الساقين فقال: يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل) الحديث.
وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه، لكن قال في روايته: "عن عمرو بن فلان" وأخرجه الطبراني أيضاً فقال: عن عمرو بن زرار، وفيه ضرب رسول الله ﷺ بأربعة أصابع تحت الأربع، فقال: يا عمرو هذا موضع الإزار، الحديث، ورجاله ثقات، وظاهره أن عمراً المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء، وقد منعه من ذلك لكونه مظنته.
وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال (أبصر النبي ﷺ رجلاً قد أسبل إزاره فقال: ارفع إزارك" فقال إني أحنف تصطك ركبتاي، قال: ارفع إزارك فكل خلق الله حسن، وأخرجه مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم وفي آخره: "وذاك أقبح مما بساقيك" انتهى كلام الحافظ ﵀.
стр. 2748
القول الثاني: أنه مكروه.
وحملوا الأدلة الناهية عن الإسبال مطلقاً على الأدلة المقيدة للتحريم بالخيلاء، وحينئذ فإن الإسبال المحرّم المنهي عنه إنما هو الإسبال للخيلاء والكبر والبطر، وأما الإسبال الخالي عن هذه الصفة والهيئة فلا يصل إلى درجة التحريم، بل هو محمول على الكراهة، وقد دل على حمل المطلق على المقيد بالخيلاء في الإسبال ما يلي:
حديث ابن عمر: قال: قال رسول الله ﷺ (من جر ثوبَه خيلاء لم ينظرِ الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: إن أحد شقَّيْ ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله ﷺ (إنك لست تصنعُ ذلك خيلاء) متفق عليه.
قالوا: إن قول النبي ﷺ لأبي بكر: إنك لست تصنع ذلك خيلاء، تصريح بأن مناط التحريم هو الخيلاء، وأن الوعيد المذكور إنما هو لمن جرها خيلاء، وأما من جر ثيابه لغير الخيلاء فإنه لا يدخل في الوعيد.
وبحديث ابن عمر. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المَخِيلة فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة) رواه مسلم.
قالوا: دل بمفهومه على أن من أسبل ثيابه لا يريد بذلك المخيلة لا يلحقه الوعيد المذكور.
قال ابن قدامة: ويكره إسبال القميص والإزار والسراويل؛ لأن النبي ﷺ أمر برفع الإزار، فإن فعل ذلك على وجه الخيلاء حرام.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وقد عرفت ما في حديث الباب من قوله ﷺ لأبي بكر: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء وهو تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء، وأن الإسبال قد يكون للخيلاء، وقد يكون لغيره، فلابد من حمل قوله"فإنها من المخيلة" في حديث جابر بن علي أنه خرج مخرج الغالب، فيكون الوعيد المذكور في حديث الباب متوجهاً إلى من فعل ذلك اختيالاً، والقول: بأن كل إسبال من ا لمخيلة أخذاً بظاهر حديث جابر ترده الضرورة، فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله.
ثم قال: وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به في الصحيحين.
ثم قال: وحمل المطلق على المقيد واجب، وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة ٤/ ٣٦٣: وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة، والمطلق منها محمول على المقيد، وإنما أطلق ذلك؛ لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة.
ثم قال: ولأن الأحاديث أكثرها مقيدة بالخيلاء فيحمل المطلق عليه، وما سوى ذلك فهو باقٍ على الإباحة، وأحاديث النهي مبنية على الغالب والمظنة.
ثم قال: وبكل حال فالسنة تقصير الثياب، وحدِّ ذلك ما بين نصف الساق إلى الكعب، فما كان فوق الكعب فلا بأس به، وما تحت الكعب في النار. انتهى.
والراجح القول الأول: وأن إسبال الثوب لغير الخيلاء حرام.
стр. 2749
وما ذهبوا إليه من حمل المطلق على المقيد مردود: بأنّ حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة ممتنع لا يصح، لأنه مخالف لما اتفق عليه الأصوليون من أنه لا يصح حمل المطلق على المقيد إلا إذا اتحدا في الحكم، وأما إذا اختلفا فلا خلاف بين الأصوليين في امتناع حمل أحدهما على الآخر: وتوضيح ذلك:
أن الحكم المرتب على حالتي الإسبال كليهما مختلف، فمن أسبل للخيلاء فإن الله تعالى لا ينظر إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، ولا يكلمه، وله عذاب أليم، ومن أسبل لغير الخيلاء فإن ما أسفل من الكعبين في النار.
فائدة: أما فعل أبي بكر ﵁ فتوجيهه كما قال الذهبي ﵀ في (سير أعلام النبلاء).
وكذلك نرى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية -نوع من اللباس- تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي ﷺ : "ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار" يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء وأنا لا أفعله خيلاء. فنراه يكابر ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: (إنه يا رسول الله يسترخي إزاري) فقال: "لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء" فقلنا: أبو بكر ﵁ لم يكن يشد إزاره مسدولا على كعبيه أولاً، بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعدُ يسترخي. وقال ﵊: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين" ومثل هذا في النهي لمن فصل سراويل مغطياً لكعابه، ومنه طول الأكمام زائداً، وتطويل العذبة، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس، وقد يعذر الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة) انتهى كلام الذهبي ﵀.
فائدة: ٢
ذكر ابن حجر ﵀ أن رواية الترمذي فيها زيادة بعد قوله ﷺ (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: يرخين شبراً، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن؛ قال: فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه. قال ابن حجر: فهمت - أي أم سلمة - الزجر عن الإسبال مطلقاً سواء كان عن مخيلة أو لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهنّ إلى الإسبال من أجل ستر العورة … ثم قال ﵀: وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع الإسبال لتقريره ﷺ أم سلمة على فهمها. (فتح الباري).
فائدة: ٣
وقال - أي ابن حجر- ﵀: وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه. ثم قال: وإن كان الثوب زائداً على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم، وقد يتجه المنع من جهة التشبه بالنساء وهو أمكن فيه من الأول، وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، وقد يتجه المنع من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به. (الفتح).
فائدة: ٤
أن الإسبال مظنة الخيلاء. قال ابن حجر ﵀: الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه (وإيّاك وجر الإزار، فإن جر الإزار من المخيلة). (الفتح).
стр. 2750
فائدة: ٥
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عند حديث (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) وحديث (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) فلما اختلفت العقوبتان امتنع أن يحمل المطلق على المقيد لأن قاعدة حمل المطلق على المقيد من شرطها اتفاق النصين في الحكم، أما إذا اختلف الحكم فإنه لا يقيد أحدهما بالآخر، ولهذا لم نقيد آية التيمم التي قال الله تعالى عنها (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) لم نقيدها بآية الوضوء التي قال الله تعالى عنها (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) فلا يكون التيمم إلى المرافق.
فائدة: ٦
قال الشيخ مشهور آل سلمان - حفظه الله -: وأفاد شيخنا الألباني ﵀ في بعض مجالسه أنه لا يجوز للمسلم أن يتعمد إطالة ثوب بدعوى أنه لا يفعل ذلك خيلاء، ويتعلق بقول الرسول ﷺ لأبي بكر (إنك لا تفعل ذلك خيلاء)؛ لأن أبا بكر ﵁ لم يتخذ ثوباً طويلاً، فقال له النبي ﷺ (إنك لا تفعل ذلك خيلاء)، وإنما كان قوله ﷺ جواباً لقوله بأنه يسقط الثوب عنه، فيصبح كما لو أطال ذيله، فأجاب الرسول ﷺ بأن هذا أمر لا تؤاخذ عليه؛ لأنك لا تفعله قصداً ولا تفعله خيلاء، فلذلك لا يجوز أن نُلحق بأبي بكر ناساً يتعمدون إطالة الذيول، ثم يقولون: نحن لا نفعل ذلك خيلاء. فحادثة أبي بكر لا تشهد لهؤلاء مطلقاً.
فائدة: ٧
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: أما من يتعمد إرخاءها سواء كانت بشتاً أو سراويل أو إزارا أو قميصاً فهو داخل في الوعيد، وليس معذوراً في إسباله ملابسه لأن الأحاديث الصحيحة المانعة من الإسبال تعمه بمنطوقها وبمعناها ومقاصدها.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- إثبات النظر لله تعالى.
- كل ذنب ختم بوعيد فهو من كبائر الذنوب.
стр. 2751
١٤٥٢ - وَعَنْهُ. أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد مشروعية الأكل اليمين وعدم الأكل بالشمال.
وقد اختلف العلماء في حكم ذلك على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
اختاره ابن أبي موسى، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، ومحمد بن صالح العثيمين غيرهم.
أ-لحديث جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ; فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وجه الدلالة: دل الحديث على النهي عن الأكل بالشمال، بدلالة قوله (لا تأكلوا) وهذا نهي، والأصل في النهي إذا ورد مجرداً عن القرائن فإنه يقتضي التحريم.
ب- ولحديث الباب (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ).
قال ابن القيم: ومقتضى هذا تحريم الأكل بها، وهو الصحيح، فإن الآكل بها، إما شيطان، وإما مشبه به.
ج- ولحديث عمر بن أبي سلمة وفيه (يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك) متفق عليه.
وجه الدلالة: أمر النبي ﷺ بالأكل باليمين.
قال العيني: وأما الأكل باليمين فقد ذهب بعضهم إلى أنه واجب لظاهر الأمر.
د- وعن سَلمة بنِ عمرو بنِ الأكوع ﵁ (أنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُول الله ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينكَ) قَالَ: لا أسْتَطيعُ. قَالَ: (لا استَطَعْتَ) مَا مَنَعَهُ إلاَّ الكِبْرُ فمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيه) رواه مسلم.
قال الشيخ ابن عثيمين: فيه استعمال الاستطاعة بمعنى الإرادة، فقوله (لا أستطيع) أي: لا أريد، ومنه قول الحواريين (هل يستطيع ربك) أي: هل يريد ربك.
(قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ) هذا دعاء منه ﷺ عليه، لأنه لم له في ترك الأكل باليمين عذر، وإنما قصد المخالفة.
(قَالَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ) أي: أن ذلك الرجل لم يستطع بعد ذلك اليوم أن يرفع يده اليمنى إلى فيه، وهو كناية أنها شلّت بدعائه ﷺ عليه.
قال الصنعاني في شرح حديث الباب: وفي الحديث دليل على وجوب الأكل باليمين للأمر به أيضاً، ويزيده تأكيداً أنه ﷺ أخبر بأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وفعل الشيطان يحرم على الإنسان ويزيده تأكيداً أن رجلاً أكل عنده ﷺ بشماله فقال: "كل بيمينك" فقال: لا أستطيع قال: "لا استطعت ما منعه إلا الكبر" فما رفعها إلى فيه، أخرجه مسلم، ولا يدعو ﷺ إلا على من ترك الواجب، وأما كون الدعاء لتكبره فهو محتمل أيضاً، ولا ينافي أن الدعاء عليه للأمرين معاً. (سبل السلام)
стр. 2752
القول الثاني: أنه مستحب.
وهذا قول جمهور العلماء.
فهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، اختاره ابن المنذر.
استدلوا بالأحاديث السابقة الآمر بالأكل باليمين، وحملوا الأمر بالأكل باليمين على الاستحباب والندب، والنهي عن الأكل بالشمال على الكراهة والتنزيه؛ لأن الصارف لذلك هو قصد الإرشاد والأدب والفضيلة.
وأجاب أيضاً عن أدلة من قال بالوجوب:
قالوا: وأما التشبيه بالشيطان فلا يفيد الحرمة، فقد أخبرنا النبي ﷺ بأن المجلس بين الظل والشمس مجلس الشيطان. رواه أحمد. وأخبرنا ﷺ في أمر القيلولة بقوله: قيلوا فإن الشيطان لا يقيل. رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني بتعدد طرقه وإن ضعفه غيره.
وفي سنن ابن ماجه: وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله. قال المنذري: إسناده صحيح. وصححه المناوي، والجماهير من العلماء على عدم وجوب القيلولة، وعدم وجوب المناولة باليمين، إلى غير ذلك.
وأما حديث (سلمة بن الأكوع) فأجابوا عنه:
أولاً: قيل إن الرجل منافق، بدليل رده أمر رسول الله ﷺ كبرًا واستعلاءً. جزم بذلك القاضي عياض.
ثانياً: وقيل أن الدعاء عليه لمخالفة الحكم الشرعي عمومًا. جزم بذلك الإمام النووي.
وقيل: أن الدعاء عليه لكبره. قال المناوي في فيض القدير: ودعاؤه على الرجل إنما هو لكبره الحامل له على ترك الامتثال، كما هو مبين.
стр. 2753
١٤٥٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ، وَتَصَدَّقْ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ اَلْبُخَارِي.
===
(كُلْ، واشرب) أي جميع أنواع الطيّبات، فحذف المفعول لإرادة التعميم، فهو كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) والأمر للإباحة.
(وَالْبَسْ) أي الحلال، من أنواع الملابس.
(وَتَصَدَّقْ) أي: على المحتاجين، من الفقراء والمساكين، فحذف المفعول أيضًا؛ لما ذُكر.
(فِي غَيْرِ سَرَفٍ) الإسراف: مجاوزة الحد في كل فعل وقول وهو في الإنفاق أشهر.
(وَلَا مَخِيلَةٍ) بفتح الميم، وكسر الخاء المعجمة: بمعنى الْخُيَلاء، أي من غير تكبر، وفخر، وتطاول على الناس.
ما صحة حديث الباب؟
إسناده حسن.
ماذا نستفيد من الحديث؟
إباحة الأكل والأكل واللبس بشرط عدم السرف والمخيلة.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كُلْ مَا شِئْتَ، وَاشْرَبْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَة.
فَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي تَدْبِيرِ الْمَعِيشَةِ، وَتَرْشِيدِ الاسْتِهْلَاكِ، وَضَبْطِ الْإِنْفَاقِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مُهِمَّاتِ الْأَشْيَاءِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَهِيَ: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، وَاللِّبَاسُ وَالصَّدَقَةُ، وَالثَّلَاثَةُ الْأُولَى هِيَ أَكْثَرُ مَا تُنْفَقُ فِيهِ الْأَمْوَالُ؛ لَأَنَّهُ لَا عَيْشَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ، وَلَا ظُهُورَ لَهُ أَمَامَ النَّاسِ إِلَّا بِلِبَاسٍ، فَكَانَ أَكْثَرُ الْإِنْتَاجِ مُتَّجِهًا إِلَيْهَا؛ لِكَثْرَةِ اسْتِهْلَاكِهَا.
قَالَ المُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: هذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِفَضَائِلِ تَدْبِيرِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، وَفِيهِ تَدْبِيرُ مَصَالِحِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ السَّرَفَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَضُرُّ بِالْجَسَدِ، وَيَضُرُّ بِالمَعِيشَةِ؛ فَيُؤَدِّي إِلَى الْإِتْلَافِ، وَيَضُرُّ بِالنَّفْسِ إِذْ كَانَتْ تَابِعَةً لِلْجَسَدِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ، وَالمَخِيلَةُ تَضُرُّ بِالنَّفْسِ حَيْثُ تُكْسِبُهَا الْعُجْبَ، وَتَضُرُّ بِالْآخِرَةِ حَيْثُ تُكْسِبُ الْإِثْمَ، وَبِالدُّنْيَا حَيْثُ تُكْسِبُ المَقْتَ مِنَ النَّاس.
وَوَرَدَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَكَانَ قَدْ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ -: «كَيْفَ نَفَقَتُكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: حَسَنَةٌ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ»، وَقَدِ انْتَزَعَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذِهِ الْآيَة.
وقد قيل: ما عال من اقتصد.
وقيل: الاقتصاد نصف المعيشة.
وقيل: حسن التدبير نصف المعيشة.
وقيل يونس بن عبيد لرجل: آمرك بثلاث:
بالتودد إلى الناس: فإنه نصف العقل.
والاقتصاد في المعيشة: فإنه ثلث الكسب.
وحسن المسألة: فإنه نصف العلم.
стр. 2754
ما حكم الإسراف؟
حرام.
فالإسراف والترف مذموماً شرعاً.
فالله لا يحب المسرفين.
قال تعالى (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).
قوله (وَلَا تُسْرِفُوا) في ذلك، والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام.
- وأصل الإسراف في لغة العرب: هو مجاوزة الحد.
- قال الشنقيطي: والإسراف المنهي عنه هنا فيه للعلماء وجهان:
أحدهما: أن المعنى لا تسرفوا في الأكل والشرب فتأكلوا فوق الحاجة، وتشربوا فوق الحاجة، لأن الإسراف في الأكل والشرب يثقل البدن، ويعوق صاحبه عن طاعة الله، والقيام بالليل، فيجعل صاحبه كلما كانت بطنه ملأى من الأكل والشرب كان ثقيل الجسم، لا ينهض لطاعة الله، فنهاهم الله عن الإسراف في الأكل، وكذلك يسبب الأمراض.
والوجه الثاني: أن معنى (وَلَا تُسْرِفُوا) أي: لا تجاوزوا حدود الله، فتحرِّمُوا ما أحلّ الله كالودك للمُحْرِم، وكاللباس للطَّائِف، فهذه أمورٌ لم يحرمها الله، ولا تسرفوا في التحريم والتحليل بأن تحرموا ما أحلَّ الله، وتحللوا ما حرَّم الله، وكلا الإسرافين إسراف. ولا مانع من أن تشمل الآية الجميع. فلا يجوز الإسراف بتحريم ما أحلَّ الله، وتحليل ما حرَّم الله، كما لا يجوز الإسراف الكثير بملء البطن مِلْئاً شديداً من الأكل والشرب حتى يتكاسل الإنسان ولا يتنشط لطاعة الله.
ومن صفات عباد الرحمن القصد وعدم الإسراف.
قال تعالى (وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).
قال ابن كثير: أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهْليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عَدْلا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).
وفي الحديث قال ﷺ (المؤمن يأكل في معيٍ واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء) متفق عليه.
ذكر الله عاقبة البخل والإسراف.
قال تعالى (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).
стр. 2755
قال ابن كثير: يقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش ذامّا للبخل ناهيًا عن السَّرَف (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) أي: لا تكن بخيلاً منوعًا، لا تعطي أحدًا شيئًا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب، وقوله (وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا.
وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك، ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا فإنها تسمى الحسير. (ابن كثير).
المبذرين إخوان الشياطين.
قال تعالى (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ (فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لاِمْرَأَتِهِ وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ) رواه مسلم.
قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَة فَاِتِّخَاذه إِنَّمَا هُوَ لِلْمُبَاهَاةِ وَالِاخْتِيَال وَالِالْتِهَاء بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَة فَهُوَ مَذْمُوم، وَكُلّ مَذْمُوم يُضَاف إِلَى الشَّيْطَان؛ لِأَنَّهُ يَرْتَضِيه، وَيُوَسْوِس بِهِ، وَيُحَسِّنهُ، وَيُسَاعِد عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَة. (شرح مسلم).
ولأن الشيطان لا يدعو إلا إلى خصلة ذميمة، إما البخل والإمساك، فإن عصاه دعاه إلى الإسراف والتبذير.
وقد أرشد النبي ﷺ أمته إلى عدم الإسراف:
فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَة).
وحذَّر من الإسراف في الطعام والشراب مبيناً الحدود المعقولة والمقبولة من ذلك.
فعَنْ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِه).
والإسراف هو إضاعة للمال، والله يكره إضاعة المال.
فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول (إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَال).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحبُّ اللهَ إضاعةَ المالَ، ولا كثرةَ السؤالِ، ولا قِيْلَ وقَال).
فالله لا يحب المسرفين، لأنه يضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات.
стр. 2756
اذكر بعض الأقوال في ذم الشبع؟
قال الفضيل بن عياض: شيئان يقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.
لأن الشّبَع مذموم، فهو يكسل عن العبادة، فعلى العبد أن لا يكثر الأكل والشرب حتى لا يغلبه النوم ويثقل عليه القيام.
ولذلك قيل: لا تأكل كثيراً، فتشرب كثيراً، فتنام كثيراً، فتتحسر كثيراً؟
قال عمر: إياكم والبطنة، فإنها ثقل في الحياة ونتن في الممات.
وقال لقمان لابنه: يا بني! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.
وقال أبو سليمان الداراني: من شبع دخل عليه ست آفات: فقْد حلاوة المناجاة، وتعذر عليه حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلْق، لأنه إذا شبع ظن الخلق كلهم شباعاً، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات.
وقال محمد بن واسع: من قلّ طُعْمه فهِم وأفْهم وصفَى ورقّ.
وقال عمرو بن قيس: إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب.
وقال الحسن البصري: كانت بلية أبيكم آدم أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة.
وقد قيل: إذا أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل.
وقال إبراهيم بن أدهم: من ضبط بطنه ضبط دينه.
ما حكم الخيلاء؟
حرام.
قال تعالى (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا).
وَفِي آيَةٍ أُخْرَى (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (بَيْنَا رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَ فِي بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ يَخْتَالُ فِيهِمَا، أَمَرَ اللهُ الأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ، وَإِنَّهُ لَيَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة) رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ما كيفية الإسراف في الصدقة؟
وَذَلِكَ بِأَنْ يُنْفِقَ الْإِنْسَانُ فِي تَطَوُّعٍ، وَيَتْرُكَ وَاجِبًا، كَمَنْ يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَيُضَيِّعُ مَنْ يَعُولُ، وَقَدْ أَرَادَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنْ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَخَفَّضَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الثُّلُثِ، وَقَالَ (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك).
فإن قيل: ما الجواب عن حديث (إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ ، وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ ، فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ، وَالاِخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ ، اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَالاِخْتِيَالِ الَّذِي يُبْغِضُ اللَّهُ ، الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِل).
стр. 2757
فالجواب: أن المراد أن تَهُزّه سجية السخاء، فيُعطيها المستحقّ بطيب نفس، وانشراح صدر، وانبساط وجه، فلا يَمُنُّ، ولا يستكثر كثيرًا، ولا يُبالي بما أعطى، ولا يُعطي منها شيئًا، إلا وهو مستقلّ؛ وذلك لأنه يكون سببًا للاستكثار، والرغبة في الزيادة منها.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- إباحة أكل الطيّبات، والمستلذّات، بشرط أن لا يصل إلى حدّ الإسراف.
- إباحة التجمّل باللباس، إذا لم يؤدّ إلى الإسراف أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
فائدة:
قال ابن القيّم: الأفعال الطبيعية: كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك، إذا كانت وسطًا بين الطرفين المذمومين كانت عدلًا، وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصًا وأثمرت نقصًا، فمن أشرف العلوم وأنفعها علمُ الحدود، ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي، فأَعلمُ النَّاس أعلمهم بتلك الحدود، حتى لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا يخرج منها ما هو داخل فيها.
стр. 2758
بَابُ اَلْبِرِّ وَالصِّلَةِ
البر: اسم جامع للطاعات، والمراد به هنا: بر الوالدين.
والصلة: ضد القطيعة.
١٤٥٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي.
===
(مَنْ أَحَبَّ) وفي رواية (من سره).
(أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ) أي: يوسع.
(وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ) أن يؤخر.
(فِي أَثَرِهِ) في أجله.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل صلة الرحم، وأن ذلك سبب لبسط الرزق وطول العمر.
ماذا تعني صلة الرحم؟
صلة الرحم تعني الإحسان إلى الأقربين وإيصال ما أمكن من الخير إليهم ودفع ما أمكن من الشر عنهم.
اذكر فضائل صلة الرحم؟
الحديث دليل على فضل صلة الرحم، وأنها من أسباب دخول الجنة، ولصلة الرحم فضائل:
أولاً: سبب في زيادة العمر.
كما في حديث الباب (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه).
وقال ﷺ (صلة الرحم، وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار) رواه أحمد.
وعند الترمذي قال ﷺ (تعلَّموا من أنسابِكم ما تصِلُون به أرحامَكم؛ فإن صِلَة الرَّحِم محبَّةٌ في الأهل، مثْرَاةٌ في المال، منسَأةٌ في الأثَر).
وأخرج الطيالسي عن عمرو بن سهل ﵁ أن النبي ﷺ قال (صلة القرابة مثراة في المال، محبة في الأهل، منسأة في الأجل).
ثانياً: من وصلها وصله الله.
كما في الحديث: (من وصلني وصله الله).
стр. 2759
ثالثاً: من أسباب دخول الجنة.
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ (أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ الْقَوْمُ مَالَهُ مَالَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرَبٌ مَالَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ ذَرْهَا قَالَ كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) متفق عليه.
وقال ﷺ (يا أيها الناس أفشوا السلام أطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام) رواه الترمذي.
رابعاً: أن مما جاء به النبي ﷺ هو الدعوة إلى صلة الرحم.
كما جاء في قصة هرقل، أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؟ قال: يقول (اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة). متفق عليه
خامساً: صلة الرحم من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر.
لقوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه).
سادساً: صلة الرحم فيها الاقتداء بالنبي ﷺ -.
وفي قصة بدايةِ الوحي لما رجع الرسول ﷺ خائفاً قالت له زوجته خديجة (كلا والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم).
سابعاً: أفضل الصدقة الصدقة على الأرحام.
قال ﷺ (أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح) رواه ابن خزيمة.
ثامناً: صلة الرحم من أفضل الطاعات.
عن عُقْبَة بن عامر قال: قلت يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِفَوَاضِلِ الأَعْمَالِ. فَقَالَ (يَا عُقْبَةُ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَك) رواه حمد.
تاسعاً: صلة الرحم طاعة لله.
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ).
عاشراً: شيوع المحبة والألفة بين الأقارب.
فبسببها تشيع المحبة، وبهذا يصغو عيشهم وتكثر مسراتهم.
стр. 2760
ما معنى صلة الرحم؟
بالإحسان إلى الأقارب وزيارتهم، وإدخال السرور عليهم، وبالقول.
ما المراد بالرحم المطلوب صلتها؟
اختلف العلماء في حدّ الرحم التي يجب وصلها إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن حد الرحم هو: الرحِم المَحرَم.
والقول الثاني: أنهم الرحم من ذوي الميراث.
والقول الثالث: أنهم الأقارب من النسب سواء كانوا يرثون أم لا.
والصحيح من أقوال أهل العلم هو القول الثالث، وهو: أن الرحم هم الأقارب من النسب – لا من الرضاع – من جهة الأب والأم.
أما أقارب الزوجة فليسوا أرحاماً للزوج، وأقارب الزوج ليسوا أرحاماً للزوجة.
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
من هم الأرحام وذوو القربى حيث يقول البعض إن أقارب الزوجة ليسوا من الأرحام؟
فأجاب:
" الأرحام هم الأقارب من النسب من جهة أمك وأبيك، وهم المعنيون بقول الله في سورة الأنفال والأحزاب: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).
وأقربهم: الآباء والأمهات والأجداد والأولاد وأولادهم ما تناسلوا، ثم الأقرب فالأقرب من الإخوة وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال لما سأله سائل قائلاً: من أبر يا رسول الله؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أباك، ثم الأقرب فالأقرب) خرجه الإمام مسلم في صحيحه، والأحاديث في ذلك كثيرة.
أما أقارب الزوجة: فليسوا أرحاماً لزوجها إذا لم يكونوا من قرابته، ولكنهم أرحام لأولاده منها، وبالله التوفيق.
قال الصنعاني: وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ الرَّحِمِ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا:
فَقِيلَ: هِيَ الرَّحِمُ الَّتِي يَحْرُمُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا حَرُمَ عَلَى الْآخَرِ. فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ وَلَا أَوْلَادُ الْأَخْوَالِ. وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِلُ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا فِي النِّكَاحِ لِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ التَّقَاطُعِ.
وَقِيلَ هُوَ مَنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِمِيرَاثٍ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ " ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك ".
وَقِيلَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ قَرَابَةٌ سَوَاءٌ كَانَ يَرِثُهُ أَوْ لا. (سبل السلام)
стр. 2761
بما تكون الصلة؟
صلة الرحم تكون بأمور متعددة، منها: الزيارة، والصدقة، والإحسان إليهم، وعيادة المرضى، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وغير ذلك.
قال النووي: صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول؛ فتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة، وتارة تكون بالزيارة، والسلام، وغير ذلك " انتهى.
وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين: وصلة الأقارب بما جرى به العرف واتّبعه الناس؛ لأنه لم يبيّن في الكتاب ولا السنة نوعها ولا جنسها ولا مقدارها؛ لأن النبي ﷺ لم يقيده بشيء معين … بل أطلق؛ ولذلك يرجع فيها للعرف، فما جرى به العرف أنه صلة فهو الصلة، وما تعارف عليه الناس أنه قطيعة فهو قطيعة " انتهى.
وقال ابن أبي جمرة: صلة الرحم بالمال وبالعون على الحوائج ودفع الضرر وطلاقة الوجه والدعاء والمعنى الجامع إيصاله ما أمكن من خير ودفع ما أمكن من شر بقدر الطاقة.
من هو الواصل؟
الواصل عرفه النبي ﷺ بقوله:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا) رواه البخاري
ما المراد بزيادة العمر في قوله (وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ) مع أن الأرزاق والأعمار مكتوبة، قال تعالى (فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: أن الزيادة كناية عن البركة في العمر، بسبب توفيق صاحبه إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة.
ورجح هذا النووي، والطيبي.
قال النووي: وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الْأَجَل فَفِيهِ سُؤَال مَشْهُور، وَهُوَ أَنَّ الْآجَال وَالْأَرْزَاق مُقَدَّرَة لَا تَزِيد وَلَا تَنْقُص (فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) وَأَجَابَ الْعُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ الصَّحِيح مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْره، وَالتَّوْفِيق لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة، وَصِيَانَتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ.
القول الثاني: أن الزيادة الواردة في الأحاديث هي بالنسبة لعلم الملَك الموكل بالعمر، وأما ما ورد في الآيات فهو بالنسبة لعلم الله، فيكون معنى الحديث: أن التأخير يكون في أثره المكتوب في صحف الملائكة، وأما أثره المعلوم عند الله فلا تقديم ولا تأخير.
стр. 2762
وهذا قول البيهقي، وابن تيمية، وابن حجر، والسعدي.
قال ابن تيمية: وَالْجَوَابُ الْمُحَقَّقُ: أَنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ لِلْعَبْدِ أَجَلًا فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ، فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ فِي ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ. وَإِنْ عَمِلَ مَا يُوجِبُ النَّقْصَ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ … وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ؛ فَهُوَ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ لَهُ وَمَا يَزِيدُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَهُمْ إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ اللَّهُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَبَعْدَ كَوْنِهَا، فَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ وَأَمَّا عِلْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَبْدُو لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إثْبَاتَ. وَأَمَّا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَهَلْ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَه.
أ- قال تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت
قال السعدي عند تفسير الآية:
(يمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ) من الأقدار (وَيُثْبِتُ) ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب.
فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ولمحوها أسبابا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.
ب- ما روي عن عدد من الصحابة أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحني واكتبني من أهل السعادة القول الثالث: أَنَّ الْمُرَاد بَقَاء ذِكْره الْجَمِيل بَعْده، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ.
قال النووي: حَكَاهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل.
القول الرابع: أن المراد بالزيادة ما يكون للواصل من ذرية صالحة يدعون له بعد موته.
واختاره حافظ حكمي.
اذكر بعض أسباب الرزق؟
أولاً: صلة الرحم.
لحديث الباب.
ثانياً: التوكل.
عن عُمَر ﵁، قَالَ: سمعتُ رَسُول الله ﷺ ، يقول (لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً) رواه الترمذي.
стр. 2763
ثالثاً: الاستغفار والتوبة.
قال تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً).
وقال تعالى (ويَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ).
قال القرطبي: في هذه الآية والتي في هود دليل على أن الاستغفار يُستنزل به الرزق والأمطار.
رابعاً: التقوى.
قال تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ).
وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
خامساً: التفرغ للعبادة.
عن أبي هريرة. عن النبي ﷺ قال (إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يدك شغلاً ولم أسد فقرك) رواه الترمذي.
سادساً: المتابعة بين الحج والعمرة.
عن عبد الله بن مسعود. قال: قال ﷺ (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) رواه الترمذي.
سابعاً: الإنفاق في سبيل الله تعالى.
قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
قال ابن كثير: أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب كما ثبت في الحديث.
وقال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً).
قال ابن عباس في تفسير الآية: اثنان من الله، واثنان من الشيطان (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) يقول: لا تنفق مالك وأمسكه لك فإنك تحتاج إليه، (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ) على هذه المعاصي (وَفَضْلاً) في الرزق.
ثامناً: المهاجرة في سبيل الله.
قال تعالى (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً).
ففي هذه الآية وعد الله تعالى أن من هاجر في سبيله سيجد أمرين: أولهما: مراغماً كثيراً، وثانيهما: سعة.
والمراد بالأمر الأول كما يقول الرازي: (مراغماً) ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية.
والمراد بالأمر الثاني (سعة) السعة في الرزق.
стр. 2764
١٤٥٥ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ قَاطِعٌ) يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم قطيعة الرحم وأنه من أسباب عدم دخول الجنة.
قال النووي: هذا الْحَدِيث يُتَأَوَّل تَأْوِيلَيْنِ سَبَقَا فِي نَظَائِره فِي كِتَاب الْإِيمَان:
أَحَدهمَا: حَمْله عَلَى مَنْ يَسْتَحِلّ الْقَطِيعَة بِلَا سَبَب وَلَا شُبْهَة مَعَ عِلْمه بِتَحْرِيمِهَا، فَهَذَا كَافِر يُخَلَّد فِي النَّار، وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة أَبَدًا.
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ وَلَا يَدْخُلهَا فِي أَوَّل الْأَمْر مَعَ السَّابِقِينَ، بَلْ يُعَاقَب بِتَأَخُّرِهِ الْقَدْر الَّذِي يُرِيدهُ اللَّه تَعَالَى.
اذكر بعض عقوبات قطيعة الرحم؟
أولاً: عدم دخول الجنة.
كما في حديث الباب.
ثانياً: حصول اللعنة.
قال تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).
قال علي بن الحسين لولده: يا بني لا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثة مواطن.
ثالثاً: عدم قبول عمل قاطع رحم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ) رواه أحمد.
رابعاً: عقوبة قاطع الرحم تعجل في الدنيا قبل الآخرة.
عنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) رواه الترمذي.
خامساً: قطع الرحم قطع للوصل مع الله.
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه.
عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى. قَالَ فَذَاكَ لَكِ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) متفق عليه.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (قَالَ اللَّهُ : أَنَا الرَّحْمَنُ وَأَنَا خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَاشْتَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) رواه أحمد.
سادساً: أن عدم صلة الرحم من الكبائر.
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)
стр. 2765
١٤٥٦ - وَعَنْ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّ اَللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ اَلْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ اَلْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ اَلسُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ اَلْمَالِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
(عقوق الأمهات) العقوق بضم العين مشتق من العق، والمراد به القطع، والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد تحريم عقوق الأمهات، وقد جاءت الأدلة على تحريم العقوق.
عن أَبي بكرة نُفَيع بن الحارث ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ «ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» - ثلاثًا - قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُول الله، قَالَ: «الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ»، وكان مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النَّبيّ ﷺ قَالَ (الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْس، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ». رواه البخاري.
وعنه أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مِنَ الكَبَائِر شَتْمُ الرَّجُل وَالِدَيهِ!»، قالوا: يَا رَسُولَ الله، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أبَاه، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي رواية: «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ!»، قِيلَ: يَا رَسُول الله، كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟! قَالَ: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ.
وقال ﷺ (لا يدخل الجنة عاق ولا منان ولا مدمن خمر) رواه أحمد.
وعن أبي بكرة. قال: قال ﷺ (كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه) رواه أحمد.
وعن علي. قال: قال ﷺ (لعن الله من لعن والديه) رواه مسلم.
وعن المغيرة بن شعبة. أن رسول الله ﷺ قال (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات) رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: إنما خص الأمهات بالذكر لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء، ولينبه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك.
وهل الأب مثل الأم؟
نعم.
لماذا خص الأمهات؟
قال الحافظ ابن حجر: إنما خص الأمهات بالذكر لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء، ولينبه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك.
قال حكيم: من عق والديه عقّه ولده.
стр. 2766
وقال النووي: قوله (عُقُوق الْأُمَّهَات) فَحَرَام، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَى عَدِّهِ مِنْ الْكَبَائِر، وَكَذَلِكَ عُقُوق الْآبَاء مِنْ الْكَبَائِر، وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ هُنَا عَلَى الْأُمَّهَات لِأَنَّ حُرْمَتهنَّ آكَد مِنْ حُرْمَة الْآبَاء، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ حِين قَالَ لَهُ السَّائِل: مَنْ أَبَرّ؟ قَالَ: "أُمّك ثُمَّ أُمّك" ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَة: "ثُمَّ أَبَاك". وَلِأَنَّ أَكْثَر الْعُقُوق يَقَع لِلْأُمَّهَاتِ، وَيَطْمَع الْأَوْلَاد فِيهِنَّ.
ما معنى (عقوق الوالدين)؟
أي عصيانهما، وقطع البرّ الواجب عنهما، وأصل العقّ: الشّقّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقة؛ لأنه يُشقّ حلقومها. قاله الهرويّ، وغيره.
قال القرطبي: العقوق: مصدر عق، يعق، عقوقًا؛ أي: قطع وشقَّ. فكأنَّ العاقَّ لوالديه يقطع ما أمره الله تعالى به من صلتهما، ويشق عصا طاعتهما. ولا خلاف أن عقوقهما من أكبر الكبائر
ما معنى (وَوَأْدَ اَلْبَنَاتِ)؟
وهُوَ دَفْنهنَّ فِي حَيَاتهنَّ؛ فَيَمُتْنَ تَحْت التُّرَاب، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر الْمُوبِقَات، لِأَنَّهُ قَتْل نَفْس بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَتَضَمَّن أَيْضًا قَطِيعَة الرَّحِم، وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الْبَنَات، لِأَنَّهُ الْمُعْتَاد الَّذِي كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ.
ما معنى (وَمَنْعًا وَهَاتِ)؟
قال النووي: مَعنَاهُ: مَنْعُ مَا وَجَب عَلَيهِ، وَ «هَاتِ»: طَلَبُ مَا لَيْسَ لَهُ.
وقال القرطبي: ومعناهما واحد، وهو أن يمنع ما يجب عليه بذله، أو يطلب شيئًا يحرم عليه طلبه
قال الحافظ: الحاصل من النهي منع ما أُمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق.
ما معنى قوله (وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ)؟
قال النووي: «قيلَ وَقالَ» مَعْنَاهُ: الحَديث بكُلّ مَا يَسمَعهُ، فيَقُولُ: قِيلَ كَذَا، وقَالَ فُلانٌ كَذَا مِمَّا لا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ، وَلا يَظُنُّهَا، وَكَفَى بالمَرْءِ كذِبًا أَنْ يُحَدّثَ بكُلِّ مَا سَمِعَ.
وقال القرطبي: ومعناه أن الله تعالى حرَّم الخوض في الباطل، وفيما لا يعني من الأقوال، وحكايات أحوال الناس التي لا يسلم فاعلها من الغيبة، والنميمة، والبهتان، والكذب. و (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كانت النار أولى به).
ما معنى (وَإِضَاعَةَ اَلْمَالِ)؟
قال النووي: «إضَاعَةُ المَال» تَبذِيرُهُ وَصَرفُهُ في غَيْرِ الوُجُوهِ المأذُونِ فِيهَا مِنْ مَقَاصِدِ الآخِرةِ وَالدُّنْيَا، وتَرْكُ حِفظِهِ مَعَ إمكَانِ الحِفظِ.
وقال في شرح مسلم: فَهُوَ صَرْفه فِي غَيْر وُجُوهه الشَّرْعِيَّة، وَتَعْرِيضه لِلتَّلَفِ.
قال ابن حجر: … تقدم أن الأكثر حملوه على الإسراف في الإنفاق وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه، لأن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح إما في حق مضيعها، وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة انفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقا أخروياً أهم منه.
стр. 2767
ما سبب النهي عن إضاعة المال؟
قال النووي: وَسَبَب النَّهْي أَنَّهُ إِفْسَاد، وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ.
وَلِأَنَّهُ إِذَا أَضَاعَ مَاله تَعَرَّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاس.
ما معنى (وكَثْرَةُ السُّؤَال)؟
قال النووي: فَقِيلَ: الْمُرَاد بِهِ الْقَطْع فِي الْمَسَائِل، وَالْإِكْثَار مِنْ السُّؤَال عَمَّا لَمْ يَقَع، وَلَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَة، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ السَّلَف يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَيَرَوْنَهُ مِنْ التَّكَلُّف الْمَنْهِيّ عَنْهُ. وَفِي الصَّحِيح: كَرِهَ رَسُول اللَّه ﷺ الْمَسَائِل وَعَابَهَا.
وَقِيلَ: الْمُرَاد بِهِ سُؤَال النَّاس أَمْوَالهمْ، وَمَا فِي أَيْدِيهمْ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد كَثْرَة السُّؤَال عَنْ أَخْبَار النَّاس، وَأَحْدَاث الزَّمَان، وَمَا لَا يَعْنِي الْإِنْسَان.
وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ هَذَا مِنْ النَّهْي عَنْ قِيلَ وَقَالَ.
وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد كَثْرَة سُؤَال الْإِنْسَان عَنْ حَاله وَتَفَاصِيل أَمْره، فَيَدْخُل ذَلِكَ فِي سُؤَاله عَمَّا لَا يَعْنِيه، وَيَتَضَمَّن ذَلِكَ حُصُول الْحَرَج فِي حَقّ الْمَسْئُول، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُؤَثِّر إِخْبَاره بِأَحْوَالِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ شَقَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْإِخْبَار أَوْ تَكَلَّفَ التَّعْرِيض لَحِقَتْهُ الْمَشَقَّة، وَإِنْ أَهْمَلَ جَوَابه اِرْتَكَبَ سُوء الْأَدَب. (شرح مسلم).
وقال ابن حجر: قوله: (وكثرة السؤال) هل هو سؤال المال، أو السؤال عن المشكلات والمعضلات، أو أعم من ذلك؟ الأولى حمله على العموم.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى أن المراد به كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله، فإن ذلك مما يكره المسئول غالباً، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات. أخرجه أبو داود من حديث معاوية، وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر جداً، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع والقول بالظن، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ .... (الفتح)
وقال القرطبي ﵀: يحتمل وجوهاً:
أحدها: أن يريد به كثرة سؤال الناس الأموال، والحوائج إلحاحًا، واستكثارًا.
وثانيها: أن يكثر من المسائل الفقهية تنطُّعًا وتكلُّفًا فيما لم ينزل. وقد كان السَّلف يكرهون ذلك، ويرونه من التكلُّف.
وثالثها: أن يكثر من السؤال عمَّا لا يعنيه من أحوال النَّاس، بحيث يُؤدِي ذلك إلى كشف عوراتهم، والإطلاع على مساوئهم.
قلت: والوجه: حمل الحديث على عمومه، فيتناول جميع تلك الوجوه كلِّها. (المفهم).
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أن التحريم والتحليل إلى الله.
- ذم سؤال الناس.
- الحث على سؤال الله تعالى.
стр. 2768
١٤٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (رِضَا اَللَّهِ فِي رِضَا اَلْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اَللَّهِ فِي سَخَطِ اَلْوَالِدَيْنِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِم.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد فضل بر الوالدين والعمل على رضاهما، لأن النبي ﷺ جعل رضا الرب ومحبته لعبده في رضا والديه.
من المقدم في البر الأم أم الأب؟
الأم.
قال النووي في سرح حديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ «أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أَبُوكَ).
الصَّحَابَة هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد بِمَعْنَى الصُّحْبَة.
وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى بِرّ الْأَقَارِب، وَأَنَّ الْأُمّ أَحَقّهمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدهَا الْأَب، ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَسَبَب تَقْدِيم الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ، وَشَفَقَتهَا، وَخِدْمَتهَا، وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله، ثُمَّ وَضْعه، ثُمَّ إِرْضَاعه، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه، وَغَيْر ذَلِكَ. وَنَقَلَ الْحَارِث الْمُحَاسِبِيّ إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأُمّ تُفَضَّل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض خِلَافًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْجُمْهُور بِتَفْضِيلِهَا، وَقَالَ بَعْضهمْ: يَكُون بِرّهمَا سَوَاء. قَالَ: وَنَسَبَ بَعْضهمْ هَذَا إِلَى مَالِك، وَالصَّوَاب الْأَوَّل لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُور.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمّ وَالْأَب آكَد حُرْمَة فِي الْبِرّ مِمَّنْ سِوَاهُمَا. قَالَ: وَتَرَدَّدَ بَعْضهمْ بَيْن الْأَجْدَاد وَالْإِخْوَة لِقَوْلِهِ ﷺ : ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك قَالَ أَصْحَابنَا: يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِرّ الْأُمّ، ثُمَّ الْأَب، ثُمَّ الْأَوْلَاد، ثُمَّ الْأَجْدَاد وَالْجَدَّات، ثُمَّ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات، ثُمَّ سَائِر الْمَحَارِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّات، وَالْأَخْوَال وَالْخَالَات، وَيُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب. (نووي)
وقال الصنعاني: إذا تعارض حق الأب وحق الأم: فحق الأم مقدم.
لحديث: (قال رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي قال أمك ثلاث مرات ثم قال أبوك).
فإنه دل على تقديم رضا الأم على رضا الأب.
قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب، قال: وكأن ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع.
قلت: وإليه الإشارة بقوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها) ومثلها (حملته أمه وهنا على وهن).
стр. 2769
قال القاضي عياض: ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل على الأب في البر، ونقل الحارث المحاسبي الإجماع على هذا. (سبل السلام)
جاء في (الموسوعة الفقهية) أَمَّا إِنْ تَعَارَضَ بِرُّهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إِيصَال الْبِرِّ إِلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً:
فَقَدْ قَال الْجُمْهُورُ: طَاعَةُ الأْمِّ مُقَدَّمَةٌ؛ لأِنَّهَا تَفْضُل الأْبَ فِي الْبِرِّ.
وَقِيل: هُمَا فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ.
فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً قَال لِمَالِكٍ: وَالِدِي فِي السُّودَانِ، كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ، وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ، فَقَال لَهُ مَالِكٌ: أَطِعْ أَبَاكَ وَلَا تَعْصِ أُمَّكَ. يَعْنِي أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي رِضَى أُمِّهِ بِسَفَرِهِ لِوَالِدِهِ، وَلَوْ بِأَخْذِهَا مَعَهُ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ طَاعَةِ أَبِيهِ وَعَدَمِ عِصْيَانِ أُمِّهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ حِينَ سُئِل عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا قَال: أَطِعْ أُمَّكَ، فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ.
وَنَقَل الْمُحَاسِبِيُّ الإْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الأْمَّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ عَلَى الأْب.
وقال القرطبي: فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ الْأُمِّ وَالشَّفَقَةَ عَلَيْهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ مَحَبَّةِ الْأَبِ، لِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ الْأُمَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَذِكْرِ الْأَبِ فِي الرَّابِعَةِ فَقَطْ. وَإِذَا تَوَصَّلَ هَذَا الْمَعْنَى شَهِدَ لَهُ الْعَيَانُ. وَذَلِكَ أَنَّ صُعُوبَةَ الْحَمْلِ وَصُعُوبَةَ الْوَضْعِ وَصُعُوبَةَ الرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ تَنْفَرِدُ بِهَا الْأُمُّ دُونَ الْأَبِ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَنَازِلَ يَخْلُو مِنْهَا الْأَبُ.
اذكر بعض الأسباب التي تنال بها رضا الله تعالى؟
أولاً: رضا الوالد.
لحديث الباب.
ثانياً: الصدق.
قال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
ثالثاً: اتباع السابقين من الصحابة والتابعين بإحسان.
قال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه).
رابعاً: حمد الله بعد الشرب والأكل.
لحديث أنس. قال: قال ﷺ (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها … ) رواه مسلم.
خامساً: السواك.
قال ﷺ (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) رواه أحمد.
سادساً: الشكر.
قال تعالى (وإن تشكروا يرضه لكم).
стр. 2770
سابعاً: الإخلاص.
قال تعالى (وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِّعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى).
ثامناً: الولاءُ والبراءُ أساسُ رِضوان الله، وهو: أن يُحبَّ المسلمُ لله، ويُحبَّ من أحبَّ الله وأحبَّ دينَه، ويُبغِضَ من أبغَضَ اللهَ ومن حارَبَ دينَه، يُوالِي المؤمنين وينصُرُهم، يكرَه المُنافقين ويُبغِضُهم.
قال الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
تاسعاً: الكلمة الطيبة.
قال رسولُ الله ﷺ (إن العبدَ ليتكلَّم بالكلمة من رِضوان الله لا يُلقِي لها بالاً، يرفعُه الله بها درجات).
عاشراً: من ﵁ نالَ السعادةَ والطُّمأنينة.
قال الله تعالى (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).
الحادي عشر: ومن ﵁ نالَ الشفاعةَ يوم القيامة.
قال الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا).
следующие страницы →