Полный текст (3 038 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
الحادي عشر: أنها سبب للفوز بدعوة النبي ﷺ -.
حيث قال ﷺ (نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن.
اذكر ثمرات الدعوة والدلالة على الخير؟
أولاً: تحقيق الحكمة والغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، وهي عبادته وحده لا شريك له ومعرفته بأسمائه وصفاته.
قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وفي الدعوة توضيح وشرح لهذه العبادة وحث للناس على التزامها وترك ما يخلفها جزءاً أو كلاً، وبيان للأجور العظيمة المرتبة على القيام بهذه العبادة، وهذا هو المقصود الأعظم من الدعوة إلى الله.
ثانياً: ومن ثمرات الدعوة أيضاً: بلوغ الدعوة الإسلامية إلى الناس وظهور أحكام الشريعة ومعرفة الخير من الشر.
وفي ذلك قيام للحجة على العباد قال سبحانه (رُّسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).
ثالثاً: ومن ثمراتها أيضاً: تكثير الأمة المحمدية الذي هو تحقيق لما تمناه النبي ﷺ وهو أن يكون أكثر الأنبياء أتباعاً.
كما في الحديث المخرج في الصحيحين (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أني أكثرهم تابعاً يوم القيامة).
رابعاً: ومنها حل المشكلات المتعلقة بالمجتمعات فكرياً واجتماعياً وخلقياً وسلوكياً وغيرها التي بقاؤها هو من أسباب الدمار والهلاك.
لأن الإنسان إذا سار بعقله وهواه وعزل نفسه عن الوحي السماوي فإنه لابد هالك، والدعوة هي: بيان لطريق النجاة للبشر جميعاً، ودين الله هو الهادي إلى كل خير، وهو الدواء الناجع لكل أمراض البشر الفكرية والسلوكية وغيرها.
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
وقال سبحانه (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى).
стр. 2802
خامساً: ومن ثمرات الدعوة الوصول إلى بناء مجتمع تتمثل فيه جميع صفات المثالية والقدوة قدر الإمكان.
قال ﷺ (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
سادساً: ومن ثمرات الدعوة أيضاً دلالة الناس على الخير والفلاح وهدايتهم إلى طريق السعادة الذي نهايته الجنة، وتحذيرهم من الشر والبوار والخسران الذي نهايته النار.
قال الله سبحانه (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا).
وقال جل وعلا (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وقال سبحانه (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجَا «١» قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً «٢» مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً «٣» وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً).
سابعاً: وفي الدعوة جلب للمصالح وتكثيرها ودفع للمفاسد وتقليلها في المجتمعات بقدر الإمكان.
ثامناً: وفي الدعوة حياة للقلوب، ففيها تنشيط للخاملين وتذكير للغافلين وزيادة إيمان المؤمنين، وفيها كبت لأهل الأهواء والمبطلين وإغاظة للكافرين.
تاسعاً: وفي القيام بالدعوة إلى الله تعالى واستمرارها على جميع الوجوه وفي كل الأحوال ثبات للحق، ونصرة للدين، وبقاء للطائفة المنصورة الموعودة بالظهور والغلبة على كل من خالف الدين الحق من أهل البدع والملل وأصحاب الشهوات والشبهات في كل زمان ومكان كما قال النبي ﷺ في الحديث المخرج في الصحيحين: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).
стр. 2803
١٤٦٧ - وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مِنْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِي.
===
(مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا): أَيْ: أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ إِحْسَانًا قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا.
(فَكَافَئُوهُ) أَيْ: أَحْسِنُوا إِلَيْهِ مِثْل مَا أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ.
(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوه) أَيْ: بِالْمَالِ.
(فَادْعُوَا لَهُ حَتَّى تَرَوْا): بِضَمِّ التَّاء أَيْ تَظُنُّوا، وَبِفَتْحِهَا أَيْ تَعْلَمُوا.
(أنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ): أَيْ: كَرِّرُوا الدُّعَاء حَتَّى تَظُنُّوا أَنْ قَدْ أَدَّيْتُمْ حَقّه.
ما معنى قوله (مِنْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ).
أي: من طلب منكم أن تدفعوا عنه شرّكم، أو شرّ غيركم باللَّه، مثل أن يقول: يا فلان باللَّه عليك، أو أسألك باللَّه أن تدفع عنّي شرّك، أو شرّ فلان، أو احفظني من فلان، فأجيبوه، واحفظوه تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى.
(فأعيذوه) أي امنعوه مما استعاذ منه وكفّوه عنه، لتعظيم اسم الله.
ولهذا قالت الجونية للنبي ﷺ لما أدخلت عليه: (أعوذ بالله منك، قال: لقد عذت بعظيم، إلحقي بأهلك). رواه البخاري
فمن استعاذ فيجب إعاذته.
لكن لو استعاذ لكي لا يقام عليه الحد حرم إعاذته.
لحديث علي عند مسلم: (لعن الله من آوى محدثاً).
ما الحكم لو استعاذ بالله من شيء واجب عليه؟
الحكم: أننا لا نعيذه، لأننا نعلم أن الله لا يعيذه، لأنه ظالم.
مثال: أن آتي إلى شخص أطلبه مالاً، فأقول: أعطني حقي، وهو قادر، فقال: أعوذ بالله منك، فهنا لا نعيذه.
ما معنى (وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوه)؟
لفظ أبي داود (ومن سأل باللَّه) (فَأَعْطُوهُ) تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى، وشفقةً على عباده.
وظاهر الحديث وجوب إعطائه ما سأل ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم.
فظاهر الأمر الوجوب لكن هذا مشروط بأمرين:
أولاً: أن يكون قادرًا عليه.
للأدلة الأخرى، كقوله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
стр. 2804
وقوله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا).
وقوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
ولحديث أبي هريرة ﵁ (ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم به، فافعلوا منه ما استطعتم).
ثانياً: أن يكون السائل باللَّه محتاجًا، لا يسأل تكثّرًا، وإلا كان سؤاله محرمًا، فيكون إعطاؤه إعانةً على الإثم، وقد قال اللَّه تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
ما حكم ابتداء السؤال؟
ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يسألك علماً.
فهو واجب في الواجبات والمحرمات، ومستحب إن سأل عن المسنونات.
القسم الثاني: أن يسأل مالاً.
فهذا الأصل فيه التحريم.
قال ﷺ : (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم). متفق عليه
وقال ﷺ : (من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر). رواه مسلم
لكن إذا اضطر الإنسان فيجوز أن يسأل.
ماذا نستفيد من قوله (وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ)؟
نستفيد مشروعية مكافأة من صَنع لك معروفاً، وأن شكر من أحسن إليك مبدأ إسلامي ومن مكارم الأخلاق.
وقد جاءت الأحاديث في ذلك:
أ- حديث الباب (من صنعَ إليكم معروفاً فَكَافِئُوهُ، ..... ).
ب-وعن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال (من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد بالغ في الثناء) رواه الترمذي.
ج- وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (من أُتي إليه معروفٌ فليكافئ به، فإن لم يستطع فليذكره، فمن ذكره فقد شكره). رواه أحمد والطبراني
د-وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من أُولي معروفاً، فليذكره، فمن ذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره) رواه الطبراني.
стр. 2805
هـ- وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال (من أُعطي عطاءً فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثنِ، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يُعط كان كلابس ثوبي زور) رواه الترمذي.
و- وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (إذا قال الرجلُ لأخيه: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء) رواه عبد الرزاق في المصنف.
قال المباركفوري (جزاك الله خيراً) أي خير الجزاء أو أعطاك خيراً من خيري الدنيا والآخرة. (فقد أبلغ في الثناء) أي بالغ في أداء شكره، وذلك أنه اعترف بالتقصير، وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه، ففوض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى. قال بعضهم إذا قصرت يداك بالمكافأة، فليطل لسانك بالشكر والدعاء.
وقال عمر ﵁: لو يعلم أحدكم ما له في قوله لأخيه: جزاك اللهُ خيراً، لأكثرَ منها بعضُكم لبعض. رواه ابن أبي شيبة وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ (يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير) متفق عليه.
وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: باب كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط من المعاشرة.
وفي هذا الحديث وعيدٌ على كفران العشير - الزوج - وهذا الوعيد يدل على أن كفران العشير كبيرةٌ من الكبائر.
لما حث الإسلام على مكافأة من صنع معروفاً؟
أولاً: تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.
ثانياً: أن يكسر بها الذل الذي حصل له بصنع المعروف إليه.
وقدْ أشارَ شيخُ الإسلامِ إلى مَشْرُوعِيَّةِ المكافأةِ؛ لأنَّ القلوبَ جُبِلَتْ على حُبِّ مَنْ أحسنَ إليها، فهوَ إذا أحسنَ إليهِ ولمْ يُكَافِئْهُ يَبْقَى في قلبِهِ نوعُ تَأَلُّهٍ لِمَنْ أحسنَ إليهِ، فشرعَ قطعَ ذلكَ بالمكافأةِ؛ فهذا معنى كلامِهِ.
وقالَ غيرُهُ: (إنَّما أمرَ بالمكافأةِ لِيَخْلُصَ القلبُ منْ إحسانِ الخَلْقِ ويتَعَلَّقَ بالحق.
ما المشروع إذا لم نجد ما نكافئ به صاحب المعروف؟
نكافئه بالدعاء والثناء.
لقوله ﷺ (فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له).
يعني من أحسن إليكم أي إحسان فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الثناء والدعاء له جهدكم حتى تحصل المسألة، وقد روى الترمذي وصححه عن أسامة بن زيد مرفوعاً: (من صنع إليكم معروفاً، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء).
стр. 2806
هل ورد هذا الدعاء (جزاك الله خيراً) من قول النبي ﷺ -؟
نعم ورد.
جاء في حديث طويل وفيه قوله ( … وَأَنْتُمْ مَعشَرَ الأَنصَارِ! فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيرًا، فَإِنَّكُم أَعِفَّةٌ صُبُرٌ) رواه ابن حبان.
كما كانت هذه الجملة من الدعاء معتادة على ألسنة الصحابة رضوان الله عليهم:
جاء في مصنف ابن أبي شيبة، قال عمر بن الخطاب ﵁: (لو يعلم أحدكم ما له في قوله لأخيه: جزاك الله خيرا، لأَكثَرَ منها بعضكم لبعض).
وهذا أسيد بن الحضير ﵁ يقول لعائشة ﵂: (جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة) متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: (حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه، وقالوا: جزاك الله خيرا. فقال: راغب وراهب). أي راغب فيما عند الله من الثواب والرحمة، وراهب مما عنده من العقوبة.
ومعنى (جزاك الله خيراً) أي: أطلب من الله أن يثيبك خيرا كثيراً.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- أنه لا يرد من سأل بالله إجلالاً لله وتعظيماً.
- أن من استعاذ بالله وجبت إعاذته ودفع الشر عنه.
- مشروعية إجابة دعوة المسلم لوليمة أو غيرها.
- مشروعية مكافأة المحسن عند القدرة.
- مشروعية الدعاء للمحسن عند العجز عن مكافأته.
стр. 2807
بَابُ اَلزُّهْدِ وَالْوَرَعِ
تعريف الزهد والورع:
تعريف الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة.
تعريف الورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.
قال ابن القيم: سعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الزهد ترك مالا ينفع في
الآخرة والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة
وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها .... (مدارج السالكين).
стр. 2808
١٤٦٨ - عَنْ اَلنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ- وَأَهْوَى اَلنُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: (إِنَّ اَلْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ اَلْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ اَلنَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى اَلشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي اَلشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي اَلْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ اَلْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اَللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي اَلْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ اَلْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ اَلْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ اَلْقَلْب) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
===
(بيّن) ظاهر.
(مشتبهات) جمع مشتبه، وهي المشكل لما فيه من عدم الوضوح في الحل أو الحرمة.
(لا يعلمهن) لا يعلم حكمها.
(اتقى الشبهات) ابتعد عنها.
(لدينه) أي عن النقص.
(الحمَى) المحمي.
(يرتع) أي تأكل ماشيته منه.
(محارمه) المعاصي.
إلى كم قسم، قسّم النبي ﵊ الأمور؟
قسمها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: حلال واضح لا يخفى حله، كأكل الخبز، والمشي.
القسم الثاني: حرام واضح، كالخمر والزنا والغيبة.
القسم الثالث: مشتبه: يعني ليست بواضحة الحل أو الحرمة.
فهذه لا يعرفها كثير من الناس، أما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس.
قال ابن رجب: معنى الحديث: أن الحلال المحض بيّن لا اشتباه فيه، وكذلك الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس، هل هي من الحلال أم من الحرام؟ أما الراسخون في العلم فلا تشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أيّ القسمين هي.
فقوله ﷺ في المشتبهات (لا يعلمهن كثير من الناس) دليل على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعرفها، وليست مشتبهة في نفس الأمر.
стр. 2809
ما الأفضل لمن اشتبه عليه أمر من الأمور؟
الحديث دليل على أن من اشتبه عليه أمر من الأمور فالأفضل والأكمل أن يتقي هذا الأمر المشتبه فيه.
لأن ذلك أسلم لدينه وعرضه.
ومعنى (استبرأ) أي: طلب البراءة لدينه من النقص، ولعرضه من الشيْن.
الحديث قسّم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين اذكرهما؟
الأول: من يتقي هذه الشبهات، لاشتباهها عليه.
فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه.
والثاني: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده.
فهذا قد أخبر النبي ﷺ أنه قد وقع في الحرام.
ما معنى قوله ﷺ (وَمَنْ وَقَعَ فِي اَلشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي اَلْحَرَامِ)؟
اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ (من وقع في الشبهات وقع في الحرام) على قولين:
الأول: أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدرج والتسامح.
ويعضد هذا المعنى ما روي في الصحيحين (ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان).
والمعنى الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده لا يدري أهو حلال أو حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حراماً في نفس الأمر، فيصادف الحرام وهو لا يدري أنه حرام.
ويعضد هذا ما في رواية ابن عمر للحديث، وفيه: (فمن اتقاها - أي المشتبهات - كان أنزه لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام).
بما شبه النبي ﷺ الذي يقع في الشبهات؟
شبه النبي ﷺ الذي يقع في الشبهات بالراعي يرعى بغنمه وإبله حول الحمى، أي حول المكان المحمي، يوشك ويقرب أن يقع فيه، لأن البهائم إذا رأت الأرض المحمية مخضرة مملوءة من العشب فسوف تدخل هذه القطعة المحمية، كذلك المشتبهات إذا حام حولها العبد فإنه يصعب عليه أن يمنع نفسه عنها.
ما حكم من عرّض نفسه للشبهات؟
الحديث دليل على أن من ارتكب الشبهات، فقد عرضه نفسه للقدح فيه والطعن.
كما قال بعض السلف: من عرّض نفسه للتهم، فلا يلومن من أساء الظن به.
وعند الترمذي (فمن تركها، استبراءً لدينه وعرضه، فقد سلِم) والمعنى: أنه يتركها بهذا القصد - وهو براءة دينه وعرضه من النقص - لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه.
стр. 2810
على ماذا يدل الابتعاد عن الشبهات؟
على الورع.
اذكر فضائل الورع؟
أولاً: أنه سبب لاستبراء العرض والدين.
كما في قال ﷺ (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
ثانياً: أنه خير خصال الدين:
قال ﷺ (وخير دينكم الورع) رواه الحاكم.
ثالثاً: من علامات العبادة.
قال ﷺ (كن ورعاً تكن أعبد الناس) رواه الترمذي وفيه ضعف.
رابعاً: أنه من هدي النبي ﷺ وخلقه.
عن أنس: (أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) متفق عليه.
خامساً: أنه سبب للنجاة.
قال ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه الترمذي.
من أقوال السلف في الورع:
قال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام.
وقال حسان بن أبي سنان: ما من شيء أهون من الورع، إذا رابك شيء فدعه.
وقال عمر: كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام.
وقال العسكري: لو تأمل الحذاق في هذا الحديث لتيقنوا أنه قد استوعب كل ما قيل في تجنب الشبهات.
وقال شيخ الإسلام: الورع من قواعد الدين.
وقال ابن المبارك: ترك فلس من حرام أفضل من مائة ألف فلس أتصدق بها.
وقال الضحاك: لقد أدركت أصحابي وما يتعلمون إلا الورع.
وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا.
стр. 2811
وقال إبراهيم بن أدهم: ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه.
وكان الإمام الورع سعيد بن المسيب لا يقبل من أحد شيئاً لا ديناراً ولا درهماً ولا شيئاً.
وقال إدريس الحداد: كان أحمد بن حنبل إذا ضاق به الأمر آجر نفسه من الحاكة، فلما كان أيام المحنة وصرف إلى بيته، حمِل إليه مال فرده وهو محتاج إلى رغيف، فجعل عمه إسحاق يحسب مارد فإذا هو نحو ٥٠٠ ألف، قال، فقال: يا عم لو طلبناه لم يأتنا، وإنما أتانا لما تركناه.
وقال الحسن بن عرفة: قال لي ابن المبارك: استعرت قلماً بأرض الشام فذهب عليّ أن أرده إلى صاحبه، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت يا أبا علي إلى أرض الشام حتى رددته على صاحبه.
ما أهمية القلب؟
أنه إذا صلح صلح سائر الجسد.
-الحديث دليل على أنه يجب على الإنسان أن يهتم بقلبه، لأن مدار الصلاح والفساد عليه، فإذا صلح صلح سائر الجسد وإذا فسد فسد سائر الجسد.
قال ابن حجر: وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثراً فيه.
وصلاح القلب يكون باستقامة على طاعة الله.
قال ابن القيم: استقامة القلب بشيئين:
أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب، فإذا تعارض حب الله وحب غيره، سبق حب الله حب ما سواه، وما أسهل هذا بالدعوى، وما أصعبه بالفعل ....
الثانية: تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر والناهي ....
فعلامة تعظيم الأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحسينها وفعلها في أوقاتها والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها.
وعلامات تعظيم المناهي: الحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها.
وأن يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزناً وكسرة إذا عصى الله في أرضه.
وأن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافياً غير مستقيم على المنهج الوسط. [الوابل الصيب].
стр. 2812
ويجب دعاء الله بإصلاحه وتثبيته.
فقد كان ﷺ يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك.
وكان قسم النبي ﷺ : لا، ومقلب القلوب.
وتتفاضل الأعمال عند الله بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها ....
وينبغي التحذير من التساهل في أمر القلب.
قال ﷺ : (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) رواه مسلم.
ولا ينفع يوم القيامة إلا القلب السليم.
قال تعالى (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).
القلب السليم: هو السالم من الشرك والبدعة والآفات والمكروهات، وليس فيه إلا محبة الله وخشيته.
وينبغي الدعاء بسلامة القلب.
فقد كان ﷺ يقول (اللهم إني أسألك قلباً سليماً .. ) رواه أحمد.
وأهم سبب لحياة القلب الاستجابة لله ولرسوله.
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه).
اذكر بعض أسباب رقة ولين القلب؟
أولاً: ذكر الله.
قال تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
ثانياً: العطف على المسكين.
فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو قسوة قلبه؟ فقال له الرسول ﷺ (إذا أحببت أن يلين قلبك فامسح راس اليتيم وأطعم المسكين) رواه أحمد.
ثالثاً: زيارة المقابر.
قال ﷺ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة، وترق القلب) رواه أحمد.
стр. 2813
رابعاً: التحذير من قسوة القلب.
قال تعالى: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله).
قال بعض السلف: خصلتنا تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.
وقال بعضهم: البدن إذا عري رق، وكذلك القلب إذا قلت خطاياه أسرعت دمعته.
قال ابن القيم: مفسدات القلب: كثرة النوم، والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام.
وقال بعض العلماء: صلاح القلب بخمسة أشياء: قراءة القرآن بتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع بالسحر، ومجالسة الصالحين، وأكل الحلال.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- الحديث دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين.
وقد جاء في رواية في الصحيحين في هذا الحديث (فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك).
يعني: أن من ترك الإثم مع اشتباهه عليه، وعدم تحققه، فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم.
- الحديث دليل على أن من أسباب النجاة من الوقوع في الحرام الورع والابتعاد عن الشبهات.
قال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي العبد ربه، حتى يتقيه من مثقال ذرة.
وقال الحسن البصري: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الوقوع بالحرام.
وقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يتقى.
- حكمة الله في ذكر المشتبهات حتى يتبين من كان حريصاً على طلب العلم ومن ليس بحريص.
- أنه لا يمكن أن يكون في الشريعة ما لا يعلمه الناس كلهم.
- حسن تعليم النبي ﷺ بضرب الأمثال المحسوسة ليتبين بها المعاني المعقولة.
- فضل العلم والرسوخ فيه.
- أن المحارم هي حمى الله في الأرض.
- وفيه الإشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.
- أن المشبهات والدخول فيها يكون لها تأثيراً على القلوب.
- وفيه دليل لقاعدة سد الذرائع.
стр. 2814
١٤٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (تَعِسَ عَبْدُ اَلدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
===
(تَعِسَ) هو بكسر العين، ويجوز بفتحها، أي سقط، والمراد هنا: هلك. [قاله الحافظ ابن حجر]
وقال في موضع آخر: هو ضد سَعِدَ، أي شقي.
(عبد الدينار) الدينار من الذهب.
سماه عبداً لكونه هو المقصود بعمله، فكل من توجه بقصده لغير الله، فقد جعله شريكاً لله في عبوديته، كما هو حال الأكثر.
(تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة) (الخميصة) كساء يلبس لونه أسود. (الخميلة) القطيفة، سميت بذلك لأنها ذات أخمل.
(إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط) يحتمل أن يكون المعطي هو الله، أي إن قدّر الله له الرزق والعطاء رضي وانشرح صدره، وإن منع وحرم المال سخط بقوله وقلبه.
تنبيه:
لفظ الحديث كاملاً:
قال ﷺ (تَعِسَ عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميل، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٌ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَعَ لم يُشفع).
(تعس وانتكس) أي خاب وهلك (انتكس) أي: انتكست عليه الأمور بحيث لا تتيسر له.
(وإذا شيك فلا انتقش) أي إذا أصابته شوكة. (فلا انتقش) أي فلا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش.
وقال الحافظ: أي إذا دخلت فيه شوكة لم يجد من يخرجها.
وهذه الجمل الثلاث يحتمل أن تكون خبراً منه ﷺ عن حال هذا الرجل، وأنه تعاسة وانتكاس، وعدم خلاص من الأذى، ويحتمل أن يكون من باب الدعاء على من هذه حاله، لأنه لا يهتم إلا للدنيا، فدعا عليه أن يهلك وأن لا يصيب من الدنيا شيئاً، وأن لا يتمكن من إزالة ما يؤذيه.
(طوبى) اختلف المفسرون في معنى: ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾
فروي عن ابن عباس أن معناه: " فرح وقرة عين، وعن قتادة: " أصابوا خيراً "، وقال ابن عجلان: " دوام الخير "، وقيل الجنة، وقيل شجرة في الجنة، وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث.
стр. 2815
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد ذم من كانت الدنيا من مال أو غيرها شغله الشاغل، وهمه الأكبر، وأن من كانت الدنيا غاية أمره ومنتهى قصده فقد عبدها واتخذها شريكاً مع الله.
قال ابن تيمية: وفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ) فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ الدِّرْهَمِ وَعَبْدَ الدِّينَارِ وَعَبْدَ الْقَطِيفَةِ وَعَبْدَ الْخَمِيصَةِ. وَذِكْرُ مَا فِيهِ دُعَاءٌ وَخَبَرٌ وَهُوَ قَوْلُهُ (تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ) وَالنَّقْشُ إخْرَاجُ الشَّوْكَةِ مِنْ الرِّجْلِ وَالْمِنْقَاشُ مَا يُخْرَجُ بِهِ الشَّوْكَةُ وَهَذِهِ حَالُ مَنْ إذَا أَصَابَهُ شَرٌّ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ وَلَمْ يُفْلِحْ لِكَوْنِهِ تَعِسَ وَانْتَكَسَ فَلَا نَالَ الْمَطْلُوبَ وَلَا خَلَصَ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَهَذِهِ حَالُ مَنْ عَبَدَ الْمَالَ وَقَدْ وُصِفَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ (إذَا أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِذَا مُنِعَ سَخِطَ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) فَرِضَاهُمْ لِغَيْرِ اللَّهِ وَسَخَطُهُمْ لِغَيْرِ اللَّهِ وَهَكَذَا حَالُ مَنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِرِئَاسَةِ أَوْ بِصُورَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَهْوَاءِ نَفْسِهِ إنْ حَصَلَ لَهُ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ سَخِطَ فَهَذَا عَبْدُ مَا يَهْوَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ رَقِيقٌ لَهُ إذْ الرِّقُّ وَالْعُبُودِيَّةُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ رِقُّ الْقَلْبِ وَعُبُودِيَّتُهُ فَمَا اسْتَرَقَّ الْقَلْبَ وَاسْتَعْبَدَهُ فَهُوَ عَبْدُهُ.
وَلِهَذَا يُقَالُ: الْعَبْدُ حُرٌّ مَا قَنِعَ وَالْحُرُّ عَبْدٌ مَا طَمِعَ.
وَقَالَ الْقَائِلُ: أَطَعْتُ مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْنِي وَلَوْ أَنِّي قَنَعْتُ لَكُنْت حُرًّا.
وَيُقَالُ: الطَّمَعُ غُلٌّ فِي الْعُنُقِ قَيْدٌ فِي الرِّجْلِ فَإِذَا زَالَ الْغُلُّ مِنْ الْعُنُقِ زَالَ الْقَيْدُ مِنْ الرِّجْلِ.
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الطَّمَعُ فَقْرٌ وَالْيَأْسُ غِنًى وَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا يَئِسَ مِنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يَيْأَسُ مِنْهُ لَا يَطْلُبُهُ وَلَا يَطْمَعُ بِهِ وَلَا يُبْقِ قَلْبَهُ فَقِيرًا إلَيْهِ وَلَا إلَى مَنْ يَفْعَلُهُ.
وَأَمَّا إذَا طَمِعَ فِي أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ وَرَجَاهُ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهِ فَصَارَ فَقِيرًا إلَى حُصُولِهِ؛ وَإِلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِهِ وَهَذَا فِي الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالصُّوَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ الْخَلِيلُ ﷺ : فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وقال ﵀ أيضاً:
стр. 2816
وَهَكَذَا أَيْضًا طَالِبُ الْمَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَعْبِدُهُ وَيَسْتَرِقُّهُ وَهَذِهِ الْأُمُورُ نَوْعَانِ:
منها: مَا يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إلَيْهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَمَسْكَنِهِ ومنكحه وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا يَطْلُبُهُ مِنْ اللَّهِ وَيَرْغَبُ إلَيْهِ فِيهِ فَيَكُونُ الْمَالُ عِنْدَهُ يَسْتَعْمِلُهُ فِي حَاجَتِهِ بِمَنْزِلَةِ حِمَارِهِ الَّذِي يَرْكَبُهُ وَبِسَاطِهِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ؛ بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْكَنِيفِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَعْبِدَهُ فَيَكُونُ هَلُوعًا إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا؛ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا.
وَمِنْهَا: مَا لَا يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إلَيْهِ فَهَذِهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهَا؛ فَإِذَا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهَا صَارَ مُسْتَعْبَدًا لَهَا؛ وَرُبَّمَا صَارَ مُعْتَمِدًا عَلَى غَيْرِ اللَّهِ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ حَقِيقَةُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَلَا حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ بَلْ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَشُعْبَةٌ مِنْ التَّوَكُّلِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ وَهَذَا مِنْ أَحَقِّ النَّاسِ بِقَوْلِهِ ﷺ (تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ؛ تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ؛ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَة.
اذكر معايب جمع المال وجعله همه وغايته؟
أولاً: سبب للطغيان.
كما قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَّآهُ اسْتَغْنَى).
وقال تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ).
وقال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) فهذا دأب الإنسان، يبدأ في الطغيان إذا رأى نفسه مستغنياً عن الناس.
وقال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ).
وقال تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التغابن: ١٥)
وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ).
وفرعون لما أغناه الله وملّكه مصر قال: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ).
وقارون لما أنعم الله عليه قال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي).
والأبرص والأقرع لما آتاهما الله مالاً جحدا نعم الله عليهما.
أولاً: دعاء النبي ﷺ عليه.
كما في حديث الباب.
стр. 2817
ثانياً: سبب لفساد دين العبد.
قال ﷺ (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).
قال ابن رجب: هذا مثل عظيم ضربه النبي ﷺ لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاربين باتا في الغنم، قد غاب عنها رعاؤها ليلاً، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان فيها.
فأخبر النبي ﷺ أن حرص المرء على المال والشرف لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم.
فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا.
ثالثا: المال فتنة.
قال تعالى (اعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).
قال تعالى (إنما أموالكم.
وقال ﷺ (لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال) رواه الترمذي.
جاء في الصحيحين: عن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ (لَوْ أنَّ لابنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وَادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلاَّ التُّرَابُ، وَيَتْوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) مُتَّفَقٌ عليه.
ففي هذا الحديث دليل على عظم حب الإنسان للمال، وأنه يحرص على جمعه من جميع الوجوه، وأنه فتنة، وأنه من أعظم الفتن، لأنه يحمل صاحبه على الإعراض عن طريق الله تعالى، ويحمله أيضاً على الطغيان والبغي.
والمال - أيضاً - فتنة، لأنه يشغل القلب ويلهي عن الطاعة وينسي الآخرة.
قال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).
وقال تعالى (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ).
وقال تعالى (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ).
وقال ﷺ (يهرم ابن آدم ويهرم معه اثنتان: الحرص على العمر، والحرص على المال) متفق عليه.
وقال ﷺ (اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب) رواه أحمد.
وقال ﷺ (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِى الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ) رواه البخاري.
стр. 2818
غوائل المال:
أولاً: أنه يجر إلى المعاصي غالباً، لأن من استشعر القدرة على المعصية انبعث داعيته إليها.
ثانياً: أنه يجر إلى التنعم في المباحات، حتى تصير له عادة وإلفاً، فلا يصبر عنها، وربما لم يقدر على استدامتها إلا بكسب فيه شبهة، فيقتحم الشبهات.
ثالثاً: أنه يلهيه عن ذكر الله، وهذا الدال العضال، فإن صاحب المال يمسي ويصبح متفكراً في ماله وحفظه وزيادته.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
- ذم الحرص على الدنيا.
- أن من كانت الدنيا أكبر همه أصبح عبداً لها، يحب من أجلها، ويسخط من أجلها.
- أن الذي ليس له هم إلا الدنيا قد تتقلب عليه الأمور ولا يستطيع الخلاص من أدنى أذية، وهي الشوكة.
- استحباب الاستعداد للجهاد.
- فضل الحراسة في سبيل الله.
- أن دنو مرتبة الإنسان عند الناس لا يستلزم دنو مرتبته عند الله.
- فيه ترك حب الرياسة والشهرة، وفضل الخمول والتواضع.
- الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
- أن عبد الله هو الذي يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب الله ورسوله.
стр. 2819
١٤٧٠ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: - كُنْ فِي اَلدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ - وَكَانَ اِبْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ اَلصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ اَلْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِك، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي.
===
(أخَذَ) أمسك.
(بِمَنْكِبِي) المنكب: مجتمع رأس العضد والكتف.
(كأنك غريب) أي: مثل الغريب، والغريب هو البعيد عن وطنه.
(أو عابر سبيل): قيل: أو للتخير، وقيل بمعنى: بل.
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد الحث على الزهد في الدنيا وقصر الأمل.
والزهد في الدنيا: هو ترك مالا ينفع في الآخرة والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.
وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها.
قال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه: الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.
قال ابن القيم: أفضل الزهد إخفاء الزهد، وأصعبه الزهد في الحظوظ .... (الفوائد).
ما معنى الحديث؟
قال النووي في شرح الحديث: معناه: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بماء يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله
ففي هذا الحديث التزهيد في الدنيا، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يتخذها وطناً يركن إليها، وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر.
اذكر كيف زهّد الله في الدنيا وبيّن خستها؟
زهد الله في الدنيا وبيّن خستها وحقارتها:
فقال تعالى (ما عندَكم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ).
وقال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ).
وقال تعالى (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
وقال تعالى (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً).
وقال تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
وقال تعالى (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
وقال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا).
стр. 2820
والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها فإذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهداً يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار
وقال ابن رجب: فأمَّا الزُّهد في الدُّنيا، فقد كثُر في القُرآن الإشارة إلى مدحه، وإلى ذمّ الرغبة في الدُّنيا.
قال تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
وقال تعالى (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ).
وقال تعالى في قصة قارون (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ) إلى قوله (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنيا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنيا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ).
وقال (قُلْ مَتَاعُ الدُّنيا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً).
وقال حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنَّه قال لقومه (يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنيا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).
وقد ذمَّ الله مَنْ كان يُريد الدُّنيا بعمله وسعيه ونيَّته.
وقال ﵀: وهذا الحديث أصلٌ في قِصَر الأمل في الدنيا، وأنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يتَّخذ الدُّنيا وطناً ومسكناً، فيطمئنّ فيها، ولكن ينبغي أنْ يكونَ فيها كأنَّه على جناح سفر: يُهَيِّئُ جهازَه للرحيل.
وقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنّه قال (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).
وكان النَّبيُّ ﷺ يقول (مالي ولِلدُّنيا إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنيا كمثل راكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ ثم راحَ وتركها).
ومن وصايا المسيح ﵇ لأصحابه أنَّه قال لهم: اعبُروها ولا تَعمُرُوها.
ورُوي عنه أنَّه قال: من ذا الذي يبني على موجِ البحر داراً، تلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخذوها قراراً.
ودخل رجلٌ على أبي ذرٍّ، فجعل يُقلِّب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذرٍّ، أين متاعُكم؟ قالَ: إنَّ لنا بيتاً نوجه إليه، قالَ: إنَّه لابدَّ لك من مَتاع مادمت هاهنا، قالَ: إنَّ صاحب المنْزل لا يدعُنا فيه.
ودخلوا على بعض الصالحين، فقلبوا بصرهم في بيته، فقالوا له: إنَّا نرى بيتَك بيتَ رجلٍ مرتحلٍ، فقال: أمرتحلٌ؟ لا، ولكن أُطْرَدُ طرداً.
وكان عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ يقول: إنَّ الدُّنيا قدِ ارتحلت مدبرةً، وإنَّ الآخرة قدِ ارتحلت مقبلةً، ولكُلٍّ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل.
стр. 2821
قال بعضُ الحكماء: عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه، والآخرة مقبلةٌ إليه، يشتغلُ بالمدبرة، ويُعرِض عن المقبلة.
وقال عُمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته: إنَّ الدُّنيا ليست بدارِ قرارِكُم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظَّعَن، فكم من عامرٍ موثَّق عن قليلٍ يَخْرَبُ، وكم من مقيمٍ مُغتَبطٍ عما قليل يَظعَنُ، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرِّحلة بأحسن ما بحضرتكم مِنْ النقلة، وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزَّاد التقوى.
وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطناً، فينبغي للمؤمن أنْ يكون حالُه فيها على أحد حالين:
أ-إما أنْ يكونَ كأنَّه غريب مقيمٌ في بلد غُربةٍ، هَمُّه التزوُّد للرجوع إلى وطنه.
ب- أو يكون كأنَّه مسافرٌ غير مقيم البتَّة، بل هو ليله ونهارَه، يسيرُ إلى بلدِ الإقامة.
فلهذا وصّى النَّبيُّ ﷺ ابنَ عمر أنْ يكونَ في الدُّنيا على أحد هذين الحالين.
فأحدهما: أنْ ينْزِل المؤمن نفسه كأنَّه غريبٌ في الدنيا يتخيَّلُ الإقامةَ، لكن في بلد غُربةٍ، فهوَ غيرُ متعلِّقِ القلب ببلد الغربة، بل قلبُه متعلِّقٌ بوطنه الذي يَرجِعُ إليه، وإنّما هو مقيمٌ في الدنيا ليقضي مَرَمَّةَ جهازه إلى الرجوع إلى وطنه.
قال الفضيلُ بن عياض: المؤمن في الدنيا مهمومٌ حزين، همُّه مَرَمَّةُ جهازه.
ومن كان في الدنيا كذلك، فلا همَّ له إلا في التزوُّد بما ينفعُه عندَ عودِه إلى وطنه، فلا يُنافِسُ أهلَ البلدِ الذي هو غريبٌ بينهم في عزِّهم، ولا يَجْزَعُ من الذلِّ عندهم.
قال الحسن: المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع من ذُلها، ولا يُنافِسُ في عِزِّها، له شأنٌ، وللناس شأن.
الحال الثاني: أن يُنْزِلَ المؤمنُ نفسَه في الدنيا كأنَّه مسافرٌ غيرُ مقيم البتة، وإنَّما هو سائرٌ في قطعِ منازل السَّفر حتّى ينتهي به السفرُ إلى آخره، وهو الموت.
ومن كانت هذه حالَه في الدنيا، فهمَّتُه تحصيلُ الزاد للسفر، وليس له هِمَّةٌ في الاستكثار من متاع الدنيا.
ولهذا أوصى النَّبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابه أن يكونَ بلاغُهم من الدُّنيا كزادِ الرَّاكب.
قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحتَ؟ قال: ما ظَنُّك برجل يرتَحِلُ كلَّ يومٍ مرحلةً إلى الآخرة؟
وقال الحسن: إنَّما أنت أيامٌ مجموعة، كلّما مضى يومٌ مضى بعضُك.
وقال: ابنَ آدم إنَّما أنت بين مطيتين يُوضعانِكَ، يُوضِعُك النهار إلى الليل، والليل إلى النهار، حتى يُسلِمَانِك إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا ابنَ آدم خطراً.
وقال: الموتُ معقود في نواصيكم والدنيا تُطوى مِنْ ورائكم.
قال داود الطائي: إنَّما الليلُ والنهارُ مراحلُ يَنْزِلُها الناسُ مرحلةً مرحلةً حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإنِ استطعت أن تُقدِّم في كلِّ مرحلة زاداً لِما بَينَ يديها، فافعل، فإنَّ انقطاع السَّفر عن قريب ما هو، والأمر أعجلُ من ذلك، فتزوَّد لسفرك، واقض ما أنتَ قاضٍ من أمرك، فكأنَّك بالأمر قد بَغَتك.
стр. 2822
وكتب بعضُ السَّلف إلى أخٍ له: يا أخي يُخيَّلُ لك أنَّك مقيم، بل أنتَ دائبُ السَّيرِ، تُساق مع ذلك سوقاً حثيثاً، الموت موجَّهٌ إليك، والدنيا تُطوى من ورائك، وما مضى من عمرك، فليس بكارٍّ عليك حتى يَكُرَّ عليك يوم التغابن.
قال بعضُ الحكماء: كيف يفرحُ بالدنيا من يومُه يَهدِمُ شهرَه، وشهرُه يهدِمُ سنَتَه، وسنته تَهدِمُ عُمُرَه، وكيف يفرح من يقوده عمرُه إلى أجله، وتقودُه حياتُه إلى موته.
وقال الفضيلُ بنُ عياض لرجلٍ: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال فأنت منذ ستين سنة تسيرُ إلى ربِّك يُوشِكُ أنْ تَبلُغَ، فقال الرجل: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فقال الفضيلُ: أتعرف تفسيرَه تقول: أنا لله عبد وإليه راجع، فمن عَلِمَ أنَّه لله عبد، وأنَّه إليه راجع، فليعلم أنَّه موقوفٌ، ومن علم أنَّه موقوف، فليعلم أنَّه مسؤول، ومن عَلِمَ أنَّه مسؤولٌ، فليُعِدَّ للسؤال جواباً، فقال الرجل: فما الحيلةُ؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تُحسِنُ فيما بقي يُغفَرُ لك ما مضى فإنّك إنْ أسأتَ فيما بقي، أُخِذْتَ بما مضى وبما بقي.
قال الحسن: لم يزل الليلُ والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريبِ الآجال، هيهات قد صحبا نوحاً وعاداً وثمودَ وقروناً بين ذلك كثيراً، فأصبحوا قَدِموا على ربِّهم، ووردوا على أعمالهم، وأصبح اللَّيلُ والنَّهارُ غضَّيْنِ جديدين، لم يُبلِهُما ما مرَّا به، مستعدِّين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى.
وكتب الأوزاعيُّ إلى أخٍ له: أما بعد، فقد أُحيطَ بك من كلّ جانب، واعلم أنَّه يُسارُ بك في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فاحذرِ الله، والمقام بين يديه، وأنْ يكونَ آخر عهدك به، والسَّلام.
ترحَّل من الدُّنيا بزادٍ من التُّقى
===
فعُمْرُكَ أيامٌ وهُنَّ قَلائِلُ .... (جامع العلوم والحكم).
وقد جاءت أحاديث كثيرة في التزهيد في الدنيا:
قال ﷺ (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي.
قال بعض العلماء: فتأمل هذا المثال، ومطابقته للواقع سواء، فإنها في خضرتها كشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئاً فشيئاً كالظل، والعبد مسافر إلى ربه، والمسافر إذا رأى شجرة في يوم صائف لا يحسن به أن يبني تحتها داراً، ولا يتخذها قراراً، بل يستظل بها بقدر الحاجة، ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْىٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ». فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ». قَالُوا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ «فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُم) رواه مسلم.
وعن المُسْتَوْرِد. قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِع) رواه مسلم.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) رواه الترمذي.
стр. 2823
اذكر فضائل الزهد في الدنيا؟
أولاً: راحة للقلب والبدن.
قال الحسن: الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن.
ثانياً: سبب لمحبة الله.
كما في الحديث (ازهد في الدنيا يحبك الله) رواه ابن ماجه.
وفي هذا الحديث يقول الإمام الغزالي-﵀ فجعل الزهد سببا للمحبة فمن أحبه الله تعالى فهو في أعلى الدرجات فينبغي أن يكون الزهد في الدنيا من أفضل المقامات ومفهومه أيضاً أن من محب الدنيا متعرض لبغض الله تعالى.
ثالثاً: أن الله زهدنا فيها.
فقال تعالى (وما الحياة الدنيا إلا متاع).
وقال سبحانه (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً).
قال القرطبي: متاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها، وسماه قليلاً لأنه لا بقاء له.
رابعاً: سبب لهوان المصائب.
قال علي: من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات.
اذكر علامة تدل على زهد صاحبها؟
من علامات الزهد أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق.
قال ابن رجب: وهذا من علامات الزُّهد في الدُّنيا، واحتقارها، وقلَّةِ الرَّغبة فيها، فإنَّ من عظُمتِ الدُّنيا عنده أحبَّ المدحَ وكرِهَ الذَّمَّ، فربما حمله ذلك على تركِ كثيرٍ مِنَ الحق خشيةَ الذَّمِّ، وعلى فعلِ كثيرٍ مِنَ الباطلِ رجاءَ المدح، فمن استوى عنده حامدُه وذامُّه في الحقِّ، دلَّ على سُقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه مِنْ محبَّة الحقِّ، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود: اليقين أنْ لا تُرضي النَّاسَ بسخط الله، وقد مدح الله الذين يُجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم.
متى يحسن ذم الدنيا؟
قال ابن القيم: يحسن إعمال اللسان في ذم الدنيا في موضعين:
أحدهما: موضع التزهيد فيها للراغب.
والثاني: عندما يرجع به داعي الطبع والنفس إلى طلبها، ولا يأمن إجابة الداعي، فيستحضر في نفسه قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها، فإنه إن تم عقله وحضر رشده زهد فيها ولا بد.
وقال ﵀:
ليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذي يضرب بزهده المثل مع أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم ﷺ حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهداً.
стр. 2824
كيف تحقيق الزهد؟
قال ابن القيم: والذي يصحح هذا الزهد ثلاثة أشياء ثلاثة أشياء:
أحدها: علم العبد أنها ظل زائل، وخيال زائر، وأنها كما قال تعالى (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد .. ).
الثاني: علمه أن وراءها داراً أعظم منها قدراً، وأجل خطراً، وهي دار البقاء.
الثالث: معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئاً كتب له منها، وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها، فمتى تيقن ذلك وصار له به علم يقين هان عليه الزهد فيها ..
فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها وتثبت قدمه في مقامه والله الموفق لمن يشاء. (طريق الهجرتين)
من أقوال السلف:
قال عيسى ابن مريم: من ذا الذي يبني على موج البحار داراً، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً ".
وقال موسى ﵇: اعبروها ولا تعمروها.
وقال أبو الدرداء لأهل الشام: يا أهل الشام! ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتؤمّلون ما لا تدركون، إن الذين قبلكم بنوا مشيداً وأملوا بعيداً وجمعوا عتيداً، فأصبح أملهم غروراً، ومساكنهم قبوراً ".
قال عمر بن عبد العزيز: ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وشابها يهرم، وحيها يموت، فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، فالمغرور من اغتر بها.
وقال علي: ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
وقال ابن السماك: إن الموتى لم يبكوا من الموت، ولكنهم يبكون من حسرة الفوات، فاتتهم والله دار لم يتزودوا منها، ودخلوا داراً لم يتزودوا لها.
وقال بعض العلماء: أيها الإنسان إنما أنت نازل من الدنيا في منزل تعمره أيام عمرك، ثم تخليه عند موتك لمن ينزله بعدك ".
قال الشاعر:
إن لله عباداً فطنا … طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا إليها فلما علموا … أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا … صالح الأعمال فيها سفنا
فائدة:
امتثل ابن عمر وصية رسول الله ﷺ قولاً وعملاً.
أما قولاً، فإنه كان يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.
وأما في الفعل: فقد كان ﵁ على جانب كبير من الزهد فيها والقناعة منها باليسير الذي يقيم صلبه ويستر بدنه، وما سوى ذلك يقدمه لغده.
قال جابر بن عبد الله: ما رأينا أحداً إلا قد مالت به الدنيا أو مال بها إلا عبد الله بن عمر.
وقالت عائشة: ما رأيت أحداً ألزم للأمر الأول من ابن عمر.
стр. 2825
١٤٧١ - وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ، فَهُوَ مِنْهُمْ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
===
ما صحة حديث الباب؟
صحح إسناده العراقي، وجوّد إسناده ابن تيمية.
وقال الذهبي في السير: إسناده صحيح.
وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح.
ماذا نستفيد من الحديث؟
هذا النَّصُّ النَّبويُّ يشير إلى أصل في الشَّريعة عظيم، وهو النَّهي عن التَّشبُّه بغير المسلمين، فلا يجوز التَّشبُّه بالكفَّار والمنافقين والمبتدعة والعصاة والفسَّاق، وأنَّ التَّشبُّه المطلوب إنَّما هو بأهل الصَّلاح والخير والسَّداد ظاهرًا وباطنًا.
قال ابن رجب ﵀: هذا يدلُّ على أمرين:
أحدهما: التَّشبُّه بأهل الشَّرِّ مثل أهل الكفر والفسوق والعصيان، وقد وبَّخ الله من تشبَّه بهم في شيء من قبائحهم، فقال تعالى (فاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن التَّشبُّه بالمشركين وأهل الكتاب ....
الثَّاني: التَّشبُّه بأهل الخير والتَّقوى والإيمان والطَّاعة، فهذا حسنٌ مندوبٌ إليه، ولهذا يُشرع الاقتداء بالنَّبيِّ ﷺ في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وآدابه وأخلاقه، وذلك مقتضَى المحبَّة الصَّحيحة، فإنَّ المرء مع من أحبَّ، ولا بدَّ من مشاركتِه في أصلِ عمله، وإن قصَّر المحبُّ عن دَرجته.
وقال شيخ الإسلام: وهذا الحديث أقلُّ أحواله أن يقتضي تحريم التَّشبُّه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كُفرَ المتشبِّه بهم، كما في قوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم).
стр. 2826
قال ابن كثير ﵀: فيه دلالة على النَّهي الشَّديد والتَّهديد والوعيد على التَّشبُّه بالكفَّار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم الَّتي لم تُشرع لنا ولا نُقرّر عليها.
اذكر بعض المفاسد الَّتي عدَّدها العلماء من جرَّاء التشبه بالكفار بالظاهر؟
أولاً: أنَّ المشابهة في الهدي الظَّاهر ـ وهو المظهر والسُّلوك ـ تُورِثُ المشابهة في الباطن.
قال ابن القيِّم ﵀: وَسِرُّ ذلك: أَنَّ المشَابَهَةَ في الهدي الظَّاهِرِ ذَرِيعَةٌ إلَى الموَافَقَةِ في القَصْدِ وَالعَمَل.
وقال السَّعدي: فإنَّ التَّشبُّه الظَّاهر يدعو إلى التَّشبُّه الباطن، والوسائل والذَّرائع إلى الشُّرور قَصَد الشَّارعُ حَسمها من كلِّ وجه.
ثانياً: أنَّ المشابهة في الظَّاهر تولِّد في نفس المتشَبِّه حبًّا للمتشبَّه به ومودَّةً، وهذا يخدش في أصل عظيم من أصول عقيدة المؤمن وهو قاعدة الولاء والبراء.
ثالثاً: أنَّ المشاركة في الهدي الظَّاهر تورث تناسبًا وتشَاكُلاً بين المتشابهين تعود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس؛ فإنَّ لابس ثياب الرِّياضيِّين مثلاً يجد من نفسِه نوعَ انضمام إليهم، ولابس ثياب الجند المقاتلة مثلاً يجد من نفسه نوع تخلُّق بأخلاقهم، وتصير طبيعته منقادة لذلك إلاَّ أن يمنعه مانع.
رابعاً: أنَّ المخالفة في الهدي الظَّاهر تُوجب مبايَنةً ومفارقةً توجب الانقطاع عن موجباتِ الغضب وأسباب الضَّلال والانعطاف على أهل الهدى والرِّضوان.
خامساً: أنَّ مشاركتهم في الهدي الظَّاهر تُوجب الاختلاطَ الظَّاهر حتَّى يرتفعَ التَّمييز ظاهرًا بين أهل الإسلام المهديِّين المرضيِّين، وبين أهل الكفر المغضوب عليهم والضَّالِّين.
سادساً: أنَّ نفس المخالفة لهم في الهدي الظَّاهر مصلحةٌ ومنفعةٌ لعباد الله المؤمنين، لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة الَّتي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم.
اذكر بعض الأمثلة على النهي عن التشبه بالكفار؟
أولاً: الصلاة.
عن جندب بن عبد الله قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم.
وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم) رواه أبو داود.
стр. 2827
وعن ابن عمر ﵁ (أن النبي ﷺ نهى رجلاً وهو جالس معتمداً على يده اليسرى في الصلاة، فقال: إنها صلاة اليهود). رواه البخاري
وعن مسروق عن عائشة: (أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول إن اليهود تفعله) رواه البخاري.
ثانياً: الصوم.
عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما يزال الدين ظاهراً ما عجّل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون) رواه أبو داود.
وعن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: (أردت أن أصوم يومين مواصلة فنهاني عنه بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهاني عن ذلك وقال: " إنما يفعل ذلك النصارى "). رواه أحمد
ثالثاً: الجنائز.
ما رواه جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (اللحد لنا والشق لغيرنا) رواه أبو داود وأحمد.
وفي رواية لأحمد: (والشق لأهل الكتاب).
رابعاً: اللباس والزينة.
عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) رواه مسلم
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم). متفق عليه
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا النصارى) رواه أحمد والترمذي.
خامساً: الآداب والعادات.
عن جابر بن عبد الله مرفوعاً (لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف والإشارة) رواه الترمذي.
اذكر أنواع التشبه بالكفار؟
التشبه بالكفار ينقسم إلى قسمين:
تشبه محرَّم، وتشبه مباح.
القسم الأول: التشبه المحرّم: وهو فعل ما هو من خصائص دين الكفار مع علمه بذلك، ولم يرد في شرعنا .. فهذا محرّم، وقد يكون من الكبائر، بل إن بعضه يصير كفراً بحسب الأدلة.
سواء فعله الشخص موافقة للكفار، أو لشهوة، أو شبهة تخيل إليه أنّ فعله نافع في الدنيا والآخرة.
فإن قيل هل من عمل هذا العمل وهو جاهل يأثم بذلك، كمن يحتفل بعيد الميلاد؟
الجواب: الجاهل لا يأثم لجهله، لكنه يعلّم، فإن أصر فإنه يأثم.
стр. 2828
القسم الثاني: التشبه الجائز: وهو فعل عمل ليس مأخوذاً عن الكفار في الأصل، لكن الكفار يفعلونه أيضاً. فهذا ليس فيه محذور المشابهة لكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة.
"التشبه بأهل الكتاب وغيرهم في الأمور الدنيوية لا يباح إلا بشروط:
أن لا يكون هذا من تقاليدهم وشعارهم التي يميّزون بها.
أن لا يكون ذلك الأمر من شرعهم ويثبت ذلك أنه من شرعهم بنقل موثوق به، مثل أن يخبرنا الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله أو بنقل متواتر مثل سجدة التحية الجائزة في الأمم السابقة.
أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك، فأما إذا كان فيه بيان خاص بالموافقة أو المخالفة استغنى عن ذلك بما جاء في شرعنا.
أن لا تؤدي هذه الموافقة إلى مخالفة أمر من أمور الشريعة.
أن لا تكون الموافقة في أعيادهم.
أن تكون الموافقة بحسب الحاجة المطلوبة ولا تزيد عنها. "
(انظر كتاب السنن والآثار في النهي عن التشبه بالكفار لسهيل حسن ص ٥٨ - ٥٩.)
стр. 2829
١٤٧٢ - وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ اَلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ (يَا غُلَامُ! اِحْفَظِ اَللَّهَ يَحْفَظْكَ، اِحْفَظِ اَللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اَللَّهَ، وَإِذَا اِسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيح.
===
ما صحة حديث الباب؟
إسناده صحيح.
ما معنى (اِحْفَظِ اَللَّهَ يَحْفَظْكَ)؟
أي: أن من حفظ الله وذلك بإقامة أوامره وترك نواهيه حفظه الله في الدنيا والآخرة، ويحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله.
اذكر بعض الأمثلة لحفظ الله لمن حفظه؟
كان العبد الصالح أبو الطيب الطبري ﵀، قد جاوز المائة، وهو متمتع بعقله وقوته وكافة حواسه، حتى أنه سافر ذات مرة مع رفقة له، فلما اقتربت السفينة من الشاطئ وثب منها إلى الأرض وثبة شديدة، عجز عنها بقية الذين كانوا معه على السفينة، فاستغرب بعضهم هذه القوة الجسدية التي منحها الله إياه مع كبر سنه وشيخوخته، فقال لهم الطبري: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.
وكان العبد الصالح شيبان الراعي ﵀، يرعى غنماً له في البرية، فإذا جاءت الجمعة خط عليها خطاً، ثم ذهب وشهد الجمعة والخطبة مع جماعة المسلمين، ثم عاد إليها، فيجدها كما هي لم تتحرك منها شيء، ولم تجاوز الخط منها أي غنمة، فسبحان الحافظ المعين.
وقال عروة بن الزبير: بلغت أسماء بنت أبي بكر مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل.
وقد يحفظ الله العبد بصلاحه في ولده وولد ولده:
كما قيل في قوله تعالى (وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) إنهما حفظا بصلاح أبيهما.
قال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ الله وستر.
ومن أنواع حفظ الله لمن حفظه في دنياه: أن يحفظه من شر كل من يريده بأذى من الجن والإنس.
كما قال تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) قالت عائشة: يكفيه غم الدنيا وهمها.
وكتبت عائشة إلى معاوية: إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً.
كتب بعض السلف إلى أخيه: فإنه من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله الغني عنه.
قال ابن رجب: ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى:
كما جرى لسفينة مولى النبي ﷺ حيث كسر به المركب وخرج إلى جزيرة فرأى الأسد، فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق، فلما أوقفه عليها جعل يهمهم كأنه يودعه ثم رجع عنه.
стр. 2830
وكان العبد الصالح إبراهيم بن أدهم نائماً ذات مرة في بستان، فجاءته حية في فمها نرجس، فما زالت تذب عنه الحيات التي تريد به سوءاً وتدافع عنه، حتى استيقظ من نومه.
قال مسروق بن الأجدع: من راقب الله في خطرات قلبه، عصمه الله في حركات جوارحه.
وقال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: وكان أبوهما صالحاً.
ومن أعظم الحفظ حفظه تعالى لعبده في دينه، فيحفظ عليه دينه وإيمانه في حياته من الشبهات المردية والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإسلام.
ثبت في الصحيحين من حديث البراء أن النبي ﷺ علمه أن يقول عند منامه (اللهم إن قبضت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
وفي حديث عمر عن النبي ﷺ أنه علمه أن يقول (اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً) رواه ابن حبان.
وكان النبي ﷺ إذا ودّع من يريد السفر يقول له: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.
وكان عمر يقول في خطبته: اللهم اعصمنا بحفظك، وثبتنا على أمرك.
وهذا كما حفظ يوسف ﵇ قال (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).
فمن أخلص لله خلصه الله من السوء والفحشاء منها من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة.
وسمع عمر رجلاً يقول: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه، فحُل بيني وبين معاصيك، فأعجب ذلك عمر ودعا له بخير.
راود رجل امرأة عن نفسها وأمرها بغلق الأبواب ففعلت، وقالت له: قد بقي باب واحد، قال: وأي باب هو؟ قالت: الباب الذي بيننا وبين الله، فلم يتعرض لها.
وراود رجل أعرابية، قال لها: ما يرانا إلا الكوكب، قالت: فأين مكوكبها؟
وهذا كله من ألطاف الله وحيلولته بين العبد ومعصيته.
ومن أنواع حفظ الله لعبده في دينه: أن العبد قد يسعى في سبب من أسباب الدنيا، إما بالولايات أو التجارات أو غير ذلك، فيحول الله بينه وبين ما أراده لما يعلم له من الخيرة في ذلك وهو لا يشعر مع كراهته لذلك.
وأعجب من هذا أن العبد قد يطلب باباً من أبواب الطاعات، ولا يكون فيه خيرة، فيحول الله بينه وبينه صيانة له وهو لا يشعر.
وكان بعض السلف يدور على المجالس ويقول: من أحب أن تدوم له العافية فليتق الله.
وقال بعض السلف: من حفظ الله فقد حفظ نفسه.
ماذا نستفيد من هذه الجملة؟
نستفيد: أن من لم يحفظ الله لم يحفظه الله.
قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
стр. 2831
ما معنى قوله ﷺ (احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك)؟
أي: من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، وجد الله معه في جميع الأحوال، يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده، فإنه قائم على كل نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
كتب بعض السلف إلى أخ له: أما بعد، فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان عليك فمن ترجو؟ والسلام.
ماذا نستفيد من قوله ﷺ (إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ)؟
نستفيد أنه يجب على العبد أن يسأل ربه دون المخلوقين.
وقد أمر الله بسؤاله فقال (واسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ).
وفي الترمذي عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من لم يسأل الله يغضب عليه).
واستحق الغضب لأمرين:
الأول: لأنه ترك محبوباً لله، فإن الله يحب أن يسأل، ذكر ذلك المناوي.
والثاني: لأن ترْك الدعاء دليل على الاستغناء عن الله، ذكر ذلك المباركفوي.
وفي النهي عن سؤال المخلوق أحاديث كثيرة أيضاً.
وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً منهم: أبو بكر، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله.
لماذا سؤال الله دون خلقه هو المتعين؟
واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلاً وشرعاً وذلك من وجوه متعددة:
منها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحق.
كان الإمام أحمد يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك.
ولهذا كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم كما ثبت في الصحيحين، لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدنيا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي، فيصير عظماً بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي، فلا يبقى له عند الله وجاهة.
стр. 2832
ومنها: أن في سؤال الله عبودية عظيمة، لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره.
قال بعض السلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو يملكها فكيف أسألها ممن لا يملكها؟ يعني المخلوق.
ومنها: أن الله يحب أن يُسأل، ويغضب على من لا يسأل، فإنه سبحانه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالباً يكره أن يُسأل لفقره وعجزه.
قال أبو العتاهية:
الله يغضب إن تركتَ سؤاله وبُنيّ آدم حين يسأل يغضب
فاجعل سؤالك للإله فإنما في فضل نعمة ربنا نتقلب.
اذكر مفاسد سؤال المخلوقين؟
قال ابن تيمية: سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:
الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك.
والثانية: مفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق.
والثالثة: فيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة ....
ماذا نستفيد من قوله ﷺ (وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ)؟
وجوب الاستعانة بالله وحده تعالى.
وهذا منتزع من قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وهي كلمة عظيمة جامعة يقال: إن سر الكتب الإلهية كلها ترجع إليها وتدور عليها.
وفي استعانة الله فائدتان:
إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.
والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.
وفي الحديث (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز).
وكان ﷺ يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا (الحمد لله نستعينه ونستهديه).
وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
стр. 2833
ما أعظم شيء يجب حفظه من أوامر الله؟
أولاً: الصلاة.
قال تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ).
ثانياً: الطهارة.
قال ﷺ (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) رواه أحمد.
ثالثاً: الأيْمان.
قال تعالى (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ).
رابعاً: حفظ الرأس والبطن.
قال ﷺ (الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى) رواه الترمذي
خامساً: حفظ الفرج.
قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ).
الحديث دليل على قاعدة شرعية فما هي؟
الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله حفظه الله، وهذه قاعدة شرعية جاءت نصوص كثيرة تدل عليها:
قال تعالى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ).
وقال تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).
وقال تعالى (َأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ).
وقال ﷺ (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.
وقال ﷺ (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه مسلم.
وقال ﷺ (احفظ الله يحفظك).
وقال ﷺ (والشاة إن رحمتها رحمك الله) رواه أحمد.
وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) متفق عليه.
وقال ﷺ (من وصل صفاً وصله الله) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (من كان له وجهان في الدنيا، كان له لسانان من نار يوم القيامة) رواه أبو داود.
стр. 2834
١٤٧٣ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اَللَّهُ، وَأَحَبَّنِي اَلنَّاسُ. [فـ] قَالَ: اِزْهَدْ فِي اَلدُّنْيَا يُحِبُّكَ اَللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ اَلنَّاسِ يُحِبُّكَ اَلنَّاسُ) رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَه، وَسَنَدُهُ حَسَن
===
(دلني) أرشدني.
ازهد: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة.
المحرمات المكروهات - المشتبهات لمن لم يتبينها - فضول المباحات.
الدنيا: سميت بذلك لدناءتها، أو لدنوها قبل الآخرة.
ما صحة حديث الباب؟
سنده ضعيف.
ماذا نستفيد من الحديث؟
أن الزهد سبب لمحبة الله تعالى.
وقد تقدم فضائل الزهد في حديث ابن عمر (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
لأن الإنسان لا يزهد في الدنيا حقيقة إلا من أيقن بالجنة.
وقد ذكر العلماء أموراً تعين على الزهد في الدنيا:
أولاً: النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها.
ثانياً: النظر في الآخرة، وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات.
ثالثاً: أن ذلك سبب لراحة البدن والقلب.
كما قال الحسن: الزهد في الدنيا يريح البدن والقلب.
وقد كثر في القرآن مدح الزهد في الدنيا وذم الرغبة فيها.
فأخبر سبحانه أنها متاع قليل.
فقال تعالى (وما الحياة الدنيا إلا متاع).
وقال سبحانه (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً).
قال القرطبي: متاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها، وسماه قليلاً لأنه لا بقاء له.
وتوعد سبحانه لمن رضي بالدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته.
فقال تعالى (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون. أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون).
وعير سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين.
стр. 2835
فقال سبحانه (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل).
وأخبر سبحانه عن خسة الدنيا وزهد فيها ودعا إلى دار السلام.
فقال تعالى (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون. والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).
وأخبر سبحانه أن الدنيا زائلة والآخرة خير وأبقى.
فقال تعالى (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى).
قال ابن كثير: " أي تقدمونها على أمر الآخرة وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم ".
وقال ﷺ (إن الدنيا حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا) رواه مسلم.
وقال ﷺ (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) رواه الترمذي.
اذكر ما ورد في حث الشريعة على الاستغناء عن الناس؟
حديث الباب.
ففيه فضل الاستغناء عما في أيدي الناس، لأن النبي ﷺ جعله سبباً لمحبة الناس لك.
لأنهم منهمكون على محبتها بالطبع، فمن زاحمهم عليها أبغضوه، ومن زهد فيها وتركها لهم أحبوه.
وقد جاء في حديث سهل بن سعد مرفوعاً (شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) رواه الطبراني.
وقال الحسن: لا تزال كريماً على الناس، أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك، وكرهوا حديثك وأبغضوك.
وقال أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.
وكان عمر يقول في خطبته: إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه.
وقال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.
стр. 2836
قال ابن رجب ﵀: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه، لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك.
وجاء في الحديث قوله ﷺ (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ).
قال السعدي: وهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقاً به دون المخلوقين، فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبداً لله حقاً حراً من رق المخلوقين، وذلك بأن يجاهد نفسه على أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله، ولهذا قال ﷺ لعمر (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشْرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) فقطع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففاً وترفعاً عن من الخلق، وعن تعلق القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة.
وتمام ذلك: أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا.
وقال ﷺ (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم.
اذكر فضائل العفة؟
أولاً: أنّها من خصال أهل الإيمان:
قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. والَذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين).
ثانياً: أنّها من أسباب الفوز بظلّ الله يوم القيامة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال (سبعةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاه). متفق عليه
ثالثاً: أنّ أهل العفّة ينالون عون الله.
ففي سنن التّرمذي وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (ثلاثةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُم: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي.
رابعاً: أن النبي ﷺ كان يدعو بها.
عن ابن مسعود قال (كان النبي ﷺ يدعو: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم.
стр. 2837
خامساً: أنّها من أسباب سعادة المرء.
كما قال بعض السّلف: والله للذّة العفّة أعظم من لذّة الذّنب.
وقال الغزالي: ولا معيشة أهنأ من العفّة، ولا عبادة أحسن من الخشوع، ولا زهد خير من القنوع، ولا حارس أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت.
قال حكيم: إذا أراد الله بعبد خيراً ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وأكساه العفاف.
عن وهب بن منبه أنّه قال: الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفّة.
وقال الحسن: لا تزالُ كريماً على الناس ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلتَ ذلك استخفُّوا بكَ، وكرهوا حديثك، وأبغضوك.
وقال أيوب السَّختياني: لا يَنْبُلُ الرجلُ حتى تكونَ فيه خصلتان: العفَّةُ عمَّا في أيدي الناس، والتجاوزُ عمّا يكون منهم.
وقال أعرابيٌّ لأهل البصرة: من سيِّدُ أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن. قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاجَ الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.
قال ابن القيم: أعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت.
ما كيفية السبيل إلى التعلق بالله والتعفف عن الناس؟
أولاً: بالصبر ومجاهدة النفس.
لحديث (ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغن يغنِه الله).
ثانياً: بالدعاء.
فقد كان النبي ﷺ يقول (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى).
стр. 2838
١٤٧٤ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْعَبْدَ اَلتَّقِيَّ، اَلْغَنِيَّ، اَلْخَفِيَّ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
===
ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد محبة الله لمن كان متصفاً بهذه الصفات.
أولاً: أن يكون تقياً.
والتقي: من كان قائماً بأوامر الله مجتنباً لنواهيه.
قال الصنعاني: والتقي هو الآتي بما يجب عليه المجتنب لما يحرم عليه.
قال تعالى (إن الله يحب المتقين).
ثانياً: أن يكون غنياً.
قال النووي: الْمُرَاد بِالْغِنَى غِنَى النَّفْس، هَذَا هُوَ الْغِنَى الْمَحْبُوب لِقَوْلِهِ ﷺ (وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس) وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّ الْمُرَاد الْغِنَى بِالْمَال.
وقال المناوي: (الغني) غنى النفس كما جزم به في الرياض وهو الغني المحبوب، وأشار البيضاوي وعياض والطيبي إلى أن المراد غنى المال، والمال غير محذور لعينه بل لكونه يعوق عن الله، فكم من غني لم يشغله غناه عن الله، وكم من فقير شغله فقره عن الله، فالتحقيق أنه لا يطلق القول بتفضيل الغني على الفقير وعكسه.
كيف يحصل غنى النفس؟
وغنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره؛ علمًا بأن الذي عند الله خير وأبقى، قال ابن حجر: «وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب؛ بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره؛ فيتحقق أنه المعطي المانع؛ فيرضى بقضائه، ويشكره على نعمائه، ويفزع إليه في كشف ضرائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تعالى»
ثالثاً: أن يكون خفياً.
قال ابن الأثير: الخفي هو المعتزل عن الناس، الذي يُخفي عليهم مكانه.
قال النووي: (الخفي) فَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي النُّسَخ، وَالْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَعْض رُوَاة مُسْلِم رَوَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ.
فَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ الْخَامِل الْمُنْقَطِع إِلَى الْعِبَادَة وَالِاشْتِغَال بِأُمُورِ نَفْسه.
وَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ الْوُصُول لِلرَّحِمِ، اللَّطِيف بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاء، وَالصَّحِيح بِالْمُعْجَمَةِ.
стр. 2839
وقال المناوي: (الخفي) بخاء معجمة، أي: الخامل الذكر المعتزل عن الناس الذي يخفي عليهم مكانه ليتفرغ للتعبد.
وقال ابن الجوزي ﵀: الإشارة بالخفي إلى خمول الذكر، والغالب على الخامل السلامة.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (الخفي) هو الذي لا يظهر نفسه، ولا يهتم أن يظهر عند الناس أو يشار إليه بالبنان أو يتحدث الناس عنه، تجده من بيته إلى المسجد، ومن مسجده إلى بيته، ومن بيته إلى أقاربه وإخوانه، يخفي نفسه.
وقال الفضيل بن عياض ﵀: إن قدرت أن لا تُعرف فافعل، وما عليك ألا تعرف؟ وما عليك ألا يثنى عليك؟ وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله ؟
اذكر بعض ما ورد في فضل الخمول وعدم الشهرة؟
وقال أيوب السختياني: والله ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يُشعر بمكانه.
وقال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبد أحب الشهرة.
قال الذهبي معلقًا عليه: علامة المخلص الذي قد يحب شهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد (أي: لا يغضب)، ولا يُبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، ولا يكن معجبًا بنفسه، لا يشعر بعيوبها، فإن هذا داء مزمن.
وقال المروذي: قال لي أحمد: قل لعبد الوهاب: أخمل ذكرك فإني قد بُليت بالشهرة.
قال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد.
وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدرة فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال: إن هذه ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع.
وقال الثوري: كانوا يكرهون الشهرة من الثياب الجيدة، والثياب الرديئة إذ الأبصار تمتد إليهما جميعًا.
وقال رجل لبشر بن الحارث: أوصني، فقال: أخمل ذكرك، وطيب مطعمك.
قال الذهبي: إيثار الخمول، والتواضع، وكثرة الوجل، من علامات التقوى والفلاح.
اذكر بعض الفوائد العامة من الحديث؟
بيان أن التقوى سبب لمحبة الله.
فضل الاستغناء عن الناس.
لا يستغني الإنسان عن الناس إلا وثق بربه وبعطائه وكرمه.
الحث على الخمول.
стр. 2840
١٤٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ اَلْمَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَن.
===
(من حسن) أي من كمال وجمال.
(إسلام المرء) أي استسلامه وانقياده.
(تركه) يشمل الأقوال والأعمال.
(ما لا يعنيه) أي: ما لا تتعلق به عنايته ويهتم به.
ما صحة حديث الباب؟
ضعيف.
اذكر عظم منزلة هذا الحديث؟
هذا الحديث عظيم، وهو أصل كبير في تأديب النفس وتهذيبها، وصيانتها عن الرذائل والنقائص، وترك ما لا جدوى فيه ولا نفع.
قال ابن رجب ﵀: هذا الحديث أصل من أصول الأدب.
قال حمزة الكناني ﵀: هذا الحديث ثلث الإسلام.
قال ابن عبد البر ﵀: كلامه هذا ﷺ من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة، وهو ما لم يقُلْه أحد قبله، والله أعلم.
قال ابن حجر الهيتمي ﵀: وهذا الحديث ربع الإسلام على ما قاله أبو داود، وأقول: بل هو نصف الإسلام، بل هو الإسلام كله.
وذكر الصنعاني ﵀: أن هذا الحديث من جوامع الكلم النبوية، يعمُّ الأقوال، ويعمُّ الأفعال.
ما المراد بالإسلام في الحديث؟
المراد بالإسلام هنا اسم لجميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة.
وله مرتبتان:
الأولى: مطلق الإسلام.
وهو القدر الذي يثبت به عقد الإسلام، فمتى التزم به العبد صار مسلماً داخلاً في جملة أهل القبلة، وحقيقته: التزام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والقيام بحقوقهما.
والأخرى: حسن الإسلام.
وحقيقته: امتثال شرائع الإسلام ظاهراً وباطناً باستحضار مشاهدة الله أو مراقبته للعبد.
وهذا القيام تحقق بمرتبة الإحسان المذكورة في حديث جبريل المتقدم.
وحديث الباب يتعلق بالمرتبة الثانية.
следующие страницы →