← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1115

شرح بلوغ المرام - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وقال النووي: قوله (عُقُوق الْأُمَّهَات) فَحَرَام، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَى عَدِّهِ مِنْ الْكَبَائِر، وَكَذَلِكَ عُقُوق الْآبَاء مِنْ الْكَبَائِر، وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ هُنَا عَلَى الْأُمَّهَات لِأَنَّ حُرْمَتهنَّ آكَد مِنْ حُرْمَة الْآبَاء، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ حِين قَالَ لَهُ السَّائِل: مَنْ أَبَرّ؟ قَالَ: "أُمّك ثُمَّ أُمّك" ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَة: "ثُمَّ أَبَاك". وَلِأَنَّ أَكْثَر الْعُقُوق يَقَع لِلْأُمَّهَاتِ، وَيَطْمَع الْأَوْلَاد فِيهِنَّ. ما معنى (عقوق الوالدين)؟ أي عصيانهما، وقطع البرّ الواجب عنهما، وأصل العقّ: الشّقّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقة؛ لأنه يُشقّ حلقومها. قاله الهرويّ، وغيره. قال القرطبي: العقوق: مصدر عق، يعق، عقوقًا؛ أي: قطع وشقَّ. فكأنَّ العاقَّ لوالديه يقطع ما أمره الله تعالى به من صلتهما، ويشق عصا طاعتهما. ولا خلاف أن عقوقهما من أكبر الكبائر ما معنى (وَوَأْدَ اَلْبَنَاتِ)؟ وهُوَ دَفْنهنَّ فِي حَيَاتهنَّ؛ فَيَمُتْنَ تَحْت التُّرَاب، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر الْمُوبِقَات، لِأَنَّهُ قَتْل نَفْس بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَتَضَمَّن أَيْضًا قَطِيعَة الرَّحِم، وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الْبَنَات، لِأَنَّهُ الْمُعْتَاد الَّذِي كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ. ما معنى (وَمَنْعًا وَهَاتِ)؟ قال النووي: مَعنَاهُ: مَنْعُ مَا وَجَب عَلَيهِ، وَ «هَاتِ»: طَلَبُ مَا لَيْسَ لَهُ. وقال القرطبي: ومعناهما واحد، وهو أن يمنع ما يجب عليه بذله، أو يطلب شيئًا يحرم عليه طلبه قال الحافظ: الحاصل من النهي منع ما أُمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق. ما معنى قوله (وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ)؟ قال النووي: «قيلَ وَقالَ» مَعْنَاهُ: الحَديث بكُلّ مَا يَسمَعهُ، فيَقُولُ: قِيلَ كَذَا، وقَالَ فُلانٌ كَذَا مِمَّا لا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ، وَلا يَظُنُّهَا، وَكَفَى بالمَرْءِ كذِبًا أَنْ يُحَدّثَ بكُلِّ مَا سَمِعَ. وقال القرطبي: ومعناه أن الله تعالى حرَّم الخوض في الباطل، وفيما لا يعني من الأقوال، وحكايات أحوال الناس التي لا يسلم فاعلها من الغيبة، والنميمة، والبهتان، والكذب. و (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كانت النار أولى به). ما معنى (وَإِضَاعَةَ اَلْمَالِ)؟ قال النووي: «إضَاعَةُ المَال» تَبذِيرُهُ وَصَرفُهُ في غَيْرِ الوُجُوهِ المأذُونِ فِيهَا مِنْ مَقَاصِدِ الآخِرةِ وَالدُّنْيَا، وتَرْكُ حِفظِهِ مَعَ إمكَانِ الحِفظِ. وقال في شرح مسلم: فَهُوَ صَرْفه فِي غَيْر وُجُوهه الشَّرْعِيَّة، وَتَعْرِيضه لِلتَّلَفِ. قال ابن حجر: … تقدم أن الأكثر حملوه على الإسراف في الإنفاق وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه، لأن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح إما في حق مضيعها، وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة انفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقا أخروياً أهم منه.

стр. 2767

ما سبب النهي عن إضاعة المال؟ قال النووي: وَسَبَب النَّهْي أَنَّهُ إِفْسَاد، وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ. وَلِأَنَّهُ إِذَا أَضَاعَ مَاله تَعَرَّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاس. ما معنى (وكَثْرَةُ السُّؤَال)؟ قال النووي: فَقِيلَ: الْمُرَاد بِهِ الْقَطْع فِي الْمَسَائِل، وَالْإِكْثَار مِنْ السُّؤَال عَمَّا لَمْ يَقَع، وَلَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَة، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ السَّلَف يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَيَرَوْنَهُ مِنْ التَّكَلُّف الْمَنْهِيّ عَنْهُ. وَفِي الصَّحِيح: كَرِهَ رَسُول اللَّه ﷺ الْمَسَائِل وَعَابَهَا. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِهِ سُؤَال النَّاس أَمْوَالهمْ، وَمَا فِي أَيْدِيهمْ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد كَثْرَة السُّؤَال عَنْ أَخْبَار النَّاس، وَأَحْدَاث الزَّمَان، وَمَا لَا يَعْنِي الْإِنْسَان. وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ هَذَا مِنْ النَّهْي عَنْ قِيلَ وَقَالَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد كَثْرَة سُؤَال الْإِنْسَان عَنْ حَاله وَتَفَاصِيل أَمْره، فَيَدْخُل ذَلِكَ فِي سُؤَاله عَمَّا لَا يَعْنِيه، وَيَتَضَمَّن ذَلِكَ حُصُول الْحَرَج فِي حَقّ الْمَسْئُول، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُؤَثِّر إِخْبَاره بِأَحْوَالِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ شَقَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْإِخْبَار أَوْ تَكَلَّفَ التَّعْرِيض لَحِقَتْهُ الْمَشَقَّة، وَإِنْ أَهْمَلَ جَوَابه اِرْتَكَبَ سُوء الْأَدَب. (شرح مسلم). وقال ابن حجر: قوله: (وكثرة السؤال) هل هو سؤال المال، أو السؤال عن المشكلات والمعضلات، أو أعم من ذلك؟ الأولى حمله على العموم. وقد ذهب بعض العلماء: إلى أن المراد به كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله، فإن ذلك مما يكره المسئول غالباً، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات. أخرجه أبو داود من حديث معاوية، وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر جداً، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع والقول بالظن، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ .... (الفتح) وقال القرطبي ﵀: يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يريد به كثرة سؤال الناس الأموال، والحوائج إلحاحًا، واستكثارًا. وثانيها: أن يكثر من المسائل الفقهية تنطُّعًا وتكلُّفًا فيما لم ينزل. وقد كان السَّلف يكرهون ذلك، ويرونه من التكلُّف. وثالثها: أن يكثر من السؤال عمَّا لا يعنيه من أحوال النَّاس، بحيث يُؤدِي ذلك إلى كشف عوراتهم، والإطلاع على مساوئهم. قلت: والوجه: حمل الحديث على عمومه، فيتناول جميع تلك الوجوه كلِّها. (المفهم). اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن التحريم والتحليل إلى الله. - ذم سؤال الناس. - الحث على سؤال الله تعالى.

стр. 2768

١٤٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (رِضَا اَللَّهِ فِي رِضَا اَلْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اَللَّهِ فِي سَخَطِ اَلْوَالِدَيْنِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِم. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل بر الوالدين والعمل على رضاهما، لأن النبي ﷺ جعل رضا الرب ومحبته لعبده في رضا والديه. من المقدم في البر الأم أم الأب؟ الأم. قال النووي في سرح حديث أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ «أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أَبُوكَ). الصَّحَابَة هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد بِمَعْنَى الصُّحْبَة. وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى بِرّ الْأَقَارِب، وَأَنَّ الْأُمّ أَحَقّهمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدهَا الْأَب، ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب. قَالَ الْعُلَمَاء: وَسَبَب تَقْدِيم الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ، وَشَفَقَتهَا، وَخِدْمَتهَا، وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله، ثُمَّ وَضْعه، ثُمَّ إِرْضَاعه، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه، وَغَيْر ذَلِكَ. وَنَقَلَ الْحَارِث الْمُحَاسِبِيّ إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأُمّ تُفَضَّل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض خِلَافًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْجُمْهُور بِتَفْضِيلِهَا، وَقَالَ بَعْضهمْ: يَكُون بِرّهمَا سَوَاء. قَالَ: وَنَسَبَ بَعْضهمْ هَذَا إِلَى مَالِك، وَالصَّوَاب الْأَوَّل لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُور. قَالَ الْقَاضِي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمّ وَالْأَب آكَد حُرْمَة فِي الْبِرّ مِمَّنْ سِوَاهُمَا. قَالَ: وَتَرَدَّدَ بَعْضهمْ بَيْن الْأَجْدَاد وَالْإِخْوَة لِقَوْلِهِ ﷺ : ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك قَالَ أَصْحَابنَا: يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِرّ الْأُمّ، ثُمَّ الْأَب، ثُمَّ الْأَوْلَاد، ثُمَّ الْأَجْدَاد وَالْجَدَّات، ثُمَّ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات، ثُمَّ سَائِر الْمَحَارِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّات، وَالْأَخْوَال وَالْخَالَات، وَيُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب. (نووي) وقال الصنعاني: إذا تعارض حق الأب وحق الأم: فحق الأم مقدم. لحديث: (قال رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي قال أمك ثلاث مرات ثم قال أبوك). فإنه دل على تقديم رضا الأم على رضا الأب. قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب، قال: وكأن ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع. قلت: وإليه الإشارة بقوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها) ومثلها (حملته أمه وهنا على وهن).

стр. 2769

قال القاضي عياض: ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل على الأب في البر، ونقل الحارث المحاسبي الإجماع على هذا. (سبل السلام) جاء في (الموسوعة الفقهية) أَمَّا إِنْ تَعَارَضَ بِرُّهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إِيصَال الْبِرِّ إِلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً: فَقَدْ قَال الْجُمْهُورُ: طَاعَةُ الأْمِّ مُقَدَّمَةٌ؛ لأِنَّهَا تَفْضُل الأْبَ فِي الْبِرِّ. وَقِيل: هُمَا فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً قَال لِمَالِكٍ: وَالِدِي فِي السُّودَانِ، كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ، وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ، فَقَال لَهُ مَالِكٌ: أَطِعْ أَبَاكَ وَلَا تَعْصِ أُمَّكَ. يَعْنِي أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي رِضَى أُمِّهِ بِسَفَرِهِ لِوَالِدِهِ، وَلَوْ بِأَخْذِهَا مَعَهُ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ طَاعَةِ أَبِيهِ وَعَدَمِ عِصْيَانِ أُمِّهِ. وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ حِينَ سُئِل عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا قَال: أَطِعْ أُمَّكَ، فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ. وَنَقَل الْمُحَاسِبِيُّ الإْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الأْمَّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ عَلَى الأْب. وقال القرطبي: فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ الْأُمِّ وَالشَّفَقَةَ عَلَيْهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ مَحَبَّةِ الْأَبِ، لِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ الْأُمَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَذِكْرِ الْأَبِ فِي الرَّابِعَةِ فَقَطْ. وَإِذَا تَوَصَّلَ هَذَا الْمَعْنَى شَهِدَ لَهُ الْعَيَانُ. وَذَلِكَ أَنَّ صُعُوبَةَ الْحَمْلِ وَصُعُوبَةَ الْوَضْعِ وَصُعُوبَةَ الرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ تَنْفَرِدُ بِهَا الْأُمُّ دُونَ الْأَبِ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَنَازِلَ يَخْلُو مِنْهَا الْأَبُ. اذكر بعض الأسباب التي تنال بها رضا الله تعالى؟ أولاً: رضا الوالد. لحديث الباب. ثانياً: الصدق. قال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ثالثاً: اتباع السابقين من الصحابة والتابعين بإحسان. قال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه). رابعاً: حمد الله بعد الشرب والأكل. لحديث أنس. قال: قال ﷺ (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها … ) رواه مسلم. خامساً: السواك. قال ﷺ (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) رواه أحمد. سادساً: الشكر. قال تعالى (وإن تشكروا يرضه لكم).

стр. 2770

سابعاً: الإخلاص. قال تعالى (وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِّعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى). ثامناً: الولاءُ والبراءُ أساسُ رِضوان الله، وهو: أن يُحبَّ المسلمُ لله، ويُحبَّ من أحبَّ الله وأحبَّ دينَه، ويُبغِضَ من أبغَضَ اللهَ ومن حارَبَ دينَه، يُوالِي المؤمنين وينصُرُهم، يكرَه المُنافقين ويُبغِضُهم. قال الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). تاسعاً: الكلمة الطيبة. قال رسولُ الله ﷺ (إن العبدَ ليتكلَّم بالكلمة من رِضوان الله لا يُلقِي لها بالاً، يرفعُه الله بها درجات). عاشراً: من ﵁ نالَ السعادةَ والطُّمأنينة. قال الله تعالى (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ). الحادي عشر: ومن ﵁ نالَ الشفاعةَ يوم القيامة. قال الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا).

стр. 2771

١٤٥٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ لِأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْه === (لا يؤمن أحدكم) أي الإيمان الكامل. (ما يحب لنفسه) من الخير، كما ثبت في رواية النسائي، والخير: كلمة جامعة تعم الطاعات، والمباحات الدنيوية والأخروية. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أن من علامات الإيمان الكامل أن يحب الإنسان لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير. وقد جاء في الحديث عن يزيد بن أسد: قال: قال لي رسول الله ﷺ : (أتحب الجنة؟ قلت: نعم، قال: فأحب لأخيك ما تحب لنفسك) رواه أحمد. اذكر بعض الأمثلة؟ عن أبي ذر. قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين على اثنين) رواه مسلم. قال ابن رجب: وإنما نهاه عن ذلك لما رأى من ضعفه وهو ﷺ يحب هذا لكل ضعيف. قال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إليّ منه شيء. فقوله [وددت] دليل على محبته الخير للناس. قال ابن عباس: إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم. وحكي أن بعضهم شكا كثرة الفأر في بيته، فقيل له: اقتني هرة، فقال: أخشى أن يسمع الفأر صوت الهرة فيهرب إلى دور الجيران فأكون قد أحببتُ لهم ما لا أحبه لنفسي. وفي كلام بعضهم: ارضَ للناس ما لنفسك ترضى. قيل للأحنف وكان أحلم الناس، ممن تعلمت الحلم؟ قال: من نفسي، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا كرهت شيئاً من غيري لم أفعل بأحد مثله. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن من كره لأخيه الخير فليس بمؤمن الإيمان الكامل. - المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فيحب لها ما يحب لنفسه من حيث أنها نفس واحدة، كقوله ﷺ : (المسلمون كالجسد الواحد). - الحث على التواضع ومحاسن الأخلاق، حيث بحبه لأخيه الخير كما يحب لنفسه دليل على تواضعه، وأنه لا يحب أن يكون أفضل من غيره. - الحث على ترك البغضاء والغل. - الترغيب في محبة المسلمين بعضهم بعضاً وائتلافهم، لأن ذلك يؤدي إلى التعاضد والتناصر. - الحرص على الأعمال التي تؤدي إلى زيادة الإيمان كحب الخير للمسلمين. - التحذير من الأعمال التي تؤدي إلى نقصان الإيمان كعدم محبة الخير للمسلمين. - ذم الأنانية والحسد والكراهية. - العمل بمضمون الحديث يؤدي إلى نشر المحبة بين أفراد المجتمع الإسلامي، ويؤدي أيضاً إلى تماسكه.

стр. 2772

١٤٥٩ - وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَيُّ اَلذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === - (أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَم) أي: أشد عقوبة، وفي رواية (أي الذنب عند الله أكبر؟). (نِدًّا) الند المثل والشبيه. (أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ) أي: أن يطعم معك: أي لأجل أن يأكل معك، كقوله تعالى في الإسراء (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)، وخص الطعام بالذكر لأنه كان الأغلب من حال العرب، وكذا تقييده بخشية الأكل معه، لكون عادتهم أنهم يقتلون أولادهم لخشيتهم ذلك. (أَنْ تُزَانِي: الزنا الوطء المحرم. (حَلِيلَةَ جَارِك) قال الحافظ بفتح الحاء على وزن عظيمة، أي زوجته، سميت بذلك: لأنه يحل له وطؤها. ماذا نستفيد من الحديث؟ أن الشرك بالله هو أعظم الذنوب وأكبرها ولا خلاف في ذلك لأنه هضم للربوبية وتنقص للذات الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي، لأنه تسوية المخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه. وأي ذنب أعظم من أن يجعل مع الله شريك في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته، ولذلك رتب الله عليه أموراً كبيرة تقدم ذكرها. أولاً: أن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه. قال تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ثانياً: أن الله حرم الجنة على المشرك، وأنه مخلد في النار. قال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار). ثالثاً: أن الشرك يحبط جميع الأعمال. قال تعالى: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون). رابعاً: أن المشرك حلال الدم والمال. خامساً: أن الشرك أكبر الكبائر. قال تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم). عن أبي بكرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ) متفق عليه.

стр. 2773

وحديث (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، … ). - والشرك ينقسم إلى قسمين: أولاً: شرك أكبر: وهو أن يسوي غير الله بالله في ما هو من خصائص الله. وهو الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، وصاحبه إن لقي الله به فهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين، قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ثانياً: شرك أصغر: هو ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر. وصاحبه إن لقي الله به فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه، ولكن مآله إلى الجنة. ما أعظم الذنوب بعد الشرك؟ قتل النفس بغير حق. قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً). وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً). وقال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً). وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس). رواه البخاري وعن بريدة قال: قال رسول الله: (لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) رواه النسائي. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله: (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً) رواه البخاري. قال ابن القيم: هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهد وأمانة، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟ وإذا كانت امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً وعطشاً، فرآها النبي ﷺ في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمناً حتى مات بغير جرم؟ والقتل يكون أعظم إذا قتل ولده خشية أن يطعم معه. لأن في ذلك: ضعف دين، وقسوة قلب، وقلة رحمة، وشك بالله، وجهل، وخبث طبع، وبخل. قال تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) أي فقر (نحن نرزقهم وإياكم).

стр. 2774

ما حكم الزنا؟ حرام ومن الكبائر. قال تعالى (وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً). وقال تعالى (ولا يزنون). وقال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جلدة). وقال ﷺ (لا يزني حين يزني وهو مؤمن). وقال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر) رواه مسلم. وخطر الزنا معروف: زنا المرأة: إذا زنت المرأة أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس، وإن حملت من الزنا، فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإن حملته على الزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبياً ليس منهم. وأما زنا الرجل: فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضاً، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والفساد، وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين. خصائص الزنا: يورث الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس. ويشتت القلب ويمرضه إن لم يمتْه، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان، فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته، ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها. هل الزنا بعضه أشد من بعض؟ نعم. فالزنا بالجارة أعظم من الزنا بالبعيدة: لحديث الباب. ولحديث المقداد بن الأسود قال: قال ﷺ (لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره) رواه أحمد.

стр. 2775

قال النووي: حليلة جارك: أي تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحاً وأعظم جرماً، لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل ها كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية القبح. والزنا بزوجات المجاهدين أعظم من غيرهن. لقوله ﷺ (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وُقّف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم) رواه مسلم. وزنا الشيخ الكبير أعظم من زنا الشاب. لقوله ﷺ (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر) رواه مسلم وقال ﷺ (أربعة يبغضهم الله: البياع الحلاف، والفقير المحتال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر) رواه النسائي. والزنا بالمحارم. قال ﷺ (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) رواه الترمذي. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - أن الذنوب بعضها أشد من بعض. - أن أعظم الذنوب بعد الشرك بالله قتل النفس بغير الحق. - قال القاضي عياض: قدم هذه الثلاثة الأشياء، لاعتياد الجاهلية بها من الكفر بالله، وفاحشة الزنا، ووأد البنات. - نبه بقوله (حليلة جارك) إلى عظيم حقه، وأنه يجب له عليك من الغيرة عليه من الفاحشة ما يجب لحليلتك. - وجوب التوكل على الله. - أن الخالق هو الله. - ذم من ينكر نعمة الله. - أن المستحق للعبادة هو الله لأنه هو الخالق. - الرد على من يقللون النسل بحجة الفقر أو الخوف من الفقر. - عظم حق الجار. - ذم الخيانة. - وجوب النفقة على الولد. - أن الذنوب تعظم وتكبر حسب ما يقارنها من أسباب ودوافع. - معرفة الشر وطرقه لتجنبه. - تحريم إفساد المرأة على زوجها بأي طريقة من الطرق.

стр. 2776

١٤٦٠ - وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (مِنْ اَلْكَبَائِرِ شَتْمُ اَلرَّجُلِ وَالِدَيْهِ. قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ اَلرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. يَسُبُّ أَبَا اَلرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) أي: الذنوب الكبيرة لا الصغيرة. قال القرطبي: لأن شتم المسلم الذي ليس بأب كبيرة، فشتم الآباء أكبر منه. (أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) جاء في رواية (شتم الرجل والدية). (قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) هو استبعاد من السائل، لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك. (قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أَمَّهُ) أي: يقع شتم الرجل والديه وذلك أن الشخص يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه). ماذا نستفيد من الحديث؟ تحريم سب الوالدين. كما قال ﷺ (لعن الله من لعن والديه) رواه مسلم. ما معنى الحديث؟ الحديث دليل على أن من سب الوالدين تعريضهما للسب والشتم، وذلك بأن يأتي إلى شخص فيشتم والدي الشخص، فيقابله الشخص الآخر بالمثل ويشتم والديه، ولا يعني ذلك أنه يجوز للثاني أن يشتم والدي الرجل، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولكنه في العادة والطبيعة أن الإنسان يجازي غيره بمثل ما فعل به، فإذا سبه سبه. قال النووي: فَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ تَسَبَّبَ فِي شَيْءٍ جَازَ أَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْء، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذَا عُقُوقًا لِكَوْنِهِ يَحْصُل مِنْهُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِد تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْعُقُوقِ. وَاَللَّه أَعْلَم. وقال القرطبي: دليلٌ على أنَّ سبب الشيء قد ينزله الشرعُ منزلةَ الشيء في المَنْع؛ فيكونُ حُجَّةً لمن منَعَ بيعَ العنبِ ممَّن يعصره خمرًا، ومنَعَ بيعَ ثيابِ الحرير ممَّن يلبسها، وهي لا تَحِلُّ له، وهو أحدُ القولَيْن لنا. وفيه: حُجَّةٌ لمالكٍ على القولِ بِسَدِّ الذرائع، وهو مِنْ نحو قوله تعالى (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) والذريعةُ: هي الامتناعُ مما ليس ممنوعًا في نفسه؛ مخافةَ الوقوعِ في محظور. (المفهم).

стр. 2777

اذكر الأدلة على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر؟ أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف [قاله ابن القيم]. قال تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ). وقال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ). والجمهور على أن المراد بـ (اللمم) ما دون الكبائر وهي صغائر الذنوب. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم. ثانياً: اختلفوا في حد الكبيرة: فقيل: ما فيه حد، وهذا ضعيف. لأن بعض الكبائر - كالربا - لا حد فيها. وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه. وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن شرب الخمر والفرار من الزحف والتزوج ببعض المحارم ليس من الكبائر. وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن الذنوب لا تنقسم إلى صغائر وكبائر. وقيل: سبعة عشر. وقيل: ما ترتب عليه حد، أو تُوُعد عليه بالنار أو اللعنة، ويرجح هذا القول أمور: أنه المأثور عن السلف. أن هذا الضابط يمكن التفريق به بين الكبائر والصغائر. ج- أن الله تعالى قال (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم … ) فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره. ذ- أن هذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره. جاءت الشريعة بسد الذرائع، اذكر أمثلة على ذلك؟ في الحديث سد الذرائع، وهذا أصل عظيم. والذرائع جمع ذريعة: وهو ما أفضى إلى محرّم. قال ابن القيم: وإذا تأملت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات.

стр. 2778

وقال: والشارع حرم الذرائع، وإن لم يقصد بها المحرّم، لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه؟ فنهي الله عن سب آلهة المشركين لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله عدواً وكفراً على وجه المقابلة. وأمسك عن قتل المنافقين، مع ما فيه من المصلحة، لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه. ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها، حتى كأنه ينظر إليها. ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لكون هذين الوقتين وقت سجود الكفار للشمس. ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور. وحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم. ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين، لئلا يتخذ ذريعة إلى الزيادة في الصوم الواجب. ونهى عن ضرب المرأة لرجلها لئلا يكون سبباً إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير الشهوة. وحرم الشرع الخلوة بالمرأة الأجنبية، سداً لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع. ونهى الشرع عن بناء المساجد على القبور لئلا يكون ذريعة إلى اتخاذها أوثاناً. ونهى الشارع أن يخطب الرجل على خطبة أخيه لئلا يكون ذريعة إلى التباغض والتحاسد. ونهى عن الجلوس في الطرقات سداً لذريعة النظر إلى المحرم. ونهى عن قتال الأمراء والخروج عليهم سداً لذريعة الفساد العظيم. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ عظم حق الوالدين. يأبى الطبع المستقيم غالباً أن يسب الرجل والديه، ولكنه قد تسبب في ذلك بسب والديّ غيره. خطر السباب والشتائم. مراجعة الطالب لشيخه فيما يقوله مما يشكل عليه.

стр. 2779

١٤٦١ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا اَلَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. === (لا يحل) لا يجوز. (يهجر أخاه) أي يعتزل أخاه المسلم ويقاطعه دون عذر. (يعرض هذا) أي يتنحى ويصرف وجهه عنه. ماذا نستفيد من الحديث؟ تحريم هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاث. فالمسلم أخو المسلم، كما قال تعالى (إنما المؤمنون إخوة) ومن مقتضيات ذلك ألا يظلمه ولا يكذبه، ولا يغشه، ولا يخونه، ولا يخذله، ولا يحقره. ولذلك قال ﷺ (وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً) قال الحافظ: هذه الجملة تشبه التعليل لما تقدم، كأنه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخواناً، ومفهومه: إذا لم تتركوها تصيروا أعداء. فقوله (وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً) يحتمل معنيين: أحدهما: إنه إنشاء يراد به الخبر، أي: إذا تركتم الحسد والتدابر .... فستكونون يا عباد الله إخواناً. الثاني: أن المراد به حقيقة الأمر، أي: كونوا عباد الله إخواناً فيه. اذكر خطورة الهجر؟ أولاً: نهي النبي ﷺ عنه. قال ﷺ (لا تقاطعوا ولا تدابروا .. ) رواه مسلم. ثانياً: لا ترفع أعمال المتهاجرين. عن أبي هُرَيْرَة قال: قال ﷺ (تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) رواه مسلم. ثالثاً: أن التهاجر يفرح الشيطان. عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ -قَالَ- فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ) رواه مسلم.

стр. 2780

رابعاً: أنه من أسباب دخول النار. قال ﷺ (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار) رواه أبو داود. قال الحافظ العراقي ﵀ في (تخريج الإحياء) أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد صَحِيح وقال النووي ﵀ في (رياض الصالحين) رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط البخاري ومسلم. خامساً: الهجر كسفك الدم. قال ﷺ (من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه) رواه أبو داود. لماذا أبيح الهجر دون ثلاث؟ قال النووي: فِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم الْهَجْر بَيْن الْمُسْلِمِينَ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث لَيَالٍ، وَإِبَاحَتهَا فِي الثَّلَاث الْأُوَل بِنَصِّ الْحَدِيث، وَالثَّانِي بِمَفْهُومِهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلَاث لِأَنَّ الْآدَمِيّ مَجْبُول عَلَى الْغَضَب وَسُوء الْخُلُق وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَعُفِيَ عَنْ الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة لِيَذْهَب ذَلِكَ الْعَارِض. متى يجوز الهجر فوق ثلاث؟ قد اعتبر السلف وجمهور الأئمة الابتداع في العقائد من الأسباب المشروعة للهجر، وأوجبوا هجران أهل الأهواء من المبتدعة، الذين يجاهرون ببدعهم أو يدعون إليها. وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصاً على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه. فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. ومن أسباب الهجر الشرعي فوق ثلاث هجران أصحاب المعاصي المجاهرين بها. كما هجر النبي ﷺ المتخلفين عن غزوة تبوك من غير عذر، كما في قصة كعب بن مالك، وصاحبيه ﵃. ويجوز الهجر فوق ثلاث للزوجة الناشز إلا أن هجرها لا يكون إلا في المضجع، وليس في كل الأحول. كما قال تعالى (واهجروهن في المضاجع) بعد العظة والنصيحة وبالجملة فإن الهجر علاج، ولا يصار إليه إلا إذا تحقق أو غلب على الظن أن هجر المهجور أنفع - في الجملة - من وصله، فإن كان العكس لم يشرع الهجر، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً. والهجران كما يقول شيخ الإسلام ﵀: إنما هو دواء يجب أن يستخدم في وقته وبمقداره، فلا يجوز أن يستخدم في غير وقته وبغير مقداره. ماذا نستفيد من قوله (وَخَيْرُهُمَا اَلَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)؟ قال النووي: … وَفِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَمَنْ وَافَقَهُمَا أَنَّ السَّلَام يَقْطَع الْهِجْرَة، وَيَرْفَع الْإِثْم فِيهَا، وَيُزِيلهُ، وَقَالَ أَحْمَد وَابْن الْقَاسِم الْمَالِكِيّ: إِنْ كَانَ يُؤْذِيه لَمْ يَقْطَع السَّلَام هِجْرَته. قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ عِنْد غَيْبَته عَنْهُ هَلْ يَزُول إِثْم الْهِجْرَة؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدهمَا لَا يَزُول لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمهُ، وَأَصَحّهمَا يَزُول لِزَوَالِ الْوَحْشَة. وَاَللَّه أَعْلَم.

стр. 2781

وقال ابن حجر: قال أكثر العلماء تزول الهجرة بمجرد السلام ورده … واستدل للجمهور بما رواه الطبراني من طريق زيد بن وهب عن بن مسعود في أثناء حديث موقوف وفيه ورجوعه أن يأتي فيسلم عليه. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - التعبير في الحديث بالإخوة إشارة واضحة إلى الحث على التواصل والتحذير من الهجران والتقاطع. - أذن النبي ﷺ في الهجر دون ثلاثة أيام، لأن الإنسان ربما يكون بينه وبين أخيه شيء فيكون في القلب شيء، فبعد الثلاثة أيام يذهب ما في القلب من الأحقاد وغيرها. - الهجر حرام، لكن إذا كان الهجر لمصلحة دينية، فإنه لا بأس به، بل ربما يكون مستحباً، وقد أمر النبي ﷺ بهجر كعب بن مالك وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. - أن إنهاء التهاجر يكون بالسلام. - فضيلة ظاهرة لمن يبدأ بالسلام من المتهاجريْن. - أن السلام من أسباب المحبة وتأليف القلوب، وقد قال ﷺ (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم). - ينبغي على المسلم أن يتناسى الأحقاد ويسرع إلى الصلح ليفوز بالفضل. - حرص الشريعة في النهي عن كل ما يؤدي إلى التهاجر والتقاطع. - ينبغي على المسلمين أن يكون إخوة متحابين، كما قال تعالى [إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم]. - أن الشيطان يحرص كل الحرص على إيجاد العداوات والبغضاء والتهاجر بين المسلمين.

стр. 2782

١٤٦٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي. === ما معنى قوله ﷺ (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)؟ أي: كل شيء عُرف شرعاً بأنه من أعمال البر، فله حكم الصدقة بالمال في الثواب، فلا ينبغي أن يحتقر الإنسان شيئاً من المعروف، ولا أن يبخل به. قال ابن بطال: دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرء، أو يقوله من الخير، يكتب له به صدقة. وقال الصنعاني: وَالإِخْبَارُ بِأَنَّهُ صَدَقَةٌ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَهُوَ إخْبَارٌ بِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الصَّدَقَةِ فِي الثَّوَابِ، وَأَنَّهُ لا يَحْتَقِرُ الْفَاعِلُ شَيْئاً مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَلا يَبْخَلُ بِهِ. وقد أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق عبد الحميد بن الحسن الهلالي عن ابن المنكدر مثله وزاد في آخره (وما أنفق الرجل على أهله كتب له به صدقة، وما وقى به المرء عرضه فهو صدقة). وأخرجه البخاري في " الأدب المفرد " من طريق محمد بن المنكدر عن أبيه كالأول وزاد (ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تلقي من دلوك في إناء أخيك). وقد جاء في الحديث (بكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، … ). هل الصدقة مقتصرة على المال؟ لا. قال ابن رجب: في شرح قوله ﷺ (أوليسَ قد جعلَ اللهُ لَكُمْ ما تَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بكُلِّ تَسبيحةٍ صَدقةً، وكُلِّ تَكبيرةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَحْمِيدةٍ صَدقةً، وكُلِّ تَهْليلَةٍ صدقةً، وأمْرٌ بِالمَعْروفِ صَدقَةٌ، ونَهْيٌ عَنْ مُنكَرٍ صَدقَةٌ). معنى هذا أنَّ الفقراء ظنُّوا أنْ لا صدقةَ إلاَّ بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهُم النَّبيُّ ﷺ أنَّ جميعَ أنواع فعلِ المعروف والإحسّان صدقة. وفي صحيح مسلم عن حذيفة، عن النَّبيِّ ﷺ قال (كلُّ معروفٍ صدقةٌ) وخرَّجه البخاري من حديث جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فالصدقة تُطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإحسّان. والصدقة بغير المال نوعان: أحدهما: ما فيه تعدية الإحسّان إلى الخلق، فيكون صدقةً عليهم، وربما كان أفضلَ من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فإنَّه دُعاءٌ إلى طاعة الله، وكفٌّ عن معاصيه، وذلك خيرٌ من النَّفع بالمال، وكذلك تعليمُ العلم النافع، وإقراءُ القرآن، وإزالةُ الأذى عن الطريق، والسعيُ في جلب المنافع للناس.

стр. 2783

والنَّوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية: ما نفعُه قاصرٌ على فاعله، كأنواع الذِّكر: مِنَ التَّكبير، والتَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والاستغفار، وكذلك المشيُ إلى المساجدِ صدقة، ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصَّلاة والصيام والحج والجهاد أنَّه صدقة، وأكثرُ هذه الأعمال أفضلُ من الصَّدقات الماليَّة؛ لأنَّه إنَّما ذكر ذلك جواباً لسؤالِ الفُقراء الَّذين سألوه عمَّا يُقاوم تطوَّع الأغنياء بأموالهم. وقال الماوردي: المعروف نوعان: قول، وعمل: فالقول: طيب الكلام وحسن البشر، والتودد بجميل القول، والباعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع. والعمل: بذل الجاه، والإسعاف بالنفس، والمعونة في النائبة، والباعث عليه حب الخير للناس وإيثار الصلاح لهم، وهذه الأمور تعود بنفعين نفع على فاعلها في اكتساب الأجر وجميل الذكر، ونفع على المعان بها في التخفيف والمساعدة فلذلك سماه هنا صدقة. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ - في الحديث: الحث على فعل الخير مهما أمكن، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يحتقر شيئاً من المعروف. - يسر الشريعة واستيعابها للناس كافة، ففعل المعروف وتحصيل الثواب لا يختص بأهل اليسار بل كل مسلم قادر على أن يفعل أنواعاً من المعروف، من ذكر وتسبيح ودعاء، ونصيحة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد ضال، ومواساة محزون إلى غير ذلك من صنوف المعروف. - على المسلم أن يجتهد في فعل المعروف مما يستطيعه ولا يشق عليه، فبفعل المعروف يطيب عيشه، وتطمئن نفسه، وتتوثق صلته بمن حوله، مع ماله إن صلحت نيته من الأجر الجزيل والثواب العظيم. فائدة: قال الشيخ ابن أبي حمزة: ولا يلهم الصدقة إلا من سبقت له سابقة خير.

стр. 2784

١٤٦٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ اَلْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ). === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد أنه لا ينبغي للمسلم أن يستصغر فعل معروف مهما صغر، ولو أن يلقى أخاه بوجه مبتسم. لأن الإنسان لا يدري أي أعماله أخلص لله تعالى، فإن العمل يعظم بالإخلاص لله تعالى والإحسان. وقد ورددت النصوص من القرآن والسنة تحض على فعل الخير وإن كان هذا الخير قليلاً. كما قال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). قال السعدي ﵀: وهذه الآية فيها غاية الترغيب في فعل الخير ولو قليلاً، والترهيب من فعل الشر ولو حقيراً. وحديث الباب (لا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْق). قال النووي ﵀: فيهِ الْحَثّ عَلَى فَضْل الْمَعْرُوف، وَمَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ، حَتَّى طَلَاقَة الْوَجْه عِنْد اللِّقَاء. قال ابن تيمية: وفي الصحيحين (إن امرأة بغيا رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له موقها فسقته به فغفر لها) وفي لفظ في الصحيحين (أنها كانت بغياً من بغايا بني إسرائيل). وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يمشي في طريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له). فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلباً يغفر لها. وكذلك هذا الذي نحَّى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك بإيمان خالص وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك. فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وليس كل من نحَّى غصن شوك عن الطريق يغفر له. والمقصود أن فضل الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة، بل لحقائقها التي في القلوب، والناس يتفاضلون في ذلك تفاضلاً عظيماً .... (منهاج السنة). وقد قال ﷺ (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة). وسبب جمع صحيح البخاري أن الإمام البخاري لما كان في شبابه جلس مع أحد شيوخه فقال الشيخ للتلاميذ: لو أن أحدا جمع الحديث الصحيح فتحركت هذه العبارة اليسيرة بقلب البخاري فأخرج لنا الخير الكثير. ومحدِّث الشام البرزالي أطلَقَ كلمةً عابرة لتلميذه الذهبي، فقال له: إنَّ خطَّك يُشبِه خَطَّ المحدِّثين، ففعَلتْ هذه الكلمة فِعلَها في نفْس الإمام الذهبي، فأقبَلَ على طلَب الحديث، حتى عُدَّ رأسًا من رؤوس المحدِّثين.

стр. 2785

ماذا نستفيد من قوله (وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ). نستفيد استحباب التبسم وطلاقة الوجه عند اللقاء. وفي الحديث (تبسمك في وجه أخيك صدقة). الابتسامة في الوجوه أسرع طريق إلى القلوب، وأقرب باب إلى النفوس، وهي من الخصال المتفق على استحسانها وامتداح صاحبها، وقد فطر الله الخَلْقَ على محبة صاحب الوجه المشرق البسَّام، وكان نبينا صلى ﷺ أكثر الناس تبسُّمًا، وطلاقة وجهٍ في لقاء من يلقاه، وكانت البسمة إحدى صفاته التي تحلّى بها، حتى صارت عنواناً له وعلامةً عليه، وكان لا يُفَرِّق في حُسْن لقائه وبشاشته بين الغنيّ والفقير، والأسود والأبيض، حتى الأطفال كان يبتسم في وجوههم ويُحسِن لقاءهم، يعرف ذلك كل من صاحبه وخالطه. كما قال عبد الله بن الحارث ﵁ (ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ رواه الترمذي. وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال (ما حجبني رسول الله ﷺ منذُ أسلمتُ، ولا رآني إلا تبسمَ في وجهي). وتصف عائشة ﵂ رسول الله ﷺ فتقول (كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان ضحاكًا بسّاماً). وعن أبي ذر. قال: قال ﷺ تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة) رواه الترمذي. قال المناوي: بسُّمك في وجه أخيك) أي في الإسلام، (لك صدقة) يعني: إظهارك له البَشَاشَة، والبِشْر إذا لقيته، تؤجر عليه كما تؤجر على الصَّدقة وقال ابن بطَّال: " فيه أنَّ لقاء النَّاس بالتَّبسُّم، وطلاقة الوجه، من أخلاق النُّبوة، وهو مناف للتكبُّر، وجالب للمودَّة " ومما ثبت أيضا في استحباب البشاشة وطلاقة الوجه عند اللقاء: قوله ﷺ (إِنَّكُمْ لا تَسَعون النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْط الْوَجْه، وَحُسْنُ الْخُلُق) رواه البيهقي في الشعب. وعن جابر بن سليم الْهُجَيْمِىُّ ﵁ (قال: قلت يا رسول الله إِنَّا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَة، فَعَلِّمْنَا شَيْئاً يَنْفَعُنَا الله ﵎ بِه، قال: لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوف شَيْئاً وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إناء الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تُكَلِّمَ أَخَاك ووجْهُك إليه مُنْبَسِط) رواه ابن حبان. قال الإمام ابن عيينة: والبشاشة مصيدة المودة، والبر شيء هين: وجه طليق وكلام لين. عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: (مكتوب في الحكمة: ليكن وجهك بسطًا، وكلمتك طيبة، تكن أحبَّ إلى النَّاس من الذي يعطيهم العطاء. - قال عبد الله بن المبارك: حسن الخلق: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكفُّ الأذى. قال ابن القيّم: طلاقة الوجه والبِشْر المحمود وسط بين التَّعبيس والتَّقطيب، وتصعير (٤) الخدِّ، وطيِّ البِشْر عن البَشَر، وبين الاسترسال مع كلِّ أحد بحيث يذهب الهيبة، ويزيل الوقار، ويطمع في الجانب، كما أنَّ الانحراف الأوَّل يوقع الوحشة، والبغضة، والنُّفرة في قلوب الخَلْق، وصاحب الخُلُق الوسط: مهيب محبوب، عزيز جانبه، حبيب لقاؤه. وفي صفة نبيِّنا: من رآه بديه هابه، ومن خالطه عشرة أحبَّه.

стр. 2786

- قال بعض الحكماء: الْقَ صاحب الحاجة بالبِشْر، فإنْ عدمت شكره، لم تعدم عذره. - قيل للأوزاعي ﵀: ما كرامة الضَّيف؟ قال: طلاقة الوجه، وطيب الحديث - قال ابن حبان: البَشَاشَة إدام العلماء، وسجيَّة الحكماء؛ لأنَّ البِشْر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي. - وقال أبو جعفر المنصور: إنْ أحببت أنْ يكثر الثَّناء الجميل عليك من النَّاس بغير نائل، فالْقَهُمْ ببِشْر حسن. وقيل: حسن البِشْر اكتساب الذِّكر وقال أبو حاتم: لا يجب للسُّلطان أن يفرط البَشَاشَة والهَشَاشَة للنَّاس، ولا أن يقلَّ منهما؛ فإنَّ الإكثار منهما يؤدِّي إلى الخفَّة والسَّخف، والإقلال منهما يؤدِّي إلى العجب والكبر. قال الحارث المحاسبي: ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة: حسن الوجه مع الصِّيانة، وحسن الخلق مع الدِّيانة، وحسن الإخاء مع الأمانة. - قال الأحنف: رأس المروءة: طلاقة الوجه، والتودُّد إلى النَّاس. كان يقال: حسن البِشْر واللِّقاء رقٌّ للأشراف والأكفا. اذكر بعض وصايا النبي ﷺ لأبي ذر؟ قال ﷺ (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها) رواه مسلم. يا أبا ذر! استعذ بالله من شر شياطين الجن والإنس. يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر فصم ١٣ و ١٤ و ١٥. يا أبا ذر! إنما الغنى غنى القلب. يا أبا ذر! إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة فإنها عشر أمثالها. يا أبا ذر! ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. يا أبا ذر! إني أرك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تتأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم. قال أبو ذر: أوصاني خليلي ﵊ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم. وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني وأمرني أن لا أسأل أحداً شيئاً. وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت. وأمرني أن أقول الحق ولو كان مراً. وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم. وأمرني أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 2787

١٤٦٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ) أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. === (مَرَقَةً) المرَق: هو الذي يُؤتَدَم به. (فَأَكْثِرْ مَاءَهَا) لأنه إذا كثر الماء كثر الائتدام به. (وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ) أي: أعطهم منه شيئاً. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد حرص الإسلام على الجار والإحسان إليه. اذكر ما ورد في التحذير من إيذاء الجار؟ أولاً: أن إيذاء الجار ليس من الإيمان. عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ، وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَه) رواه البخاري. ثانياً: أن عدم إيذاء الجار من الإيمان. قال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) متفق عليه. ثالثاً: أن إيذاء الجار سبب في عدم دخول الجنة. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) رواه مسلم. رابعاً: أن أذى الجار سبب في دخول النار. عن أبي هريرة. قال (قال رجل: يا رسول الله! إن فلانة تكثر من صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ قال: هي في النار) رواه أحمد. ولعظم حق الجار: أخبر ﷺ أن إثم إيذاء الجار يزيد على إثم العموم: (لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارَه). وقال عبد الله بن مسعود: سألت النبي ﷺ أيّ ذنب أعظم؟ قال (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك). اذكر بعض فضائل الإحسان إلى الجار؟ أولاً: أمر النبي ﷺ بتعاهده بالطعام. لحديث الباب. ثانياً: الإحسان إلى الجار من الإيمان. لحديث أبي شريح السابق (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ).

стр. 2788

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ … ). وفي رواية (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِى جَارَهُ). ثالثاً: المحسن إلى الجار من خير الناس. قال ﷺ (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره) رواه الترمذي. رابعاً: الجار الصالح من السعادة. عن نافع بن الحارث. قال: قال ﷺ (من سعادة المرء: الجار الصالح، والمركب الهنيء، والمسكن الواسع) رواه ابن حبان. خامساً: الإحسان إلى الجار من كمال الإيمان. عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً) رواه الترمذي. سادساً: الإحسان إلى الجار سبب لمحبة الله. قال ﷺ (إن أحببتم محبة الله ورسوله؛ فأدوا إذا ائتمنتم، واصدُقوا إذا حدثتم، وأحسنوا جوار مَنْ جاوركم). سابعاً: الإحسان إلى الجار سبب لدخول الجنة. سأل رجل النبي ﷺ عن عمل يُدخل الجنة فقال: كن محسناً، قال: متى أكون محسناً؟ قال: إن أثنى عليك جيرانك فأنت محسن. ثامناً: أن حسن الجوار سبب لعمار الديار وطول الأعمار. قال ﷺ ( … وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَحُسْنُ الْجِوَارِ، يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَار). ما أنواع الجيران؟ قال العلماء: الجيران ثلاثة: الأول: جار قريب مسلم، فهذا له حق الجوار والقرابة والإسلام. الثاني: جار مسلم غير قريب، فهذا له حق الجوار والإسلام. الثالث: جار كافر، فهذا له حق الجوار، وإن كان قريباً فله حق القرابة أيضاً. ما معنى قوله ( .. حتى ظننت أنه سيورثه)؟ قيل: يُجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب. وقيل: المراد أنه يُنزّل منزلة من يرث في البر والصلة. والأول أرجح، ويؤيده (حتى ظننت أنه يَجعل له ميراثاً).

стр. 2789

قوله (فاكثر ماءها") فيه تنبيه لطيف، ما هو؟ قال القرطبي: فيه تنبيه لطيفت على تيسير الأمر على البخيل؟ إذ الزيادة المأمور بها إنما هي فيما ليس له ثمن، وهو الماء. ولذلك لم يقل إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها، أو طبيخها؟ إذ لا يسهل ذلك على كل أحد قوله (فأكثر ماءها) هل الأمر للوجوب أم للندب؟ قال القرطبي: هذا الأمر على جهة الندب، والحض على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى محاسنها لما يترتب عليه من المحبة، وحسن العشرة، والألفة، ولما يحصل به من المنفعة، ودفع الحاجة والمفسدة، فقد يتاذى الجار بقُتار قِدْر جاره، وعياله، وصغار أولاده، ولا يقدر على التوصل إلى ذلك، فتهيج من ضعفائهم الشهوة، ويعظم على القائم عليهم الألم والكُلفة، وربما يكون يتيماً، أو أرملة ضعيفة، فتعظم المشقة، ويشتد منهم الألم والحسرة، وكل ذلك يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يُدفع إليهم، فلا أقبح من منع هذا النذر اليسير الذي يترتب عليه هذا الضرر الكبير. (بقُتار) أي: دخان. وقال المناوي: الأمر فيه للندب عند الجمهور، وللوجوب عند الظاهرية. اذكر حدود الجوار؟ اختلفت عبارات أهل العلم اختلفت في حد الجوار المعتبر شرعًا، على أقوال: القول الأول: إن حد الجوار المعتبر شرعًا: أربعون دارًا من كل جانب. وقد جاء ذلك عن عائشة ﵂ كما جاء ذلك عن الزهري والأوزاعي. لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (حق الجار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا … ) رواه أبو يعلى وهو ضعيف. القول الثاني: الجار هو الملاصق فقط. وبه قال أبو حنيفة وزفر.

стр. 2790

قالوا: لأن الجار من المجاورة وهي الملاصقة حقيقة، والاتصال بين الملكين بلا حائل بينهما، فأما مع الحائل فلا يكون مجاوراً حقيقة. القول الثالث: أن الجار هو الملاصق وغيره ممن يجمعهم المسجد إذا كانوا أهل محلة واحدة. وبه قال القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني. القول الرابع: الجار هو من قاربت داره دار جاره، ويرجع في ذلك إلى العرف. وهذا اختيار ابن قدامة، وصوبه في الإنصاف. وهذا القول هو الراجح. قال الألباني: وقد اختلف العلماء في حد الجوار على أقوال ذكرها في "الفتح" (١٠/ ٣٦٧)، وكل ما جاء تحديده عنه ﷺ بأربعين ضعيف لا يصح، فالظاهر أن الصواب تحديده بالعرف. اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟ عناية الإسلام بالجار. عدم احتقار شيء من المعروف. حث الإسلام على كل ما يؤدي إلى المحبة وحسن العشرة.

стр. 2791

١٤٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ اَلدُّنْيَا، نَفَّسَ اَللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اَللَّهُ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ اَلْعَبْدِ مَا كَانَ اَلْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === (مَنْ نَفَّسَ) أي: فرج. (كُرْبَةً) الشدة العظيمة. (وَمَنْ يَسَّرَ) أي: سهل. (عَلَى مُعْسِرٍ) المعسر: من أثقلته الديون وعجز عن وفائها. (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) إعانته وتسديده. (مَا كَانَ الْعَبْدُ) أي: ما دام. (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) يشمل الطريق الحسي والمعنوي. (السَّكِينَةُ) الطمأنينة. (وَحَفَّتْهُمُ) أي: أحاطت بهم. (الملائكة) عالم غيبي خلقوا من نور عملهم عبادة الله. (وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ) أي: أخر. ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل تنفيس الكرب عن المؤمنين، وهذا يشمل كل كربة سواء في البدن أو في المال. كإقراضه مال، أو فك أسره، أو الوقوف معه في محنته. ونستفيد: فضل التيسير على المعسر. ونستفيد: ستر المسلم. الحديث دليل على أن التنفيس والتفريج عن المسلمين من أسباب التنفيس والنجاة من كرب يوم القيامة، اذكر بعض أسباب النجاة من كرب يوم القيامة؟ منها: التنفيس عن المسلمين. لحديث الباب (من نفس عن مؤمن كربة … ). ومنها: إنظار المعسر أو الوضع عنه.

стр. 2792

قال ﷺ (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينظر معسر أو يضع عنه) رواه مسلم ومنها: الوفاء بالنذر، وإطعام الطعام لله. قال تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا). الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وضح ذلك؟ في الحديث أن من نفس عن مسلم في الدنيا، جزاه الله أن نفس عنه كربة من كرب يوم القيامة. وهذه قاعدة عظيمة في الشرع وهي أن الجزاء من جنس العمل، وأدلتها كثيرة. قال تعالى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ). وقال تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ). وقال تعالى (َأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). وقال ﷺ (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) رواه مسلم. وقال ﷺ (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه مسلم. وقال ﷺ (احفظ الله يحفظك). وقال ﷺ (والشاة إن رحمتها رحمك الله) رواه أحمد. وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) متفق عليه. وقال ﷺ (من وصل صفاً وصله الله) رواه أبو داود. وقال ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود. وقال ﷺ (من كان له وجهان في الدنيا، كان له لسانان من نار يوم القيامة) رواه أبو داود. لماذا سمي يوم القيامة بذلك؟ سمي بذلك: أولاً: لقيام الناس من قبورهم. كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ثانياً: لقيام الأشهاد. كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).

стр. 2793

ثالثاً: لقيام الروح والملائكة. كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً). اذكر بعض الأدلة على أن في يوم القيامة كرباً كثيرة؟ قال تعالى (وكان يوماً على الكافرين عسيراً). وقال تعالى (على الكافرين غير يسير). وقال سبحانه (يقول الكافرون هذا يوم عسر). وقال ﷺ (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم) رواه مسلم. قال القحطاني ﵀: يوم القيامة لو علمتَ بهوله … لفررت من أهلٍ ومن أوطانِ يومٌ تشققت السماء لهوله … وتشيب منه مفارق الولدان يوم عبوس قمطريرٌ شرهُ … في الخلقِ منتشرٌ عظيم الشأنِ ما فضل التيسير على المسلمين، وخاصة المعسرين؟ الحديث فيه فضل لذلك لقوله (وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). أي: أن من يسر على معسر جازاه الله بأمرين: التيسير في الدنيا - والتيسير في الآخرة. والتيسير على المعسر الذي لا يملك شيئاً واجب، ولا يجوز مطالبته. لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ). ما فضل الستر على المسلم؟ مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اَللَّهُ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وقد قال ﷺ (من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته) رواه ابن ماجه. وقال ﷺ (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه أبو داود.

стр. 2794

قال الإمام مالك: أدركت بهذه البلدة _ يعني المدينة _ أقواماً ليس لهم عيوب، فعابوا الناس فصارت لهم عيوب، وأدركت بهذه البلدة أقواماً كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس فنسيتْ عيوبهم. هل يستر على كل أحد؟ قال ابن رجب ﵀: واعلم أن الناس على ضربين: أحدهما: من كان مستوراً لا يعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة، فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها، لأن ذلك غيبة محرمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص. ومثل هذا لو جاء تائباً نادماً، وأقر بحده، لم يفسره ولم يستفسره، بل يؤمر بأن يرجع ويستر نفسه، كما أمر النبي ﷺ ماعزاً والغامدية. والثاني: من كان مشتهراً بالمعاصي معلناً بها، ولا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له، هذا هو الفاجر المعلن، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لتقام عليه الحدود، ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ ولو لم يبلغ السلطان، بل يترك حتى يقام عليه الحد، ليكشف ستره، ويرتدع به أمثاله. في الحديث فضل عظيم لمن أعان غيره من المسلمين؟ لقوله ﷺ (وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ اَلْعَبْدِ مَا كَانَ اَلْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ). وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رَسُول الله ﷺ قَال ( … ومن مَنْ كَانَ في حَاجَة أخِيه، كَانَ اللهُ في حَاجَتِهِ). وفي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَل) رواه مسلم. قال ابن رجب: وخرَّج الطبراني من حديث عمر مرفوعاً (أفضلُ الأعمال إدخالُ السُّرور على المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جَوْعَتُه، أو قضيت له حاجة). وبعث الحسنُ البصريُّ قوماً من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مرُّوا بثابت البناني، فخذوه معكم، فأتوا ثابتاً، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش أما تعلم أنَّ مشيك في حاجةِ أخيك المسلم خير لك مِنْ حجة بعد حَجَّةٍ؟ فرجعوا إلى ثابتٍ، فترك اعتكافه، وذهب معهم. وخرَّج الإمام أحمد من حديث ابنةٍ لخبَّاب بن الأرت، قالت: خرج خبَّاب في سريَّةٍ، فكان النَّبيُّ ﷺ يتعاهدُنا حتى يحلُب عنْزةً لنا في جَفْنَةٍ لنا، فتمتلئ حتّى تفيضَ، فلمَّا قدم خبَّابٌ حلبَها، فعادَ حِلابها إلى ما كان. وكان أبو بكر الصدِّيق ﵁ يحلبُ للحيِّ أغنامهم، فلمَّا استخلف، قالت جاريةٌ منهم: الآن لا يحلُبُها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلتُ فيه عن شيءٍ كنتُ أفعلُه، أو كما قال.

стр. 2795

وكان عمر يتعاهد الأرامل فيستقي لهنَّ الماءَ باللَّيل، ورآه طلحةُ بالليل يدخلُ بيتَ امرأةٍ، فدخلَ إليها طلحةُ نهاراً، فإذا هي عجوزٌ عمياءُ مقعدةٌ، فسألها: ما يصنعُ هذا الرَّجلُ عندك؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يُصلِحُني، ويخرج عنِّي الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمُّكَ طلحةُ، عثراتِ عمر تتبع؟ وكان أبو وائل يطوفُ على نساء الحيِّ وعجائزهم كلَّ يوم، فيشتري لهنَّ حوائجهنّ وما يُصلِحُهُنَّ. وقال مجاهد: صحبتُ ابنَ عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدُمُني. وكان كثيرٌ من الصَّالِحين يشترطُ على أصحابه في السفر أنْ يخدُمَهم .... (جامع العلوم). قال ابن القيم ﵀ في وصف شيخ الإسلام ابن تيميه: كان شيخ الإسلام يسعى سعياً شديداً لقضاء حوائج الناس. قال الذهبي عن شيخ الإسلام ﵀ ابن تيمية: وله محبون من العلماء، والصلحاء، ومن الجند، والأمراء، ومن التجار والكبراء وسائر العامة تحبه، لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه. كان علي بن الحسين ﵀ يحمل الخبز إلى بيوت المساكين في الظلام فلما مات فقدوا ذلك، كان ناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين معاشهم فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كان يأتيهم بالليل. ومن نعم الله تعالى على العبد أن يجعله مفاتحاً للخير والإحسان. عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَال (عِنْدَ اللَّهِ خَزَائِنُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، مَفَاتِيحُهَا الرِّجَالُ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، وَمِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ، وَمِغْلاقًا لِلْخَيْر) رواه ابن ماجه. وأن يسخره لقضاء حوائج الناس. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِم) أخرجه الطبراني. ولقد ضرب النبي ﷺ المثل والنموذج الأعلى في الحرص على الخير والبر والإحسان، وفي سعيه لقضاء حوائج الناس وبخاصة للضعفاء والأيتام، والأرامل عَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ، فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا) رواه مسلم.

стр. 2796

والسعي في قضاء حوائج الناس من الشفاعة الحسنة التي أمرنا الله تعالى بها. فقال (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا). عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قال (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ. قال: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويقْضِي الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاء) متفق عليه. قال الشاعر: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهُم … فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ وكُنْ على الدّهرِ مِعْوَانًا لذي أملٍ … يرجو نَداكَ فإنّ الحُرَّ مِعْوانُ واشْدُدْ يديك بحبلِ اللهِ معتصمًا … فأنّه الرّكنُ إنْ خانتك أركانُ من كان للخير منّاعًا فليس له … على الحقيقة إخوانٌ وأخْدانُ من جاد بالمال مالَ النّاسُ قاطبةً … إليه والمالُ للإنسان فتّانُ قيل لابن المنكدر أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. قيل أي الدنيا أحب إليك؟ قال الإفضال على الإخوان. أي التفضل عليهم والقيام بخدمتهم. وقال وهب بن منبه: إن أحسن الناس عيشاً من حسن عيش الناس في عيشه وإن من ألذ اللذة الإفضال على الإخوان. وكان خال القسري يقول: على المنبر أيها الناس عليكم بالمعروف فإن فاعل المعروف لا يعدم جوازيه. قال ابن عباس: إن لله عباداً يستريح الناس إليهم في قضاء حوائجهم وإدخال السرور عليهم أولئك هم الآمنون من عذاب يوم القيامة. وقال الضحاك في قوله تعالى (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِين) في قصة يوسف ﵇ كان إحسانه إذا مرض رجل بالسجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان وسع له إذا احتاج جمع سأل له. قال عمرو بن العاص: في كل شيء سَرَفٌ إلا في ابتناء المكارم أو اصطناع المعروف، أو إظهار مروءة. وقد قيل: صنائع المعروف تقي مصارع السوء. قال ابن عباس: صاحب المعروف لا يقع فإن وقع وجد متكئاً. من آداب قضاء حوائج الناس: الإخلاص في الأعمال وعدم المن بها.

стр. 2797

قال عبد الله بن عباس ﵄: لا يتم العمل إلا بثلاث تعجيله وتصغيره وستره، فإنه إذا عجله هنَّأه، وإذا صغَّره عظمه وإذا ستره تممه. قيل: المنة تهدم الصنيعة. في الحديث فضل عظيم لمن طلب العلم وهو دخول الجنة، اذكر بعض فضائل طلب العلم؟ لقوله (وَمَنْ سَلَكَ طَريقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقاً إِلَى الجَنَّةِ). ففيه أن سلوك طريق العلم مؤد إلى الجنة، وهذا الطريق يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية إلى حصول العلم، مثل: حفظه، ومدارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته. وللعلم فضائل كثيرة: أولاً: أنه من أسباب دخول الجنة. لحديث الباب. ثانياً: من أسباب الرفعة. قال تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات). ثالثاً: أن الله لم يأمر نبيه بالاستزادة إلا من العلم. قال تعالى (وقل رب زدني علماً). قال ابن القيم: وكفى بهذا شرفاً للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه. رابعاً: أن الله استشهدهم وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة. قال تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط). قال القرطبي: هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء. خامساً: أن العلم دليل على الخير. قال ﷺ (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر: يفقهه: أي يفهمه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين _ أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع _ فقد حرم الخير.

стр. 2798

سادساً: أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم. قال ﷺ (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) رواه أبو داود. قال ابن القيم: ووضع الملائكة أجنحتها له تواضعاً له وتوقيراً وإكراماً لما يحمله من ميراث النبوة. قال الخطابي: وفي معنى وضعها أجنحتها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بسط الأجنحة. الثاني: أنه بمعنى التواضع تعظيماً لطالب العلم. الثالث: أنه المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران. سابعاً: العلماء ورثة الأنبياء. قال ﷺ (وإن العلماء ورثة الأنبياء) رواه أبو داود. ثامناً: فضل العلم أفضل من فضل العبادة. قال ﷺ (فضل العلم خير من فضل العبادة) رواه الطبراني. من أقوال السلف. قال علي: كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه. وقال معاذ: تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح. وقال الشافعي: ليس شيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وقال: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم. وقال سهل بن عبد الله: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء. وقال الزهري: ما عبد الله بمثل الفقه. وقال الثوري: ما من عملٍ أفضل من طلب العلم إذا صحت النية. قال ابن القيم: من طلب العلم ليحيي به الإسلام فهو من الصديقين، ودرجته بعد درجة النبوة.

стр. 2799

١٤٦٦ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم. === ماذا نستفيد من الحديث؟ نستفيد فضل من دل خير، وأنه له مثل أجر فاعله. وقد روى الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ يَسْتَحْمِلُهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَتَحَمَّلُهُ فَدَلَّهُ عَلَى آخَرَ فَحَمَلَهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ «إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ). قال النووي: فِيهِ: فَضِيلَة الدَّلَالَة عَلَى الْخَيْر وَالتَّنْبِيه عَلَيْهِ، وَالْمُسَاعَدَة لِفَاعِلِهِ، وَفِيهِ: فَضِيلَة تَعْلِيم الْعِلْم وَوَظَائِف الْعِبَادَات، لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَعْمَل بِهَا مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ وَغَيْرهمْ، وَالْمُرَاد بِمِثْلِ أَجْر فَاعِله. أَنَّ لَهُ ثَوَابًا بِذَلِكَ الْفِعْل كَمَا أَنَّ لِفَاعِلِهِ ثَوَابًا، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون قَدْر ثَوَابهمَا سَوَاء. اذكر فضائل الدعوة والدلالة على الخير: أولاً: أن له مثل أجر فاعله. لحديث الباب. وللحديث الآتي (مَنْ دَعَا إِلَى هُدَىً، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَه … ). ثانياً: استجابة لأمر الله. لقوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر). ثالثاً: استجابة لأمر الرسول الله ﷺ بالتبليغ. قال ﷺ (بلغوا عني ولو آية) رواه البخاري. والمبلغ لكلام النبي ﷺ وهديه، دعا له النبي ﷺ بنضارة الوجه في قوله (نضر الله امرءاً سمع شيئاً فبلغه كما سمع فرُبَّ مبلغٍ أوعى من سامع) رواه الترمذي. رابعاً: سبب للفلاح. قال تعالى (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

стр. 2800

خامساً: أنها أفضل الأعمال وأحسن الأقوال. قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً). قال السعدي: هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلاما وطريقة، وحالة (ممن دعا إلى الله) بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها، والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. سادساً: الدعوة إلى الخير مهمة سيد البشر. قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا). سابعاً: الداعية ينجو من عقوبة الدنيا بالظالمين. قال تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ). ثامناً: أنها سبب للفوز بخيرية الأمة. قال تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ). قال ابن كثير: فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون). تاسعاً: أن فيها تهذيب للنفوس وتزكيةٌ لها. كما قال تعالى في الحكمة من إرسال نبيه ﷺ (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ … ). إذن يجب أن نعلم أن من أعظم واجبات الدعاة تزكية النفوس وتربيتها على المعاني الإيمانية والتربوية التي جاءت في الشريعة الإسلامية. عاشراً: أنها سبب لثناء الرب واستغفار الملائكة وسائر المخلوقات. قال ﷺ (إن الله و ملائكته حتى النملة في جحرها و حتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير). قال العلماء: الصلاة من الله تعني (الثناء) ومن الملائكة وغيرهم من المخلوقات تعني (الاستغفار)، وما أعجب هذا الحديث لمن تأمله، أن تفوز بثناء الرب تعالى، واستغفار الملائكة الذين لا يعلم عددهم إلا الله تعالى.

стр. 2801

الحادي عشر: أنها سبب للفوز بدعوة النبي ﷺ -. حيث قال ﷺ (نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن. اذكر ثمرات الدعوة والدلالة على الخير؟ أولاً: تحقيق الحكمة والغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، وهي عبادته وحده لا شريك له ومعرفته بأسمائه وصفاته. قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وفي الدعوة توضيح وشرح لهذه العبادة وحث للناس على التزامها وترك ما يخلفها جزءاً أو كلاً، وبيان للأجور العظيمة المرتبة على القيام بهذه العبادة، وهذا هو المقصود الأعظم من الدعوة إلى الله. ثانياً: ومن ثمرات الدعوة أيضاً: بلوغ الدعوة الإسلامية إلى الناس وظهور أحكام الشريعة ومعرفة الخير من الشر. وفي ذلك قيام للحجة على العباد قال سبحانه (رُّسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). ثالثاً: ومن ثمراتها أيضاً: تكثير الأمة المحمدية الذي هو تحقيق لما تمناه النبي ﷺ وهو أن يكون أكثر الأنبياء أتباعاً. كما في الحديث المخرج في الصحيحين (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أني أكثرهم تابعاً يوم القيامة). رابعاً: ومنها حل المشكلات المتعلقة بالمجتمعات فكرياً واجتماعياً وخلقياً وسلوكياً وغيرها التي بقاؤها هو من أسباب الدمار والهلاك. لأن الإنسان إذا سار بعقله وهواه وعزل نفسه عن الوحي السماوي فإنه لابد هالك، والدعوة هي: بيان لطريق النجاة للبشر جميعاً، ودين الله هو الهادي إلى كل خير، وهو الدواء الناجع لكل أمراض البشر الفكرية والسلوكية وغيرها. قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). وقال سبحانه (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى).

стр. 2802

خامساً: ومن ثمرات الدعوة الوصول إلى بناء مجتمع تتمثل فيه جميع صفات المثالية والقدوة قدر الإمكان. قال ﷺ (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). سادساً: ومن ثمرات الدعوة أيضاً دلالة الناس على الخير والفلاح وهدايتهم إلى طريق السعادة الذي نهايته الجنة، وتحذيرهم من الشر والبوار والخسران الذي نهايته النار. قال الله سبحانه (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا). وقال جل وعلا (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وقال سبحانه (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجَا «١» قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً «٢» مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً «٣» وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً). سابعاً: وفي الدعوة جلب للمصالح وتكثيرها ودفع للمفاسد وتقليلها في المجتمعات بقدر الإمكان. ثامناً: وفي الدعوة حياة للقلوب، ففيها تنشيط للخاملين وتذكير للغافلين وزيادة إيمان المؤمنين، وفيها كبت لأهل الأهواء والمبطلين وإغاظة للكافرين. تاسعاً: وفي القيام بالدعوة إلى الله تعالى واستمرارها على جميع الوجوه وفي كل الأحوال ثبات للحق، ونصرة للدين، وبقاء للطائفة المنصورة الموعودة بالظهور والغلبة على كل من خالف الدين الحق من أهل البدع والملل وأصحاب الشهوات والشبهات في كل زمان ومكان كما قال النبي ﷺ في الحديث المخرج في الصحيحين: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).

стр. 2803

١٤٦٧ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مِنْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِي. === (مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا): أَيْ: أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ إِحْسَانًا قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا. (فَكَافَئُوهُ) أَيْ: أَحْسِنُوا إِلَيْهِ مِثْل مَا أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ. (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوه) أَيْ: بِالْمَالِ. (فَادْعُوَا لَهُ حَتَّى تَرَوْا): بِضَمِّ التَّاء أَيْ تَظُنُّوا، وَبِفَتْحِهَا أَيْ تَعْلَمُوا. (أنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ): أَيْ: كَرِّرُوا الدُّعَاء حَتَّى تَظُنُّوا أَنْ قَدْ أَدَّيْتُمْ حَقّه. ما معنى قوله (مِنْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ). أي: من طلب منكم أن تدفعوا عنه شرّكم، أو شرّ غيركم باللَّه، مثل أن يقول: يا فلان باللَّه عليك، أو أسألك باللَّه أن تدفع عنّي شرّك، أو شرّ فلان، أو احفظني من فلان، فأجيبوه، واحفظوه تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى. (فأعيذوه) أي امنعوه مما استعاذ منه وكفّوه عنه، لتعظيم اسم الله. ولهذا قالت الجونية للنبي ﷺ لما أدخلت عليه: (أعوذ بالله منك، قال: لقد عذت بعظيم، إلحقي بأهلك). رواه البخاري فمن استعاذ فيجب إعاذته. لكن لو استعاذ لكي لا يقام عليه الحد حرم إعاذته. لحديث علي عند مسلم: (لعن الله من آوى محدثاً). ما الحكم لو استعاذ بالله من شيء واجب عليه؟ الحكم: أننا لا نعيذه، لأننا نعلم أن الله لا يعيذه، لأنه ظالم. مثال: أن آتي إلى شخص أطلبه مالاً، فأقول: أعطني حقي، وهو قادر، فقال: أعوذ بالله منك، فهنا لا نعيذه. ما معنى (وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوه)؟ لفظ أبي داود (ومن سأل باللَّه) (فَأَعْطُوهُ) تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى، وشفقةً على عباده. وظاهر الحديث وجوب إعطائه ما سأل ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم. فظاهر الأمر الوجوب لكن هذا مشروط بأمرين: أولاً: أن يكون قادرًا عليه. للأدلة الأخرى، كقوله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).

стр. 2804

وقوله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا). وقوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولحديث أبي هريرة ﵁ (ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم به، فافعلوا منه ما استطعتم). ثانياً: أن يكون السائل باللَّه محتاجًا، لا يسأل تكثّرًا، وإلا كان سؤاله محرمًا، فيكون إعطاؤه إعانةً على الإثم، وقد قال اللَّه تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). ما حكم ابتداء السؤال؟ ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يسألك علماً. فهو واجب في الواجبات والمحرمات، ومستحب إن سأل عن المسنونات. القسم الثاني: أن يسأل مالاً. فهذا الأصل فيه التحريم. قال ﷺ : (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم). متفق عليه وقال ﷺ : (من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر). رواه مسلم لكن إذا اضطر الإنسان فيجوز أن يسأل. ماذا نستفيد من قوله (وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ)؟ نستفيد مشروعية مكافأة من صَنع لك معروفاً، وأن شكر من أحسن إليك مبدأ إسلامي ومن مكارم الأخلاق. وقد جاءت الأحاديث في ذلك: أ- حديث الباب (من صنعَ إليكم معروفاً فَكَافِئُوهُ، ..... ). ب-وعن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال (من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد بالغ في الثناء) رواه الترمذي. ج- وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (من أُتي إليه معروفٌ فليكافئ به، فإن لم يستطع فليذكره، فمن ذكره فقد شكره). رواه أحمد والطبراني د-وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من أُولي معروفاً، فليذكره، فمن ذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره) رواه الطبراني.

стр. 2805

هـ- وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال (من أُعطي عطاءً فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثنِ، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يُعط كان كلابس ثوبي زور) رواه الترمذي. و- وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (إذا قال الرجلُ لأخيه: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء) رواه عبد الرزاق في المصنف. قال المباركفوري (جزاك الله خيراً) أي خير الجزاء أو أعطاك خيراً من خيري الدنيا والآخرة. (فقد أبلغ في الثناء) أي بالغ في أداء شكره، وذلك أنه اعترف بالتقصير، وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه، ففوض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى. قال بعضهم إذا قصرت يداك بالمكافأة، فليطل لسانك بالشكر والدعاء. وقال عمر ﵁: لو يعلم أحدكم ما له في قوله لأخيه: جزاك اللهُ خيراً، لأكثرَ منها بعضُكم لبعض. رواه ابن أبي شيبة وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ (يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير) متفق عليه. وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: باب كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط من المعاشرة. وفي هذا الحديث وعيدٌ على كفران العشير - الزوج - وهذا الوعيد يدل على أن كفران العشير كبيرةٌ من الكبائر. لما حث الإسلام على مكافأة من صنع معروفاً؟ أولاً: تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف. ثانياً: أن يكسر بها الذل الذي حصل له بصنع المعروف إليه. وقدْ أشارَ شيخُ الإسلامِ إلى مَشْرُوعِيَّةِ المكافأةِ؛ لأنَّ القلوبَ جُبِلَتْ على حُبِّ مَنْ أحسنَ إليها، فهوَ إذا أحسنَ إليهِ ولمْ يُكَافِئْهُ يَبْقَى في قلبِهِ نوعُ تَأَلُّهٍ لِمَنْ أحسنَ إليهِ، فشرعَ قطعَ ذلكَ بالمكافأةِ؛ فهذا معنى كلامِهِ. وقالَ غيرُهُ: (إنَّما أمرَ بالمكافأةِ لِيَخْلُصَ القلبُ منْ إحسانِ الخَلْقِ ويتَعَلَّقَ بالحق. ما المشروع إذا لم نجد ما نكافئ به صاحب المعروف؟ نكافئه بالدعاء والثناء. لقوله ﷺ (فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له). يعني من أحسن إليكم أي إحسان فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الثناء والدعاء له جهدكم حتى تحصل المسألة، وقد روى الترمذي وصححه عن أسامة بن زيد مرفوعاً: (من صنع إليكم معروفاً، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء).
следующие страницы →